← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

لدت في سنة () (١) عقيب ذلك أو قبله بيسير تأمّر والدها عشرة، ونشأت في عزّ وسعادة، وتنقّل والدها بعد ولادتها في عدّة ولايات جليلة حتى صار أتابكاً، وكان عقد لها حين بلغت حَدّ الزواج على خيربك من حديد، وهو الذي استولدها، واستولدها ابنة اسمها فاطمة هي الآن زوجة الأمير جانِبك حبيب الأميراخور الثاني، ودامت في عظمة خيربك من حديد إلى أن وقع له معها أنْ حنق يومأ منها فلطمها، وكان بأذنها خُرص من ياقوت أو نحو مثمن سقط من اللطمة على الرخام فانكسر، فحنقت أمّها الخونْد شقراء منه لما بلغها ذلك وشكته للظاهر جقمق فأمره ففارقها، ثم اتصلت بعده بآقبردي الأشرفي واستولدها ابنة اسمها عائشة، وهي بِكر الآن موجودة، ثم حملت منه ثانياً. فاتفق أنْ كانت ليلة زفاف أختها على خيربك البهلوان الماضي ذكره من الأشرفية، وبينا هم في أثناء عمل الزفاف قبل تمامه إذ أخذ خديجة هذه الطَلْق، ثم ولدت وماتت لوقتها، فانقلب الفرح عزاءً، وأُخّرت أختها وهي فرح عن بناء خيربك بها، وعاشت الابنة المولودة وسُمّيت زينب، وهي باقية أيضاً بكر إلى الآن، وأسفت الخَوَند شقراء على خديجة هذه أسفاً وافراً، وكذا والدها، وأُخرجت جنازتها حافلة من أشهر الجنائز، ودُفنت بتربة الظاهر برقودا في يوم الجمعة العشرين من ذي الحجّة، ثم عمل لها المأتم، ودام عمل ذلك إلى يوم الأربعاء خامس عشرين الحجّة، والأتابك جرباش بالتربة، وتأخّر عن طلوع الخدمة في هذا اليوم، وأخذ في الاهتمام لعمل الأسمطة الهائلة في ليلة الجمعة، فأشيع بعض إشاعة أنه إنّما تأخّر ليصبح الأمراء الأشرفية، بل وغيرهم في يوم الخميس فينزلون من الخدمة إليه للتربة ويسلطِنوه ثم يقابلون الظاهر خُشقدم، وبلغ الظاهر ذلك، فبيّت على قبْض من ذكرناه من الأمراء وفعل بهم ذلك، ثم وقع ما تقدّم ذِكره من الركوب والتوجّه إلى جرباش. وقد عرفتَ تلك الكائنة برمّتها. ويقال: إن الذي أشاع ذلك وخيّل به الظاهر خشقدم كان جانِبك نائب جدّة ليكون ذلك مندوحة لأخذ الأشرفية وإن ذلك لا حقيقة له أصلاً، وهو الظاهر، واللَّه أعلم. ولم يتهنّ الأتابك جرباش بعد هذه الكائنة، وكانت سبباً مفضياً به إلى إخراجه بعد ذلك إلى دمياط معزولًا عن الأتابكية، ولهذا كانت الخَوَند شقراء هذه تقول: إن ابنتها خديجة هذه كانت أول سعد أبيها فإنه تأمّر عشرة حين ولادتها، وكانت آخر سعده، إذ بموتها زال عنه ما كان فيه. وكانت خديجة هذه شابّة حسنة مشكورة، عاقلة، عارفة.

стр. 492

توفيت بعشاء في ليلة الجمعة العشرين من ذي الحجة كما ذكرناه، وجُمِعتْ لها شهادتا (١) النفاس والموت ليلة الجمعة. ١٣٤ - خُشْكَلْدي الكُجكُي (٢) (وهو الكوجكي) (٣). نائب حمص، وأحد الأمراء بطرابلس. كان له ذِكر وشهرة، وعنده خير وديانة، وله حُسن سمت وملتقى وتؤدة وسكون، وأدب وحشمة. وولي نيابة حمص من مدّة، ثم صار بأخرة من الأمراء بطرابلس. وتوفي بها في أواخر شهر رمضان. ونسبته إلى كُجُك، وما علمت من هو، ويقال له: الكوجكي، وهو (غلط غير الأول. وقد رأيته بطرابلس، وكان بينه وبين الوالد محبّة وصحبة أكيدة) (٤). ١٣٥ - خيربك النَوروزي (٥). نائب صفد. كان من مماليك نَورز الحافظي، وتنقّلت به الأحوال بعده في عدّة ولايات كلّها ببذل المال حتى وُلّي بأخرة نيابة صفد عِوضاً عن جانِبك الناجي لما نُدب إلى نيابة حماة عوضأ عن إياس الطويل لما نُقل إلى نيابة طرابلس عِوضاً عن الحاج إينال بحكم انتقاله إلى نيابة حماة بعد قانباي الحمزاوي لما نُقل إلى نيابة الشام بعد موت جُلبان، وكان قد وُلّي غيره أيضاً قبل ذلك عوضاً عن جانبك التاجي أيضاً لما نُقل إلى صفد. وقد تقدّمت هذه التنقّلات في السنين الماضية من تاريخنا هذا. ودام خيربك هذا على نيابة صفد حتى قدم جانَم القاهرة في سلطنة الظاهر خشقدم، ومعه تمراز الأشرفي الدوادار فولّاه الظاهر هذا نيابة صفد عِوضاً

стр. 493

عن خيربك هذا وقرّر في تقدمة تمراز المذكور بدمشق فتوجّه إليها، ولم تطُل مدّته بها. وتوفي بها في هذه السنة، ولا أعلم شيئاً من حاله لأذكُره. ١٣٦ - سودون الأبوبكري (١) المؤَيَّدي. نائب حماة ثم أتابك حلب. كان من صغار مماليك المؤيَّد شيخ، وتنقّل بعده في خدم عدّة من الأمراء بالبلاد الشامية، ودام على ذلك مدّة إلى أن تسلطن الظاهر جقمق فصيّره من جملة أمراء حلب، ثم وُلّي حجوبية الحجّاب بها، ثم أتابكيّتها، ثم نُقل إلى نيابة حماة، ثم صُرف عنها ودام بطّالاً مدّة، ثم صُيّر من جملة أمراء دمشق، ثم أعيد إلى أتابكية حلب، ثم دام على ذلك إلى أنْ بَغَتَه الأجل. وكان إنساناً حسناً، مشكور السيرة، ذا أدب، وصحبة، وتواصي، وخير، ودين، وعفّة، وحياء زائد. توفي بحلب على أتابكيّتها في أواخر شهر رمضان، وهو في عشر السبعين. ١٣٧ - سودون الإينالي (٢)، المؤيَّدي. حاجب الحجّاب المعروف بقراقاش. كان من مماليك المؤيَّد شيخ وخاصكيّته، ودام خاصكيّاً مدّة في عدّة دول إلى أن تسلطن الظاهر جقمق فصيّره من الدوادارية الصغار فباشر ذلك يوماً واحداً، ثم أصبح فأمّره عشرة وصيّره من جملة رؤوس (٣) النُوَب. وخرج في بعض السنين أميراً على الحاج بالركب الأول، ثم بعد مدّة أخرجه الظاهر إلى القدس بطّالاً لشيء وقع له. ثم لما تسلطن الأشرف إينال أحضره من القدس وأمّره طبلخاناه، ثم صيّره رأس نوبة ثانياً، ثم قرّره في جملة مقدّمي الألوف بمالٍ بذله في ذلك، ثم وُلّي حجوبية الحجّاب على ما تقدّم، بل وتنقلاته هذه فلا يُحتاج إلى الإطالة بتبيانها

стр. 494

وتفصيلها لقربها. ثم عيّنه الأشرف إينال في التجريدة لقبرس مع جاكم على ما عرفته أيضًا، فتوجّه إليها مع من توجّه، وبها كانت منيّته من غير جرح ولا قَتْل، بل تمرّض نحو العشرة أيام لا غير. وكان لا بأس به، وله عدّة غزوات قد ذكرناها في محالّها من تاريخنا هذا، وكان ذا شكالة وحُسن هيئة، حشمًا، أدوبًا، كيّسا محبًّا في أهل العلم والفضائل على حدّة في مزاجه وطيش وخفة، وطمع زائد، وسوء معاملة، ووصف بقلّة الغَيرة. توفي في أول المحرم وله من العمر زيادة على الستين. ١٣٨ - طيبُغا الأشرفي (١) شعبان. أحد الخاصكيّة من قدماء القرانصة المعمَّرين. كان من مماليك الأشرف شعبان بن حسين بن الناصر محمد بن المنصور قلاوون، وهو مشهور الترجمة في ملوك مصر وسلاطينها. وكان ملكًا جليلًا رئيسًا عظيمًا، وكان صاحب الترجمة ممن عُمّر بعده، وطال عُمره إلى سلطنة الظاهر خُشقدم صاحب هذه الدولة التي نحن في الكلام فيها، فرأى طيبُغا هذا بمصر نحوًا من عشرين ملكًا تسلطنوا بها (على تقدير المرات) (٢)، ولعلّها من نوادر طيبُغا هذا. ويقال إنه تجاوز المائة. وكان أعمر مكانًا بالروضة على البحر الكبير قرب المقياس وسكن بقربه ودام به وبيده إقطاعه وماله ببيت السلطان، وكان قد سومح من الخِدم السلطانية لعجزه بكِبَر سنّه. ولا زال بالروضة إلى أن بَغَتَه الأجل، وكان على خير كبير حين مات، وأمّا في أيام صبوته فكان رأسًا في الفروسية وأنواع الأنداب والآداب والتعاليم وسائر الفنون. توفي في شهر () (٣) وترك ولدًا ( … ) (٤) خيّر موجود الان. ١٣٩ - عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن شرف بن

стр. 495

منصور بن محمود بن توفيق بن محمد بن عبد اللَّه الزُرَعي، الدمشقي، الشافعي. الشيخ وليّ الدين، أبو محمد المعروف بابن قاضي عجلون (١)، وهي شُهرة جدّه. ولد الوليّ هذا بدمشق في شهر رمضان سنة خمس وثمانمائة. وبها نشأ. فحفظ القرآن العظيم، ثم "التنبيه" و"المنهاج الأصلي"، و"تصحيح التنبيه" لابن الملقن، ثم اشتغل بالعلم، وأخذ الفقه عن الشمس الكفيري، ولازم التاج بن بهادُر، والتقيّ ابن (٢) قاضي شهبة وانتفع بهما، وأخذ العربية عن البُصروي، وقدم القاهرة فأخذ بها عن الشمس الشرواني، والعلاء الكرماني، وأخذ في الحديث عن الحافظ ابن (٣) ناصر الدين وسمع عليه وعلى الحافظ ابن (٤) حجر، وعلى ابن (٥) بردس وغيره بدمشق والقاهرة وغيرها، وتردّد إلى القاهرة غير ما مرة، وشهر وبرع، وذُكر بالفضل، وأفتى ودرّس، وناب في الحكم بدمشق ووُلّي بها عدّة تداريس جليلة، وصار رأس الناس ببلده ومن أعيانها الذين يُذكرون بالعلم والفضل والخير والدين، ولا زال على ذلك. حتى توفي في شعبان. وترك ولديه محمد الآتي في سنة وفاته وهي سنة ست وسبعين (٦). ١٤٠ - • وأبو بكر الشيخ الإمام، العلّامة، تقيّ الدين (٧) الموجود الآن، شيخ الشام في عصرنا الذي نحن به.

стр. 496

ولد بدمشق في سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، وبها نشأ. فحفظ القرآن العظيم، ثم "العُمدة" و"المنهاج"، و"جمع الجوامع"، وغير ذلك، وعرض على التقيّ الأذرِعي، والشمس البلاطُنُسي، وغيرهما. ثم اشتغل فأخذ عن جماعة منهم: والده، الزين خطّاب وغيرهما، وقدم القاهرة فأخذ بها عن جماعة منهم: الشمس البرواني، والعَلَم البُلقيني، والجلال المحلّي، وغيرهم، وجلّ انتفاعه كان بأخيه، وبرع في الفقه، وأفتى ودرّس، ووُلّي التداريس الجليلة ببلده، وصنّف وألّف، وله نظم. وهو شيخ الشام الآن، نفع اللَّه تعالى به. ١٤١ - عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سعد اللَّه بن جماعة بن علي بن جماعة بن حازم بن صخر الكِناني، الحموي الأصل، المقدسي، الشافعي. القاضي جمال الدين ابن (١) العلّامة نجم الدين بن زين الدين المعروف بابن جماعة (٢)، خطيب المسجد الأقصى. ولد بالبيت المقدس في ذي القعدة سنة ثمانين وسبعمائة، وبه نشأ. فحفظ القرآن العظيم، واشتغل وسمع الحديث، ووُلّي خطابة بلده أظنّ والقضاء بها، ولم أحرّر ذلك. وكان لا بأس به، وله صيت وشهرة، لكونه من بيت علم ( ............ ). توفي بهذا الزمان في يوم الجمعة حادي عشرين ذي القعدة. ١٤٢ - عبد الوهاب بن نصر اللَّه بن توما (٣) القِبطي، المصري، الأسلمي.

стр. 497

الصاحب، تاج الدين الورّاق، المعروف بابن الشيخ الخطيب، وهو لقَب لوالده نصر اللَّه في حارة الأقباط في ( ...... ) (١) كذلك، وكان جدّه توما ( … ) (٢). وُلد على النصرانية بُعيد الثمانين وسبعمائة وأسلم مضطّرًا على ما قاله بعضهم عنه، وباشر بعض جهات الأشرف بَرسْباي قبل تسلطنه، ولما تسلطن رقّاه إلى نظر الإسطبل عن البدر بن مزهر حين ولي كتابة السر، ثم جعل إليه التكلّم على ديوان ولده محمد، ثم لما مات محمد جعل له التكلّم على ديوان ولده يوسف الذي تسلطن بعده ولُقّب بالعزيز. ولما استعفى الجمال يوسف ابن (٣) كاتب جَكَم من الوزارة طلب الأشرف التاج هذا فولّاه الوزارة عِوضًا عنه فباشرها مباشرة فاحشة لطيشه وحدّة مزاجه، فصرفه الأشرف عنها وتخَومَل وانحطّ قدره عنده بعد أن كان في مبادي الروح عنده. ولما تسلطن الظاهر جقمق قبض عليه وصادره على جملة من المال مستكثرة، وأعيد إلى الوزارة وباشرها غير ما مرّة وكفّ فيها عن المظالم التي كان يفعلها الوزراء قبله، وحُمدت سيرته بالنسبة لمن وليها قبله، ولكنه كان كثير العجز ( ........... ) (٤) له بالسداد والقيام بالكلف، وكان معدودًا من أعيان الكتبة من القِبط العارفين بصناعة المباشرة. وطعن بعض المؤرّخين (٥) من المجازفين في إسلامه مستدلًّا على ذلك بأنه إلى الآن غالب من كان ببيته حتى من النسوة على دين النصرانية ( … ) (٦) قال: ولم يكن عليه نور الإسلام. انتهى. وأنا أقول: هذا كلام لا ينبغي [قوله] (٧) في المسلم ممن أظهر الإسلام ومات عليه بين أظهُر المسلمين، ودُفن في مقابرهم ( ........ ) (٨) فما هذا إلّا كلام مجازف. واللَّه المسامح. توفي التاج هذا في ذي القعدة وقد شاخ وكبُر سنّه، وأظنّه أكمل التسعين، بتقديم التاء، واللّه أعلم.

стр. 498

١٤٣ - عمر الحصني (١). الشيخ المسلّك، الصالح، المعتقد، العالم، الفاضل. كان قد قرأ ببلاده ( ....... ) (٢) التوجّه إلى اللَّه تعالى والإقبال على شأنه، فارتحل من بلاده إلى هذه الديار، واجتمع على العلّامة الكمال بن الهُمام، وذكر له أن مقصده الانقطاع إلى اللَّه تعالى، والاشتغال بأمور ( … ) (٣) فأمره بملازمة سيدي محمد الأندلسي بالقرافة ففعل وانتفع بذلك، وأزوجه الشيخ محمد المذكور ابنة له وخلفه في زاويته بعد موته، وكان من كبار الصالحين ومن أهل اليقين إشراقيًا عاليًا، ويسّر اللَّه تعالى عليه أسبابه فكان يأكل الجيد من المآكل الطيبة، ولم يزل على قدم الخير والصلاح، وانتفع به جمع من الناس. حتى توفي في هذه السنة على خيرٍ كثير، وكان ممن جاوز الستين فيما أُخبرت عنه، ﵀. ١٤٤ - عمر اليمني (٤)، المكي. الشيخ الصالح، العابد، الزاهد، المعتقد، نزيل مكة المشرّفة. كان فردًا في الصلاح وكثرة العبادة والمداومة عليها، وله شهرة بمكة. وكان للناس فيه الاعتقاد الحسن لكثرة تعبُّده حتى حُكي عن الشيخ الصالح أحمد العوفي نزيل مكة أيضاً أنه قال في حق صاحب الترجمة إنه يشبه عُبّاد بني إسرائيل في كثرة العبادة والمداومة عليها. توفي بمكة المشرَّفة على خير كبير في سَحَر ليلة الأربعاء ثالث شهر ربيع الأول، ودفن بمقابر باب شرقي، ﵀ ونفع به. ١٤٥ - فرج بن ماجد (٥) بن () (٦) القبطي، المصري.

стр. 499

الصاحب سعد الدين، المعروف بابن النحّال، الوزير، الأستادّار بمصر. ولد على ما أُخبرت به في سنة إحدى وثمانمائة بالقاهرة، وبها نشأ. وتقلّبت به الأحوال في أنواع من المباشرات على ( … ... ) (١) من يده أوقاف شيخو الخانقاه والجامع. وكان مشكورًا في مباشراته، وآل به الأمر أن وُلّي كتابة المماليك، ثم الوزارة والإستادّارية، وتكرّر له ذلك فيهما غير ما مرة، وكان لا بأس به، كثير المواظبة على الصلوات، مع رياسة وشُهرة وصدق لهجة. وكان يُعاب بحدّةٍ في مزاجه. توفي بطّالًا بداره في ليلة الثلاثاء حادي عشر جمادى الآخرة. ١٤٦ - فيروز النَوروزي (٢) الرويس. الخادم، الطواشي، زين الدين، زمام الآدُر السلطانية والخازندار. كان من خدّام الأمير نوروز الحافظي وطواشيته، وتنقّلت به الأحوال بعده في المِحَن والخطوب إلى [أن] ولي خُشداشه أرغون شاه النوروزي الأستادّارية الكبرى، فجعل فيروز هذا كاشف البحيرة، فلم تُحمد له سيرة بها وجرت عليه أمور بعد عزل أرغون شاه عن الأستادارية بل وخطوب وأنكاد إلى أن ولّاه الظاهر جقمق الخازندارية، ثم الزمامية على ما تقدّم ذِكر ذلك في محلّه في دولة الظاهر في متجدّدات سنة ستّ وأربعين وثمانمائة. ولم يزل على ذلك إلى سلطنة المؤيَّد أحمد بن إينال، وبَغَتَه أجله في دولته. وكان رأسًا في الشح والبُخل راسخًا فيهما، سيء الأخلاق، حادّ المزاج، مذموم السيرة، بل والسريرة. وكان إذا توجّه للسلطان للدُهيشة يمشي من طبقة الزمام إليها على رجليه، وإذا أراد الصلاة أن حدّثته نفسه بهما صلّاها جالسًا -أعني الفريضة- معتذرًا لعجزه وكبِرَ سنّه، وهذا يدلّ على غاية الجهل وعلى التهاون بالصلاة وعدم المبالاة بأمور الدين، وكان يُتّهم بمال كبير، ووجد له بعد موته فوق المائة ألف دينار ذهبًا عينًا وانتقلت لأنه كان يقال إن ماله أضعاف ما وُجد له، هانه لم يظفر من ماله إلّا بالبعض وهو هذا المقدار، فلا حول ولا قوّة إلّا باللَّه.

стр. 500

توفي فيروز هذا في يوم الخميس خامس عشرين شعبان أو رابع عشرينه بعد مرض طويل، ودُفن بتربة أنشأها بالصحراء، وبه تُعرف الآن. وكان له زيادة على الثمانين سنة. ١٤٧ - كُزَل السُّودوني (١). أحد العشرات ورؤوس (٢) النُوَب، ومعلّم الرمح المعروف بالمعلّم. كان من مماليك سودون قريب الظاهر برقوق الذي كان يقال له سيّدي سودون، وولي نيابة الشام، وهو مشهور الترجمة، وتنقّلت الأحوال بصاحب الترجمة بعد موت أستاذه إلى أن أُمّر عشرة في دولة الأشرف برسباي وصيّره من رؤوس (٣) النُوَب ومعلّم الرمح، ونالته السعادة بسبب تعليم الرمح، ودام على ما هو عليه إلى أن مات الأشرف، فكان كُزَل هذا من حزب ولده العزيز، ولما خُلع العزيز حقد عليه الظاهر جقمق ذلك، لكن صار يحتمله على عادته في ذلك من غير أن يلتفت إليه مرة. ثم أخرجه إلى مكة أميرًا على الجند الراكز بها، فبقي بها مدّة، ثم أخرج عنه إمرته فقدم القاهرة ودام بها بطّالاً مدّة إلى أن مات الظاهر وتسلطن ولده المنصور، فكان ممن قام معه في تلك الكائنة التي آلت إلى خلعه فحقدها عليه الأشرف إينال فأخرج عن إمرته فإن المنصور كان أمّره عشرة ثانيًا، ودام مدّة بطّالًا، ثم رضي عليه الأشرف إينال المذكور وأفره عشرة ثالثاً، ودام على ذلك حتى بَغَتَه الأجل. وكان إنسانًا حسنًا مليح الشكالة مع قِصَر قامته، حسن الهيئة والملتقى، ذا تؤدة وأدب وحشمة، خيّرًا، ديّنا، فصيحًا في العبارة، ورأسًا في معرفة الرمح وفي تعليمه، انتهت إليه الرياسة في ذلك. توفي في يوم السبت ثاني عشرين جمادى الآخرة، ودُفن من غده بتربة له أنشأها بالصحراء. وكان له نحوًا من تسعين سنة، بتقديم التاء. ١٤٨ - محمد بن أيتمش (٤) الخضري، ناصر الدين الجركسي الأصل، القاهري، الحنفي.

стр. 501

ووالده أيتمش قد عرفت ترجمته فيما تقدّم. كان ناصر الدين هذا أحد أعيان أولاد الناس والمختصّين بالأشرف إينال لكونه كان ابن (١) أخت زوجته وابن (٢) مملوك والد أستاذه، وكانت أمّه تُسمّى الست تتر، وهي خالة المؤيَّد أحمد بن الأشرف إينال. وكان صاحب الترجمة شابًا مُتْرَفًا، كثير المال، مسرفاً على نفسه، ثم أظهر التوبة والإقلاع، على أنه يقال إنه فعل ذلك صبراً، واللَّه أعلم. وأقبل على طلب العِلم، وبقي يحضر على التقيّ الشُمُنّي، وصار يجيء إلى زاوية تقيّ الدين بالمصنع في ليالي دروس الشُمُنّي فيبيت بالزاوية المذكورة في جمع من حشمه وخدمه، بل نقل إليها الكثير من متاعه، وصار يُظهِر التنسّك والعبادة ويلازم الأوراد والأذكار. وكان أولًا يعارض ولد خالته المؤيَّد أحمد ويُظهر الاستعلاء عليه، وله في ذلك حكايات تطول. وكان شابًا حسنًا شهمًا، وله كرم نفْس، وكان يدّعي أنه أحمد من ولد خالته لكون أبيه كان أحمد بن إينال، وكذا أنه كانت أحمد من أمّ المؤيَّد، وكان يحضر مجلسه الكثير من الظرفاء وأولاد الناس وأهل الفنون، وله ثروة طائلة ومتعة عيش، ولعلّ موته على التوبة مما ينفعه. وكان حسن السمت والعِشرة والمحاضرة، فكِهًا، خيّرًا، ديّنًا بأخرة وعلى ذلك! توفي في أثناء ذلك في يوم الثلاثاء ثامن ربيع الآخر. وكانوا في دفنه، فقبل أن يُنزل إلى قبره حضر المقام الشهابي من السرحة التي حدّثنا كيفية خروجه إليها التي كانت آخر سرحاته المشهورة فأدركه قبل دفنه وتأسّف عليه إلى الغاية على ما كان بينهما من المناظرة، ومع ذلك فتألّم لموته لكونه رُبّي وإيّاه، وهو ابن (٣) خالته. ١٤٩ - محمد بن محمد بن أبي القاسم المَشَدّالي (٤)، المغربي، البجّائي (٥)، المالكي.

стр. 502

العلّامة أبو الفضل، الماضي ذِكره. أرّخه الجمال يوسف (١) في وفيات هذه السنة، وأرّخه الغير في التي قبلها، ولعلّ الأصوب والأقرب، وقد تقدّم ذِكره في الخالية، وأعدناه هاهنا للتنبّه على ما قلنا (٢). ١٥٠ - محمد بن محمد بن عبد السلام المغربيّ الأصل، الصّنهاجي (٣)، المنوفي، القاهري، الشافعي. الشيخ عزّ الدين، أحد نوّاب الحكم بالقاهرة، المعروف بجدّه. ولد بمنْف الثلاثاء في سنة خمس وسبعين وسبعمائة تقريبًا. وحفظ القرآن وأشياء، واشتغل بالقاهرة، وأخذ عن جماعة، وسمع الحديث على السراج البُلقيني، وبموته انقطع من حضر على السراج المذكور. وكان إنسانًا حسنًا. توفي في ليلة الثلاثاء رابع عشر ربيع الآخر. وقال بعضهم: في بُكرة يوم الثلاثاء. ولعلّه الأصوب (٤). وكان قد ظهر عليه الهرم جدًا. ١٥١ - محمود بن عمر بن () (٥) القرميّ (٦) الأصل، القاهري، الحنفي. القاضي أفضل الدين بن سراج الدين. كان من أعيان نوب الحكم، ولديه فضيلة ومشاركة. أخذ العلم عن جماعة، وناب في القضاء مدّة، وكان مشكورًا، وله ذِكر في "تاريخ" الحافظ ابن (٧) حجر، ولم يزل قاضيًا نيفًا وثلاثين سنة، وحج بأخرة فجاور بمكة ثم عاد في هذه السنة فبَغَتَه أجله في عَوده.

стр. 503

وتوفي في ليلة الثلاثاء سابع عشرين ذي الحجة، وجُهّز إلى بدر فدُفن بها. هنيئًا له. ١٥٢ - محمود بن علي بن عبد العزيز بن محمد الهندي (١) الأصل، الخانكي، الشافعي، كمال الدين. وُلد بالخانكة بسِرْياقوس في صفر سنة ست وسبعين وسبعمائة، وبها نشأ. وتوفي في يوم الإثنين سلْخ ذي الحجة بمكة المشرّفة، ودُفن بالمُعلّاة بالقرب من السيد الولي العارف الفُضيل بن عياض، متّعنا اللَّه به. ١٥٣ - مرجان العادلي (٢)، المحمودي، الحصني، الحبشي، الخادم، زين الدين. مقدَّم المماليك. كان فيما ذكر عن نفسه من طواشية العادل سليمان صاحب حصن كيفا، وقيل بل كان من طواشية بعض تجار الحصن، ومن رجل كان سيده حلويًا بالحصن، وتنقّلت به الأحوال في كثير من الأهوال، وقاسى الشدائد والمِحَن، وتكدّى، وسأل وتعذّب، وقدم القاهرة فتنقل في خدم الأمراء، ثم اتصل بباب السلطان بعد ذلك وتنقّل في عدّة أشياء مما يتعلّق بالخدّام حتى صار مقدَّم طبقة الرفرف، وكان بها مُغُلْباي الساقي فكان يداخله ويتخدّم إليه بالدجاج المعلوف وغيره، ووُلّي نيابة المقدّم بعنايته، ثم ولي تقدمة المماليك في أواخر سنة أربع وخمسين عِوضًا عن جوهر، وكان نائبًا عنه، ولم تُحمد سيرته في التقدمة بل ولا في غيرها، ودام على التقدمة حتى بَغَته أجله، وكان مسرفًا على نفسه، غير مشكور في أُموره، هذا مع ما ذاقه من الفقر والفاقة، ومع ذلك كلّه فلم يتأدّب ولا عرف مقدار النعمة. وتوفي في يوم السبت ثاني جمادى الآخرة. ووهِم ابن (٣) تغري بردي فقال (٤): في أواخر جماد الأول. وكان قد قارب الستين سنة أو زاد عليها، ودُفن من الغد.

стр. 504

١٥٤ - يونس الأقبائي (١) الدوادار الكبير. الأمير شرف الدين صهر الأشرف إينال على ابنته الخَوَند فاطمة. كان من مماليك الأمير آقباي المؤيَّدي نائب الشام، وتنقّلت به الأحوال بعده إلى أن صُيّر خاصكيًّا، ثم أُمّر عشرة، ثم صيّره الظاهر جقمق شادّ الشراب خاناه على إمرة طبلخاناه، ثم نقل إلى تقدمة ألف، ثم صيّر دوادارًا كبيرًا في دولة الأشرف إينال عِوضًا عن تمربُغا بعد القبض عليه في كائنة خلع ولد أستاذه المنصور عثمان بن الظاهر جقمق وذلك في سنة سبع وخمسين وثمانمائة، وتقرّب من إينال واختصّ به، وأزوجه ابنته فاطمة المذكورة فاستكبر بها وصار ذا وجاهة وحُرمة كاملة وشهرة، وقُصد في كثير من المهمّات، وأثرى، واقتنى النفائس المستحسنة، ودام على ما هو عليه مدّة سلطنة الأشرف إينال كلها. ولما مات تسلطن ولده إتفق أن تمرّض يونس هذا وطال به المرض مدّة حتى كانت الكائنة التي خُلع فيها المؤيَّد فبعث فيها إليه بأن يجهّز من مماليكه جماعة بلامة الحرب مساعدة للأتابك إينال، فما أمكن إلّا الإجابة على رغمٍ منه ومنهم، ودام بعض أيام وأدركه أجله. وكان إنسانًا حسنًا، عاقلًا، حشمًا، سيوسًا، مدبّرًا، حسن الهيئة والملتقى، ذا أدب وتؤدة وسكون ورياسة وكياسة، وكرم زائد. وكان عارفًا بأنواع الفروسية والملاعيب، وله من الآثار تربة أنشأها بالصحراء، والسبيل بالصليبة، والمكتب للأيتام، وبه البرّ والمعروف والمرتّب لهم. وبنى (٢) عدّة دُور جيدة. وكان له محاسن جمّة في الجملة. توفي يوم الأربعاء العشرين من شهر رمضان، وهو اليوم الرابع من سلطنة الظاهر خشقدم وجُهّز وحُمل إلى تربته المذكورة فدُفن بها. وأُعطي بَرْكُهُ لجانَم نائب الشام بتمامه وكماله على ما عرفتَ ذلك. ووُلّي الدوادارية بعده جانِبك نائب جُدّة، وقد عرفت هذا أيضًا فيما تقدّم.

стр. 505

سنة ست وستين وثمانمائة [شهر محرّم] [أمراء المملكة] استهلّت هذه السنة والخليفة فيها هو الذي في التي قبلها. وأمّا السلطان فكان فيها الملك الظاهر أبو سعيد خُشقدم من ناصر الدين المؤيَّدي صاحب مصر والشام والحجاز وما والاها من الممالك. وهو أول رومي تسلطن، وأول مؤيَّدي تسلطن، وقد حكم بعضًا من التي قبلها على ما تقدّم وحكم في بعضها المؤيَّد أحمد قبله، وفي بعضها الأشرف إينال قبل أحمد. وقد عرفت ذلك بتمامه وكماله في المتجدّدات في الخالية. وأمّا بقية الملوك النائية بالممالك القاصية فعلى ما هم عليه في الخالية لم يبلغنا عن أحدٍ منهم وفاة ولا تغيير (١). وأمّا الأمراء بمصر فالأتابك كان في هذه السنة الأمير جرباش المحمدي المعروف بكُرد، وُلّيها عن خُشقدم بحكم انتقاله عنها إلى السلطنة. وأمّا أمير سلاح فيها فكان الأمير قرقماس الجلب الأشرفي، وُلّيها عِوضًا عن جرِباش بحكم انتقاله إلى الأتابكية. وأمّا أمير مجلس فكان في هذه السنة قانَم التاجر، وُلّيها عن قرقماس. وأمّا رأس نوبة النُوَب فكان فيها تمربُغا الظاهري، ووُلّيها عن بيبرس خال العزيز بحكم القبض عليه على ما تقدّم. وأمّا حاجب الحجّاب فكان فيها يُلباي المؤيَّدي، وُلّيها عن بيبرس حين نُقل إلى الرأس نوبة عِوضًا عن قَرقماس الجلب حين نُقل إلى إمرة مجلس عِوَضًا عن جرِباش، ونقل إلى إمرة سلاح عوضًا عن خشقدم حين نُقل إلى الأتابكية عوضًا عن الشهابي أحمد بن الأشرف إينال حين نُقل إلى السلطنة،

стр. 506

هذا كلّه في دولة المؤيَّد قبل سلطنة الظاهر خُشقدم، وكل ذلك قدّمناه. وأمّا الدوادار الكبير في هذه السنة فكان جانِبك نائب جدّة، وُلّيها عِوضًا عن يونس الآقبائي الماضي قريبًا بحكم وفاته. وأمّا نواب البلاد فعلى حالهم في الخالية، ونائب الشام جانَم، وقد عرفتَ ما جرى عيه ثم عَوده إلى محلّ نيابته. ما عدا نائب صفد فإنه في هذه السنة تمراز الأشرفي الدوادار، وُلّيها عن خيربك. وما عدا نائب غزّة فإنه في هذه السنة خيربك القصرُوي، وُلّيها عن بُردُبك. وأمّا القضاة فعلى ما هم عليه ما عدا قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، فإنه في هذه السنة الشيخ الإمام، شيخ الإسلام شرف الدين يحيى المناوي. وأمّا مباشرو (١) الدولة فعلى ما هم عليه، ما عدا ناظر الخاص فإنه في هذه السنة الشرف الأنصاري، وُلّيها عن الزين بن الكُوَيز بحكم اختفائه عنها على ما تقدّم. وما عدا ناظر الجيش، فإنه في هذه السنة النجم يحيى بن حجّي وُلّيها عن الزين بن مزهر، وكل هذه التنقّلات قد عرفتها في المتجدّدات الماضية في الخالية.

стр. 507

ذِكر نُبَذٍ (١) من المتجدّدات اليومية في هذه السنة [التهنئة بالشهر المحرم والسنة] كان أولى هذه السنة يوم الثلاثاء. ففيها، في هذا اليوم مستهلّ المحرّم طلع القضاة الأربعة (٢) والمشايخ، ومن له عادة بالطلوع إلى القلعة لتهنئة السلطان بالشهر والعام، وهي أول سنة هُنّيئ بها هذا السلطان. [غضب السلطان لعودة إياس المحمدي من قبرس] وفيه، في يوم الأربعاء ثانيه ورد الخبر إلى القاهرة بأن إياس المحمدي الطويل وصل إلى ثغر دمياط من جزيرة قبرس وكان حضوره بغير إذن، فغضب السلطان من ذلك واستشاط وحنق. وكان ما سنذكره (٣). [نفي الأميرين خيربك وقانَم الصغير] وفيه -أعني هذا اليوم- أمر السلطان بإخراج خيربك البهلوان وقانَم الصغير وهما من العشرات، والأول صهر الأتابك جرِباش فأُخرجا منفيَّيْن إلى البلاد الشامية بشيء نُقل عنهما، اللَّه أعلم بصحّته (٤). [التجريدة إلى الصعيد] وفيه، في يوم الخميس ثالثه، عيّن السلطان تجريدة للصعيد صحبة الأمير

стр. 508

سليمان بن عيسى بن عمر بعد أن ولي إمرة عربان هوّارة، وعزل عنها أحمد ابن (١) عمّ سليمان هذا الماضي ذِكر ولايته. وستأتي ترجمة كل منهما في محلّهما: سليمان في تراجم سنة إحدى وثمانين، وأحمد في تراجم سنة أربع وثمانين إن شاء اللَّه تعالى، فجعل السلطان على هذه التجريدة جُكَم خال العزيز، وأيدكي، ومغلباي، والثلاثة من الأشرفية. وكان هذا بداية السُخَر والتشاتيت الواقعة في الأشرفية، وما سنذكره فا ( … ) (٢). [استقرار طوخ في الزردكاشية] وفيه، في يوم الإثنين سابعه استقرّ في الزردكاشية طوخ الأبوبكري المؤيَّدي عِوضًا عن سُنقر قرق شبق الماضي ذكره وبيان القبض عليه (٣). [استقرار سودون الأفرم في الخازندارية] وفيه -أعني هذا اليوم- استقرّ في وظيفة الخازندارية الكبرى سودون الأفرم الظاهري عِوضاً عن قانَم طاز بحكم القبض عليه (٤). [تأمير وإقطاع بالجملة] وفيه - أعني هذا اليوم - أمّر السلطان جماعة وأقطع آخرين، وازدحم عليه الطوائف بسبب ذلك وهو يؤمّر ويُقْطع باستحقاق وبغير استحقاق بالنسبة لعدّتهم (٥). (خروج قايتباي إلى دمياط) (٦) وفيه -أعني هذا اليوم أيضًا- عيّن السلطان الأمير قايتباي المحمودي شادّ الشراب خاناه، ومعه جماعة من الخاصكية، وكان صاحبنا سيباي العلائي المعروف بعد ذلك بالكاشف معه من جملة الخاصكية، ليتوجّهوا إلى ثغر دمياط للقبض على إياس الطويل وحمْله إلى سجن الإسكندرية لكونه ترك العسكر بقبرس في حال

стр. 509

اضطرارهم إليه وحضر بغير إذنٍ سلطاني، فخرج قايتباي من ليلته، وهي ليلة الثلاثاء متوجّهًا لِما هو بصدده، حتى وصل لثغر دمياط من غير ممانعة ولا مدافعة. [حكاية والد المؤلف عن إياس الطويل] حكى لي الوالد، ﵀، عن إياس هذا، قال: من غريب ما وقع لي معه وأنا بطرابلس وهو على نيابتها أنني كنت معه في كلام يتعلّق بزوال النِعَم وتبدُّلها، فأخذ يعارضني فيما أنا فيه، فقلت له: أنت ما جرّبت الأمور فحنق منّي وقال لي: كيف ما جرّبت الأمور وأنا أكبر منك سِنًّا. فقلت له: لا تعلّق للسنّ في ذلك. هل رأيت طبلخانتك أدخلت الضرائر قط. قال: لا، ولا تُدخل الطبلخاناه الغرائر، واستبعد ذلك. وانفصل المجلس من غير أن يُصغي لما قلته ولا اكترث به. قال الوالد: ثم بعد مدّة من هذا، وبعد مدّة من النقلة التي وقعت له من قبضه اتفق أن اجتمعت به فقال لي: مرحبًا بمجرّب الأمور. فقلت له: وما ذاك؟ فقال لي: واللَّهِ لقد تفكّرت في قولك لي مرة من مدّة، هل رأيت طبلخاناتك وقد أدخل بها الغرائر، وما عبأتُ بذلك حتى جاء إليّ قايتباي بالقبض عليّ بثغر دمياط، فلما قُبض عليَّ وجرى ما جرى ووقع الهرج في غلماني وجماعتي ومن معي لحظت في غضون ذلك، وإذا أنا أنظر إلى غلمان الطبلخاناة وهم يُدخِلون بها الغرائر لزوال سبب جذبها، فحضرني كلامك في ذلك الحين وبقيت متفكّرًا فيه، وعرفت حينئذٍ معناه، وحصل عندي بعض اعتبار وندم على ما فات منّي قبل ذلك. انتهى كلام الوالد. أقول: وقايتباي هذا المعيَّن للقبض على إياس في ذلك الحين هو سلطان زمننا هذا الملك الأشرف. - • ولقد عاش إياس هذا بعد هذه الكائنة إلى صدر من سلطنة قايتباي هذا حتى حضر إلى القاهرة بعد ذلك من طرابلس وكان قد أخرج إليها بعد نقله من الإسكندرية إلى سجن المَرقَب، ثم قبّل الأرض لقايتباي هذا، ثم مات بعد ذلك محمولًا بطرابلس على ما سيأتي في محلّه من ترجمته، أظنّ في سنة سبع وسبعين (١) إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 510

[التجريدة إلى قبرس] وفيه، في يوم السبت ثاني عشره، عيّن السلطان جماعة من الأشرفية الكبار البَرسبائية والأشرفية الصغار الإينالية تجريدة إلى جزيرة قبرس نجدةً لمن بها من العسكر الإسلامي الذين تركهم إياس وحضر، وجعل الباش على هذه التجريدة مُغلباي البجاسي أتابك طرابلس. وكان مُغلباي هذا قد حضر صحبة إياس الطويل (١). [تقدمة ألْف لقَراجا العُمري بدمشق] وفيه في يوم الإثنين رابع عشره أُخرج قَراجا العُمري الناصري الرأس نوبة الثاني إلى دمشق على تقدمة ألف بها، وهي التقدمة التي كانت بيد الوالد لما كان بدمشق، وهي تقدمة هيّنة. والسبب في ذلك أن قراجا هذا كان ممن قد انضمّ على جرِباش هذا في يوم أركب من الصحراء، وهو أيضًا من خشداشيه. وأمّا جرباش فكان في نفس خُشقدم منه شيء إلى أن كان ما سنذكره (٢). [تقرير رأس النوبة الثانية] وفيه، أعني هذا اليوم، استقرّ تَنَم الأشرفي الحسني في الرأس نوبته الثانية عِوضًا عن قَراجا المذكور (٣). [نيابة طرابلس] وفيه، في يوم الخميس سابع عشره استقر بَرسْباي البُجَاسي الأمير اخور الكبير في نيابة طرابلس عوضًا عن أياس الماضي ذِكره (٤). [تقرير يُلباي في الأمير اخورية الكبرى] وفيه -أعني هذا اليوم أيضًا- استقر في الأمير اخورية الكبرى يُلباي الإينالي

стр. 511

المؤيَّدي الذي وُلّي بعد هذا التاريخ السلطنة عن الظاهر خشقدم، ولُقّب بالظاهر أيضًا على ما ستعرف ذلك. ويلباي هذا هو خُشداش السلطان خشقدم هذا، فلهذا جعله بباب السلسلة ليطمئن (١) وأبعد برسباي، لا سيما وقد وقع منه تلك الفعلة وهي تركه باب السلسلة والنزول إلى العسكر التحاتي في أحوج أوقات ما يحتاج إليه، ولا سيما والسلطان حينئذٍ صهره، وإن كان قد نزل إلى خشقدم، لكنْ علم أن ذلك من الذنوب وأنه لربّما فعل معه في قضية يقع كما فعل من هو أقرب منه إليه وهو صهره، أعني المؤيَّد أحمد بن الأشرف إينال (٢). [تقرير بُردُبك في حجوبية الحجّاب] وفيه أيضًا قُرّر في حجوبية الحجّاب بُرْدُبك الظاهري الأقرع، المعروف بالبُجْمَقْدار (٣). [تقدمة قانِبك المحمودي] وفيه تقرّرت تقدمة خُشداشه قانِبك المحمودي بالتقدمة التي كانت بيد برسباي البجاسي [منصرفً]، بقانبك المذكور، إذ هذه التقدمة أميز من التي كانت بيده (٤). [تقدمة ططر الناصري] وفيه قُرّر في تقدمة قانِبك الناصري، المعروف بططر (٥). [إخراج إقطاع تمرباي] وأمّا إقطاع تَمُرباي فأخرجه السلطان لجماعة من الجند ممن لهم اعتبار أو شوكة أو اختشاء من شرّ بعضهم أو تحرّكه (٦).

стр. 512

[نظارة الإسطبل] وفيه استقرّ في نظر الإسطبل الخواجا القاضي علاء الدين بن الصابوني، وكان قد حضر من دمشق لما بلغه سلطنة الظاهر هذا لما كان بينه وبينه من الصحبة حين كان مقدَّمًا بدمشق. وأيضًا تولى هذا موجود الآن، وهو ناظر خاص زمننا هذا، فلنترجمه على عادتنا في تراجم الأحياء (١). [ترجمة القاضي علاء الدين] ١٥٥ - فهو علي بن أحمد بن محمد بن سليمان القاضي علاء الدين ابن (٢) الخواجا شهاب الدين الصابوني (٣)، الدمشقي، الشافعي، قاضي القضاة بدمشق. كان ناظر الخاص بعصرنا الآن. ولد بدمشق في سنة () (٤) وبها نشأ. فحفظ القرآن العظيم، و"المنهاج "، وغير ذلك، واشتغل كثيرًا، وأخذ عن جماعة، وتعانى الاتجار كأبيه، وكان والده من أعيان تجار دمشق، وهو أيضًا، وتعانى ( … ) (٥) حين قدم الظاهر وهو بدمشق، وأظنّه كان سببًا لتزويج خُشقدم بالخَوَنْد شُكْرْباي ( … ... ) (٦) تسلطن الظاهر خشقدم هذا حضر من دمشق فأكرمه وولّاه عدّة وظائف ( … ... … ... … ) (٧) نظارة الإسطبل في هذا اليوم عوضأ عن الشرف ( … ... ) (٨) واختصّه وأدناه وقرّبه، ثم رقّاه إلى وكالة بيت المال ونظر الكِسوة ( … ... … ) (٩) في ذلك، وشُهر في النقلة وذُكر، ثم آل به الأمر أن وُلّي قضاء دمشق الأكبر وكتابة سرَّها، وباشر ذلك ( … ... ) (١٠)، وكان والده ينوب عنه، ونوّابه، ودام مدّة كذلك ( ......... … ) (١١) لا زال على ذلك حتى مات الظاهر خشقدم فصُرف عن جميع ذلك

стр. 513

وصودر على ( ............ ) (١) الأشرف قايتباي وأُخرج موكَّلًا به إلى دمشق بسبب المال، ثم عاد إلى القاهرة ولزم داره ( ...... ) (٢) وقاسى الأهوال غير ما مرة، ثم ولّاه الأشرف قايتباي وكالة بيت المال بعد ( ...... ) (٣)، ثم نظارة الخاص بعد البدر بن الكُوَيز فباشرها بظلم زائد وطمع نفْس وعسْف، لكن له من يحرّكه إلى ذلك ويلجّه إليه على رغمه، فلا حول ولا قوة إلّا باللَّه. وهو باقٍ على ذلك إلى يومنا هذا، وقد أُرجف بعزله غير ما مرة ولعجزه. وهو متجلّد صابر، إنسان حسن السمت والملتقى، كثير الأدب والحشمة والبِشر والبشاشة، لكنه لو دام على ما كان عليه لمدّة من القوة والرياسة والاتجار لكان في غنية عمّا تورّط فيه وما آل أمره إليه، لكن الأمور بيد اللَّه تعالى. وسيأتي في المتجدّدات الآتية تنقّلاته مفصّلة وأحواله، وأضيفت إليه على نظارة الإسطبل نظر الأوقاف أيضًا، ولم تكن المباشرة صنعته ولا منه حتى تدرّب في ذلك. [دخول الحاج القاهرة] وفيه، في يوم الثلاثاء ثاني عشرينه دخل الحاج إلى القاهرة وطلع مُغلباي طاز إلى القلعة، فخلع عليه وعلى تَنِبك أمير الأول، ونزلا بمركب حفل (٤). [طلوع والد المؤلّف إلى القلعة] وفيه، في يوم الجمعة خامس عشرينه طلع الوالد إلى القلعة، فأخذ السلطان يسأله عن الطبول التي تُضرب على أبواب السلطان والأمراء في كل ليلة، هل يجوز فعلها أم لا؟ فقال الوالد: إن كان ضَرْبَها لأجل الغزو وإرهاب العدوّ وإظهار شعائر المُلك بالاستعداد لذلك، فلعلّه جائز، وإلّا فلا يجوز، لأنه يكون للتلهّي. فأعجبه هذا الجواب. [خروج العسكر لقبرس] وفيه -أعني هذا الشهر- خرج العسكر المعيَّن تجريدة قبرس للجهاد، وكان خروجهم شيئًا فشيئًا أرسالاً (٥).

стр. 514

[شهر صفر] (إعادة الزين ابن مزهر إلى نظارة الجيش) (١) وفيها استهلّ صفر بالرؤية بالأربعاء، وهُنّيء السلطان به. وفيه في يوم الخميس ثانيه أعيد إلى نظارة الجيش الزَّين بن مزهر على عادته، وصُرف النجم بن حجّي (٢). [لبْس السلطان الصوف] وفيه، في يوم الجمعة ثالثه، الموافق لحادي عشر هاتور، لبس السلطان القماش الصوف، وألبس أمراؤه على العادة، وهُيّئت كوامل الشتاء لنواب البلاد الشامية. [ترشيح منصور بن الصَّفِي للأستادّارية] وفيه، في يوم الإثنين سادسه وكّل السلطان زين الدّين للأستادار لأجل الحساب وأن يحضره منصور بن الصَّفِيّ للمحاققة على ذلك. ثم آل الأمر بعد أن ترشح منصور للأستادّارية أن عملت مصلحة الدين للأستادّار بأن يحمل إليه في كل شهر عشرة آلاف دينار خارجًا عن جهات المفرَد، وأشهد عليه بتكفية الجوامك بعد حمل هذا المقدار إليه من الخزائن السلطانية، وخلع عليه باستمراره على عادته (٣). [هدية نائب الشام للسلطان] وفيه في يوم (٤) الثلاثاء سابعه، قدم أحد مماليك جانَم نائب الشام ورأس نوبته ومعه هدية للسلطان من عند مرسله، وهي تسعة مماليك لا غير، وعلى يده مكاتبة من مرسله، واعتذر مملوكه عن سيّده بأنه لا علم له ولا عنده بشيء من قضية تمراز في فراره هاربًا من صفد، وأنه باقٍ على الطاعة واقف على قدم الاجتهاد في الخِدم السلطانية (٥).

стр. 515

وكان من قصّة هرب تمراز أن السلطان كان قد بعث بالقبض عليه، وكأنه أحسّ بذلك ففر هاربًا من صفد موسّعًا، وله قصة مشهورة في ذلك (١). [استعطاف السلطان على نائب الشام] وفيه في يوم الثلاثاء رابع عشره قدم إلى القاهرة الزيني عبد القادر بن جانَم نائب الشام لأجل استعطاف خاطر السلطان أيضًا على والده جانَم المذكور، وحضر معه في صحبته قَراجا أتابك دمشق لسلطت (؟) بالسلطان لكون عبد القادر كان حينئذٍ صغير السنّ حَدَث، وأراد جانَم يبعث قَراجا معه أن يكون كالترجمان له، فأذِن السلطان لعبد القادر بالدخول، فدخل في هذا اليوم، وأعيد قَراجا من حيث جاء (٢). [توجُّه تَنَم إلى دمشق للقبض على نائب الشام] وفيه -أعني هذا اليوم- خرج الأمر من السلطان بطلب الأمير تَنَم من عبد الرزاق المؤيَّدي أمير سلاح كان من ثغر دمياط ليحضر إلى القاهرة، وأشيع بأنه إنما طُلب ليولَّى نيابة الشام عوضًا عن جانَم، وكذلك كان كما سنذكره. وفيه، في يوم الخميس سادس عشره أصبح تَنَم رصاص الظاهري بالخانقاه السرياقوسية وقد أسرى ليلًا بأمر من السلطان، ومعه جماعة كثيرة من أعيان الخاصكية زيادة على الثلاثين نفرًا، وهم على جرائد الخيل والنُجُب وقد عيّنهم السلطان للتوجّه إلى دمشق للقبض على جانَم نائبها (٣). [طلوع الأمير تَنَم إلى القلعة] وفيه، في يوم الأربعاء ثاني عشرينه وصل الأمير تَنَم المبعوث بطلبه من ثغر دمياط، وطلع إلى القلعة، وتمثّل بين يدي السلطان، فأكرمه وترحّب به، وأجلسه مرتفعًا على قرقماس أمير سلاح، وقد ترشّح لنيابة الشام (٤)، وكان من أمره ما سنذكره. [طلوع والد المؤلّف إلى القلعة ثانيًا] وفيه، في يوم الجمعة رابع عشرينه طلع الوالد إلى القلعة فاجتمع بالسلطان

стр. 516

على عادته في ذلك، فقال له: هل سلّمت على صاحبك الأمير تنَم؟ فقال: نعم. فقال: أليس هو كفُوء (١) لنيابة الشام وأولى من جانَم بهذا الأمر. فقال له: كيف لا يكون كفوًا وقد اعتنى به مولانا السلطان، وهو من الملوك العقلاء، فانبسط لكلامه. (ولاية تنم نيابة الشام) (٢) وفيه، في يوم الإثنين سابع عشرينه استقر الأمير تَنَم في نيابة الشام وخُلع عليه بذلك خلعة هائلة ونزل إلى داره بدرب البابا في موكب حافل جدًا، وكان له يومًا مشهودًا، وهرع الناس للسلام عليه (٣). [زيارة والد المؤلّف لتَنَم] وتوجّه إليه الوالد بعد عصر هذا اليوم، فعظّمه تَنَم إلى الغاية والنهاية. وكان قد بلغه مجلسه مع السلطان قبيل ذلك في يوم الجمعة، فشكره على ذلك جدًّا. [سفر بُردُبك هجين لتقليد تَنَم] وفيه عُيّن بُرْدُبك هجين الظاهري للتوجّه مع تَنَم لحمل تقليده وتشريفه إلى دمشق مسفّرًا له. (ولاية جانِبك الحاجب نيابة صفد) (٤) وفيه أيضًا قُرّر في نيابة صفد جانبك الناصري المعروف بالحاجب المعزول قبل ذلك بمدّة عن حجوبة الحجّاب بدمشق، وعيّن قانصوه اليحياوي لحمل تقليده إليه. ووُلّي جانِبك هذا صفد عوضًا عن تمراز الماضي حين فراره منها (٥). وقانصوه اليحياوي قد تقدّمت ترجمته.

стр. 517

[حضور جانِبك الأبلق من قبرس] وفيه في يوم السبت، خامس عشرينه، وصل إلى القاهرة جانِبك الأبلق ومعه الجماعة الغُزاة من قبرس، وصعد القلعة وعليه خلْعة جاكم صاحب قبرس. وكان جانِبك هذا قد وصل إلى ثغر دمياط قبل ذلك، فرحّب به مُغُلْباي البُجاسي ومن عُيّن معه من الجند السلطاني للتوجّه لقبرس على ما عرفته قريبًا. فلما وصل جانبك هذا إليهم أمسكوا عن السفر حتى يرِد عليهم ما يعتمدوه في ذلك، فخرج الأمر إليهم بالسفر، ثم أمرّ السلطان جانبك هذا عشرة، وكان من أمره ما سنذكره (١). [طلوع الوالد إلى القلعة مجدّدًا] وفيه، في يوم الثلاثاء، ثامن عشرينه، طلع الوالد إلى السلطان على عادته في ذلك، فقال له السلطان: أنت في هذا اليوم في خاطري لأجل رؤيا رأيتها، وقصدت أن أقصّها عليك لتعبّرها لي، ثم قال له: رأيت في هذه الليلة كما في فيّ وفي يدي طاير في مقدار الدجاجة لا أعرف ما هو من طيورنا المعتادة، وبيدي سكّين، فأَدرك في ذبحي للطير الذكور، وأمررت السكّين على مذبحه فلم تقطع شيئًا فجسّيته بالسكين في جوفه فنفذت إليه، ثم اتّكيت به إلى الأرض، وحززت على رقبته فقطعت رأسه وأفصلتها (٢) عن جثّته، فصار يضطرب إلى أن مات. فقال له الوالد: خير إن شاء اللَّه، ثم قال: اللهم صلِّ على (سيدنا) (٣) محمد وعلى آل محمد وسلّم. أما الطير فحصوله في اليد حصول بغتة وكرام. وأمّا عدم القطع أولًا فيدلّ على توقف وصولكم بشيء بعض الوقت، ثم تبلغوه كما ما ظنّ وهذا راجع إليكم فانظروا ما يعنيكم فأوّلوه على ذلك. فقال: قد فعلت، وانبسط بذلك. [ربيع الأول] [عودة أزدمر الإبراهيمي وقرقُماس الخاصكي من دمشق] وفيها، في يوم الأربعاء، سادس ربيع الأول، بالرؤية، قدم من دمشق أزدمر الإبراهيمي الطويل، وقرقماس الخاصكيّان إذ ذاك، وكانا قد توجّها صحبة تَنَم

стр. 518

رصاص للقبض على جانَم فأخبرا بأن جانَم المذكور لما أحسّ بالمجيء لقبضه بادر بأن خرج من دمشق على حميّة هو وجميع من يلوذ به من حَشَمه وخَدَمه وجماعته، وكان خروجه منها على النُجُب وجرائد الخيل ولم يكترث بأحدٍ من الناس، وكان خروجه منها قُبيل العصر سادس عشرين صفر، وأنه كان بعد أن دخل تَنَم رصاص لدمشق، وأن تَنَم لم يقدر عليه لحيلة من الحِيَل ولا قدر على أن يتوفر له بقتال ولا غيره، وأشيع بدمشق أنه خرج متوجّهًا لبلاد ديار بكر قاصدًا (١) صاحبها حسن الطويل مع قرايُلُك، فحصل عند السلطان باعث من هذا الخبر، لا سيما ولم يدخل جانَم في قبضته. وكان من خبر جانم هذا أنه لما دخل إلى دمشق على ما شرطه له من الشروط حين قدم القاهرة وأعمرت له دار السعادة ونودي به وما نُهب له، وصار نحو الكثير من ذلك فلا يؤاخذ من وُجد ذلك عنده، وجاد وشاد، وطال مع الناس حتى احتمى أهل دين، فأخذ السلطان في نقض ما تعاهد وإيّاه عليه شيئًا فشيئًا، وظهر له ذلك، لا سيما لما بلغه القبض على طائفة الأشرف، ثم البعث بالقبض على تمراز، فتأهّب هو للفرار وهيّأ أسبابه، فلما أحسّ بشيء من ذلك، بل وعاين مجيء تَنَم خرج من دمشق ولم يتعرّض لأحدٍ من أهلها، بل إنما زوّدوه بالدعاء له، وأسفوا على خروجه من عندهم. ثم كان له بعد ذلك ما سنذكره (٢). [المولد النبوي بالقلعة] وفيه، في يوم الأربعاء عاشره عمل السلطان المولد النبوي بالقلعة على العادة في ذلك، وكان حافلًا (٣). [خروج برسباي البجاسي إلى طرابلس لتسلّم نيابتها] وفيه، في يوم الإثنين حادي عشره خرج بَرْسباي البُجاسي من القاهرة مسافرًا إلى طرابلس محلّ كفالته، وطلّب فاجتاز بالرُمَيلة، وقد عمل الموكب بالقصر، وجلس السلطان بالشبّاك الكبير المُطلّ على الرملة، واجتاز الطُلْب المذكور عليه، فرآه وهو في تجمّل، ثم طلع برسباي فخلع عليه خلعة السفر وسار.

стр. 519

[خروج ابن الأهناسي إلى الوجه القِبلي] وفيه، في الخميس (رابع) (١) عشره خرج الوزير علي بن الأهناسي من القاهرة إلى الوجه القِبلي لأمور تتعلّق بأحوال الرملة، ثم كان له بعد ذلك ما سنذكره. [خروج المؤلّف إلى الصعيد] وفيه- أعني هذا اليوم- خرجت من القاهرة أيضًا متوجّهًا لبلاد الصعيد فبقيت بها نحوًا من الثلاثة (٢) شهور، وشَرَوت بها كتّانًا برسم الاتجار به، وقصدت التوجّه إلى بلاد المغرب وهيّأت منه شيئًا بنحو الستمائة دينار، ورجعت إلى القاهرة سائرًا إلى الإسكندرية، وكان بعد ذلك ما سنذكره. (نزول السلطان لمنزل (٣) تَنَم) (٤) وفيه، في يوم الجمعة ثاني عشريه ركب السلطان من القلعة ببعض أمرائه وخواصّه بغير هيئة موكب السلطنة، ونزل إلى منزل الأمير تَنَم نائب الشام بدرب البابا فاجتمع به وسلّم عليه، وهذه أول ركبة ركبها هذا السلطان من يوم سلطنته. ثم خرج من دارهم وعاد من وقته للقلعة بعد أن شق الصليبة في حين طلوعه ونزوله (٥). [الإرجاف بمهاجمة العربان التجار المغاربة] وفيه في يوم الأحد، رابع عشرينه، كلنّا ببانها (٦) بالقرب من النُوَيرة، فأُرجف بأن بعض العربان الخارجين عن الطاعة من عربان تلك البلاد سيهجمون عليها لنهب من بها لا سيما التجار المغاربة، فحصل بذلك من النكد ما لا عنه مزيد، وكثُر الهرج بهذه البلدة بسبب ذلك، ثم كأن ذلك لم يكن، وسكن الحال وللَّه الحمد. [تمساح يأكل امرأة] وفيه، في يوم الثلاثاء، سادس عشرينه، اتفق أن كنت جالسًا على جُرُف مُطِلٍ على النيل ببعض سواحل البلاد القبلية، وإذا بامرأة نزلت للبحر تملأ جرّة معها،

стр. 520

وإذا تمساح وثب عليها من البحر حين انحنت على الجرة، فصادف أنْ أخذها من رأسها، بأن قصدها فاتحًا فكه وطبق على رقبتها، وبقي رأسها في فمّه، ثم جرّها إليه، وكان آخر العهد بها، فحصل عندي بذلك غاية الباعث والتألّم على تلك المرأة، وبلغ خبرها أهلَ البلد التي هي منها فتأسّفوا عليها لجودتها. وكان هذا التمساح قد عرف بهذا المحل، فانتدب إنسان يقال له "أبو عوكل" من أهل تلك الناحية كان معروفًا بصيد التماسيح فخرج إلى الساحل ولا زال إلى أن صاد ذلك التمساح بعينه على ما قالوه إنه هو الذي عُرف بالأذى في ذاك المكان. وخرج كثير من الناس لرؤية ذلك التمساح. ثم حمل إلى البلد فرأيته أنا أيضًا على صفة هائلة وعجبت من قدرة اللَّه تعالى، وبرد بعض ما كنت أجده من الألم على تلك المرأة في الجملة. [ربيع الآخر] [كتابة سرّ حلب ونظر جيشها] وفيها في يوم الأحد، ثاني ربيع الآخر، بان بالرؤية، استقر في كتابة سرّ حلب ونظر جيشها محمود بن المؤيّد عوضًا عن ابن السفاح في كتابة السرّ، وعن ابن (١) الأرجوسي في نظر الجيش، وذلك بعد صرفهما. وبذل محمود هذا في ذلك مبلغًا جيدًا (٢) على ما يقال. (نزول السلطان لتربته السلطانية) (٣) وفيه، في يوم الإثنين تاسعه، نزل السلطان من القلعة بثياب الموكب وسار من على طريق الصحراء إلى جهة التربة التي أنشأها بها بالقرب من قبّة المنصو [ر] حتى وصل إليها ورآها. وخلع على البدر بن حسن بن الطولوي معلّم المعلّمين وكبير المهندسين وعلى آخرين معه. وكانت قد انتهت عمارة هذه التربة فأعجبته، وهي تربة أنيقة مشهورة بالصحراء. ثم توجّه السلطان من هناك إلى مطعم الطين فجلس به، وانتدب أمير شكار (٤) فصاد بين يديه شيئًا بالجوارح، وكان له وقتًا حفلًا. ثم ركب عائدًا إلى القلعة في موكب حافل جدًا وقصدها من جهة

стр. 521

المدينة فدخل من باب النصر شاقًّا القاهرة وقد زُيّنت له، وقعد الناس لرؤيته بالقاهرة وخارجها في مظانّ مروره عليهم، وخرج من باب زويلة، ثم عطف على جهة البسطتين قاصدًا القلعة. ثم لما وصل التبّانة دخل إلى دار تنبك المعلّم الأشرفي. وكان تنِبَك هذا أنْيًا (١) للسلطان في أيام إمرته، ثم خرج من دار تنِبَك فطلع إلى القلعة، وكان له يومًا مشهودًا. وهذه ثاني ركبة ركبها من سلطنته، وأول ركبة ركبها بأُبّهة السلطنة والموكب السلطاني (٢). [ولاية ابن الصنيعة الوزارة] وفيه، في يوم الثلاثاء، سابع عشره، استقرّ في الوزارة إنسان من الكَتَبة يقال له يحيى بن الصنيعة عِوَضًا عن علي بن الأهناسي، وخرج الأمر بالقبض عليه بالوجه القِبلي (٣). [نيابة تقدمة المماليك] وفيه، أعني هذا اليوم قُرّر في نيابة تقدمة المماليك صندل الهندي الظاهري، شادّ الحوش بعد عزل عنبر اليشبُكي، واستقرّ في شادّية الحوش معروف اليشبُكي الحبشي (٤). [سجْن ابن الإهناسي] وفيه، في يوم السبت، حادي عشرينه، أُحضر علي بن الإهناسي وهو موكَّل به، محتَفَظ عليه، وصُعد به إلى القلعة فسُجن بها، وكان له ما سنذكره. [إلزام الجند بالشاش والقماش إذا طلعوا إلى القلعة] وفيه -أعني هذا الشهر- برزت الأوامر السلطانية إلى طائفة طواشية الطباق بإعلام الجند وجميع الجيش أهل الجوامك بأن يطلعوا إذا طلعوا للقلعة لقبض الجامكية في أيام صرفها بالشاش والقماش على العادة التي كانت قديمًا، وأكّد

стр. 522

عليهم في ذلك، ونزلت الطواشية فدارت بذلك على الجيش وأعلموهم (١). [رياسة الطبّ] وفيه، في يوم الخميس، سادس عشرينه، استقرّ في نصف رياسة الطبّ الريّس شمس الدين محمد بن عبد الوهاب بن يوسف القوصوني، القاهري، الحنفي شريكًا لابن الشريف. والشمس هذا موجود الآن، وندرة إنابته الطب استقلالًا بعصرنا هذا (٢). [ترجمة القوصوني (٣)] ١٥٦ - ولد بالقاهرة في سنة خمس (٤) وثلاثين [و] ثمانمائة، وبها نشأ. فقرأ القرآن العظيم، ثم حفظ "القُدُوري" على ما كتبه إليّ مخبرًا به، ثم تعانى الطب فحفظ "فصول أبقراط"، وهيئات المرض والأسباب والعلاجات العينية، وأتقن حفظها على فتح الدين بن فيروز، ثم اشتغل بالفنّ فأخذ عن جماعة من أعيان الأطباء بعصره، ثم أكثر (٥) من الحساب، وتدرّب بعد ذلك على جماعة منهم: الناصري البندقي، والسراج بن صغير، وموسى العبري، وغيرهم. وكان في دُربته، ذا حذق وفطنة، وفَهْم وتوجُّه، وذكاء ومعرفة، وفاق على أقرانه، بل وعلى من علا (٦) عن سنّه، ولا زال مجِدًّا مجتهدًا حتى برع، وشُهر بالفضيلة، وباشر العلاج، وحُمدت مباشرته، ورؤي منه من المعالجات الجيّدة الفائقة ما لو ذكرناها لطال المجال واتّسع المقال، وإبراء الأجذم والأبرص في تناديهما، بل وبعض من تمكن من ذلك، فما ظنّك بغير ذلك من الأمراض، وصنّف وألف عدّة كتب جيّدة نافعة. وتقرّب من الملوك، وواجه الرؤساء والأعيان، وحُمدت سيرته وشُكرت في الفنّ والمعالجة والدُربة والمزاولة [بـ]ـأياديه، مع حُسن السمت والتؤدة والسكون والعفّة وتنشيط العليل إذا دخل عليه وتهوين ما به من العلّة عنده بكلام حسن، فيهون على العليل مُصابه، فله هذه

стр. 523

الفضيلة الجليلة والخصلة الجميلة. وهو حسن الذات والصفات، خيّر، ديّن، محمود في سيرته وأحواله، له وجاهة، رافق الكثير من الملوك في أسفارهم، وحج وزار، وله تجمّل في كثير من شؤؤنه (١) وبيننا وبينه مودّة ومَيل ومحبة، أحسن اللَّه إليه، وأفاض نعمته عليه. [جماد الأول] [التهنئة بالشهر] وفيها، في مستهلّ جماد الأول بالإثنين، برؤية ثابتة، وطلع القضاة ومن له عادة بالتهنئة للسلطان فهنّاوه بالشهر. [مقدَّميّة الألوف بالقاهرة] وفيه- أعني هذا الشهر، في هذا اليوم- استقرّ السلطان ببُردُبك هجين الظاهري الأمير اخوري الثاني في جملة مقدّمين الألوف بالقاهرة على تقدمة تمرباي ططر بحكم وفاته. وفيه أيضًا استقرّ في إمرة بُردُبك هجين المذكور مُغُلْباي طاز المؤيَّدي أحد خُشداشي السلطان. واستقرّ في إقطاع مُغُلْباي سودون الأفرم الخازندار، وفي إقطاع سودون الأفرم سودون الفقيه المؤيّدي (٢). وستأتي تراجم هؤلاء كلّ في محلّه من سنة وفاته، فإنهم الجميع ماتوا. [عدم الظفر بالقبض على جانَم] وفيه، في يوم السبت سادسه وصل تَنَم رصاص الظاهري المتوجّه قبل ذلك للقبض على جانَم على ما قدّمناه، ولم يظفر به ولا حصل على طائل. [نيابة مَلَطْية] وفيه في يوم السبت ثالث عشره استقرّ السلطان بإينال الأشقر اليحياوي، الظاهري، الوالي بالقاهرة في نيابة مَلَطية عوضًا عن قانباي الجَكَمي بحكم وفاته (٣).

стр. 524

[ولاية القاهرة] وفيه استقرّ في ولاية القاهرة تمُر من محمود شاه الظاهري عِوضًا عن إينال الأشقر نقلًا إليها من أميراخورية كانت بيد تمُر هذا. وستأتي ترجمة إينال هذا وتمُر كل في محلّه من سنة موته من تاريخنا هذا إن شاء اللَّه تعالى (١). [مقتل صاحب حصن كيفا] وفيه ورد الخبر بقتل الملك خَلَف صاحب حصن كيفا، وأن ولده ثار به فقتله، ثم ثار بالقاتل بعض أولاد عمّه فقتله ومَلَك الحصن (٢). [نيابة قلعة دمشق] وفيه، في يوم الخميس ثامن عشره استقر في نيابة قلعة دمشق صارم الدين إبراهيم بن بيغوت الماضي والده يعقوب، وهو الذي كان نائبًا بصفد على ما عرفتَ ذلك في ما مرّ. وكان إبراهيم هذا من أمراء دمشق. ووُلّي نيابة القلعة بها عوضًا عن سودون الذي كان يعرف بغندورة بحكم انتقاله إلى تقدمة ألف بدمشق (٣). [تطليب تَنَم نائب الشام قبل سفره] وفيه في يوم الإثنين ثاني عشرينه طلّب تَنَم نائب الشام تطليبًا حافلًا، وخرج من القاهرة في عظمة زائدة وأبَّهة، وشق الرُميلة بطُلبه وعسكره، وجلس السلطان بشباك القصر لرؤيته، وطلع هو إليه فألبسه خلعة السفر وتوجّه إلى الرَّيْدانية فأقام بها أيامًا ثم استقل بالمسير قاصدًا دمشق محلّ كفالته، وكان لخروجه من القاهرة يومًا مشهودًا (٤). [وصول قاصد حسن الطويل] وفيه في أواخره - أعني هذا الشهر- وصل إلى القاهرة قاصد حسن الطويل

стр. 525

صاحب ديار بكر وعلى يده مكاتبة من مرسله يخبر فيها أن جانَم جاء إليه مستشفعًا به إلى السلطان (١). [الإشاعات عن جانَم] وفيه، في هذه الأيام أيضًا كثُرت الإشاعة بالأخبار بأن جانَم المذكور بعث دُعاة له يستدعون تركمان الطاعة بنواحي حلب وغيرها من أعمال هذه السلطنة لموافقته والقيام معه وهو يعدهم ويمنّيهم إن وافقوه، وزادوا في الأخبار أيضًا بأن حسن الطويل دعا لجانَم هذا على منابر جمعته بسائر دياربكر التي يملكها حسن. وبلغ السلطانَ ذلك فأفزعه ذلك وأنكره فبعث قاصده بالشفاعة بعد موافقته على هذه الفعلة، وكان بعد ذلك ما سنذكره (٢). [رؤية المؤلّف لخلقة عجيبة] وفيه رأيت بالوجه القِبْلي رأس نفر به فمان (٣)، وأربعة عيون، وأربعة آذان، وأنفان (٤). [جمادى الآخرة] [نيابة الكَرك] وفيها في يوم الخميس ثاني جمادى الآخرة استقر في نيابة الكرَك مبارك شاه السيفي سودون من عبد الرحمن عِوَضًا عن تغري بردي الأشرفي إينال صرفه عنها ويقرّره في جملة مقدّمين (٥) الألوف بطرابُلُس (٦). [خروج إينال الأشقر إلى ملطية] وفيه خرج إينال الأشقر لمحلّ نيابته من ملطية ولم يطلّب على العادة، وفرح كثير من الناس لخروجه من القاهرة لظلمه وعسفه لا سيما لما كان واليًا (٧).

стр. 526

[سفر قاصد حسن بك الطويل] وفيه في يوم الخميس، تاسعه، خرج قاصد حسن بك الطويل الماضي حين قدومه في الشفاعة لجانَم نائب الشام، وعيّن السلطان معه سعد اللَّه الططري التركي مقذم البريدية رسولًا عنه إلى حسن برسائل في حق جانَم، عسى يقبض عليه أو نحو ذلك، وما أفاد الذي فعله خُشقدم الظاهري، بل لعلّ حسن أطلع جانَم على ذلك (١). [ظهور طائفة خبيثة الاعتقاد بالوجه الغربي] وفيه، في هذه الأيام ورد مكاتبات من كاشف الغربية وغيره بأن بقرية ططبه (٢) بالوجه الغربي من أعمال القاهرة طائفة فيهم شناعة اعتقاد وخبث نفوس، كأنهم زنادقة أو نحو ذلك، وفيهم من يدّعي الإلهيّة، وفيهم من يدّعي النُبُوّة، وأن جماعة من الأوباش وسِفلة الناس قد انضمّوا إلى هذه الطائفة ومالوا إلى معتقدهم الباطل القبيح، وأنه صدر منهم أمور شنيعة قبيحة جدًا. وقد قبض الكاشف على جماعة منهم نحو الأربعة عشر نفرًا. فعيّن السلطان القاضي محيي الدين بن عبد الوارث المالكي أحد نواب الحكم، وعيّن معه إنسانًا (٣) يقال له محمد الخازندار، وأمر القاضي بأن يحرّر هذه القضية ويكشف عن أصلها برمّتها وعن جليّتها، ثم يقول في ذلك بالشرع، فسافرا بعد أيام، وكان لهما ما سنذكره (٤). [انعقاد مجلس القضاة ومشايخ الإسلام بشأن قضية حمزة بن غيث] وفيه في يوم الأحد، ثاني عشره، خرج أمر السلطان بأن يُعقد مجلس بالقضاة الأربعة (٥) ومشايخ الإسلام، بسبب ما رُفع إليه من المَحَاضر في حق حمزة بن غيث بن نصير الدين، أحد المشايخ بالغربية، وأن يكون هذا المجلس بمنزل جانِبك نائب جُدّة الدوادار، فحضر القضاة بالمنزل المذكور وعُقد المجلس وكان حافلًا، ثم أُحضر حمزة المذكور وهو في الحديد موكَّلًا به، فقام من ادّعى عليه بأمور شنيعة، ثم قام آخر وآخر وادّعى كلّ منهما، وكثُرت عليه الدعاوى الشنيعة. وكان والده غيث أيضًا حاضرًا في هذا اليوم بمنزل جانبك المذكور، ثم تداولت

стр. 527

الدعاوى عليه بأمور قبيحة مهولة منها بأنه يسجد للشمس، ومنها أنه يضرب الدراهم المغشوشة، ويتجاهر بالمعاصي، ويستحلّ أموال الناس والرعايا وأمثال هذا، وأشباهه مما يطول الشرح في ذكره على التفاصيل. وطال المجلس في ذلك إلى قريب الظهر، وأُحضرت عدّة محاضر كتبت بتلك البلاد لغالب ما ادُّعي به، وكانت الشكوى عليه عند بعض نواب الحنفي، وأخذ ذلك النائب يتوقّف في كثير من الأشياء، ولم يقدم على التحرّي في الحكم، وأخذ في الاستئناف في الأمر، فنُقلت الدعوى من عنده إلى القاضي المالكي الحسام بن حُرَيز ما ادّعى على ( … ... ) (١) بنفسه. وآل الأمر في ذلك أن حكم في ذلك المجلس بسفك دم حمزة هذا. وضجّ الكثير من العوامّ بالدعاء لما حكم القضاء في هذا، وآل الأمر بعد أمور مُنكرة إلى أن سُلخ جلده وحُشي تبنًا، وطيف به على جمل بشوارع القاهرة، ثم أخرج على تلك الهيئة إلى عياله وطيف به بتلك النواحي والمنادي أمامه، ودام على ذلك مدّة وهو (يطاف به) (٢) وينادَى عليه ( ..................... … ) (٣) كذلك برهة من الوقت واشتفى به الكثير من الخلق، وشمت الكثير، وكان كل ذلك بواسطة قيام جانبك نائب جدّة ومَيله إلى تلفه بعد أن كان السلطان بادر إلى التحرّك لأجل ما كان وعد به حمزة هذا من المال، ومع ذلك تغلّب مراد جانِبَك على مراد السلطان (٤). [تقرير والد حمزة في مشيخة الغربية] وفيه، في يوم السبت، ثامن عشره، قُرّر غيث والد حمزة المذكور في مشيخة إقليم، عوضًا عن ولده حمزة المذكور بمالٍ وعد به له صورة، وخلع عليه بذلك، ثم وُكّل به لأجل المال، ثم كان له بعد ذلك ما سنذكره (٥). [الحكم بالسجن على المتَّهَمين بالزندقة] وفيه وصل القاضي محيي الدين بن عبد الوارث ومحمد الخازندار الماضي خروجهما لمن ذكرنا من الطائفة الذين قيل عنهم إنهم زنادقة أو نحو ذلك، وأُحضر الجماعة الذي نُقل عنهم بتمامهم وكمالهم وصعد بهم إلى القلعة في ثاني يوم

стр. 528

حضوره، وعُرضوا على السلطان، فسألهم عمّا نُسِب إليهم فأنكروا ذلك ولم يعترفوا بشيء منه ودافعوا وطعنوا في المحاضر التي كُتبت بسببهم، وآل أمرهم أن يُسجنوا بعد أن لم يثبت عليهم شيء (١) مما نُسب إليهم، وإنما سُجنوا للتهمة أو نحوها، وداموا بالسجن مدّة سنتين. [صاعقة تحرق منارة جامع أمير حسين] وفيه، في يوم الثلاثاء، حادي عشرينه، أو ثاني عشرينه -ووافق خامس برمودة- أرعَدت السماء رعدًا مهولًا، وأبرقت برقًا عظيمًا، ونزلت صاعقة في أثناء ذلك على منارة جامع أمير حسين خارج القاهرة فهدمت أكثرها وتعلّقت النار بها، فاختُشي من ذلك، فهُدم باقيها خوفًا من انتشار النار لأماكن أُخَر غيرها (٢). [رحلة المؤلّف من الصعيد إلى الإسكندرية] وفيه، في هذه الأيام، رجعت من الصعيد إلى القاهرة، فأقمت بساحل بولاق يومًا، ثم انحدرت إلى الإسكندرية ومعي الكتّان الذي أحضرته برسم السفر به إلى بلاد المغرب، وأنا في غاية التطلّع إلى ذلك والتشوّف له، لا سيما وقد بلغني أن بها الفُضلاء في علم الطب، وكان بي نزعة موفورة إلى ذلك، وإن أكبر ( … ) (٣) كان أعظم الأسباب الداعية إلى توجّهي ذلك، ثم دخلت الإسكندرية في آخر هذا الشهر فرأيت بها جماعة من أهل الفضل وبعض المحدّثين. وكان لي بعد ذلك ما سأذكره. [شهر رجب] [التهنئة بالشهر وقراءة البخاري] وفيها استهلّ رجب بالخميس، وطلع القضاة والمشايخ ومن له عادة بتهنئة السلطان إليه فهُنّيء بالشهر، وبرز أمره بأن يبدأوا هم فيه بقراءة "صحيح البخاري" على العادة التي كانت قديمًا في أيام الأشرف شعبان وآخرين (٤). [الأمر بتزيين القاهرة لدورة المحمل] وفيه، في يوم الأربعاء سابعه أمر السلطان بأن يُنادى بزينة القاهرة لأجل

стр. 529

دوران المحمل والتّهيُّء له، فزُيّنت في الحال، ثم نودي بأن لا يحمل أحد (١) من المماليك ولا غيرهم عِصِيًّا (٢) ولا سلاحًا ليلًا. ودامت الزينة من هذا اليوم إلى يوم الإثنين مضيئين (٣) المحمل على العادة الجارية في ذلك. وما حدث في هذه الأيام ولا في هذه الزينة ما كان قد تعارف حدوثه قبل ذلك في أيام دوران المحمل، بل كان الغالب الخير والسلامة والأمن والطمأنينة، وهذه أول سنة أدير فيها المحمل في سلطنة الظاهر هذا، وكان حافلًا. وكان معلّم الرمّاحة في هذه السنة الأمير قايتباي المحمودي شادّ الشراب خاناه سلطان العصر في زمننا هذا الذي نحن به الآن، وكانت الباشات الأربعة من الأمراء ( … ... ) (٤) الظاهر برقوق الناصري الظاهري جقمق الذي ولي نيابة الشام فيما بعد ذلك في ( … ) (٥) السلطانية قايتباي المذكورة ومات على ذلك جماعة سيجيء في المتجدّدات إن شاء اللَّه تعالى، كطومان باي الأشرفي الآتي في وفيات سنة أربع وسبعين، وجانِبك الأبلق الظاهري الآتي أيضًا والماضي بعضٌ (٦) من أخباره، وبَرسباي قرا الظاهري الذي هو الآن رأس نوبة النُوَب في زمننا الذي نحن به، وقد مرت ترجمته. وكان هذا الدوران من أبهج دورانات المحمل (٧). [الإفراج عن الإهناسي] وفيه، في يوم الإثنين، ثاني عشره، أُفرج عن علي بن نور الإهناسي الماضي ذِكره وخبر القبض عليه، وكان قد وُكّل به بمنزل تمربُغا رأس نوبة النُوب، فعُملت مصلحته وأُطلق- يقال - بمالٍ بذله وحُمل إلى السلطان زيادة على العشرين ألف دينار، وقيل خمسة وعشرين ألفًا، واللَّه أعلم (٨) .. [التجريدة إلى الوجه القِبلي] وفيه، في يوم الخميس خامس عشره عيّن السلطان تجريدة إلى الوجه القِبلي عليها جانبك نائب جدّة الدوادار ومعه من مقدّمين الألوف جانِبَك قلقسيز الأشرفي وعدّة وافرة من الطبلخاناة والعشرات نحو العشرين، ومن الجند السلطاني

стр. 530

أربعمائة، وحرّضهم على التجهيز والإسراع بالخروج، واستحثّهم على ذلك لما ورد من الأخبار بتخبيط عربان هوّارة (١). [السلطان يلبس لباس الصيف] وفيه، في يوم الجمعة سادس عشره لبس السلطان الآق قماش وهو القباقب الذي جرت العادة بلبسه في المصيف (٢). ووافق هذا اليوم حادي عشرين برموده من شهور القِبط. ( ...... ) (٣) قبل دخول شهره القبطي وهو بشنس لحرٍّ ظهر في هذا الشهر في هذه الأيام. [خروج جانبك للوجه القِبلي] وفيه، في ليلة السبت سابع عشره خرج جانِبَك نائب جُدّة وعُيِّن للوجه القِبلي من غير تأخير (٤). [لعِب السلطان بالكُرة] وفيه في يوم السبت هذا ابتدأ (٥) السلطان بضرب الكرة بالصولجان على العادة في ذلك، وهو أول لعب السلطان هذا في سلطنته بالكرة. [طلب النجدة لحصار الماغوصلة] وفيه، في يوم الأربعاء، حادي عشرينه، ورد الخبر من قبرس على يد يلخُجا أحد الجند السلطاني، بأن العساكر الإسلامية السلطانية على حصار الماغوصة، وأنهم يلتمسون من السلطان النجدة. وأن يعيّن جماعة لمساعدتهم على ذلك وتقويتهم. فبرز الأمر السلطاني في الحال بأن يُنادى: من أراد الجهاد من العسكر فعليه بالقلعة ليعيّن، ونودي كذلك من غده، واهتمّ السلطان للغزو وتجهيز الغُزاة (٦). [زيارة السلطان لتربته] وفيه في يوم الخميس، ثاني عشرينه، ركب السلطان ونزل من القلعة بغير
следующие страницы →