← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

[سفر قاصد حسن بك الطويل] وفيه في يوم الخميس، تاسعه، خرج قاصد حسن بك الطويل الماضي حين قدومه في الشفاعة لجانَم نائب الشام، وعيّن السلطان معه سعد اللَّه الططري التركي مقذم البريدية رسولًا عنه إلى حسن برسائل في حق جانَم، عسى يقبض عليه أو نحو ذلك، وما أفاد الذي فعله خُشقدم الظاهري، بل لعلّ حسن أطلع جانَم على ذلك (١). [ظهور طائفة خبيثة الاعتقاد بالوجه الغربي] وفيه، في هذه الأيام ورد مكاتبات من كاشف الغربية وغيره بأن بقرية ططبه (٢) بالوجه الغربي من أعمال القاهرة طائفة فيهم شناعة اعتقاد وخبث نفوس، كأنهم زنادقة أو نحو ذلك، وفيهم من يدّعي الإلهيّة، وفيهم من يدّعي النُبُوّة، وأن جماعة من الأوباش وسِفلة الناس قد انضمّوا إلى هذه الطائفة ومالوا إلى معتقدهم الباطل القبيح، وأنه صدر منهم أمور شنيعة قبيحة جدًا. وقد قبض الكاشف على جماعة منهم نحو الأربعة عشر نفرًا. فعيّن السلطان القاضي محيي الدين بن عبد الوارث المالكي أحد نواب الحكم، وعيّن معه إنسانًا (٣) يقال له محمد الخازندار، وأمر القاضي بأن يحرّر هذه القضية ويكشف عن أصلها برمّتها وعن جليّتها، ثم يقول في ذلك بالشرع، فسافرا بعد أيام، وكان لهما ما سنذكره (٤). [انعقاد مجلس القضاة ومشايخ الإسلام بشأن قضية حمزة بن غيث] وفيه في يوم الأحد، ثاني عشره، خرج أمر السلطان بأن يُعقد مجلس بالقضاة الأربعة (٥) ومشايخ الإسلام، بسبب ما رُفع إليه من المَحَاضر في حق حمزة بن غيث بن نصير الدين، أحد المشايخ بالغربية، وأن يكون هذا المجلس بمنزل جانِبك نائب جُدّة الدوادار، فحضر القضاة بالمنزل المذكور وعُقد المجلس وكان حافلًا، ثم أُحضر حمزة المذكور وهو في الحديد موكَّلًا به، فقام من ادّعى عليه بأمور شنيعة، ثم قام آخر وآخر وادّعى كلّ منهما، وكثُرت عليه الدعاوى الشنيعة. وكان والده غيث أيضًا حاضرًا في هذا اليوم بمنزل جانبك المذكور، ثم تداولت

стр. 527

الدعاوى عليه بأمور قبيحة مهولة منها بأنه يسجد للشمس، ومنها أنه يضرب الدراهم المغشوشة، ويتجاهر بالمعاصي، ويستحلّ أموال الناس والرعايا وأمثال هذا، وأشباهه مما يطول الشرح في ذكره على التفاصيل. وطال المجلس في ذلك إلى قريب الظهر، وأُحضرت عدّة محاضر كتبت بتلك البلاد لغالب ما ادُّعي به، وكانت الشكوى عليه عند بعض نواب الحنفي، وأخذ ذلك النائب يتوقّف في كثير من الأشياء، ولم يقدم على التحرّي في الحكم، وأخذ في الاستئناف في الأمر، فنُقلت الدعوى من عنده إلى القاضي المالكي الحسام بن حُرَيز ما ادّعى على ( … ... ) (١) بنفسه. وآل الأمر في ذلك أن حكم في ذلك المجلس بسفك دم حمزة هذا. وضجّ الكثير من العوامّ بالدعاء لما حكم القضاء في هذا، وآل الأمر بعد أمور مُنكرة إلى أن سُلخ جلده وحُشي تبنًا، وطيف به على جمل بشوارع القاهرة، ثم أخرج على تلك الهيئة إلى عياله وطيف به بتلك النواحي والمنادي أمامه، ودام على ذلك مدّة وهو (يطاف به) (٢) وينادَى عليه ( ..................... … ) (٣) كذلك برهة من الوقت واشتفى به الكثير من الخلق، وشمت الكثير، وكان كل ذلك بواسطة قيام جانبك نائب جدّة ومَيله إلى تلفه بعد أن كان السلطان بادر إلى التحرّك لأجل ما كان وعد به حمزة هذا من المال، ومع ذلك تغلّب مراد جانِبَك على مراد السلطان (٤). [تقرير والد حمزة في مشيخة الغربية] وفيه، في يوم السبت، ثامن عشره، قُرّر غيث والد حمزة المذكور في مشيخة إقليم، عوضًا عن ولده حمزة المذكور بمالٍ وعد به له صورة، وخلع عليه بذلك، ثم وُكّل به لأجل المال، ثم كان له بعد ذلك ما سنذكره (٥). [الحكم بالسجن على المتَّهَمين بالزندقة] وفيه وصل القاضي محيي الدين بن عبد الوارث ومحمد الخازندار الماضي خروجهما لمن ذكرنا من الطائفة الذين قيل عنهم إنهم زنادقة أو نحو ذلك، وأُحضر الجماعة الذي نُقل عنهم بتمامهم وكمالهم وصعد بهم إلى القلعة في ثاني يوم

стр. 528

حضوره، وعُرضوا على السلطان، فسألهم عمّا نُسِب إليهم فأنكروا ذلك ولم يعترفوا بشيء منه ودافعوا وطعنوا في المحاضر التي كُتبت بسببهم، وآل أمرهم أن يُسجنوا بعد أن لم يثبت عليهم شيء (١) مما نُسب إليهم، وإنما سُجنوا للتهمة أو نحوها، وداموا بالسجن مدّة سنتين. [صاعقة تحرق منارة جامع أمير حسين] وفيه، في يوم الثلاثاء، حادي عشرينه، أو ثاني عشرينه -ووافق خامس برمودة- أرعَدت السماء رعدًا مهولًا، وأبرقت برقًا عظيمًا، ونزلت صاعقة في أثناء ذلك على منارة جامع أمير حسين خارج القاهرة فهدمت أكثرها وتعلّقت النار بها، فاختُشي من ذلك، فهُدم باقيها خوفًا من انتشار النار لأماكن أُخَر غيرها (٢). [رحلة المؤلّف من الصعيد إلى الإسكندرية] وفيه، في هذه الأيام، رجعت من الصعيد إلى القاهرة، فأقمت بساحل بولاق يومًا، ثم انحدرت إلى الإسكندرية ومعي الكتّان الذي أحضرته برسم السفر به إلى بلاد المغرب، وأنا في غاية التطلّع إلى ذلك والتشوّف له، لا سيما وقد بلغني أن بها الفُضلاء في علم الطب، وكان بي نزعة موفورة إلى ذلك، وإن أكبر ( … ) (٣) كان أعظم الأسباب الداعية إلى توجّهي ذلك، ثم دخلت الإسكندرية في آخر هذا الشهر فرأيت بها جماعة من أهل الفضل وبعض المحدّثين. وكان لي بعد ذلك ما سأذكره. [شهر رجب] [التهنئة بالشهر وقراءة البخاري] وفيها استهلّ رجب بالخميس، وطلع القضاة والمشايخ ومن له عادة بتهنئة السلطان إليه فهُنّيء بالشهر، وبرز أمره بأن يبدأوا هم فيه بقراءة "صحيح البخاري" على العادة التي كانت قديمًا في أيام الأشرف شعبان وآخرين (٤). [الأمر بتزيين القاهرة لدورة المحمل] وفيه، في يوم الأربعاء سابعه أمر السلطان بأن يُنادى بزينة القاهرة لأجل

стр. 529

دوران المحمل والتّهيُّء له، فزُيّنت في الحال، ثم نودي بأن لا يحمل أحد (١) من المماليك ولا غيرهم عِصِيًّا (٢) ولا سلاحًا ليلًا. ودامت الزينة من هذا اليوم إلى يوم الإثنين مضيئين (٣) المحمل على العادة الجارية في ذلك. وما حدث في هذه الأيام ولا في هذه الزينة ما كان قد تعارف حدوثه قبل ذلك في أيام دوران المحمل، بل كان الغالب الخير والسلامة والأمن والطمأنينة، وهذه أول سنة أدير فيها المحمل في سلطنة الظاهر هذا، وكان حافلًا. وكان معلّم الرمّاحة في هذه السنة الأمير قايتباي المحمودي شادّ الشراب خاناه سلطان العصر في زمننا هذا الذي نحن به الآن، وكانت الباشات الأربعة من الأمراء ( … ... ) (٤) الظاهر برقوق الناصري الظاهري جقمق الذي ولي نيابة الشام فيما بعد ذلك في ( … ) (٥) السلطانية قايتباي المذكورة ومات على ذلك جماعة سيجيء في المتجدّدات إن شاء اللَّه تعالى، كطومان باي الأشرفي الآتي في وفيات سنة أربع وسبعين، وجانِبك الأبلق الظاهري الآتي أيضًا والماضي بعضٌ (٦) من أخباره، وبَرسباي قرا الظاهري الذي هو الآن رأس نوبة النُوَب في زمننا الذي نحن به، وقد مرت ترجمته. وكان هذا الدوران من أبهج دورانات المحمل (٧). [الإفراج عن الإهناسي] وفيه، في يوم الإثنين، ثاني عشره، أُفرج عن علي بن نور الإهناسي الماضي ذِكره وخبر القبض عليه، وكان قد وُكّل به بمنزل تمربُغا رأس نوبة النُوب، فعُملت مصلحته وأُطلق- يقال - بمالٍ بذله وحُمل إلى السلطان زيادة على العشرين ألف دينار، وقيل خمسة وعشرين ألفًا، واللَّه أعلم (٨) .. [التجريدة إلى الوجه القِبلي] وفيه، في يوم الخميس خامس عشره عيّن السلطان تجريدة إلى الوجه القِبلي عليها جانبك نائب جدّة الدوادار ومعه من مقدّمين الألوف جانِبَك قلقسيز الأشرفي وعدّة وافرة من الطبلخاناة والعشرات نحو العشرين، ومن الجند السلطاني

стр. 530

أربعمائة، وحرّضهم على التجهيز والإسراع بالخروج، واستحثّهم على ذلك لما ورد من الأخبار بتخبيط عربان هوّارة (١). [السلطان يلبس لباس الصيف] وفيه، في يوم الجمعة سادس عشره لبس السلطان الآق قماش وهو القباقب الذي جرت العادة بلبسه في المصيف (٢). ووافق هذا اليوم حادي عشرين برموده من شهور القِبط. ( ...... ) (٣) قبل دخول شهره القبطي وهو بشنس لحرٍّ ظهر في هذا الشهر في هذه الأيام. [خروج جانبك للوجه القِبلي] وفيه، في ليلة السبت سابع عشره خرج جانِبَك نائب جُدّة وعُيِّن للوجه القِبلي من غير تأخير (٤). [لعِب السلطان بالكُرة] وفيه في يوم السبت هذا ابتدأ (٥) السلطان بضرب الكرة بالصولجان على العادة في ذلك، وهو أول لعب السلطان هذا في سلطنته بالكرة. [طلب النجدة لحصار الماغوصلة] وفيه، في يوم الأربعاء، حادي عشرينه، ورد الخبر من قبرس على يد يلخُجا أحد الجند السلطاني، بأن العساكر الإسلامية السلطانية على حصار الماغوصة، وأنهم يلتمسون من السلطان النجدة. وأن يعيّن جماعة لمساعدتهم على ذلك وتقويتهم. فبرز الأمر السلطاني في الحال بأن يُنادى: من أراد الجهاد من العسكر فعليه بالقلعة ليعيّن، ونودي كذلك من غده، واهتمّ السلطان للغزو وتجهيز الغُزاة (٦). [زيارة السلطان لتربته] وفيه في يوم الخميس، ثاني عشرينه، ركب السلطان ونزل من القلعة بغير

стр. 531

قماش الموكب السلطاني وتوجّه إلى تربته التي تقدّم خبر إنشائها بالصحراء، فرآها ثم عاد من المدينة، شاقًا القاهرة، حتى طلع القلعة بعد أن دخل من باب النصر وخرج من باب زويلة (١). [عودة جانِبَك من الوجه القِبلي بغير طائل] وفيه، في يوم الخميس تاسع عشرينه عاد جانِبك نائب جدّة الدوادار من الوجه القِبلي بمن كان معه ونزل بالجيزة، ثم أصبح من غده فطلع إلى القلعة وخُلع عليه ونزل لداره في موكب حافل، وعاد من تلك البلاد على غير طائل، حتى ولا حصل بعض ردع، وللَّه الأمر. واستعجل جانِبك في عوده لئلّا يفوته تدابير الأحوال والتصرّف في المملكة بما شاء وأراد على رغم أنف السلطان (٢)، بل ولسان حاله ينشد هذا المفرد: أمركَ مردودٌ إلى أمرنا … وأمرُنا ليس له ردُّ [شهر شعبان] [خروج القاضي ابن الصابوني إلى دمشق] وفيها استهلّ شعبان بالسبت، وهُنيء به السلطان في هذا اليوم. وفيه في هذا اليوم خرج القاضي علاء الدين بن الصابوني مسافرًا لدمشق بعد أن أُلبس خلعة السفر، وقُرّر في وظيفتي نظر الإسطبل في الأوقاف عبد القادر كاتب العليق عوضًا عن العلاء المذكور (٣). [النفقة على الجند المتوجّه إلى قبرس] وفيه في يوم الإثنين ثالثه نفق السلطان على المجاهدين لكل واحد منهم خمسة عشر دينارًا. وكانوا قد عيّنوا قبل ذلك وهم نحو الثلاثمائة نفر (٤)، وعيّن عليهم جانِبك الأبلق (٥). وكان له ما سنذكره.

стр. 532

[عودة بُرْدُبك هجين من الشام] وفيه، في يوم الخميس، سادسه، وصل بُردُبك هجين من الشام بعد أن قلّد نائبها تَنَم، على ما تقدّم ذلك، وعرفته فيما أسلفناه. [إبطال سفر تَنَم من بخشايش إلى الشام] وفيه في يوم الإثنين عاشره عيّن السلطان تَنَم من بخشايش الظاهري المعروف برصاص بأن يتوجّه للبلاد الشامية لكشف الأخبار ويعرف أحوال جانَم نائب الشام والعساكر هناك، ثم بَطَل ذلك ولم يتمّ. [دوادارية السلطان بحلب] وفيه في هذه الأيام سافر أُلْماس الأشرفي لحلب على دوادارية السلطان بها، وكان قد قُرّر في ذلك قبل هذا التاريخ. [حضور زوجة السلطان مولد السيد البدوي] وفيه في ليلة الثلاثاء ثامن عشره، خرجت الخَوَنْد الكبرى شكرباي الناصرية الأحمدية صاحبة (١) القاعة وزوجة الظاهر خشقدم متوجّهة لجهة طنطا بالغربية من الوجه البحري (٢) لتزور شيخها السيد أحمد البدوي، وخرجت في محفّة هائلة، وصحِبت معها الخَوَند شقراء وحشمها وخدمها وما يليق بمثلها وعدّة، وبها من النوادر التي ما اتفقت لغيرها من الخَوندات قبلها، وما وقع ذلك قط. [مرض المؤلّف في الإسكندرية] وفيه في يوم الجمعة، حادي عشرينه، ابتدأ فيّ مرض حاد بثغر الإسكندرية وعولجتُ وحصل الشفاء بعد أيام بعد الأسبوعين وللَّه الحمد على المهلة، نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لفعل الخيرات وفتح البصائر لمعرفة الصفات. [تعاقد التجار للسفر على متن ثلاثة مراكب من الإسكندرية] وفيه في يوم الجمعة ثامن عشرينه ورد للمينا الثغر السكندري المراكب التي يقال لها الطرائد، وتُعرف أيضًا بالقطائع للبنادقة، وتُعرف بالشواني أيضًا، وكانت ثلاثًا على العادة جاثيات بالبضائع، ويقام البندق (؟) بالساحل من مينا الثغر

стр. 533

السكندري. ثم أخذ الناس من التجار المغاربة بل وغيرهم في التكلّم في وسق المسلمين، وعاقدوهم على حمل بضائع المسلمين إلى المغرب والمتاجر في التجارة، وأخذوا منهم الرهائن والضمان، وتجهّز الناس للسفر فيها وأنا من جملة من تجهّز ثم كان من سفرهم ما سنذكره. [سفر الغزاة من مصر] وفيه -أعني هذا اليوم- سافر الغُزاة المعيَّنين من القاهرة لقبرس إلى ثغر دمياط في بحر النيل (١)، وكان لهم ما سنذكره. [استهلال شهر رمضان] وفيها استهلّ شهر رمضان الأربعاء، وطلع القضاة لتهنئة السلطان. ولم يحدث ما يؤرّخ غير ذلك. [ورود الخبر بوفاة إينال نائب حلب] وفيه في يوم الأحد، خامسه، ورد الخبر على السلطان بموت الحاج إينال اليشبُكي نائب حلب فاستقر السلطان بجانبك التاجي نائب حماة في نيابة حلب عوضًا عن الحاج إينال المذكور. وكانت العادة أن يولَّى حلب نائب طرابلس، فعدل عنه إلى من ذكرنا لغرضٍ ما (٢). [تقليد جانبك نائب حلب] وفيه في يوم ثاني عشره عيّن السلطان الأمير قاينباي المحمودي لحمل تقليد جانبك الذي عُيّن لنيابة حلب وخلع عليه بذلك (٣). [نيابة حماة] وفيه قُرّر في نيابة حماة جانِبَك الناصري نائب صفد الماضي قريبًا ذكر ولايته لها، وعُيّن لحمل تقليده مُغلباي طاز المؤيَّدي (٤).

стр. 534

[نيابة صفد] وفيه أيضًا قُرّر في نيابة صفد خيربك القصروي نقلًا إليها من نيابة غزّة، وعُيّن تمرباي الظاهري المعروف بالسلحدار بصفد ليحمل إليه تقليده وتشريفه (١). [نيابة غزّة] وفيه قُرّر في نيابة غزّة شادبك الصارمي أتابك حلب عوضًا عن خيربك المذكور، وعُيّن طومان باي الظاهري لحمل تقليده بها. وقُرّر في أتابكية حلب يشبُك البُجاسي حاجب الحجاب بها الماضي ذكره. وتقرر في الحجوبية تغري بردي بن يونس عوضًا عن يشبُك نقلا إليها من نيابة القلعة بها (٢). [نيابة القلعة] وقرّر في نيابة القلعة شخص من المماليك السلطانية يقال له كمشبُغا السيفي يخشباي (٣)، وستأتي ترجمته في سنة وفاته وهي سنة ثمان وستين إن شاء اللَّه تعالى. ووُلّي جميعًا هذه الولاية بالبذل للمال، ولم تتقدّم له رئاسة قبل ذلك ولا ترشّح لذلك، وإنّما قدمه المال على ما فيه من الإهمال وعدم الأهلية. [خسوف القمر] وفيه، في ليلة الثلاثاء رابع عشره خُسف غالب جُرم القمر من نصف الليل، ودام ذلك إلى النهار (٤). [قدوم ابن القليب حاجب الحجاب بطرابلس] وفيه -أعني هذا اليوم قدم إلى القاهرة الشهابي أحمد بن القليب حاجب الحجّاب بطرابلس واستادار السلطان بها أيضًا وما مع ذلك، وتكلّف لأشياء كثيرة.

стр. 535

[تفقّد مقياس النيل] وفيه في يوم الأحد ثاني عشرينه، الموافق لسادس عشرين بؤونة (١) من شهور القبط تفقّد ابن (٢) أبي الرذاذ المقياس على عادته، فأخبر بأن القاعدة كانت ستة أذرع وعشرة أصابع، وطلعت البشارة به للسلطان بذلك، ثم أصبح من غده فنودي عليه. [وصول مقدّم البريدية بأخبار غير سارّة عن جانَم] وفيه، في يوم الإثنين، وهو يوم المناداة على البخاتي بالزيارة وصل سعد اللَّه مقدَّم البريدية الماضي خبر توجُّهه لحسن بك الطويل صاحب ديار بكر لأجل جانَم فأخبر السلطان بأخبار غير سارّة، لا سيما من أمر جانَم نائب الشام، وأخبر بأنه ذا شأن بتلك البلاد وعند حسن المذكور (٣). [إشاعة قيام الظاهرية بفتنة] وفيه -أعني هذا الشهر في هذه الأيام- أشيع بثوران فتنة، وأن الظاهرية في قصدها وضميرها الركوب على السلطان، ونُسب ذلك لجانبك الدوادار نائب جُدّة، ووقع من السلطان بعض همّات في مثل ذلك، ثم آل الأمر أن سكن الحال ولم يقع شيء مما أشيع. وكانت هذه أول الإشاعات الفاشية في حق نائب جدّة، ثم استصحت الحال إلى أنْ كان من أمره ما سنذكره في سنة ثمان وستين إن شاء اللَّه تعالى (٤). [ختم صحيح البخاري] وفيه ختم قراءة "صحيح البخاري" بالقصر من القلعة وخلع على القارئ والمشايخ ومن له عادة والقضاة الأربعة (٥)؛ وحُملت إليهم الصرَر على العادة. [شهر شوال] [المؤلّف يصلّي العيد في الإسكندرية] وفيها كلان عيد الفطر مستَهَلّ شوال بالثلاثاء، وكنت بالثغر السكندري،

стр. 536

فحضرت الصلاة بالجامع العزّي، وحضر في ذلك اليوم لصلاة العيد بالجامع المذكلور العزيز يوسف بن الأشرف برسباي، والمنصور عثمان بن الظاهر جقمق وهما بخلعتين قد أُحضرتا إليهما من القاهرة ومركبين بالقماش الذهب والزركش، وركبا بعد الصلاة من الجامع وتوجّها لمنازلهما، وكان لهما يومًا مشهودًا. [تجريدة البُحَيرة] وفيه، في يوم الأربعاء تاسع شوال هذا خرجت تجريدة إلى البحيرة كان السلطان قد عيّنها قبل ذلك وعليها ثلاثة (١) من الأمراء المقدّمين الألوف، وباشهم قرقماس الجلب أمير سلاح، ويشبُك الفقيه، وبُردُبك هجين، ومن الطبلخاناه خشكلدي العوامي، وتَنَم الحَسَني الأشرفي، الرأس نوبة الثاني، ومن العشرات قانبك السيفي يشبُك بن أزْدَمر القَلَمطائي الإسحاقي، وتنِبك الصغير أخو مبارك (؟)، وصنطباي قَرا الظاهري (٢). [ركوب المؤلّف البحر] وفيه، في يوم الجمعة حادي عشره ركبت البحر الملح من مينا ثغر الإسكندرية بشواني البنادقة وما قلّعوا، وكان معهم جماعة من تجار المسلمين بأصناف البضائع وأكثرها الكتان، وساروا متوجّهين إلى جهة تونس المغرب، فساعدنا الريح يومًا ثم خالف في هبوبه مقصدنا وبقينا بالبحر مدّة أيام، وكان ما سنذكره. [توقف النيل عن الزيادة] وفيه- أعني هذا الشهر، في هذه الأيام توقف النيل عن الزيادة عدّة أيام فهخت الناس وضجّوا بالغلاء، وارتفع سعر الغلال عما كان، وتكالب الناس وازدحموا على شراء القمح، وحصل القلق الزائد بسبب عدم الزيادة (٣). [قراءة الختمة الشريفة بالمقياس] وفيه أيضًا أمر السلطان بقراءة ختمة شريفة بالمقياس، وأن يتوجّه

стр. 537

القضاة والعلماء وجماعة القرّاء إليه ويبتهلوا إلى اللَّه تعالى بالتضرّع إليه في أن يرحمهم بالإغاثة بزيادة البحر، وأولم السلطان هناك وليمة هائلة على يد الشرف الأنصاري ناظر الخاص. وكان بالمقياس وقت حافل هائل (١) وعاد الناس منه والبحر على حاله، فزاد قلق الناس وتكالبهم، وزادت الأسعار في الغلال ارتفاعًا، ولهج الكثير من الخلق بالخروج من القاهرة خوفًا من التورط قبل تمام أمر الغلاء، وأخذ الكثير منهم في الاجتهاد والتكالب على شراء (٢) الغلال، وعظم الازدحام على المراكب. [الابتهال (٣) إلى اللَّه عند المقياس] وفيه بعث السلطان العَلَم البُلقيني وهو مصروف عن القضاء يأمره بالتوجّه إلى المقيالس والابتهال إلى اللَّه تعالى فيه، وبلغ ذلك الشرف المناوي وهو على القضاء فعظُم ذلك عليه، ومع ذلك كله لم يزد البحر شيئًا. [خروج الأمر السلطاني للناس بالتوبة] وفيه، في يوم الإثنين سابعه، خرج الأمر السلطاني للقضاة والحكام أن يأمروا الناس بالتوبة والكف عن المعاصي والفساد ورح من يتجاهر بشيء من ذلك. وركب تمر الوالي وسار إلى بولادتى وعمل فيها البطيط وقبض على جماعة من المتقدّمين، وكان من جملة المتقدّمين بها من جملة الناس أحد ولدي الشمس القاياتي فاتفق أن قبض عليه من جملة المقبوض عليهم، وأركب حمارًا من جملة من أُركب للإشهار، فغطّى (٤) وجهه وهو على الحمار، وبلغ الناس ذلك فشقّ عليهم ولا سيما الفقهاء، وركب الأمين الأُقصُرائي رحمه اللَّه تعالى إلى القلعة لما بلغه ذلك ومعه جمع من الأعيان من طلبة العلم فدخل على السلطان وأعلمه بقضية ابن (٥) القاياتي وواجهه بأن ذلك الذي فعله تمُر مع الناس لا يجوز، فتأثّر من ذلك وقال: أنا الذي أمرته بذلك فنزل وهو عنه راضٍ، وتوجّه جماعة لتمُر المذكور وعرّفوه بمقام ولد القاياتي، فلم يلتفت إلى قولهم، بل قال: لأي شيء أهل العلم يمشون في مواضع التُهَم، ووقع بسبب ذلك أمور تطول، فلا حول ولا قوة إلّا باللَّه (٦).

стр. 538

[الخلعة على تمُر] وفيه في يوم الثلاثاء ثامنه خلعٍ السلطان على تمر الوالي خلعة هائلة لأنه للنفي ممن شكاه إليه بالأمس ونزل بها شاقّا القاهرة فسكن كل أحد ممن كان أخذ في أسباب التكلّم في جانبه، بل وتكفيره لأجل ما فعل بولد القاياتي، واستطال هو بذلك. [تقليد نائب حلب] وفيه سار قايتباي شادّ الشراب خاناه لما عيّن له من تقليد نائب حلب جانِبَك التاجي. [عدم زيادة النيل] وفيه في حادي عشر أبيب لم يظهر زيادة البحر ولا زال على ما هو به من التوقّف، حتى كان ما سنذكره. [زيادة النيل] وفيه، في يوم الأربعاء تاسعه زاد النيل ثلاثة أصابع وتكمّل بها سبعة أذرع، وفرح الناس في هذا اليوم وسُرُّوا سرورًا زائدًا. [الأخبار بتعدية نائب الشام الفرات] وفيه- أعني هذا الشهر- في هذه الأيام ترادفت الأخبار إلى القاهرة بأن جانَم نائب الشام كان عدّى الفرات في جموع وافرة ما بين جند من المماليك والتركمان القرايلكية، ولم يزل سائرًا بمن معه حتى دخل إلى الأعمال الحلبية ووصل إلى تلّ باشر، وأن جانِبَك نائب حلب تهيّأ لقتاله، فتأثّر السلطان من ورود هذا الخبر عليه، وعيّن في الحال تجريدة فخرج إلى حلب لأجل قتاله فكتب من الجند السلطاني أربعمائة نفر، ثم أضاف إليهم بعد ذلك مائتي نفر آخرين، وعيّن أربعة من مقدمين الألوف، وهرب جانبك نائب جدّة الدوادار الكبير، ويلباي الأميراخور الكبير، وأُزبَك أحد مقدّمين الألوف الذي هو الآن أتابك زمننا هذا ( … ) (١) ( ......... ) (٢) قلقسيز أحد المقدَّمين أيضًا، ومن الطبلخاناة والعشرات ثلاثة عشر أميرًا. وكان بعد ذلك ما سنذكره (٣).

стр. 539

[النداء بالنفقة على الجند] وفيه، في يوم الثلاثاء نصفه نودي من قِبل السلطان بالنفقة في الجند المعيَّن لقتال جانَم، وانتخب السلطان العسكر وحرّضهم على التجهيز بسرعة. [عودة جانَم نائب الشام على أقبح وجه من حلب] وفيه، في يوم الأربعاء سادس عشره، ورد الخبر من نائب حلب بأن جانَم عاد من حيث جاء على أقبح وجه وأمئتعه (؟)، وأن جماعة من مماليكه تركوه وتوجّهوا إلى حلب. وكان من خبر عودته أنه لما وصل إلى تلّ باشر وقع بينه وبين من معه من عسكره التركمان القرايُلكية حديث. وله قضية في ذلك فيها طول، آل أمرهم معه أن تركوه وعادوا إلى جهة بلادهم. ولما رأى هو ذلك، وأن أمره أدّى إلى التلاشي ( ......... ) (١)، وعاد من حيث جاء. فلما تحقّق السلطان ذلك ( … ) (٢) وأمر بإبطال التجريدة. وسنذكر ما كان من الحركة والاضطراب ( … ) (٣) وكان من أمر ( ...... ) (٤) ذلك ما سنذكره (٥). [ضرب البشائر بالقلعة] وفيه ( ............ ) (٦) أمر السلطان بضرب البشائر من الطبلخاناه بالقلعة فضربت بها وبأبواب الأمراء ( ...... ) (٧) جانَم لديار بكر (٨). [خروج محمل الحاج] وفيه، في يوم الخميس سابع عشره خرج الحاج من القاهرة وأميرهم بالمحمل بُرْدُبك البجمقدار الظاهري وعلى الأول ( … ) (٩) محمد بن جَرباش، وأخرح الأتابك برسبا قريب والدته الخَوَنْد شقراء معه وهي في تجمّل زائد إلى الغاية (١٠). وفيه أخرج بُردُبك صهر الأشرف إينال إلى مكة وصحبته زوجته الخَوَند بدريّة

стр. 540

ابنة الأشرف المذكور وأولاده محمد وإبراهيم وأحمد وعيالهم ليقيم بمكة حتى يعود بإذن (١). [بداية رحلة المؤلَّف والوصول إلى رودس] وفيه، في يوم السبت تاسع عشره أصبحنا في البحر الملح ونحن مسافرون كما تقدّم ذلك، وقد قلّت المياه معنا إلى الغاية ولا ريح لنا نسافر بها، فاضطر الناس إلى دخول ( … ) (٢) البزور لأخذ الماء، فصوّبوا إلى جهة ( … ) (٣) بذور (؟) جزيرة رُودس فوصلوا بُعَيد العصر إلى القشتيل، فأغلقوا باب حصنهم، ورأيته وهو حصن منيع مرتفَع بمكانٍ عالٍ على جبل يطل على البحر، وأحضر من معنا من أهل المراكب من الجزيرة عنبًا كثيرًا، ثم أقلعوا قبل الغروب بيسير، وساروا لمقصدهم. [ولاية ابن الشِحنة القضاء الحنفي بالديار المصرية] وفيه، في يوم الإثنين حادي عشرينه، استقرّ في وظيفة القضاء الحنفية بالديار المصرية الشيخ محب الدين بن الشحنة نقلًا إليها من كتابة السرّ بعد أن استعفى (٤) من القضاء الشيخ الإمام شيخ الإسلام شيخنا سعد الدين بن الديري لضعف بدنه وكِبَر سِنّه، وكان قد رتّبه بعضهم في ذلك لغرضٍ له ولم ينله، وعلم به شيخنا السيد المذكور بعد ذلك فدعا عليه، والقصّة مشهورة لا حاجة بنا إلى ذكرها. ولبس المحب بن الشِحنة هذا شعار القضاء ونزل إلى داره في محفل عظيم وجمع جمّ، وحضر إلى الصالحية، ثم توجّه لمنزله. وهذه أول ولايات المحبّ لهذه الوظيفة (٥). [كتابة السرّ بمصر] وفي هذا اليوم أيضًا استقرّ في وظيفة كتابة السر الشيخ برهان الدين بن الديري أخو قاضي القضاة السعد المذكور ( .......... ) (٦).

стр. 541

[زيادة النيل] وفيه، في يوم الثلاثاء ثاني عشرينه زاد النيل المبارك إصبعين، وسُرّ الناس بذلك، ونزل العَلَم البُلقيني إلى ( … ) (١) في جمع حافل من الناس ( … ... ) (٢) وكان المقياس ( ............. ) (٣) ( ......... ................ ) (٤). [جريمة قتل على المركب الذي فيه المؤلّف والقصاص من القاتل] منها الدجاجة وتغيّظ عليه وحنق منه فلطمه بعد أن قال إنما أردت بهذا استنقاصي وإيصال العار إليّ والعَيب في حقي كونك تجسر على نزيلي وتسرق متاعه، وحنق النُّوتي من كونه لطمه، فتقاولا، وأخرج الذي سرق الدجاجة سكّينًا معه، فضرب بها القلفاط (٥)، فاتفق أن وقع ميتًا، فقامت القيامة في المركب وبلغ بترون المركب وهو كبيرها ذلك فأمر بإمساك القاتل قبل أن يبلغه موت القلفاط لئلّا تصدر عنه مفاسد، فدافع عن نفسه وفرّ من مؤخر المركب هاربًا إلى جهة مقدّمها، فلما رأى الفرنج تكاثروا عليه لأخذه ألقى بنفسه إلى الخنّ الذي أنابه ليمتنع به، وكان إلى حذائنا آلة سلاح ما بين حراب وسيوف لهم مُعدّة بهذا المكان، فأخذ واحدة من الحراب وحمى نفسه بما نحن عن تسليمها، وبقي يدافع ولا يمكّن من يقترب إلى باب الخنّ من فوق ظهر المركب، وأنا لا عِلم لي بما جرى، فلا زالوا به وتلطّفوا به، ويذكرون له أن القلفاط لم يمُت، وإنما البندون تغيّظ عليك فاخرج إليه واعتذر عساه يقبل عذرك ونحن نساعدك، فاغترّ بذلك وخرج، فقُبض عليه وأدير كتافه وقُيّد، ووكّلوا به بمكان من المركب، ثم فعلوا بالقلفاط ما يفعلونه بموتاهم ورموا به ميتًا إلى البحر، ثم أجمعوا على قتل هذا الفاعل لذلك فكتبوا واقعته بخطّهم كالمحضر عندنا، ثم أحضروا قاربًا صغيرًا فنزل إليه البندون صاحب المركب ومعه جماعة من أعيان هذه الشونة من الفرنج، وأخذ الخط المكتوب (٦) معه، وتوجّه في إحدى الشواني الثلاث وهي التي بها حاكمهم الذي يسمّونه القبطان وهو كالأمير الحاكم على أهل هذه الشواني الثلاث، فأعلموه بالقصة، فأمر

стр. 542

بقتل القاتل قصاصًا فأعادوا القارب وأخذوا القاتل من المركب الذي نحن بها وتوجّهوا به إلى مركب القبطان، فكأنه استفسره عن الحال وفعل معه ما يجب فعله في معتقدهم، وكان الريح في هذا اليوم في غاية السكون، فاجتمعت الثلاث شواني تقرب من بعضها البعض، ثم أحضروا يهوديًا كان معهم في المركب ممن ركب من الإسكندرية قاصدًا بلاد المغرب، وأعطوه في يده شيئًا كالساطور العظيم، وجُعل للقاتل وتدان في حافّة المركب، ودُلّي بدنه إلى جهة البحر، وبقي عُنقه بين الوتدين ورأسه إلى المركب، ثم أمروا اليهودي بأن يضرب بالساطور على رقبته ليفصل رأسه عن بدنه بضربة قويّة، فامتنع اليهودي من ذلك، ورمى بالساطور من يده، فلا زالوا به وألحّوا عليه حتى ضرب ضربة قويّة وقعت على العنق فانفصلت رأسه عن جثّته، ونزلت الجثّة إلى البحر، وبقيت الرأس بالمركب فأُخذت ورُمي بها إلى البحر. فقال لي صاحبٌ لنا من المسلمين: إن هذه الدجاجة لمباركة. فقلت: إنما يعني الكفّار أهل الحرب. وكان المتوفَّى هذا لما سرق هذه الدجاجة أدخل بيديه إلى القفص على ما نُقل عنه فمسك رأسها واقتلعه عن بدنها، ففعل اللَّه به ما فعله هو بها، وحصل لنا لُطف خفيّ، وسلَّمنا اللَّه تعالى من شرّ هذا القاتل فإنه لو علم بموت القلفاط وأنه سيموت لأجل دجاجتين وبسببهما كان لعلّه لما أن نزل إلى عندي لحماية نفسه ومعه آلة السلاح أوقع بنا فعلًا، لا سيما وهو عدوّ الدين، إذ لربّما سوّلت له نفسه قتْلَنا جهادًا أو نكاية فينا، كونه يُقتل بسببنا، لكنْ سلّم اللَّه تعالى وله الحمد والمنّة. [ذو القعدة] [وفاة ابنة شُكْرباي زوجة السلطان] ١٥٧ - وفيها، في يوم السبت رابع ذي القعدة ماتت بيخون (١) ويقال: باي خاتون، وخاتون أيضًا ابنة الخَوَند شُكْرْباي الأحمدية زوجة السلطان، وهي ربيبة السلطان ابنة أبرك الجَكَمي، وكان من أمراء دمشق، كان زوجًا لشُكْرباي هذه ومات عنها، واتصلت بعده بخشقدم المذكور. وكانت هذه الإبنة ربيبته، وأعد عنده من ابنته لمكان التربية. وكانت تزوجت بالزين عبد الرحيم ابن (٢) قاضي

стр. 543

القضاة البدر محمود العَيني، فولدت له الشهابي أحمد بن العَيني الماضي ترجمته. وأمّا عبد الرحيم فقد مرّت ترجمته. (صرف هبة اللَّه بن الديري عن كتابة السرّ وما كُتب في ذلك) (١) وفيه، في يوم الإثنين سادسه، صُرف البرهان بن الدَيْري عن كتابة السرّ بعد أن باشرها خمسة عشر يومًا، وكان ذلك من غريب النوادر، ثم أشيع أن سبب صرفه عنها أنه لما ماتت ابنة خَوَنْد المتقدّم ذكرها قال البرهان هذا: ورد في الأخبار المنقولة عن الأفاضل أنه ما خرج من بيت ميّت في يوم السبت إلّا تبعه اثنان من أكابر ذلك البيت، وأنه عرّض في ذلك بالسلطان وزوجته، وبلغ ذلك للسلطان فحنق من ذلك، ووقع أشياء وصرفه عن كتابة السرّ بعد أن بكّته بسؤاله عن ذلك، وأنه في أيّ كتاب نقل ذلك. ووقع قال وقيل كبير في هذه القضية حتى قال البعض إن الذي جرى على البرهان بسبب أخيه شيخ الإسلام وببركته، إلى غير ذلك من كلام يطول الشرح في تفصيله. وشغرت كتابة السر مدّة أيام كثيرة. وكان القاضي نور الدين بن الأنبابي يباشر تعلّقات ديوان الإنشاء ويشدّ الوظيفة إلى أن وليها الزين بن مزهر كما سنذكره، ولم يَتَهنَّ البرهان بن الدَّيْري بهذه الوظيفة، وللَّه الأمر (٢). [كسر النيل عن الوفاء] وفيه، في يوم الأربعاء خامس عشره، ووافق ذلك ثامن عشر مِسرَى من شهور القبط، كان كسر النيل المبارك عن الوفاء، وتقدّم أمر السلطان بنزول قانَم التاجر أمير مجلس لذلك، فركب وعدّى المقياس فخلّقه ثم عاد إلى السدّ ففتح بحضوره، ثم ركب المركوب المجهّز إليه من الإسطبل السلطاني بالقماش الذهب والزركش، وصعِد إلى القلعة، وخُلع عليه خلعة هائلة، ونزل إلى داره في موكب حافل، وكان يومًا مشهودًا أكثر في سرور الناس بعد اليأس، وللَّه الحمد (٣). [موقعة العربان والعسكر السلطاني بالبحيرة] وفيه، في يوم الخميس سادس عشره، ورد الخبر على السلطان من البُحيرة

стр. 544

بأن العسكر المجهّز لقتال العربان من لبيد قد التقوا بهم وواقعوهم فانهزموا من غير قتال كثير، وعاد الترك فأخذ عربان الطاعة في النهب وتعارضوا مع الجند السلطاني في ذلك، فقتل عرب الطاعة جماعة من العسكر السلطاني، فيهم من الأمراء تَنِبك الصغير، وصنطباي قرا، وهما من العشرات، وجماعة أُخر من الجُند، فحصل عند السلطان بواسطة ذلك غاية التأثّر (١). [ولاية ابن مزهر كتابة السر] وفيه، في يوم الإثنين العشرين منه استقرّ في كتابة السرّ القاضي الرئيس، زين الدين، أبو بكر بن مزهر، مسؤولًا (٢) في ذلك، مرغوبًا في ولايته. وقد تقدّمت ترجمة الزين بن مزهر هذا. وهذه الوظيفة بيده إلى الأن بعصرنا هذا، وله بها زيادة على الإثنين وعشرين سنة، وهي من النوادر، ولم يُسمع بمن بقي بهذه الوظيفة هذه المدّة المديدة سوى الزين هذا، وذلك لنيّته وحُسن طويّته، أطال اللَّه تعالى بقاءه وأدام عُلاه. وخلع على الزين هذا بها في هذا اليوم ونزل إلى داره في موكب حافل، وكان له يومًا مشهودًا، وهرع الناس للسلام على المتصل وتهنئته، وعلى المنفصل وتسليته (٣). [تعيين ابن المَقْسي ناظرًا للجيش] وفيه، أعني هذا اليوم، استقرّ في وظيفة نظر الجيش التاج عبد اللَّه بن المَقْسي (٤) الذي عُلّق من رقبته مشنوقًا بعد ذلك في دولة الأشرف قايتباي. وسيأتي ذلك في محلّه إن شاء اللَّه تعالى. ووُلّيها عِوضًا عن الزين بن مزهر المذور. [دخول المؤلّف تونس] وفيه، في يوم الأربعاء ثاني عشرينه، دخلنا إلى مدينة تونس بعد أن بقينا بالبحر ثلاثًا (٥) وثلاثين يومًا فرأيت مدينة حسنة جليلة هائلة بديعة تقرُب من دمشق

стр. 545

في خفّتها، ونزلت بدار بها بمكان يُسمّى فندق الركاد، ووجدنا صاحب تونس وسلطانها المتوكل على اللَّه عثمان خارجًا عنها آخذًا في التوجّه لجهة تلمسان لأجل إخراج صاحبها محمد بن أبي ثابت منها لكونه أخرج أحمد بن أبي حمّو الماضي ذكره القائم بدعوة بني حفص ملوك تونس وقطْعه هو الدعوة لهم، أعني محمدًا بن أبي ثابت. وكان صاحب تونس خرج في شوال من هذه السنة، ولما قرب عثمان من تلمسان أشير على صاحبها بأن يبعث إليه ويصالحه ويجيبه إلى [ما] كان سأله منه من طاعته والقيام بدعوته، وضرب الدرهم والدينار بمملكته (١)، فبعث إليه الشيخ الصالح، الولي، العارف، العابد، الزاهد، سيدي أحمد بن الحسن وعلى يده خطًّا (٢) من صاحب تلمسان محمد المذكور إلى صاحب تونس بأنه عاهده على طاعته والقيام بدعوته، وبعث إليه بعدّةٍ من الدراهم والدنانير مضروب عليها اسمه، والتمس منه الصلح، وكان قد وقع في عسكر عثمان الغلاء الكبير والقال والقيل وبعض خلف بينهم، وكان هو قد عزم على العَود وبقي يودّ مندوحة لذلك وحجّة من الحجج يحتجّ بها على رجوعه. كما كان اتفق للأشرف بَرسباي حين توجّهه لآمد، فلما قدم عليه الشيخ أحمد المذكور -نفعنا اللَّه تعالى ببركته- أجلّه جدًّا وعظَّمه، وأجابه في الذي جاء بسببه، ورجع من على جهة الصحراء في الشتاء، فتلف الكثير من عساكره وما يفهم من الحال وغيرها. وكان من أمره وأمر صاحب تلمسان ما سنذكره إن شاء اللَّه تعالى. [ورود جماعة من علماء تونس على المؤلّف] وفيه، في يوم الخميس ثامن ذي الحجة، ورد عليّ جماعة من علماء تونس، من جملتهم شيخنا سيدي أبو إسحاق إبراهيم الأخدري، وكان السُّؤال من (بعض) (٣) ضواحي تونس في: امرأة ذات مال ولدت مولودًا نصفه صفة آدمي، ونصفه الآخر صفة حيّة، وماتت الأم عقيب وضعه، وبقي حيًّا بعدها حتى تحققت حياته، ثم مات وترك والده، ولأمّه ولد آخر من غير أبيه، فهل يرث هذا المولود من أمّه شيئًا ويزاحم الولد الباقي من غير أبيه وينتقل ميراثه لأبيه أم لا ميراث له. فوقع في ذلك كلام كثير. ثم أفتى شيخنا إبراهيم المذكور بأن نصفه الأعلى من جهة الرأس إن كان هذا الذي نصفه الحيّة فلا ميراث له، وإن كان نصفه الآدمي

стр. 546

والأسفل نصفه الحيّة فله الميراث، ووافقه على ذلك جماعة، منهم، مفتي الأنكحة بتونس إذ ذاك وهو سيدي محمد الزلدوي القُسَنْطيني، وستأتي ترجمة كل منهما إن شاء اللَّه تعالى. ثم أخذت أستفيد من الشيخ المذكور كذلك، وتكلّمت معه في ذلك على وجه المباحثة، فأنِس بي وأعجبه كلامي. وكان، رحمه اللَّه تعالى، يجلس بجامع الزيتونة في أوقات معلومة من الظهر إلى بُعَيد العصر أحيانًا، وأحيانًا من العصر إلى قرب الغروب، وكنت أجالسه كثيرًا في هذا (١) الأوقات وأسمع الكثير من فوائده وتحقيقاته، فإنه كان آية ورأسًا في الفنون، لا سيما الأصلين. ﵀. [ذو الحجة] [صلاة العيد بجامع الزيتونة] وفيه، في يوم الجمعة كانت الوقفة بعرفات في هذه السنة. وفيه، في يوم السبت عيَّدنا النحْر بتونس وصلّينا صلاة العيد بجامع الزيتونة، وهو من أعظم جوامع هذه البلاد وأشرفها وأبهجها. يقال إن السيد الخضر أوى به غير ما مرة. [توعّك السلطان] وفيه، في يوم الخميس ثاني عشرينه حصل للسلطان الظاهر خشقدم وعَكٌ في بدنه من إسهال كان قد اعتراه، وأصبح يوم الجمعة فحضر الصلاة وهو يُظْهر الصبر والجلادة، وأوجز قاضي القضاة في خطبته وخفّف الصلاة. ثم كان من أمر السلطان ما سنذكره (٢). [خروج السلطان من الدُهَيشة إلى الحوش] وفيه، في يوم الإثنين سادس عشرينه، خرج السلطان من الدهيشة إلى الحوش وجلس على الدكَّة، وحضر الأكابر من الأمراء وغيرهم الخدمة بالحوش. وكانت آثار المرض ظاهرة على وجه السلطان، وكان يلازم الفراش من يوم ظهور الإسهال به، ولكنّه كان يتجلّد ويُظهر ذلك، ويجلس على فرشه حين دخول الناس

стр. 547

إليه وخروجهم للخدمة، حتى ظهر في هذا اليوم، ثم كان له ما سنذكره (١). [وصول أحد العربان ببشارة الحاج] وفيه -أعني هذا اليوم- حضر إلى القاهرة شخص من العربان ببشارة الحاج وكُتُبهم، وعُدّ ذلك من النوادر كون مبشّر الحاج يكون من العرب، والعادة جرت بأن يكون من الأتراك ومن أعيان الخاصكية، لكنْ لما أخيفت السُبُل وعُدم الأمن جاء هذا العربي، وأعيب ذلك على السلطان وعُدّ ذلك نقصًا في المملكة ووهْنًا فيها (٢). [المؤلّف يتوسّط لإطلاق أسير من مركب الإفرنج] وفيه، في يوم الأربعاء ثامن عشْرينه ورد إلى مَرْصا (٣) تونس وإلى ميناها اثنان من مراكب الفرنج ومعهم عدّة أسرى للفدي (٤) وأفدوا. ثم اتفق لي أنني توجَّهت إلى المَرصا ونزلت في قارب للتفرّج على ذَين المركبين، فطلعت إلى الأكبر بينهما، وبينما أنا أتفرّج فيه وإذا بشخص من الأسرى المحضرين تركيّ الجنس من بلاد حاج ترخان من دَيسْت قبجاق التتر لا يعرف شيئًا باللغة العربية، بل بالتركية والفرنجية، لم يبق في المركب غيره من الأسرى، فسألته بالتركية عن اسمه فأجابني، ثم قال لي: أنا من أسرى المسلمين. فقلت له: قد أُفدي جميع أسرى المسلمين، فما بالُك؟ فقال: كلّموني في حين الفداء فلم أعرف بلغة العرب لأترجم عمّا في ضميري. فلم يلتفت إليّ أحد، وظنّوا أنني كافر. فوعدته بأنني أفديه، فدعا لي. ثم لما نزلت اجتمعت بصاحبنا الخواجا التاجر، المعظّم المكرّم، سيدي أبو (٥) القاسم البينوني الغَرناطي الأندلسي نزيل تونس وعظيم التجار بها، [وحدّثته] عن هذا الشخص فقال: واللَّهِ إننا ظننّا أنه من الكفّار ولم نعلم لغته. فأعلمته بإسلامه وأنه تركيّ الجنس من خيار المسلمين لا يعرف غير لغة الترك والفرنج،

стр. 548

فإنه أُسر في أيديهم وله زيادة على الخمسة وعشرين (١) سنة، وكان أضرّ في ذلك. فتلطّف في قضيّته، وفديته بأربعين دينارًا من مالي، وأنزلته إلى البرّ فلازمني ولا زال في خدمتي عدّة سنين، وحصل لي به غاية النفع والرفق. وكان يحدّثني عن بلاد التتر والفرنج بأشياء كثيرة غريبة، ولا زال معي إلى أن وردت القاهرة فتوفي بها في طاعون سنة ثلاث وسبعين، وكان اسمه "مبارك"، وكان مباركًا عند اللَّه، خيّرًا، ديّنًا، سليم الباطن والفطرة، صادق اللهجة، فكه المحاضرة لا يُمَلّ منه، رحمه اللَّه تعالى. [قياس مياه النيل] وفيه كانت نهاية النيل ثمانية عشر ذراعًا وستة أصابع، ثم تناقص، ثم ثبت إلى آخر توت على ثمانية عشر ذراعًا إلّا نقص يسير. [زوال دولة بني أيوب من ديار بكر] وفيها- أعني هذه السنة- زالت دولة بني أيوب الأكراد الملوك الأيوبية عن مملكة الحصن وما والى ذلك من ديار بكر كأنها لم تكن، وتملّكها حسن بك بن قرايُلُك وأضافها إلى مملكته، وكان من بُعيد ذلك أنه لما قرّر الملك خلف على يد ولده، ثم ثار به بعض أقاربه فقتله وملك بعده لم تستقم أحواله ووقع الخُلف بينهم إلى أن بلغ حسن ذلك، وهو غرضُه، بل كان ذلك غرضًا لآبائه وجدوده من قبل على ما هو مشهور، بل وقد عرفت شيئًا من ذلك فيما تقدّم في ترجمة الكامل خليل وغيره، فورد حسن في غضون ذلك بالفرات ونزل على حصن كيفا، ولا زال محاصرًا لها، وأقام على حصارها سبعة أشهر حتى ملكها في ذي القعدة من هذه السنة، وانقطع ملك الأيوبية منها بعد أن كانت هذه المملكة بيديهم فوق المائتي سنة. وحصل لحسن بأخذ هذه المملكة غاية القوّة، وزادت شهرته وضخم جدًّا، فإنه لما أخذ الحصن أخذ الكثير من المدن والقلاع المتعلّقة به من أعمال ديار بكر. ولم يزل حسن هذا من ذلك اليوم في زيادة الظهور إلى أن كان منه ما سنذكره من تملّكه العراقين، وقصده بعد ذلك الروم، بل ونوى بعد ذلك قصْد البلاد الشامية بل والمصرية لأخْذها. وكان له من الأخيار والفِتن والشرور والأمور المطوّلة ما سيأتي كلٌّ في محلّه بعد السبعين وثمانمائة وهلُمّ جرًّا إلى أن توارث ذلك بنيه (٢) بعده إلى يومنا هذا.

стр. 549

ومن يوم أخذ هذا الحصن زاد تمدّده وتموّله (١)، كيف لا وقد وصل إلى شيء عجز عنه جدّه قرايُلُك الأكبر مع جلالة قدره، ولكن فاقه حفيده هذا بأخرة، كما سنقف على ذلك جميعه وتعرفه إن شاء اللَّه تعالى. وخرجت هذه السنة على ما في ذكرناه لك من الحوادث والمتجدّدات والفِتَن والواقعات، والعدّة من الآيات على ما أسلفنا، كلٌّ في محلّه، وبيّنّاه عن أصله (٢).

стр. 550

ذِكر نُبَذٍ (١) من تَرَاجِم الأعيان ووَفَيَاتهم في هذا الزمان سنة ٨٦٦ هـ ١٥٨ - إينال اليَشْبُكي (٢) نائب حلب، المعروف بالحاج إينال. كان من مماليك الأمير يشبُك الجَكَمي الأميراخور، وهو مشهور الترجمة. ولما مات تنقّلت بمملوكه هذا الأحوال، ووُلّي عدّة ولايات بالبلاد الشامية، منها نيابة الكَرَك في دولة الظاهر جقمق عِوضًا عن مازي، ثم صُرف عنها وصُيِّر من مقدَّمين الألوف بدمشق، فدام على ذلك مدّة، وحجّ أميرًا على المحمل الشامي عدّة مرار متكرّرة، ولهذا قيل له: الحاج. ثم وُلّي الكرَك ثانيًا فيما أظنّ، على شكٍ عندي وما حرّرت ذلك. ثم آل به الأمر أن وُلّي نيابة حماة نقلًا إليها من التقدمة ألف التي كانت بيده بدمشق، وذلك بعد صرف سودون الأبوبكري عن نيابة حماة، وتقريره في تقدمة الحاج إينال المذكور وذلك في سنة ست وخمسين على ما تقدّم في متجدّداتها، ثم نُقل من حماة إلى نيابة طرابلس عِوضًا عن يشبُك النَوروزي لما قُبض عليه وسُجن بالمرقب، ووُلّي حماة بعده إياس الطويل نقلًا إليها من نيابة صفد فيما أظنّ، ثم نقل من نيابة طرابلس إلى نيابة حلب عوضًا عن جانِبَك (٣) لما نقل إلى نيابة الشام بعد موت قانباي الحمزاوي، ودام على نيابة حلب إلى أن بغته الأجل بها.

стр. 551

وكان إنسانًا حسنًا، وقورًا، حشمًا، عاقلًا، سيوسًا، ولم يحمده أهل حلب في ولايته عليهم، ولم تتقدّم له رياسة بالقاهرة حتى ولا صار من العشرات بها، بل ولا صار من الجند السلطاني أصلًا، وإنّما ترقّى في البلاد الشمالية. وكان بينه وبين الوالد صحبة ومحبّة أكيدة، وكان يُجلّ الوالد جدًّا ويعظّمه، لا سيما ونحن بطرابلس. وكان مما يشينه دواداره بلاط لكثرة مظالمه للخلق. وقد تقدّمت نبذة من أخبار الحاج إينال هذا في كثير من متجدّدات سِنِيّ تاريخنا هذا من سنة ست وخمسين وهَلُمّ جرًّا في مواضع متعدّدة إن كنت على أخرة فيها. وإلّا فارجع إليها. توفي الحاج إينال هذا في ليلة الخميس سابع عشرين شعبان، وكان له زيادة على الستين سنة فيما أظنّ. وذكر بعضهم أنه مات وله نحو الستين، واللَّه أعلم. ووُلّي حلب بعده جانِبك التاجي الماضي ذِكر ولايته لها. ١٥٩ - بيبرس بن أحمد المعروف بابن بقر (١). شيخ العربان بالشرقية بالوجه البحري. كان جوادًا كريمًا، سيوسًا، حسن السمت والملتَقَى، ذا تؤدة، محمود السيرة، مشكور السريرة. ولد على رأس القرن أو قُبَيله بيسير، على ما أخبرني به بعضٌ من مشايخ تلك البلاد الموثوق بهم. وتوفي بالقاهرة في يوم الأربعاء مستهلّ صفر. ولم يخلفْه في أبناء جنسه مثله. ١٦٠ - بَيْخون (٢)، ويقال: باي خون، وخاتون أيضًا. ابنة أبرك الجَكَمي من شُكْرْباي التي صارت الخَوَنْد في هذه الدولة الظاهرية الخُشْقَدميّة. تقدّم ذِكر موتها في المتجدّدات. وكانت ولدت بدمشق. وتوفيت ولها زيادة على الثلاثين سنة.

стр. 552

ووالدها أبرك كان من أمراء دمشق. ١٦١ - تمُرباي من حمزة (١) الناصري. أحد مقدَّمي الألوف بمصر، المعروف بططر. كان من مماليك الناصر فرج بن الظاهر برقوق، وكان تتريّ الجنس، فلهذا قيل له ططر. تنقّلت به الأحوال بعد موت الناصري في أسوئها (٢) وقاسى الشداد، وخمل جدًا، ثم أعيد إلى دار السلطان في جملة الجند السلطاني بعد المؤيَّد شيخ. ولا زال حتى أُمِّر عشرة في دولة الأشرف إينال فيما أظنّ أو قبله في الدولة الظاهرية، وقد مرّ ذلك، لكنّني لست على بصيرة من ذلك. ورُشح أميرًا على الجوالي، وصُيّر من الطبلخاناة في دولة الظاهر خشقدم كما قدّمناه قريبًا. ثم توليته على تقدمة ألف، وقد عرفت كيفية ذلك، وعمّن كان ذلك، ودام إلى أن بَغَتَه أجله. وكان إنسانًا ساذَجًا، سليم الفطرة، هيّنًا ليّنًا، متديّنًا، ولكنّه كان من الشح على جانب عظيم ( ......... ) (٣). توفى فى ليلة السبت ثانى عشرين جمادى الآخرة وله من السنّ نحو الثمانين أو فوقها. وقرّر في تقدمته بُردُبك هجين الظاهري على ما تقدّم. ١٦٢ - قَنِبَك (٤). أحد العشرات المعروف بالصغير لقِصَر قامته، وكان من جِلّة رؤوس (٥) النُوَب. تقدّم في المتجدّدات كيفية قتله بيد عربان الطاعة في كائنة هزم لَبيد. وكان

стр. 553

(إنسانًا حسنًا) (١) لا بأس به، وكان من مماليك الأشرف بَرسْباي وممّن صُيّر خاصكيًّا في دولته، ثم دوادارًا (٢) صغيرًا في دولة العزيز، وامتُحن بعده في سلطنة الظاهر جقمق في جملة الأشرفية ( ...... ) (٣) وأخرج إلى البلاد الشامية منفيًّا، ودام على ذلك إلى سلطنة الظاهر خشقدم، فخرج إلى البحيرة وتوفي بها قتيلًا كما عرفته. وكان له زيادة على الخمسين سنة. وكان حشمًا متواضعًا، لا بأس به. ١٦٣ - جانِبك الجَكَمي (٤). نائب مَلَطْية. كان من مماليك جَكَم صاحب حلب والمتسلطن بها، وهو مشهور الترجمة، معروفها، وتنقّلت بمملوكه هذا الأحوال بعده في عدّة ولايات قد مرّ أكثرها في المتجدّدات وآل به الأمر أنْ وُلّي مَلَطْية، وبها بغته الأجل. وكان لا بأس به. وبينه وبين الوالد صِدْق محبّة وقديم صُحبة. توفي في ربيع الآخر وله زيادة على الثمانين. ووُلّي مَلطْية عوضًا عنه إينال الأشقر نقلًا إليها من ولاية القاهرة على ما تقدّم فيما أسلفناه. ١٦٤ - حسن بن محمد (٥) بن أيوب بن خضر بن إدريس بن حسن بن علي بن عيسى بن علي بن عبد اللَّه بن محمد بن القاسم بن يحيى بن يحيى بن

стр. 554

إدريس بن إدريس بن عبد اللَّه بن الحسن بن الحسن بن السبط بن علي بن أبي طالب الهاشمي، القُرشي، العلوي، الحسني نسبًا، الحُسيني سكنًا، القاهري، الشافعي. السيد الشريف حسام الدين وبدر الدين، الصائن، ناصر الدين بن نجم الدين بن خضير الدين بن نفيس الدين، وكلّها ألقاب حِسان، وفيها النادر المستطرف. ويُعرف صاحب الترجمة بالنسّابة، وكذا جمعًا من أسلافه. قال الحافظ ابن حجر ﵀: أصلهم من سرسة. ولد سنة سبع وستين وسبعمائة بالقاهرة. وبها نشأ فحفظ القرآن العظيم، ثم تلاه تجويدًا برواية أبي عمرو ونافع على الفخر الضرير إمام الأزهر، والشرف يعقوب، ثم اشتغل بالعلم فأخذ عن جماعة، منهم: البرهان الإبناسي، والسراجين شيخي الإسلام البُلقيني، وابن (١) الملقّن، والبدر الطنبذي، والجمال بن الطيماني، والبرهان البيجوري. وأخذ النحو عن المحبّ بن هشام، ودخل دمشق قبل فتنة تمرلَنك. وسمع الحديث على جماعة، منهم: الصلاح بن الناطور، والجلال الحلاوي، والشهاب السُوَيداوي. وتميّز في الفقه، وكان يستحضر الكثير منه، وأسمع الحديث وانتفع به جماعة، وصنّف، وألّف، وضعُف بصره بأخرة، ثم أضرّ. وتوفي في يوم الأربعاء مستهلّ صفر. وله مائة عام إلّا عام وشهور تقريبًا. وأُخرجت جنازته من محلّ سكنه بالحسينية، وتقدّم في الصلاة عليه الشرف المناوي، ﵀. ١٦٥ - حمزة بن غيث (٢) بن ندى بن مطر بن نصير الدين. أحد مشايخ العربان بأحد جهات الغربية من أعمال القاهرة شريكًا لأبيه غيث الآتي قريبًا، فإنه مات بعد ولده هذا أيضًا في هذه السنة بعد أيام قلائل. وقد تقدّم في المتجدّدات كيفية قتْل حمزة هذا، فلا نعيده. وكان غير مشكور، بل قيل في دينه شيء اللَّه أعلم به، وقد أراح اللَّه تعالى منه العباد والبلاد.

стр. 555

(ترجمة الملك خلف صاحب حصن كيفا) (١) ١٦٦ - خَلَف بن محمد (٢) بن سلمان (٣) الكردي الأصل، الأيوبي، الحصني. الملك () (٤) صاحب حصن كيفا. قد تقدّم بقية نسبه في ترجمة الكامل خليل، وتقدّم في متجدّدات هذه السنة كيفية قتله من ولده وملكه الحصن، ثم القيام عليه من بعض أقاربه وقتله وملك الحصن ثم الخُلف الذي وقع بين الأكراد بعد خَلَف هذا في هذه الكائنة، وانتهاز حسن بن قرايُلك الفرصة وحصاره الحصن وتملّكه على ما عرفت ذلك فلا نعيده. ١٦٧ - شاهين الناصري (٥). دوادار أزدمر شابًّا، ودوادار قَرَاجا أيضًا. كان من مماليك الناصر، وتنقّلت به الأحوال حتى صار خاصكيًّا، وعمل دوادارًا عند الأميرين المذكورين. وهو زوج الست فَرَج ابنة أيتمش (٦) الخضري من زوجته الست تَتَر (٧) أخت الخَوَنْد زينب الخاصّكية زوجة الأشرف إينال، وأمّ أولاده المؤيَّد أحمد وسائر إخوته الذكور والإناث. والست فَرَج (٨) هذه، وأمّ الست فاطمة بنت شاهين (٩) هذا زوجة صاحبنا

стр. 556

سيباي العلائي (١)، وقد مرّ شيء (٢) من ذِكر هؤلاء غير ما مرة في غير ما موضع من تاريخنا هذا. وكان شاهين هذا إنسانًا حسنًا، خيّرًا، ديّنًا، حشمًا، حسن السمت، والعشرة، ذا سكون وتُؤدة. وله ذِكر وسيرة. توفي في هذه السنة، ولم نعرف شهر وفاته. ١٦٨ - صنطباي (٣) الظاهري. أحد العشرات المعروف بِقَرا. قد تقدّم في المتجدّدات الماضية في السنين الخالية شيء (٤) من أحواله من أنه كان رأس نوبة الجَمْدارية (٥) في أيام سيده الظاهر جَقْمَق، ودام إلى سَلَطنة ولده المنصور عثمان. ولما جرت كائنة خلعه أُخرج إلى البلاد الشامية، ودام بها إلى سلطنة المؤيَّد بن إينال، فحضر القاهرة بغير إذن، وصادف حضوره وحضور تمراز، وتغيّظ السلطان عليه وإخراجه من القاهرة، فاختشى إن ظهر أن يناله ما نال تمراز، فاختفى مدّة بعد أن علم السلطان بمجيئه، ولا زال خُشداشيه يتلطّفون به عند المؤيَّد، وهو مصمّم على عَوده من حيث جاء، فعاد لما تسلطن الظاهر خُشقدم قدم ثانيًا، فأمّره عشرة، ثم عيّنه في تجريدة البُحَيرة، وجرى عليه ما قدّمنا ذِكره من قتله. وكان لا بأس به. توفي هو وتَنِبك في يومٍ واحد وهو في شبوبيته. وقُرّر في إمرته بعده يحيى بن يشبُك الفقيه وسِبط المؤيَّد شيخ. ١٦٩ - علي بن محمد بن أحمد بن حسن بن محمد بن محمد بن أبي

стр. 557

بكر بن محمد بن أحمد بن علي بن الحسن بن عبد اللَّه بن أحمد بن ميمون القَيسي، القسطلّاني (١)، المكي، الحنفي. الشيخ نور الدين المعروف بابن الزين (٢)، وهو محمد جدّ جدّه أحمد. ولد -أعني صاحب الترجمة- في ليلة الجمعة سابع عشر جماد (٣) الأول أو الثاني، على خلاف وُجد في ذلك في سنة ثمان وتسعين وسبعمائة. وذكر بعضهم في سنة تسع، واللَّه أعلم. وتوفي بمكة المشرَّفة في ليلة الأحد سابع عشر جمادى الأولى، ودُفن بالمُعلّاة عند أخيه. ١٧٠ - غالب بن بدران (٤) الشامي، النابلسي. نقيب الطُلْب للأمير يونس الآقبائي الدوادار الكبير. كان من عشير بلاد نابلس، وقدم القاهرة فتنقّلت به الأحوال حتى اتصل بخدمة يونس المذكور صيّره نقيب طُلبه، وكان يقرّبه ويأنس به لشجاعته وإقدامه ومعرفته برمي النشّاب. وكان إنسانًا حسنًا، بشوشًا، مشكورًا. توفي في هذه السنة. ١٧١ - غيث بن ندى (٥) بن مطر بن نصير الدين. الذي تقدّم ذِكر ولده حمزة. كان شيخ العربان بجهة من الغربية على ما عرفته، وكان شريكًا لولده. ثم لما جرى على ولده ما جرى خُلع عليه بأن يتولّى المشيخة على مالٍ، وعذّبه ووكّل به لإحضاره، فاتفق أن مات في أثناء ذلك. وكان شِرّيرًا، كثير الفِتَن والفساد، أراح اللَّه تعالى منه ومن ولده العباد والبلاد.

стр. 558

توفي بعد سَلْخ ولده حمزة باثنين وعشرين يومًا، ودُفن خارج القاهرة. ١٧٢ - قانباي الجركسي (١). أميراخور كبير. كان في الأصل من مماليك دُقماق نائب حلب، ثم نُقل إلى ملْك الأمير الكبير الأتابك يشبُك الشعباني، ثم وهبه يشبُك المذكور لجركس المصارع القاسمي أخي الظاهر جقمق. وهو -أعني جركس هذا- مزبور الترجمة، وأجرى عتقه على قانباي هذا، ودام عنده إلى أن قُتل في سنة عشرة (٢) وثماني ميّة (٣). فتنزّل قانباي هذا في جملة الخيل السلطاني، ثم صار خاصكيًّا بعد موت المؤيَّد شيخ، واستمر كذلك مدّة مطوّلة في عدّة دول وهو لا يؤبه به ولا يُلتَفَت إليه، ولا يُعوَّل عليه حتى صار أخو أستاذه مدبّر المملكة للعزيز يوسف ابن (٤) الأشرف برسباي فأمّره بعنايته عشرة لكونه تولّى لأخيه، ثم لما تسلطن بعد قليل قرّب قانباي هذا وأدناه، واختص به ورقّاه إلى شادّية الشراب خاناه على إمرة طبلخاناه، ثم صيّره من جملة مقدّمين الألوف وشادّية الشراب خاناه مدّة، ثم رقّاه إلى الدوادارية الكبرى بعد تعذيب بدوي المؤذي بحكم وفاته، فنالته السعادة وصار أحد مدبّري المملكة للظاهر جقمق مع ما هو فيه من عدم التدبير والطيش والخفّة وكثرة التهويل، وعظُم مع ذلك في الدولة جدًّا حتى صار هو المشار إليه والمرجع في أمور المملكة والتعويل عليه. ثم وُلّي الأميراخورية الكبرى بعد موت قراقجا الحسني في سنة ثلاث وخمسين، ووُلّي إينال الأجرود الدوادارية الكبرى. وكانت الأميراخورية قد عُيّنت لأسَنْبُغا الطيّاري، فلا زال قانباي هذا بالظاهر حتى ولّاها إيّاه، وترك الدوادارية اقتحامًا على الرياسة، فشتّان ما بينه وبين من عُيّنت له الأميراخورية، فأبى إلّا الدوادارية، وكذا بين من عُيّنت له الأميراخورية بعد أن وعد بالدوادارية فما انشرح للأميراخورية. وقد وقع هذا بعصرنا هذا في دولة الأشرف قايتباي، وسيأتي ذلك في محلّه في سنة ستّ وثمانين إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 559

ودام قانباي هذا على الأميراخورية إلى أن مات الظاهر وتسلطن ولده المنصور عثمان، وخرج عليه الأتابك إينال، وجرى ما جرى، فكان قانباي هذا رأس العسكر المنصوري بالقلعة وعين القائمين بمحاربة إينال ومن معه من العسكر التحتي، وكان زمام باب السلسلة بيده، وأظهر غاية الجهد في تلك الكائنة، وتجلّد على القتال. وهو الذي كان السبب في تطاول تلك الحرب عدّة أيام على ما تقدّم في محلّه. ثم لما غُلب المنصور وتسلطن إينال قبض على قانِباي هذا مع جملة من قبض، وأُخرج إلى سجن ثغر الإسكندرية فدام بها مضيَّقًا عليه مدّة سنين إلى موت الأشرف إينال وخلْع ولده. ولما تسلطن الظاهر خشقدم بعث بإطلاقه من سجن الإسكندرية وخروجه إلى ثغر دمياط، فتوجّه إليها، وبها بغته الأجل. وكان إنسانًا حسنًا، خيّرًا، ديّنًا، صادق اللهجة، سليم الباطن، شجاعًا، مقدامًا، ذا قوّة زائدة. حكى لي الوالد، ﵀، عن قانباي هذا أنه كان يأخذ القوس الكبار فيجرّه بيده ويُعِد ذلك إلى أن يبلغ ستة آلاف جرّة، وربّما زاد. قال: وكان له كرة كبيرة جدًا وصَولجان عظيم، وكان يضرب هذه الكرة بذلك الصولجان فينحدر بها من باب السلسلة وهو حافٍ فيُدْخِلُها بالضرب إلى الميدان، ثم خرّجها من بابه الآخر الذي من ظهر القرافة، ويدور كذلك حول القلعة مجتازًا بها على فارس قطايا أحد أمراء القلعة إلى أن يصل بها إلى الصّوّة إلى باب المدرج، وينحدر بها من المحجر فيدخلها من باب السلسلة من الجهة الأخرى، وهذه طاقة هائلة. قال: وكان يفعل ذلك وهو ماش حافٍ (١). قال: وكان إذا جلس للحكم بمقعد داره كان يجلس وإلى حذائه أربعة (٢) مطارق من خشب ومعها بزدغاني من فولاذ مورّق كبير، فإذا حضره اثنان من الخصوم ووقفا بين يديه وتداعيا ثم كلّم الظالم منهما على زعمه ولم ينجع في كلامه أخرج له أحد المطارق فقال له: انظر هذا أبو حنيفة يقول لك: اعطِ هذا حقّه، ثم يأخذ الثاني فيقول له: هذا الشافعي يقول لك: اعطِ هذا حقّه. ثم يخرِج الثالث ويقول: هذا مالِك، ويعيد ما قاله أولًا وثانيًا، ثم يخرج الرابع من المطارق فيقول: وهذا أحمد بن حنبل، ثم يقول: فإن أعطيت بالطيبة كما أشاروا هؤلاء (٣) أهل الشرع بها ونِعْمَت، وإلّا قضا (٤) قانباي الجركسي، ثم

стр. 560

يخرج البزدغاني ويُرِه (١) للظالم على زعمه، ويقول له: إن قانِباي يأخذ منك الحق غصبًا بهذا ويوصله إلى صاحبه. وكان كثير التودّد إلى الوالد، وبينه وبينه محبّة أكيدة وصحبة قديمة. وكان كثيرًا ما يقوم في قضاء حوائجه وأشغاله حين توجّه الوالد عن الديار المصرية وبعده ويتلطّف بأموره لدى الظاهر جقمق ويتعصّب له جدًّا، وإذا حضر عنده عظّمه وأجلّه ورفع من محلّه. وكان بقانِباي هذا النفع في أحكامه وخلاص الحقوق، وله عدّة آثار وأبنية، من ذلك جامعه الذي بخطته الذي هو في هيئة زاوية بالقرب من داره، وهو بالرُميلة بلصق خط البارع الكامل، شمس الدين محمد بن (٢) موسى بن محمود الراميني الأصل، الحنفي، أمام الخانقاه الشيخونية، ثم تركه لولده القاضي شهاب الدين أحمد، ولأخيه يحيى الطفل، وإلى جانب هذا الجامع سبيل حسن، وبالقرب منه مكتب للأيتام للسبيل، وبقرب من ذلك أيضًا حوض سبيل مُعَدّ لشُرب البهائم، وبقرب ذلك الحمّامين الحسنين للرجال والنساء، وغير ذلك من الأبنية في هذا الخط. ومن ذلك أيضًا التربة المعظّمة التي أصلها لأستاذه جركس، ثم جدّدها هو تجديدًا هائلًا، وبها دُفن أستاذه الظاهر جقمق، وقد تقدّم ذكرها غير ما مرة في ترجمة ولده محمد، وفي ترجمة محمد بن الظاهر جقمق، وفي ترجمة الظاهر أيضًا. وهي تربة أنيقة بها خطبة وحضور أيضًا. وكانت مشيختها بيد شيخنا العلّامة التّقيّ الشُمُنّي، وهي بيد ولده الآن، وبها مكتب للسبيل أيضًا. توفي قانِباي هذا بثغر دمياط بطالًا في يوم السبت رابع عشر ربيع الآخر، وحُمل منها ميتًا كما هو فاستُقدم إلى القاهرة وجُهّز بها وكُفّن، وأحضرت جنازته إلى سبيل المؤمني، ونزل الظاهر خُشقدم فحضر الصلاة عليه، وكانت جنازته حافلة، وحُمل إلى تربته التي ذكرناها فدُفن بها، وكان سنّه يوم مات نحو الثمانين أو زاد عليها، وترك موجودًا كبيرًا. ١٧٣ - محمد بن إينال (٣). الأمير ناصر الدين ابن (٤) السلطان الأشرف سيف الدين، أبي (٥) النصر الجركسي الأصل، القاهري، الحنفي.

стр. 561

أحد مقدَّمين الألوف بمصر، وولد السلطان. ولد بالقاهرة ونشأ تحت كنف أبيه، وقرأ القرآن، وأُدّب وهُذّب، وأُمِّر عشرة في دولة أبيه، ثم تقدمة ألف على ما عرفت ذلك في متجدّدات بعض سِنِيّ دولة أبيه وكيفية خروجه للحج صُحبة أخيه وأبيه، وعرفت كيفية قدومهما وكيفية خروجه مع أخيه أيضًا للسرحة، ثم ما جرى له من إخراجه مع أخيه إلى سجن الثغر السكندري، ثم وفاته بها، وحمْل رُمّته بعد ذلك إلى القاهرة ودفنه بتربة أبيه. وأنه توفي في يوم الخميس مستهلّ ذي الحجّة، وله نحو السبعة عشر (١) سنة. عوّض اللَّه تعالى شبابه الجنة. وكان شابًا حسنًا، ذكيًّا، فطِنًا، أدوبًا، حشمًا، لم تُعرف له صبوة، وتأسّف عليه أخوه وأمّه غاية التأسّف. وقد عرفتَ جميع ذلك فيما تقدّم وأسلفناه فلا نعيده. ١٧٤ - محمد بن الفرعة (٢). الشاب الحَسَن، أبو عبد اللُّه المالقي، الأندلسي، المالكي. كان شابًا حسنًا من أبناء الأعيان ببلده. ولد بها قبل الخمسين بمدّة سنتين أو ثلاث. ونشأ بها، أعني مالقة، وقرأ القرآن وشيئًا، وكان قريبًا لقاضي مالقة وخطيبها الشيخ العالم أبي عبد اللَّه بن الفرعة أيضًا الموجود الآن، ربّما نترجمه قريبًا إن شاء اللَّه تعالى في الآتية، فقدم صاحب الترجمة حاجًّا ومعه شيء يتّجر به مع بعض جماعة من أعيان بلده، فحج وعاد إلى الإسكندرية ليعود منها إلى بلده، فأدركه أجله بها بمرض ذات الجَنْب. وكان من أبناء العشرين فما دونها. وله سكون زائد، وسمت حَسَن، وتُؤدة وأدب وحشمة، وبراعة وشجاعة فائقة في بني جنسه. توفي في شهر رجب. ١٧٥ - محمد الفُوّي (٣).

стр. 562

الشيخ الصالح، المعتقد، المسلّك، الربّاني، الصوفي، أبو عبد اللَّه، المعروف بالنسبة إلى فوَّه. كان من عباد اللَّه الصالحين وحزبه المفلحين. صحِب جماعة من الأكابر المسلّكين وانتفع بهم وتسلّك. وممّن صحب الشيخ المسلك العارف الربّاني، سيدي إبراهيم الأدكاوي (١)، وترقّى إلى أن شهر بمزيد الخير والصلاح، وكثُر اعتقاد الناس فيه. ولعلّه ولد بُعيد الخمس وثمانين وسبعمائة (٢) بيسير. وتوفي في ليلة السبت سلْخ ربيع الآخر. ودُفن من غده بالصحراء، رحمه اللَّه تعالى.

стр. 563

سنة سبع وستين وثمانمائة [حال الخليفة والسلطان والقضاة والثواب والأمراء] استهلّت هذه السنة والخليفة والسلطان فيها على ما هما عليه من الخلافة والسلطنة في التي قبلها. وجميع ملوك الأطراف على ما هم عليه، وكذا النواب والأمراء والحكام ووُلاة أمور الإسلام وقضاة القضاة، الكلّ على ما هم عليه في الماضية، ما عدا صاحب الحصن -أعني حصن كَيْفَا من ديار بكر. فإنه في هذه السنة حسن الطويل بن قرايُلُك مَلَكَها بعد الخلف الكائن بعد قتل الملك على ما تقدّم ذلك وعرفتَه. وما عدا نائب الشام فإنه في هذه السنة تَنَم من عبد الرزاق وليها عن جانَم بحكم فراره على ما عرفت ذلك في الخالية. وما عدا نائب حلب، فإنه في هذه السنة جانِبَك التاجي، وُلّيها عن الحاج إينال الماضي، ذكر وفاته في الخالية. وما عدا نائب طرابلس، فإنه في هذه السنة بَرسْباي البجاسي، وُلّيها عن إياس المحمدي الطويل الماضي خبر القبض عليه وسجنه بالإسكندرية، ونقل برسباي هذا إليها من الأميراخورية الكبرى. وكان الأميراخور الكبير عوضه في هذه السنة بَلَبَاي الإينالي المؤيَّدي الذي تسلطن بعد ذلك، ولُقِّب بالظاهر على ما سيأتي. وما عدا نائب حماة، فإنه في هذه السنة جانِبَك الناصري، وُلّيها عن جانِبَك التاجي لما نُقل إلى نيابة حلب منها. وكانت العادة أن ينقل إلى حلب نائب طرابلس، فما اتفق ذلك. ونُقل جانِبك الناصري هذا إليها من صفد. وما عدا نائب صفد، فإنه في هذه السنة خيربك القصروي نُقل إليها من نيابة غزة. وما عدا نائب غرة فإنه كان في هذه السنة شادبك الصارمي وُلّيها عن خيربك نقلًا إليها من أتابكية حلب.

стр. 564

وما عدا نائب مَلَطْية، فإنه في هذه السنة إينال الأشقر، وُلّيها بعد موت جانِبَك الجَكَمي الماضي ذِكر موته في تراجم الماضية. (وما عدا نائب الكَرَك، فإنه كان في هذه السنة مباركشاه) (١). وأمّا الأمراء بمصر فعلى ما هم عليه ما عدا أميراخور كبير، وقد عرفته. وما عدا حاجب الحجّاب فإنه في هذه السنة بُردُبك الجمقدار الظاهري، وُلّيها عن بلباي لما نُقل إلى الأميراخورية كما ذكرناه نقلًا إليها من تقدمة ألف. وأمّا القضاة فعلى حالهم ما عدا قاضي القضاة الحنفية، فإنه في هذه السنة الشيخ محبّ الدين بن الشحنة، وُلّيها عِوضًا عن شيخ الإسلام السعد بن الديري بحكم استعفائه منها على ما شرحناه. وكانت هذه الوظيفة بيده مدّة مديدة من مدّة تزيد على سنة، وهذه أول ولايات ابن (٢) الشِحنة لهذه الوظيفة. وأمّا المباشرون فعلى ما هم عليه في الخالية، ما عدا كاتب السرّ، فإنه في هذه السنة الزين بن مزهر، وهو على ذلك إلى يومنا هذا، ووُلّيها عن البرهان الديري على الصفة الماضية في الخالية. وما عدا ناظر الجيش، فإنه كان في هذه السنة التاج بن المقسي، وُلّيها عن الزين بن مزهر لما نُقل لكتابة السرّ. وما عدا الوزير فإنه كان في هذه السنة الشرف يحيى بن الصنيعة، ولّيه عوضًا عن ابن الأهناسي بحكم القبض عليه على ما مرّ جميع ذلك.

стр. 565

ذِكر نُبَذٍ (١) من المتجدّدات اليومية في هذه السنة القمرية [شهر المحرّم] [تهنئة السلطان بالشهر والعام] كان أول هذه السنة بالسبت، ففيها في المحرّم في هذا اليوم طلع القضاة إلى القلعة وهُنّيء السلطان بالشهر والعام، وكانت جميع نواب البلاد الشامية حين استهلال هذه السنة بعساكرهم بحلب لحفظها من جانَم إنْ قصدها. [تماثُل السلطان للشفاء] وفيه -أعني هذا اليوم- نَصل السلطان من الوعك الذي كان حصل له وهُنّئ بالعافية حين هُنّئ بالعام والشهر، ودقّت البشائر بالقلعة وعلى أبواب الأمراء بعافيته. وكان قد لازم الفراش مدّة على ما أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم في الخالية (٢). [خلعة السلطان على الأطبّاء] وفيه، في يوم الخميس سادسه خلع السلطان على رئيس الطب وعلى آخرين من الأطبّاء وعلى جماعة من السّفارة وعلى جماعة ممن لهم عادة بذلك في مثل ذلك (٣). [حنق السلطان على مُغلباي البجاسي لعَوده من قبرس ذون إذن] وفيه، في يوم الجمعة رابع عشره ورد الخبر إلى القاهرة بأن مُغلباي البجاسي الماضي حين بعثه إلى قبرس وصل من جزيرة قبرس لثغر دمياط بغير إذن من
следующие страницы →