Полный текст (618 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الرب سبحانه ومشيئته وحكمته التي اقتضت التخفيض، إلى أن قال: والإحسان إلى المطيعين، والقرب إليهم بالإكرام، وإعلاء درجاتهم يدل على محبته ورضاه، وعقوبته للعصاة والظلمة وأعداء رسله بأنواع العقوبات المشهودة تدل على صفة الغضب والسخط، والإبعاد والطرد والإقصاء يدل على المقت والبغض، فهذه الدلالات من جنس واحد عند التأمل.
ولهذا دعا الله سبحانه في كتابه عباده إلى الاستدلال بذلك على صفاته، فهو يثبت العلم بربوبيته ووحدانيته وصفات كماله بآثار صنعته المشهودة، فالقرآن مملوء بذلك، فيظهر شاهد اسم الخالق من نفس المخلوق، وشاهد اسم الرزاق من وجود الرزق والمرزوق، وشاهد اسم الرحيم من شهود الرحمة المبثوثة في العالم، إلى أن قال: وهكذا كل اسم من أسمائه الحسنى له شاهد في خلقه وأمره، ويعرفه من عرفه، ويجهله من جهله، فالخلق والأمر من أعظم شواهد أسمائه وصفاته، وكل سليم العقل والفطرة يعرف قدر الصانع وحذقه وتبريزه على غيره، وتفرده بكمال لم يشاركه فيه غيره من مشاهدة صنعته، فكيف لا تعرف صفات من هذا العالم العلوي والسفلي وهذه المخلوقات من بعض صنيعه.
وإذا اعتبرت المخلوقات والمأمورات وجدتها بأسرها كلها دالة على النعوت والصفات وحقائق الأسماء، وعلمت أن المعطلة من أعظم الناس عمى بمكابرة ويكفي ظهور شاهد الصنع فيك خاصة، كما قال تعالى: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾، فالموجودات بأسرها شواهد صفات الرب ﷻ ونعوته وأسمائه، فهي كلها تشير إلى الأسماء الحسنى وحقائقها، وتنادي عليها وتخبر بها بلسان النطق والحال، كما قيل:
стр. 212
تأمل سطور الكائنات فإنها … من الملك الأعلى إليك رسائل
وقد خط فيها لو تأملت خطها … ألا كل شيء ما خلا الله باطل
تشير بإثبات الصفات لربها … فصامتها يهدي ومن هو قائل
فلست ترى شيئا أدل على شيء من دلالة المخلوقات على صفات خالقها ونعوت كماله وحقائق أسمائه.
وقد تنوعت أدلتها بحسب تنوعها، فهي تدل عقلا وحسا ونظرا واعتبارا، وفي هذا المعنى قال الشاعر:
تأمل في نبات الأرض وانظر … إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات … بأحدق هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات … بأن الله ليس له شريك
توحيد الربوبية هو باب الاستدلال على توحيد الإلهية.
وإذا ثبت بدلالة الصنعة على الصانع، وبأدلة السمع والفطرة وجود الله ووجوب وجوده وتفرده بكمال الصفات والأفعال وجب على العباد أن يخلصوا له العبادة، وأن يسلموا وجوههم إليه في السراء والضراء، وأن يدعوه وحده رغبة ورهبة خفية وجهرة، فهذا هو مقتضى الفطرة، وموجب العقل السليم، وبه جاء النقل الصحيح، قال تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ فجعل سبحانه تفرده بالربوبية خلقا للحاضرين والسابقين، ووضعه الأرض للأنام وتذليله إياها ليمشوا في مناكبها وينعموا برزقه، ورفعه السماء بغير عمد
стр. 213
الآيات إلى قوله: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم والله يعلم ما تسرون وما تعلنون والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون﴾، فأخبر سبحانه عن البعث والتوحيد، ثم أقام على ذلك الحجة بآياته الكونية التي لا يشاركه فيها أحد باعترافهم، ثم ختم البحث بنتيجة الاستدلال وهو التوحيد والقدرة على البعث، وذلك قوله: ﴿إلهكم إله واحد﴾.
وقوله تعالى: ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار﴾ إلى قوله: ﴿فما لكم كيف تحكمون﴾، فقررهم سبحانه بما لا يسعهم إنكاره، ولا مخلص لهم من الاعتراف به من تفرده بالرزق والملك والتدبير والإحياء والإماتة والبدء والإعادة والإرشاد والهداية ليقيم به عليهم الحجة في وجوب طاعته دون سواه، وينكر عليهم حكمهم الخاطئ وشركهم الفاضح وعكوفهم على عبادة من لا يملك لهم ضرا ولا نفعا ولا حياة ولا نشورا، وكذلك ما تقدم من قوله: ﴿قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أم ما يشركون أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء﴾ إلى قوله: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾، فأنكر سبحانه أن يكون معه من خلق ودبر وصرف وقدر، أو من يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء أو يولي ويعزل وينصر ويخذل، أو ينقذ من الحيرة ويهدي من الضلالة، أو من يبدأ الخلق ثم يعيده ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إلى غير ذلك مما استأثر الله به وهذا مما استقر في فطرهم واستيقنت
стр. 214
به أنفسهم، ونطقت به ألسنتهم، وقامت به عليهم الحجة فيما دعت إليه الرسل من توحيد العبادة.
وقال: ﴿قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون﴾ إلى أن قال: ﴿كلا بل هو الله العزيز الحكيم﴾، فأمره سبحانه أن يسلك في دعوته لقومه طريق الفطرة والعقل، فيستدل بتفرد الله بالآيات الكونية على توحيد الإلهية، وأن يلين لهم الجانب في غير ذلة ولا مداهنة، ويتلطف معهم في الدعوة والاستدلال من غير كذب ولا خداع، حتى لا تأخذهم العزة بالإثم، وذلك بين قوله: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون﴾.
فهذا منهج القرآن والرسل في الدعوة حجاج واستدلال ورفق في القول، وأمر بالعرف، وحسن في السياسة من غير مداراة تذهب بالحق، وفي معنى هذه الآية كثير، كمناظرة إبراهيم ونوح وموسى وإخوانهم من النبيين لأممهم عليهم الصلاة والسلام.
ومن سلك طريق القرآن في الدعوة والاستدلال، واهتدى بهدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الحجاج وحسن السياسة قوي يقينه، وخصم مناظره، فإن في ذلك الحجة والبرهان من جهتين: الأولى: أنه الخبر عن المعصوم، والثانية: أنه موجب الفطرة ومقتضى العقل الصحيح.
стр. 215
٤ - وجوب الإيمان بالبعث والنشور وبيان شبهة الكفار في إنكارهم يوم القيامة والرد عليهم في ذلك
البعث هو إحياء الله الموتى وإخراجهم من قبورهم يوم القيامة، ويسمى يوم الميعاد لإعادة الأرواح إلى الأبدان فتعود بهذا الحياة للأبدان، ويسمى يوم النشور، لانتشار المخلوقات إلى الموقف، ويسمى يوم الدين؛ لأن الناس يدانون فيه بأعمالهم، أي يجزون عليها.
وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على وجوب الإيمان ببعث الأبدان بعد نفخ الأرواح فيها، كما جاءت شرائع الأنبياء السابقين بالأخبار عنه ووجوب الإيمان به، قال تعالى: مخاطبا آدم وزوجته وإبليس: ﴿اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾، وقال: ﴿فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون﴾، وقال تعالى في بيان دعوة نوح قومه إلى الإيمان بالله واليوم الآخر: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا﴾، وقال تعالى عن إبراهيم ﵊: ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ ويوم الدين هو يوم الحساب والجزاء، وقال تعالى لنبيه موسى ﵊: ﴿إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى﴾، وأخبر تعالى عن أهل النار إذا قال لهم خزنتها: ﴿ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا﴾.
стр. 216
اعترفوا بأن الرسل تلت عليهم آيات ربهم وأنذرتهم اليوم الآخر، كما قال تعالى عنهم: ﴿قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين﴾، وأمر سبحانه نبيه محمدا ﵊ أن يقسم به على البعث والجزاء فقال: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير﴾، وذم تعالى من يشك في يوم القيامة أو يكذب به أو يماري فيه قال تعالى: ﴿بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون﴾، وقال: ﴿ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين﴾، وقال: ﴿ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد﴾، وقال: في بيان جزاء الكافرين به: ﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا﴾.
ورد عليهم هذه الشبهة بدليل كوني عقلي بين فيه أن من قدر على خلق ما هو أعظم منهم كالسماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم، وقال: ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ وقال: ﴿أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم﴾. واستدل على
стр. 217
قدرته على الإعادة بقدرته على الخلق، فقال: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ وقال في بيان غفلة المكذبين عن النشأة الأولى أو تغافلهم عنها، وأنهم تذكروها، وتبصروا فيها ما وسعهم إلا أن يؤمنوا بيوم القيامة: ﴿وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم﴾، قال تعالى في بيان أن قيام الساعة ومجازاة العباد مقتضى حكمته، وكمال عدله: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم﴾ وقال: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ أي لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا يعاقب، وقال: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾.
بالجملة فكمال علمه يوجب ألا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض، وكمال حكمته يقتضي ألا يترك الناس سدى بلا أمر ولا نهي ولا شرع ولا ثواب ولا عقاب، ومعلوم أن ما حصل في الدنيا لا يكفي للجزاء فلا بد من يوم يتحقق فيه كمال عدل الله وحكمته في الفصل بين العباد، وهو اليوم الذي أعده الله لفصل القضاء بين العباد، وكمال قدرة الله يقتضي ألا يعجز الله شيء، فهو قادر على أن يعيد العظام والرفات والذرات بشرا سويا: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ إلى غير ما تقدم من نصوص القرآن الصريحة في
стр. 218
البعث للأرواح والأبدان.
أما السنة فمنها حديث: «كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب منه خلق، ومنه يركب»، وستأتي نصوص أخرى في تفاصيل ما يجري على العباد يوم القيامة، وهي متضمنة لقيام الساعة.
وأما جزاء الأعمال: فقد دل على ثبوته قوله تعالى: ﴿مالك يوم الدين﴾.
أي يوم الجزاء على الخير والشر، وقال: ﴿من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾، ودل على ثبوته الحديث القدسي الذي رواه أحمد، ومسلم من طريق أبي ذر الغفاري وفيه: «يا عبادي إنما هي أعمالكم، أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه».
وأما العرض والحساب وقراءة الكتاب والثواب والعقاب: فالمراد بذلك عرض العباد على الله وعرض كتب أعمالهم عليهم حين تتطاير صحف أعمالهم فمن آخذ كتابه بيمينه، ومن آخذ كتابه بشماله، يقرأ كل ما في كتابه، ويحاسب على عمله، ويثاب المحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء بإساءته، قال تعالى: ﴿وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا﴾.
стр. 219
وقال تعالى: ﴿يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ياليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه﴾.
وقال تعالى: ﴿رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب﴾.
وروى البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : «ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا﴾ فقال رسول الله ﷺ : إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب».
ففهمت عائشة ﵂ من قوله ﷺ أولا عموم الهلاك لكل من حوسب، فكان الحديث معارضا ليسير الحساب في الآية وانقلاب من أخذ كتابه بيمينه إلى الذي ذكر في الآية مجرد عرض أعمال المؤمن عليه، وأن الحساب الذي ذكر في الحديث أريد به المناقشة في الحساب، فلا تعارض بين الآية والحديث.
وأما الصراط فمعناه في اللغة الطريق، ومعناه المقصود منه هنا الجسر الممتد
стр. 220
على متن جهنم الذي يمر عليه العباد إذا انتهوا من الموقف إلى منازلهم في الجنة أو النار.
وهناك ظلمة دون الصراط يكون فيها الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، كما روى مسلم من طريق عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ سئل أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، فقال: هم في الظلمة دون الجسر»، وفي هذه الظلمة يكون للمؤمنين نور يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، فيقول المنافقون لمن صدقوا في إيمانهم: انظرونا نقتبس من نوركم، فيقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا، فإذا ما رجعوا حيل بينهم وبين المخلصين بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، قال الله تعالى: ﴿يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير﴾.
стр. 221
والدليل من القرآن على الصراط قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾ فإن المراد بالورود في الآية المرور على جهنم فوق الصراط، المضروب على متنها، ثم من الناس من يسقط، ومنهم من ينجو، قال تعالى: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾، ولا يلزم من المرور على الصراط فوقها دخول كل من مر في النار وتعذيبه بها، ولا يلزم أيضا من التعبير بالإنجاء دخول من أنجاهم الله فيها، فإنه يكفي في صحة التعبير بالإنجاء انعقاد أسباب الهلاك مع تخليص أهل الخير، كما في قوله تعالى: ﴿فلما جاء أمرنا نجينا صالحا﴾. وقوله: ﴿ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا﴾ وقوله: ﴿ولما جاء أمرنا نجينا هودا﴾ فأخبر سبحانه بإنجائهم ولم يكن أصابهم ولا أصاب من آمن بهم شيء من العذاب الذي أهلك الله به من كذبهم وكفرهم، فكان توفر أسباب العذاب إجمالا كافيا لتصحيح التعبير بالإنجاء من الهلاك، وقال ﷺ : «يجمع الله الناس يوم القيامة -إلى أن قال-: فيعطون نورهم على قدر أعمالهم، وقال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطى نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة ويطفأ أخرى، إذا أضاء قدم قدمه، وإذا طفئ قام، قال: فيمر ويمرون على الصراط، والصراط كحد السيف ودحض مزلة، فيقال لهم:»
стр. 222
«امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطوف، ومنهم من يمر كشد الرجل يرمل رملا، فيمرون على قدر أعمالهم حتى يمر الذي نوره إبهام قدمه، يجر يدا ويعلق يدا، يجر رجلا ويعلق رجلا، وتصيب جوانبه النار، فيخلصون، فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك، فقد أعطانا الله ما لم يعط أحدا» رواه الحاكم من طريق عبد الله بن مسعود.
وأما الميزان فقد أخبر الله تعالى عنه وعن وزن الأعمال به لحكم كثيرة، منها: ظهور عدل الله تعالى لجميع عباده، قال الله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾.
وقال: ﴿يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش فأما من ثقلت موازينه﴾ ﴿فهو في عيشة راضية﴾ ﴿وأما من خفت موازينه فأمه هاوية﴾.
وأخبر النبي ﷺ بوزن الأعمال، روى مسلم في صحيحه عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان». وروى البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: «كلمتان خفيفتان على»
стр. 223
«اللسان، حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، وجاء في حديث البطاقة المشهور أن البطاقة التي فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله توضع في إحدى كفتي الميزان، وأن سجلات السيئات توضع في الكفة الأخرى فترجح كفة البطاقة وتطيش كفة سجلات السيئات لهذه الأدلة ذكر أهل السنة أن الميزان له كفتان، وأنه توزن فيه الأعمال وصحف الأعمال وأرباب الأعمال، والله أعلم.
وعلى كل حال يجب الإيمان بالوزن والميزان، وأن العبرة بالأعمال لا بالشخص نفسه، ولا بالصحف نفسها، إنما المعتبر في الوزن هو الأعمال في الرجحان والخفة، وشئون الآخرة من الأمور الغيبية التي لا مجال للعقل فيها إثباتا ونفيا، فعلينا أن نؤمن بما صح من النقل في ذلك كتابا وسنة، ولا نعارضه بعقولنا، لقصورها عن إدراكه، ورحم الله امرأ عرف قدره، ولم يتجاوز حده، ومن أنكر ذلك أو تأول ما ورد فيه من النصوص فقد رام ما ليس إليه، ولا في دائرة تفكيره، والله الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 224
٥ - مبحث في أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، وأنهما باقيتان لا تفنيان
هذا المبحث يتضمن أمرين، الأول: خلق الجنة والنار ووجودهما في الدنيا، والثاني: بقاؤهما أبد الآبدين وفي كل منهما خلاف بين العلماء، وفيما يلي بيان مذهب أهل السنة ومخالفيهم في الأمرين مع الدليل:
الأمر الأول: اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار موجودتان في الدنيا، ولم يعرف لهم مخالف في صدر الإسلام، واستدلوا على ذلك بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين﴾. وقوله تعالى: ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ فدل التعبير عن إعداد الجنة للمؤمنين بالفعل الماضي على أنها موجودة بالفعل في الدنيا، وقوله تعالى: ﴿فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾. وقوله: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾. وقوله: ﴿إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا﴾ فدل التعبير بالماضي على أن النار وجدت فعلا.
وأما السنة فالأحاديث الدالة على وجودهما الآن كثيرة، منها ما رواه البخاري
стр. 225
ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة» وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لما خلق الله الجنة فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، فرجع فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بالجنة فحفت بالمكاره، فقال: ارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: ثم أرسله إلى النار، قال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها ما فيها، قال: فنظر إليها فإذا هي يركب بعضها بعضا، ثم رجع فقال: وعزتك، لا يدخلها أحد سمع بها، فأمر بها فحفت بالشهوات، ثم قال: اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها، فرجع فقال: وعزتك لقد خشيت ألا ينجو منها أحد إلا دخلها». فهذان الحديثان صريحان في إعداد كل من الجنة والنار لأهلها وروى مالك في الموطأ وأصحاب السنن من حديث كعب بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما نسمة المؤمن طير تعلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة». وجاء في حديث خسوف الشمس أن النبي ﷺ رأى الجنة
стр. 226
والنار وهو يخطب أصحابه وأنه حدثهم عنها، وثبت أن الله أسكن آدم وحواء الجنة قبل أن يهبطا إلى الأرض، من أجل مخالفتهما لله بأكلهما من الشجرة التي نهاهما عن الأكل منها.
وأما الإجماع: فإن صدر هذه الأمة لم يزالوا على القول بوجودهما في الدنيا حتى نبتت نابتة من القدرية والمعتزلة فأنكرت ذلك وهم محجون بالنصوص، وإجماع الأمة قبل وجودهم.
شبهة من أنكر وجود الجنة والنار الآن والرد على ذلك:
أولا: قالوا: خلق الجنة والنار قبل يوم الجزاء عبث؛ لأن كلا منهما تبقى معطلة مدة طويلة دون أن يجزى بها أحد، والعبث محال على الله، وأجيب أولا بأنه معارضة للنصوص الصحيحة بالعقل في أمر غيبي لا يعرف إلا من أهل النقل، وثانيا بأن وجودهما في الدنيا فيه فائدة ولأن المؤمنين ينعمون في قبورهم، وأرواحهم نسمات تعلق في شجر الجنة، والكفار يعذبون في قبورهم بالعرض على النار ورؤية كل منهم لمقعده فيهما إلى أن يبعثه الله كما تقدم بيانه، فوجودهما ليس بعبث.
واستدلوا ثانيا: بقوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾، قوله: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾، قالوا: فلو كانتا موجودتين الآن لهلكتا وذاق كل من فيهما الموت عند النفخة الأولى في الصور من أجل إنهاء الدنيا وتخريبها،
стр. 227
وأجبيب بأن كلا من الجنة والنار مستثنى مما يصيبه الهلاك والفناء عند النفخة الأولى؛ لأنهما خلقتا للبقاء.
قال الله تعالى: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ فإنهما داخلتان في عموم من شاء الله بقاءه جمعا بين الأدلة، وأيضا المعنى كل شيء كتب عليه الهلاك أو ذوق الموت فهو هالك، والجنة والنار ليستا مما كتب عليه الهلاك؛ لأنهما خلقتا للجزاء، وأيضا معنى كل شيء هالك إلا وجهه كل عمل حابط إلا ما أريد به وجه الله، بدليل قوله في صدر الآية: ﴿ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو﴾.
واستدلوا ثالثا: بما ذكره الله عن امرأة فرعون من قولها: ﴿رب ابن لي عندك بيتا في الجنة﴾ وبقول رسول الله ﷺ : «لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم بأن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». وقوله ﷺ : «من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة»، قالوا: فلو كانت الجنة مخلوقة مفروغا منها لما طلبت امرأة فرعون من ربها أن يبني لها بيتا فيها
стр. 228
ولما قال ﷺ إنها قيعان، وأنها لا تزال يغرس فيها كلما كان التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير من العابدين، وأجيب بأن ما ذكرتم دليل على وجود الجنة الآن لا على عدمها إلا أنها لا تزال يخلق الله فيها أنواعا من النعيم ما ذكره الذكرون، بل ويجدد الله فيها يوم القيامة أنواعا من النعيم. فالإنشاء فيها مستمر اليوم ويوم القيامة، والنعيم فيها متجدد أبد الآبدين.
الأمر الثاني: اتفق أهل السنة على أن الجنة لا تفنى، وذهب جمهور منهم إلى أن النار أيضا لا تفنى وقالت طائفة قليلة منهم بفناء النار.
والدليل من القرآن على بقاء الجنة قوله تعالى: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها﴾. وقوله تعالى: ﴿لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين﴾. وقوله تعالى: ﴿إن هذا لرزقنا ما له من نفاد﴾ وقوله تعالى: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم﴾، وقوله تعالى: ﴿وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ﴾.
واختلف السلف في الاستثناء من خلود المؤمنين في الجنة في قوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ فقيل: إنه استثنى المدة التي يمكثها عصاة المؤمنين في النار قبل دخولهم من مدة خلودهم في الجنة، فالمعنى يخلد المؤمنين في الجنة ما دامت السماوات والأرض إلا مدة شاء ربك أن يقضيها عصاة المؤمنين في النار قبل
стр. 229
دخولهم الجنة، وقيل: إنه استثناء الرب ولا يفعله، كقولك: والله لأكرمن فلانا إلا أن أرى غير ذلك، وأنت لا ترى إلا إكرامه، وقريب منه ما قيل من أن الاستثناء إعلامهم بأنهم مع خلودهم فهم في مشيئة الله لا أنهم باستقرارهم في الجنة وتمكنهم منها خرجوا من مشيئة الله، ولا ينافي ذلك إرادته إرادة كونية أن يخلدوا فيها، ونظيره قوله تعالى: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا﴾ وهو سبحانه مريد لبقاء ما أوحى به إلى رسوله، وقوله: ﴿فإن يشأ الله يختم على قلبك﴾ وهو سبحانه لا يشاء الختم على قلب رسوله، بل أراد له استمرار الهداية والإمداد بالنور وصفاء البصيرة وقوله: ﴿قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به﴾. وقد شاء سبحانه إعلامهم به، وتلاوة رسوله القرآن عليهم، إلى غير هذا من النظائر التي يقصد فيها إثبات كمال الاختيار؛ ولأن الأمور لم تخرج من دائرة تقديره سبحانه وتصريفه، واختار ابن جرير أن [إلا] بمعنى لكن، وعليه يكون الاستثناء منقطعا، والمعنى خالدين فيها سوى ما شاء ربك من زيادة النعيم، أو لكن هنا بعد زيادة النعيم والإكرام على الخلود ما لا يقدر قدره إلا الله، فليس المراد قطع أمر الخلود، ولكن المراد زيادة نعيم إلى جانب خلودهم في الجنة، بدليل ما ختمت به الآية من قوله تعالى: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾.
والدليل من السنة على أبدية الجنة قوله ﷺ : «من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت». وقوله: «ينادي مناد يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا»
стр. 230
«تسقموا أبدا، وأن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وأن تحيوا فلا تموتوا أبدا». وقوله: «يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت». رواه البخاري ومسلم.
أما أبدية النار ففيها آراء كثيرة، للسلف منها رأيان:
الأول: رأي جمهور السلف، قالوا: إن النار باقية لا تطفأ، ومن دخل بقي مخلدا فيها أبدا إلا من دخلها من عصاة المؤمنين، فإنهم يخرجون منها على ما تقدم بيانه في مبحث الشفاعة، واستدلوا على بقائها وخلود الكافرين بقوله تعالى: ﴿وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار﴾ وقوله: ﴿إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم﴾ وقوله: ﴿لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون﴾، وقوله: ﴿والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور﴾ وقوله: ﴿فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا﴾ وقوله: ﴿مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا﴾.
وقوله: ﴿إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما﴾.
الرأي الثاني: أن النار تفنى بعد أن يستوفي الكفار نصيبهم من العذاب فيها،
стр. 231
ونسب هذا القول إلى عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة من الصحابة، وبه قال ابن تيمية، وابن القيم وجماعة، واستدلوا لهذا الرأي بقوله تعالى: ﴿ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم﴾ وقال: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾.
قالوا: استثنى من الخلود في الآيتين بقوله في الآية الأولى: ﴿إلا ما شاء الله﴾ وبقوله في الآية الثانية: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ولم يأت بعد الاستثناء ما يدل على عدم الانقطاع وانتهاء العذاب، كما جاء عقب الاستثناء من الخلود في نعيم الجنة، فإن الآية ختمت بقوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ وهو دال على دوام النعيم واستمراره فكان قرينة على أن الاستثناء الذي قبله لا يراد به الإخراج، إنما يراد به إثبات كمال الاختيار واستدلوا أيضا بقوله تعالى: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ فجعل اللبث في النار مدة محدودة، فدل على انتهاء العذاب، واستدلوا أيضا بأن النار موجب غضبه والجنة موجب رحمته وقد روى البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ
стр. 232
قال: «لما قضى الله الخلق كتب كتابا فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي سبقت غضبي» وفي رواية: «تغلب غضبي». قالوا: فلو بقي الكفار في النار، ولم تفن النار لكان غضبه قد سبق رحمته، وفي هذا خلف لخبر الصادق ﷺ عن ربه، وخلف خبره مستحيل.
قالوا: وما ورد من النصوص الدالة على خلود الكفار فيها أبدا وعدم خروجهم منها فلا نزاع فيه، لكنه يقتضي البقاء في العذاب ما دامت النار باقية، وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد، وهناك فرق بين من يخرج من الحبس والحبس قائم، وبين من ينهدم حبسه وينتقض بناؤه، فيبطل حبسه وينتهي سجنه بانتقاض البناء، وقد يناقش هذا بأنه وإن صلح جوابا عن أدلة الخلود فلا يصلح جوابا عن النصوص الصريحة في أن عذابها مقيم، وأنه كان غراما، وأن النار كلما خبت زادها الله سعيرا، وأنهم لا يفتر عنهم العذاب ولا يخفف، بل يزيدهم الله عذابا، وأنهم كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلودا غيرها ليذوقوا العذاب، اللهم إلا أن يقال: إن الاستثناء بالمشيئة في الآيتين السابقتين مسلط على جميع النصوص التي دلت على دوام العذاب واستمراره، وعلى كل حال فالموضوع من شئون الله فليترك إلى الله سبحانه، والله أعلم.
стр. 233
٦ - مبحث في العرش والكرسي وإثبات صفة العلو
العرش والكرسي كلاهما حق، وللعرش حملة من الملائكة يحملونه فوقهم، قال الله تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا﴾ وقال تعالى: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ وقد ميز الله العرش بنسبته إليه، وخصه باستوائه عليه، قال تعالى: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ وقال: ﴿ذو العرش المجيد﴾ وقال: ﴿رفيع الدرجات ذو العرش﴾، وقال: ﴿الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم﴾ وقال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ وقال: في أكثر من آية ﴿ثم استوى على العرش﴾ فدل ذلك على وجوده وامتيازه واستواء الله عليه، كما دلت الآية الثانية على وجود الكرسي.
واختلف في صفة العرش وموقعه من المخلوقات، فقيل: إن العرش مثل القبة فوق المخلوقات، واستدل لهذا بما رواه أبو داود وغيره في حديث الأطيط من قوله ﷺ : «إن عرشه على سماواته» هكذا، وقال بأصابعه، مثل القبة.
стр. 234
أي: أشار بأصابعه إشارة تدل على أن العرش يشبه القبة، لكن هذا حديث ضعيف الإسناد، واستدل لذلك أيضا بما رواه البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قال: «إذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة»، لكن هذا لا يدل على أن العرش كالقبة فوق السماوات من جانب واحد، فإن السماوات محيطة بالأرض، ومع ذلك فهي كالقبة بالنسبة لكل جماعة على سطح الأرض من الجهة التي تليهم، وقيل: إن العرش فلك مستدير محيط بالعالم من كل جهة، وربما سماه أصحاب هذا القول الفلك الأطلسي أو الفلك التاسع، ورد هذا بأن للعرش قوائم، لما ورد في حديث بيان النبي ﷺ فضل موسى ﵊ من قوله ﷺ : «فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور» فالظاهر أنه كسقف أقيم على قوائم، وأن الملائكة تحمله من هذا القوائم، وأيضا العرش في اللغة السرير الذي أعد للملك ليجلس عليه، ولا تفهم منه العرب إلا ذلك، وقد نزل القرآن بلغة العرب، وإذن ليس العرش فلكا مستديرا، بل هو كالقبة على العالم وسقف للمخلوقات، وقد استشهد لكونه سريرا بشعر أمية بن أبي الصلت:
مجدوا الله فهو للمجد أهل … ربنا في السماء أمسى كبيرا
بالبناء العالي الذي بهر النا … س وسوى فوق السماء سريرا
стр. 235
واستشهدوا لذلك أيضا بما ذكره ابن عبد البر وغيره من الأئمة، من أن عبد الله بن رواحة عرض لامرأته بشعر عن القراءة حينما اتهمته بجارته ليوهمها به أنه قرآن، وأنه ليس بجنب، قال:
شهدت بأن وعد الله حق … وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف … وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة شداد … ملائكة الإله مسومينا
لقول أبي ذر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني فلاة من الأرض».
وتأول جماعة العرش فقالوا: إنه عبارة عن الملك، وهذا تحريف لكلام الله وإخراج له عن المعنى المتبادر منه بلا دليل، فإنه يبعد أن يقال في تفسير الآيات السابقة: ويحمل ملك ربك فوقهم يومئذ ثمانية، وأن يكون معنى ﴿وكان عرشه على الماء﴾ وكان ملكه على الماء، ويكون معنى أخذ موسى بقائمة من قوائم العرش أخذ بقائمة من قوائم الملك، فكان تفسير العرش بالملك باطلا.
أما الكرسي فقيل: إنه موضع القدمين، وأنه بين يدي العرش كالمرقاة إليه، فهو غير العرش، ولقول ابن عباس: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله، وقيل: إن الكرسي هو العرش، ويرده ما تقدم عن ابن عباس، وفسر الكرسي بالعلم، ونسب هذا إلى ابن عباس، ولكن المحفوظ عنه
стр. 236
التفسير الأول.
هذا والسكوت عن الكلام في العرش وأنه كالقبة أو فلك مستدير محيط بالكائنات خير من الخوض في ذلك، وكذا ترك التعمق في كون العرش هو الكرسي أو خلافه خير من الجدل وكثرة الحديث فيه، فإن الخوض في ذلك والتعمق فيه من شره الفكر، واستشراف العقل إلى إدراك أمر غيبي لا يعلم إلا بالتوقف، فينبغي الوقوف عند النقل، ويجب أن يعلم أن استواء الله على العرش ليس لحاجته إليه، ولا لكون العرش حاملا له، فإن السماء فوق الأرض ومحيطة بها، ولم يلزم أن تكون السماء في قيامها وتماسكها محتاجة إلى الأرض، ولا أن تكون الأرض حاملة لها، فالله مستو على عرشه، وهو مستغن عنه وعما فيه من الكائنات، وهو فوق عباده حقيقة، محيط بهم إحاطة تليق بجلاله لا كإحاطة الفلك بما فيه من الكائنات، والجميع قائم بحوله وقوته ابتداء ودواما، محفوظ بعنايته ورعايته، جلت قدرته، وتعالت عظمته علوا كبيرا، قال تعالى: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾ وقال: ﴿ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين﴾.
وقال: ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا﴾ وقال: ﴿ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط﴾ وقال: ﴿بل الذين كفروا في تكذيب والله من ورائهم محيط﴾.
وهذا هو مذهب السلف في صفة الاستواء، وعلو الله على عرشه حقيقة مع التفويض في الكيفية، فقد سئل مالك بن أنس ﵁: كيف استوى الله على العرش؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، وذكر ذلك حسان بن ثابت في شعره، قال:
شهدت بإذن الله أن محمدا … رسول الذي فوق السماوات من عل
وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما … له عمل من ربه متقبل
يريد النبيين يحيى بن زكريا وأباه زكريا، وسأل مطيع البلخي أبا حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ فقال: قد كفر؛ لأن الله يقول: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، وعرشه فوق سبع سماوات، قلت فإن قال: "إنه على العرش ولكن يقول لا أدري العرش في السماء أم في الأرض، قال: هو كافر، لأنه أنكر أنه في السماء، فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر، وفي بعض الروايات عنه زيادة "لأن الله في أعلى عليين، وهو يدعى من أعلى لا من أسفل"، ومن أنكر هذا عن أبي حنيفة فهو ممن انتسب إلى مذهبه الفقهي مع مخالفته له في بعض مسائل الاعتقاد كالمعتزلة.
стр. 237
وقد شهدت العقول السليمة، والفطر المستقيمة على علو الله على خلقه وكونه فوق عباده، كما صرحت بذلك نصوص الكتاب والسنة المتنوعة والمحكمة.
فمن ذلك التصريح بالفوقية مقرونا تارة بحرف "من" المعنية لفوقيته تعالى بنفسه، ومجردا منها تارة أخرى، قال الله تعالى: ﴿يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ وقال: ﴿وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير﴾.
ومنها التصريح بالعروج إليه، قال تعالى: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ وقال النبي ﷺ : «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون».
ومنها التصريح بصعود العمل الصالح إليه، وبرفعه بعض المخلوقات إليه، قال تعالى: ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور﴾، وقال: ﴿بل رفعه الله إليه﴾ وقال: ﴿إني متوفيك ورافعك﴾ وكذا عروج النبي محمد مع جبريل عليهما الصلاة والسلام إلى السماوات ليلة الإسراء والمعراج، وإخبار النبي ﷺ أنه تردد بين موسى وبين ربه تلك الليلة بشأن تخفيف الصلاة، فيصعد
стр. 238
إلى ربه ثم يعود إلى موسى ﵊ عدة مرات.
ومنها التصريح بالعلو المطلق الدال على إثبات جميع مراتب العلو، علو النفس والقدر والشرف، قال تعالى: في آية الكرسي ﴿وهو العلي العظيم﴾.
وقال: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾.
وقال: ﴿إنه علي حكيم﴾ منها التصريح في كثير من الآيات بنزول القرآن منه - وتنزيله إلى الأرض يقتضي أنه فوق عباده. وقال تعالى: ﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم﴾، وقال: ﴿تنزيل من الرحمن الرحيم﴾ وقال: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق﴾ ومنها التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، قال تعالى: ﴿إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته﴾ وقال: ﴿وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون﴾ ففرق سبحانه بين من له عموما وبين من عنده من ملائكة وعبيده خصوصا، وقد بين النبي ﷺ «أن الله كتب كتابا فهو عنده فوق العرش، كتب فيه رحمتي سبقت غضبي».
стр. 239
ومنها التصريح بأنه تعالى في السماء. قال تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا﴾.
وبيان ذلك أن "في" بمعنى على، وتقدير المعنى: أأمنتم من على السماء، أو "في" على حقيقتها والسماء معناها العلو، وتقدير المعنى: أأمنتم من في العلو، ولا يجوز في معنى هذا النص إلا هذان الوجهان.
ومنها التصريح بأنه مستو علي العرش خاصة مع التعدية بعلى وذكر "ثم" في الأكثر، وهي دالة على الترتيب والمهلة، فلا يأتي مع ذلك تأويل استوائه على العرش بالقدرة، أو الاستيلاء عليه.
ومنها التصريح بمشروعية رفع الأيدي إلى السماء في الدعاء، فقد رفع النبي ﷺ يديه إلى السماء وهو يدعو في الاستسقاء وغيره، وثبت عنه أنه قال: «إن الله يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفرا».
ومنها إشارته ﷺ إشارة حسية إلى جهة "السماء" وهو يخطب الناس في حجة الوداع، يوم الأضحى بينما قال في خطبته: «سوف تسألون عني، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت» فرفع إصبعه الكريمة إلى السماء، مشيرا إلى أن الله فوقها وفوق كل شيء، ومنها «سؤاله الجارية بلفظ»
стр. 240
«صريح في ذلك حيث قال لها: أين الله؟ وشهادته لها بالإيمان حينما أجابته بأن الله في السماء وشهدت له بالرسالة، فقال لسيدها: أعتقها فإنها مؤمنة» فهذا السؤال والإقرار والحكم بإيمان الجارية منه ﷺ وهو أعلم الخلق بربه، وأنصحهم لأمته، وأفصحهم بيانا عن المعنى الصحيح بلفظ لا يوهم باطلا بوجه من الوجود دليل على أن الله فوق السماء، وأنه فوق كل شيء بنفسه، والأدلة المتعلقة بعلو الله على خلقه كثيرة متنوعة، يؤيد بعضها بعضا، فمن رام أن يتأولها فقد رام باطلا ومن سلك طريق التأويل لهذه النصوص فقد فتح على نفسه باب شر لا يمكنه إغلاقه، فإنه يسلط على نفسه بذلك مسلك الباطنية الذين يتأولون نصوص الصلاة والزكاة والصيام وسائر فرائض الإسلام، وبهذا يعود الشرع كله مؤولا.
ومع هذا فقد تأول كثير من المتأخرين الفوقية في قوله تعالى: ﴿وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير﴾ بأنه تعالى خير من عباده، وأنه خير من العرش وأفضل منه، وهو كما ترى تأويل بعيد تنفر منه العقول الرشيدة، وتأباه الفطر السليمة، فإنه لا تمجيد لله في ذلك ولا تعظيم له بل هو تأويل سمج مرذول، فإنه يشبه قول القائل: الجبل أثقل من الحصى، ورسول الله أفضل من اليهود، والجوهرة فوق قشر البصل أو قشر السمك ونحو ذلك مما التفاوت فيه عظيم، ولا شك أن التفاوت بين الله وبين عباده أعظم، ولو أن هذا المتأول أثبت الفوقية مطلقا، فوقية الذات، وفوقية القهر والغلبة، وفوقية القدر والمنزلة لكان ذلك صوابا، لاتفاقه مع نصوص الكتاب والسنة مع عدم المحذور أما أن يحصر تأويله في نوع منها بلا دليل فذلك باطل.
стр. 241
وقد يعبر بالخيرية بين الله وبين بعض خلقه إذا اقتضى المقام ذلك، كمقام الاحتجاج على من أشرك مع الله غيره، ودعوته إلى التوحيد، قال تعالى: ﴿قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أم ما يشركون﴾ وقال حكاية لمقالة يوسف ﵇ لصاحبيه في السجن، ودعوته إياهما إلى التوحيد: ﴿ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾.
وقد دلت الأدلة العقلية على ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، من أن الله بائن من خلقه وأنه فوق عباده بنفسه، وبيان أن وجود الله إما أن يكون ذهنيا فقط، وإما أن يكون في خارج الأذهان فالأول ممنوع بإجماع، وإذا تعين أن يكون وجوده خارج الأذهان، فإما أن يكون عين العالم أو صفة قائمة بالعالم، وإما أن يكون قائما بنفسه بائنا من خلقه وكل من الأول والثاني ممنوع، فتعين أن يكون الله موجودا قائما بائنا من خلقه.
الاستدلال بالفطرة على أن الله فوق عباده:
وإذا ثبت ذلك كان سبحانه فوق عباده، مستويا على عرشه؛ لأن السفول صفة ذم لا تتضمن مدحا ولا ثناء فلا يليق بالله، والعلو صفة مدح وثناء وكمال لا نقص فيه ولا يستلزم نقصا، ولا يوجب محذورا، ولا يخالف كتابا ولا سنة ولا إجماعا، بل النصوص وإجماع السلف تثبت ذلك وتقتضيه، فوجب اعتقاده وإنكار التأويل وصرف النصوص عن ظواهرها، لكونه عين الباطل الذي لا تأتي به الشريعة ولا يراه عقل سليم، فإذا قيل: إن أكثر العقلاء يتأولون نصوص الاستواء والعلو والفوقية بالاستيلاء والقهر والغلبة، وبعلو القدر والمنزلة، وبالخيرية وكمال الفضل، فكان تأويلهم مقتضى العقل، إذا يبعد أن يرمي
стр. 242
جمهور العلماء بالجهل والسفاهة، وتحريف النصوص الصحيحة عن مواضعها، ولا يكون لهم وجه يعتمدون عليه فيما ذهبوا إليه، قيل: ليس الأمر كذلك، فإن الذين يصرحون بأن خالق العالم شيء موجود خارج الأذهان لكنه ليس فوق العالم، وأنه ليس مباينا للعالم ولا داخلا فيه طائفة من النظار، وأول من ابتدع ذلك في الإسلام الجعد بن درهم، وتبعه في التحريف والتعطيل الجهم بن صفوان، فقام هو وأتباعه بنشر هذه البدعة بين الناس، وهم مسبقون بإجماع الصحابة والتابعين وأئمة التفسير والفقه والحديث على إجراء النصوص كما جاءت، وإمرارها على ظواهرها إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل، عملا بقوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾، وقوله: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾.
وقد شهدت بذلك الفطر السليمة أيضا، فإن الخلق جمعيا يرفعون أكفهم إلى السماء عند الدعاء بمقتضى فطرهم وبدافع قوي من طباعهم التي لم يداخلها إلحاد، ولم ينحرف بها عن جادة الحق تمويه ولا تلبيس، ويقصدون جهة العلو بقلوب كلها خشوع وضراعة إلى الله راجين أن يتقبل أعمالهم، ويستجيب دعاءهم، ويسبغ عليهم نعمه، ويعمهم بفضله وإحسانه.
وقد ذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين، وهو يتكلم في نفي صفة العلو، ويقول: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان، فقال الشيخ أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة طلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة،
стр. 243
فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا؟ قال: فلطم أبو المعالي على رأسه ونزل، وأظنه قال: وبكى، وقال: حيرني الهمداني حيرني، وكأن الشيخ أبا جعفر أراد أن هذا أمر فطري، فطر الله عليه عباده من غير أن يتلقوه عن المرسلين، يجدون في قلوبهم طلبا ضروريا يدفعهم للتوجه إلى الله وطلبه في العلو.
فإن قيل: إن رفع الأيدي إلى السماء، وتوجه القلوب إلى جهة العلو، إنما كان من أجل أن السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة، لا لأن الله في السماء فوق عباده، ثم هو منقوض بشرع السجود، ووضع الجبهة على الأرض مع أن الله ليس في جهة الأرض، أجيب:
أولا: يمنع أن تكون السماء قبلة الدعاء، فإن كون الشيء قبلة لا يعرف إلا من طريق الشرع، ولم يثبت في جعل السماء قبلة للدعاء كتاب ولا سنة، ولا قال به أحد من سلف الأمة وهم لا يخفى على جميعهم مثل هذا الأمر.
ثانيا: ثبت أن الكعبة قبلة الدعاء كما أنها قبلة الصلاة، فقد كان النبي ﷺ يستقبل الكعبة في دعائه في مواطن كثيرة، فمن ادعى أن للدعاء قبلة سوى
стр. 244
الكعبة أو ادعى أن السماء قبلته كما أن الكعبة قبلة له فقد ابتدع في الدين وخالف جماعة المسلمين.
ثالثا: أن القبلة ما يستقبله بوجهه، كما يستقبل الكعبة في الصلاة والدعاء والذكر والذبح ودفن الميت ونحو ذلك مما يطلب فيه استقبال القبلة، ولذا سميت القبلة وجهة لاستقبالها بالوجه، فلو كانت السماء قبلة الدعاء لكان المشروع أن يوجه الداعي وجهه إليها، لكنه لم يشرع بل نهى عنه، وإنما شرع رفع اليدين إلى السماء حين الدعاء لا يسمى استقبالا لها شرعا ولا لغة، ولا حقيقة ولا مجازا.
رابعا: أن الأمر باستقبال القبلة مما يقبل النسخ والتحويل، كالأمر باستقبال بيت المقدس في الصلاة نسخ بالأمر باستقبال الكعبة، ورفع الأيدي إلى السماء في الدعاء والتوجيه بالقلب إلى جهة العلو أمر فطري مركوز في طبائع الناس لم يتغير في جاهلية ولا إسلام، يضطر إليه الداعي عند الشدة والكرب مسلما كان أم كافرا.
خامسا: أن من استقبل الكعبة لا يقع في قلبه أن الله هناك جهة الكعبة، بخلاف الداعي فإنه يرفع يديه إلى ربه وخالقه وولي نعمته، يرجو أن تنزل عليه الرحمات من عنده، وأجيب عن نقضهم الاستدلال بالفطرة على أن الله فوق خلقه بما ذكروه من السجود ووضع الجبهة على الأرض بأنه باطل، فإن واضع الجبهة على الأرض في السجود إنما قصده الخضوع لله، وإعلان كمال ذل العبودية من الساجد لربه ومالك أمره، لا لأنه يعتقد أنه تحته فيهوى إليه ساجدا، فإن هذا لا يخطر ببال، بل ينزه ربه عن ذلك، ولهذا شرع له أن يقول في سجوده سبحان ربي الأعلى، تعالى الله عن الظنون الكاذبة علوا كبيرا.
стр. 245
ومما يجب اعتقاده أن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وأنه كلم موسى تكليما
أما الخلة فهي كمال المحبة، وقد اتخذ الله نبيه محمدا خليلا كما اتخذ نبيه إبراهيم خليلا عليهما الصلاة والسلام، فهي ثابتة لهما من الله على وجه يليق بجلاله ، وقد تخللت محبة الله قلب كل من إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، فكمال المحبة ثابت من الجانبين من الله لحبيبه، ومنهما لله كل على ما يليق بمقامه وحاله، قال تعالى: ﴿ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾ وقال النبي ﷺ : «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا» وقال: «ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله» يعني نفسه ﵊، فبين لنا أنه لم يتخذ خليلا من المخلوقين، وأنه لا يصلح له ذلك، ولو صلح ذلك لكان أحق الناس به أبو بكر الصديق، وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يحب الصحابة مثل أبي بكر، ومعاذ بن جبل، وأسامة بن زيد، وعائشة، فتبين بهذا أن الخلة أخص من المحبة، وأنها لكمالها لا تقبل الشركة ولا المزاحمة فيها، ولهذا لما أعطى الله إبراهيم الخليل ولده إسماعيل أمره بذبحه ليظهر مقام إبراهيم في كمال محبته لولده، وتم بذلك نجاحه في الاختيار على أكمل وجه، ونسخ الله أمره بالذبح، وفدى إسماعيل بذبح عظيم، تكريما لإبراهيم
стр. 246
وولده على الصبر والاستسلام لأمر الله وطاعته، وبقيت الذبائح والقرابين من الهدايا والضحايا وما في حكمها سنة في أتباعه ومن سار على ملته الحنيفية إلى يوم القيامة، وأنكرت الجهمية أصل المحبة وحقيقتها من الجانبين، زعما منهم أن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين المحب وحبيبه، وأنه لا مناسبة بين القديم والمحدث توجب المحبة، وزعمهم باطل؛ لأنه مجرد دعوى عارضوا بها النصوص الصحيحة الصريحة في إثبات محبة الله للمؤمنين وإثبات الخلة لإبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
стр. 247
٧ - رسالة في الحكم بغير ما أنزل الله
قال تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾.
- أمر الله جل شأنه جميع الناس أن يرد كل منهم ما لديه من أمانة إلى أهلها أيا كانت تلك الأمانة، فعم سبحانه بأمره كل مكلف وكل أمانة، سواء كان ما ورد في نزول الآية صحيحا أم غير صحيح؛ فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثم أوصى سبحانه من وكل إليه الحكم في خصومة أو الفصل بين الناس في أمر ما أن يحكم بينهم بالعدل سواء كان: محكما، أو ولي أمر عام، أو خاص، ولا عدل إلا ما جاء في كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ ؛ فذلك الهدى، والنور، والصراط المستقيم.
ثم أثنى على ما أسداه إلى عباده من الموعظة؛ إغراء لهم بالقيام بحقها، والوقوف عند حدودها.
وختم الآية بالثناء على نفسه بما هو أهله؛ من كمال السمع والبصر، ترغيبا في امتثال أمره رجاء ثوابه، وتحذيرا من مخالفة شرعه خوف عقابه.
ثم أمر الله تعالى المؤمنين بطاعته وطاعة رسول الله ﷺ مطلقا؛ لأن الوحي كله حق، وأمر بطاعة أولي الأمر فيما وضح أمره من المعروف؛ لأنه لا طاعة
стр. 248
لمخلوق في معصية الخالق؛ كما دلت عليه النصوص الثابتة الصريحة في ذلك.
فإذا اشتبه الأمر ووقع النزاع وجب الرجوع -في بيان الحق، والفصل فيما اختلف فيه- إلى الكتاب والسنة.
لقوله سبحانه: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾.
وقوله: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾.
وأمثال ذلك من نصوص الكتاب والسنة.
فإن الرجوع إليهما عند الحيرة أو النزاع خير عاقبة وأحسن مآلا، وهذا إنما يكون فيما فيه مجال للنظر والاجتهاد.
حالات الحكم بما أنزل الله:
فمن بذل جهده ونظر في أدلة الشرع، وأخذ بأسباب الوصول إلى الحق؛ فهو مأجور أجرين إن أصاب حكم الله.
أو معذور مأجور أجرا واحدا إن أخطأه.
وله: أن يعمل بذلك في نفسه، وأن يحكم به بين الناس، ويعلمه الناس، مع بيان وجهة نظره المستمدة من أدلة الشرع على كلتا الحالتين.
بناء على قاعدة (التيسير ودفع الحرج) وعملا بقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾.
стр. 249
ولقول النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ولقوله ﷺ : «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد».
حالات الحاكمين بغير ما أنزل الله:
الأولى: من لم يبذل جهده في ذلك، ولم يسأل أهل العلم؛ وعبد الله على غير بصيرة أو حكم بين الناس في خصومة؛ فهو آثم ضال، مستحق العذاب إن لم يتب ويتغمده الله برحمته؛ قال الله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾.
الثانية: وكذا من علم الحق ورضي بحكم الله؛ لكن غلبه هواه أحيانا فعمل في نفسه، أو حكم بين الناس -في بعض المسائل أو القضايا- على خلاف ما علمه من الشرع لعصبية أو لرشوة -مثلا- فهو آثم، ولكنه غير كافر كفرا يخرج من الإسلام، إذا كان معترفا بأنه أساء، ولم ينتقص شرع الله، ولم يسئ الظن به، بل يحز في نفسه ما صدر منه، ويرى أن الخير والصلاح في العمل بحكم الله تعالى.
روى الحاكم عن بريدة ﵁، عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: «قاضيان في النار، وقاض في الجنة: قاض عرف الحق فقضى به، فهو في الجنة، وقاض عرف الحق»
стр. 250
«فجار متعمدا أو قضى بغير علم؛ فهما في النار».
الثالثة: من كان منتسبا للإسلام؛ عالما بأحكامه، ثم وضع للناس أحكاما، وهيأ لهم نظما؛ ليعلموا بها ويتحاكموا إليها؛ وهو يعلم أنها تخالف أحكام الإسلام؛ فهو كافر، خارج من ملة الإسلام.
وكذا الحكم فيمن أمر بتشكيل لجنة أو لجان لذلك، ومن أمر الناس بالتحاكم إلى تلك النظم والقوانين أو حملهم على التحاكم إليها وهو يعلم أنها مخالفة لشريعة الإسلام.
وكذا من يتولى الحكم بها، وطبقها في القضايا، ومن أطاعهم في التحاكم إليها باختياره، مع علمه بمخالفتها للإسلام فجميع هؤلاء شركاء في الإعراض عن حكم الله.
следующие страницы →