Полный текст (695 стр.). Показаны 666–695 · переход к 671.
стр. 666
الانتساب إلى المذاهب الأربعة
سؤال: هل يجوز التعصب للمذهب الذي يقتدي به الإنسان في أي حكم من أحكام الشريعة، حتى لو كان في هذا مخالفة للصواب؟ أم يجوز تركه والاقتداء بالمذهب الصحيح في بعض الحالات؟ وما حكم لزوم مذهب واحد فقط؟
الجواب: التمذهب بمذهب واحد من المذاهب الأربعة مذاهب أهل السنة الأربعة المعروفة التي بقيت وحفظت وحررت بين المسلمين، والانتساب إلى مذهب منها، لا مانع منه، فيقال: فلان شافعي، وفلان حنبلي، وفلان حنفي، وفلان مالكي.
ولا زال هذا اللقب موجودًا من قديم بين العلماء، حتى كبار العلماء، يقال: فلان حنبلي، يقال مثلًا: ابن تيمية الحنبلي، ابن القيم الحنبلي، وما أشبه ذلك، ولا حرج في ذلك، فمجرد الانتساب إلى المذهب لا مانع منه لكن بشرط أن لا يتقيد بهذا المذهب فيأخذ كل ما فيه، سواء كان حقًّا أو خطأً، سواء كان صوابًا أو خطأً، بل يأخذ منه ما كان صوابًا، وما علم أنه خطأ، لا يجوز العمل به، وإذا ظهر له القول الراجح فإنه يجب عليه أن يأخذ به، سواء كان في مذهبه الذي انتسب إليه، أو في مذهب آخر، لأن من استبانت له سنة رسول الله لم يكن له أن يدعها لقول أحد، فالقدوة هو رسول الله ﷺ ، فنحن نأخذ بالمذهب ما لم يخالف قول الرسول ﷺ ، فإذا خالفه فهذا خطأ من المجتهد يجب علينا أن نتركه، وأن نأخذ بالسنة، ونأخذ بالقول الراجح المطابق للسنة، من أي مذهب كان من مذاهب المجتهدين.
أما الذي يأخذ بقول الإمام مطلقًا، سواء كان خطأ أو صوابًا، فهذا يعتبر تقليدًا أعمى، وإذا كان يرى أنه يجب تقليد إنسان معين فهذا ردة عن الإسلام.
стр. 667
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: من قال إنه يجب تقليد شخص بعينه غير رسول الله ﷺ فهذا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل لأنه لا أحد يجب اتباعه إلا محمد ﷺ ، أما ما عداه من الأئمة المجتهدين ﵏، فنحن نأخذ بأقوالهم الموافقة للسنة.
أما إذا أخطأ المجتهد في اجتهاده، فإنه يحرم علينا أن نأخذ باجتهاده والله تعالى أعلم.
سؤال: ضابط ذلك أو المقياس الذي يقاس به الصحة من الخطأ، هو موافقته للكتاب والسنة؟
الجواب: لا شك في ذلك.
***
التمذهب والاجتهاد
سؤال: قرأت في أحد الكتب الدينية في باب التمذهب واستنبطت من قراءتي أن المجتهد ليس له أن يقلد مذهبًا من المذاهب الأربعة المشهورة، فأنا والحمد لله أجتهد في المسائل الفقهية بما لا يتعارض مع الكتاب والسنة، فهل معنى ما قرأت أنه لا يلزمني اتباع مذهب من تلك المذاهب الأربعة المشهورة أم لا؟
الجواب: المراد بالمجتهد الذي قرأت عنه في بعض الكتب والذي بلغ مرتبة الاجتهاد بأن توفرت فيه شروط الاجتهاد كالأئمة الأربعة، وأمثالهم من أحبار هذه الأمة.
والمجتهد له شروط لا بد أن تتوفر فيه ويكتسب بها أهلية الاستنباط،
стр. 668
والإفتاء، ذلك أن يكون عالمًا بكتاب الله، وعالمًا بسنة رسوله ﷺ ، وعالمًا بأقوال سلف من الصحابة والتابعين ملمًّا بذلك في الجملة، وأن يكون عارفًا بقواعد الاستنباط، بأن يعرف الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، وغير ذلك من قواعد الاستنباط إضافة إلى أن يكون عالمًا بقواعد اللغة العربية التي هي لغة الشرع من القرآن والسنة، وبأساليب العرب ووجوه الكلام.
أما أن يكون الإنسان مجرد قارئ يحسن القراءة في كتاب كما ذكرت، هذا حرام عليه أن يجتهد، لأنه يقع في الخطأ، ويوقع غيره في الخطأ، فالعامي وطالب العالم المبتدئ، هؤلاء يقلدون من يثقون بدينه وبعلمه، من أهل العلم، ويأخذون بآرائهم ما لم يتبين لهم أن قولهم مخالف للدليل، فإنهم يأخذون ما قام عليه الدليل، من أقوال أهل العلم، إذا كانوا يستطيعون التمييز بين الراجح والمرجوح، والله أعلم.
***
التقليد لا يحرم مطلقًا
سؤال: هل لا بد للإنسان أن ينهج في عبادته مذهبًا واحدًا في كل شيء، أم ليس عليه شيء إن أخذ من كل المذاهب أو بعضها فيما يراه أكثر أجرًا، أو أيسر لدينه، ودنياه؟
الجواب: هذا يختلف باختلاف الناس، فالعامي والمبتدئ في التعلم هؤلاء لا يسعهم إلا أن يقلدوا من يثقوا بعلمه، وتقواه من أهل العلم، فيقلدوا أحد المذاهب الأربعة التي هي مذاهب أهل السنة.
стр. 669
وأما بالنسبة للمتعلم الذي عنده المقدرة على معرفة الراجح من المرجوح من أقوال أهل العلم، فهذا يجب عليه أن يأخذ ما قام عليه الدليل من أقوال الأئمة الأربعة وغيرهم فهذا يجب عليه أن يعمل بالدليل، لأن عنده المقدرة على ذلك فالناس يختلفون في هذا، ليسوا على وتيرة واحدة، ف التقليد لا يحرم مطلقًا ولا يجب مطلقًا، بل كل على حسب حاله، والله جل وعلا يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] ، على أنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ من أقوال العلماء ما وافق هواه أو رغبة نفسه، فيتتبع الرخص ويتتبع الأقوال السهلة التي ليس عليها دليل، لأنها تلائم هواه ورغبته، هذا لا يجوز، وإنما يختار من أقوال العلماء ما قام عليه الدليل إذا كان عنده الأهلية لذلك.
***
стр. 670
كتاب
الأدب
стр. 671
وجوب أداء الأمانة
سؤال: سلمت إلى أحد أقربائي أمانة لكي يحفظها لي إلى وقت طلبها وحاجتي إليها، وهي عبارة عن صك شرعي، وقد بقيت عنده إلى أن أردت استعادتها منه، ولكنه رفض إلا أن أعطيه مبلغ خمسة آلاف ريال، مقابل حفظه لها، وحاولت إعطاءه ألف ريال شكرًا وتقديرًا لأمانته، ولكنه رفض إلا خمسة آلاف، وهددني بإحراق الصك وإنكاره، ولم يكن عندي شهود يوم أن سلمته إليه، فهل لو لبيت طلبه وأعطيته الخمسة آلاف، هل هذا حلال أم حرام عليه، وهل يجوز أخذ مال مقابل حفظ الوديعة شرعًا أم لا؟
الجواب: إذا كان بينك وبينه اتفاق على أن يحفظها لك بالأجرة، فإنه يجب عليك أن تعطيه ما التزمته معه، أما إذا لم يكن هناك اتفاق بينكما، دفعت إليه الأمانة ليحفظها بدون أن يكون بينكما اتفاق على أجرة، فإنه يحرم عليه أن يطلب منك شيئًا لأن هذه أمانة، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] ، ويقول : ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، فحفظ الأمانة من الإحسان ومن التعاون على البر والتقوى.
فإذا لم يشترط عوضًا من الأول، فإنه لا يجوز له أن يأخذ في مقابل ذلك شيئًا، لأنه يعتبر قربة من القرب، فيحرم عليه أن يطلب منك شيئًا، ولكن إذا أبى أن يعطيك ما أودعته عنده، إلا بأن تعطيه شيئًا، فإنه لا مانع في حقك من إعطائه، تفاديًا لحقك واستنقاذًا له منه، وهو يحرم عليه أخذ ذلك الشيء؛ فما تدفعه إليه في هذه الحالة من قبلك جائز، وأما من قبله فهو محرم.
стр. 672
سؤال: إذًا على هذا إذا حصل اتفاق بين الطرفين هذا مشروعًا؟
الجواب: يكون هذا من باب الإجارة، استحفظه بالأجرة.
***
الوفاء بالوعد
طلبت والدتي مني مبلغًا من المال تضعه مساهمة في بناء مسجد يقام بقريتنا ولم يكن عندي في ذلك الوقت المال الزائد عن حاجتي حتى ألبي طلبها، فوعدتها مستقبلًا أن أعطيها إن شاء الله، ثم سافرت إلى خارج بلدي لطلب الرزق الحلال، وفي هذه الأثناء قدر الله على والدتي بمرض توفيت على إثره، فهل يبقى ذلك الوعد مني لها دينًا في ذمتي وعلي أن أدفع ما وعدتها به إلى ذلك المسجد المعين أم يجوز ولو لغيره من المساجد التي تحتاج إلى مال، أم أنه لا يبقى ذلك الوعد دينًا في ذمتي وبالتالي أكون معافى منه؟
الجواب: نعم يجب عليك، أو ينبغي لك ويتأكد عليك أن تفي بوعدك، وأن تدفع هذه الدراهم في المسجد الذي ترغب والدتك أن تدفعها فيه، وقد وعدتها بذلك، فمن برها والإحسان إليها أن تنفذ هذا الوعد، لعل الله أن يتقبله وأن ينفعها به، وهذا من برها ومن الإحسان إليها، فإن كان المسجد الذي تريده الوالدة قد استغنى وتم تكاليفه فإنك تدفعه في مسجد آخر، لكن كما ذكرنا لا ينبغي لك أن تفرط في هذا الوعد، وأن لا تدفع هذه الدراهم بل ينبغي لك ويتأكد في حقك أن تنفذ هذا الوعد برًا بوالدتك.
стр. 673
الوفاء بالعقود
سؤال: لقد استلمت عقود عمل من أحد رجال الأعمال، الذي كلفني بأن أحضر له عمالًا، وفعلًا استلمت التأشيرات الخاصة بهم، وعندما سافرت، قمت ببيع هذه العقود على العاملين الذين يرغبون في العمل مع هذا الشخص، فهل يجوز لي مثل هذا التصرف؟ وهل المال الذي كسبته من هذه الطريق حلال أم حرام؟
الجواب: هذا التصرف خطأ، والمال الذي أخذته به حرام، لأن الواجب عليك أن تنفذ ما وكلك موكلك به، من استقدام هؤلاء العمال حسب الاتفاق بينك وبينه.
أما أن تبيع هذه العقود على العمال، وتأخذ قيمتها فهذا ظلم، ظلم لهؤلاء العمال وخيانة للموكل، وما أخذته من هذا المال حرام عليك، فعليك أن ترده إلى العمال الذين أخذته منهم ظلمًا.
سؤال: حتى لو كانوا راضين بذلك؟
الجواب: حتى لو كانوا راضين بذلك؛ لأنه لم يفوض بهذا الشيء، ولكن هذا فيه ظلم لهم.
***
النصيحة أداء للواجب
سؤال: تقدم شاب لخطبة أختي وسبق أن سمعت أنه يختلس أحيانًا، وأشار إلي بذلك فأخبرتهم بما سمعت عنه، ونصحتهم أن لا يستجيبوا لذلك، والآن تم الزواج، مع العلم أنه كان في وسعي أن أوقف هذا الزواج،
стр. 674
فماذا أفعل لأكفر عما حدث؟ أفتوني جزاكم الله خيرًا.
الجواب: ما دمت قد أبديت النصيحة، وبينت ما في هذا الشخص، ولكن أهلك لم يقبلوا النصيحة وأقدموا على تزويجه، فقد أديت الواجب، ولا يلزمك أكثر من هذا، إلا أنه يلزمك أن تواصل النصيحة لهذا الشاب، وأن تحذره من هذا الأمر، وأن تخوفه بالله ، هذا الذي يسعك.
وإذا أمكن أن تؤثر على أهلك بطلب مفارقة ابنتكم هذا الشاب إذا أصر على هذا العمل السيئ، وعلى السرقة والاختلاس، إذا أمكن أن تؤثر على أهلك، وأن تطالبوا بمفارقة هذا الرجل السيئ لبنتكم فهذا شيء طيب، فعليك أن تبذل ما تستطيع والله تعالى أعلم.
***
الصبر على أذى الجار
سؤال: لي جار مدمن خمر ويؤذيني بلسانه، وبعض الأوقات يكون معي طيب جدًّا، وفي نفس الوقت يخاصمني ويقوم بكيدي، فماذا أفعل له وهو جاري؟ أفيدونا جزاكم الله كل خير.
الجواب: لا شك أن الجار له حق في الإسلام، وقد أوصى الله جل وعلا بالإحسان إلى الجار. قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] .
стр. 675
وقال النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره» ، أو كما قال ﷺ .
فالجار لا شك أن له حقًّا على مجاوره بالإحسان إليه.
أما ما ذكرت من أن جاركم يتعاطى الكبائر من الذنوب، وأنه يشرب الخمر، فالواجب عليكم مناصحته والإنكار عليه، وتخويفه بالله وموعظته، وإخباره أنه ما دام يؤمن بالله واليوم الآخر، فإنه يجب عليه أن يتوب إلى الله من هذه المعاصي والموبقات والكبائر، فيجب عليكم مناصحته وتذكيره، لعل الله أن يهديه بسببكم، فله حق عليكم ويتأكد هذا بكونه جارًا لكم، فالواجب عليكم أن تناصحوه وأن تعظوه وتذكروه فإذا أصر ولم يتب فإنك تهجره في الله، بأن تترك كلامه ومجالسته حتى يتوب إلى الله .
أما إذا كان يصدر منه أذى عليك في حقك، فإن الذي ينبغي أن تصبر على أذى الجار وأن تقابله بالإحسان، فمقابلة السيئة بالإحسان من صفات أهل الإيمان، ومما أوصى الله به، لكن مع ما ذكرنا من المناصحة، والموعظة وإذا استدعى الأمر أن تهجره وأن تترك مكالمته والجلوس معه، لعل ذلك يكون رادعًا له، وسببًا في توبته، مع الصبر على ما ينالك منه من الأذى، فإن الجار لا شك أن له حقًّا على جاره، والله المستعان.
***
стр. 676
التبرع بالدم
سؤال: هل يجوز لأخي أن يتبرع بدمه لزوجتي أم لا؟
الجواب: لا مانع من ذلك، إذا دعت الضرورة إلى إسعاف زوجتك بدم، يجوز أن تسعف بدم أخيك، وبدم غيره، لا مانع من ذلك إن شاء الله.
***
المداومة على الأعمال
سؤال: إنني أتطوع بتأدية بعض الصلوات بعيدًا عن الأوقات المنهي عنها، وكذلك أذكر الله بتسبيحات وتهليلات، وكذا التطوع بالصيام في أيام مختلفة، كل هذا أعمله دون التقيد بشيء منها براتب ثابت خوفًا من عدم المواظبة عليها لكي لا أقع في البدعة، فما الحكم في ذلك؟
الجواب: زادكم الله حرصًا على الخير، والإكثار من النوافل من صلاة النافلة، ومن ذكر الله ، فالتهليل والتسبيح والتكبير أمر مطلوب ومشروع، وصلاة النافلة منها ما هو مرتب في أوقات معينة مثل الراتبة مع الفريضة، الراتبة القبلية أو البعدية، وكذلك الوتر هذا مرتب في الليل ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر، كذلك التهجد من الليل هذا ينبغي المداومة عليه وكما ينبغي المداومة على أداء الرواتب مع الفرائض ينبغي المداومة على الوتر، بل يتأكد.
وينبغي أيضًا أن يكون للمسلم نصيب من صلاة الليل، ويجعل آخره وترًا، وكذلك صلاة الضحى، هذه سنة ثابتة عن النبي ﷺ فهذه عبادات
стр. 677
موقتة في مواقيتها الشرعية، وإذ داوم الإنسان عليها فذلك شيء مطلوب وأحب العمل إلى الله أدومه وإن قل.
وكذلك المداومة على ذكر الله بالتهليل والتسبيح لا حرج فيه، والصلاة النافلة كما ذكرت إلا في الأوقات التي نهى النبي ﷺ عن الصلاة فيها، وقد ذكرت أنك تتجنبها والحمد لله.
***
حفظ اللسان من اللعن والسب
سؤال: هل يجوز لعن أصحاب المعاصي أو الظلمة؛ كأن يظلمني شخص بالقول أو الفعل فألعنه؟ فهل هذا جائز أم لا؟
الجواب: لا يليق بالمسلم أن يكون لعانًا ولا فاحشًا ولا متفحشًا، فينبغي له حفظ لسانه من السب والشتم، حتى ولو سابه أحد أو شاتمه أحد، فينبغي له أن لا يرد عليه بالمثل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] .
***
سب ولعن الكفار وأصحاب الكبائر
سؤال: نحن في بعض الأحيان نسب أو نلعن المشركين أو الكفار، أو نتكلم عليهم بتشبيههم بالحيوانات، وهم أصحاب شرك والعياذ بالله، ويدعون من دون الله، وبعضهم أصحاب شعوذة أيضًا، ومنهم الحي ومنهم الميت، وبعضهم يؤم المسلمين في المساجد، وخطباء على المنابر، فهل يجوز لنا هذا أم لا؟
الجواب: أما بالنسبة للعن الكافر والمشرك، والفاسق بفعل كبيرة من
стр. 678
الكبائر، اللعن على وجه العموم لا بأس به أن يقال: لعنة الله على الظالمين، لعنة الله على الكافرين، لعنة الله على الفاسقين، لعن الله آكل الربا، وموكله وشاهديه وكاتبه.
لعن أصحاب الجرائم على وجه العموم، الجرائم الشركية والكفرية والكبائر على وجه العموم، هذا لا بأس به، أما لعن المعين، الشخص المعين، فهذا محل خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنه لا يجوز لعن المعين لأنك لا تدري بماذا يختم له.
***
التلفظ باللعن
سؤال: ما حكم من تلفظ بكلمة فيها لعن لشخص معين؟
الجواب: لا يجوز التلفظ باللعن والسب والشتم، والتنقص للناس، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١] ، وقال النبي ﷺ : «لعن المؤمن كقتله» ، وقال: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان، ولا الفاحش ولا البذيء» .
فالمؤمن يصون لسانه عن التفوه بالسباب والشتم، وأشد ذلك اللعن، فإن اللعنة إذا صدرت منه إلى غير مستحق، فإنها ترجع عليه كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، فلا يجوز للمؤمن أن يستعمل اللعن لا في حق الآدميين ولا في حق البهائم، ولا في حق المساكن، ولا غير ذلك، فإن هذه كلمة شنيعة وقبيحة لا تليق بالمسلم.
стр. 679
الغيبة
سؤال: ما هو مدى صحة ما روي عن النبي ﷺ أن كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته تقول: «اللهم اغفر لنا وله» ، وما هو معنى الغيبة؟
الجواب: أما الحديث فلا يحضرني الآن حوله شيء، ولا أدري عنه.
وأما الغيبة في حد ذاتها فهي محرمة، كبيرة من كبائر الذنوب، وقد نهى الله عباده عن تعاطيها، قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] . وقال النبي ﷺ : «كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه» ، فالغيبة محرمة وكبيرة من كبائر الذنوب وشنيعة، فما هي الغيبة؟
قد بين النبي ﷺ معناها لما سئل عنها، فقال: «الغيبة ذكرك أخاك بما يكره. فقال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» .
والغيبة: هي الكلام كما بينها النبي ﷺ : «ذكرك أخاك بما يكره» ، فإذا كان أخوك غائبًا، وأنت وقعت في عرضه ووصفته بما يكره، فقد اغتبته ووقعت في عرضه وأثمت في ذلك إثمًا عظيمًا، وإذا ندمت وتبت إلى الله ، فإن باب التوبة مفتوح، ولكن هذا حق مخلوق، ومن شروط التوبة فيه، أن تستبيح صاحبه، فعليك أن تتصل بأخيك وأن تذكر
стр. 680
له ذلك، وتطلب منه المسامحة، إلا إذا خشيت من إخباره أن يترتب على ذلك مفسدة أعظم فلعله يكفي أن تستغفر له، وأن تثني عليه، وتمدحه بما فيه لعل الله أن يغفر لك.
***
شهادة الزور
سؤال: طلب مني أحد أصدقائي أن أشهد معه في المحكمة على استخراج حجة استحكام على داره، فذهبت معه إلى المحكمة، وعندما وصلت إلى القاضي فوجئت بأن الشهود الذين شهدوا قبلي، قالوا في شهادتهم: إن صاحب المنزل يملكه منذ ستة عشر عامًا، وهو يملك المنزل إلا منذ ست سنوات وكنت وقتها في موقف حرج، فلا أحب أن أنفي شهادتهم، فأعقد موضوع الصك، فشهدت على صحة شهادة الشهود الأولين. فهل هذه الشهادة تعتبر زورًا، وما هي كفارتها؟ علمًا بأنه لا يوجد أي معارض في منزل المتقدم للحجة، بل المنزل ملكه، وإنما الاختلاف في المدة فقط، أفيدوني أثابكم الله.
الجواب: أخطأت في هذا التصرف، حيث لم تبين الحق في الشهادة، وقد وافقتهم وأنت تعلم خطأهم، هذا يعتبر شهادة زور والواجب عليك أن تبين، إن الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨] ، ويقول : ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] ، فالواجب عليك أن تبين الحق في هذا الموقف.
стр. 681
أما وقد حصل ما ذكرت، فإن الذي يجب عليك أن تذهب إلى القاضي الذي جرى على يده هذا التوثيق، وتبلغه بالحقيقة، ليتلافى ما حصل بموجب هذه الشهادة، هذا الذي يجب عليك.
***
مقاطعة مروجي الإشاعات
سؤال: هناك بعض من الناس يقومون بترويج الإشاعة الباطلة عني ويصفونني بأوصاف قبيحة، وأنا بريء مما يقولون، وقد قمت بمقاطعتهم وذلك حتى لا يحدث ما لا يحمد عقباه، وعلى أثر ذلك ارتاحت نفسي، فهل أنا على حق في مقاطعتهم، وهل بصبري عليهم أنال حسنات منهم، أرجو نصحي بما فيه الكفاية؟
الجواب: يجب عليك أن تصلح فيما بينك وبين الله وأن تصلح ما عندك من الأخطاء، وبعد ذلك لا يضرك ما يقال من الناس إذا كانوا غير مصيبين في قولهم، وإنما يكون الإثم عليهم، مع أن الذي ينبغي لك أن تتجنب مصاحبتهم ما دام أنهم يصفونك بهذه الأوصاف ويؤذونك ويضايقونك، فلا تصاحبهم؛ لأن مصاحبتهم والحال هذه ربما يترتب عليها مفاسد، وربما يحصل بينك وبينهم شيء من الاعتداء أو من سوء العشرة أو غير ذلك، فابتعد عنهم، إلا إذا كان في مصاحبتهم -مع تعديل سلوكك وتصحيح أخطائك- إزالة لما علق في نفوسهم نحوك من سوء الظن، فإن هذا الشيء طيب، أما إذا كان بمصاحبتهم زيادة شر، وزيادة اتهام فابتعد عنهم وأصلح ما بينك وبين الله ولن يضرك أحد.
***
стр. 682
التحايل على الأنظمة
سؤال: إذا كان هناك شخص اشترى عقدًا للعمل بغير اسمه، واستخرج جواز سفر بهذا الاسم المستعار، ويريد الحج به، فهل يصح هذا الحج أم لا؟ وما الحكم الشرعي في هذا العمل الذي هو احتيال على أنظمة الدولة، ومخالفة لها؟ وما حكم الكسب الذي يكسبه بهذا الأسلوب؟
الجواب: المفروض في المسلم الصدق في المعاملة والتزام الأمانة، وأن لا يكون مخادعًا أو محتالًا، لا سيما على الأنظمة التي فيها مصالح للناس، وتنظيم لأمور الناس، فلا يجوز للإنسان أن يحتال عليها، وأن يلبس على المسؤولين، وأن يخالف الأنظمة، وأن يكذب، ففي هذا عدة محاذير.
والاكتساب الذي يحصل من هذا الطريق اكتساب غير شريف، فعلى المسلم أن يصدق ويتعامل بالصدق ويتحرى الصدق دائمًا وأبدًا، والله يرزقه ويعينه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣] .
أما قضية أنك بهذا الاحتيال أديت الحج، واكتسبت مالًا، فالحج صحيح في حد ذاته إذا استكملت أحكامه، وأديت ما أوجب الله تعالى فيه ولكن عملك واحتيالك تعاقب عليه، فعليك أن تتوب إلى الله عن مثل هذا العمل.
وكذلك الكسب إذا لم يكن فيه معاملة محرمة ولا غش ولا ربا، وكان كسبًا شريفًا، فهو كسب حلال، ولكن الطريق الذي ارتكبته والاحتيال الذي احتلته للوصول إلى ذلك، هذا شيء لا يجوز وتأثم عليه، والله تعالى أعلم.
стр. 683
دخول الحمام بالحلي المكتوب عليها اسم الله تعالى
سؤال: بعض أنواع الحلي الذهبية التي يتزين بها النساء مكتوب عليها أسماء الله، فهل يجوز دخول الحمام بها عند الوضوء أم لا؟
الجواب: يحرم دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله ، ومن ذلك الحلي إذا كان مكتوبًا عليه اسم الله ، فإنه لا يجوز لها أن تدخل به الخلاء، تخلعه وتدخل الخلاء.
***
التبول واقفًا
سؤال: هل يجوز للإنسان أن يتبول وهو واقف، ما حكم هذا جزاكم الله خيرًا؟
الجواب: يكره التبول من الإنسان وهو واقف، إلا لحاجة، كأن يكون به مرض، ولا يستطيع القعود، فلا بأس أن يتبول وهو واقف، أو كان المكان متسخًا ونجسًا فإذا جلس تلوث به، كونه محل نجاسات، أو لكونه فيه وحل وطين، فيتلوث الإنسان إذا جلس، فلا مانع أن يتبول وهو واقف لعذر، أما من غير عذر فإنه يكره له أن يتبول وهو واقف، لأن ذلك قد يكون سببًا في إصابته بالنجاسة وتطاير البول إليه، والله تعالى أعلم.
***
الاعتداء على الكافر في بلاد المسلمين
سؤال: ما حكم الاعتداء على الكافر في بلاد المسلمين بالضرب أو القتل، وإن كان ذلك بسبب ما يقوم به من إفساد أو فسق؟
стр. 684
الجواب: لا يجوز الاعتداء على الكافر إذا كان قد دخل بلاد المسلمين بعقد الأمان، لأنه في ذمة المسلمين، ولا يجوز غدر ذمة المسلمين، ولا يجوز الاعتداء عليه ما دام داخلًا بلاد المسلمين بأمان ونظام معروف، لأن الله أمرنا بالوفاء بالعهود، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] .
وأما إذا ارتكب شيئًا يقتضي العقوبة، فإن الذي يتولى ذلك هو ولي الأمر، لا يجوز لأفراد الناس أن يعاقبوه، لأن هذا يحصل منه الفوضى والاعتداء، ولكن من حصل منه شيء يخل بدين المسلمين، أو يضر بالمسلمين، فإنه يرفع إلى ولي الأمر ليتولى هو مجازاة هذا المعتدي.
***
العمل في الكنائس وأخذ الأجرة على ذلك
سؤال: حصل واشتغلت في إحدى الكنائس بأجر يومي، فما حكم هذا الأجر الذي أخذته هل هو حلال أم حرام؟ أفيدوني في ذلك جزاكم الله كل خير.
الجواب: لا يجوز للمسلم أن يعمل في أماكن الشرك وعبادة غير الله من الكنائس أو الأضرحة، أو غير ذلك لأنه بذلك يكون مقرًّا للباطل ومعينًا لأصحابه عليه، وعمله محرم فلا يجوز له أن يتولى هذا العمل، وما أخذه من الأجر في مقابل هذا العمل كسب محرم، فعليه التوبة إلى الله .
ولو تصدق بهذا المبلغ الذي حصل عليه لكان أبرأ لذمته ويكون دليلًا على صحة ندمه وتوبته.
стр. 685
فالحاصل: أن المسلم لا يجوز له أن يكون معينًا لأهل الباطل، ولا يكون أجيرًا في أماكن الشرك ومواطن الوثنية كالكنائس والأضرحة وغير ذلك من أعمال الكفار والمشركين، لأنه بذلك يكون عونًا لهم على الباطل، ومقرًّا لهم على المنكر، ويكون كسبه حرامًا والعياذ بالله.
***
التأخر عن أداء العمل
سؤال: إنني أعمل في مصلحة البريد، ومواعيد عملي من الساعة التاسعة صباحًا إلى الواحدة ظهرًا، ومن الخامسة والنصف إلى السادسة والنصف، ولكنني لا أستطيع العمل ساعة المساء، وذلك لبعد مكاني عن المكتب ولي أعمال أخرى أزاولها في المساء، لذلك لا أحضر للمكتب في المساء، وعلى علم من المسؤول، ولا أعلم هل هو راض عني أم لا؟ فهل يصح ذلك مع أخذ أجري كاملًا؟ أفيدونا أفادكم الله.
الجواب: من المعلوم أن الموظف والمستأجر لأداء عمل من الأعمال يجب عليه أداء ذلك العمل بالوفاء والتمام، ولا يستحق الأجرة إلا بأداء العمل الذي استؤجر من أجله.
فما ذكره السائل من أنه يتأخر عن أداء العمل، ويفوت بعض الوقت لأشغاله الخاصة هذا أمر لا يجوز له، وما يأخذه من المرتب في مقابل هذا الوقت الذي لم يعمل فيه، لا يحل له، وهو كسب حرام لأنه أخذه بغير حق، حتى وإن سامحه المسؤول المباشر، أو المدير المباشر ما دام النظام العام لا يسمح له بذلك، فإن ذلك لا يسوغ له التأخير عن العمل، لأن عمله في هذه الفترة قد استحق، واستغرق للوظيفة، فلا يجوز له أن يتأخر من غير عذر شرعي يبيح له ذلك.
стр. 686
والسائل ذكر أنه يكون مشغولًا ببعض أعماله الخاصة، وأنه يفوت بعض الوقت فيها، فهذا أمر لا يجوز ومن أنيط به عمل وجب عليه أن يفرغ نفسه له، وأن يؤديه على الوجه الأكمل حتى يكون كسبه حلالًا، ويكون ما يأخذه من الأجر أو من الراتب، يكون أخذه باستحقاق وبإباحة من الشارع.
***
ترك العمل السيئ
سؤال: إذا نوى شخص أن يعمل سوءًا ولم يفعله، فهل تكتب عليه سيئة أم لا؟
الجواب: ورد في الحديث أن المسلم إذا هم بالسيئة ولم يعملها أنها تكتب له حسنة، وهذا إذا عدل عن فعلها خوفًا من الله تعالى، أما إذا ترك العمل بها، لأنه لم يتمكن من فعلها وهو ينوي أنه لو تمكن أن يفعلها، فهذا يخشى عليه من الإثم، بسبب نيته.
فإذا هم بالسيئة ولم يعملها خوفًا من الله ، وكراهة لهذه السيئة، وعدولًا عنها، فهذا يؤجر على هذا وتكتب له حسنة، كما في الحديث عن النبي ﷺ .
***
هجر المسلم
سؤال: هل من إثم على شخص ما في حالة قطيعته لأخيه في الله لسبب دنيوي؟
стр. 687
الجواب: لا يجوز الهجر فوق ثلاثة أيام إذا كان لأمر دنيوي، لقوله ﷺ : «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» ، فالواجب على المسلمين التواصل والمحبة في الله وأن لا ينساقوا وراء النزعات والنزغات الشيطانية وأن لا يتقاطعوا لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] ، خصوصًا إذا كان المؤمن ذا قرابة، فإنه يجب له أيضًا حق القرابة والصلة، فإذا كان سوء التفاهم على أمر دنيوي فلا ينبغي أن يسبب التهاجر بينهما، بل يجب على المسلم أن يصالح أخاه وأن يزيل التهاجر الذي بينهما، وخيرهما الذي يبدأ بذلك.
أما إذا كان الهجر لأمر ديني، بأن يكون هذا الإنسان قد ارتكب محرمًا، أو ترك واجبًا، ونصحه ولم يمتثل، حينئذ يهجره هجرًا مستمرًّا، إلى أن يتوب إلى الله .
أما إذا كان الهجر من أجل الدنيا، فهذا لا يجوز، وإذا وقع لا يزيد عن ثلاثة أيام.
***
سؤال: يقول الرسول ﷺ : «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» ، أو كما قال الرسول ﷺ ، فإذا كان هذا الشخص الذي خاصمته لا يصلي ولا يصوم
стр. 688
ويفعل المنكرات، فهل يعتبر خصامي له حرامًا، أم ما هو المقصود من هذا الحديث؟
الجواب: هجر المؤمن لا يجوز فوق ثلاثة أيام إذا كان على أمر من أمور الدنيا بل عليه أن يصالح أخاه وأن يسلم عليه إذا لقيه، ومع أنه لا ينبغي ابتداءً أن يهجر على أمر من أمور الدنيا، ولكن لو حصل شيء من الهجر فإنه لا يتجاوز ثلاثة أيام، هذا هو المراد بالحديث: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» ، يعني إذا كان الهجر على أمر من أمور الدنيا.
أما إذا كان الهجر لأجل معصية ارتكبها ذلك المهجور، وكانت هذه المعصية من كبائر الذنوب ولم يتركها فإنه يجب مناصحته، وتخويفه بالله ، وإذا لم يمتنع عن فعل المعصية، ولم يتب، فإنه يهجر، لأن في الهجر تعزيرًا له وردعًا له، لعله يتوب، إلا إذا كان في هجره محذور بأن يخشى أن يزيد المعصية، وأن يترتب على الهجر مفسدة أكبر، فإنه لا يجوز هجره في هذه الحالة، فهجر العاصي إنما يجوز إذا كان من ورائه مصلحة، ولا يترتب عليه مضرة أكبر وبالله التوفيق.
***
قتل الخطأ
سؤال: علمت أن كفارة القتل الخطأ هي: صيام شهرين متتابعين، وأنا منذ حوالي عامين صدمت أحد المشاة بسيارتي وقد مات هذا الشخص
стр. 689
متأثرًا بتلك الصدمة، وقد تم بيني وبين أهل القتيل الصلح، بدفع نصف الدية وقد دفعتها في حينها، وسؤالي: هل علي أن أصوم شهرين بعد أن دفع الدية أم لا؟ وهل يجوز أن أؤخر صيامهما حتى تتاح لي الفرصة، خاصة وأنني الآن كثير المشاغل؟ وإذا لم أستطع الصيام فماذا أفعل؟ أفيدونا مشكورين.
الجواب: لا شك أن القاتل خطأ تلزمه الدية والكفارة، تلزم الدية في قتله على عاقلة القاتل، وتلزم الكفارة في ذمة القاتل، قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢] ، فأوجب سبحانه في ال قتل الخطأ شيئين:
الأول: الدية، وهذه تكون على عاقلة القاتل خطأ.
ثانيًا: الكفارة وهذه تكون على القاتل.
والكفارة تتكون من خصلتين الأولى عتق الرقبة إذا وجد رقبة واستطاع إعتاقها ولا يجزيه غيرها، فإن لم يجد رقبة، أو كانت الرقبة موجودة، ولكنه لا يستطيع اقتصاديًّا إعتاقها فإنه يصوم شهرين متتابعين، وليس هناك شيء ثالث في هذه الكفارة، إنما هي الإعتاق، فمن لم يستطع الإعتاق، فإنه يصوم شهرين، فيلزمك صيام شهرين متتابعين، وقد استقر في ذمتك ويجب عليك المبادرة بأدائهما مهما أمكنك ذلك، ومهما واتت الظروف، وحتى وأنت في العمل، العمل لا يمنع من الصيام، تصوم وأنت تعمل، ولا يمنع هذا من الصيام، لأن تأخير هذا الواجب في ذمتك يخشى أن
стр. 690
يعرض لك عوارض، فتبقي هذه الكفارة في ذمتك، وتثقل كاهلك، والواجب عليك الإسراع في تفريغ ذمتك وإبرائها من هذا الواجب العظيم.
***
التعزير
سؤال: ما هو التعزير، فكثيرًا ما أسمع هذه الكلمة وأجهل معناها؟
الجواب: التعزير لغة: التأديب. وشرعًا: هو التأديب في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة.
والتعزير حسب اجتهاد القاضي، فيعزر العاصي أو المذنب حسب ما يراه كافيًا؛ كالزجر أو التعنيف أو الكلام أو الضرب، أو السجن، أو غير ذلك مما يراه القاضي رادعًا عن هذه المعصية.
***
التوبة الصادقة
سؤال: يقول السائل: إنه كان يرتكب كبيرة من الكبائر التي تستوجب حدًّا شرعيًّا على فاعلها، ولكنه عزم على التوبة الصادقة، وندم على ما مضى، وعزم على الحج، فيسأل هل يلزمه أن يسلم نفسه للقضاء الشرعي ليقام عليه الحد، أم تكفي توبته الصادقة ويستره الله في الدنيا والآخرة، فما رأيكم بهذا حفظكم الله؟
الجواب: يجب عليه أن يتوب إلى الله توبة صادقة، وأن يلتزم بدينه فيؤدي ما أوجب الله عليه من العبادة، والواجبات الشرعية، ويتجنب ما حرم الله تعالى من المحرمات، وأن يصدق في
стр. 691
هذه التوبة، والله يتوب على من تاب، ولا يتعين عليه أن يسلم نفسه إلى السلطة لإقامة الحد عليه، فتكفي توبته إذا صدقت وصلحت واستقام على دين الله، وآمن عمل صالحًا في مستقبل حياته، فإنه إن شاء الله يكفيه هذا ولا يلزمه، بل ولا يستحسن أن يسلم نفسه، أو أن يذهب إلى السلطة ليعترف بما وقع له من الذنب، فليستتر بستر الله مع التوبة الصادقة والعمل الصالح.
***
الوتر في الأعمال
سؤال: رأيت شخصًا يعمل غالب الأعمال التي لها عدد بعدد الوتر، ويقول: إن ذلك من السنة فهذا أفضل من الشفع، فهل لهذا أصل في السنة المطهرة؟
الجواب: ليس لهذا أصل في السنة المطهرة، ولا في الشرع، لأن العبادات منها ما هو شفع، ومنها ما هو وتر، فمثلاً: صلاة الفجر شفع. وصلاة العشاء وصلاة الظهر والعصر كلها شفع، وصلاة المغرب وتر، وكذلك الوتر الذي بعد صلاة العشاء، الذي هو من آكد النوافل، هذا وتر، فالعبادات منها ما هو شفع، ومنها ما هو وتر، والإنسان يؤدي كل عبادة حسب ما شرعها الله ، إن كانت شفعًا يؤديها شفعًا، وإن كانت وترًا يؤديها وترًا.
سؤال: هناك من يفضل عدد الوتر بأعماله ويقول: إن ذلك من السنة فهل ورد في ذلك استحباب؟
стр. 692
الجواب: هذا لم يرد فيه استحباب، وإنما يوجد بعض الأعمال تؤدى وترًا مثل: الاستجمار، بثلاثة أحجار، أو ثلاث مسحات، وأكل التمرات في الإفطار ثلاث تمرات وترًا، فمثل هذا نعم، وردت به السنة «إن الله وتر يحب الوتر» ، والنبي ﷺ كان يوتر ببعض الأشياء، فما ورد في السنة، بأنه يستعمل وترًا فينبغي أن يعمل وترًا.
***
مصلحة الضمان
سؤال: كنت أدرس في المدرسة ثم انقطعت عن الدراسة، وكان لي راتب من مصلحة الضمان الاجتماعي، وكانوا لا يصرفونه لي حتى أحضر ورقة من المدرسة تثبت استمراري في الدراسة فيها، فكان خالي كلما طلبوني يذهب إلى المدرسة ويحضرها، ثم يصرفون لي ما أستحق، فهل ما آخذه حلال أم حرام، وهل ما آخذه من الضمان عليه زكاة أم لا؟
الجواب: إذا كانت هذه الدراهم التي تصرف من الضمان الإجتماعي مكافأة على الدراسة، فإنه لا يحل لك أخذها إلا إذا كنت تدرسين بالفعل، أما إذا انقطعت عن الدراسة فإنه لا يحل لك أخذ شيء منها، لأنه يكون أخذًا بغير مبرر، ولا يجوز للمدرسة أن تعطيك إفادة وإثباتًا أنك تدرسين وليس الأمر كذلك، لأن هذا يعتبر من الكذب والاحتيال الذي لا يجوز، وكذلك ما ذكرت من أنه إذا اجتمع لديك دراهم من هذا القبيل فهل فيها زكاة؟
стр. 693
أولًا: المال لا يحل لك إذا كان على الصفة التي ذكرنا من الاحتيال والكذب، ولا تملكينه لذلك فالواجب إرجاعه إلى مصدره والتخلص منه.
أما إذا كنت أخذتيه بحقه، بأن كنت تدرسين ومواصلة للدراسة وتجمع لديك شيء من الدراهم، وبلغت النصاب وهو ست وخمسون ريالًا من الفضة بالريال السعودي، أو ما يعادلها من الورق النقدي، أو كانت أكثر من ذلك وحال عليها الحول، فإنه تجب فيها الزكاة، وهو ربع العشر، أي: اثنان ونصف في المائة، والله تعالى أعلم.
سؤال: لو كان ما يصرف لها من الضمان الاجتماعي ليس من الشرط فيه أن تكون تدرس ولكن تؤخذ هذه الورقة كعنوان لها، أو تعريف بشخصيتها؟
الجواب: إذا كانت تصرف لها من الضمان الاجتماعي لأنها فقيرة ومحتاجة، فلا مانع من ذلك لكنها ذكرت أنها تدرس، وأنه لا يصرف لها حتى يؤتى بإفادة من المدرسة، فمعنى هذا أنها تأخذها مكافأة على الدراسة، إذا كان كذلك فلا يجوز، أما إذا كانت تصرف لها من باب المساعدة للمحتاج والفقير، من باب مثلًا الضمان الذي يصرف للأيتام، وللقصر وللأرامل وما أشبه ذلك، فهذا ملكها، وإذا تم عليه الحول وبلغ النصاب تزكيه.
***
стр. 694
الشك والظن لا يعتبر قذفًا
سؤال: ما الحكم فيمن يشك في براءة زوجته من خيانته، هل يطبق عليه حكم القتل، وإن كان قد تأكد من براءتها، وندم على سوء ظنه بها، فماذا عليه أن يفعل؟
الجواب: مجرد الشك والوسواس من غير أن يتلفظ الإنسان بشيء، هذا لا يسمى قذفًا، ولكن على الإنسان أن يبعد عن نفسه الشكوك والوساوس، وأن يستعيذ بالله من الشيطان والأصل في المسلمة العدالة، والأصل في المسلمة الأمانة. فمجرد الشكوك، والأوهام والوساوس، هذه من الشيطان، فعليه أن يستعيذ بالله من ذلك، ولا يعتبر هذا قذفًا، إنما القذف لو تلفظ ورماها بالزنى صريحًا، فهذا هو القذف، أما مجرد الشكوك والوساوس، فهذه عليه أن يتركها وأن يرفضها، وأن يستعيذ بالله منها.
***
مختل العقل يسقط عنه التكليف
سؤال: والدتي رحمها الله مرضت قبل وفاتها مرضًا شديدًا، إثر سقوطها على رأسها سقوطًا شديدًا، أدى إلى إصابتها باختلال عقلي لمدة سنة كاملة، ولذا لم تستطع أداء فريضتي الصيام والصلاة، فأرجو إفادتي هل يجب علي أن أقوم بالقضاء عنها أو الكفارة أو أي عمل آخر، ترشدونني إليه حفظكم الله وسدد خطاكم.
الجواب: إذا كانت بالصفة التي ذكر السائل، بأنها مختلة العقل،
стр. 695
وتركت الصيام لأنها مختلة العقل والشعور بسبب الإصابة، فهذه لا صيام عليها، ولا تكليف عليها، لأنها زائلة العقل والتكليف، والعبادة إنما تجب على العاقل البالغ فلا صيام على هذه المصابة التي ماتت بإصابتها وهي مختلة العقل، وزائلة الشعور.
أما إذا كان معها عقلها، وكان معها شعورها، ولكنها أثرت عليها الإصابة حتى ماتت فإن الصيام لا يسقط عنها، فإذا كانت لها تركة، فإنه يؤخذ من تركتها كفارة، إطعام مسكين عن كل يوم من الأيام التي تركتها، وإن تبرع أحد من أقاربها وأطعم عنها أو صام عنها، فإنه يرجى أن ينفعها ذلك.
هذا إذا كانت غير زائلة العقل في المدة التي تركت فيها الصيام، أما إذا كانت مختلة العقل وزائلة العقل فليس عليها صيام والله أعلم.
***