← Тараджим

Тараджим · id 860

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

عبد الباسط الملطي

Полный текст (1 528 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ وبه أستعين كلمة المحقق إن الحمد للَّه الخالق البارئ المصوّر ﷻ . والصلاة والسلام على المصطَفَى محمد خاتم أنبيائه ورُسُله. وعلى آله الطاهرين، وصَحبه الأخيار المبجَّلين. وبعد، فتعود صلتي بهذا الكتاب إلى أوائل السبعينيّات من القرن الماضي حين كنت أتردّد يوميًّا على "دار الكتب المصرية" عندما كانت في حيّ "باب الخلق" بالقاهرة، وأطالع وأنسخ ما في "مركز تحقيق التراث" التابع لها من مخطوطات، قبل انتقال الدار والمركز إلى شارع "كورنيش النيل" في الموقع الحالي. وكان هذا الكتاب "المخطوط" بين المصادر التي اعتمدت عليها في تأليف كتابي "تاريخ وآثار مساجد ومدارس طرابلس في عصر المماليك" عام ١٩٧٣، ثم كان بين المصادر المخطوطة التي اعتمدتها في إعداد أُطروحتي بعنوان "طرابلس الشام ونضالها في سبيل العروبة والإسلام" (من الفتح الإسلامي حتى سقوط دولة المماليك) ونلت عليها درجة "الدكتوراه" بمرتبة الشرف الأولى، عام ١٩٧٦ من قسم التاريخ والحضارة بجامعة الأزهر. ومنذ ذلك التاريخ كنت أتصفّح هذا المخطوط وأقلّب أوراقه، وأحلُم بأن أراه منشورًا محققًا، لِما يحتويه من معلومات نادرة وأخبار طريفة ومهمّة لم يذكرها غيره، وصاحبه كان شاهد عيان على عصره، ورحّالة طوّف البلاد ما بين آسية الصغرى (تركيا) والأندلس، وتنقّل للتجارة بين بلاد الشام ومصر وليبيا وتونس والجزائر، وأبحر بين الإسكندرية ورودس وتونس، وعبر العدوة بين المغرب والأندلس إلى غَرناطة، فأرّخ ووصف الأماكن والبلدان، والتقى بالسلاطين والوزراء والأمراء والأعيان والعلماء والأدباء، ومارس التجارة والأسفار، والتعليم والتدريس والتأليف والتصوّف، وامتهن الطبابة فبرع، وكان مؤرّخًا عملاقًا موسوعيًّا بكل معنى الكلمة، منافسًا لابن تغري بردي، صديقاً للسخاوي يتبادل وإيّاه الفوائد، أستاذًا

стр. 2

لابن آياس الذي استفاد من مصنّفاته وأفرغ غالب مادّتها في كتابه "بدائع الزهور". وكان أشدّ ما يحفزني لتحقيق هذا المخطوط، ونفْض غبار الزمان والنسيان عنه، ونشره كون صاحبه "عبد الباسط" أقام في بلدي "طرابلس الشام" أكثر من خمس سنين، ونَهَل علومه الأولى في جامعها "المنصوري الكبير" القريب من سكني، والذي أصلّي فيه أغلب الجُمَع والأعياد. بل إن أباه المؤرّخ "خليل بن شاهين" أقام بها وبنى دارًا وزاوية وتُربة دُفن فيها نزيلاً على اثنين من أولاده، ﵏. وكنت - ولا أزال - أعجب وأستغرب لقلّة قرّاء هذا المخطوط، إذ لم أر أحدًا يعتمده في قائمة مصادره، سواء في الكتب المحقَّقة، أو المؤلَّفة عن عصر المماليك إلّا ما ندر. ولكنّ اضطراب المخطوط والتقديم والتأخير في ترقيم المجلَّد الأول، ورداءة المجلّد الثاني بكامله تقريبًا، وصعوبة قراءة أغلب أوراقه لعدم وضوح كتابتها ومَسْحها تمامًا، فضلًا عن الحواشي الكثيرة على جوانب الصفحات وضياع بعضها مع تآكل أطراف الأوراق … كان يصرفني عن تحقيقه، تمامًا كما سبق وحصل لي مع مخطوط "المقتفي على كتاب الروضتين" للبرزالي، وهو مطموس ورديء جدًّا، وأعانني الله سبحانه على تحقيقه. وأعتقد أن سوء نسخة "الروض الباسم"، وعدم وجود نسخة أخرى منه تساعد على المقارنة والمقابلة، وقراءة ما غمض من كلمات، وتعوّض الضائع والناقص والممسوح والمطموس، وغيره، هو السبب الذي جعل الباحثين والمحقّقين ينصرفون عن تحقيقه، نذكر منهم الدكتور "محمد محمد عامر" الذي كتب بحثًا عن مخطوط "الروض الباسم" في حوليّة كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، سنة ٧٧ - ١٩٧٨ وتمنّى أن يقوم بتحقيقه بمشاركةٍ من زميله الدكتور "طاهر راغب". وها قد مرّ على الأُمنية أكثر من ثلاثين عامًا، ولما يُبصر عملهما النور!! ولما كنت قد وُفّقت بعون الله تعالى بتحقيق مخطوط "نَيل الأمل في ذيل الدول"، ومخطوط "المجمع المُفَنَّن بالمعجم المُعَنْوَن" للمؤلّف "عبد الباسط بن خليل"، وجدت أنه لا ينبغي بقاء هذا السفْر النفيس دون عناية لا يعرفه إلّا القليل القليل من المهتمّين وعشّاق التراث. لذلك عقدت العزم، وبادرت، بعد الإتكال على الله سبحانه والاستعانة به، إلى نسْخ المخطوط والبدء بتحقيقه في صباح يوم الأحد ٢٤ ذي القعدة ١٤٣١ هـ/ الموافق ٣١ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٠ م.

стр. 3

وكتبت هذه الكلمة بعد عصر يوم الثلاثاء ١٩ من شهر رجب الخير ١٤٣٢ هـ / ٢١ حزيران (يونيه) ٢٠١١ م. فلله المنّة، وله الحمد في الأولى والآخرة. طالب العلم وخادمه أبو غازي عمر عبد السلام تدمري طرابلس الشام المحروسة - هاتف وفاكس المنزل ٠٠٩٦١٦٦٢٩٤٣٦

стр. 4

المؤلّف وسيرته (١) وُلد المؤلّف بمدينة ملطية في ليلة الأحد حادي عشر رجب من سنة ٨٤٤ هـ. حين كان أبوه نائبها. أمّه أمّ ولد سَريّة، اسمها "شُكْرباي"، تزوّج بها والده بعد عتْقها، وكانت - حسب قوله - من خيار نساء عصرنا دينًا وخيرًا - ماتت بدمشق في نفاسها سنة ٨٥٢، ومات ولدها الذي وَضَعَتْه بعدها بأيام (٢)، وعُمُر المؤلّف ٨ سنين. وكان له أخ من أبيه يدُعى "يوسف بن خليل"، مات في سنة ٨٤٨ هـ. وهو صغير حيث وُلد في سنة ٨٤٣ هـ، وأمّه أمّ ولد أرضعته معه، وكان المؤلّف يحبّها، ولهذا كانت أكثر إقامتها عنده لمحبّته لها، ولتقديره لمقامها، إذ كانت عنده بمقام والدته، وهي عتيقة والده، وكانت خيّرة ديّنة، كثيرة الصيام والقيام وكثيرة الذِّكر والأوراد، وهي ممن تنتمي لوالدته وبينهما محبّة أكيدة (٣). (انظر مشجّرة الأسرة). في طرابلس الشام: وفي شهر جمادى الأولى سنة ٨٥٩ هـ. انتقل مع أبيه إلى طرابلس، حيث أُعطي أبوه إمرة عشرين بها، وتفرّغ للتأليف والتدريس والمطالعة، وفي أول نزولهما طرابلس نزل والده في دار عيسى التاجر الطرابلسي، أحد التجار المياسير بها، وبقي بها مدّة (٤). ثم قام بعمارة أمكنة فوق الجبل المُطِلّ على محلّة العُوَيراتية بأطراف المدينة (٥)، وسكن في دار تحت الجبل المذكور بالقرب من دار معبّر _________ (١) ستأتي ترجمة جدّه وأبيه "خليل بن شاهين" في تراجم المتوفين سنة ٨٧٣ هـ. في الجزء الرابع من الكتاب. (٢) الروض الباسم ١/ ورقة ١٣ أ. (٣) الروض الباسم ١/ ورقة ٣١ أ. (٤) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٠٥ أ. (٥) محلة العُويراتية، هي المحلّة التي فيها حاليًّا مقابر المسلمين بطرابلس المعروفة بجبّانة باب الرمل، إلى الجنوب من المدينة، ويحدّها شرقًا الجبل المُطِلّ عليها ويُعرف الآن بأبي سمراء، ومن الغرب جامع الأمير سيف الدين طينال الأشرفي الحاجب. وهي من أقدم محلّات طرابلس المملوكية، يُرجّح أن نسبتها إلى "العُويراتية" أو "الأويراتية" وهم قوم من المغول فرّوا من قائدهم غازان إلى دولة المماليك في سنة ٦٩٥ هـ/ ١٢٩٦ م. فأنزلهم السلطان العادل كتبُغا على =

стр. 5

الأحلام محمد بن محمد بن سليمان الأوزاعي الدمشقي، المعروف بالبابا (١). وكان والد المؤلّف "خليل" على علاقة طيبة مع الأمير سيف الدين حاج إينال اليشبُكي (٢)، وبينهما صحبة ومحبّة أكيدة، وكان النائب يحبّه جدًّا ويعظّمه (٣)، وهو الذي سعى بتولية "شاذ بك الصارمي" في إمرة عشرين وحجوبية حجّاب طرابلس (٤). وكان كثير التودّد إليه أثناء إقامته بطرابلس. كما كانت لوالده صحبة ومحبّة أكيدة مع "تمراز الإينالي الأشرفي" أمير طبلخاناه بطرابلس (٥). وعندما تولّى نيابة السلطنة الأمير "إياس المحمدي الناصري الطويل" في سنة ٨٦٣ هـ (٦). نشأت صداقة بينه وبين "خليل" والد المؤلّف، فكان يجتمع به ويتحاور معه في بعض _________ = الساحل بين عتليت وقاقول، في فلسطين. ويظهر أن جماعة منهم وصلوا إلى طرابلس وأقاموا في المكان الذي نُسِب إليهم. (نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري ٣١/ ٢٩٩، نزهة الناظر لليوسفي ص ١٦٩ بالحاشية) وقد ظلّت المحلّة تحمل اسمهم وتُعرف بالعُويراتية حتى العصر العثماني، انظر: دفتر مالية لواء طرابلس، رقم ١٠١٧ من محفوظات أرشيف الوثائق العثمانية برئاسة الوزارة التركية، استانبول (المحلة رقم ٢٢) وكان يسكنها بين سنتي ٩٢٦ - ٩٤٣ هـ/ ١٥٢٠ - ١٥٣٧ م، (١٨ أسرة) كلهم من المسلمين. وورد ذِكرها في: دفتر مفصَّل لواء طرابلس رقم ٣٧٣، المحلّة ذاتها رقم ٢٢، وكان يسكنها قبل سنة ٩٦٢ هـ/ ١٥٥٥ م. (٢٨ أسرة) كلّهم من المسلمين. وذُكرت أيضًا في: دفتر إحصاء لواء طرابلس، رقم ٥١٣ لسنة ٩٧٩ هـ. المحلّة رقم ١٣ وقد انخفض سكانها إلى ١٣ أسرة. وهي مذكورة أيضًا في سجلّات المحكمة الشرعية بطرابلس. انظر: السجلّ رقم ٣ - لسنة ١٠٨٨ هـ ص ١١٢ وفيه: "محلّة العويراتية ظاهر طرابلس"، وسجلّ ٤٨ ص ١٧٣ (١٢٣٠ هـ)، وسجلّ ٤٢ ص ٦٨ وفيه: "حارة العويراتية ظاهر المحمية في جبانة باب الرمل"، وسجل ٤٣ ص ٣٩ لسنة (١٢٣٣ هـ). وبقي اسم المحلّة معروفًا حتى سنة ١٢٥٣ هـ. على الأقل حيث، ورد ذكرها في السجل ٥٥ ص ١٥٦. ويُنسب إليها: "أوَيس بن العُوَيراتي الطرابلسي" حاجب الحجّاب بها، وهو من أعيان أهلها. وكان موجودًا سنة ٨٩٢ هـ. قال المؤلّف: "عبد الباسط": والعويراتي غلط عن الأويراتي. نسبة إلى الأوراتية، طائفة معروفة. (المجمع المفنَّن، ورقة ٣٧٥، رقم ٨٣٥). (١) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٠٦ أ. (٢) تولّى نيابة السلطنة بطرابلس في عهد السلطان الأشرف إينال، بين ٨٥٩ - ٨٦٣ هـ. وهو توفي سنة ٨٦٦ هـ. انظر: تاريخ طرابلس ٢/ ٥١، رقم ١٢٠؛ والمجمع المفنّن، ورقة ٣٩٦، رقم ٨٨٧. (٣) الروض الباسم ٢/ ورقة ٤٣ أ. (٤) الروض الباسم ٢/ ورقة ٦٩ أ. (٥) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٣٨ أ، المجمع المفنّن، رقم (١٠٨٠). (٦) تولّى النيابة بطرابلس من سنة ٨٦٣ حتى سنة ٨٦٦ هـ. (تاريخ طرابلس ٢/ ٥١، رقم ١٢١)، المجمع المفنّن، رقم (٨٤٥).

стр. 6

الأمور (١). وقد أقام المؤلّف مع أبيه بطرابلس نيّفاً وخمسة أعوام، تلقّى العلوم في أثنائها على الشيوخ الطرابلسيّين، وعلى من كان ينزل بها من شيوخ دمشق وغيرها، فضلًا عمّا يأخذه ويسمعه من والده، وممّا سمعه منه، عن شيخ أبيه أحمد بن محمد بن عبد الله بن سعد بن مصلح بن أبي بكر القيسي القدسي، الديريّ (المتوفّى ٨٦٧ هـ). الأبيات التالية: هي الدنيا الدنيّة فاحذروها … فليس لها على أحدٍ ثبات وبأوّلها وأوسطها انقلاب … على كدرٍ وآخرها شتات وغايتها المما ( … ) بهذا … إذا لم يكن إلّا الممات ولكن (بعدها) أشياء تذهل … لغدٍ عن البنين الأُمّهات فويل عند ذلك أي؟ … لعاصٍ أو بغتة السيئات ويا فوز العبد بالحشر … عن النار المسعرة النجاة (٢) ومن شيوخه بطرابلس عالمها وخطيبها ومدرّسها تاج الدين عبد الوهاب بن محمد بن زُهرة الحِبْراصيّ (٣) الأصل، الطرابُلُسيّ، وكان وُلد بها سنة ٨٠٦ هـ، ونشأ فيها، وأقام متصدّرًا للتدريس في جامعها المنصوريّ الكبير، والإفتاء، والخطابة، ذكره المؤلّف ﵀ في كتابه هذا "الروض الباسم" فقال: "الشيخ تاج الدين عبد الوهاب بن زُهرة، فقيه طرابلس الآن ومفتيها وخطيبها وابن خطيبها، وهو ممن أخذت عنه بل وقرأت عليه، وحضرت دروسه بجامع طرابلس، وكان بها في سنة ٨٦٢ وما بعدها إلى أن خرجنا منها في سنة ٨٦٥ أو قبلها بيسير" (٤). ومن شيوخه بطرابلس أيضًا: محمد بن محمد بن سليمان الأوزاعي، الدمشقي، الصالحي، الطرابلسي، المعروف بالبابا. قال المؤلّف: "وكنت قد لازمته كثيرًا في الفقه والتعبير، وأخذت عنه الكثير وانتفعت به فيها" (٥). وسمع بها من الأديب "أحمد بن العطّار المصياتي الأصل، الطرابلسي الشافعي" أحد أعيانها، وكان يملك قاعة وملْكاً حسناً بطرابلس، ويسكن القاعة _________ (١) الروض الباسم ٢/ ورقة ٣٣ ب. (٢) الروض الباسم ٢/ ورقة ٦٨ ب. (٣) الحِبْراصي: نسة إلى حِبراص، بكسر الحاء المهملة، وآخره صاد مهملة أيضًا. بلد بحوران من الشام. (٤) الروض الباسم ١/ ورقة ٩٧ أ. (٥) الروض الباسم ٣/ ورقة ٣٩، ٤٤.

стр. 7

بجوار مسجد الخشب (١)، ويتكلّم في ديوان الإنشاء بالمدينة، وكتب إجازة لوالده نثرًا وفيها نظم، فسمع "عبد الباسط" من نظمه ونثره كثيرًا، من سنة ٨٦١ - ٨٦٥ هـ، وكان جارًا لهم بطرابلس، وقد اجتاز أخوه الأكبر منه "أبو الفضل محمد بن خليل" ببابه مرة فكتب على حائط داره شيئًا، فلما رأى الكتابة كتب تحتها: لَعَمْري لقد أبدى ذكاءً وفطنةً … بحُسنٍ وإحسانٍ ووجهٍ جميل فلا عَجَبًا أن يُشبه الليث شِبلُهُ … فكيف ومن نجْل الأمير "خليل" (٢) وفي أثناء إقامته بطرابلس مع أبيه دخلها المحدّث، التاجر، أبو إسحاق، إبراهيم بن عبد الوهاب بن عبد السلام بن عبد القادر البغدادي، القاهري، الحنبلي، وأقرأ فيها، فسمعه بها (٣). وسمع شيئًا من "الصحيحين" وغيرهما على قاضي طرابلس "أبي بكر بن محمد بن محمد بن أيوب البعلبكي، الطرابلسي الحنبلي" (٤). وسمع الأديب "تغري بردي بن الطرابلسي الحنفي"، وكان يكتب لوالده وهو مقيم بطرابلس عدّة كتابات، ويمدحه من شعره في سنة ٨٦٤ هـ. فجعل في أوائل كل بيت حرفًا من حروف اسمه "تغري بردي" منه: تعطّفْ واغتنم يا حُبّ أجري … فلي دمعٌ من الأنواء أجْرَى غرقتُ به فجُد لي حان صبري … وعاد الحلو بعد الهجر صبرا يذوب ويضمحلّ الان ( … ) ولي دمع من الأنواء أثْرى بفضلك يا عليل الفضل اقري … سلامك لي ونظمي الآن اقرا _________ (١) مسجد الخشب: في محلّة مسجد الخشب بطرابلس، ورد ذكره في وثائق الأرشيف العثماني، وهو قريب من جبّانة باب الرمل، نرجّح أنه كان يُصلَّى فيه على الجنائز، كان موجودًا أيام المماليك، ولا نعرف من بناه. انظر: محلّات طرابلس القديمة، مواقعها، أسماؤها، سكانها من خلال الوثائق العثمانية - من إعدادنا - في كتاب: المؤتمر الأول لتاريخ ولاية طرابلس إبّان الحقبة العثمانية - منشورات الجامعة اللبنانية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الفرع الثالث - (طرابلس) أيار (مايو ١٩٩٥) ص ١٠٥، رقم ١٠، وبحث الأوقاف الإسلامية في طرابلس الشام من وثائق الأرشيف العثماني وأهميتها في رصد حركة العمران - نُشر في الكتاب الصادر عن المؤتمر الدولي السابع لتاريخ بلاد الشام - عمان ١٤٣١ هـ/ ٢٠١٠ م. المجلّد الرابع الخاص بلبنان - ص ٥٤ رقم (٣٠). (٢) المجمع المفنّن، رقم (٥٨٢). (٣) الضوء اللامع ٤/ ٢٧، رقم (٨٢) (٤) المجمع المفنّن، رقم (٢٠٠).

стр. 8

ومنه: فنظمي قد أتاك كمثل قدري … وأنت أجلُّ - يا مولاي - قدرا وعارَضَ "التّقيّ بن حجّة الحموي" بموشّح هذا أوله: ما سَلَّ مهَنَّدًا من الأجفانِ … بالسِحر سُقي إلّا وملا دمعي دما أجفاني … وازداد حُرَقي قال المؤلّف عبد الباسط: "هذا ما حضرني من موشّحه. وكنت أحفظ الكثير من شعره، فإنني جالسته كثيرًا حيث كان يكتب للوالد في دارنا بطرابلس، وكتبت عنه من نظمه شيئًا كثيرًا، وأنشدني إيّاه، لكنّه شتّ الآن عنّي إلّا ما أثبتّه هاهنا، وضاع المكتوب أيضًا. لكنّه له ديوان شِعر، لو وجدته لنقلت عنه ما كان أنشدنيه … وكان عهدي به في سِنيّ أربع وستين وثمانمائة". وقال في آخر ترجمته: "وبالجملة فكان غير مُعدَم من فضيلة بالنسبة إلى تلك البلاد، لا سيما طرابلس، فإنها غريبة عن العلم والعلماء غالبًا، لا سيما في هذه الأزمان، وبالله المستعان" (١)! وكان "إبراهيم بن عبد الرحمن الطرابلسي" في مرحلة الصِّبا والشباب حين تعانى الخط المنسوب، وفاق أقرانه بالكتابة بقلم النسْخ، فكان يكتبه جيّدًا، ولهذا عُرف بالناسخ، ونسخ عدّة كتب لوالد المؤلّف ولازمه مدّة وهو بطرابلس، وكتب له كثيرًا (٢). كذلك يؤسفنا أن كتابه: "المجمع المفنَّن بالمُعجَم المُعَنْون" لم يكتمل، بل لم يصلنا منه سوى جزء يسير يتضمّن تراجم الأعلام على أربعة حروف، من الألِف حتى الثاء، وبعض الحرف الخامس (الجيم)، من أصل ٢٨ حرفًا مجموع الحروف الأبجدية، وبذلك فاتنا الكثير من أخباره، وأخبار أبيه وأهل بيته بطرابلس. وكل الذي عرفناه من أخبار تلك الفترة: أنه مرض سنة ٨٦٥ هـ، وكان بطرابلس طبيب غَرناطيّ من الأندلس، هو "إبراهيم بن يونس" فعالجه ونجح في علاجه (٣). وماتت عمّته - أخت أبيه - "صفَرْ مَلَكٌ" في العام ٨٦١ هـ. وفي شهر شوال من السنة نفسها مات دوادار والده "تغري بردي التركماني" _________ (١) المجمع المفنّن، رقم (١٠٤٤). (٢) المجمع المفنّن، ج ١/ ص ١٩٥ رقم (٥٩). (٣) المجمع المفنّن، رقم (١٤٣).

стр. 9

بعد أن طال مرضه، وكان موته عند أقاربه بجبل الأقرع من أعمال طرابلس، وخلّف زوجته وبنتًا لهما في دار والد المؤلّف. وكانت زوجته إحدى أمّهات أولاد الوالد "خليل بن شاهين" (١). ووُلد للمؤلّف أخ بطرابلس في عام ٨٦٣ هـ. اسمه "إبراهيم"، وأمّه أمّ ولد، اسمها "بلبل"، وهي تركية، ولم يعش سوى تسع سنين، إذ مات بعد عودة أبيه من العراق إلى طرابلس في أواخر سنة ٨٧٢ هـ. فصنع له تابوتًا ودفنه في مدفنه الذي كان أعدّه لنفسه بطرابلس (٢). ومن المعلومات التي ذكرها وهو بطرابلس: أن الأمير "إياس المحمدي الناصري الطويل" لما تولّى نيابة السلطنة سنة ٨٦٣ هـ. كان لدخوله إليها يوم مشهود، ولكنّه باشرها بظلم وعسف، مع التظاهر بالفسق واللواط وشُرب الخمر، وأنه صنع كأساً من ذهب، وزنه فوق الرطلين بالشامي، ليشرب به الخمر، واستقر بطرابلس عن قلّة دين هو وولده "رجب"، وكثرة ظلم وشَرَهٍ لأخذ أموال الناس. وقال المؤلّف: "وأخبرني الوالد عنه أنه اشتمّ منه رائحة الخمر في يوم الجمعة، وهو في الصلاة بجامعها الكبير" (٣). وأن الأمير "إينال اليحياوي الظاهري، المعروف بالأشقر" الذي تولّى نيابة حلب، ومَلطية، وغزّة، وطرابلس، كان يجتاز في سفره إلى الجون (هو جون الإسكندرون عند آياس) في دولة الأشرف إينال بطرابلس، وأنه نزلها مرة، وهو بها مع والده، وبقي بها شهورًا ساكنًا بقاعة من باب آقطُرق (٤)، بالقرب من مدرسة أرغون شاه (٥). ويحتمل أن المؤلف أنجز أول مؤلفاته وهو بطرابلس حيث وصَلَنا له: "إجابة _________ (١) المجمع المفنّن، رقم (١٠٥٢). (٢) الروض الباسم ٤/ ورقة ١٩٠ ب. (٣) المجمع المفنّن، رقم (٨٤٥). (٤) باب آق طُرق: أحد بوابات طرابلس القديمة في عصر المماليك، نسبة إلى الأمير "سيف الدين آقطرق الحاجب" صاحب المدرسة المعروفة بـ "السَقْرقيّة"، وهي على بعد نحو ٥٠ مترًا من البؤابة التي كانت عند الزاوية الجنوبية الشرقية من مدرسة أرغون شاه. (محلات طرابلس القديمة … بحث لنا سبق ذكره - ص ١١٣، رقم ١٨)، ويُعرف الآن بباب الرمل، وقد أزيل وبقيت بعض آثاره. (٥) مدرسة أرغون شاه، وتعرف بزاوية أرغون شاه. وحاليًا: جامع أرغون شاه. نسبة إلى الأمير "أرغون شاه الإبراهيمي المنجكي" نائب السلطنة بطرابلس (٧٩٦ - ٨٠٠ هـ). أُنظر عنه في كتابنا: تاريخ وآثار مساجد ومدارس طرابلس في عصر المماليك - طرابلس - دار البلاد ١٣٩٤ هـ/ ١٩٧٤ م. - ص ٢١٧ وما بعدها.

стр. 10

السائلين في شرح عمدة الطالبين ورغبة الراغبين"، في الفقه، وهو بخطه في سنة ٨٦٤ هـ (١). وكان لا يزال في دمشق. في دمشق: وفي شهر جمادى الآخر من سنة ٨٦٥ هـ. نراه مع والده وأهله في دمشق، وفيها شهد حضور "وليّ الدين أحمد بن محمد بن محمد بن عمر بن رسلان البُلْقيني" ليتولّى القضاء الأكبر بدمشق، وخطابة جامعها الأموي، وكان لدخوله إليها يوم مشهود، وكذلك كانت أول خطبة يخطبها في الجامع من مشاهير الأيام. وقال: "حضرت في ذلك اليوم بالجامع الأموي لسماع خطبته، فشنّف الأسماع بعبارته وطِيب نغمته، لعلّي لم أسمع مثله إلى الآن في حُسن عبارته وفصاحته وشجاوة صوته ونغمته وحلاوة ذلك وطلاوته. وكان ما يخطب به من إنشائه، ثم عمل مجلسًا بعد الصلاة للوعظ هائلًا، ولم أسمع مثله قبله. ثم حضرت بعد ذلك عدّة مجالس من وعظه وخُطَبه، فكان إلى ذلك المنتهى … رأيته بدمشق يصعد المنبر وعليه الجُبّة السِّمَّور، مسبولة الطوق إلى عجزه وأسفل منه" (٢). ويخبرنا "عبد الباسط" أن الدار التي سكنوها بدمشق كانت دار "كمشبُغا طولوا" بالقرب من عين دار البطّيخ، والتي جدّد آثارها حاجب الحجّاب بدمشق "إبراهيم بن بَيْغوت"، وأنشأ حمّامًا بقربها (٣). في القاهرة: لم تطُل إقامة "عبد الباسط" مع والده بدمشق، إذ عادا إلى القاهرة أواخر العام ٨٦٥ هـ. وسكن مع والده بدار زوجته "أصيل باي" التي تقدّم ذِكرها، فهرع أصحاب أبيه للسلام عليه، وكان الشيخ "عَلَم الدين، صالح بن عمر بن رسلان البُلْقيني" (ت ٨٦٨ هـ) ممن جاء للتهنئة، فدعا "خليل" ولدَه "عبدَ الباسط" لرؤيته وتقبيل يديه، فساعةَ وقع نظر "البُلقيني" عليه أجَلَّه واحترمه، وأخذ والده يُثني عليه، ويصفه بالعلم والذكاء. ثم اصطحبه أبوه معه إلى مجلس قاضي القضاة الحنفية "أحمد بن الدَيْري" بالمدرسة المؤيَّديّة (٤)، فسأله عن مسألة في الفرائض، فأجابه (٥). _________ (١) انظر مصنّفات المؤلّف في ما يأتي لاحقًا. (٢) المجمع المفنّن، ج ١/ ٥٧٢، رقم (٥٣٨). (٣) المجمع المفنّن، ١/ ١٦٦، رقم (٢٢). (٤) المدرسة المؤيَّديّة: هي المدرسة التي أنشأها السلطان المؤيَّد شيخ المحمودي بالصُةَّة تجاه القلعة. (بدائع الزهور ٢/ ٣٨، المواعظ والاعتبار، للمقريزي - تحقيق د. أيمن فؤاد سيد - لندن، مؤسسة الفرقان ١٤٢٤ هـ / ٢٠٠٣ م. - ج ٤ ق ٢/ ٦٧٢). (٥) الروض الباسم ٢/ ورقة ١٠ ب، ١١ أ.

стр. 11

ومن المرجح أنه تزوّج في هذه المدّة وهو في القاهرة من المدعوّة "شُكْرْباي" وسيأتي ذكرها لاحقًا. في الصعيد: وفي ١٥ ربيع الأول سنة ٨٦٦ هـ. خرج المؤلّف ﵀ من القاهرة إلى الصعيد، وبقي هناك نحو ثلاثة أشهر، اشترى خلالها كتّانًا برسم الإتجار به في بلاد المغرب، وأنفق في ثمنه نحو ٦٥٠ دينار (١). في بَنْها: ولما كان ببَنْها قرب النُّوَيرة أُرجف بالتَّعرّض لهجوم من عربان تلك البلاد للنهْب، وخاصّة نَهْب تجّار المغرب، وهناك رأى حادثا مروِّعًا، وهو أن تمساحًا التقم امرأة وهي تغسل متاعها في النيل بالبلاد القِبلية، وأن إنسانًا من أهل تلك الناحية يُدعَى "أبو عَوكل"، معروف بصيد التماسيح قام بصيد ذلك التمساح، وخرج الناس لرؤيته، وعايَنَه هو فرآه على صفة هائلة. كما رأى بالوجه القِبلي شخصًا له فمان وأربعة عيون وأربعة آذان وأنفان (٢). في بولاق: ولما عاد من الصعيد إلى القاهرة أقام يومًا بساحل بولاق. في الإسكندرية: وسافر من القاهرة إلى الإسكندرية، وكان يتشوّق للسفر إلى المغرب لأنه بلغه أن بها فُضلاء في علم الطب، وكان لديه نزْعة إلى ذلك، وهو أكبر الأسباب الداعية إلى توجّهه، فدخل الإسكندرية في آخر جمادى الآخر، ورأى بها جماعة من أهل الفضل وبعض المحدّثين (٣). وفيها مرض مرضًا حادًّا في ٢١ من شهر شعبان، وعُولج حتى شُفي بعد أسبوعين (٤). وحلّ عيد الفِطر وهو بها، فحضر صلاة العيد في الجامع السعدي، وشاهد فيه: "العزيز بن يوسف بن الأشرف بَرْسْباي"، و"المنصور عثمان بن الظاهر جقمق" وهما بخلعتين أُحضِرتا لهما من القاهرة (٥). وفي ميناء الإسكندرية رأى مركبًا هائلًا يملكه أحد كبار التجار من جنوة، _________ (١) الروض الباسم ٢/ ورقة ٣٥ ب. (٢) الروض الباسم ٢/ ورقة ٣٥ ب و ٣٦ ب. (٣) الروض الباسم ٢/ ورقة ٣٧ ب. (٤) الروض الباسم ٢/ ورقة ٣٨ ب. (٥) الروض الباسم ٢/ ورقة ٣٩ أ.

стр. 12

يُدعى "برازوز الفرنجي الجنوي" بحيث لم يقدر أن يحيط بوصفه لِعظَمه وكِبَره، وهو يحمل أربعًا وعشرين ألفًا بَتّيّة (١). وقد صعِد إلى متنه وقال إنه: "كان أمرًا مَهُولًا" (٢). وفي الإسكندرية تعرّف بالتاجر "إبراهيم بن محمد الغرناطي الأندلسي" (٣) التاجر المعروف بالرُميمي - تصغير الرومي -. إلى رودِس: وركب البحر في ١١ شوّال ٨٦٦ هـ (٤). بشواني البنادقة، ومعهم جماعة من تجار المسلمين بأصناف البضائع، وأكثرها الكتّان، واضطّر المركب الذي هو فيه أن يتّجه نحو جزيرة رودس، بجنوب اليونان، طلبًا للماء وركود الريح، فوصل بُعَيد عصر السبت ١٩ شوال إلى القشتيل، فأغلق أهلها باب الحصن، فتأمّله وهو حصن منيع، مرتفع، عالٍ على جبل، وأحضر أهل المركب عِنبًا كثيرًا. ثم أقلع المركب قبل الغروب بيسير (٥). (وهنا توجد صفحة من المخطوط رديئة جدًا لا يُقرأ منها شيء، وضاع معها بعض أخبار رحلته (٦)، ومنها قيام أحد الركاب بسرقة دجاجة على متن المركب، حيث نقرأ بقية هذا الخبر في الصفحة التالية، منها) أن قلفاط المركب لطم السارق، فأخرج السارق سكّيناً وضرب بها القلفاط فقتله، وبلغ الخبر "البندون الكبير" فأمر بإمساكه، ففرّ إلى مقدّمة المركب وألقى بنفسه في الخنّ الذي به المؤلّف، وكان به حِراب وسلاح فأخذ واحدة وحمى نفسه بها، والمؤلّف لا علم له بما جرى، فتلطّف به الفرنج وذكروا له أن القلفاط لم يمُت، وأن "البندون" متغيّظ وعليه الخروج للاعتذار وينتهي الأمر فعسى يقبل عذره بمساعدتهم، وعندما خرج من الخنّ قُبض عليه وأوثق من أكتافه وقُيد، وألقوا بجثّة القلفاط في البحر، ثم كتبوا محضرًا بالواقعة وحكموا على القاتل بالإعدام - ونزل "البندون" إلى قارب صغير ومعه جماعة من أعيان المركب من الفرنج، وأخذ ورقة المحضر، وتوجّه إلى إحدى الشواني الثلاث وبها رئيسهم القُبطان وأطلعوه على الأمر، فأشار _________ (١) البتّية: البرميل العظيم من الخشب. جمعها: بتاتي. (٢) الروض الباسم ٢/ ورقة ٤٠ أ. (٣) المجمع المفنّن، ١/ ٢٦١، رقم (١١٨). (٤) الروض الباسم ٢/ ورقة ٤٠ أ. (٥) هي الصفحة ٤٠ ب. (٦) الروض الباسم ٢/ ورقة ٤١ ب.

стр. 13

بقتل القاتل، فأتوا به إلى مركب القبطان، واجتمعت الشواني الثلاث إلى بعضها وأحضروا يهوديًّا كان ركب من الإسكندرية وأعطوه شيئًا كالسّاطور العظيم، ونصبوا وَتَدَين في حافّة المركب، ودلّوا بدن القاتل إلى البحر، وبقي عنقه بين الوتدين، ورأسه إلى المركب. فامتنع اليهوديّ من ضرب عنقه ورمى السّاطور، فما زالوا به حتى ضربه ضربة قوية ففصل رأسه عن جسده، فصار الجسد في البحر والرأس في المركب، فألقوا بها في البحر (١). في تونس: ووصل إلى تونس يوم الأربعاء في ٢٢ من ذي القعدة، بعد أن بقي في البحر ٣٣ يومًا، فوجدها تشبه دمشق، حسنة، جليلة، هائلة، ونزل في فندق الركاد؟ وفيها توثّقت معرفته بالتاجر الرُمَيمي، وقام معه قيامًا تامًّا في بيع ما كان يحمله إليها من تجارة، وأغناه عن معالجة الناس (٢). وتردّد للصلاة في جامع الزيتونة، فرحّب المدرّس به الشيخ "أبو إسحاق إبراهيم الأخدري (٣) "، فكان يحضر مجلسه بين الظهر والعصر أحيانًا، وبين العصر إلى قرب المغرب أحيانًا أخرى، وسمع الكثير من فوائده وتحقيقاته، إذ كان - حسْب وصفه له - آيةً ورأساً في الفتوى، لا سيما الأصلين. وقد عيّد المؤلّف بتونس، وحضر صلاة العيد بجامع الزيتونة. وفي يوم الأربعاء ٢٨ من ذي الحجة وصل إلى ميناء تونس مركبان للفرنج، فيهما عدّة أسرى، فركب المؤلّف قاربًا بقصد الفُرجة، فصعِد إلى المركب الأكبر، فوجد واحدًا من الأسرى من المسلمين الأتراك، من بلاد حاج ترخان من دست قبجاق التتر يعرف التركية، ولغة الفرنج، إذ بقي في أسرهم نحو ٢٥ عامًا، ولا يعرف العربية، فكلّمه بالتركية، وعرف أن اسمه "مبارك"، فاجتمع بالخواجا التاجر "أبي القاسم البنيولي أحمد" (٤) ناظر الأندلس، وعظيم التجار بتونس ونزيلها، وأخبره بأمر هذا الأسير، فتوسّط له مع الفرنج، فافتدى "المؤلّف" الأسير منهم بأربعين ديناراً وأنزله إلى البر، واستخدمه، وبقي معه عدّة سنين (٥)، إذ عاد معه إلى القاهرة، وأفاد منه أخبار بلاد التتر والفرنج، ومات في طاعون ٨٧٣ هـ. _________ (١) الروض الباسم ٢/ ورقة ٤٢ ب. (٢) المجمع المفنّن، ١/ ٢٤١، رقم (١٢١). (٣) المجمع المفنّن، ٢/ ٣٢١، رقم (٢٢٦). (٤) الروض الباسم ٢/ ورقة ٤٢ ب. (٥) انظر الصفحة ٤٧ أ من الجزء الثاني.

стр. 14

(وهنا توجد صفحة أخرى سيّئة جدًّا لا تقرأ، ولهذا لا نعرف ما حملته من أخباره) (١). في رأس الطابية: وفي يوم الأحد ٢٧ من ربيع الأول ٨٦٧ هـ. دُعي إلى ضيافة "البنيولي" برأس الطابية مع جماعة من أعيان التجار والحجاج من أهل الأندلس. وغيرهم، فأعجب بذلك المكان ووصفه، ثم وصف كيفيّة عمل "المجبَنَة" وهي من حلويات تلك البلاد (٢). وفي يوم الأربعاء ٢٦ من شهر جمادى الأول سنة ٨٦٧ هـ. وُلدت للمؤلّف ابنة من أمَتِه أمّ الشيخ شُكْرْباي، سمّاها "عائشة"، فلم تلبث أن ماتت في آخر النهار، فتأسّف عليها لاشتياقه إلى الأولاد، ودفنها في مكان يقال له "الزّلّاج"، وهو جبّانة عظيمة بتونس. وفي اليوم التالي - الخميس ٢٧ منه - خرج من باب الزّلاج إلى ظاهر تونس، مع صديق له بقصد التنزّه والترويح عن نفسه، بعد أن ضاق صدره بوفاة مولودته، ووصف صديقه بأنه الشاعر الأديب، البارع، الفاضل، الكامل، الدَّيِّن، أبو عبد الله محمد بن محمد المعروف بابن الرزين الخزرجي، الأنصاري، الأندلسيّ الأصل، التونسيّ، ورافقهما ثلاثة من الأصحاب: محمد الحديدي، وأحمد الوردوني، وشعيب البجائي، فاجتازوا بمسيرهم على زرع أخضر، فطلب المؤلّف أن ينشد كل من حضر شيئًا من الشعر على البديهة في هذا الزرع، شرْطَ الإجادة في المعنى، فابتدر ابن الرزين وأنشد ارتجالًا: يا خليليّ قِفا واعتبِرا … كيف ماس الزرع حُسنًا واستردْ وبدا منه غدير أخضر … صنعت فيه يدُ الريح زَرَدْ وأحجم الباقون عن الإنشاد رغم إلحاح المؤلّف عليهم (٣). وفي يوم السبت ٢٩ من الشهر بعث إليه محمد المسعود بالله بن المتوكل على الله عثمان، صاحب تونس، وليّ عهد أبيه يستدعيه للحضور بين يديه، فلما مَثُل أمامه رحّب به، ورفع محلّه، وأخذ يتلطّف معه بالكلام، فأنشده هذين البيتين: ألا يا آل حفصٍ يا ملوكًا … ويا دُرّ حلى بهم نعمت سلوكُ ألا فُقْتُم ملوكَ الأرض طُرًّا … فما من بعدكم أحد مليكُ فأعجباه وأجازه عليهما، وكتب له ظهيرًا بإعفائه عن المغارم واللوازم. وبعد _________ (١) الروض الباسم ٢/ ورقة ٤٨ أ، ب. (٢) الروض الباسم ٢/ ورقة ٥٢ أ. (٣) الروض الباسم ٢/ ورقة ٥٢ أ، ب.

стр. 15

ذلك كان يدخل مجلسه المرّة بعد الأخرى، واجتمع به مرة عند الشيخ العالم الفاضل الكسلي، شيخ بلده، فأخذ يسأله عن الشيخ يحيى العجيسي، ثم تمادى الكلام إلى مشايخه، وما قاله بعضهم من المقصورة التي أولها: أنتم بقلبي وأنا أشكو النوى … إن حديثي لم يتُبْ في الهوى (١) في جزيرة جرْبة: وفي الثامن من شهر رمضان نزل جزيرة جرْبة (٢) بالمراكب مع التجار، فأقام بساحلها ثمانية أيام. وأوسقوا منها زيتًا كثيرًا وأنواعًا من الأكسية. في طرابلس الغرب: وأقلعت المراكب إلى طرابلس الغرب، فنزل فيها نهار الخميس ١٥ من رمضان، وهيّأ له كبير التجار "عبد الحميد العوّادي" مكانًا سكَنَه، وفيها التقى بقاضيها وخطيبها ومفتيها، القاضي "منصور البنجريري القَرَوي"، وهو من قرية بنجرير بالقرب من القيروان، وكان من أهل العلم، ولديه فضيلة علمية وأدب، وله نظْم حسن، أنشده منه الكثير، وسمع منه الكثير من فوائده (٣). وكان أثناء إقامته بطرابلس الغرب يخرج مع رفاقه من التجار للتنزّه، وشاهد الزاوية التي بناها "أبو عبد الله محمد ابن السلطان أبي فارس عبد العزيز" صاحب تونس (٤)، وتنزّه بالبستان، ورأى القصر الذي فيه. ودخل الجامع الكبير بطرابلس وصعِد إلى مئذنته، وعايَنَ المكان الذي مات فيه الأطفال من جرّاء التزاحم عند التماس هلال شهر رمضان قبل دخوله المدينة بخمسة عشر يومًا (٥). وأصبح يوم الثلاثاء الثاني من ذي القعدة موعوكًا، فجاءه من الغد قاضي طرابلس "منصور البنجريري"، ومعه طبيب يُدعى محمد، فعاداه، ودعا له القاضي بالدعاء المأثور لعيادة المريض، فكتب له المؤلّف: لي سيّدٌ زارَ وما زرتُهُ … فمنّي النقْصُ ومنه التمامْ إن تحمل سهوي ففقه مضى … لا في المأموم وهو الإمامْ وطالما زار الغَمَامُ الثَرَى … ولم يزُر قطّ الثرى للغمام (٦) _________ (١) الروض الباسم ٢/ ورقة ٥٢ أ، ب. (٢) جرْبة: جزيرة في بحر إفريقية، أقرب البلاد إليها قابس. (الروض المعطار في خبر الأقطار، للحِمْيَري، ص ١٥٨). (٣) الروض الباسم ٢/ ورقة ٥٤ أ. (٤) الروض الباسم ٢/ ورقة ٥٥ أ. (٥) الروض الباسم ٢/ ورقة ٥٤ ب. (٦) الروض الباسم ٢٦/ ورقة ٥٦ أ.

стр. 16

وكان قائد طرابلس الغرب "أبو النصر" يتولّاها من قِبَل صاحب تونس، وهو رجل ظالم، فلم يزره المؤلّف لذلك، فأراد القائد أن ينكيه، فطلب منه ثوبًا من الصوف السميك الأرجوان، فبعث إليه ثوبًا طوله ٤٠ ذراعًا، كان اشتراه من تونس بثمانية وعشرين دينارًا، فأخذه ولم يدفع ثمنه، وبقي كذلك عدة أيام، فجاءه القاضي "البنجريري" وأغلظ له في القول، وأخذ الثوب منه، وأعاده للمؤلّف، ممّا زاد من حنقه عليه (١). وحدث للمؤلّف أمر مُقلق وهو في طرابلس الغرب، ثم كانت له ذُيول بعد ذلك، وملخّصه أنه اشترى عشر جواري من الزنوج، وسلّمهنّ لمملوكٍ كان اشتراه بتونس، أصله من سردينية، كان أسيرًا وأسلم، فأعتقه وركن إليه، ولكن المملوك خدعه، إذ كان يتظاهر بالإسلام، وقال له: إن الرقيق في غاية الرخص في هذه البلاد، وهو غالٍ بساحل بيروت، فاشترِ لي فرسًا أتوجّه به إلى بيروت صحبة مراكب البنادقة مع التجار، فأبيع الرقيق، وأعود إليك بمالٍ طائل، فاشترى له ما أراد، وأنزله البحر مع التجار، فورد الخبر بعد مدّة أن المملوك ذهب إلى جزيرة رودس، وباع الرقيق هناك، وارتدّ عن الإسلام، وخرج إلى سردينية. فجاء من أخبر قائد طرابلس بذلك، وسنحت له الفرصة أن ينتقم من المؤلّف، فبعث خلفه، وسأله عن الجواري، فقال إنه بعث بهنّ إلى بيروت، فردّ القائد بأنك بعثت بهنّ إلى رودس، وبعْتهنّ هناك، فأقسم المؤلّف إنْ كَان فعل ذلك فعليه ألف دينار لبيت مال المسلمينَ، فسكت القائد، وانفضّ المجلس، وبعد وقت قصير أُحضر أمام القائد ثانية، وقد وصل اثنان من الأسرى المسلمين كانا برودس، فأخبرا بما فعل المملوك، ووصفاه، فالتزم بأداء الألف دينار إنْ صحّ الخبر، وأتى القائد بشاهدين، وكتب محضرًا بذلك، وأنه إنْ أتى آتٍ وأخبر بالخبر نفسه، كان عليه تنفيذ التزامه (٢). وفي يوم الخميس منتصف شهر محرم من سنة ٨٦٨ هـ. وصل إلى طرابلس الغرب قارب، فيه اثنان من الأسرى المسلمين، هربا من رودس، وأخبرا القائد بما فعله المملوك، فاتفق القائد معهما أن يرويا ذلك أمام المؤلّف، ولكن دون ذِكر ارتداد المملوك عن الإسلام، وطلب منه الألف دينار، وأمر بحبسه دون أن يُمهله فرصة لتدبير أمره، وبعث إلى داره بجماعة، فأخذوا جميع ما وجدوه بها من المتاع، وحملوا أمّ ولده إليه، وبات المؤلّف ليلته سجيناً، وعلم جماعة من أعيان _________ (١) الروض الباسم ٢/ ورقة ٥٦ أ. (٢) الروض الباسم ٢/ ورقة ٥٦ ب.

стр. 17

طرابلس بالقضية، فأتوا إلى القائد مستنكرين، وكان القاضي قد بلغه ارتداد المملوك عن الإسلام، فقام بما يوجبه الشرع، وقال للقائد إنّ الشرط لا يُلزِم أداءَ المبلغ، لأنّ المملوك ارتدّ عن الإسلام، وخدع صاحبه، واحتال عليه، وذهب بماله، فوعده القائد بالإفراج عنه غدًا، وفي الليل أحضر المؤلّف من سجنه، وتوعّده وخوَّفه، وأخذ منه مالًا بالمكر والخديعة، وحلّفه أن لا يذكر شيئا مما حدث لأحدٍ من أهل طرابلس. وقد جرى كل ذلك دون أن يدري بما فعله القاضي وأعيان المدينة، كما لم يعرف بارتداد المملوك. وفي صباح اليوم التالي أُطلق سراحه، وعندما وقف على حقائق الأمور ندم على دفع المال للقائد، وسكت وهو على مَضَضٍ كبير، وزاد من أسفه أنّ القائد داهن كبير التجار بطرابلس "عبد الحميد العوّادي"، فانقلب عليه ولم يُراع صحبته، ووقف إلى جانب القائد الظالم اتقاءً لشرّه، وكان عند المؤلّف صاحب من ظرفاء سمرقند يُدعى "خليل العجمي" وقد أحاط بكل ما جرى، فتأثّر من موقف كبير التجار المتنكّر لصديقه، وكان له إلمام بالنظم، فنظم أبياتًا هجاه فيها، وكأنّها على لسان المؤلّف، وأنشدها له، فأثبت المؤلّف ما يذكره منها وهو قوله: بني العوّادي أقوام لِئام … حلالُ الشرع عندهُم حرام لهم فِتَن تشاعُ بكل نادٍ … عليهم لعنة المولى دوام شويشو مشهور … إذا حلو شواش لا عَلَمُوا منشور … بسوق الأوباش فلا عجبًا إذا افتخروا بعرضي … فإنّ العرض عندهم مُباح وإنْ قالوا: قليل الدين قلنا: … فطيم لا يريد سوى النكاح وهي طويلة. وبعد أيام ورد قارب من أسارى رودس الأروام المسلمين هاربين منها، وهم زيادة على العشرة، فأخبروا بالقضيّة على جليّتها، وأنّ ذلك المملوك باقٍ على نصرانيّته، وهو حكى لهم ما فعل بسيّده، وأنه باع الجواري بخمسمائة دينار، وأنّه لما دخل البنادقة بالشواني إلى رودس احتال على صاحب المركب الفرنجي الذي معه، أن سيّده أمره أن ينزل بالجواري برودس، ومنها يسافر إلى بلاد الروم فيبيعهنّ، لأنّ السعر هناك أغلى من ساحل الشام، وكان معه في المركب يهوديّ اتفق معه أن يشتريهنّ منه، ودفع له كراء المركب. وانخدع الفرنجي صاحب المركب بكلامه. وشاعت هذه الحكاية بطرابلس، فلما تحقّق المؤلّف منها ذهب إلى القائد، وطلب منه أن يعيد إليه ما أخذه منه، وخوّفه بأنّه سيعود إلى تونس،

стр. 18

ويشكوه إلى صاحبها "عثمان" وولده "المسعود"، ولم يخرج من عنده حتى أعاد له ماله وبيته. وخسر الجواري، وامتُحِن بالسجن (١). ولم تمض سوى أيام قليلة حتى مات أحد أولاد قائد طرابلس في أواخر المحرم ٨٦٨ هـ. فتأسّف عليه أبوه، وكتب المؤلّف معلّقًا: "زاده الله أسفًا على أسفه" (٢). ثم جرت للمؤلّف حكاية أخرى، وهذه المرة مع شخص يهوديّ الأصل، من بلاد الفرنج، يُدعى "عبد الرحمن"، قدم إلى طرابلس الغرب، وتزوّج بحارة اليهود امرأة واستولدها، ثم سافر إلى القاهرة، ومنها إلى القدس، فوُجد هناك وهو يزني بمسلمة، فأسلم على كُرهٍ منه، وعاد إلى طرابلس الغرب والمؤلّف بها، وأخذ يتودّد إليه، حتى قام في خلاص ولده من امرأته اليهودية، وأخذه معه إلى بلاد المغرب الأقصى، وأحسن إليه غاية الإحسان. وكان ذلك في شهر صفر ٨٦٨ هـ (٣) فلم يقابله اليهوديّ إلّا بالإساءة المؤدّية إلى الهلاك، كما سيأتي لاحقًا. وفي شهر جمادى الآخر قرّر السفر إلى تونس، وعرف بذلك قائد طرابلس، فخشي أن يذكر أمره للسلطان، فأرسل إليه يستعطفه ويعتذر، حتى حَلَف له، ثم بعث إليه بهدية ليضمن ودّه، فامتنع من قبولها وتوهّم منه، ولم يزل به حتى أخذ هديّته. في قابس: ودخل يوم الأحد ٢٥ من جمادى الآخر مدينة قابس (٤). في القيروان: ودخل بعدها القيروان يوم الأربعاء ٢٨ منه، فأنزله عالمها "أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد البلدي" الشهير بابن البكّوش، وكان مفتيها وخطيبها، بدابى إلى جانب داره، وأنس به جدًا، فأخذ المؤلّف يتردّد على مجالس دروسه، وتلقّى عنه العلم الكثير في الوقت اليسير، مع الاجتهاد وكثرة الترداد، ما بين قراءة عليه وسماع، واستفاد منه نُبَذًا جيّدة في صناعة الطب، وحصّل فوائد جمّة وجليلة للغاية، وأخذ منه الإجازة (٥). وزار أثناء إقامته بالقيروان جبّانتها، وتجوّل بين قبور العلماء والصالحين والأولياء، _________ (١) الروض الباسم ٢/ ورقة ٧٢ ب - ٧٣ ب. (٢) الروض الباسم ٢/ ورقة ٧٤ أ. (٣) الروض الباسم ٢/ ورقة ٧٤ ب. (٤) قابس: مدينة بحرية صحراوية، بينها وبين البحر ثلاثة أميال، وبينها وبين القيروان أربعة مراحل. لها وادٍ يسقي بساتينها. (الروض المعطار ٤٥٠). (٥) الروض الباسم ٢/ ورقة ٧٦ ب.

стр. 19

ووقف على أسماء الكثير منهم، ولكنه أضاع أوراق التعليق، فلم يعد يذكر ممّن زار قبورهم، سوى الإمام سَحْنون (١)، وأبي الحسن _________ (١) سَحْنُون، ويقال: عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي، أبو سعيد، إمام أهل إفريقية والمغرب في عصره بلا منازع. فقيه، محدّث، قاض، مُفتٍ، حمل لواء أهل السُنّة والجماعة بتلك الربوع، وقاوم البِدَع ودوّن مذهب مالك ونشره. ولد سنة ١٦٠ وتوفّي سنة ٢٤٠ هـ. انظر عنه في: طبقات علماء إفريقية وتونس، لأبي العرب محمد بن أحمد بن تميم (ت ٣٣٣ هـ) - تحقيق محمد بن أبي شنب - الجزائر ١٩١٥ - ص ١٠١، وطبقات علماء إفريقية، للخشني، محمد بن حارث (٣٦١ هـ). تحقيق محمد بن أبي شنب - الجزائر ١٩١٥ م- ص ٢٢٧ - ٢٣٦، ورياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية وزهّادهم ونسّاكهم وسِيَر من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم، لأبي بكر عبد الله بن محمد المالكي (ت بعد ٤٦٤) - تحقيق حسن مؤنس - مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ١٩٥١ - ج ١/ ٣٤٥، وطبقات الفقهاء، للشيرازي ٢٥ و ١٤٧ و ١٥٢ و ١٥٣ و ١٥٦ - ١٥٩ و ١٦٣، وترتيب المدارك، للقاضي عياض ٢/ ٥٨٥ - ٦٢٦، والإكمال، لابن ماكولا ٤/ ٢٦٥، والثقات، لابن حزم ٣٣٥، ومعالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، للدبّاغ، عبد الرحمن بن محمد الأنصاري (ت ٦٩٦ هـ)، أكمله أبو القاسم بن عيسى بن ناجي (ت ٨٣٩ هـ) - مكتبة الخانجي، مصر، والمكتبة العتيقة، تونس - الطبعة ٢/ ١٣٨٨ هـ - ج ٢/ ٤٩، والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البرّ، أبي عمر يوسف بن عبد الله (ت ٤٦٣ هـ) تحقيق جماعة من العلماء - المغرب ١٣٨٧ هـ -١٤٠١ هـ - ج ١/ ٩٦، ٩٧ و ٢/ ١٤٣، وقضاة قرطبة، للخشني، محمد بن حارث القيرواني (ت ٣٦١ هـ) - الدار المصرية للتأليف والترجمة ١٩٦٦ - ص ٥٨، واللباب في تهذيب الأنساب، لابن الأثير ١/ ٧٩، والبيان المُغرب، لابن سعيد ١/ ١٠٩، والمرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا، للنباهي، علي بن عبد الله الأندلسي (كان حيًا سنة ٧٨٨ هـ) - طبعة المكتب التجاري، بيروت - ص ٢٨، والمِحَن، لأبي العرب التميمي القيرواني (ت ٣٣٣ هـ) - تحقيق يحيى الجبوري - دار الغرب الإسلامي، بيروت ١٤٠٣ هـ - ص ٤٥٤، وأعلام الموقّعين عن رب العالمين، لابن قيم الجوزية، أبي عبد الله محمد بن أبي بكر (ت ٧٥١ هـ) - طبعة دار الجيل بيروت ١٩٧٣ - ج ١/ ٢٧، ووفيات الأعيان، لابن خلّكان ٣/ ١٨٠ - ١٨٢، والحُلَل السندسية في الأخبار التونسية، للوزير الأندلسي السراج، محمد بن محمد (ت ١١٤٩ هـ) - طبعة الدار التونسية للنشر ١٩٧٠ - ج ١ ق ١/ ٢٨٥ وج ١ ق ٣/ ٧٦٩، والإرشاد في معرفة علماء الحديث، للخليلي القزويني - ج ١/ ٢٦٩، رقم ١١٢، ودول الإسلام، للذهبي ١/ ١٤٦، والعبر، له ٢/ ٣٤، وسير أعلام النبلاء، له ١٢/ ٦٣ - ٦٩، رقم ١٥، وتاريخ الإسلام، له (بتحقيقنا) - حوادث ووفيات ٢٣١ - ٢٤٠ هـ - ص ٢٤٧ - ٢٤٩، رقم ٢٤٩، ومرآة الجنان، لليافعي ٢/ ١٣١، ١٣٢، والبداية والنهاية، لابن كثير ١٠/ ٣٢٢ و ٣٢٣، والديباج المذهَب، لابن فرحون ٢/ ٣٠ - ٤٠، وشجرة النور الزكية، لمخلوف ٧٠، والوفيات، لابن قنفذ ٢٦، والإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، للسخاوي ١٤٠، ولسان الميزان، لابن حجر ٣/ ٨، ومدرسة الحديث في القيروان، للحسين بن محمد شواط - الدار العالمية للكتاب الإسلامي، الرياض ١٤١١ هـ - ج ٢/ ٥٨٠ - ٦٠١، رقم ١٣ وفيه مصادر أخرى.

стр. 20

القابِسيّ (١)، وشُقْران (٢). في تونس: وفي العشرين من شوال ٨٦٨ هـ. خرج من القيروان إلى تونس فوصل إليها يوم ٢٣ في آخر النهار، فلم يمكث فيها إلّا بعض أيام قلائل. في تِلِمسان: ثم خرج في أواخر شوال صُحبة الركب إلى تلمسان (٣). في باجة: وبعدها دخل باجة (٤) صحبة شيخ الركب "محمد بن أبي إبراهيم الفيلالي"، وقاسى العذاب في أثناء السفر (٥). في قُسنْطينة: وفي ١٧ من ذي القعدة دخل قسنطينة وأقام بها ثلاثة أيام (٦). في بجاية: ثم دخل مدينة بجاية (٧) وبادر فاجتمع بشيخها الإمام العالم "أبي القاسم محمد المشدالي"، وسمع الكثير من فوائده. في الجزائر: ومن بجاية انتقل إلى الجزائر، وحضر مجلس سيدي عبد الرحمن الثعلبي، وسمع شيئًا من فوائده، وسأله بعض أسئلة كانت تُشكل عليه، فأفاده عنها، ورأى تفسيره، وقرأ عليه بعض السطور من أوله، فأجازه. ورحل عن الجزائر إلى مدينة مازونا وقلعة هوّارة والبنجا. _________ (١) هو الإمام، أبو الحسن علي بن محمد بن خَلَف المعافري، القَرَوي، القابسي، الفقيه المالكي، عالم أهل إفريقية. ولد سنة ٣٢٤ وتوفي سنة ٤٠٣ هـ. انظر عنه في: تاريخ الإسلام (بتحقيقنا) حوارث ووفيات ٤٠١ - ٤٢٠ هـ - ص ٨٥ - ٨٧، رقم ١١٠ وفيه حشدتُ مصادر ترجمته. (٢) الروض الباسم ٢/ ورقة ٧، ب. (في شهر شعبان). وفيه: "شقرون". (٣) الروض الباسم ٢/ ورقة ٧٩ أ. وكان في الركب محمد بن أبي إبراهيم المغربي الصحراوي، وقد رافقه قبل ذلك في بعض أسفاره. (٢/ ٨٥ أ). (٤) باجة: مدينة كبيرة بإفريقية على جبل شديد البياض يُسمى الشمس لبياضه، وهي في وطاء من الأرض، بينها وبين طبرقة مرحلة، وهي كثيرة الأنهار والعيون (الروض المعطار ٧٥). (٥) الروض الباسم ٢/ ورقة ٧٩ ب. (٦) الروض الباسم ٢/ ورقة ٧٩ ب. (٧) بجايا: قاعدة الغرب الأوسط، على صفة البحر يضرب سورها. بناها ملوك صنهاجة، والبحر منها في ثلاث جهات (الروض المعطار ٨٠، ٨١).

стр. 21

في تِلِمْسان: ودخل تِلِمْسان في أواخر ذي القعدة، وشهد عيد النحر بها وعادة الطواف بالأُضْحية على البغل. وفيها عند طلوع فجر الأربعاء ١٤ من ذي الحجة ٨٦٨ هـ. وُلِدت له ابنة من أمّ ولده "شُكْرْباي" أمّ الفتح، وسمّاها "عائشة" على اسم بنته الأولى المتوفاة، واغتبط بها جدًا، فكان يقوم بتربيتها بنفسه، ويتولّى أكثر أمورها، ودامت معه إلى أن عاد إلى القاهرة، فماتت في الطاعون الذي عمّ البلاد، وذلك ليلة النصف من رمضان سنة ٨٧٣ هـ (١). وفي أواخر ذي الحجة ٨٦٨ هـ. دخل سارقان إلى منزله واختفيا به دون أن يشعر بهما (٢). وفي يوم الجمعة الخامس من المحرم ٨٦٩ هـ، خرج إلى رَبَض تلمسان، وبعضه يقال له رَبَض العُبّاد، وهو كضاحية دمشق وزار مقام الشيخ القُطْب "أبي مَدْيَن شعيب الإشبيليّ"، ثم اجتمع بأبي عبد الله محمد ابن خطيب جامع العُبّاد، وسمع خطبته، وحضر كثيرًا من دروسه، واستفاد من فوائده ستة أشهر، وكان أجلّ علماء تلمسان، وله نحو ٨٠ عامًا. واجتمع بأبي عبد الله محمد العُقْبانيّ، وأخيه أبي سالم إبراهيم، خطيب جامع تلمسان الكبير وإمامه، ومحمد بن مرزوق، ومحمد بن زكريا مفتي تلمسان، ويحيى بن أبي الفرج قريب الشريف التلمسانيّ، قاضي غَرناطة وعالم الأندلس، ولقي جماعة آخرين من الفضلاء والأدباء والأطبّاء، ومنهم سيدي علي بن قشوش أحد أطبّاء تلمسان، وسمع من فوائدهم وحضر دروس بعضهم، ونقل عنهم أشياء وأجازوه، ولازم في الطب الرئيس الماهر، موسى بن سمويل بن يهودا الإسرائيلي المالقي، الأندلسي اليهودي المتطبّب المعروف بأبيه، وبابن الأشقر، وقال إنه لم يسمع ولم ير مثله في مهارته في الطب، وعلم الوفْق والميقات، وبعض العلوم القديمة (٣). في وَهْران: وفي آخر نهار ٢٧ من ربيع الاخر دخل وَهران (٤)، وزار عبد الرحمن بن _________ (١) الروض الباسم ٢/ ورقة ٧٩، ٨٠ أ. (٢) الروض الباسم ٢/ ورقة ٨٠ أ، ب. (٣) الروض الباسم ٣/ ورقة ٩١ ب، ٩٢ أ. (٤) وهران: على ساحل الجزائر، أسّسها جماعة من الأندلسيّين البحريين عام ٢٩٠ هـ. ولها مرسى كبير للسفن، وهي كثيرة البساتين والثمار، وتقابلها مدينة المريّة في ساحل برّ الأندلس. (الروض المعطار ٦١٢، ٦١٣).

стр. 22

عزوز إمام زاوية سيدي إبراهيم التازي، المتقّدم ذِكره، كما اجتمع بأبي العباس أحمد بن العباس المالكيّ مفتي وهران، وصاحَبَ بها كبارَ أهل العلم والفضل، فأفاد منهم الكثير (١). وفيما كان المؤلّف يتابع رحلته في بلاد المغرب العربيّ كان والده يتردّد على السلطان خُشقدم في القلعة بالقاهرة، وفي يوم الجمعة آخر جمادى الأول صعِد وسأل السلطان في أمر إرث المغاربة بدمشق، وتمنّى عليه أن يُنفق لفقرائهم، فأجابه إلى ذلك، ثم بادره بقوله: إنك لم تسألني شيئًا لنفسك قط، وإنما تسألني حوائج الناس! فاغتنم الفرصة وسأله أن ينزل عمّا بيده من الإقطاع بدمشق باسم أولاده، فأجابه، وكتب له منشورًا باسم أولاده: أمير حاج، وأحمد، وعبد الباسط (المؤلّف)، ومحمد أبو الفضل (أخو المؤلّف)، ويوسف، وإبراهيم، وعبد الرحمن، والكل في قيد الحياة في سنة ٨٦٩ هـ. ما عدا إبراهيم. ولما ساءت العلاقة بين والد المؤلّف والسلطان الظاهر هذا، أخرج الإقطاع عن أولاده، وتركهم بغير شيء، ثم قطع مرتّباتهم على الذخيرة ببيت المقدس (٢). وفي هذه السنة ماتت زوجة أبيه "أصيل باي" خالة الملك العزيز يوسف بن بَرسْباي (٣). في تِلِمْسان: وغادر المؤلّف وَهْران إلى تِلِمْسان فدخلها في ٢٧ من شهر رمضان ٨٦٩ هـ. ونزل عند "عبد الرحمن بن النجار" صاحب الأشغال بها، وهو مدبّر المملكة لسلطانها محمد بن أبي ثابت. فأنِس به هو وولداه عبد الله (الأكبر)، وعبد الواحد (الأصغر)، وسأله أن ينشده شيئًا من نظمه في مدح صاحب تلمسان، فنظم قصيدة في نحو أربعين بيتًا، وكتب بها إليه، فلقيت صدًى طيباً عنده، فدعاه إليه، ورفع من محلّه وشكره عليها، وكتب له ظهيرًا بمسامحته في كل ما يتصرّف به من أنواع المتجر، ورتّب له مسكنًا ينزل فيه طوال وجوده في تلمسان، مع توفير الغذاء من لحم ودقيق وغيره من غلال، ثم سأله عن مواضع في القصيدة أُشكلت عليه، فأجابه عنها، وأخذا يتباحثان في ذلك، ثم أمر بنسخ القصيدة بخط أحد الكُتّاب الجيّدين، وأن يقرأها إنسان ذو صوت بين يديه يوم عيد الفِطر، بحضور قاصد صاحب تونس. وعندما تصوّف المؤلّف غسل هذه القصيدة في جملة ما غسله من _________ (١) الروض الباسم ٣/ ورقة ٩٤ ب. (٢) الروض الباسم ٣/ ورقة ٩٥ ب. (٣) المجمع المفنّن، ج ٢/ ٨٥، ٨٦، رقم (٧٥٣).

стр. 23

شِعره والكثير من أوراقه وتعاليقه التي ندم عليها فيما بعد، لِما كانت تحويه من فوائد كثيرة، ولم يعد يذكر من تلك القصيدة سوى هذين البيتين: أعني المليكَ الذي شاعت مكارمُه … من آل زيّان أقيالٌ أماجيدُ همُ الملوك وأبناء الملوك ومن … يقُلْ سوى ذاك فذاك القول مردودُ وفي أول أيام عيد الفطر (شوال) أبلغه ابن النجار مدبّر تلمسان أنّ القصيدة قُرئت بحضرة السلطان صاحب تلمسان، وبحضور قاصد صاحب تونس، وسمعها الملأ العام ممن حضر في القصر عند السلطان، وأثنوا على قائلها، ووقعت لدى السلطان موقعاً طيّبًا، لا سيما أنّ فيها تعريضًا بصاحب تونس (١). وممن شاهد في "تلمسان": "عبد الله بن عثمان السُّوَيدي" أمير عربان بني سُويد، ووصفه بأنه شيخ منوّر الشيبة، وقال: رأيت نجْعه فكان نجعًا هائلًا (٢). وعزم المؤلّف عند عودته إلى تلمسان أن يتوجّه إلى فاس ويراها، فصادَف أنها كانت في ذلك الوقت تشهد فِتَنًا وخطوبًا، نتيجةَ ذبْح اليهود سلطانَها عبدَ الحق المَرينيّ، فعاد إلى وَهْران، بعد أن تسوّق من تلمسان شيئًا ليبيعه في الأندلس، إذ قرّر اجتياز برّ العدْوة إليها (٣). وزار الصخرة التي بساحل وهران في شهر المحرم سنة ٨٧٠ هـ (٤)، وهي التي يقال إنها المذكورة في قصّة الخضر ﵇ في سورة الكهف، ومسجد الجدار على ظهرها (٥). في الأندلس: وفي نصف المحرم سافر في البحر إلى بلاد الأندلس، في مركب كبير للجنويّين، مع جماعة من تجار الأندلس وتِلِمْسان ووَهْران، وبقيت زوجه أمّ ولده بمنزل الشيخ الإمام أبي عبد الله محمد المعروف بابن القصّار التلمساني خطيب جامع البيطار بوهران، فخَلَفه بأهله خَلْفًا جميلًا. في مالقة: ويوم الجمعة ٢٣ محرم دخل مدينة مالقة (٦) من الأندلس، واجتمع بالشيخ أبي العباس أحمد التِلِمْساني شيخ الأندلس وقاضي الجماعة بغَرناطة (٧)، وعالم _________ (١) الروض الباسم ٣/ ورقة ٩٧ ب، ٩٨ أ. (٢) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٣٩ أ. (٣) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٠٩ أ. (٤) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٠٠ أ. (٥) انظر سورة الكهف، الآية ٧٧. (٦) مدينة على شاطئ البحر، عليها سور صخر، والبحر في قبليّها. من حولها شجر التين الطيّب العذب، يُحمل إلى مصر والشام والعراق، وربّما يصل إلى الهند (الروض المعطار ٥١٧). (٧) جاء في المجمع المفنّن، ج ١/ ٦١٣، رقم (٥٩٧) أنه رآه بمالقة في سنة ٨٦٨ هـ.

стр. 24

المغرب في وقته، فأنِس به، وسمع الكثير من فوائده. واجتمع أيضًا بأبي عبد الله محمد بن الترعة، قاضي مالقة وخطيبها، فسأله عن ترجمة الشيخ خليل المالكي، لأنه بصدد شرح مختصره، فأطلعه عليها، وكانت عنده من طريق الحافظ ابن حجر، فسُرّ قاضي مالقة بها، وحضر المؤلّف كثيرأ من دروسه وفوائده، لا سيما العربية، فإنه كان آيةً فيها (١). وفيما كان يوم الأحد واقفًا بباب البحر، إذ بشخص مُريب مرّ فارًّا مسرعًا جدًا في عَدْوه، وكأنه بسرعة البرق، وأعقبه أُناس مسرعون خلفه، مُجدّين في طلبه، فلم يُدركوه، ووصل في هربه إلى بلاد الكُنْد من بلاد الفرنج، فسأل عنه، فقيل إنه تشاجر مع آخر فقتله ساعتئذٍ، ثم سأل عنه بعد ذلك، فقيل له إنّه لحِق بدار الحرب، ودخل تحت حماية الفرنج البرطقال (٢) (البرتغال)، وعرف فيما بعد أنه هو مملوكه اليهوديّ السابق الذي خانه. وفي شهر صفر توجه من مالقه نحو غَرناطة على البغال، فاجتاز ببلدة تُدعى يكش، ومنها إلى بلد يقال لها الحامة، واغتسل بحمّامها، وبات بها ليلة، ثم سار إلى غَرناطة، ولقي بها جماعة من العلماء والفضلاء منهم: أبو عبد الله محمد بن منظور، وحضر مجلسه أكثر من مرة، وسمع الكثير من فوائده (٣). والتقى فيها بصاحبه التاجر المعروف بالرُمَيْمي، ونزل عنده بمنزله. وفي ٢٩ من صفر ٨٧٠ هـ صعِد إلى دار الإمارة، بعد أن بعث إليه الأمير أبو الحسن صاحب غَرناطة ليسأله عن أخبار صاحب تِلِمسان، وصاحب تونس، فأخبره، وسأله عن الشام وأحواله، وعن القاهرة وملكها، فأجابه عن كل ما سأل، وكان يُبدي تعجّبه مما يسمعه، ثم أخذ ورقة وكتب عليها بخطه بإعفائه من أيّ شيء يُلزَم به التجار من المغارم، وأكرمه للغاية (٤). وفي عاشر ربيع الأول زار رَبَض غَرناطة المعروف بالبَيَازِين وشاهد الجامع الأعظم هناك، وعزم على الخروج لرؤية قُرطُبة، ولكنْ حدثَ له ما لم يكن في الحسبان، إذ تلقّى ضربة عنيفة بالسيف، وهو في زنقة الكحيل بغَرناطة، فأصيبت شفته العليا، وأنفه، وخدّه الأيسر، وكُسر ثمانِية من أسنانه، وُفصلت شفته، ثم أعيدت، وخيطت جراحه، بعد أن مكث يُعالج نحو الشهر، وقد أشرف على _________ (١) الروض الباسم ٣/ ورقة ١١١ ب. (٢) الروض الباسم ٣/ ورقة ١١١ ب. (٣) الروض الباسم ٣/ ورقة ١١٢ ب، ١١٣ أ. (٤) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٣٣ أ.

стр. 25

الموت. ولم يكن المعتدي عليه سوى اليهوديّ الذي عطف عليه وهو بطرابلس الغرب، وساعده في ضمّ ابنه إليه، وهو المدعو "عبد الرحمن"، وكان نزل غَرناطة أيضًا، وادّعى أنه عارف بالطبّ، وأخذ يترفّع على علمائها وأهلها، حتى ضاقوا به ذَرْعًا، وعندما نزلها المؤلِّف بعد أيام، سُئل عنه، فلم يعرفه، لانقطاع أخباره عنه مدّة طويلة، ولم يتوقّع أن يكون في غَرناطة، وعندما وُصف له بدقّة عرف أنه هو، فحذّرهم منه، وأخبرهم بخيانته له، وأنه يهوديّ منافق يدّعي الإسلام، وعرف اليهوديّ أيضًا به، فكمن له في أحد الأزقّة الضيقة، وضربه بالسيف يريد قطْع رقبته، فأخطأها، ووقع المؤلّف أرضًا من هول الصدمة، فظنّ اليهوديّ أنه مات، ففرّ هاربًا، وعندما علم ببُرئه بعد ذلك من جراحه، تأكد أنه لن يكون آمنًا، بعد أن دُلّ عليه، ففرّ إلى بلاد الفرنج مرتدًّا عن دينه. وعُلم فيما بعد أن أحد أسرى المسلمين لدى الفرنج تمكّن منه، وقتله بعد أن وقف على أعماله المشينة، دون أن يعرف المؤلّف أو يلتقيه، ونجا الأسير بنفسه إلى بلاد المسلمين (١). وعاد المؤلّف من غَرناطة إلى مالقة في أواخر جمادى الآخر ٨٧٠ هـ. بعد أن تماثل بعض الشيء إلى الشفاء. في وَهران: وفي يوم الإثنين مستهَلّ شهر رجب ركب البحر عائداً إلى وهران مع صاحبه التاجر الرُمَيْمِي فدخلها في الرابع من رجب، وكان يريد متابعة السفر إلى تونس، ولكنه كان مُجهَدًا، فأشار عليه بعض أصحابه بالراحة والإقامة في وهران (٢). وفي أثناء ذلك حصل له بعض التوجّه إلى الزهد والتنسّك، وكان لما عاد من الأندلس إلى وهران، قد حصّل جملة من الكتب من تلك البلاد وغيرها، مما كان معه من كتبه نحو الأربعين مجلّدة، وقفها بزاوية "التازي"، وضيّع جميع أوراقه، وغسل الكثير منها، وضاع ما كان متعلّقًا بالشيوخ، والذي ذكره في كتبه لفّقه من فكره بعد ذلك بنحو العشرين سنة (٣). ويوم الأحد ١٤ من رجب ٨٧٠ هـ. زاره عبد الله بن عبد الرحمن المعروف بابن النجار نيابة عن أبيه عبد الرحمن، مدبّر مملكة تلمسان، ونقل إليه سلام والده وأنه بلغه ما أصابه من اليهودي في غرناطة، وقدّم له تحياته وأسفه على ما حدث _________ (١) الروض الباسم ٣/ ورقة ١١٣ ب، ١١٤ أ. (٢) الروض الباسم ٣/ ورقة ١١٥ أ. (٣) المجمع المفنّن، ج ١/ ٢٤٣ - ٢٥٧، الترجمة رقم (١١٢) "إبراهيم بن محمد التازي".

стр. 26

له، وأوصى مشرف وهران "محمد الركاجي" بحُسن معاملته (١). والركاجي هذا من رؤساء أكابر وهران وهو المشرف عليها وبيده جميع متعلّقاتها في دولة المعتصم باللَّه أحمد بن أبي حمّو. في طرابلس الغرب: وفي يوم ٢٩ من شهر صفر سنة ٨٧١ هـ،. ورد إلى ساحل وَهْران شونة كبيرة للفرنج الجنويّة، برسم الاتجار بالجوخ، قادمة من فنلندة وغيرها من بلاد المحيط، فأبحر فيها يوم ١١ من ربيع الأول إلى تونس، مروراً ببجاية، بعد أن أخذ زوجه وأهله، ووصل إلى ميناء تونس يوم العشرين من الشهر، وبقي في المركب ولم ينزل إلى البرّ، حيث أقلعت بعد أربعة أيام إلى طرابلس الغرب (٢)، ودخل ميناءها في أواخر جمادى الأول، وأقام بها مدّة شهور (٣). وفي ١٠ جمادى الآخر ذبح نعجة في منزله بطرابلس لإضافة بعض الفقراء فوجد في بطنها جنينًا له رقبة غليظة، له بها رأسان بأربعة عيون، وأربعة آذان، وثمانية أرجل، وإليتان ومخرجان، وسلسلتا ظهر (٤)! وتصاحب مع "أحمد الدهماني المغربي القروي" (٥) شيخ ركب المغاربة في الرحلة واشترى جمالًا وغير ذلك. وفي يوم الخمس ٢٨ رجب اجتمع بطائفة من المصامدة بصحبة الركب يستشيرهم في السفر فوافقوه، وتعرّف على سيدي محمد بن سعيد، المصمودي وصاحبه وتأنّس به. في برقة: إلى أن تجهّز للحج، فخرج مع القافلة على طريق بَرْقة، مجتازًا بمُسْراته في شهر شعبان، ثم قصر أحمد من أعمال طرابلس، ودخل برقة على الطريق الوسطى وليس الساحل إتّقاء لشُرور العربان وأذاهم، حيث يكونون بالساحل في مثل هذه الأيام. وقطع الركب عقبة المراس وتسلّموا البساط من أرض برقة، وبقوا بها ليالي وأيامًا، ورأوا مدينة لبنا وهي خراب وعندها بلدان خربة، وأجتازوا بالبئر المعروفة _________ (١) الروض الباسم ٣/ ورقة ١١٥ ب. (٢) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٢٩ ب، ١٣٠ أ. (٣) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٣٢ أ. (٤) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٣٢ ب. (٥) المجمع المفنّن، ج ١/ ٦١٦، رقم الترجمة (٦٠٤)، وفي الروض الباسم ٣/ ١٣٤ ب "القيرواني".

стр. 27

بسادنو، وقاسوا المشاقّ، وأخافهم العربان، إلى أن وصلوا إلى عربان لبيد وبلادهم المخصبة ولم يعترضوهم بسوء. في الإسكندرية: ووصل إلى الإسكندرية ليلة الأحد عند رؤية هلال شهر رمضان، ودخلها في شوال، وأعاقه عن الوصول صحبة الركب إلى القاهرة بعض وعك أصابه (١). وفي شهر شوال، وقبل دخوله القاهرة قصد الإمام "الشُمُنّي" واجتمع به، فأنِس به، وكان مريضًا، فسأله الإجازة، فشافهه بها في ٣ من ذي القعدة، بجميع ما يجوز له وعنه روايته، وألزمه الكثير من فوائده، ولم يتّفق له ملازمته لشدّة علّته (٢). في القاهرة: ثم دخل القاهرة في ٧ من ذي القعدة، فوجد أن والده قد غادرها إلى الحج (٣) فألغى سفره، وسكن في الرَّبْع التابع لخانقاه شيخو، المعروفة بالشيخونية، بسُوَيقة مُنْعِم، في خُط الصّلِيبة خارج القاهرة، تجاه جامع شيخو (٤). وقال عن عمارة الخانقاه في حوادث سنة ٧٥٦ هـ: "في شوال كان نهاية عمارة شيخو لخانقاه. وعُدّ بناء مثل هذا البناء الثقيل الهائل في دون الثمانية شهور من غريب النوادر، ولو نُقل لنا ذلك على الألسنة لما صَدّقناه. وكنت أسمع بهذا القول فأستبعده حتى رأيت على الرخامة المنقوشة على واجهة باب الخانقاه المذكورة ذلك، وصورته: "وكان ابتداء الشروع في عمارة هذا المكان المبارك وما حواه في شهر ربيع الأول"، ثم ذكر هذه المدّة، ثم قال: "ونهايته في شوال من السنة المذكورة". فصرت أتعجّب من هذا حتى قيل لي إنه لما أخذ الأماكن من _________ (١) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٣٢ ب - ١٣٣ ب. نيل الأمل ٦/ ٢٦٢. (٢) المجمع المفنّن، ج ١/ ٥٤٧، الترجمة رقم (٥٠٤)، الروض الباسم ٣/ ٩١ ب. (٣) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٣٥ ب. (٤) الخانقاه الشيخونية: نسبة إلى بانيها الأمير سيف الدين شيخو العمري، بناها في سنة ٧٥٦ هـ. وجعلها مدرسة وخانقاه، وكان موضعها من جملة قطائع أحمد بن طولون، ومساحة أرضها زيادة على فدَّان، يتبعها حمّامان، وعدّة حوانيت، يعلوها بيوت لسُكنَى العامّة. ورتب بها عدّة دروس: منها أربعة دروس على المذاهب الأربعة، ودرس للحديث النبوي، ودرس لإقراء القرآن بالروايات السبع، وجعل لكل درس مدرّسًا، وعنده جماعة من الطلبة، وشرط عليهم حضور الدرس، وحضور وظيفة التصوّف. وما تزال الخانقاه قائمة في شارع شيخون، في مواجهة جامعه. انظر: المواعظ والاعتبار، للمقريزي - تحقيق د. أيمن فؤاد سيد - ج ٤/ ٧٦٠ - ٧٦٤ وفيه مصادر أخرى.

стр. 28

أول السنة، وهدم، صار العمال يعملون أسباب هذا البناء من نحِيت الأحجار وعمل السقوف والطوب والآلات، فما استتم الهدم إلّا وجميع الآلات قد حصلت فيها، شرع في البناء ولم تتعوّق العمارة أصلاً" (١). وفي أوائل سنة ٨٧٣ هـ. عاد والده من رحلته إلى الحج، والعراق وزيارة العَتَبَات المقدّسة هناك، ووصوله إلى جزيرة ابن عمر وماردين (٢)، وقدم واحد من أتباعه إلى القاهرة يُدعى "علي بن مُغلطاي" ومعه رسالة وهدية مستطرفَة لإهدائها للسلطان قايتباي، وأخبر المؤلّف أن والده قد عاد من رحلته ووصل إلى طرابلس الشام واستقرّ بها (٣). وتوالت المصائب على المؤلّف في مدّة قريبة من هذه السنة، فقد توفي أبوه في طرابلس الشام في شهر جمادى الأول، ثم ماتت بنته زينب يوم السبت ٢١ شعبان، ولها ٣ سنين (٤). ثم ماتت بنته عائشة ليلة الخميس ٩ رمضان، وعمرُها خمس سنوات، وحزن عليها حتى مرض في الشهر التالي شوّال وأشرف على الموت (٥). وكان ذكر أنه كان باسم والده عشرة أرطال لحم في اليوم يقبضها لهم أحد جُلبان السلطان خُشقدم ويحضرها إلى "أمّ الهدى" بنت الشمس الحنفي زوجة أبيه، وقد تمرّض هذا الرجل لأيام ثم مات، فسكتوا عنهم بقبض ذلك لهم، وإلّا ما كان حصل لهم خير (٦). وذكر المؤلّف ﵀ أنه في يوم الأحد ٢٦ من شهر شعبان سنة ٨٧٣ هـ. صلّوا مرة في أقلّ من خمس درجات (٧) على نحو الستين جنازة، وذلك لتفشّي الطاعون بالقاهرة ونواحيها (٨). في الخانقاه الشيخونية: وفي الخانقاه تعرّف على الكثير من العلماء والشيوخ والأدباء الذين كانوا _________ (١) نيل الأمل ١/ ٢٨٦. (٢) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٣٥ أ، ب. (٣) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٨٤ ب. (٤) الروض الباسم ٣/ ورقة ٢١٨ أ. (٥) الروض الباسم ٣/ ورقة ٢١٨ ب، ٢١٩ أ. (٦) الروض الباسم ٣/ ورقة ٢٠٥ ب. (٧) اليوم الواحد ٢٤ ساعة = ٣٦٠ درجة، والساعة الواحدة = ١٥ درجة، فتكون ٥ درجات: ثلث ساعة، أي ٢٠ دقيقة. (٨) نيل الأمل ٦/ ٣٦٣ و ٣٦٥.

стр. 29

يسكنونها ويدرّسون فيها، وغيرهم من الأعيان والأعلام الذين كانوا يتردّدون إليها من حين لآخر، ويأتي في مقدّمتهم شيخ والده، وشيخه، العلّامة "الكافيجي" (١)، فكان كثير الملازمة له. وكذلك صاحبه الأديب الشاعر "الشهاب المنصوري" ويُعرف بـ "ابن الهائم" الذي أنشده هذين البيتين في سنة ٨٧١ هـ: بستاننا زاهرٌ زهيّ … وَعرْفُه للقلوب قوتا فطِبْ مقامًا وقرّ عينًا … فسوف آتي وسوف تُوتى (٢) وروى المؤلّف أنّ "الكافِيَجي" كان يحبّ "الشهاب المنصوري" ويأنس إليه، ويُثْني على شِعره، وامتدحه بعدّة مدائح، وأجازه على ذلك، وبعث إليه مرة بدينار من بعض تَرِكاتٍ بالخانقاه، ثم بعث يأمره أن يقسم الدينار بينه وبين إنسان آخر، فكتب الشهاب للشيخ على يد المؤلّف هذين البيتين، وهما من لفظه: أمولاي قد أحسنتَ لي تفضُّلا … وأهديتَ دينارًا قد استغرق الوصفا ولكنّه قد خاف نظرةَ حاسدٍ … ألم تره من خوفه نقص النصفا! فأعجبا الشيخ، وأمر المؤلّف أن يحمل إليه دينارًا من ماله (٣). وفي ٤ جمادى الآخر سنة ٨٧٢ هـ. أنشده "الزين عبد الرحمن الشامي" أبياتًا من شِعر "عثمان بن محمد الشُغْري" نَظمها في فسقيّة الخانقاه التي عمّرها "نَوروز الحافظي": رسم الأمير الحافظي بقبّةٍ … للناظرين تنزُّهًا في نقدها بُنيت بصحن الخانقاه فأصبحت … كعروس حُسنٍ تُجلَى في عِقْدها عُقدت على فسقيّة في صحنها … جاءت بحُسن حلاوةٍ في عقْدها وأنشده مما كُتب على القبّة أيضًا: يا بِرْكة عادت لعصر الصِّبَى … في قبّة منتزه اللاحظ بُشراكِ قد أصبحتِ في حافطٍ … وصرتِ في ظل من الحافظ (٤) وفي سنة ٨٧٣ هـ. سكن في بعض خلاوي الخانقاه "أحمد بن جعفر المَلَطي"، وكان قديمًا في ثروة زائدة، وتولّى حجابة الحجّاب بغزّة، ولأبيه أملاك _________ (١) تقدّم التعريف به في شيوخ أبيه؛ وهو تولّى مشيخة الخانقاه في شهر محرم ٨٥٨ عوضًا عن الكمال ابن الهُمام. (نيل الأمل ٥/ ٤١٣). (٢) المجمع المفنّن، ج ١/ ٥٥٦. (٣) المصدر نفسه. (٤) المجمع المفنّن، في ترجمة أركماس الظاهري، رقم (٦٤٥).

стр. 30

هائلة بها، وحصلت له مِحن وخطوب، وركِبَتْه الديون، حتى آل به الأمر أن أصبح فقيراً مُعدَمًا، لا يملك قوت يومه، واعتراه الهَذَيان، حتى قام جماعة من أهل الخانقاه لإخراجه منها، فلم يتمّ لهم ذلك، ودام على ما هو فيه نحو ١٥ سنة، أو يزيد. فكلّم المؤلّف شخصًا يُدعى "قانصوه رفرف" في أمره، فتكلّم مع "تَنِبَك قَرا" (١) أحد مقدَّمي الألوف، فكلّم السلطان في ذلك، فرتّب له دينارين في الشهر لِكسوته وقوته، إلى أن تولّى المؤلّف بأخرة تدبير ما له مدّة تزيد على الثلاث سنين، حتى توفي في شهر رمضان ٨٨٨ هـ. وقام بتجهيزه مما كان بقي معه من رسم كِسوته، وأخرجه إلى مدفنه بالقرافة (٢). وبالعودة إلى صاحبه "الشهاب المنصوري" فقد أنشده كثيرًا من شعره، منه في مستهلّ رجب، والسابع من رجب، والسابع والعشرين منه سنة ٨٧٦ هـ، وفي شهر محرّم، والثالث عشر منه، سنة ٨٧٧ هـ، وفي آخر محرّم ٨٧٨ هـ، وفي جمادى الآخر سنة ٨٧٩ هـ (٣). وفي أوائل جمادى الآخر سنة ٨٧٩ هـ مات نزيل الخانقاه "أحمد بن عيسى الحلبي"، ووُجد في مخلَّفاته من النقد نحو ٢٠٠ دينار، فقسّمها "الكافِيَجي" على جصاعة من قرّاء الخانقاه، وخصّ نفسه نحو ١٢ دينار حصته، ونسي آخرين، فبقوا يقصدونه لذلك، فوزن لهم من عنده نحو العشرين دينارًا فوق الإثنى عشر دينارًا التي هي حصّته، وفرّقها عليهم. قال المؤلّف "عبد الباسط" ﵀: "وكان ذلك جميعه على يدي" (٤). في منفلوط: وفي سنتي ٨٨١ و ٨٨٢ هـ نراه في مَنْفَلُوط، وفيها أقام مجاورًا، "لأحمد بن محمد بن أحمد المنفلوطي المعروف بشرف القضاة"، وقال عنه: "لم أر مثله في بلده في كرمه وإقرائه الضيفان، وتوسّعه في مآكله الأنيقة المفتَخَرة … وبيننا مودّة زائدة وصحبة أكيدة لما كنت مقيماً بمنفلوط في سنة إحدى وثمانين والتي تليها، وكان لنا به الأُنس الزائد، وله علينا الأيادي، بحيث كان منزله كمنزلنا. ومرض _________ (١) هو تنبك من شادبك الأشرفي، المعروف بقرا. كان حيًّا سنة ٩٠٤ هـ. انظر: المجمع المفنّن، ج ١/ ٣٥٩ - ٣٦٢ رقم (١١٣٥). (٢) المجمع المفنّن، ج ١/ ٤٠١، ٤٠٢، رقم (٣٢٩). (٣) المجمع المفنّن، ج ١/ ٥٥٠ - ٥٥٨، رقم (٥٢٠). (٤) المجمع المفنّن، ج ١/ ٤٩٧، رقم (٤٥٥).

стр. 31

مرة بمرض رديّ برك مع يَرَقان وحمْو كبِد، وعالجتُه العلاج التام، ولاطفته ملاطفة جيّدة، فأنَجع ذلك وبرأ، وحصل له الشفَاء، فزادت محبّته لنا، واعتقاده فينا. سمع منه بيتين أنشدهما له، وهما لغيره، أولهما: يقولون لي في مدح موسى بديهة … فقلت لهم: قد دكّ طود البديهة ولما عاد المؤلّف إلى القاهرة كتب إليه نظمًا أوله: أزكى سلام بنشر المسك والعود … يخصّ طلعَتَك العَلْيا بتحديد (١) وجالَس بمنفلوط قاضي الوجه القِبْلي "أحمد بن محمد بن صدقة" المعروف بالدُلَجي، وسمع من فوائده في السنتين اللتين أمضاهما بها، وكاتبه بعد عودته أكثر من مرة، كما سمع منه حين كان يأتي القاهرة، وكتب له المؤلف ﵀ رسالة صدّرها بأبيات، منها: يا سيّدي وأنيسي والصديق ويا … جاري القريب ويا عَوني ويا وَزَري روحي وروحك أجنادٌ مجنّدة … تعارفا قبل رؤيا العين والبصر ثم التقينا فكان الجسمُ مؤتلفًا … كأُلْفة الروح فادّكرت بالسُّوَرِ (٢) ولم يذكر "عبد الباسط" سبب انتقاله إلى منفلوط وإقامته فيها تلك المُدّة. في الشيخونية ثانية: وعاد، وسكن بالخانقاه الشيخونية من جديد عام ٨٨٣ هـ. فسمع به الأمير "بُرْدُبك السيفي جَرباش" المعروف بالمعمار، لقيامه على عمارة برج الإسكندرية، وعرف أنه يجيد اللغة التركية، وكان يرغب في إنسان من أهل العلم يحضر عنده، فبعث إلى أحد أصحاب "المؤلّف" ﵀، وهو من أهل العلم يُدعَى "تمر الفقيه" يتوسّله لإحضاره إليه، فلما حضر سأله أن يتعلّم منه ما ينفعه في دينه، كل يوم، فاعتذر بأنّ الطلبة الذين يتردّدون إليه ويقرأون عليه كثيرون، ولا يمكنه تبطيلهم. فرضي منه بثلاثة أيام في الأسبوع، ثم أحضر عدّة كتب وقال: قد اشتريت هذه الكتب من ترِكة "إينال باي الفقيه"، فتصفّحها "عبد الباسط" فرأى فيها الكثير مما لا يليق بالتُرك. فقال له الأمير: ما يليق بنا اجعله على حِدَة، وما لا، فعلى أخرى، ففعل. فقال الأمير: الذي لا يَصلُح لنا هو لك، وأمر بأن يُحمل معه إلى منزله نحو العشرين مجلَّدًا، فيها الكتب النفيسة (٣). _________ (١) المجمع المفنّن، ج ١/ ٥١٣، الترجمة رقم (٤٨١). (٢) المجمع المفنّن، ج ١/ ٥٣٢، ٥٣٣، رقم (٥٠٥). (٣) المجمع المفنّن، ج ٢/ ١٨٧ - ١٨٩، رقم (٩١٤).

стр. 32

وفي شهر شوال سنة ٨٨٦ هـ. وُلّي الأمير "برسباي المحمّدي الظاهري، المعروف بقَرا" رئاسة نَوبة النُوَب، وصار ناظراً على الخانقاه الشيخونية، فكان أول ما بدأ في حكمه بأهلها، فتسلّط على كثيرٍ منهم بالأذى، وقام بتسمير أبواب خلاويها دون علم علمائها وطلبتها، وأجلى قاطني المدرسة عن مساكنهم، فأضرّ ذلك بالكثير منهم، وتسبّب في مرض بعضهم، وكدّر صفو الآمنين بها، خاصة وأنّ ذلك حصل في أيام عيد الفِطْر، فحوّل أيام السرور إلى نكدٍ وأتراح. وكتب المؤلّف عن هذه الواقعة صفحة وأكثر، فقال: "وتوجّهت إليه أنا في أثناء تلك الحركة، بل وواجهتُهُ بكلمات فيها النصيحة له إنْ عَرَفَها، وقلت له: هذا البلاء قد عمّ، والفساد قد زاد، وما تفتّق عليه أصله منكم، وما يُدفع هذا الأمر، ولا يزول هذا الفساد إلّا إذا نزل السيد المسيح عيسى ابن مريم. وكلّمناه بكلمات كثيرة من نحو ذلك، حتى استشاط غضبًا، فقلت: لا يُغضَب من الحق". وأخذ "برسباي" يتردّد على الخانقاه من حين لآخر، وأحضر كاتب غيبتها إلى داره ليؤلّبه على أهلها، وحضر دروسها، واقتحم على ما ليس له ليأخذه، وعرض خزانة كتبها، وأخذ منها عدّة كتب، وادّعى أنه سيطالعها، وذهب بعضها في الكائنة التي جرت عليها، وأخذ منها مصحفًا بخط ياقوت، وخالف بذلك شرط الواقف، وزاد في المخالفة بتعيين اثنين معًا في وظيفة الأحناف، وغير ذلك، وتسلّط نقباء داره ورُسُله على خُدّام الخانقاه وصوفيّتها، وأقام وكيلًا من مماليكه فاستحلّ البراطيل والرِشَى من المؤذّنين والفرّاشين والوقّادين، ومن بعض الصوفية، حتى كثر الدعاء عليه. وتطوّر الأمر إلى فتنة، حيث ثار جُلبان السلطان قايتباي على "برسباي" وصاروا حزبًا واحدًا، وقصدوا داره، وكان أحسّ بالخطر، فأخلى حريمه وكل متعلّقاته منها، ونشب القتال بين مماليكه والجُلْبان، وتعطّلت أحوال الناس، وعزم الجُلبان أن يحرقوا باب داره، فأحرقوا المدرسة المجاورة ليتوصّلوا منها إلى داره، وكان وراء المدرسة تبن ودريس، فاحترق بما حوله، وتعدّى الحريق إلى كثير من دُور المسلمين، ثم أحرقوا من ناحية بابه مواضع من دار المؤلّف ﵀ ووصلت النار قريبًا من دار في الرَبعْ تجاه بابه وديار خلق من السكان، ثم انتهبوها، ونهبوا ديار تلك الحارة بأسرها، وتعدّى النّهْب الكثير من الديار والهجوم عليها، وهُتِك حريم المسلمين، ونهبوا المدرسة الفخرية، وكادت الفتنة أن تتعدّى ذلك إلى ما هو أخطر، من سقوط السلطان والمملكة، وركب الأتابك

стр. 33

والأمراء بأسرهم والعساكر لإخماد الفتنة، واختفى "برسباي" مدّة عن الأنظار حتى سكنت الأمور (١). وفي سنة ٨٨٧ هـ. بدأ بتأليف الكتاب الذي بين أيدينا "الروض الباسم". وفي ليلة الإثنين ٦ جمادى الآخر ٨٨٧ هـ. مات صاحبه "الشهاب المنصوري"، ومات في الليلة نفسها أحد محبّي "الشهاب" المذكور وتلامذته، وشخص آخر من الصوفية، فأخرج الثلاثة في صبيحة يوم الإثنين من الخانقاه الشيخونية، وكان ذلك من غريب الاتفاق (٢). في دمياط: وفي ١١ من محرّم سنة ٨٨٩ هـ. مات القاضي "وليّ الدين البارنباي، الآثاري" قاضي دمياط وشيخ الآثار النبوية بها. وكان صاحب المؤلّف ﵀، وكان يقصد المعبد أحيانًا لزيارته والتنزّه هناك، فكان قاضي دمياط يأنَس إليه، وتحصل بينهما مذاكرة مع صفاء ورياضة (٣) ولم يذكر أي تاريخ لزيارته إلى دمياط. عودة إلى الشيخونية: وفي يوم الجمعة، مستهلّ جمادى الأول ٨٨٩ هـ. بدأ بتأليف كتابه "المجمع المفنّن" (٤). وفي يوم الثلاثاء ٢٠ جمادى الآخر من السنة ٨٨٩ هـ. توجّه من الخانقاه الشيخونية إلى قاعةٍ بقرب جامع ابن طولون لزيارة "أحمد بن محمد بن علي القاهري" المعروف بابن العاقل، ليُمْلي عليه ترجمته، وفي الوقت نفسه يستشيره في أمر مرضه الذي طال به، فعاد من عنده بجملة أشعار، منها أبيات في مدح السلطان قايتباي، وأبيات في مدح كاتب السرّ "ابن مُزْهر" ومنها ترجمته (٥). وفي يوم الأربعاء، العاشر من شهر شعبان ٨٨٩ هـ. أنشده "بركات بن محمد بن علي" المعروف بابن الفرّاش بيتين لغيره، وكانت حلاوة الخانقاه الشيخونية وزيتها وصابونها قد تعطّل عن الصرف مدة: قد جُنّ وقُفُك يا شيخون كان له … حلاوة تبعث زيتًا وصابونا _________ (١) المجمع المفنّن، ج ٢/ ٢٢٤ - ٢٢٩، رقم (٩٦٠). (٢) المجمع المفنّن، ج ١/ ٥٥٠ - ٥٥٧، رقم (٥٢٠). (٣) المجمع المفنّن، ج ١/ ٥٦٣، رقم (٥٢٥). (٤) انظر مقدّمة المؤلّف للكتاب. ص ١٤٧. (٥) المجمع المفنّن، ج ١/ ٥٥٨ - ٥٦٢، رقم (٥٢٣).

стр. 34

كأنّ نُظّارنا من ضيق أعيُنهم … على حلاوته بالعين صابونا (١) وكان يسمع عن يوسف السيفي يشبُك الصوفي أشياء. فلما لقيه سأله عن حقيقة الحصاة المنقوشة، ثم أتاه بها بالشيخونية (٢). وفي السنة ٨٩٠ هـ. أنهى كتابه هذا "الروض الباسم". وفي شهر شوال سنة ٨٩٠ هـ. أنشده قاضي طرابلس الشام للشافعية "أحمد بن محمد بن محمد بن خليل الرملي" من نظمه أبياتاً كثيرة، وأملى عليه ترجمته، وأجازه برواية أشعاره (٣). وكان قد نزل القاهرة. وفي شهر محرّم من سنة ٨٩٣ هـ. اجتاز بالشيخونية عدّة جنائز في يوم واحد، فأبدى المؤلّف ﵀ تعجّبه من ذلك، "في غير وباءٍ ولا طاعون" (٤). وفي شهر صفر من سنة ٨٩٥ هـ. مات الأخ الأكبر للمؤلّف - رحمهما الله - وهو "أمير حاج بن خليل" (٥). وفي شهر جمادى الآخر سنة ٨٩٥ هـ. كان المؤلّف ﵀ لا يزال يعمل في تأليف كتابه: "نيل الأمل في ذيل الدول". وفي سنة ٩٠٣ هـ. مات الأديب "أحمد بن علي بن حسن الجوجري" نزيل الخانقاه الشيخونية، وأحد المتردّدين إليها، وكان من تلامذة "الكافِيجي" شيخ المؤلّف، ويكثر من التردّد إليه، فأنزله بخلوةٍ من الخانقاه، ورتّب باسمه خبزًا وطعامًا، وبقي ذلك بيده، وكان يعلّم بعض أطفال الأعيان بالجامع الشيخوني تجاه الخانقاه، وتصاحب مع الشاعر "الشهاب المنصوري" ولازمه حتى انصلح شِعره على يده. وكان له خط حَسَن، فكتب للمؤلّف ﵀ الكثير من تصانيف شيخه "الكافيجي"، ونسخ له شعرًا امتدحه به، وهي بخطّه لدى المؤلّف، ومنها ما هو مكتوب في آخر بعض المصنّفات التي نسخها له، ومن ذلك قوله: أحيا العلوم بدرسه لما جلسْ … بدرٌ أضاء على المنازل كالقَبَسْ في وجهه يُقْرَى "الضُحَى" وجبينِهِ … وعدوُّهُ في وجهه يُقْرَى "عَبَسْ" (٦) _________ (١) المجمع المفنّن، ج ١/ ٢٤١، ٢٤٢، رقم (٩٧٧). (٢) الروض الباسم ٤/ ورقة ٢١٣ أ. (٣) المجمع المفنّن، ج ١/ ٥٧٤ - ٥٧٧، رقم (٥٤٣). (٤) نيل الأمل ٨/ ٩٦. (٥) المجمع المفنّن، رقم (٨١٤). (٦) المجمع المفنّن، ج ١/ ٤٥٧، رقم (٨١٣).

стр. 35

مشجرة نسب المؤلف

стр. 36

هذه كانت سيرة المؤلّف ورحلته الحافلة بالأحداث كما سطّرها بيده في تاريخه الكبير "الروض الباسم" في مواضع متفرّقة منه، وكذلك في أثناء تراجم الأعلام الذين جمعهم في كتابه "المجمع المفنّن"، أو في كتابه "نيل الأمل". ويمكن أن نذكر أسماء البلاد التي طوّف بها، سواء مع والده أو بمفرده، فبعد ولادته بمَلَطْية أخذه معه أبوه إلى القاهرة، ثم أعاده معه إلى ملطية، وانتقل معه إلى حلب، ثم إلى الخليل، وبيت المقدس، ودمشق، وحجّ معه إلى مكة المكرّمة، وعاد إلى قطيا، ودمشق، وطرابلس الشام حيث أقام فيها أكثر من خمس سنواتٍ، ثم عاد إلى دمشق، ومنها إلى القاهرة، وبعد ذلك انفرد بالرحلة اعتبارًا من منتصف شهر ربيع الأول سنة ٨٦٦ هـ. فرحل إلى صعيد مصر، ثم انتقل إلى بَنْها بالوجه القِبْلي. ثم إلى الإسكندرية، ومنها بحرًا إلى قشتالة بجزيرة رودس، ومن هناك إلى مدينة تونس، ثم جزيرة جربة، وطرابلس الغرب، وقابس، والقيروان، وعاد إلى تونس، ومنها إلى تلمسان، وباجة، وقُسنطينة، وبجاية، والجزائر، ومازونا، وقلعة هوّارة، والبطحاء، وتلمسان للمرة الثانية، ووهران، ثم تلمسان ثالثة، ومنها إلى مالقة، ويكش، والحامة، وغرناطة، ومنها عاد إلى مالقة، ووهران وبجاية، وتونس، وطرابلس الغرب، ومُسراته، وقصر أحمد من أعمال طرابلس، وعقبة المراس، وأرض البساط من برْقة، ثم لبنا الخراب، وبئر سادنو (مدينة الأبيار الآن). وبلاد لبيد، والإسكندرية، والقاهرة، وبها استقرّ في الخانقاه الشيخونية حتى وفاته، عدا إقامته في مدينة منفلوط سنتي ٨٨١ و ٨٨٢ هـ. وزيارته لمدينة دمياط من حين لآخر.

стр. 37

البلاد التي مرّ بها أو دخلها المؤلّف

стр. 38

تأثّر المؤلّف بأبيه ونقله عنه وكان المؤلّف يلتقى بالعلماء، والشيوخ والمدرّسين في رحلاته فيأخذ عنهم ويحضر مجالسهم كما تقدّم، فتنوّعت علومه بين اللغة، والفقه، والحديث، والمنطق، والتاريخ، والطبّ، مع معرفته بالتركية، وتأثّر بأبيه في التاريخ فسار على نهجه، فألّف، وصنّف، وأرّخ، ونظم الشِعر، وجمع بين علوم المشرق والمغرب، من خلال أخذه عن شيوخ الشام، ومصر، وبلاد المغرب العربيّ، والأندلس. وبلغ شيوخه الذين أفاد منهم العشرات، وزادوا على الثمانين شيخًا في مختلف البلاد التي زارها. وأول شيوخه كان والده المؤرّخ المصنّف، الذي زرع فيه حبّ التاريخ، ووضع بين يديه مدوّناته وفوائده وتعليقاته، فنقل الكثير منها وأفرغها في كتبه، يدلّ على ذلك متابعته أخبار مصر والشام اليومية وهو في بلاد المغرب، إذ يروي عن أبيه أنه صعِد إلى القلعة بالقاهرة، فسأله السلطان خُشقدم عن الفرق في الاصطلاح بين "ملك الأمراء" و"النائب"، فأجابه على ذلك بالتفصيل، وقال بعد ذلك: "ونقلته من خطّه لأنّني كنت هذه الأيام في تِلِمْسان" (١). وفي موضع آخر ذكر أنّ السلطان سأل والده عن القول في الخطبتين يوم العيد، عندما يأتي العيد في يوم الجمعة، فأفاض والده في الجواب بعدم صحّة الأقوال بالتشاؤم، وأقوال العوامّ، وأنّ ذلك حصل كثيرًا للخلفاء والسلاطين، ولم يحصل شيء. وقد نقل المؤلّف ذلك من خطّ والده، وقالى: "نقلت هذا من خط الوالد ﵀ لأنّني كنت غائبًا ببلاد المغرب" (٢). وروى مرة عن أبيه، عن جدّه، فقال: "وكان الوالد يذكر لنا عن أبيه، عن بعض أخصّاء الظاهر برقوق" (٣). وفي موضع آخر ذكر خبر والده مع السلطان خُشقدم من جديد، وسفر والده للحج، وسفره مع الحجّاج العراقيين إلى الحلّة، وسفارته لأمير الحلّة إلى جهان شاه، ووفاة السلطان خُشقدم وما أصاب أهل القاهرة من حزن عليه، وغير ذلك من أخبار، وقال: "نقلت هذه الجملة من تعليق بخط الوالد -رحمه الله تعالى - وفيه من الغرائب ما قد وقفت عليه يا مخاطَب، بل وفيه ما يغنينا عن إعادة ذكره مع سياق الكلام منتظمًا" (٤). كما أخذ عنه شفاهاً، فقال: "ذكر لي الوالد من لفظه" (٥). _________ (١) الروض الباسم ٣/ ورقة ٩١ ب. (٢) الروض الباسم ٣/ ورقة ١١٦ ب. (٣) نيل الأمل ١/ ٢٩٦. (٤) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٣٤ أ- ١٣٥ ب. (٥) الروض الباسم ١/ ورقة ٣.

стр. 39

ونقل من كتاب والده "كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك"، خبر ضبط المتحصّل من مكْس القطن الموسوق للفرنج بميناء طرابلس الشام، في أيام ناظرها "أركماس الجلباني"، وذلك في ترجمته لإبراهيم بن المراة القبطيّ (١). وروى نادرة أخبر بها والدُه السلطانَ الظاهرَ خُشقدم عن رؤيته شخصين يصنعان عنابر النساء بالقدس، أحدهما بلحية بيضاء والآخر سوداء، وهما شبيهان فلا يفرّق الناس بينهما. وروى له نادرة أخرى أنه كان ببلاد الصعيد فمات شخص ففُتح له قبر لدفنه فوُجد فيه خمسة تماسيح (٢). وينقل عن كتاب والده "زبدة كشف الممالك" الأبيات التي أنشدها أحدهم في حثّ السلطان صلاح الدين الأيوبي على تحرير القدس (٣). وكان والده يصف له "سرور بن عبد الله القُسَنْطيني" (٤). ويحكي له عن سخاء "ابن الدماميني" (٥). وأنشده والده من نظم "عبد الله بن محمد العوفي" (٦). ورأى ما كتبه والده عن صالح بن عمر بن رسلان البلقيني، وذكر فيه الكثير من مسموعاته (٧). وفي شهر ربيع الأول ٨٧٠ هـ. ذكر مكالمة والده للسلطان بَرْسْباي بشأن الأستادَّار منصور بن الصفيّ الذي ضربه وسجنه (٨)، ليعفُو عنه. مصادره الأخرى: وتنوعت مصادره من غير والده، بين مدوّنة وشفاهية أيضًا، فضلًا عن مشاهداته الشخصية، ومعايشته لكثيرٍ من الأحداث والوقائع، وكان مشاهدًا لها وفي وسطها. ولدينا نصوص كثيرة، تبدأ بقوله: "سمعت" و"رأيت" و"أخبرني" و"حضرتُ" و"أنشدني"، و"بلغني" و"ذكر لي"، وأكثر ما نجد ذلك في "الروض الباسم" وهو التاريخ الكبير، ففيه يقول في حوادث سنة ٨٤٤ هـ. "أخبرني غير _________ (١) الروض الباسم ١/ ورقة ٣٤، وانظر المجمع المفنّن، ج ١/ ٢٦٤، رقم (١٢٣)، والضوء اللامع ١/ ١٨٤، ١٨٥. (٢) (الروض ١/ ٥١ أ). (٣) (الروض ١/ ٧٨ ب، زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك (بتحقيقنا) ص ٧٨). (٤) (الروض ١/ ٥٤ أ). (٥) (١/ ٥٤ ب). (٦) (١/ ٥٥ ب). (٧) (٢/ ٨٤ ب). (٨) (٣/ ١١ ا أ).

стр. 40

واحدٍ ممّن اطّلع على جليّة هذه القضية، ومنهم من أثق به وبدينه" (١)، وقال قبل ذلك: "رأيت اسم الظاهر جقمق - محمد جقمق - على منبر أستاذه برقوق وغيره" (٢). و"رأيت بخط الحمصيّ إجازة" (٣)، و"أخبرني من أثق به ممن كان مع الحاج في سنة ٨٨٧ هـ" (٤)، و"ذكر لي بعض من يُنسَب إلى العلم والمعرفة، بأحوال كثيرة ممن ذكرهم التقيّ في تواريخه" (٥). وعندما ذكر "محمد بن محمد بن أحمد بن العزّ الأوجاقي القاهريّ" (٦). قال: "كنت قد سألت ولده أن يوقفني على ترجمته وترجمة نفسه وإخوته أيضًا، لأنّ البدر العَيني لم يذكر اسم أبيه، ونقل عنه ابن تغري بردي ذلك أيضًا". وحضر واقعة خلع السلطان المؤيَّد أينال لم يغب عنها لحظة من أولها إلى آخرها في سنة ٨٦٥ هـ. وكان يتردّد في منزل الأتابك خشقدم، تارة عند المقعد، وتارة بباب الدار، وتارة بالمدرسة القانبائية بسُويقة عبد المنعم، وتارة بالرميلة إلى غير ذلك ممّا وقع بين الناس والعسكر. وقال: وإنما أشاهد الأحوال عيانًا، وأسمع تأسّف العوامّ، بل وبعض الخواص أيضًا. وشاهد بنفسه نقل "المؤيّد" إلى سجن الإسكندرية، وقال: "وكنت أنا في هذا اليوم جالسًا بمكان بالصليبة أعاين هذا الأمر، وأشاهده عَيانًا". وسأل "خشقدم عن موقفه من المؤيّد لحنقه منه وما علم صحّة ما قاله (٧) ". وذكر حكاية عن نائب طرابلس الأمير "إياس المحمدي الناصري الطويل" حكاها له والده (٨). وكان شاهدًا وفاة السلطان "خُشقدم" سنة ٨٧٢ هـ. وقد أخبره عن موته من حضر عنده، وشاهد بنفسه طلوع "قايتباي" - وكان أحد مقدّمي الألوف - إلى القلعة، واضطراب الجُلبان عند رؤيته، حتى إنني خشيتُ عليه، وتوسّمت سلطنته في هذا اليوم (٩). وذكر اجتياز السلطان "يَلباي" في شوارع القاهرة وقال: "وكنت أنا جالسًا _________ (١) الروض الباسم ١/ ورقة ١٣. (٢) الروض الباسم ١/ ورقة ٤. (٣) الروض الباسم ١/ ورقة ١٤ أ. ومناسبة هذا القول هو تعليقه على الحافظ ابن حجر فيما قاله في كتابه "إنباء الغمر بأنباء العمر" في مسألة تصريح السلطان بعزل السراج الحمصي من القضاء لأن ابن حجر كان كثير التنكيت عليه لخصاله السيئة، ولانتماء ابن حجر لبني البُلقيني. (٤) الروض الباسم ١/ ورقة ٤٢. (٥) الروض الباسم ١/ ورقة ٤٨. (٦) الروض الباسم ١/ ورقة ٦٣. (٧) الروض الباسم ٢/ ورقة ١٦ ب - ١٩ أ. (٨) الروض الباسم، ٢/ ورقة ٣٣ أ، ب، المجمع المفنّن، رقم (٨٤٥)، ج ٢/ ١٣٧ - ١٤١. (٩) الروض الباسم، ٣/ ورقة ١٤٨ أ.
следующие страницы →