Полный текст (618 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وقد أرشدنا الله إلى ذلك في كثير من الآيات.
منها قوله -تعالى-: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون﴾.
وهذه الآية، وإن سيقت للاستدلال على توحيد الألوهية الذي تقدم قبلها في قوله تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾. إلا أنها تدل دلالة قاطعة على توحيد الربوبية، فإن استحقاقه -تعالى- للعبادة، واختصاصه بها فرع عن وجوده، وانفراده بالخلق، والتدبير، والتصريف، والتقدير.
ومنها قوله -تعالى-: ﴿أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون﴾.
فهذه الآيات، وإن ذكرت لتنزيه الله -تعالى- وتقديسه عما ظنه به منكرو البعث، وسيقت لإثبات قدرته على المعاد. كما يرشد إليه ما قبلها من الآيات، فهي دليل -أيضا- على وجوب وجوده -تعالى - لاستناد ما ذكر في الآيات من المخلوقات إليه. وحدوثه، ولا يعقل ذلك إلا إذا كان واجب الوجود.
فمن نظر إلى ما ترشد هذه الآيات، ونحوها من سنن الله في العالم نظرا ثاقبا، وفكر في عجائب خلقها، وحسن تنسيقها، وشدة أسرها تفكيرا عميقا،
стр. 142
وبحث في أحكامها، وبديع صنعها بحثا بريئا من الهوى، والحمية الجاهلية، وأنصف مناظره من نفسه، فلم يمنعه من فهم ما عرض عليه من الحق، والإذعان له كبر يرديه، ولا عناد يطغيه، اتضح له طريق الهدى.
واضطره ذلك أن يستيقن النتيجة، ويؤمن من أعماق قلبه، بأن للعالم ربا خلاقا فاعلا مختارا حكيما في تقديره، وتدبيره أحاط بكل شيء علما، وهو على كل شيء قدير.
ومع قيام الدليل، ووضوح السبيل، تعامى فرعون موسى عن الحق، وتجاهل ما استيقنته نفسه، وأنكر بلسانه ما شهدت به الفطرة، ودل عليه العقل من وجود واجب الوجود، فأقام موسى عليه الحجة، بدلالة الأثر على المؤثر، والصنعة على الصانع، ووجود العالم، وعظم خلقه على وجود الخالق، وعظيم قدرته، وسعة علمه، وكمال حكمته، فغلبه بحجته.
وذلك بين واضح فيما حكاه الله عنهما من الحوار، والسؤال، والجواب:
قال -تعالى-: ﴿قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين﴾.
فانظر كيف وقف موسى موقف من يصدع بالحق، ويقيم عليه البرهان؟
وكيف وقف فرعون من موسى موقف السفهاء، لا يملك إلا الشتم، والسباب، والسخرية، والاستهزاء، والتهديد بأليم العذاب؟!!.
وقال -تعالى-: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك ياموسى مسحورا قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يافرعون مثبورا﴾.
стр. 143
وقال -تعالى-: ﴿فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين﴾.
وإن فرعون حينما أخذته الحجة، وانتصر عليه موسى، لم يبق بيده سلاح إلا التمويه على قومه، وإنذار موسى، ومن آمن به أن يذلهم، ويذيقهم العذاب الأليم.
وأنى له ذلك! والله من ورائهم محيط؟! وقد كتب على نفسه أن يجعل العاقبة للمتقين.
وقال -تعالى-: ﴿فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا﴾.
وقد ورث ذلك الزيغ، والإلحاد أناس ظهروا في عصور متعاقبة بأسماء مختلفة، واشتهروا بألقاب متنوعة.
فتارة يسمون بالدهريين: وأخرى برجال الحقيقة، ووحدة الوجود.
وأحيانا بالشيوعيين، وأخرى بالوجوديين. (اللقب الجديد) وآونة بالبهائيين.
إلى غير ذلك من العبارات التي اختلفت حروفها ومبانيها، وائتلفت مقاصدها، واتحدت معانيها، فكلها ترمي إلى غرض واحد، وتدور حول محور واحد، هو أنه ليس للعالم رب يخلق ويدبر، وليس له إله يعبد ويقصد.
وبما تقدم من دليل حاجة الممكن إلى موجد، ودليل وجوب وجوده -تعالى- يظهر لك فساد مذهبهم، وخروجه عن مقتضى النظر، وموجب العقل، وما
стр. 144
يصدق ذلك، ويؤيده من أدلة السمع.
فإن زعم زاعم منهم بعد ذلك أن وجود العالم وليد الصدفة والاتفاق.
أو أنه نشأت أطواره عن تفاعل بين عناصر المادة، فتفرقت إلى وحدات بعد اجتماع، أو اجتمعت، وائتلفت بعد تفرق، واختلاف.
وصار لتلك الوحدات، أو المركبات من الخواص ما لم يكن لها قبل هذا التفاعل، وبذلك تجددت الظواهر، وحدث ما نشاهده من تغيير، وآثار مع جريانها على سنة لا تتبدل، وناموس لا يختلف، ولا يتغير.
قيل له: من الذي أودع تلك المادة طبيعتها، وأكسبها خواصها، فإنها إن كانت لها من ذاتها، ومقتضى حقيقتها لم تقبل التغير والزوال؛ لأن ما بالذات لا يتخلف ولا يزول، وقد رأيناها تتبدل، فلا بد لها من واهب يهبها، وفاعل مختار حكيم عليم يدبرها، ويضعها في محالها، وليس ذلك من المادة وحدها، ولا خواصها، أو طبيعتها القائمة بها، فإنها ليس لها من سعة العلم، وكمال الحكمة، وشمول المشيئة، وعظيم القدرة ما ينتظم معه الكون على ما نشاهد من إحكام تبهر العقول دقته وجماله، ومن إبداع يأخذ بمجامع القلوب ما فيه من شدة الأسر، وقوة الربط بين وحداته، كمال التناسب، والتكافؤ بين أجزائه، وقيام كل من الآخر مقام الخادم من سيده، والراعي من رعيته.
ألا إن الطبيعة صماء لا تسمع، بكماء لا تنطق، عمياء لا تبصر، جاهلة لا تعلم، مسخرة لمن أودعها المادة، خاضعة لتصريفه وتقديره، سائرة على ما رسم لها من سنن لا تعدوها، ونواميس لا تخرج عنها، فأنى يكون لها خلق وإبداع أو إليها تنظيم وتدبير أو منها وحي وتشريع؟! إنما ذلك إلى الله وحده -تعالى الله عما يقول الملحدون-: ﴿نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا﴾.
стр. 145
﴿تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير﴾.
ولا يعيب الحق بعد ذلك أن يتنكب طريقه من مسخت فطرته، واتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علم، وختم على سمعه، وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، ولا يضير الدعاة إلى الحق أن عدل عن طريقه المستقيم من انحراف مزاجه، أو غلبته شهوته، فخشي أن تحد الشريعة من نزعاته الخبيثة، وتحول دون وصوله إلى نزواته الدنيئة، أو أطغاه كبره وسلطانه، وخاف أن تذهب الشريعة بزعامته الكاذبة، وسلطانه الجائر، فوقف في سبيلها، ولج في خصامها بغيا وعدوانا. فإن الله ناصر دينه، ومؤيد رسله، وأولياءه.
﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾.
﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾.
﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾.
стр. 146
المسألة الرابعة في أنواع التوحيد
أنواع التوحيد ثلاثة:
١ - توحيد الربوبية.
٢ - توحيد الأسماء والصفات. ويقال له أيضا: توحيد الخبر، وتوحيد المعرفة والإثبات.
٣ - توحيد العبادة ويسمى -أيضا-: توحيد الإلهية، وتوحيد الإرادة والقصد، وتوحيد الطلب.
توحيد الربوبية
أما توحيد الربوبية: فهو توحيد الله -تعالى- بأفعاله. والإقرار بأنه خالق كل شيء ومليكه، وإليه يرجع الأمر كله في التصريف والتدبير.
فهو الذي يحيي ويميت، وهو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وهو الذي يرسل الرسل، ويشرع الشرائع، ليحق الحق بكلماته، ويقيم العدل بين عباده شرعا وقدرا إلى غير ذلك مما لا يحصيه العد، ولا تحط به العبارة. وهذا النوع من التوحيد قد أقرت به الفطرة، وقام عليه دليل السمع والعقل، ولم يعرف عن طائفة بعينها القول بوجود خالقين متكافئين في الصفات والأفعال.
ومن نقل عنهم من طوائف المشركين نسبة شيء من الآثار والحوادث لغير الله، كقوم هود، حيث قالوا فيما حكاه الله عنهم:
﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾. فإن ما نسبوه إلى آلهتهم إنما كان
стр. 147
لزعمهم أنها وثيقة الصلة بالله، وأنها شفيعة لمن عبدها، وتقرب إليها بالقرابين عند الله، في جلب النفع له، ودفع الضرر عنه.
ومن أجل هذه الشائبة من الشرك في الربوبية نبه الله على بطلانه، وأنكر على من زعمه، فقال -تعالى-: ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون﴾.
فبين -سبحانه- أنه لو كان معه إله يشركه في استحقاقه العبادة لكان له خلق، وملك، وقهر، وتدبير. إذ لا يستحق العبادة إلا من كان كذلك، ليرجى خيره ونفعه، فيطاع أمره، وينفذ قصده، ويخشى بأسه وبطشه. فلا يعتدى على حدوده، ولا ينتهك حماه، ولو كان له خلق، وتدبير، وملك، وتقدير لعلا على شريكه، وقهره إن قوي على ذلك؛ ليكون له الأمر وحده، ولذهب بخلقه، وتفرد بملكه دون شريكه إن لم يكن لديه القوة والجبروت ما يفرض به سلطانه على الجميع. فإن من صفات الرب -تعالى- كمال العلو، والكبرياء، والقهر، والجبروت، وفي معنى هذه الآية قوله -تعالى-: ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا﴾.
إذا كان المعنى المراد لاتخذوا سبيلا إلى مغالبته، وقيل: المعنى لاتخذوا سبيلا إلى عبادته، وتأليهه، والقيام بواجب حقه وابتغوا إلى رضاه سبيلا، كما قال -تعالى-: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا﴾.
стр. 148
وقد استخلص بعض العلماء من ذلك دليلا سموه: دليل التمانع، استدلوا به على توحيد الربوبية. قالوا: لو أمكن أن يكون هناك ربان يخلقان ويدبران أمر العالم لأمكن أن يختلفا بأن يريد أحدهما وجود شيء، ويريد الآخر عدمه، أو يريد أحدهما حركة شيء، ويريد الآخر سكونه، وعند ذلك إما أن يحصل مراد كل منهما، وهو محال؛ لما يلزمه من اجتماع النقيضين، وإما أن يحصل مراد واحد منهما دون الآخر فيكون الذي نفذ مراده دون الآخر لعجزه، والعاجز لا يصلح أن يكون ربا.
стр. 149
توحيد الأسماء والصفات
وأما توحيد الأسماء والصفات: فهو أن يسمى الله ويوصف، بما سمى ووصف به نفسه، أو سماه، ووصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تأويل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل.
ومن تبصر في العالم، وعرف شئونه وأحواله تبين له كمال تعلقه خلقا وأمرا بأسماء الله الحسنى، وصفاته العليا، وارتباطه بها أتم ارتباط، وظهر له أن الوجود كله آيات بينات، وشواهد واضحات على أسماء الله، وصفاته.
وقد ذكر (ابن القيم) في: "مدارج السالكين" طريقين لإثبات الصفات:
الإحسان، والنفع، ووصول المنافع العظيمة إلى المخلوق يدل على رحمة خالقه، وإحسانه، ووجوده، وما فيه من آثار الكمال يدل على أن خالفه أكمل منه، فمعطي الكمال أحق بالكمال.
وخالق الأسماع، والأبصار، والنطق أحق أن يكون سميعا بصيرا متكلما.
وخالق الحياة، والعلوم، والقدر، والإرادات أحق بأن يكون هو كذلك في نفسه، فما في المخلوقات من أنواع التخصيصات هو من أدل شيء على إرادة الرب -سبحانه- ومشيئته، وحكمته التي اقتضت التخصيص، وحصول الإجابة عقيب سؤال الطالب على الوجه المطلوب دليل على علم الرب تعالى بالجزئيات، وعلى سمعه لسؤال عبيده، وعلى قدرته على قضاء حوائجهم، وعلى رأفته ورحمته بهم، والإحسان إلى المطيعين، والتقرب إليهم، والإكرام لهم، وإعلاء درجاتهم يدل على محبته ورضاه. وعقوبته للعصاة، والظلمة، وأعداء رسله بأنواع العقوبات المشهودة تدل على صفة الغضب. والسخط، والإبعاد والطرد، والإقصاء يدل على المقت، والبغض.
стр. 150
فهذه الدلالات من جنس واحد عند التأمل، ولهذا دعا -سبحانه- عباده إلى الاستدال بذلك على صفاته، فهو يثبت العلم بربوبيته، ووحدانيته، وصفات كماله بآثار صنعته المشهودة، والقرآن مملوء، فيظهر شاهد اسم الخالق من المخلوق نفسه، وشاهد اسم الرازق من وجود الرزق، والمرزوق، وشاهد اسم الرحيم من شهود الرحمة المبثوثة في العالم، واسم المعطي من وجود العطاء الذي هو مدرار لا ينقطع لحظة، واسم الحليم من حلمه على الجناة، والعصاة، وعدم معاجلتهم بالجزاء، واسم الغفور، والتواب من مغفرة الذنوب، وقبول التوبة، ويظهر اسم الحكيم من العلم بما في خلقه، وأمره من الحكم، والمصالح، ووجود المنافع.
وهكذا كل اسم من أسمائه الحسنى له شاهد في خلقه وأمره. يعرفه من عرفه، ويجهله من جهله. فالخلق، والأمر من أعظم شواهد أسمائه وصفاته. وكل سليم العقل، والفطرة يعرف قدرة الصانع، وحذقه على غيره، وتفرده بكمال لم يشاركه فيه غيره من مشاهدة صنعته فكيف لا تعرف صفات من هذا العالم العلوي والسفلي، وهذه المخلوقات من بعض صنعه، وإذا اعتبرت المخلوقات، والمأمورات وجدتها بأسرها كلها دالة على النعوت، والصفات، وحقائق الأسماء الحسنى، وعلمت أن المعطلة من أعظم الناس عمى، ومكابرة، ويكفي ظهور شاهد الصنع فيك خاصة، كما قال -تعالى-: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾.
فالموجودات بأسرها شواهد صفات الرب ﷻ ونعوته، وأسمائه، هي كلها تشير إلى الأسماء الحسنى، وحقائقها، وتنادي بها وتدل عليها، وتخبر بها بلسان النطق والحال كما قيل:
стр. 151
تأمل سطور الكائنات فإنها … من الملك الأعلى إليك رسائل
وقد خط فيها لو تأملتها … ألا كل شيء ما خلا الله باطل
تشير بإثبات الصفات لربها … فصامتها يهدي ومن هو قائل
فلست ترى شيئا أدل على شيء من دلالة المخلوقات على صفات خالقها ونعوت كماله، وحقائق أسمائه، وقد تنوعت أدلتها بحسب تنوعها فهي تدل عقلا، وحسا، وفطرة، واعتبارا. ا. هـ.
стр. 152
توحيد الإلهية
وأما توحيد الإلهية: فهو إفراد الله بالعبادة: قولا، وقصدا، وفعلا، فلا ينذر إلا له، ولا تقرب القرابين إلا إليه، ولا يدعى في السراء والضراء إلا إياه، ولا يستغاث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، إلى غير ذلك من أنواع العبادة.
وهذا النوع هو الذي من أجله بعثت به الرسل، وأنزلت به الكتب، وبدأ به كل رسول دعوته، ووقعت فيه الخصومة بينه وبين أمته.
وهو الذي من أجله شرع الجهاد، وقامت الحرب على ساقها بين الموحدين والمشركين.
والطريق الفطري لإثبات توحيد الإلهية الاستدلال عليه بتوحيد الربوبية. فإن قلب الإنسان يتعلق أولا بمصدر خلقه، ومنشأ نفعه وضره، ثم ينتقل بعد ذلك إلى الوسائل التي تقربه إليه، وترضيه عنه، وتوثق الصلات بينه وبينه، فتوحيد الربوبية باب لتوحيد الإلهية.
من أجل ذلك احتج على المشركين، وأرشدهم رسوله إلى هذه الطريقة، وأمره أن يدعو به قومه، قال -تعالى-:
﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون﴾.
فقد استدل بتفرده بالربوبية، وكمال التصرف، وحمايته ما يريد أن يحميه على استحقاقه وحده للعبادة، ووجوب إفراده بالإلهية قال -تعالى-:
стр. 153
﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ فأخبر بأن البعث استدل -سبحانه- على قدرته على البعث، وتفرده باستحقاقه بآياته الكونية، فقال تعالى: ﴿خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون﴾.
إلى قوله -تعالى-: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم والله يعلم ما تسرون وما تعلنون والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون﴾.
وقال -تعالى-: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾ إلى أن قال: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ فجعل -سبحانه- تفرده بالربوبية خلقا للحاضرين والسابقين، وتمهيده الأرض، ورفعه السماء بغير عمد يروها، وإنزاله الأمطار ليحيي بها الأرض بعد موتها، ويخرج بها رزقا لعباده بابا إلى توحيد الإلهية وآية بينة على استحقاقه وحده العبادة، وقال -تعالى-:
﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار﴾ إلى أن قال: ﴿فما لكم كيف تحكمون﴾.
فقررهم -سبحانه- بما لا يسعهم إنكاره، ولا مخلص لهم من الاعتراف به من تفرده بالرزق، والملك، والتدبير، والإحياء، والإماتة، والبدء، والإعادة
стр. 154
والإرشاد، والهداية ليقيم به عليهم الحجة في وجوب تقواه دون سواه.
وينكر عليهم حكمهم الخاطئ، وشركهم الفاضح، وعكوفهم على من لا يملك لهم ضرا ولا نفعا، ولا حياة ولا نشورا، قال تعالى:
﴿قل الحمد لله وسلام على عباده الذي
ن اصطفى آلله خير أم ما يشركون أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾.
فأنكر -سبحانه- أن يكون معه من خلق، ودبر، أو صرف، وقدر، أو يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، أو يولي، أو يعزل، وينصر، ويخذل، أو ينقذ من الحيرة، ويهدي من الضلالة، أو يبدئ ويعيد، ويبسط الرزق لمن يشاء، ويقدر إلى غير ذلك مما استأثر الله به.
وهذا مما استقر في فطرتهم، ونطقت به ألسنتهم، وبه قامت الحجة عليهم فيما دعتهم إليه الرسل من توحيد العبادة، وما ذكر من الآيات قليل من كثير.
ومن سلك طريق القرآن في الاستدلال، واهتدى بهدى الأنبياء في الحجاج اطمأنت نفسه، وقوي يقينه، وخصم مناظره (أي انتصر) عليهم، فإن في ذلك الحجة، والبرهان من جهتين:
الأولى: أنه خبر المعصوم.
والثانية: أنه موجب الفطرة، ومقتضى العقل الصحيح.
стр. 155
المسألة الخامسة في الفرق بين النبي والرسول وبيان النسبة بينهما
النبي: مشتق من النبأ، بمعنى: الخبر، فإن كان المراد أنه يخبر أمته بما أوحى الله إليه، فهو فعيل، بمعنى: فاعل، وإن كان المراد أن الله يخبره بما يوحى إليه، فهو فعيل، بمعنى مفعول، ويصح أن يكون مأخوذا من النبء (بالهمزة وسكون الباء)، أو النبوة، أو النباوة (بالواو)، كلها بمعنى: الارتفاع والظهور، وذلك لرفعة قدر النبي، وظهور شأنه وعلو منزلته.
والفرق بين النبي والرسول: أن الرسول: من بعثه الله إلى قوم، وأنزل عليه كتابا، أو لم ينزل عليه كتابا لكن أوحى إليه بحكم لم يكن في شريعة من قبله.
والنبي: من أمره الله أن يدعو إلى شريعة سابقة دون أن ينزل عليه كتابا، أو يوحي إليه بحكم جديد ناسخ أو غير ناسخ، وعلى ذلك، فكل رسول نبي، ولا عكس، وقيل: هما مترادفان، والأول أصح.
стр. 156
٢ - الرسالة
الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام ركن من أركان الدين، فلا يستقيم لأحد دين ولا يقبل منه عمل إلا إذا أيقن برسالتهم، وأذعن لكل ما جاءوا به من الشرائع كل حسب طاقته وبقدر ما بلغه من ذلك إجمالا أو تفصيلا، قال تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾، وفي الحديث: «أن جبريل سأل النبي -عليهما الصلاة والسلام- عن الإيمان، فبينه بقوله: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره».
بيان كفر من آمن ببعض الرسل وكفر ببعض
ومن زعم أنه آمن ببعض الرسل دون بعض لم يقبل منه ذلك، وكان في حكم من كفر بالجميع، وذلك لأمرين:
الأول: أن من تقدم من الرسل قد بشر بمن تأخر منهم، وأخذ عليه وعلى من تبعه العهد والميثاق إن أدركهم أن يؤمنوا به وينصروه، وأن من تأخر منهم مصدق لمن بين يديه، فمن كفر بواحد منهم تقدم أو تأخر فهو كافر بجميعهم.
الثاني: أن الأمر الذي ثبت به رسالة من آمن به منهم، ومن أجله صدقه، وهو المعجزة، قد أجرى الله مثله على يد من كفر به من الأنبياء تصديقا لهم في دعوى الرسالة، قال ﷺ : «ما من الأنبياء نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة»، فكان إيمانه بمن آمن به، وكفره بغيره منهم اتباعا للهوى لا لدليل
стр. 157
النبوة وإلا لآمن بالجميع، ومن كان إيمانه تبع هواه ولو تغير هواه لتغير إيمانه فليس بمؤمن في حكم الشريعة، قال تعالى: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا﴾.
والقول في رسالة الرسل عليهم الصلاة والسلام يتشعب شعبا كثيرة ويرجع إلى مباحث عدة، يرجع إلى إمكان أن يوحي الله إلى بعض من يصطفيه من عباده بشريعة ليهدي بها أمته سواء السبيل، ثم إلى حاجة العالم إلى هذه القيادة الرشيدة والشريعة المستقيمة ليكون إرسالهم على مقتضى الحكمة وموجب العدالة الإلهية، ثم إلى بيان ما يؤيدهم الله به من الآيات البينات والمعجزات الباهرات التي تدل على صدقهم فيما ادعوه من الرسالة والبلاغ عن الله لتقوم بذلك الحجة وينقطع العذر، ثم إلى بيان ما يتعلق بذلك من تنوع المعجزات وحكمته، وبيان الفوارق بين المعجزات والسحر والكهانة، وبيان ما يعد الله به رسله قبل الرسالة من السيرة الحميدة والأخلاق الفاضلة؛ ليكون ذلك أقرب إلى أن تستجيب لهم أممهم، وتتقبل عنهم ما دعوهم إليه.
وقد تكفل الله ببيان ذلك كله خبرا وعقلا وفطرة فيما أنزل على رسله، فعلمهم سبحانه طريق الحجة والبرهان التي يخضع لها العقل الصريح، وسلك بهم الطريقة المثلى التي لا يرتاب فيها إلا من سفه نفسه وأنكر فطرته.
وإليك تفصيل ذلك؛ لتعلم أن الشرائع الإلهية تعتمد في أصولها الحجة والإقناع، وإن جاء في فروعها وتفاصيل أصولها ما قد يعجز العقل عن إدراك حكمته، فطريقه ثبوت مثل هذا الخبر عن المعصومين عليهم الصلاة والسلام.
стр. 158
مباحث الكلام على الرسالة
المبحث الأول
١ - إمكان الوحي والرسالة
لا يبعد في نظر العقل، ولا يستحيل في تقدير الفكر أن يختص واهب النعم ومفيض الخير -سبحانه- بعض عباده بسعة في الفكر، ورحابة الصدر، وحسن قيادة، وكمال صبر، وسلامة في الأخلاق؛ ليعدهم بذلك لتحمل أعباء الرسالة، ويكشف لهم عما أخفاه عن غيرهم، ويوحي إليهم بما فيه سعادة الخلق وصلاح الكون رحمة للعالمين، وإعذارا إلى الكافرين، وإقامة للحجة على الناس أجمعين، فإنه -سبحانه- بيده ملكوت كل شيء وهو الفاعل المختار، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وهو على كل شيء قدير.
وآية ذلك: أنا نشاهد أن الله سبحانه خلق عباده على طرائق شتى في أفكارهم ومذاهب متباينة في مداركهم، فمنهم من سما عقله واتسعت مداركه واطلع من الكون على كثير من أسراره، حتى وصل بما منحه الله من ثاقب الفكر، ويسر له من التجارب إلى أن اخترع للناس ما رفع إليه من أجله أولو الألباب رؤوسهم إعجابا به، وشهادة له بالمهارة، وأنكره عليه صغار العقول، وعدوه شعوذة وكهانة أو ضربا من ضروب السحر، ولم يزالوا كذلك حتى استبان لهم بعد طوال العهد ومر الأزمان ما كان قد خفي عليهم فأذعنوا له وأيقنوا بما كانوا به يكذبون.
ومنهم من ضعف عقله، وضاقت مداركه فعميت عليه الحقائق واشتبه عليه الواضح منها، فأنكرت البديهيات، ورد الآيات البينات، ومنهم من انتهى به انحراف مزاجه واضطراب تفكيره إلى أن أنكر ما تدركه الحواس كطوائف
стр. 159
السفسطائية.
وكما ثبت التفاوت بين الناس في العقول والأفكار بضرورة النظر وبديهة العقل، ثبت التفاوت بينهم -أيضا- في قوة الأبدان وضعفها، وسعة الأرزاق وضيقها، ونيل المناصب العالية والاستيلاء على زمام الأمور وقيادة الشعوب، والحرمان من ذلك إما للعجز وإما للقصور أو التقصير وإما لحكم أخرى يعلمها بارئ الكائنات، ليتخذ بعضهم بعضا سخريا، وربما كشف الغطاء عن الكثير منها لمن تدبر القرآن وعرف سيرة الأنبياء وتاريخ الأمم وما جرى عليها من أحداث.
فمن شاهد ما مضت به سنة الله في عباده من التفاوت بينهم في مداركهم وقواهم وإرادتهم، وغير ذلك من أحوالهم لم يسعه إلا أن يستسلم للأمر الواقع، ويستيقن أن الله ينبئ من شاء من خلقه ويصطفي من أراد من عباده: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما﴾، ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون﴾، ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون﴾.
стр. 160
بل هذا الحوار وأمثاله مما دار بين الرسل وأممهم يدل على أنهم لم يكونوا ينكرون أصل الرسالة، ولم يكونوا يستبعدون أن يصطفي الله روحا طيبة لوحيه، أو يختار نفسا طاهرة لتبليغ رسالته وهداية خلقه، لكنهم استبعدوا أن يكون ذلك الرسول من البشر، وظنوا خطأ أنه إنما يكون من الملائكة، زعما منهم أن البشرية تنافي الرسالة، فمهما صفت روح الإنسان وسمت نفسه واتسعت مداركه فهو في نظرهم أقل من أن يكون أهلا؛ لأن يوحي الله إليه، وأحقر من أن يختاره -سبحانه- لتحمل أعباء رسالته.
وقد ذكر الله عنهم هذه الشبهة، وردها بما لا يسع العاقل إلا قبوله والإذعان له، ومن نظر في الكتب المنزلة وتصفح ما رواه علماء الأخبار مما دار بين الأنبياء وأممهم من الجدال والحجاج اتضح له ذلك، قال تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين﴾ الآيات إلى قوله: ﴿قالوا يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين﴾ فانظروا كيف فروا من ميدان المناظرة إلى استعجال الهلاك، وطلبوا ذلك من نوح، فبين لهم أن ذلك إلى الله لا إليه، إن عليه إلا النصح والبلاغ المبين وإقامة الحجة والبرهان، وقال تعالى: ﴿كذبت ثمود بالنذر فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر أؤلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر سيعلمون غدا من الكذاب الأشر﴾، فذكر
стр. 161
شبهتهم، ثم ردها بما آتاه من المعجزة الدالة على صدقه، وبنصره وإهلاكهم؛ فإن العاقبة للمتقين.
وقال تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا﴾، وقال تعالى: ﴿قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾، إلى غير ذلك من الآيات التي دلت على إنكار الأمم لم يكن لأصل الرسالة إنما كان لبعث رسول إليهم من جنسهم.
ولو قال قائل: إن أئمة الكفر وزعماء الضلالة كانوا يوقنون بإمكان أن يرسل الله رسولا من البشر، غير أنهم جحدوا ذلك بألسنتهم حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، وتمويها على الطغام من الناس وخداعا لضعفاء العقول، وتلبيسا عليهم خشية أن يستجيبوا إلى مقتضى الفطرة، ويسارعوا إلى داعي الدين ومتابعة المرسلين -لو قال ذلك قائل- ما كان بعيدا عن الحقيقة ولا مجافيا للصواب، بل بدرت منهم البوادر التي تؤيد ذلك وتصدقه، وسبق إلى لسانهم ما يرشد البصير إلى ما انطوت عليه نفوسهم من الحسد والاستكبار أن يؤتى الرسل ما أوتوا دونهم، وأن ينالوا من الفضيلة وقيادة الأمم إلى الإصلاح ما لم ينل هؤلاء، قال تعالى: ﴿وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾، ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾.
стр. 162
وقال: ﴿ونادى فرعون في قومه قال ياقوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين﴾.
هذا وليس بدعا أن يختار الله نبيا من البشر، ويبعث إليهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، بل ذلك هو مقتضى الحكمة وموجب العقل وما جرت به سنة الله في أنبيائه.
فإن الله سبحانه قد مضت سنته في خلقه أن يكونوا أنواعا مختلفة على طرائق شتى وطبائع متباينة، لكل نوع غرائزه وميوله، أو خواصه ومميزاته التي تقتضي الأنس والتآلف بين أفراده، وتساعد على التفاهم والتعاون بين جماعاته، ليستقيم الوجود، وينتظم الكون، فكان اختيار الرسول من الأمة أقرب إلى أخذها عنه وأدعى إلى فهمها منه وتعاونها معه لمزيد التناسب وإمكان الإلف بين أفراد النوع الواحد، ولو كان عمار الأرض من الملائكة لاقتضت الحكمة أن يبعث الله إليهم ملكا رسولا، وقد أرشد الله إلى ذلك في رده على من استنكر أن يرسل إلى البشر رسول منهم، قال تعالى: ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا﴾، ولكن شاء الله أن يجعل عمار الأرض من البشر، فاقتضت حكمته أن يرسل إليهم من أنفسهم، بل اقتضت حكمته ما هو أخص من ذلك ليكون أقرب إلى الوصول للغاية، وتحصيل المقصود من الرسالة فكتب على نفسه أن يرسل كل رسول بلسان قومه، قال تعالى:
стр. 163
﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم﴾.
ولو قدر أن الله أجاب الكفار إلى ما طلبوا من إرسال ملك لجعل ذلك الملك في صورة رجل؛ ليتمكنوا من أخذ التشريع عنه والاقتداء به فيما يأتي ويذر، ويخوض معهم ميادين الحجاج والجهاد، وإذ ذاك يعود الأمر سيرته الأولى، كما لو أرسل الله رسولا من البشر، ويقعون في لبس وحيرة، جزاء وفاقا، قال تعالى: ﴿وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾.
ومن نظر في آيات القرآن، وعرف تاريخ الأمم تبين له أن سنة الله في عباده أن يرسل إليهم رسولا من أنفسهم، قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾، وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق﴾، وفي ذلك الرد الواضح على من زعم منافاة البشرية للرسالة ببيان سنة الله في رسله وحكمته في اختيارهم على نحو يكفل المصلحة وينتهي بالأمة إلى المقصود.
стр. 164
المبحث الثاني
٢ - حاجة العالم إلى الرسالة
الأفعال الاختيارية منها ما تحمد عاقبته، فيجمل بالعاقل فعله والحرص عليه، ولو ناله في سبيل تحصيله حرج ومشقة، وأصابه منه في عاجل أمره كثير من الآلام، ومنها ما تسوء مغبته، فيجدر بالعاقل أن يتماسك دونه، وأن يتنكب طريقه خشية شره، وطلبا للسلامة من ضره وإن كان فيه ما فيه من اللذات العاجلة التي تغري الإنسان بفعله، وتخدعه عما فيه سلامته.
غير أن العاقل قد يقصر في كثير من شئونه عن التمييز بين إدراك ما قصر عنه إدراكه، وقد يعجز كليا عن العلم بما يجب عليه علمه؛ لأنه ليس في محيط عقله، ولا دائرة فكره، مع ما في علمه به من صلاحه وسعادته، وذلك كمعرفته بالله واليوم الآخر والملائكة تفصيلا، فكان في ضرورة إلى من يهديه الطريق في أصول دينه، وقد يتردد في أمر إما لعارض هوى وشهوة أو لتزاحم الدواعي واختلافها، فيحتاج إلى من ينقذه من الحيرة، ويكشف له عن حجاب الضلالة بنور الهدى، فبان بذلك حاجة العالم إلى رسول يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويكلمهم بمعرفة ما قصرت عنه أفهامهم، ويوقفهم على حقيقة ما عجزوا عنه، ويدفع عنهم آلام الحيرة ومضرة الشكوك.
أضف إلى ذلك: أن تفاوت العقول وتباين الأفكار واختلاف الأغراض والمنازع ينشأ عنه تضارب الآراء وتناقض المذاهب، وذلك يفضي إلى سفك الدماء ونهب الأموال والاعتداء على الأعراض وانتهاك الحرمات، وبالجملة ينتهي إلى تخريب وتدمير لا إلى تنظيم وحسن تدبير، ولا يرتفع ذلك إلا برسول يأتي بفصل الخطاب، ويقيم الحجة، ويوضح المحجة، وينشر العدل، فاقتضت حكمة الله أن يرسل الرسل، وينزل الكتب رحمة بعباده وإقامة للعدل بينهم، وتبصيرا لهم بما يجب عليهم من حقوق خالقهم، وإعانة لهم على أنفسهم، وإعذارا إليهم؛ فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل
стр. 165
وأنزل الكتب، ففي الحديث أن سعد بن عبادة قال: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «تعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين، ولا أحد أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الجنة».
ومما تقدم يعلم أن إرسال الله للرسل مما يدخل في عموم قدرته، وتقتضيه حكمته فضلا من الله ورحمة، والله عليم حكيم، وهذا هو القول الوسط والمذهب الحق.
وقد أفرط المعتزلة فقالوا: إن بعثة الرسل واجبة على الله إبانة للحق، وإقامة للعدل ورعاية للأصلح، وهذا مبني على ما ذهبوا إليه من القول بالتحسين والتقبيح العقليين وبناء الأحكام عليهما -ولو لم يرد شرع- وهو أصل فاسد.
وتطرف البراهمة، فأحالوا أن يصطفي الله نبيا ويبعث من عباده رسولا، وزعموا أن إرسالهم عبث، إما لعدم الحاجة إليهم اعتمادا على العقل في التمييز بين المصالح والمفاسد، واكتفاء بما يدركه مما يحتاج إليه العباد في المعاش والمعاد، وإما لاستغناء الله عن عباده، وعدم حاجته إلى أعمالهم، خيرا كانت أو شرا؛ إذ هو سبحانه لا ينتفع بطاعتهم، ولا يتضرر بمعصيتهم.
وقد سبق بيان عدم كفاية العقل في إدراك المصالح والمفاسد، وحاجة العالم إلى رسالة تحقيقا لمصالحهم، مع غنى الله عن الخلق وأعمالهم، فليس إرسالهم عبثا، بل هو مقتضى الحكمة والعدالة.
стр. 166
المبحث الثالث
٣ - طريقة الرسل في إثبات توحيد الألوهية والعبادة
لم يدع الأنبياء أممهم إلى الإيمان بما جاءوا به من الشرائع دون بينة أو برهان يكون شاهد صدق على إثبات أن ما دعوهم إليه وحي من الله وشرعه الذي ارتضاه لعباده دينا، ولم يلزموهم بذلك دون إقناع تقوم به الحجة ويسقط به العذر، بل تحدى كل رسول أمته بما آتاه الله من الآيات البينات، والمعجزات الباهرات التي يخضع لها العقل السليم، وتتصاغر أمامها قوى الشر، وطلب منهم أن يأتوا بمثل ما ظهر على يده من خوارق العادات -وأنى لهم ذلك وهو من اختصاص واهب القوى والقدر- فلما عجزوا عنه كان دليلا واضحا على صدقهم في دعوى الرسالة، وأن ما جاءوا به شرع الله ودينه الحق.
فإن لله سبحانه من كمال الحكمة والعدالة وسعة الرحمة والجود وسابغ الكرم والإحسان ما يمتنع معه أن يؤيد متنبئا كذابا يخدع العباد ويفسد عليهم أمر دينهم ودنياهم؛ بل يستحيل في حكمه وعدله أن يبقى عليه أو يهمله؛ لما في ذلك من التلبيس والتضليل وفساد الكون وتخريبه، وهو شر محض، والشر ليس إليه سبحانه، ففي الحديث: «الخير كله بيديك والشر ليس إليك».
وقد بين سبحانه أنه بالمرصاد لمن افترى عليه كذبا، أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء، فقال تعالى: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾.
وإذا أبت حكمة الله وسعة رحمته أن يترك عباده سدى فلا يرسل إليهم
стр. 167
رسولا يأمرهم وينهاهم، ويبين لهم معالم الهدى وشرائع الحق، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، فأولى في حكمه العدل ورحمته الواسعة أن يقضي على المتنبئين كذبا وافتراء، وأن يعاجلهم بالعقوبة والهلاك رحمة للعالمين وتمييزا بين رسله الصادقين والمتنبئين الكاذبين.
стр. 168
المبحث الرابع
٤ - الفرق بين المعجزة والسحر
كل ما لم تبلغه طاقة البشر ولم يقع في دائرة قدرتهم فهو معجز، وقد تطلق المعجزة على ما خرج عن طاقة العامة من الخلق دون الخاصة، كبعض المسائل العلمية المشكلة، واختراع بعض الآلات والأجهزة الحديثة ونحوها مما لا يقوى عليه إلا الخواص من الناس، كالغوص والسباحة وحمل الأثقال، وهذا عجز نسبي يكون في مخلوق دون آخر.
والمراد من المعجزة: هذا الأمر الخارق عن سنن الله العامة في خلقه الذي يظهره الله على يد مدعي النبوة تصديقا له في دعواه وتأييدا له في رسالته مقرونا بالتحدي لأمته ومطالبتهم أن يأتوا بمثله؛ فإذا عجزوا كان ذلك آية من الله على اختياره إياه وإرساله إليهم بشريعته.
أما السحر: فهو في اللغة كل ما دق ولطف وخفي سببه، فيشمل قوة البيان وفصاحة اللسان؛ لما في ذلك من لطف العبارة ودقة المسلك، ويشمل النميمة، لما فيها من خفاء أمر النمام وتلطفه في خداع من نم بينهما ليتم له ما يريد من الوقيعة، ويشمل العزائم والعقد التي يعقدها الساحر، وينفخ فيها مستعينا بالأرواح الخبيثة من الجن ليصل بذلك في -زعمه- إلى ما يريد من الأحداث والمكاسب.
ويتلخص الفرق بين المعجزة والسحر فيما يأتي:
أ - المعجزة ليست من عمل النبي وكسبه، وإنما هي خلق محض من الله على خلاف سننه في الكائنات، وقد طلب من محمد ﷺ آية، فقال بإرشاد مولاه: ﴿إنما الآيات عند الله﴾، وقال لمن استعجلوا ما توعدهم به من أمر ربه:
стр. 169
﴿ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين﴾. أما السحر فمن عمل الساحر وكسبه سواء أكان تعويذات أم بيانا أم نميمة أم غير ذلك، وله أسبابه ووسائله التي قد تنتهي بمن عرفها ومهر فيها وعمل بها إلى مسبباتها، فليس خارقا للعادة ولا مخالفا لنظام الكون في ربط الأسباب بمسبباتها والوسائل بمقاصدها.
ب - المعجزة تظهر على يد مدعي النبوة؛ لتكون آية على صدقه في دعوى الرسالة التي بها هداية الناس من الضلالة وإخراجهم من الظلمات إلى النور، والأخذ بأيديهم إلى ما ينفعهم في عقائدهم وأبدانهم وأموالهم، والسحر خلق ذميم أو حرفة أو صناعة يموه بها الساحر على الناس ويضللهم، ويخدعهم بها عن أنفسهم وما ملكت أيديهم، ويتخذها وسيلة لكسب العيش من غير حله، ويفرق بها بين المرء وزوجه والصديق وصديقه، وبالجملة يفسد بها أحوال الأمة في خفاء، والناس عنه غافلون.
ج - سيرة من ظهرت على يده المعجزة حميدة وعاقبته مأمونة، فهو صريح في القول والفعل، صادق اللهجة، حسن العشرة، سخي كريم عفيف عما في أيدي الناس يدعو إلى الحق وينافح عنه بقوة وشجاعة، أما الساحر فسيرته ذميمة ومغبته وخيمة، خائن خداع سيئ العشرة، يأخذ ولا يعطي، يدعو إلى الباطل، ويسعى جهده في ستره خشية أن يفتضح أمره ويكشف سره فلا يتم له ما أراد من الشر والفساد.
د - من ظهرت على يده المعجزة يقود الأمم والشعوب إلى الوحدة والسعادة، ويهديها طريق الخير، وعلى يده يسود الأمن والسلام وتفتح البلاد، ويكون العمران، والساحر آفة الوحدة ونذير الفرقة والتخريب والفوضى والاضطراب.
стр. 170
المبحث الخامس
٥ - تنوع المعجزة مع بيان الحكمة في ذلك
آيات الأنبياء التي أيد الله بها رسله قد اختلفت أنواعها، وتباينت مظاهرها وأشكالها إلا أنها تجتمع في أن كلا منها قد عجز البشر عن أن يأتوا بمثله منفردين أو مجتمعين، فكانت بذلك شاهد صدق على الرسالة وحجة قاطعة تخرس الألسنة وينقطع عندها الخصوم، ويجب لها التسليم والقبول.
ويغلب أن تكون معجزة كل رسول مناسبة لما انتشر في عصره وبرز فيه قومه، وعرفوا بالمهارة فيه؛ ليكون ذلك أدعى إلى فهمها، وأعظم في دلالتها على المطلوب، وأمكن في الإلزام بمقتضاها.
ففي عهد موسى انتشر السحر، ومهر فيه قومه حتى أثروا به على النفوس، وسحروا أعين الناظرين، وأوجس في نفسه خيفة منه من شهده وإن كان عالي الهمة قوي العزيمة، فكان ما آتاه الله نبيه موسى فوق ما تبلغه القوى والقدرة، وما يدرك بالأسباب والوسائل، وقد أوضح الله ذلك في كثير من الآيات، قال تعالى: ﴿وما تلك بيمينك ياموسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى قال ألقها ياموسى فألقاها فإذا هي حية تسعى قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى لنريك من آياتنا الكبرى﴾، ولهذا بهت السحرة وبطل ما جاءوا به من التمويه والتخييل وامتاز الحق من الباطل، قال تعالى في بيان ذلك في المباراة التي كانت بين موسى ﵇ والسحرة ﴿فألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون﴾.
стр. 171
وفي عهد المسيح عيسى ابن مريم ﵇ برع بنو إسرائيل في الطب، فكان مما آتاه الله أن يصور من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله، إلى غير ذلك من الآيات التي ثبت بها رسالته، وقامت بها الحجة على قومه.
وفي عهد محمد ﷺ كان العرب قد بلغوا الغاية في الفصاحة وقوة البيان، وجرت الحكمة على ألسنتهم، حتى اتخذوا ذلك ميدانا للسباق والمباراة، فأنزل الله القرآن على رسوله ﵊، فكانت بلاغته وبيانه وما تضمنه من الحكم والأمثال إلى جانب ما كان من تأبيد إعجازه كان ذلك من الأدلة والآيات التي تدل على صدقه في نبوته ورسالته قال ﷺ : «ما من الأنبياء نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة».
стр. 172
المبحث السادس
٦ - معجزات الأنبياء لا تنحصر فيما تحدى به كل نبي قومه
وليست معجزات موسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام قاصرة على ما ذكر، وإنما ذلك بيان لما تحدى به كل منهم قومه، وجعله قاعدة يبني عليها دعوته، ويثبت بها شريعته وإلا فلهؤلاء وغيرهم من الأنبياء كثير من الآيات البينات، والدلائل الواضحات التي دلت على صدقهم سوى ما تحدى به كل نبي قومه، منها ما يرجع إلى سيرتهم قبل الرسالة، فإن الله قد أعدهم لتحمل أعباء رسالته، ومنها ما يرجع إلى ثبات جأشهم وقوة بأسهم في مقام الدعوة والجهاد في سبيل الله نصرة للحق ونشرا له بأنفسهم، وبمن آمن معهم، وهم الأقل عددا والأضعف جاها، مع غنى خصومهم وكثرة عددهم وعددهم وقوة سلطانهم، إلى غير ذلك مما يدل على صدق الداعي في دعوته، وكمال يقينه بها، ومنها ما يرجع إلى سلامة الشريعة التي يدعون إليها، وحكمتهم في حمل الناس عليها، وقوة حجاجهم في الدفاع عنها، وما شوهد من آثارهم في صلاح من اهتدى بها من الأمم في الدولة والسياسة والاجتماع والاقتصاد والحرب وغير ذلك من أحوال الشعوب، حتى إذا حرفوها عن مواضعها وتأولوها على غير وجهها أو أعرضوا عنها وتركوا العمل بها دالت دولهم وساءت حالهم، فإن العاقبة للمتقين، والخيبة والخسران على المفسدين.
ومن ذلك يتبين أن الرسالة ليست شعوذة ولا كهانة، فإن الرسل عرفوا بالصدق والأمانة، والشياطين إنما تنزل على من يجانسهم في الكذب والافتراء والإفك والبهتان، قال تعالى: ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون﴾، ولو لمست الشياطين السماء استراقا للسمع أو طلبا للوحي ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، قال تعالى في شأن القرآن:
стр. 173
وما تنزلت به الشياطين ﴿وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون﴾.
وليست الرسالة أيضا من جنس ما تجود به قريحة الشعراء، وتمليه عليهم مما تهواه نفوسهم، فإن الشعراء -إلا من عصم الله- يغلب عليهم أن يسلكوا كل فج، ويضربوا في كل واد، ومن سلك سبيلهم كان على شاكلتهم في الغي والفساد.
أما الرسل فقد جاءوا بالهدى ودين الحق، ومن سلك سبيلهم كان على بصيرة في عمله وبينة من أمره واستقامة في سيره، قال تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾.
ومن المعجزات ما يرجع إلى آيات حسية أكرم الله بها رسله ومن آمن بهم من تفريج كربة وإزالة شدة، أو خوارق عادات طلبتها الأمة بغيا وعنادا، كانشقاق القمر، فأجيبت إليها دفعا للحرج عن الرسل وزيادة في التثبيت لهم والإعذار إلى من كفر بهم، ومنها ما يرجع إلى تعليم الصناعات وتيسير طريقها كإسالة عين القطر وإلانة الحديد لداود ﵇ على خلاف السنة الكونية، ليكون ذلك آية له وكرامة، ليكون سعة للعباد ورحمة لهم، وكتسخير الريح والطير والجن لسليمان ﵇، إلى غير ذلك مما لا يحصيه إلا الله، ومن اطلع على قصص الأنبياء في القرآن وكتب السير وجد الكثير من ذلك، وسأذكر جملة منها بعد ترشد إلى ما وراءها مما لم يذكر إن شاء الله.
وقد بين سبحانه لرسوله محمد ﷺ في كثير من قصص القرآن الطريقة المثلى التي يثبت بها رسالته ويحاج بها أمته، وأرشده إلى كون ذلك القصص آية بينة توجب عليهم أن يستجيبوا لما دعاهم إليه من التصديق برسالته، والإيمان بسائر ما جاءهم من عند الله.
стр. 174
قصة يوسف ﵊ وكيف أنها من معجزات النبي ﷺ
إن هذه القصة فيها كثير من العجائب والعبر والعظات والأحكام والأخلاق وألوان الابتلاء والامتحان والفضل والإحسان، والذي أقصد إليه من مباحثها أمران لمزيد اتصالهما بما أنا بصدد الكلام عليه، الأول: كيف كانت هذه القصة معجزة لرسول الله محمد ﷺ ، والثاني: كيف كانت دليلا على أن الله يعد رسله في حياتهم الأولى قبل الرسالة لتحمل أعبائها حين إرسالهم إلى أممهم.
أما الأول: فإنه تعالى ذكر قصة يوسف ﵊ في القرآن مفصلة؛ لتكون آية، بل آيات على نبوة رسوله محمد ﵊، وبيان ذلك: أنه كان أميا لم يقرأ شيئا من كتب الأولين، ولا درس شيئا من تاريخهم، ولا خط من ذلك شيئا بيمينه حتى يرتاب في أمره ويتهم بأنه تكلم بما قرأ أو درس، قال تعالى: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون﴾، بل كان من الغافلين عن قصة يوسف وأمثالها، لم تخطر له ببال، ولم تقرع له سمعا قبل أن يوحي الله بها إليه، ويذكرهم له في محكم كتابه، قال تعالى في مطلع سورة يوسف: ﴿الر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾، وقال بعد ذكر يوسف لرؤياه وعرضها على أبيه ووصية أبيه له: ﴿لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين﴾.
ولم تكن قصة يوسف بالأمر الذي اشتهر في العرب، وتناولوه بالحديث فيما بينهم، بل كانت غيبا بالنسبة إليهم، ولا كان محمد مع يوسف وإخوته،
стр. 175
ولا شهد مكرهم به، ولا كيدهم له فيتهم بأنه تكلم بأمر شهده أو انتشر بين قومه، قال تعالى لنبيه محمد في ختام قصة يوسف ﵊: ﴿ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون﴾.
ولا يسع أحدا أن يقول إنه عرف تفاصيل القصة من اليهود، فإن السورة مكية، واليهود كانوا يعيشون بالشام والمدينة وما حولها، ولم يعرف عنه أنه اتصل بهم قبل الهجرة، ولا دارسهم شيئا من العلوم، ولو كان تم شيء من ذلك لانكشف أمره لطول العهد وكثرة الخصوم وحرج قومه من دعوته، وسعيهم جهدهم في الكيد له والصد عنه وحرصهم على تشويه سمعته والقضاء عليه وعلى دعوته حتى رموه بالسحر والكهانة والجنون، واتهموه زورا بالكذب، وهو في قرارة أنفسهم الصادق الأمين، وتبادلوا الرأي فيما يوقعونه من حبسه أو طرده من بينهم وتشريده، وانتهى أمرهم بالاتفاق على قتله، فأنجاه الله من كيدهم، وكتب له الهجرة إلى المدينة حيث عز الإسلام وقامت دولته، قال تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾، فقوم هذا شأنهم معه لا يخفى عليهم أمره وهو يعيش بين أظهرهم وهو له بالمرصاد، فلو وجدوا سبيلا عليه باتصاله باليهود والأخذ عنهم لسارعوا إلى فضيحته، والتشنيع عليه بذلك ولم يضطروا إلى الافتراء عليه، ولا إلى التفكير في قتله أو تشريده ولا إلى نشوب الحرب بينه وبينهم سنين طويلة ولم يلجئوا إلى اتهامه تهمة تحمل ردها في طيها، فقد اتهموه برجل أعجمي بمكة وادعوا أنه يعلمه، فسفه الله أحلامهم وألقمهم الحجر، قال تعالى: ﴿ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين﴾.
стр. 176
وليست قصة يوسف خبرا مقتضبا عبر عنه بالجملة أو الجملتين، فيقال إن صدقه في الحديث عنها وليد الصدفة والاتفاق، بل هي قصة كثيرة العجائب متشعبة الموضوعات، وقعت بين أطراف مختلفة في أزمان متباعدة، فمن رؤيا صادقة إلى مؤامرة، ثم نجاة يتبعها بيع، ثم إيواء … إلى مراودة يتبعها هم، ثم عصمة من الفحشاء … إلى سجن فيه دعوة إلى التوحيد مع رفق وحسن سياسة وتأويل للرؤيا أصدق تأويل يتبع ذلك خروجه ﵇ من السجن بريئا من التهمة، وتولية شئون الدولة واجتماع إخوته به مع معرفته لهم وإنكارهم إياه، وما أكثر ما دار بينه وبينهم من الأحاديث وما جرى من الأحداث ..... إلى أن انتهى ذلك بتعريفه لهم بنفسه وعفوه عنهم، وحضور أبويه إليه على خير حال إلى غير ذلك من التفاصيل التي يعرفها البصير بكتاب الله .. وقد سيقت القصة مفصلة في جميع نواحيها مستوفاة في جميع فصولها في أدق عبارة وأحكم أسلوب .. أفيعقل بعد ذلك أن يقال إن صدقه ﵊ فيما سرده من قضاياها ووقائعها وعجائبها على هذا النهج الواضح والطريق السوي وليد الصدفة والاتفاق.
وختم سبحانه سورة يوسف بمثل ما بدأها به من الإرشاد إجمالا إلى القصد الذي من أجله سيقت القصة، وهو أن تكون آية على نبوة محمد ﷺ . وصدقه فيما جاء به من التشريع، وأن قصة يوسف ونحوها مما نزل به الوحي مستقى من المشكاة التي أخذ منها الأنبياء، فليس حديثا مفترى ولكنه تصديق لما بين يديه من كتب المرسلين، وتفصيل لما يحتاج إليه المكلفون من التشريع في معاشهم ومعادهم، وجماع الهداية والرحمة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أفيمكن أن تكون هذه القيادة الرشيدة بهذا التشريع المستقيم من إنسان أمي عاش في أمة أمية من عند نفسه دون وحي من الله؟ كلا إنها العناية الربانية والرسالة الحقة، والوحي الصادق المبين، نزل به الروح الأمين على قلب محمد
стр. 177
ﷺ ليكون رحمه للعالمين ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾.
وأما الثاني: فإن في تفاصيل القصة كثيرا من الأسرار والعجائب التي أيد الله بها رسله، وهيأ بها أنبياءه لقيادة الأمم وسياسة الشعوب من أخلاق سامية وآداب عالية وحكمة بالغة وقوة عزيمة وعقائد صحيحة، وبيان ذلك من وجوه كثيرة:
أ - منها صفاء روح يوسف، ونقاء سريرته، وهذا واضح من الرؤيا الصادقة التي رآها في صغر سنه، وأول نشأته، فتحقق تأويلها بسجود أبويه وإخوته له في كبر سنه وختام حياته، ﴿إذ قال يوسف لأبيه ياأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾ ﴿ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال ياأبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا﴾.
ب - ومنها ما خصه الله به من الميزات التي زادت تعلق والده به وحبه له، وحملت إخوته على التآمر عليه والكيد له، فأشار بعضهم بقتله ليخلوا لهم وجه أبيهم وتطيب لهم الحياة مع أبيهم من بعده، ورأى آخرون أن في إبعاده عن أبيه الكفاية، فلما أجمعوا أمرهم على ذلك، ورموه في غيابة الجب، وأوحى الله إليه لتنبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون، إيناسا له وإزاحة للغمة عن نفسه، وهيأ له من أخرجه من البئر، لكنهم باعوه بثمن بخس دراهم معدودة، فرعاه الله وجعله عند من يكرم مثواه، ومكن له في الأرض، وعلمه من تأويل الأحاديث ﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾.
ج - ومنها الحلم والصفح الجميل وسعة الصدر والصبر على البلاء، فإنه بعد
стр. 178
أن مكن الله له وجعله على خزائن الأرض، واجتمع بإخوته لم ينتقم لنفسه، بل صفح عن الزلة، وعفا عند القدرة، واكتفى بالإشارة في إشعارهم بما سبق من سوء صنيعهم معه، ﴿قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾.
د - ومنها عفة فرجه ونزاهة نفسه مع توفر دواعي الشهوة وتهيؤ أسباب الجريمة، من تكرار الخلوة بامرأة العزيز، ومزيد الخلطة، ودعوتها إياه للفاحشة، وحياته معها في بيتها، وأخذها الحيطة بإغلاق الأبواب، لقد كان يوسف من المخلصين لله الواثقين به، فاستعاذ بربه ولاذ بجنابه، واستقبح أن يقابل جميل من أحسن مثواه بخيانته في عرضه، وذكر ما يصيب الظالمين في العواقب من الدمار والخسارة، وبذلك صرف الله عنه السوء والفحشاء، وأظهر براءته على رءوس الأشهاد: ﴿وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾، إلى أن قال تعالى حكاية عن عزيز مصر بعد الشهادة عنده ببراءة يوسف: ﴿يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين﴾ إلى أن قال تعالى حكاية عن امرأة العزيز مع النسوة اللاتي عيرنها بشغفها، وتعلقها بيوسف: ﴿راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين﴾.
ولقد عرف يوسف عليه الصلاة السلام طريق الخلاص، ففزع إلى من بيده
стр. 179
القلوب ومقاليد الأمور يصرفها كيف يشاء، وتبرأ من حوله وقوته إلى حول الله وقوته حينما سمع إنذارها له بالسجن إن لم يكن عند رغبتها ويحقق لها ما تريد، وسأل ربه أن يعصمه من الزلل، ويصرف عنه كيد أولئك النسوة: ﴿قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين﴾، وما كان الله ليرد عبدا اتقاه، وأخلص له الدعاء، وكان السجن أحب إليه من الفحشاء ﴿فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين﴾.
هـ- ومنها أنه لم يشغله ما أصيب به من تتابع البلاء عن ربه ودينه والدعوة إلى ما ورثه من التوحيد عن آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم الصلاة والسلام، فانتهز حاجة من معه في السجن إليه في تأويل ما رأياه في منامهما، فبدأ بالحديث عن نفسه تعزيزا لمركزه حتى يقبل عنه قوله، ثم نصح لهما في التوحيد وزينه، وحذرهما عن الشرك وقبحه، وأقام على ذلك الحجة مع لطف وتذكير بالصحبة في البلاء، كل ذلك قبل تأويل الرؤيا ليكون أدعى إلى الإصغاء والقبول وأبعد عن الإعراض، وقد أطال في ذلك وجعله المقصود، ثم ختم بتأويل الرؤيا لهما في آية قصيرة، قال تعالى: ﴿ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ياصاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾
стр. 180
فانظر إلى سلامة فطرته وصحة عقيدته وتناسيه البلاء، وذكره لأسلافه وأمجاده الطاهرين المصلحين، ليتخذ منهم قدوة له في التوحيد والدعوة إليه والحذر من الشرك وبيان فساده بالحجة والبرهان، وانظر إلى كرم خلقه مع صاحبيه حتى شهدا له بالمعرفة والفضل والإحسان، وإلى حسن سياسته معهم في الدعوة إلى الله وإيثارها على ما سألاه عنه دون تضييع لما تعلقت به نفوسهما من تأويل الرؤيا، وبلا مجابهة بالمكروه لمن دلت رؤياه على سوء عاقبته، بل أبهم الأمر، فقال: ﴿أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾ وقد حقق الله ما قال فصار كل منهما إلى ما ذكر له في تأويل رؤياه.
و ومنها أن يوسف مع ثقته بربه وتوكله عليه أراد أن يأخذ بأسباب الخلاص مما أصابه من البلاء، وليس في ذلك ما يعيبه أو يغض من توكله على الله، فإنه قد زج به في السجن ظلما وعدوانا بشهادة خصومه -ودفع الظلم مشروع بل قد يكون واجبا- فقال للذي ظن أنه ناج منهما: اذكرني عند ربك، ولكن الله أراد أن يزيده تمحيصا وصدقا في التوكل عليه، وقوة في الصبر على البلاء، فأنسى الشيطان ذلك الفتى أن يذكر يوسف لربه بالخير، فلبث في السجن بضع سنين، ثم اختار الله له طريقا إلي الخلاص خيرا من الطريق التي رسمها لنفسه كما سيأتي.
ز - ومنها أن الله سبحانه شاء أن تكون نجاته بما آتاه من العلم والحكمة وعلمه من تأويل الأحاديث، ولا بشفاعة أحد، ولحاجة الأمة إليه راعيها ورعيتها دون
следующие страницы →