Полный текст (618 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ويقول الشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي:
ولا أبالغ إذا قلت: إن غالب منسوبي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية من طلابه أو طلاب طلابه، بل إن هذا الوصف ينطبق على غالب العلماء في المملكة سواء أكانوا في القضاء أم التدريس أم الإفتاء والدعوة.
ويقول الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري:
فكان في هذه المملكة أستاذ جيل بحق تتلمذ عليه أبناء ما بين السبعين إلى الثلاثين، ولا يزال تلامذته مربين للأجيال أهل منابر وحلقات وتدريس وتأليف.
ويقول الشيخ عبد الله العجلان:
ولا أكون مبالغا إذا قلت: إن معظم علماء المملكة اليوم هم إما من طلابه أو ممن استفادوا منه بوجه من وجوه الاستفادة وكلهم يحفظ له حقه، وجهوده، وتعتبر وفاته خسارة عظيمة إذ إنه من كبار حملة ميراث النبوة في هذه المملكة ومن دعاة الهدى وأئمة التوجيه الصائب.
ويقول الشيخ يوسف المطلق:
وإننا وطلابه الذين منهم الوزير، والقاضي، والداعية، والأستاذ، والإداري لا نقدر على مكافأته إلا بخالص الدعاء الصالح. فبارك الله في ذريته وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء والإحسان.
ويقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:
صحبته ما يزيد عن اثنين وثلاثين عاما، ما تركت مجلسه في أسبوع إلا أن يكون أحدنا مسافرا، وقلما كانت سفراتنا تطول. وقد جاورته سنين عديدة فكان نعم الأستاذ والجار. لقد تعلمت منه في هذه الصحبة أمورا كثيرة، منها ما يتعلق بالناحية العلمية، ومنها ما يتعلق بالناحية السلوكية، ومنها ما يتعلق
стр. 107
بالناحية الشخصية … لقد كنت ألجأ إليه في كل أمر من هذه الأمور، وكان يمدني بالرأي السديد، والتوجيه القويم. لقد أكرمه الله بالعقل المسدد، والعلم الواسع، والرأي المحكم.
ويقول الشيخ صالح بن سعود آل علي:
وقد شرفت بأن أكون أحد تلاميذه في كلية الشريعة، ثم في المعهد العالي للقضاء، وخبرته من قرب، ورأيت فيه ما كنت أقرأ عن علماء السلف من العلم الجم والفقه في الدين والتحلي بمبادئ هذا الدين من تواضع، وتقى، وزهد، وورع، وصبر وحب لهذه الأمة، وحرص على أن تظل كما هو مؤمل منها منارة هدى ومصدر إشعاع وموئل عز الإسلام والمسلمين.
ويقول الشيخ صفوت نور الدين:
ولقد كان الشيخ - يرحمه الله تعالى - وفي كبر سنه، منظما في علمه محافظا على وقته بين الدروس والتدريس، ومراجعة الرسائل العلمية، وإعداد الأبحاث، وتسطير الفتاوى، لا تراه أبدا إلا في عمل مثمر نافع، ولقد نفع الله بجهده فصار تلامذته من كبار العلماء والمعايشين له من الفقهاء، فلقد كان الشيخ محمد علي عبد الرحيم - يرحمه الله - وهو أسن منه يراه شيخا له وأستاذا معلما.
ويقول الشيخ زهير الشاويش:
كان من تلامذته الدكتور عبد العزيز كامل، والأستاذ عبد الرحمن الباني والدكتور محمد الصباغ، والأخ مناع القطان وغيرهم، ومجموعة من الإخوان الذين أخذوا فضائل كل جماعة وابتعدوا عن الغرور والتنطع والشذوذ والتفرد.
ويقول الشيخ مناع القطان:
وفي رحلته العلمية كانت عنايته الفائقة بتربية تلاميذه على العقيدة السلفية،
стр. 108
ونبذ البدع والخرفات والأخذ بيدهم إلى هدى الكتاب والسنة وسلف هذه الأمة، فاحتضن نخبة متميزة وتعهدها منذ الطفولة بالرعاية، واصطحبها معه حتى نمت وشبت عن الطوق، ونهجت نهجه ولعلني كنت على رأس هذه النخبة وأحب تلاميذه إليه - ولا أزكي على الله أحدا.
ومن القرية تعهدني بها منذ الطفولة انتقلت معه طالبا في معهد شبين الكوم الديني، أتلقى من فيض علمه على مقعد الدرس، وأزوره في بيته، فيختار ما يشاء من الكتب لأقرأ عليه بعض الموضوعات التي يريدها ويقف عند كل فقرة شارحا ومبينا.
الشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي:
لقد عرفته ﵀ وأسكنه فسيح جناته منذ ستة وثلاثين سنة عاما، وتوطدت صلتي به في أثناء طلب العلم، والدراسة في كلية العلوم الشرعية في الرياض، ثم في المعهد العالي للقضاء، ثم في حلقات المساجد والمحاضرات في الجامعات، ومناقشة الرسائل الجامعية، وازدادت معرفتي به حينما لازمته فترة إعداد بحثي في الماجستير، حيث كان مشرفا عليه، فكان نعم الموجه والناصح، يبذل وقته وجهده ويحرص على إفادة طالب العلم.
يقول الشيخ صالح السدلان:
إن كان لي من كلمة في أخص مشايخي الشيخ عبد الرزاق عفيفي فهي أنه قد درسني كثيرا في عدد من مراحل البكالوريوس في الحديث وأصول الدين، وقام بتدريسي في المعهد العالي للقضاء لمادة أصول التفسير ودرسني الفقه في السنة الثانية بمعهد القضاء واعتبره كما يقول المثل: «قلبه فوق لسانه»، فهو لا يتكلم إلا بعد معرفته ما يقول، ويعتبر من العلماء الأوائل
стр. 109
ويقول الشيخ عبد الله العجلان:
لقد عرفت هذا الرجل أستاذا في علوم الشريعة، واستمعت لدروسه، وتلقيت عنه في فترات مختلفة، فأدركت مكانته العلمية وصدق لهجته، وسداد توجيهه وجاورته في السكن فكان خير جار، ورافقته في السفر فكان نعم الرفيق والمؤانس، وجالسته فرأيت فيه حسن الأدب وصواب الرأي
ويقول الشيخ سعود الفنيسان:
كان لي الشرف بأن قام الشيخ بالإشراف على رسالة الدكتوراه، حيث استفدت منه في أثناء جلسات عدة معه من خلال ما لديه من معلومات وملاحظات ما لم أستفده في سني دراستي الجامعية كلها وما دونها وما بعدها، وقد كان للشيخ فضل في توحيد وتأسيس منهج الدراسات العليا في الجامعة وبالأخص في تخصصي التفسير وأصول الفقه، وكان من المقربين والمحبوبين جدا من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز إلى آخر لحظة في حياته
ومما جاء في جريدة المسلمون بتاريخ ٤/¬٤/¬١٤١٥ هـ:
والجدير بالذكر أن الشيخ عبد الرزاق عفيفي يعتبر شيخا لجل كبار علماء المملكة كالشيخ عبد العزيز آل الشيخ، والشيخ عبد الله بن غديان، والشيخ صالح اللحيدان، والشيخ صالح الفوزان، والشيخ عبد الله بن حسن بن قعود، والشيخ إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد الله بن جبرين، والشيخ صالح الأطرم، والشيخ الدكتور عبد الله التركي، والشيخ صالح السدلان، والشيخ راشد بن خنين، والشيخ على الرومي، والشيخ مناع القطان، وغيرهم كثيرون
١٧ - ومن تلاميذ الشيخ عبد الرزاق أيضا فضيلة الشيخ عبد الرحمن السديس إمام وخطيب الحرم المكي، الذي درس على الشيخ في الجامعة، وكان الشيخ عبد الرزاق مشرفا على رسالته في الماجستير.
وقد ألقى الشيخ السديس محاضرة في مدينة جدة في رثاء الشيخ عبد الرزاق عقب وفاته ﵀
стр. 110
الفصل التاسع عشر مؤلفاته وموقفه من التأليف
لقد كان للشيخ ﵀ موقف من تأليف الكتب في هذا العصر لا يوافقه عليه أغلب العلماء، فقد كان يرى أن تصانيف السلف فيها الكفاية، وأنه لا حاجة للمزيد عليها، وأن الأولى أن تنصرف الهمة إلى دراسة كتب السلف، وتدريسها بدلا من الانشغال عنها بمؤلفات المعاصرين، ولعل عذر الشيخ في ذلك أن أكثر المؤلفات في هذا العصر قليلة القيمة لا تعدو أن تكون تكرارا لكلام السابقين، وليت هذا التكرار يسلم من التشويه، والتحريف، لكن لا ريب أنه ظهر في هذا العصر من المؤلفات العظيمة ما كانت المكتبة الإسلامية تفتقد إليه، منه ما هو أبحاث في مسائل عصرية تحتاج إلى تخريجها على أشباهها ونظائرها في كتب الفقه الإسلامي، ومنها ما هو اختصار، أو تهذيب لكتاب من كتب السلف ييسر تحصيل الفائدة منه عند أكبر عدد، ومنه ما هو شرح يحل غوامض كتب السلف التي يتعذر على أكثر المبتدئين فهم عباراتها، ومنها أعمال موسوعية تجمع شتات ما كتبه عالم في مكان واحد، أو تجمع شتات ما كتب عن مسألة يثور حولها الجدل في مكان واحد، ومنها ما هو تكميل لعمل بدأه أحد السلف ولم يكمله لعذر ما، إلى غير ذلك من فوائد التصنيف وهي كثيرة جدا، ولكن على كل حال فهذه كانت وجهة نظر الشيخ، وقد أخبرني الشيخ أنه لا يحب كتابة كلامه، وأنه استغنى عن كثير من كتبه، وأنه لا يكتب عليها من الهوامش إلا القليل، وكان يقول لي: صاحب الكتاب خير من صاحب الكتب، وكثرة الكتب عند الرجل علامة على جهله يقصد أن الذي يدرس كتابا موسعا في الفقه مثلا ويظل دائما يكرر قراءته ودراسته وتدريسه حتى يحفظه خير من الذي يشتت نفسه في كتب كثيرة لا يتقن شيئا منها. والله أعلم بالصواب
стр. 111
يقول الشيخ عبد الله بن جبرين:
أما التأليف فلم يكن يرغب فيه، ولا يحب الكتابة في أي فن من الفنون، بل يرى أن هذه الكتب والمؤلفات الحديثة لا فائدة فيها، فيكتفي فيما يكتبه بما كتبه وجمعه العلماء السابقون حيث أنهم تطرقوا إلى كل فن، وأوضحوا ما يحتاج إلى توضيح، فمن جاء بعدهم لا يستطيع أن يضيف إلى علومهم زيادة، وأن المتأخرين إنما توسعوا في الكلام بما لا فائدة فيه، وكان ينهي عن الانشغال بكتب المعاصرين التي كتبوها في الأصول، أو التفسير، أو الأدب، والفقه، ونحو ذلك، حيث إنهم لا يزيدون على من سبقهم، ومع ذلك فقد أشرف على رسالتي في أخبار الآحاد التي قدمتها لنيل درجة الماجستير، وعلى رسالة الدكتور عبد الله ابن عبد المحسن التركي وغيرهما، وكان يولي التلميذ توجيهات، ودلالة على المواضيع، وأماكن البحث، ونحو ذلك مما يدل على قدرته على الكتابة لو أراد ذلك فهو من حملة العلوم المتعددة، وأي فن يتطرق إليه يوسعه بحثا. فرحمه الله وأكرم مثواه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
ويقول الشيخ مناع القطان:
تميز الفقيد بتأصيل المسائل العلمية وتحليل فروعها، وتحرير مواطن الخلاف فيها، والترجيح السديد بين الآراء المتعددة، ولم يكن يميل إلى تأليف الكتب مع غزارة علمه، وسعة اطلاعه، ويفضل أداء العلم تدريسا وبحثا، وقد أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء كثيرا من الأبحاث التي يرجع إليها طلبة العلم وينهلون من معينها العذب.
له من المؤلفات (١): مذكرة في التوحيد، وتحقيق وتعليق على كتاب
_________
(١) وقد قمنا - بفضل الله - بجمع هذه المؤلفات وغيرها، وما ألقاه من محاضرات، وما سمعه منه كثير من تلامذته وسجلوه، كل ذلك في هذا السفر الجامع لمؤلفاته رحمه الله تعالى، وهو السفر الذي بين يديك.
стр. 112
الإحكام في أصول الأحكام للآمدي، وتعليق على الجزء المقرر في التفسير من الجلالين لطلاب المعاهد العلمية.
ويقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:
والعلماء نوعان: علماء ينعزلون عن الناس، ويتفرغون لكتابة الكتب والمصنفات، وعلماء يعنون ببناء النفوس، وتوجيه العامة وإرشادهم، وبالإجابة عن أسئلتهم وحل مشكلاتهم، وقد كان فقيدنا العظيم من النوع الثاني، وقد انتفع بعلمه وتوجيهه خلق كثير، وهناك عدد من مشايخنا كانوا من النوع الثاني وهم جبال من العلم، وكذلك في العصور السابقة كان أكثر العلماء من هذا القبيل، وأحسب أن فقيدنا كان يحمله على ترك التأليف عامل آخر وهو زهده في الشهرة والسمعة والمناصب.
وكان إذا رأى كتابا لأحد المحدثين ليس فيه صفة الأصالة ولا دقة ولا استيفاء قال: ياليته ما ألف! وياليته اقتصر على الانتفاع بما كتب الأئمة.
ويقول الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري:
والشيخ في جبلته يؤمن بتخريج الطلاب، وتسهيل العلم الذي ورثناه عن الأسلاف دون حاجة إلى مزيد من التأليف. ولهذا نفع الله بدروسه وتلاميذه فكانت له في وسطنا العلمي بالسعودية بصمة متميزة تجمع بين المعقول والمنقول رحم الله الفقيد وجمعنا به في دار كرامته.
ويقول الشيخ زهير الشاويش:
الشيخ والتأليف: كان ﵀ يرى أن في ثروتنا العلمية التي تركها لنا الأجداد ﵏، ما يكفي وإذا كان ولا بد من مؤلف فيكون لسد الحاجات الطارئة علينا من أمور استجدت.
стр. 113
وقال لي مرة: يا زهير إن حسن إخراج الكتب وتحقيقها وحسن عرضها أفضل من التأليف.
ولذلك صرف جهوده إلى وضع المناهج للجامعات، والمعاهد، ورسم الخطط لها من غير أن يؤلف كتبا.
وقام على تحقيق كتاب «إحكام الأحكام» للآمدي.
وبحكم تدريسه الطويل كان عنده أمال: في التفسير، والحديث، وأصول الفقه … ما لو جمع لكان كتبا نافعة وفي تعليقه على رسائل الدكتوراه التي أشرف عليها - ولعلها بلغت المئات - العلم الغزير النافع.
ويقول الشيخ عبد الله العجلان:
وكان يخبر عن نفسه في أكثر من مناسبة بأنه في الفترة الأخيرة ما كان يعتني باقتناء الكتب الكثيرة في بيته، وأنه يكتفي باقتناء عدد محدد من الكتب المنتقاة في كل فن من الفنون يرجع إليها عند الحاجة، ويؤكد بأنه لا يوجد لديه مكتبة بالمعنى المتعارف عليه بين طلاب العلم.
وكان له رأي في التأليف يذكره عندما يقال: لم لم تؤلف في العلم الفلاني من علوم الشريعة؟! فيقول: نحن لسنا في حاجة إلى التأليف بقدر ما نحن في حاجة إلى الاطلاع على المؤلفات التي تزخر بها المكتبات، وإن كثيرا من التأليف الحديثة في علوم الشريعة، واللغة العربية ما هي إلا معلومات معادة وفي المكتبة ما هو أصل منها.
ويقول الشيخ حمد الجنيدل:
وعندي من إملائه ما يزيد عن مائة ورقة من التفسير كتبتها بقلمي في أثناء تدريسه لنا في المعهد العالي للقضاء اعتبرها أنفس ما لدي في مكتبتي الخاصة.
стр. 114
ولعل الله أن يسهل لنا إخراجها وطبعها.
قلت: ومما يبقى من آثار الشيخ (١):
١ - تعليقات على تفسير الجلالين من أول سورة غافر إلى آخره.
٢ - وتعليقات على العقيدة الحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية.
٣ - وعلى التدمرية أيضا لشيخ الإسلام ابن تيمية.
٤ - وعلى الرسالة التبوكية للإمام ابن القيم.
٥ - وله حواش نفسية على ألفية العراقي في المصطلح.
٦ - وله بحث كبير في نحو ١٥٠ صفحة عن البورصة كان قد قدمه لهيئة كبار العلماء.
٧ - وله مذكرة في التوحيد (طبعت).
٨ - وله تعليقات مطبوعة على شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز.
٩ - وله مقدمة وتعليقات على كتاب الإحكام للآمدي.
١٠ - وله رسالة شبهات حول السنة.
١١ - وله رسالة في الحكم بغير ما أنزل الله، وقد طبعت الآن بدار الفضيلة بالإضافة إلى فتاويه الخاصة المتناثرة عند تلاميذه ومحبيه وهذه الأشياء تحت الطبع بدار الفضيلة للنشر وفقهم الله.
وقد علمت أن دار الفضيلة للنشر بالرياض جمعت مؤلفات الشيخ ونسخت أشرطة التسجيل المحفوظة بصوته، ولديهم كتب للشيخ، وفتاوى ورسائل جاهزة للطبع الآن.
ويضاف إلى هذا كله كما أسلفنا أن الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ كان واحدا من أربعة علماء هم أعضاء اللجنة الدائمة للبحوث، والإفتاء اشتركوا في إصدار آلاف الفتاوى وعشرات الأبحاث القيمة التي لا تقدر لنفاستها بثمن.
_________
(١) وله رسالة «الحكمة من إرسال الرسل».
стр. 115
الفصل العشرون أسرته وأولاده
يقول الشيخ محمد لطفي الصباغ:
وقد تزوج سيدة فاضلة من أسرة كريمة من الإسكندرية هي أسرة سالم، وقد أنجب منها عددا من البنين وهم المهندس الزراعي أحمد عاصم ﵀، والأستاذ محمد نبيل حفظه الله (١) والأستاذ محمود حفظه الله، والأستاذ عبد الله ﵀، والأستاذ عبد الرحمن ﵀ وأما البنات فثلاث وقد أكرمه الله بأصهار صالحين بررة.
وكان يهتم بتربية أولاده، فكانوا مثالا في الاستقامة والبر، ولقد كان الأستاذ محمود منقطعا لخدمة والده وضيوفه، فكان هو الذي يصحبه إلى الصلاة؛ ذلك لأن الشيخ في آخر حياته كان لا يقوى على المشي، فكان يستخدم كرسيا طبيا، وما كان الشيخ ﵀ يترك صلاة الجماعة في المسجد في وقت من الأوقات الخمسة، وكان الأستاذ محمود أحسن الله إليه يجلس معه يقوم بخدمة والده وتقديم الضيافة للضيوف وتنفيذ أوامر الشيخ. وكان يلازمه إذا مرض لا يتركه.
وقال الشيخ عبد الله بن جبرين:
كان من زملائه عبد الله بن يابس الذي أصله من بلاد القويعة، وقد كان بينهما من المحبة، والصحبة، وقوة الأخوة مالا يوجد مثله إلا نادرا، وكان زواجهما متقاربا في مصر من زوجتين صالحتين كالأختين، وقد استضاف الشيخ
_________
(١) يعمل الأستاذ محمد مراقبا ماليا للإدارات المالية وشؤون الموظفين بالخطوط السعودية حاليا.
стр. 116
عبد الله عند مجيئه من مصر لأول مرة، واستزاره الشيخ عبد الله إلى بلاده، ونال هناك حفاوة وإكراما من قبيلة الشيخ عبد الله، ولم يزالوا يوادون الشيخ عبد الرزاق ويتصلون به حتى توفى ﵀.
стр. 117
الفصل الحادي والعشرون حفظه الله تعالى عليه حواسه إلى آخر عمره
١ - قال الشيخ عبد الله الحكمي:
وإن كانت وفاته ﵀ بعد أن جاوز التسعين عاما فقد كان رغم ما توالى عليه في السنين الأخيرة من العلل والأمراض مع كبر سنه تام الحواس سليم الإدراك، لم يتغير في علمه وقد يسر الله له الحج عام ١٤١٤ هـ آخر موسم قبل وفاته بصحبة سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز فكانت حجة وداع من خير ما ختم به أعماله.
٢ - وجاء في جريدة اليمامة بتاريخ ٢١/¬٥/¬١٤١٥ هـ:
كان مثالا للأمانة والإخلاص لله، والأمانة والإخلاص في حياته وعمله حتى أنه كان يذهب إلى عمله في آخر حياته، وحتى في بعض الأيام التي لا يستطيع الذهاب إلى عمله بسبب سوء حالته الصحية كانت تأتي له أوراق الفتاوى إلى بيته ليجيب عنها.
٣ - وقال الشيخ عبد الله بن جبرين:
أما تدريسه فقد أفنى حياته في وظيفة التدريس في مصر، ثم في المملكة، في دار التوحيد بالطائف، ثم في معهد الرياض العلمي، ثم في كلية الشريعة وكلية اللغة العربية بالرياض، ثم في معهد القضاء العالي مديرا ومدرسا حتى أحيل الى التقاعد، ثم عمل متعاقدا في رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء بقية حياته حتى وافاه الأجل وهو على رأس العمل في هذه الرئاسة.
стр. 118
٤ - وقال الشيخ مناع القطان:
بقي أن نضيف أن الشيخ عبد الرزاق عفيفي بقي عضوا في هيئة كبار العلماء حتى أعفى لحالته الصحية التي فرضها كبر سنه قبل نحو عامين، أما اللجنة الدائمة للإفتاء فلم يزل يشارك فيها منذ أقيمت بالرياض حتى وفاته يرحمه الله، بل لقد كان يباشر عمله مفتيا ومجيبا عن مسائل العامة، وكان يذهب إلى مكتبه بإدارة البحوث العلمية والإفتاء مدفوعا بالعربة لصعوبة المشي عليه.
стр. 119
الفصل الثاني والعشرون حسن خاتمته ووصف جنازته
جاء في جريدة المسلمون بتاريخ ٤/¬٤/¬١٤١٥ هـ:
وكان الشيخ عفيفي - يرحمه الله تعالى - قد أدخل المستشفى العسكري بالرياض الساعة الواحدة بعد الظهر من يوم الثلاثاء الموافق ١٦/¬٣/¬١٤١٥ هـ في قسم العناية المركزة، ثم أخرج من ذلك القسم في يوم الأحد ٢١/¬٣/¬١٤١٥ هـ وهو يعاني من ألم شديد في الكبد، وضعف في الكلى، ووجود سوائل في الرئتين وهبوط في ضربات القلب، وظل بالمستشفي حتى وافاه الأجل المحتوم في يوم الخميس ٢٥/¬٣/¬١٤١٥ هـ في حوالي الساعة السابعة صباحا، وكان - يرحمه الله - قبل وفاته - كما يروي ابنه محمد - في كامل وعيه وفي حالة ذكر الله حتى ازداد ضيق نفسه، وهبط الضغط لتخرج روحه إلى بارئها، وقد صلى على جنازته عقب صلاة الجمعة ٢٦/¬٣/¬١٤١٥ هـ في جامع الإمام تركي بن عبد الله (الجامع الكبير) بالرياض، وقد صلى عليه جمع غفير من الناس، ويقول الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، والشيخ محمد السعيد: إنه كان يوما عظيما مشهودا امتلأ الجامع الكبير إلى آخره، وهي من المرات القلائل التي يمتلأ فيها الجامع، وقد ازدحمت المواقف والشوارع المؤدية إلى المقبرة بالسيارات خصوصا بعدما انطلق الناس بسياراتهم، ومشيا على الأقدام مشيعين له، وحضر دفنه بمقبرة العود بالرياض عدد هائل من البشر غالبيتهم من المشايخ والعلماء، وطلبة العلم وتلاميذ الفقيد يغمرهم الحزن على فراقه داعين له بالمغفرة والرحمة.
وهذا الحزن من الناس، والجمع الغفير من المشيعين يدل بوضوح على ما للشيخ من مكانة وقدر في نفوس الناس وتلامذته الذني لا يحصون لكون الشيخ درس في أماكن كثيرة ومتعددة طوال ثلاثين عاما قضاها في التدريس بالمملكة،
стр. 120
وبرغم أن الشيخ تلقى تعليمه بعيدا في الأزهر بالقاهرة، إلا أنه سرعان ما نال مكانته، وقدره بين علماء المملكة بعد أن جاء به الملك عبد العزيز آل سعود - يرحمه الله - مع علماء آخرين من داخل المملكة وخارجها - لينفذ من خلالهم سياسته الصارمة في محاربة الجهل واقتلاع جذروه، ونشر العلم في ربوع المملكة، وخاصة العلم الشرعي، وما زالت هذه المكانة تتعاظم حتى انتهت بالشيخ عبد الرزاق عفيفي عضوا في هيئة كبار العلماء، ونائبا لرئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
ويقول الشيخ عبد الله العجلان:
ولا غرابة في أن يتوافد أبناء عاصمة المملكة إلى المسجد الكبير في مدينة الرياض من كل حدب وصوب وأن تكتظ بهم شوارع العاصمة، وأن يضيق بكثرة المصلين على سعته وساحاته على امتدادها، والشوارع المحيطة به على طولها. وأن يمشي أبناء مدينة الرياض في تشييع جنازته زرافات، ووحدانا، شيوخا، وشبابا حتى ضاقت بهم شوارع العاصمة على سعتها، وغصت المقبرة بالمشيعين والطرقات المؤدية إليها، كل منهم يريد أن يلقي على هذا الفقيد نظرة أخيرة ويقول له وداعا أيها الإمام وموعدنا معكم في الجنة إن شاء الله. إن هذا المشهد العظيم الذي عاشته عاصمة المملكة في توديعها هذا العالم يدل على وعي هذه الأمة، وتقديرها للمخلصين من رجالها، والعلماء العاملين بعلمهم من أبنائها.
ويقول الشيخ صالح السدلان (بجريدة عكاظ ٢٧/¬٣):
وكان محبوه كثيرين ولم نكن نتصور أن يكون الحضور بهذا الحجم الكبير ومن كافة الفئات في جنازته .. أسأل الله له الرحمة وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.
стр. 121
ويقول الشيخ محمد سعد السعيد في مقالة بجريدة الجزيرة:
أدخل المستشفى العسكري بالرياض الساعة الواحدة بعد الظهر من يوم الثلاثاء الموافق ١٦/¬٣/¬١٤١٥ هـ في قسم العناية المركزة، ثم أخرج من ذلك القسم في يوم الأحد ٢١/¬٣/¬١٤١٥ هـ وهو يعاني من ألم شديد في الكبد، وضعف في الكلى، ووجود سائل في الرئتين، وهبوط في ضربات القلب، وظل بالمستشفى حتى وافاه الأجل المحتوم في يوم الخميس ٢٥/¬٣/¬١٤١٥ هـ في حوالي الساعة السابعة صباحا ثم صلى على جنازته عقب صلاة الجمعة ٢٦/¬٣/¬١٤١٥ هـ في الجامع الكبير بالرياض وقد صلى عليه خلق كثير لا يحصى وقد ازدحمت المواقف، وكذلك الشوارع المؤدية إلى المقبرة بالسيارات خصوصا بعد ما انطلق الناس بسياراتهم للمقبرة ومن المشيعين من ذهب إلى المقبرة مشيا على الأقدام خوفا من الزحام، حيث حضر دفنه بمقبرة العود بالرياض عدد هائل من البشر غالبيتهم من المشايخ، والعلماء وطلبة العلم، وتلامذة الفقيد يغمرهم الحزن على فراقه داعين له بالمغفرة والرحمة.
وهذا الجمع الغفير من مشيعيه يدل دلالة واضحة على محبتهم له، وإن العالم الإسلامي فعلا قد فقد عالما جليلا وشيخا فاضلا، وعلما من أعلام الأمة، قدس الله روحه، ونور ضريحه، ورحمه وغفر له، وأسكنه فسيح جناته، وجمعنا به في دار كرامته، ومستقر رحمته، وجبر الله مصيبتنا ومصيبة أهله فيه، ورزقنا وإياهم الصبر والسلوان و ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ (١).
وجاء في مجلة الفرقان:
هذا وقد شهدت الرياض يوم دفنه الجمعة ٢٦ ربيع الأول يوما متميزا حيث وفد الآلاف من طلبة العلم، ومحبي الشيخ المواراته الثرى، وقد امتلأت بهم
_________
(١) سورة البقرة، الآية ١٥٦.
стр. 122
الطرقات والمقبرة، والله نسأل أن يسكن شيخنا الفردوس الأعلى، وأن يجعل قبره روضه من رياض الجنة، وأن يجمعنا معه في الجنة مع النبيين، والصديقين، والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
قلت: وقد شهدت الصلاة على الشيخ ﵀ بالجامع الكبير بمدينة الرياض، وكان إمام الناس في الصلاة فضيلة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ إمام الجامع الكبير، ثم شهدت جنازته، ودفنه ﵀، فكانت كما وصفها الواصفون الذين نقلت كلامهم، وهذا الجمع الغفير من العلامات التي يرجى للفقيد حسن الخاتمة. قال الإمام أحمد ﵀: «بيننا وبينهم أيام الجنائز».
стр. 123
الفصل الثالث والعشرون تفجع المسلمين عليه وتألمهم لفقده
لقد كانت وفاة الشيخ عبد الرزاق ﵀ فجيعة كبيرة تألم لها المسلمون في أرجاء العالم الإسلامي وإليك بعض ما كتب في ذلك.
يقول الشيخ صالح بن فوزان الفوزان:
والآن قد لقى ربه من ذا سيسد ثلمته:
سيذكرني قومي إذا جد جدهم … وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
إن مصابنا فيه كبير، وواجبنا أن نقول ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ (١) رحم الله شيخنا أبا أحمد، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أولاده وأهله الصبر واحتساب الأجر.
ويقول الدكتور محمد لطفي الصباغ:
فجع العالم الإسلامي بوفاة العالم العامل، والعلامة الداعية إلى الله على بصيرة الشيخ عبد الرزاق عفيفي، وذلك في صباح يوم الخميس الواقع في ٢٥/ ربيع الأول سنة ١٤١٥ هـ (الموافق ١/¬٩/¬١٩٩٤ م) ودفن في الرياض بعد صلاة الجمعة.
بلغني الخبر المؤلم وأنا في عمان، فالمني ذاك الخبر إيلاما شديدا، وشعرت بعظم الكارثة على وجه أكبر مما كنت أتوقع.
يالله!! مات العالم الذي قل نظيره في العلماء .. لقد أذهلني الخبر حقا.
أشهد أني قد جزعت لذاك النبأ جزعا لم أجزعه إلا يوم وفاة والدي رحمه
_________
(١) سورة البقرة، الآية ١٥٦
стр. 124
الله. والشيخ عبد الرزاق عفيفي كان لي بمثابة الوالد. ثم تماسكت وتصبرت وتذكرت الآيات القرآنية التي تقرر أن الموت سبيل كل حي ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ (١)، وأن الأجل إذا جاء لا يؤخر ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ (٢)، ومرت بخاطري كلمة عمر بن عبد العزيز:
(ما الجزع مما لا بد منه؟ وما الطمع فيما لا يرجى؟ وما الحيلة فيما سيزول؟ وإنما الشيء من أصله، فقد مضت قبلنا أصول نحن فروعها، فما بقاء فرع بعد أصله؟ إنما الناس في الدنيا أغراض فيهم المنايا، وهم فيها نهب للمصائب، مع كل جرعة شرق، وفي كل أكلة غصص).
فاسترجعت قائلا: إنا لله وإنا إليه راجعون، غفر الله له، وأكرم نزله، وعوضه الجنة وعوض المسلمين خيرا.
وجاء في جريدة الرياض بتاريخ الثلاثاء غرة ربيع الآخرة ١٤١٥ هـ ما نصه:
خادم الحرمين، وسمو ولي العهد، وسمو النائب الثاني يعزون الشيخ ابن باز في وفاة الشيخ عبد الرزاق عفيفي.
تلقى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود برقية من سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء هذا نصها: حضرة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز، وفقه الله لما فيه رضاه ونصر به دينه أمين.
سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد
_________
(١) سورة الزمر الآية: ٣٠.
(٢) سورة الأعراف الآية: ٣٤.
стр. 125
ففي صباح يوم الخميس الموافق ٢٥/¬٣/¬١٤١٥ هـ توفي صاحب الفضيلة العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي: عضو مجلس هيئة كبار العلماء، ونائب رئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، عن عمر جاوز التسعين ﵀ رحمة واسعة - فأقول أحسن الله عزاءكم فيه، وجبر مصيبتكم، وأصلح ذريته، وكان ﵀ من خيرة العلماء عقيدة، وعلما، ودعوة، وتعليما مضى عليه في ذلك ما يقارب خمسين عاما ضاعف الله حسناته، وخلفه على المسلمين بأحسن الخلف، وفسح في أجلكم على خير عمل وبارك في أوقاتكم، وأعمالكم إنه جواد كريم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته/ …
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء
وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
وجاء في جريدة الرياض أيضا ما نصه:
وقد وجه الملك المفدى يحفظه الله البرقية الجوابية التالية لسماحته:
سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
مفتي المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء - حفظه الله -
سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد
فقد كدرنا نبأ وفاة فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي عضو هيئة كبار العلماء ونائب رئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وإننا إذ نعرب لسماحتكم
стр. 126
عن تعازينا ومواساتنا ونأمل إبلاغ ذلك لأسرته وذويه لنسأل الله جل وعلا أن يتغمده بواسع رحمته، ومغفرته، ويسكنه فسيح جنته، وأن يعوض المسلمين عنه خيرا والحمد لله على قضائه وقدره .. إنا لله وإنا إليه راجعون .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
ويقول الشيخ عبد الله العجلان:
فهد بن عبد العزيز
ولقد وقع نبأ وفاته ﵀ على نفوس أبنائه ومحبيه وعارفي فضله - وما أكثرهم - بل وعلى الأمة كلها موقعا عظيما فيه بعظم الخسارة، وفداحة الخطب، وشدة المصاب لكن الكل وهم مؤمنون بالله وراضون بقضائه وقدره، ويعلمون أن الموت حق، وأنه مصير كل حي قالوا بصوت واحد ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ ودعوا الله بصادق الدعاء وخالص الرجاء بأن يسكنه فسيح جناته، ويغفر له، ويعفو عنه، وأن يعوض الله هذه الأمة فيه خيرا.
ويقول الشيخ صالح بن سعود آل علي - عضو مجلس الشورى -:
ومن أجل هذا أصيب الوسط العلمي، والعام، من علماء، ومتعلمين، بالذهول يوم الخميس ١٤١٥/¬٣/¬٢٥ هـ عندما فاضت روح علم من أعلام هذه البلاد وواحد من أكبر علمائها وهو فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي عليه من الله الرحمة والرضوان. أصيب الناس بالحزن والأسى لفقد هذا العالم الذي كان - يرحمه الله - وحدا قل من يناظره في الشريعة وعلومها.
وجاء في جريدة الندوة
بتاريخ ١٣/¬٤/¬١٤١٥ هـ على لسان منسوبي دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة قولهم:
стр. 127
وقد تلقت مدرسة دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة ممثلة في جميع منسوبيها نبأ وفاة الشيخ عبد الرزاق عفيفي بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره.
وقد آلمنا فراقه وعز علينا رحيله، ولكن تلك سنة الله في خلقه ﴿فلن تجد لسنت الله تبديلا﴾ (١).
_________
(١) سورة فاطر الآية: ٤٣.
стр. 128
الفصل الرابع والعشرون ما رثي به الفقيد ﵀ من الشعر
عقب وفاة الشيخ ﵀ رثاه بعض الشعراء منهم العبد الفقير مؤلف هذه الترجمة، فقد هاجت نفسي تأثرا لوفاته فرثيته بقصيدة عينية من البحر الطويل رغم كوني مقلا من الشعر جدا.
ومنهم الأستاذ محمد بن سعد المشعان الذي رثى الشيخ ﵀ بقصيدة همزية بارعة من البحر الطويل أيضا، وقد نشرت بجريدة الرياض العدد ٩٥٧٣ بتاريخ ٤/¬٤/¬١٤١٥ هـ.
وهذه مرثية الفقيد العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي- ﵀ المتوفى يوم الخميس ٢٥/¬٥/¬١٤١٥ هـ. عن اثنين وتسعين عاما رثاه بها تلميذه أبو خالد وليد ابن إدريس بن عبد العزيز منيسي- المدرس بالرياض-.
هوى نجم عبد في الأنام فأفجعوا … وذا الخطب جل والمصاب مروع
فلله نعش شيعوه عشية … به الحلم والعلم الذي كان يتبع
فيا عبد رزاق البرايا تركتنا … ومنا قلوب للفراق تصدع
فتسعون عاما قد قضيت مجيدة … بمصر ونجد فالبلاء موزع
وفي أزهر حزت العلوم بعرش من … هب المالكيين الكرام تربع
стр. 129
لقد كنت ردءا للفقي (١) بمصرنا … وقد كنتما حربا على من تبدعوا
فكم قد نصرتم سنة لنبينا … وفي أز من عز النصير المشجع
فظلتم بأرض مصر نورا فقمتم … بنشر الفنون بين قوم تطلعوا
مع النفر الألى إليهم يشار بالـ … بنان بنيتمو معاهد ترفع
مع ابن حميد والأمين وحبرنا … وأعنى ابن باز عطركم يتضوع (٢)
وفي هيئة الكبار صلتم وجلتم … وفي لجنة الفتوى قلوب وأضلع
عزا أهل مصر فيكم أن تركتم … و عبيد العزيز حبر برما المفزع (٣)
وأما بنجدكم شهاب أفضم … عليهم سيوبكم فأرووا وارتعوا
وتلميذك المحزون يأسى لفقدكم … وكم من محب قلبه يتوجع
_________
(١) إشارة إلى دور الشيخ عبد الرزاق في مناصرة دعوة الشيخ حامد الفقي، وتأسيس جماعة أنصار السنة بمصر، والتي كانت امتدادا لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
(٢) إشارة إلى دور الشيخ عبد الرزاق في نشأة المعاهد الشرعية، والمعهد العالي للقضاء، ومع أقرانه الشيخ عبد الله بن حميد، والشيخ محمد الشنقيطي، والشيخ ابن باز.
(٣) إشارة إلى أجل تلامذته بمصر العلامة الشيخ عبد العزيز علي البرماوي أحد علماء الأزهر، وأنصار السنة بالأسكندرية، وكان حيا آنذاك ﵀.
стр. 130
شعر الأستاذ/ محمد بن سعد المشعان
إلى روح فقيد العلم الشرعي الشيخ الجليل/ عبد الرزاق عفيفي يرحمه الله رحمة واسعة.
وقفت لكي أرثي «العفيفي» فصدني … وجوم - وقد حل النوى - وبكاء
وقمت أعزي فيه من رام علمه … فقالوا: وهل يسليك عنه «عزاء»؟
فعدت أناجي ذكريات ترحلت … وقد ضمني و «الشيخ» ثم لقاء
وأبصرت فيها الشيخ يرقي بعلمه … وعانيت فيها الشيخ وهو بهاء
وناجيت فيها الشيخ فازور طيفه … وما في ازورار الطيف منه جفاء
لقد سار في درب الشريعة يافعا … يطير به عزم له وإباء
وأنفق في بسط الشريعة عمره … يسير به خوف له ورجاء
(ثمانون) (١) عاما والحياة مصاعد وللشيخ فيها منهج وسناء
_________
(١) قلت هكذا ذكر الشاعر (ثمانون) وحيث إن الشيخ ﵀ توفى وعمره اثنان وتسعون عاما فينبغي تعديل البيت (فتسعون) عاما علما بأن وزن البيت لا يختل بهذا (وليد).
стр. 131
إذا المحفل الراقي تناظر جمعه … رأيت مقال الشيخ فيه سخاء
شواهده الآيات جل دليلها … وحشد أحاديث لهن صفا
يسربل بالإقناع كل مقاله … فيصغى له الكتاب والخطباء
إلى عرصات الخلد يا وافر النهى … لعلك عند الله حيث تشاء
وإن قصيدي حين يندى بذكركم … حري بأن يندى به الشعراء
стр. 132
خاتمة
وإلى هنا توقف القلم، وهذا الذي ذكرته ليس إلا غيضا من فيض شمائله وقطرة من بحر محاسنه، ولا يستطيع مثلي أن يحيط بمناقب الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀، أو أن يفيه حقه، ولا أملك إزاء هذا إلا أن أدعو له أن يتقبل الله منه أحسن ما عمل، وأن يتجاوز له عن سيئاته، وأن يسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، وأن يلحقنا به في الصالحين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وكان الفراغ من جمع هذه الترجمة بمدينة الرياض يوم الاثنين الخامس عشر من ذي القعدة سنة سبع عشرة وأربعمائة وألف للهجرة النبوية على صاحبها صلوات الله وتسليمه
أبو خالد وليد بن إدريس بن عبد العزيز ابن منيسي السلمي الإسكندري الحنبلي - عفا الله عنه -
стр. 133
أولا: مباحث وفتاوى العقيدة
стр. 134
١ - علم التوحيد
١ - تعريف علم التوحيد:
التوحيد لغة: جعل المتعدد واحدا، ويطلق على اعتقاد أن الشيء واحد متفرد، ويطلق شرعا على تفرد الله بالربوبية والإلهية، وكمال الأسماء والصفات.
وعلم التوحيد يبحث عما يجب لله من صفات الجلال والكمال، وما يستحيل عليه من كل ما لا يليق به، وما يجوز من الأفعال، وعما يجب للرسل والأنبياء، وما يستحيل عليهم، وما يجوز في حقهم وما يتصل بذلك من الإيمان بالكتب المنزلة، والملائكة الأطهار، ويوم البعث والجزاء، والقدر والقضاء، وفائدة تصحيح العقيدة، والسلامة في العواقب، ونيل السعادة في الدارين، واسمه: " علم التوحيد، وعلم أصول الدين ".
٢ - بيان الحكم وأقسامه:
الحكم إثبات أمر لأمر، أو نفيه عنه، مثاله: محمد رسول الله ومسيلمة ليس برسول.
وينقسم إلى ثلاثة أقسام: عقلي، وشرعي، وعادي.
فالعقلي إثبات أمر لأمر، أو نفيه عنه بناء على تفكير دون توقف على شرع، ولا تجربة أو تكرار. مثاله: الله موجود، لا إله إلا الله.
والشرعي إثبات أمر لأمر، أو نفيه عنه بناء على وحي من الله مثل الصلوات الخمس فريضة على المكلفين، ولا يجوز شرب الخمر.
والعادي إثبات أمر لأمر، أو نفيه عنه بناء على تجربة أو تكرار مثل: الأمطار تكثر بالشواطئ.
стр. 135
وينقسم الحكم الشرعي إلى تكليفي: كوجوب الزكاة، وتحريم القمار، واستنان ركعتي الفجر، وكراهية الأكل باليسار، وإباحة الطيبات من الطعام، والشراب، واللباس ونحوها.
ووضعي: كسببية دخول الوقت لوجوب الصلاة، وشرطية الطهارة لصحتها، وكمنع الجنون من وجوبها، والحدث من صحتها، ومن ذلك: الصحة، والفساد، والرخصة، والعزيمة.
وينقسم العادي إلى أربعة أقسام:
ربط وجود بوجود، كربط الشبع بالأكل، وربط عدم بعدم: كربط عدم المطر بعدم السحاب، وربط وجود بعدم: كربط البرد بعدم اللباس والغطاء، وربط عدم بوجود: كربط عدم الصحة بوجود ميكروب المرض.
وينقسم الحكم العقلي إلى ثلاثة أقسام: الوجوب، والاستحالة، والجواز.
فالواجب: هو الثابت الذي لا يقبل الانتفاء لذاته: كثبوت العلم، والقدرة، والمحبة، والرضا، والوجه، واليدين، ونحوها من الكمالات لله، فإنها صفات ثابتة له -تعالى- لا تقبل الانتفاء.
والمستحيل: هو المنفي الذي لا يقبل الثبوت: كشريك الباري، والجمع بين النقيضين، ورفعهما، والجمع بين الضدين.
والجائز: يقال له: " الممكن " هو ما يقبل الوجود والعدم: كالمخلوقات التي نشاهدها، فإنها كانت معدومة فقبلت الوجود، ثم بعد وجودها فهي قابلة للعدم. "وقد يطلق الواجب على الأمر الثابت من حيث تعلق علم الله بثبوته، وإن كان ممكنا في ذاته". ويسمى الواجب لغيره، كوجود إنسان على كيفية معينة في عصر معين، فإن وقوعه على تلك الصفة في ذلك العصر واجب، باعتبار تعلق علم الله به كذلك، وإن كان ممكنا في ذاته.
стр. 136
وقد يطلق المستحيل على أمر معدوم يجوز أن يوجد لكنه امتنع وجوده لتعلق علم الله ببقائه على العدم، ويقال له: المستحيل لغيره.
والذي يحتاج إليه من أقسام الحكم في مباحث التوحيد، وعليه تدور مسائله، الحكم العقلي.
أما الشرعي: فيبحث عنه في علم الفقه، وأصوله، وفي الأخلاق، وآداب السلوك.
وأما العادي: فله اتصال وثيق بالكونيات، وسنن الله فيها، وما يجربه البشر عليها من التجارب، وما يستفاد منها بالتكرار.
ومعنى كون الوجوب والاستحالة والجواز حكما عقليا أنها لازمة لما حكم بها، لا تقبل التخلف عنه ولا الانفكاك، فقولنا: الله عليم وحكيم، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، والضدان لا يجتمعان، قضايا لا تختلف أحكامها كما تختلف الأحكام العادية إكراما من الله لأوليائه، أو إثباتا لرسالة رسله، وكما تختلف الأحكام الشرعية الفرعية بنسخ أو استثناء، وليس المراد أنها تثبت بالعقل دون نصوص الشرع، فإن نصوص الشرع قد جاءت بأصول الدين، وكشفت للعقل عما خفي عليه، وقصر عن إدراكه من تفاصيل عقائد التوحيد، وسلكت به طريق الحق، وهدته إلى سواء السبيل.
ولولا ما جاء فيها من البيان لارتكس العقل في حمأة الضلالة، وقام للناس العذر، وسقط عنهم التكليف، وقال الله -تعالى-: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾. وقال: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما﴾. وقال: ﴿ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى﴾. بل جاءت الرسل بما تحار في إدراك حقيقته العقول، وتعجز عن فهم كنهه الأفكار: كسؤال الميت في
стр. 137
قبره، ونعيمه، وعذابه، وحياة أهل النار في النار، ولكنها لا تحيله، ولا تقوى على رده، ولا تجد لديها من الأدلة الصحيحة ما ينقضه، بل وصلت العقول بتيسير الله لها، وهدايته إياها إلى ما يصدق هذا، وأمثاله مما جاءت به الرسل، ووقفت بما أتاح الله لها من الوسائل، وسخرت لها من الكون، وهداها إليه من التجارب على حقائق سبق أن أنكرتها، وسخرت ممن تحدث بها، وربما رمته بالسحر، والكهانة، أو الخيال، والجنون.
وليس ذلك لشيء أكثر من أنها لم تقع تحت حسها، ولم تكن من إلفها، ومعهودها، فوجب أن تعترف بقصورها، وأن تقر بأن لإدراكها غاية لا تعدوها، وحدا تقف عنده، وتؤمن بما صح من وحي الله لرسله، وأن تسلم وجهها إلى الله، فإن اتهمت فلتتهم نفسها بالقصور والتقصير، دون أن تتهم الله ورسله، فإنها بذلك أولى، وهي به أقعد.
قال -تعالى-: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط﴾.
فإن حجب الإنسان بعد ذلك ركوبه لرأسه، لجهالة، أو كبر، أو هوى في نفسه، حاول بالباطل ليدحض به الحق، غلب على أمره، ودارت عليه الدوائر، قال -تعالى-: ﴿إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾.
وقال -تعالى-: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون﴾.
стр. 138
مسائل في علم التوحيد
المسألة الأولى إثبات أن العالم ممكن
إن ما شاهدناه في ماضينا من الكائنات، وما نشاهده منها في حاضرنا ممكن: أي جائز الوجود، والعدم؛ وذلك لأنا نراه يتحول من عدم إلى وجود، ومن وجود إلى عدم، وهذا التغير والتحول دليل إمكانه، إذ لو كان واجبا لما سبق وجوده على العدم، ولما لحقه فناء، ولو كان مستحيلا لما قبل الوجود؛ لأن المستحيل لذاته لا يوجد، وحيث إننا قد شاهدناه موجودا بعد عدم ثبت أنه ممكن.
المسألة الثانية الممكن محتاج إلى موجد ومؤثر
وحيث ثبت أن العالم ممكن، والممكن ما استوى طرفاه -الوجود والعدم- بالنسبة إلى ذاته، فوجوده ليس من ذاته، وعدمه بعد وجوده ليس من ذاته، إذن لا بد له من سبب يرجح وجوده على العدم، إذ لو وجد بدون سبب خارج عن ذاته وحقيقته للزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجح، وهو باطل، ولو أوجد الممكن نفسه للزم من ذلك أن يكون متقدما على نفسه باعتباره خالقا لها، ومتأخرا على نفسه باعتباره مخلوقا لها، وتقدم الشيء على نفسه، وتأخره عنها محال بالضرورة لما فيه من التناقض الواضح، فثبت أن الممكن لا بد له من موجد غير ذاته وحقيقته، يوجده ويدبر شئونه في كل أحواله، هذا المغاير: إما المستحيل، وإما الواجد، ولا جائز أن يكون موجده هو المستحيل؛ لأن المستحيل غير موجود فلا يؤثر، ولأن فاقد الشيء لا يعطيه. فثبت أن
стр. 139
موجده هو الواجب، وهو الله -تعالى-.
وقد أرشدنا الله -تعالى- إلى ذلك في كثير من آيات القرآن الكريم.
قال تعالى: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾.
فقد أنكر -سبحانه- أن يكونوا قد خلقوا بلا خالق، وأن يكونوا قد خلقوا أنفسهم، فإذن لا بد لهم من خالق موجود مغاير لهم وهو الله تعالى.
ومن ذلك يتضح اتفاق الفطرة، والعقل السليم والسمع، على أن العالم محتاج إلى صانع، ومستند إلى موجد أوجده.
المسألة الثالثة
إثبات وجوب الوجود لله
إن لفظ الوجود، ومعناه المطلق، يشترك فيهما كل من الممكن والواجب، والحادث والقديم الأزلي. فالله يوصف بأنه موجود، والحادث يقال له -أيضا- أنه موجود، ولكن للممكن وجود يخصه، فإنه حادث سبق وجوده عدم، ويلحقه الفناء، وهو في حاجة دائمة ابتداء، ودواما، إلى من يكسبه، ويعطيه الوجود، بل يحفظه عليه. ولله - تعالى- وجود يخصه، فهو -سبحانه- واجب الوجود لم يسبق وجوده عدم، ولا يلحقه فناء، ووجوده من ذاته لم يكسبه من غيره.
وذلك لأنه تعالى الغني عن كل ما سواه، وبذلك جاء السمع، وشهد العقل. أما السمع: فمنه قوله-تعالى-: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن﴾.
وأما العقل: فبيانه أنه تعالى: لو كان مستحيل الوجود لم يصح أن يستند
стр. 140
إليه الممكن في حدوثه بداهة؛ لأن المستحيل ما لا يتصور في العقل وجوده، وفاقد الشيء لا يعطيه.
ولو كان ممكنا لافتقر في حدوثه إلى من يرجح وجوده على عدمه لما تقدم، فإن استمرت الحاجة، فاستند كل في وجوده إلى نظير له من الممكنات لزم إما الدور القبلي، وإما التسلسل في المؤثرات إلى ما لا نهاية، وكلاهما محال، وإذا انتفى عنه الإمكان والاستحالة ثبت له الوجوب ضرورة؛ لأن أقسام الحكم العقلي ثلاثة، وقد انتفى اثنان، فتعين الثالث، وهو الوجوب فالله -تعالى- واجب الوجود.
стр. 141
وقد أرشدنا الله إلى ذلك في كثير من الآيات.
منها قوله -تعالى-: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون﴾.
وهذه الآية، وإن سيقت للاستدلال على توحيد الألوهية الذي تقدم قبلها في قوله تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾. إلا أنها تدل دلالة قاطعة على توحيد الربوبية، فإن استحقاقه -تعالى- للعبادة، واختصاصه بها فرع عن وجوده، وانفراده بالخلق، والتدبير، والتصريف، والتقدير.
ومنها قوله -تعالى-: ﴿أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون﴾.
فهذه الآيات، وإن ذكرت لتنزيه الله -تعالى- وتقديسه عما ظنه به منكرو البعث، وسيقت لإثبات قدرته على المعاد. كما يرشد إليه ما قبلها من الآيات، فهي دليل -أيضا- على وجوب وجوده -تعالى - لاستناد ما ذكر في الآيات من المخلوقات إليه. وحدوثه، ولا يعقل ذلك إلا إذا كان واجب الوجود.
فمن نظر إلى ما ترشد هذه الآيات، ونحوها من سنن الله في العالم نظرا ثاقبا، وفكر في عجائب خلقها، وحسن تنسيقها، وشدة أسرها تفكيرا عميقا،
стр. 142
وبحث في أحكامها، وبديع صنعها بحثا بريئا من الهوى، والحمية الجاهلية، وأنصف مناظره من نفسه، فلم يمنعه من فهم ما عرض عليه من الحق، والإذعان له كبر يرديه، ولا عناد يطغيه، اتضح له طريق الهدى.
واضطره ذلك أن يستيقن النتيجة، ويؤمن من أعماق قلبه، بأن للعالم ربا خلاقا فاعلا مختارا حكيما في تقديره، وتدبيره أحاط بكل شيء علما، وهو على كل شيء قدير.
ومع قيام الدليل، ووضوح السبيل، تعامى فرعون موسى عن الحق، وتجاهل ما استيقنته نفسه، وأنكر بلسانه ما شهدت به الفطرة، ودل عليه العقل من وجود واجب الوجود، فأقام موسى عليه الحجة، بدلالة الأثر على المؤثر، والصنعة على الصانع، ووجود العالم، وعظم خلقه على وجود الخالق، وعظيم قدرته، وسعة علمه، وكمال حكمته، فغلبه بحجته.
وذلك بين واضح فيما حكاه الله عنهما من الحوار، والسؤال، والجواب:
قال -تعالى-: ﴿قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين﴾.
فانظر كيف وقف موسى موقف من يصدع بالحق، ويقيم عليه البرهان؟
وكيف وقف فرعون من موسى موقف السفهاء، لا يملك إلا الشتم، والسباب، والسخرية، والاستهزاء، والتهديد بأليم العذاب؟!!.
وقال -تعالى-: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك ياموسى مسحورا قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يافرعون مثبورا﴾.
стр. 143
وقال -تعالى-: ﴿فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين﴾.
وإن فرعون حينما أخذته الحجة، وانتصر عليه موسى، لم يبق بيده سلاح إلا التمويه على قومه، وإنذار موسى، ومن آمن به أن يذلهم، ويذيقهم العذاب الأليم.
وأنى له ذلك! والله من ورائهم محيط؟! وقد كتب على نفسه أن يجعل العاقبة للمتقين.
وقال -تعالى-: ﴿فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا﴾.
وقد ورث ذلك الزيغ، والإلحاد أناس ظهروا في عصور متعاقبة بأسماء مختلفة، واشتهروا بألقاب متنوعة.
فتارة يسمون بالدهريين: وأخرى برجال الحقيقة، ووحدة الوجود.
وأحيانا بالشيوعيين، وأخرى بالوجوديين. (اللقب الجديد) وآونة بالبهائيين.
إلى غير ذلك من العبارات التي اختلفت حروفها ومبانيها، وائتلفت مقاصدها، واتحدت معانيها، فكلها ترمي إلى غرض واحد، وتدور حول محور واحد، هو أنه ليس للعالم رب يخلق ويدبر، وليس له إله يعبد ويقصد.
وبما تقدم من دليل حاجة الممكن إلى موجد، ودليل وجوب وجوده -تعالى- يظهر لك فساد مذهبهم، وخروجه عن مقتضى النظر، وموجب العقل، وما
стр. 144
يصدق ذلك، ويؤيده من أدلة السمع.
فإن زعم زاعم منهم بعد ذلك أن وجود العالم وليد الصدفة والاتفاق.
أو أنه نشأت أطواره عن تفاعل بين عناصر المادة، فتفرقت إلى وحدات بعد اجتماع، أو اجتمعت، وائتلفت بعد تفرق، واختلاف.
وصار لتلك الوحدات، أو المركبات من الخواص ما لم يكن لها قبل هذا التفاعل، وبذلك تجددت الظواهر، وحدث ما نشاهده من تغيير، وآثار مع جريانها على سنة لا تتبدل، وناموس لا يختلف، ولا يتغير.
قيل له: من الذي أودع تلك المادة طبيعتها، وأكسبها خواصها، فإنها إن كانت لها من ذاتها، ومقتضى حقيقتها لم تقبل التغير والزوال؛ لأن ما بالذات لا يتخلف ولا يزول، وقد رأيناها تتبدل، فلا بد لها من واهب يهبها، وفاعل مختار حكيم عليم يدبرها، ويضعها في محالها، وليس ذلك من المادة وحدها، ولا خواصها، أو طبيعتها القائمة بها، فإنها ليس لها من سعة العلم، وكمال الحكمة، وشمول المشيئة، وعظيم القدرة ما ينتظم معه الكون على ما نشاهد من إحكام تبهر العقول دقته وجماله، ومن إبداع يأخذ بمجامع القلوب ما فيه من شدة الأسر، وقوة الربط بين وحداته، كمال التناسب، والتكافؤ بين أجزائه، وقيام كل من الآخر مقام الخادم من سيده، والراعي من رعيته.
ألا إن الطبيعة صماء لا تسمع، بكماء لا تنطق، عمياء لا تبصر، جاهلة لا تعلم، مسخرة لمن أودعها المادة، خاضعة لتصريفه وتقديره، سائرة على ما رسم لها من سنن لا تعدوها، ونواميس لا تخرج عنها، فأنى يكون لها خلق وإبداع أو إليها تنظيم وتدبير أو منها وحي وتشريع؟! إنما ذلك إلى الله وحده -تعالى الله عما يقول الملحدون-: ﴿نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا﴾.
стр. 145
﴿تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير﴾.
ولا يعيب الحق بعد ذلك أن يتنكب طريقه من مسخت فطرته، واتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علم، وختم على سمعه، وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، ولا يضير الدعاة إلى الحق أن عدل عن طريقه المستقيم من انحراف مزاجه، أو غلبته شهوته، فخشي أن تحد الشريعة من نزعاته الخبيثة، وتحول دون وصوله إلى نزواته الدنيئة، أو أطغاه كبره وسلطانه، وخاف أن تذهب الشريعة بزعامته الكاذبة، وسلطانه الجائر، فوقف في سبيلها، ولج في خصامها بغيا وعدوانا. فإن الله ناصر دينه، ومؤيد رسله، وأولياءه.
﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾.
﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾.
﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾.
следующие страницы →