Полный текст (618 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وولده على الصبر والاستسلام لأمر الله وطاعته، وبقيت الذبائح والقرابين من الهدايا والضحايا وما في حكمها سنة في أتباعه ومن سار على ملته الحنيفية إلى يوم القيامة، وأنكرت الجهمية أصل المحبة وحقيقتها من الجانبين، زعما منهم أن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين المحب وحبيبه، وأنه لا مناسبة بين القديم والمحدث توجب المحبة، وزعمهم باطل؛ لأنه مجرد دعوى عارضوا بها النصوص الصحيحة الصريحة في إثبات محبة الله للمؤمنين وإثبات الخلة لإبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
стр. 247
٧ - رسالة في الحكم بغير ما أنزل الله
قال تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾.
- أمر الله جل شأنه جميع الناس أن يرد كل منهم ما لديه من أمانة إلى أهلها أيا كانت تلك الأمانة، فعم سبحانه بأمره كل مكلف وكل أمانة، سواء كان ما ورد في نزول الآية صحيحا أم غير صحيح؛ فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثم أوصى سبحانه من وكل إليه الحكم في خصومة أو الفصل بين الناس في أمر ما أن يحكم بينهم بالعدل سواء كان: محكما، أو ولي أمر عام، أو خاص، ولا عدل إلا ما جاء في كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ ؛ فذلك الهدى، والنور، والصراط المستقيم.
ثم أثنى على ما أسداه إلى عباده من الموعظة؛ إغراء لهم بالقيام بحقها، والوقوف عند حدودها.
وختم الآية بالثناء على نفسه بما هو أهله؛ من كمال السمع والبصر، ترغيبا في امتثال أمره رجاء ثوابه، وتحذيرا من مخالفة شرعه خوف عقابه.
ثم أمر الله تعالى المؤمنين بطاعته وطاعة رسول الله ﷺ مطلقا؛ لأن الوحي كله حق، وأمر بطاعة أولي الأمر فيما وضح أمره من المعروف؛ لأنه لا طاعة
стр. 248
لمخلوق في معصية الخالق؛ كما دلت عليه النصوص الثابتة الصريحة في ذلك.
فإذا اشتبه الأمر ووقع النزاع وجب الرجوع -في بيان الحق، والفصل فيما اختلف فيه- إلى الكتاب والسنة.
لقوله سبحانه: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾.
وقوله: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾.
وأمثال ذلك من نصوص الكتاب والسنة.
فإن الرجوع إليهما عند الحيرة أو النزاع خير عاقبة وأحسن مآلا، وهذا إنما يكون فيما فيه مجال للنظر والاجتهاد.
حالات الحكم بما أنزل الله:
فمن بذل جهده ونظر في أدلة الشرع، وأخذ بأسباب الوصول إلى الحق؛ فهو مأجور أجرين إن أصاب حكم الله.
أو معذور مأجور أجرا واحدا إن أخطأه.
وله: أن يعمل بذلك في نفسه، وأن يحكم به بين الناس، ويعلمه الناس، مع بيان وجهة نظره المستمدة من أدلة الشرع على كلتا الحالتين.
بناء على قاعدة (التيسير ودفع الحرج) وعملا بقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾.
стр. 249
ولقول النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ولقوله ﷺ : «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد».
حالات الحاكمين بغير ما أنزل الله:
الأولى: من لم يبذل جهده في ذلك، ولم يسأل أهل العلم؛ وعبد الله على غير بصيرة أو حكم بين الناس في خصومة؛ فهو آثم ضال، مستحق العذاب إن لم يتب ويتغمده الله برحمته؛ قال الله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾.
الثانية: وكذا من علم الحق ورضي بحكم الله؛ لكن غلبه هواه أحيانا فعمل في نفسه، أو حكم بين الناس -في بعض المسائل أو القضايا- على خلاف ما علمه من الشرع لعصبية أو لرشوة -مثلا- فهو آثم، ولكنه غير كافر كفرا يخرج من الإسلام، إذا كان معترفا بأنه أساء، ولم ينتقص شرع الله، ولم يسئ الظن به، بل يحز في نفسه ما صدر منه، ويرى أن الخير والصلاح في العمل بحكم الله تعالى.
روى الحاكم عن بريدة ﵁، عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: «قاضيان في النار، وقاض في الجنة: قاض عرف الحق فقضى به، فهو في الجنة، وقاض عرف الحق»
стр. 250
«فجار متعمدا أو قضى بغير علم؛ فهما في النار».
الثالثة: من كان منتسبا للإسلام؛ عالما بأحكامه، ثم وضع للناس أحكاما، وهيأ لهم نظما؛ ليعلموا بها ويتحاكموا إليها؛ وهو يعلم أنها تخالف أحكام الإسلام؛ فهو كافر، خارج من ملة الإسلام.
وكذا الحكم فيمن أمر بتشكيل لجنة أو لجان لذلك، ومن أمر الناس بالتحاكم إلى تلك النظم والقوانين أو حملهم على التحاكم إليها وهو يعلم أنها مخالفة لشريعة الإسلام.
وكذا من يتولى الحكم بها، وطبقها في القضايا، ومن أطاعهم في التحاكم إليها باختياره، مع علمه بمخالفتها للإسلام فجميع هؤلاء شركاء في الإعراض عن حكم الله.
стр. 251
لكن بعضهم يضع تشريعا يضاهي به تشريع الإسلام ويناقضه على علم منه وبينه، وبعضهم يأمر بتطبيقه، أو يحمل الأمة على العمل به، أو ولي الحكم به بين الناس أو نفذ الحكم بمقتضاه.
وبعضهم يأمر بطاعة الولاة والرضا بما شرعوا لهم مما لم يأذن به الله ولم ينزل به سلطانا.
فكلهم قد اتبع هواه بغير هدى من الله، وصدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه، وكانوا شركاء في الزيغ؛ والإلحاد، والكفر، ولا ينفعهم علمهم بشرع الله، واعتقادهم ما فيه، مع إعراضهم عنه، وتجافيهم لأحكامه، بتشريع من عند أنفسهم، وتطبيقه، والتحاكم إليه؛ كما لم ينفع إبليس علمه بالحق، واعتقاده إياه، مع إعراضه عنه، وعدم الاستسلام والانقياد إليه، وبهذا قد اتخذوا هواهم إلها؛ فصدق فيهم:
قوله تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون﴾.
وقوله: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾، وقوله: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ الآيات إلى قوله سبحانه: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق﴾.
стр. 252
إلى قوله: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾.
وقوله سبحانه: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا﴾.
إلى قوله: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾.
إن هؤلاء قد صدوا عن تحكيم شرع الله انتقاصا له، وإساءة للظن بربهم الذي شرعه لهم، وابتغاء الكمال فيما سولته لهم أنفسهم؛ وأوحى به إليهم شياطينهم.
وكأن لسان حالهم يقول: (إن شريعة الكتاب والسنة نزلت لزمان غير زماننا؛ ليعالج مشاكل قوم تختلف أحوالهم عن أحوالنا، وقد يجدي في إصلاحهم ما لا يناسب أهل زماننا، فلكل عصر شأنه، ولكل قوم حكم، ويتفق مع عروفهم ونوع حضارتهم وثقافتهم).
فكانوا كمن أمر رسول الله أن ينكر عليهم ويسكتهم بقوله: ﴿أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا﴾ إلى قوله: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم﴾.
وكانوا ممن حقت عليهم كلمة العذاب وحكم الله عليهم بأن لا خلاق لهم في
стр. 253
الآخرة بقوله: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾.
لقد استهوى الشيطان هؤلاء المغرورين فزين لهم أن يسنوا قوانين من عند أنفسهم ليتحاكموا إليها، ويفصلوا بها في خصوماتهم، وسول لهم أن يسنوا قواعد بمحض تفكيرهم القاصر وهواهم الجائر لينظموا بها اقتصادهم وسائر معاملاتهم؛ محاداة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وانتقاصا لتشريعها؛ زعما منهم أن تشريع الله لا يصلح للتطبيق والعمل به في عهدهم، ولا يكفل لهم مصالحهم، ولا يعالج ما جد من مشاكلهم؛ حيث اختلفت الظروف والأحوال عما كانت عليه أيام نزول الوحي في المعاملات وكثرت المشكلات؛ فلا بد لتنظيم المعاملات والفصل في الخصومات من قواعد جديدة يضعها المفكرون من أهل العصر، والواقفون على أحوال أهله المطلعون على المشاكل العارفون بأسبابها، وطرق حلها؛ لتكون مستمدة من ثقافتهم وحضارتهم.
فهؤلاء قد طغى عليهم الغرور المكروه فركبوا رءوسهم، ولم يقدروا عقولهم قدرها، ولم ينزلوها منزلتها، ولم يقدروا الله حق قدره، ولم يعرفوا حقيقة شرعه ولا طريق تطبيق منهاجه وأحكامه، ولم يعلموا أن الله قد أحاط بكل شيء علما؛ فعلم ما كان وما سيكون من اختلاف الأحوال وكثرة المشاكل وأنه أنزل شريعة عامة شاملة وقواعد كلية محكمة، قدرها بكامل علمه وبالغ حكمته؛ فأحسن تقديرها، وجعلها صالحة لكل زمان ومكان؛ فمهما اختلفت الطبائع والحضارات وتباينت الظروف والأحوال؛ فهي صالحة لتنظيم معاملات العباد، وتبادل المنافع بينهم، والفصل في خصوماتهم، وحل مشاكلهم وصلاح جميع شئونهم؛ في عباداتهم ومعاملاتهم.
إن العقول التي منحها الله عباده - ليعرفوا بها، وليهتدوا بفهمها لتشريعه إلى
стр. 254
ما فيه سعادتهم في العاجل والآجل - قد اتخذوا منها خصما لدودا لله فأنكروا حكمته وحسن تدبيره وتقديره، وضاق صدرهم ذرعا بتشريعه، وأساءوا الظن به فانتقصوه وردوه، وقد يصابون بذلك وهم لا يدرون؛ لأنهم بغرورهم بفكرهم عميت عليهم معالم الحق والعدل.
فكانوا ممن قال الله فيهم: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾.
وكانوا ممن ﴿بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار﴾.
إن الله سبحانه كثيرا ما يذكر الناس في القرآن بأحوال المعتدين والهالكين، ويحثهم على أن يسيروا في الأرض؛ لينظروا ما كانوا فيه -من قوة ورغد عيش وحضارة وبسطة في العلم- نظر عظة واعتبار، ليتنكبوا طرقهم اتقاء لسوء مصيرهم، ولفت النظر في بعض السور إلى جريمة الغرور الفكري؛ لشدة خطره، وبين أنه الفتنة الكبرى التي دفعوا بها في صدور الرسل وردوا بها دعوتهم، ليعرفنا بقصور عقول البشر أنها لا تصلح لمقاومة دعوة الرسل، وليحذرنا من خطر الغرور الفكري الذي هلك به من قاوم المرسلين.
قال تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون﴾.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
стр. 255
٨ - رسالة في الدفاع عن السنة ورد شبهات المغرضين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ .
وبعد:
فلا بد من الإقرار والتصديق بوقوع الرسالة، وهي صلة بين الله جل شأنه وبين أنبيائه، ووجوب تكليف العباد بما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهذه الأصول الأولى لا بد من إثباتها؛ حتى يكون الاحتجاج بما ورد في السنة على إثبات أحكام شرعية، احتجاجا مبنيا على أساس، وحتى لا يحتاج الناس بعد ذلك إلا دفع شبه قد ترد.
لا بد أن يكون الأصل ثابتا من جهة ما أجمع عليه؛ من وجود موح يوحي بشرع، ومن وجود رسل يوصلون إلى العباد ليهدوهم سواء السبيل.
- ومن جهة الوجوب: وجوب ما جاءت به الرسل عقيدة وعملا على الأمة التي أرسلت إليها الرسل.
فإذا أراد الإنسان أن يستوفي الموضوع فلا بد له أن يبدأه من أوله، ومن الأساس.
أما هذه الرسالة فستكون في موضوع شبه، أو بعض الشبه التي وردت على الاحتجاج بالسنة أو العمل بها، أو اعتقاد ما جاءت به.
стр. 256
اختلاف موقف المدافع عن السنة باختلاف حال من يورد الشبهة
إن المسلم الداعية، أو المناظر الذي يثبت حجية السنة، والذي يدفع الشبه عنها يختلف موقفه باختلاف من يناظره.
فتارة يكون منكرا للسنة من أصلها أي جميع ما جاء عن الرسول ﵊ من الأحاديث قولا أو عملا أو خلقا، فينكره ويكتفي بما جاء في القرآن الكريم، فيجب على من يناظر هؤلاء أن يثبت لهم حاجة المسلمين إلى السنة التي جاء بها النبي ﷺ قولا وعملا لكي يفهموا القرآن ويستطيعوا أن يعملوا به.
وتارة يرد بعض الناس من المسلمين بعض أحاديث النبي ﷺ بحجة أنها تعارض العقل، أو أن ما كشفه العلماء التجريبيون في معاملهم ومختبراتهم من أطباء، وتجريبيين، وفلكيين وغيرهم تعارض هذه الأحاديث أو تناقض معناها، فهنا يجب على المسلم الذي ينتصب للرد أن يبين أن هذه الأحاديث إن صح سندها، وأيقنا أن الرسول ﷺ قالها، فيجب أن نثق برسولنا وبخبره أكثر من ثقتنا بالأطباء وغيرهم من علماء ومكتشفين، وكذلك ليعلم أن العقول قاصرة وقد جرب عليها الخطأ غير مرة، وتارة يكون من يرد السنة أو بعضها؛ لأن فيها أحاديث آحاد فهي لا توجب اليقين، فمنها ما رواه الواحد أو الاثنين أو أكثر من هذا العدد لكن لا يبلغ عددهم الحد الذي يحدث في النفس طمأنينة وثقة بالمنقول وهذا يرد عليه بأن النبي ﷺ اعتمد أخبار آحاد الناس ونقلهم ما داموا أهلا للثقة بما جرب عليهم من الصدق والأمانة وبما عرف عنهم من التقوى والديانة. وإليك سرد لبعض هذه الشبه والرد عليها بشيء من التفصيل:
стр. 257
الشبهة الأولى
الاقتصار على القرآن وإنكار السنة
فإذا لم يحتج صاحب الشبهة إلا بالقرآن؛ وقال: إن الله تعالى أغنانا بالقرآن لقوله فيه: ﴿ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾، وقال فالقرآن بين واضح، ومبين لكل شيء فلا يحتاج معه سنة. فلماذا نتكلف البحث فيها والركون إليها أو الاحتجاج بها؟ ولماذا نتكلف هذا مع أن الله تكفل لنا ببيان كل ما نحتاج إليه في محكم كتابه لقوله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب﴾ وهو القرآن ﴿تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ فلا حاجة إلى أن نكلف أنفسنا عناء البحث في سنة رسول الله ﷺ لنعمل بما فيها وقد أغنانا الله بالقرآن عنها، ويقول سبحانه في آية أخرى: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون﴾ ويريدون بالكتاب القرآن فيكون المعنى ما فرطنا في القرآن من شيء ففي القرآن كل شيء فلا حاجة إلى السنة، وهذا إنكار للسنة بجملتها أو إنكار للحاجة إليها وإلى الاحتجاج بها في الجملة، اكتفاء بما جاء في القرآن بهاتين الآيتين.
الجواب على هذه الشبهة:
وقد أجاب العلماء عن الاستدلال بهاتين الآيتين بأجوبة منها: أن المراد بقوله تعالى: ﴿في الكتاب﴾، في قوله تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ المراد به اللوح المحفوظ وليس القرآن الكريم.
стр. 258
وسورة الأنعام مكية، ولم يكن نزل من القرآن إلا قليل، أما سورة البقرة فمدنية، وبراءة مدنية، والنساء مدنية، وآل عمران مدنية، وكثير من آيات الأحكام والفروع مدني، فما يتصل بالصلاة إنما وضح وتبين وتكامل في المدينة، وأحكام المعاملات إنما نزلت في القرآن بالمدينة ونزلت أصولها في القرآن بعد الهجرة، وأحكام الجنايات من قصاص وديات نزلت في المدينة.
وسورة الأنعام كلها مكية على الصحيح، وقد يكون منها آيات تشبه الآيات المدنية، كآيات الذبح وذكر اسم الله على الذبائح، قد يكون مثل هذا نزل بالمدينة لكن الغالب عليها أنها مكية كيف يكون في الكتاب الذي هو القرآن بيان كل شيء في الوقت الذي نزلت فيه هذه الآية، مع أن تلكم الأحكام إنما نزلت أصولها في المدينة لا في مكة؟.
وقد ينزل في القرآن الأمر بالعبادة والحث على أدائها لكن تفصيل ذلك وبيان كيفيته وغير ذلك من التفاصيل التي تلزم المكلف لكي يأتي بهذا المأمور على الوجه المطلوب تفصيل ذلك يرجع بيانه إلى رسول الله ﷺ .
فعدد الصلوات وتحديد أوقاتها وعدد ركعاتها وسائر كيفياتها لم تعرف من القرآن إنما عرفت من السنة.
وأحكام الزكاة من جهة النصاب، ومن جهة المستحقين لم تكن عرفت في مكة، بل فريضة الزكاة لم تكن شرعت في مكة إنما الذي شرع الصدقات العامة، وفرض الزكاة وبدايتها إنما كان في المدينة، فبيان المستحقين للزكاة إنما نزل في المدينة في سورة التوبة: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب﴾ إلى آخر الآية التي فيها الأصناف الثمانية، ثم النصاب نصاب الزكاة ليس محددا في القرآن، وشرطها وهو حول الحول ليس محددا في القرآن ولا مبينا فيه.
стр. 259
فالواقع يدل على أن القرآن اشتمل على الأصول العامة، وأنه ليس فيه كل شيء.
وأما تفسير الكتاب بالقرآن في آية: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ فهو تفسير غير صحيح، إنما المراد به اللوح المحفوظ الذي هدى الله تعالى القلم أن يكتب فيه ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة.
أما الآية الأخرى وهي: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ فيقال فيها: المراد بالكتاب القرآن، ولكن سورة النحل التي نزلت فيها هذه الآية أو هذه الجملة سورة مكية، ولم يكن نزل التشريع كله في مكة إنما نزلت أصول التوحيد وما يتصل بمعجزات الرسول ﷺ في مكة، وأما الفروع فقد نزلت في المدينة.
فالمراد إذن بيانه لكل شيء، بيانه لجميع أحكام الفروع، وهذه الآية هي مثل الآية التي قال الله فيها: ﴿تدمر كل شيء بأمر ربها﴾ إخبارا عن الريح التي أرسلها الله جل شأنه على عاد قوم هود، أخبر أنه أرسل عليهم ريحا وقال: ﴿تدمر كل شيء بأمر ربها﴾ وهي إنما دمرت قوم هود، دمرت عادا، ودمرت ديارهم، فالأمارات الحسية، أو الأدلة الحسية، وواقع الهالكين الذين هلكوا وتحدث الله عنهم في القرآن يدل على أن المراد بالآية الخصوص لا العموم.
كذلك قوله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾ إلى آخر الآية هي
стр. 260
مما أريد به الخصوص، وإلا ففي أي آية من الآيات بيان عدد الصلوات، وبيان تفاصيل الزكوات، أو بيان الحج إلى بيت الله الحرام بأصله وتفاصيله؟!
لم يكن شرع الحج في هذا الوقت إنما شرع في المدينة في السنة التاسعة أو السنة العاشرة على الخلاف بين العلماء وأما ما كان من حج قبل ذلك فهو على الطريقة الموروثة عن إبراهيم الخليل ﵊ لما بنى البيت هو وابنه إسماعيل، وأمره الله أن يؤذن في الناس كان الحج مشروعا فظل من أيام رسالة إبراهيم ﵊ إلى أيام العرب في زمن النبي ﷺ وبعد زمنه، أما فرضه في شريعة محمد ﷺ فقد نزل ضمن آيات سورة آل عمران، وهذا لم ينزل في مكة، إنما نزل في السنة التاسعة من الهجرة أو في السنة العاشرة التي حج فيها رسول الله ﷺ ، فكيف يقال: ﴿تبيانا لكل شيء﴾ وهو لم يتبين فيه أصل فريضة الحج ولا تفاصيل الحج ولا تفاصيل الصيام وقت نزول هذه الآية؟
والصيام أيضا فرض في المدينة بعد الهجرة بسنة، أين الصيام وتفاصيله؟، والجهاد بالسلاح وتفاصيله؟ والبيوع وتفاصيلها؟، وأين تحريم الربا؟ كل ذلك ما نزل إلا في المدينة.
فمعني الآية إذن إما أن يقال فيها: إنها من العام الذي أريد به الخصوص، أو يقال: تبيانا لكل شيء شرعه وفرضه على المسلمين وهم في مكة؛ لأن السورة مكية، فهي ﴿تبيانا لكل شيء﴾ مما أوجبه عليهم وشرعه لهم حتى وقت نزولها لا أنها بيان لكل حكم من أحكام الإسلام.
فهؤلاء الذين أنكروا السنة جملة، أو قالوا لا حاجة إليها جملة بتمامها اكتفاء بالقرآن واستدلالا بهاتين الآيتين، قد أخطئوا الطريق ولم يعرفوا تاريخ التنزيل، ولم يعرفوا واقع التشريع، ولم يعرفوا أن بيان ما في القرآن من
стр. 261
العبادات والمعاملات واقع في السنة، ثم أين تحريم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها؟ وأين تحريم زواج الإنسان بامرأة أبيه؟؟
إنما كان هذا كله في المدينة، وتفاصيل الأحوال الشخصية من مواريث، وزيجات، ووصايا، ونكاح، وطلاق، تفاصيل هذا كله إنما كان بالمدينة، في الآيات التي نزلت بالمدينة وبينها الرسول ﷺ في سنته.
فواقع التشريع، وعمل المسلمين جميعا برهان واضح يدل دلالة ضرورية على أن السنة جاءت بيانا للقرآن؛ بينت في مكة ما يحتاجون إليه، بقدر ما نزل من أحكام أصول التشريع وبينت في المدينة ما طرأت الحاجة إليه من بيوع، ومعاملات، وجنايات، وحدود.
كل هذا لم تنزل تفصيلات آياته إلا في المدينة، ولم يبين الرسول ﷺ تفصيله قولا وعملا إلا في المدينة.
فهذا الاستدلال بالآيتين استدلال مردود، ولا نقول: الآيتان مردودتان، هذا هو التعبير الدقيق، ما يقال: رد على الدليل بكذا، إنما يقال: رد على استدلالهم بالآيتين بكذا.
وكما قلت ابتداء: إن موقف الداعية من المدعوين يختلف باختلاف حالهم، فمن أنكر الاحتجاج بالسنة جملة اكتفاء بكتاب الله واحتج بالآيتين فالرد عليهم كما سبق ذكره.
стр. 262
الشبهة الثانية رد بعض الأحاديث لمخالفتها للعقل أو لمعارضتها المستقر في بعض الأذهان
بعض الناس من المسلمين قد يرد بعض أحاديث؛ إما لمعارضتها لفكره فيما يزعم، أو معارضتها لما يرى أن الطب جاء به، وأن الطب قرر قرارا صحيحا في أمور لا يليق أن يأتي على خلافها حديث عن الرسول ﷺ .
فأمثال هؤلاء يردون أحاديث: إما لمعارضتها لفكرهم وعقولهم، وإما لمعارضتهم لقواعد صحية.
مثلا: حديث الذباب والأمر بغمسه إذا سقط في الطعام أو في الشراب قد يرده جماعة ممن اقتنعوا بالطب، وبالنظريات الطبية، وقدسوا النظريات الطبية، ووثقوا بعقول الأطباء وبتجارب الأطباء، أعظم وأقوى من ثقتهم بتشريع الله وبما صح عن رسول الله ﷺ ، فحسنوا ظنهم بالنظريات الطبية أكثر مما حسنوه بما صح عن رسول الله ﷺ .
وفي هذا طعن في أحد أمرين:
- إما طعن في المشرع.
- أو في المبلغ وهو الرسول ﷺ أو خفض لوظيفته ومهمته.
يقولون:
إن وظيفة التشريع صيام، وصلاة، وكذا وليس دراية بالطب، وما الذي يدخله في الطب؟ فهو له دائرة محدودة يدور فيها هي دائرة التشريع من صلاة
стр. 263
وصيام، وبيع وشراء، وأمثال ذلك، فما الذي يدخله في هذا؟ هذا ليس من اختصاصه، فالعمل فيه إنما يكون على النظريات الطبية لا على ما جاء عن الرسول ﷺ ؛ لأن الفن ليس فنا له ولا هو من اختصاصه.
ثانيا: وإما أن يكون ردهم لهذا الحديث من جهة أخرى، هي طعنهم في الرواة الذين رووا هذا الحديث.
والجواب على هذه الشبهة:
أما من الجهة الأولى: فالرسول ﷺ بين لهم العلة؛ فقال: إن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء.
وتعليله هذا -وهو أمي لم يدخل مدارس طب، ولم يتفنن بتجارب قام بها- دليل على أنه إنما تكلم بهذا عن طريق الوحي من الله جل شأنه.
والله سبحانه عليم بخواص مخلوقاته؛ فهو عليم بجناح الذباب، وما فيه من داء وما فيه من دواء، وأن هذا يكون علاجا لهذا، يقول الله : ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾.
ومعروف في الذباب، أنه إذا هبط من أعلى إلى أسفل في كل مرة أنه يهبط بميل، حتى الطائرات؛ ما تنزل رأسية؛ لا بد أن تنزل مائلة إلا إن كانت طائرات مروحية (هليوكبتر)، إنما الطائرات العادية المعروفة تنزل مائلة ثم إذا أرادت أن تنزل من الجانب الآخر تميل .. وهكذا، هذا النظام الكوني والطيور إذا أرادت أن تنزل تنزل بجناح، وإذا أرادت أن تقف في الجو تنصب الجناحين إلى الجانبين كما نراها.
القصد أن الذباب -كسائر الطيور- إذا نزل مال على أحد جناحيه، فإذا غمسته كان الجناح الثاني وما فيه من شفاء علاجا لما أصاب الشراب أو الطعام من الداء الذي نزل في الطعام من الجناح الأول الذي نزل به الذباب أولا.
стр. 264
فهذا التعليل دليل على أنه -وهو أمي لم يقرأ ولم يكتب وليس صاحب تجارب في الطب، ولم يدخل مدارس طب، ولا جامعات طب-، ليس تخمينا من عند نفسه ودخوله فيما لا يخصه من عند نفسه، إنما هو بوحي من الله جل شأنه، والله عليم بمخلوقاته وما فيها من خواص.
والرسول ﷺ مكلف بالبلاغ عن الله، وقد بلغ هذا عن ربه ويجب على الإنسان أن يثق بوحي الله جل شأنه أعظم من ثقته بنظريات الأطباء، ثم إن الأطباء لم يتفقوا على ما بنى عليه هؤلاء المعترضون على هذا الحديث، وهم مختلفون أيضا، فيما بينهم والمسألة مسألة نظرية اجتهادية من الأطباء فكيف يرد بمسألة نظرية اجتهادية -ما زالت تحت البحث- حديث رسول الله ﷺ .
وأما من الجهة الثانية: جهة السند على طريقة المحدثين سند صحيح مستوف الشروط التي اشترطها علماء الحديث.
والناس الذين اعترضوا على هذا الحديث من جهة رجاله ليس عندهم سند يستندون إليه في ذلك، وهم في معاملتهم وقبولهم للأخبار التي تصل إليهم يعتقدون يقينا أو يظنون ظنا غالبا بما وصلهم من الأخبار، يعتقدون ما دلت عليه فيلزمهم أن يقبلوا ما جاء عن رواة هذا الحديث، لأنهم أوثق وأضبط وأعدل من الرواة الذين يروون لهم أخبارا بسفر فلان وفي إدانة فلان، وفي شهادة فلان فهم يقبلون الأخبار والنقل ممن وعمن هم أقل من الذين رووا عن رسول الله ﷺ هذا الحديث.
ثم إن الذين يردون بعض الأحاديث؛ لأنها لا تتفق مع أفكارهم ومداركهم يسلكون في ردها أحد ثلاثة مسالك:
الأول: فإما أن يردوها ويكذبوها، ويقولون: خالفت العقل إن لم يمكنهم أن يؤولوها.
الثاني: وإما أن يتأولوها على خلاف ما دلت عليه مع كثرتها.
الثالث: وإما أن يردوها؛ لأنها أخبار آحاد:
стр. 265
الرد على أهل المسلك الأول
القائلين برد السنة لمخالفتها العقل
وهذا أيضا وضع غير سليم واعتراض غير سليم فإن عقولهم يعتريها الخطأ والصواب، والوحي -الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، وثبت عنهم- جاء الصادق الأمين بوحي من ربه، وهو لا ينطق عن الهوى.
فيجب على الإنسان أن يتهم عقله وتفكيره بدلا من أن يتهم رسوله، أو الرواة العدول، أو أن يتهم ربه في وحيه، وليثق بربه وبرسوله ﷺ أكثر من ثقته في تفكيره، فإن العقل قاصر، وجرب عليه الخطأ كثيرا، ومداه محدود، وما يجهله أكثر مما يعلمه.
فعليه أن يعتقد في تفكيره القصور، وأن يعتقد في وحي الله الكمال والصدق، وأن يعتقد في الرواة -الذين استوفوا شروط النقل المضبوطة المعروفة عند المحدثين- الثقة بهم أكثر من ثقته بتفكيره.
هذا جواب على من ينكر الحديث لمعارضته لتفكيره.
يقال له: اتهم عقلك بالقصور فإن ما يعلمه أقل مما يجهله، اتهم عقلك بالخطأ وبالجهل في تفكيرك؛ لأنك كثيرا ما تخطئ، وجرب عليك هذا، أما هؤلاء العدول الضباط الذين استوفوا شروط النقل، نقل الأحاديث، فهؤلاء يندر أن يخطئ أحدهم وخطؤه إلى جانب صوابه قليل جدا بل نادر.
стр. 266
الرد على أهل المسلك الثاني
القائلين برد السنة بتأويلها على ظاهرها
وهؤلاء هم الذين يحملون ذلك النوع من الأحاديث على غير ظاهره وهم يسلكون هذا المسلك في كتاب الله جل شأنه أيضا، ويتأولون كثيرا من النصوص على غير ما دلت عليه من ذلك:
١ - نصوص آيات الأسماء والصفات ونصوص الرؤية، كقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾، ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ وغيرها من آيات الأسماء والصفات.
٢ - وأحاديث عذاب القبر ونعيم القبر، وسؤال القبر، وعذاب الأبدان: يحملون العذاب على عذاب الأرواح، وكذلك بعث الأجساد يحملونه على بعث الأرواح.
٣ - وأحاديث عروج النبي ﷺ ببدنه إلى السماء، وإسرائه من مكة إلى بيت المقدس ببدنه، ويقولون هذا إسراء بالروح، وعروج بالروح؛ تحكيما للسنن الكونية، والعادات المألوفة في الخلق، فإن الإنسان لا يسير تلك المسافة في جزء ليلة، ولا يعرج إلى السماء السابعة في جزء ليلة.
ويرد على هؤلاء بأن الأنبياء ليسوا كغيرهم في المعجزات، وقياس غيرهم عليهم
стр. 267
في المعجزات باطل إذ أن الأنبياء جاءوا بخوارق العادات، فخوارق العادات بالنظر إلى الأنبياء والمعجزات الكونية والسنن الكونية التي خص الله بها الأنبياء، هذه تعتبر عادية بالنظر لخصوص الأنبياء، وإن كانت خارقة للعادة وغير مألوفة بالنظر لغير الأنبياء، فلماذا تقيسون الأنبياء بما أوتوا من الله على الأفراد العاديين؟ هذا قياس باطل، لا يصح الاحتجاج به؛ لأن الأنبياء يختلفون عن غيرهم في جريان خوارق العادات على أيديهم معجزة لهم.
وحادث الإسراء قد ثبت في القرآن، فتأويلهم لا يكون تأويلا لحديث الإسراء، وإنما هو تأويل -أيضا- للقرآن، القرآن جاء فيه: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾.
ثم إن كثيرا من النصارى، يعتقدون في عيسى أنه كان يحيي الموتى بإذن الله، وأنه كان يبرئ الأكمه الذي ولد أعمى، يبرئه بإذن الله، وأنه كان يصور طيرا من الطين فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وأنه كان يبرئ الأبرص بإذن الله، وليس ذلك بطريقة علاج؛ فهو لم يفتح مستشفى، إنما هي خوارق عادات.
وكذلكم اليهود يؤمنون بخوارق العادات، فما الذي جعل خوارق العادات
стр. 268
لموسى بانفلاق البحر، ونجاة موسى ومن معه إلى الشاطئ الآخر، وجعل الممر يابسا اثني عشر طريقا على عدد الأسباط، حتى لا يتنازع سبط مع سبط جعلها يبسا يمرون في هذه الممرات دون أن يغرقوا، والماء متماسك بدون حواجز، هذا سلب لخاصية الماء، معجزة لموسى وإكراما له ولمن معه حيث أنجاهم بإذنه ، ثم ما جعله نجاة لموسى ومن معه جعله نكبة ودمارا وهلاكا لخصومه وأعدائه.
إن الكفار من اليهود والنصارى يعترفون بخوارق العادات وبهذه المعجزات، والعرب يؤمنون بإبراهيم ﵇، وبأن الله نجاه من النار حين ألقي فيها، فما الذي يجعلهم يؤمنون بسلب الله خاصية النار حتى تكون بردا وسلاما على إبراهيم، ولا يؤمنون بالإسراء بمحمد ﷺ من مكة إلى بيت المقدس ثم العروج به إلى السماء السابعة؟
أ - هؤلاء الذين يؤولون الإسراء والمعراج بأنه روحي أو ينكرونه بالكلية عندهم شبهات فيقولون:
١ - هذه السرعة إلى هذا الحد تمزق البدن؛ لأن احتكاك البدن بالهواء الذي في الجو يولد نارا؛ فيحترق.
٢ - كذلك الصعود لأعلى بهذه السرعة يولد نارا؛ فيحترق البدن، وأي شيء آخر إذا صعد إلى أعلى حتى إذا لم يكن هناك هواء ينفجر ويتمزق؛ لأن الضغط الخارجي على جلده وعلى جسمه من جميع الجهات بالهواء فقد، فينفجر.
ب - يقولون في الطبقات التي لا هواء فيها: الذين يصعدون في هذه الأيام ويريدون القمر، يتزودون ويأخذون لأنفسهم هواء، ويأخذون وقايات من هنا ومن هناك، والعرب ما كان عندهم هذا الاختراع.
стр. 269
فكيف صعد الرسول ﷺ إلى أعلى؟ وكيف تغلب على الجاذبية الأرضية؟ وكيف لم يثبت على الجاذبية التي فوق جاذبية الكواكب (المجموعة الشمسية وأمثالها)؟
وكيف خلص من الجاذبية الأرضية، ولا أجنحة له، ولا طائرة ركبها؛ إنما هو براق؟!
هذه شبهة يوردونها على الإسراء، ويوردونها على المعراج وقد ألف بعض أهل السنة في هذا تأليفا يرد فيه على أولئك منهم الشيخ محمد عبد الحليم الرمالي له رسالة صغيرة في الإسراء والمعراج ذكر فيها جميع الشبه التي ترد على الإسراء والمعراج سواء كانت من جهة الحديث أو كانت من جهة السنن الكونية، فالرد عليها واحد.
والرد: أن خوارق العادات في معجزات الأنبياء سنن تشبه السنن العادية في حياة الناس العاديين فهم في معجزاتهم يسيرون في طريق كوني عادي بالنظر لهم؛ كما أن الناس يسيرون على سطح الأرض سيرا عاديا، وكما أن الطيور ترتفع بأجنحتها ارتفاعا وصعودا عاديا فالرد واحد، وهو أن هذه المعجزات من خوارق العادات التي أجراها الله جل شأنه على أيدي رسله عليهم الصلاة والسلام.
والموضوع في ذاته طويل إذا درس أصله:
١ - من جهة إثبات وجود الله.
٢ - إلى جانب إثبات حاجة العباد والمخلوقات إلى موجد.
стр. 270
٣ - إلى جانب وحدانية الله في ربوبيته وفي أسمائه وصفاته، وفي تشريعه.
٤ - إلى جانب حاجة البشر إلى الرسالة.
٥ - وإمكان الوحي.
٦ - ثبوت الوحي.
٧ - وثبوت الرسالة.
فالأمر يحتاج إلى إثبات هذا كله، وهو عبارة عن مقرر توحيد طويل يدرس في سنوات، وأنا أتكلم في دائرة محددة في "شبهات حول السنة".
الرد على أهل المسلك الثالث: الذين يردون معظم السنة لأنها أخبار آحاد
والذين يعترضون على الأحاديث، أو على بعض الأحاديث:
يؤمنون بما تواتر من الأحاديث لفظا ومعنى، وهو عدد قليل من الأحاديث؛ كحديث: «من كذب علي متعمدا؛ فليتبوأ مقعده من النار»، أو الأحاديث المتواترة معنى؛ كأحاديث رؤية الله تعالى، وأحاديث المسح على الخفين،
стр. 271
وأحاديث عذاب القبر ونعيم القبر.
يؤمنون بمثل هذا: إما لمجيئه في القرآن، وإما لتواتره في السنة، وإما لوجوده في الاثنين جميعا، لكنهم لا يؤمنون بأحاديث الآحاد؛ وذلك لأنهم يرون أنها لا تفيد إلا ظنا غير غالب.
فيردون أمثال هذه الأحاديث ولا يحتجون بها أصلا، أو يحتجون بها في الفروع دون الأصول.
أما شبهتهم في رد حجية (حديث الآحاد) فهم يقولون: إن الراوي
стр. 272
يخطئ ويصيب، وإن الراوي قد يكون عدلا فيما يظهر؛ وهو كذاب أو منافق في باطن أمره.
ويقولون: إن عمر بن الخطاب رد على أبي موسى الأشعري ﵄ حديثه في الانصراف بعد الاستئذان ثلاثا.
فيقولون: هذا عمر بن الخطاب لم يقبل رواية صحابي جليل لحديث، فهذا يدل على أن في رواية الواحد دخنا، وأنه مثار تهمة فلا نعمل به حتى يتأيد بغيره، وقد ورد مثل هذا عن علي بن أبي طالب في أعرابي.
الجواب على هذه التهمة:
وهذا وأمثاله يرد عليه بأمرين:
الأمر الأول: أن عمر بن الخطاب لم يكذبه إنما أراد:
١ - أن يتثبت من جهة.
٢ - وإلى جانب التثبت خاف عمر بن الخطاب ﵁ أن يجترئ الناس على سنة الرسول ﷺ فأظهر لهم القوة حتى يحتاطوا لأنفسهم عند البلاغ فلا يبلغ أحد إلا وهو واثق مما يتكلم به، هذا بدليل أنه قبل خبر الواحد في مرات أخرى من ذلك أنه قبل خبر الواحد في إملاص المرأة.
- ثم إن الرسول ﷺ قد اعتمد خبر الواحد، فكان يرسل رسولا واحدا بكتابه، وما أدرى أولئك أن هذا صادق في أن هذا كتاب الرسول عليه الصلاة
стр. 273
والسلام، وليس عندهم بصمة له، ولا عندهم صورة لخاتمه.
ما الذي يدريهم بأن دحية الكلبي رسول رسول الله ﷺ ؟
وكيف لزمهم البلاغ؟
وكيف أصيب كسرى بعذاب من عند الله حينما مزق الكتاب؟ كيف لزمتهم الحجة؟
فالرسول ﷺ لم يرسل الواحد؛ إلا وهو يعتقد أن الحجة تقوم به، وهذا أمر معلوم بالضرورة من إرسال الرسول ﷺ أفرادا إلى جهات متعددة لنشر الدعوة وإقامة الحجة، فأرسل معاذ بن جبل ﵁ ليقضي، ويكون أميرا في اليمن، وأرسل عليا ﵁ وأرسل أبا موسى الأشعري ﵁.
القصد: أن إرسال الواحد من الرسول ﷺ قد تكرر مرات، وهو لا يرسله إلا إذا كان يعتقد أن الحجة تقوم به، وأن خبره يجب أن يصدق.
والمهم فيه أن يتخيره عدلا، أمينا، صادقا، يقوى على البلاغ.
وليس من المهم أن يكون عددا بدليل أنه أرسل أفرادا إلى دول، وليس إلى أفراد، وفي أصل الدين وهو العقيدة وليس في الفروع فقط.
فهذا بيان من النبي ﷺ يحتج به على قبول خبر الواحد، ضد هؤلاء الذين يتهمون الراوي إذا كان واحدا، ويردون خبره وحديثه وإن توافرت فيه الشروط التي توجب قبوله وهي:
- أن يكون عدلا في دينه، ضابطا في نقله.
стр. 274
- مع اتصال الإسناد.
- ومع عدم مخالفة الرواي من هو أوثق منه.
- ومع عدم الوقوف على علة قادحة يرد بها الحديث.
هذا العمل من الرسول ﷺ يرد عليهم، وكذلك عمر بن الخطاب ﵁ قبل خبر الواحد عدة مرات، فلماذا يتمسكون بهذه القصة، ولا يتمسكون بغيرها وغيرها أكثر منها.
الأمر الثاني: في عمر بن الخطاب ﵁:
عمر بن الخطاب ﵁ كان عنده قوة في التثبت وكان يجتهد ويستوثق أكثر، لا لأنه متهم لمن استوثق في خبره، كما جاء في حادث التحقيق مع سعد بن أبي وقاص ﵁ لما كان -في العراق- أميرا وقاضيا وقائدا للسرية، وإماما في الصلاة وخطيبا في الجمعة، اشتكاه واحد من العراقيين إلى عمر بن الخطاب ﵁، وكتب إليه كتابا؛ يقول فيه: "إنه لا يخرج بالسرية، ولا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يحسن الصلاة"، فأرسل شخصا يحقق في الموضوع، مع أنه واثق من سعد بن أبي وقاص ﵁، لكن لا يريد الفتن والقلاقل، ويريد أن يستوثق أكثر، وفعلا حقق داخل المساجد ومر على الناس هنا وهناك، فكلهم يثنون خيرا على سعد بن أبي وقاص ﵁، إلا المكان الذي فيه بؤرة الفساد والرجل الذي بلغ فانتصب له، فحكى نفس الكلمة وسعد يسمع، فقال: "اللهم إن كان كاذبا فأطل عمره، وأدم فقره، وأكثر عياله، وعرضه للفتن".
стр. 275
أربع دعوات نظير أربع تهم وجهها الرجل إلى سعد بن أبي وقاص ﵁ فطال عمره، وكثر عياله، ودام فقره، وكبر في السن حتى صار وهو يمشي في الطريق ينظر إلى النساء بعين خائنة، وقد سقط حاجبه على عينه، فيقال له: ما بك وقد شبت؟ فيقول: مسكين، أصابتني دعوة سعد.
أقول: عمر بن الخطاب [لما استخلف ستة] حينما طعن وأيس من أن يبقى، فقالوا له: استخلف، فقال: لا أحملكم حيا وميتا، ولما ألحوا عليه استخلف ستة يختارون من بينهم خليفة، واستجاب لهم في الجملة، ثم جعل من الستة سعدا ﵁، ثم قال: اعلموا أني لم أعزله لشكي فيه ولا اتهاما له، ولهذا رضي به خليفة باختيارهم إياه، ثم إذا لم تصبه الخلافة نصحهم بأن يستشيروه، وأن يرجعوا إليه فيما يبرمون من أمور الدولة.
فها يدل على اتجاه عمر ﵁ في قبول الآحاد.
والقصد أن هذا جواب اعتمادهم على طلب عمر من أبي موسى الأشعري ﵄، أن يأتيه بآخر يثبت أن الرسول ﷺ قال هذا الحديث.
وأسأل الله أن يوفقني، وإياكم لما فيه رضاه، وأن يشرح صدورنا بالعلم النافع، وأن يجعل لنا بصيرة في إصابة الحق، وأن يوفقنا للعمل بما علمنا، فإنه مجيب الدعاء.
стр. 276
الشبهة الثالثة
دندنة البعض بأن السنة لم تدون في عصر النبوة
س ١: يدندن بعض المعارضين لحجية السنة بأن أسانيد الأحاديث لم تدون إلا بعد قرن من وفاة الرسول ﷺ فما رأي سماحتكم؟
الجواب على هذه الشبهة:
هذا صحيح من أحد الجوانب، فإن السنة لم تدون أسانيدها إلا في وقت متأخر، أما متون الأحاديث فمن المفروغ منه أنه دونها بعضهم، فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ دون وكتب بعض الأحاديث لنفسه، وقد أمر النبي ﷺ بالكتابة لبعض الوفود فكتبوا لهم كتابا ببعض أحاديث رسول الله ﷺ ، وهذا علي بن أبي طالب ﵁ كان عنده صحيفة لما سئل: ما عندكم غير الوحي عن رسول الله ﷺ ؟ قال: ما عندنا إلا كتاب الله وهذه الصحيفة. وفيها جملة أحكام.
وعلى هذا فقد كان بعض السنة مدونا في آخر حياة الرسول ﵊ لكن هذا ليس بصفة عامة، وحيث إن أغلب السنة كان غير مدون، ومن دون فقد دون لنفسه، أو جماعة خاصة بأمر النبي ﷺ .
إلا أن أذهان أولئك كانت سيالة تغنيهم عن التقييد والكتابة، وقد منعوا من الكتابة ابتداء مخافة أن تلتبس السنة بالقرآن، وهذا ثابت في الأحاديث
стр. 277
الصحيحة في كتاب العلم في صحيح البخاري، وغيره من دواوين السنة.
أما الأسانيد فلم تكن طويلة في القرن الأول حتى يحتاج المسلمون إلى تدوين هذه الأسانيد، وقد انتهت خلافة عمر بن عبد العزيز ﵁ على رأس المائة والحال هذه، في قوة الدولة الإسلامية، وفي تماسك المسلمين وحرصهم على الدين، وبقاء عدد من الصحابة ﵃ يأخذ عنهم التابعون، ومن وجد إلى عهد عمر بن عبد العزيز فقد التقى ببعض الصحابة فهو تابعي، إلا أنه يوجد تابعيون كبار وأوساط تابعين وصغار تابعين، فمن أين علم هؤلاء المعارضين أن الذين نقلوا عن الصحابة لم يدونوا لأنفسهم ولم يكتبوا اسم الصحابي الذي روى لهم، إنما الذي تأخر بعد المائة جمع المتون والأحاديث في دواوين مختلطة بالآثار والفقهيات أولا، ثم جرد من هذا في بعض الكتب كما جرد صحيح مسلم من الآثار والفقهيات، وبقي الوضع على هذا في بعض الدواوين؛ مثل صحيح البخاري، وكذلك موطأ مالك الذي فيه ما بين مالك والصحابي رجل واحد أحيانا كنافع -مولى ابن عمر - وأحيانا يكون غيره.
ففي رد هذه الشبهة يراعى ما يلي:
أولا: أنه لم يكن هناك بعد السند الطويل الذي يحتاج إلى تدوين وإلى كتابة
стр. 278
الدواوين.
ثانيا: أنه ليس في تأخير دواوين الحديث إلى ما بعد ذلك دليل على أن أولئك الأتباع لم يكتبوا من رووا عنه، من شيخ أو شيخ شيخ، والسند في ذلك الوقت لم يكن فيه سوى راو واحد أو اثنين.
ثالثا: ثم الشروط التي اشترطت من جهة الضبط وعدالة الراوي وأمانته واتصال السند كفيلة ببعث الثقة في النفس بأن هذا ثابت عن الرسول ﷺ .
стр. 279
استفسار وبيان
س ٢: هل في السنة شرع مبتدأ ليس له أصل في القرآن أو زيادة على ما في القرآن؟
الجواب: أما سؤال: هل في السنة أحاديث ليست في القرآن أو أصلها ليس في القرآن؟ فهذا فيه خلاف ذكره الشاطبي في الموافقات وكذلك غيره، والخلاف في هذا يكاد يكون لفظيا؛ لأن الذين اختاروا أنه ليس في السنة شيء زائد على ما في القرآن، وإنما كل ما وجد في السنة فهو بيان لأصل في القرآن، فهؤلاء يتأولون ما قال مخالفوهم بأنه ليس في القرآن بل زائد.
فمثلا في الحديث الذي فيه النهي عن الجمع بين المرأة وخالتها أو عمتها علل فيه الرسول ﵊ هذا النهي، فقال: «إن لم تفعلوا ذلك تقطعوا أرحامكم» فبين ﷺ أن هذا وسيلة لقطيعة الرحم.
وهذا التعليل جعله الشاطبي وهو الذي بني عليه تحريم الأم، وتحريم الزواج بالبنت، وتحريم الزواج بالأخت؛ لأنه يصير فيه جانبان متقابلان متعارضان؛ حقوق الزوجية للزوج، وحق أمه عليه، هي أقوى من حرم نكاحه، ولذلك جاء في أول المحرمات في الآية، وكلما تأخر كان أخف في المفسدة، وفي تعارض الحقوق.
فلما بين الله تعالى في القرآن الأصل الذي بني عليه تحريم نكاح الأمهات والأخوات؛ وهو أن ذلك يؤدي إلى تعارض الحقوق وتقطع الأرحام أشار النبي ﷺ إلى هذا في حديث النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها.
стр. 280
وعلى هذا يكون حديث النهي بيانا للتعليل الذي بني عليه تحريم من حرم نكاحه في نص القرآن، وقد فهمه النبي ﷺ وعلل به، وبهذا لم يكن الحديث زائدا عن التقعيد الذي في القرآن، إنما هو استنباط من ذلك التقعيد وما كان التحريم فيه أخف؛ لأن تقطيع الرحم فيه أقل، وتعارض الحقوق فيه أقل، فجاء التحريم في الجمع دون التحريم في أصل الزواج، فله أن يطلق المرأة ويتزوج عمتها، أو يطلق المرأة ويتزوج خالتها.
وكذلك فإن أصل هذا التقعيد الذي فيه خفة المفسدة موجود في تحريم الجمع بين الأختين؛ لأن الضرة من شأنها أن يقع بينها وبين ضرتها الخصومة، فحرم الجمع بينهما مخافة المضارة التي هي من شأن البشر، وخاصة النساء، فحرم الجمع دون أن يحرم تزوج الأخت بعد وفاه أختها، أو بعد طلاق أختها.
ومن أجل هذا يقول الشاطبي ومن وافقه: إنه مبني على تقعيد مستنبط من القرآن فهو بيان لا تأصيل.
أما غيرهم فنظر إلى الظاهر، وأن هذا الحكم لم يكن موجودا نصا، إذا هو زائد على ما في القرآن، وهذا التعليل موجود في الموافقات للشاطبي ومن أحب الزيادة فليرجع إليه.
س ٣: في حديث الرسول ﷺ عن الداء والدواء في جناحي الذباب، هل جناح الذباب الذي فيه دواء موافق لهذا الداء الذي في الجناح الآخر؟ أو داء أو مرض غيره؟ وهل الذباب المذكور في الحديث هو الذباب المعروف؟
الجواب على هذا يتضح مما يلي:
أولا: المعروف بالذباب في لغة العرب هو هذا النوع الذي يسقط على
стр. 281
القاذورات والأوساخ، والذي يسقط في الطعام أو الشراب، وبهذا الفهم أيضا هو ما يقصده الأطباء، فهو ليس عاما إذن في كل ما يطير بجناحيه.
ثانيا: أن الرسول ﷺ أخبرنا في هذا الحديث أن في إحدى جناحيه داء والأخرى دواء، وهذا يدلنا على أن المراد بالجناح جناح هذا الذباب الذي ذكره الرسول ﵊، والرسول ﷺ لم يخبر فيه هذا عن كونه دواء لغير هذا الداء؛ لأنه يعلل ما ذكر في كلامه بالغمس ولم يجعل ﷺ هذا تعليلا عاما لعلاج كل داء، إنما ذكره بمناسبة الداء الذي في جناح الذبابة يقول: «فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء».
إذن فقوله ﷺ عن دواء في الجناح هو دواء للداء الذي نزل من الجناح الآخر، ولا يصح أن يقال: إن هذا يتعدى إلى علاج داء آخر إلا بدليل، فالأصل أن ذلك يخص ما ذكر في الخبر ولا يجوز تعديه إلى غيره، مثل أي طبيب يقول: هذا الدواء لهذا الداء، فلو ذهبت إلى الصيدلية لوجدتها مملوءة بالأدوية وكل ما فيها يقال إنه دواء، لكن لا يستعمل كل دواء في الصيدلية لكل داء أيا كان، بل الأدوية التي في الصيدلية موزعة على الأدواء والأمراض وفق خاصية الداء وخاصية الدواء.
وعلى هذا فلا بد للإنسان أن يقف عند ما أخبر به الرسول ﵊ دون أن يتجاوزه بجعل هذا الدواء دواء لكل داء.
стр. 282
الجمع بين حديث الذباب وحديث أنتم أعلم بأمور دنياكم
س ٤: كيف نجمع بين حديث الذباب وبين قوله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم «أنتم أعلم بأمور دنياكم».
الجواب: كان الرسول ﷺ في أرض عربية، والبلاد بلاد نخيل، وهو يعرف شيئا ما عن هذا في الجملة، ولا أقول إنه يعرف كمعرفة الزراع أو أرباب النخيل والثمار، لكنه مطلع على ذلك في الجملة، والرسول ﵊ ما قال أنا أعلم بأمور دنياكم، بل نفى أنه أعلم بأمور الدنيا منهم، نفى هذا في مسألة النخيل وفي غيرها، فالشئون التي تتصل بالدنيا هم فيها أعلم، وإنما يعلم منها ما أوحى الله به إليه.
وحيث إن الشيء الذي قاله ﵊ وأشباهه مما رجع عنه هو الأمور الاجتهادية، فهذا يدلنا على أنه قال فيها باجتهاده، ولهذا رجع عنها، أما الذي لا مدخل للاجتهاد فيه مثل حديث الذباب إنما قاله عن طريق الوحي، بدليل التعليم الذي أشعر بذلك كما تقدم في السؤال السابق.
وحيث إنه لم يقل فيه ﷺ : «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، ولم يرجع عنه، ولم يعارضه أحد فهذا محمول على أنه وحي من الله.
أما ما كان في مسألة النخيل فهو من الأمور التي تؤخذ بالتجارب، وكذلك
стр. 283
مسألة النزول على غير ماء بدر، حين قال الصحابة ﵃: «أهو الرأي أو هو من الله؟ فقال: هذا هو الرأي، قالوا: لا، الرأي أن ننزل على الماء»، وهذا يبين أنه أمر اجتهادي.
فالأمور التي فيها مجال للاجتهاد ومنها تأبير النخل يمكن أن يقول فيها باجتهاده، فإذا أخطأ قال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، والأمور التي لا مجال لمثله للاجتهاد فيها يتبين لنا أنها وحي من الله، ويؤيد هذا التعليل أنه ﷺ أمي ولا عهد لأمته بالطب الذي من هذا الجنس ولا تجارب عندهم في هذا، وخوضه فيه لا يليق برسالته؛ لأنه يكون مجازفا بنى شيئا على غير تجربة، ولا مجال لأمثاله في أن يجرب في مثل هذا، ثم قال ﷺ : «فإن أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» وهذا أمر لا يعلم إلا عن طريق تحليل جناح الذباب، فمن أجل هذا قلت: إن هذا وحي من السماء.
أما مسألة تأبير النخل في الحديث المذكور، ففيها نوع من الاجتهاد قد أخطأ فيه ﷺ ، فهو قد يخطئ في الأمور الاجتهادية من شئون الدنيا، ويهيئ الله له من يتكلم معه ويناقشه فيرجع عن خطئه إلى ما هم عليه من صواب، فمن أجل ذلك قال ﷺ : «أنتم أعلم بأمور دنياكم» وهذا في الأمور التي تكتسب بالخبرة وغيرها.
ومن جهة أخرى مسألة الذباب لم ينته الأطباء وأهل الاختصاص فيها إلى رأي واحد، بل ما زالت إلى اليوم محل بحث ومحل تجربة، وأكثر ما فيها الاستقذار، وسقوط الذباب على الأوساخ وعلى الأذى، وأن النفس تعاف الطعام أو الشراب الذي سقط فيه وقد قلنا: إن الرسول ﵊ لم
стр. 284
يأمر المسلم أن يأكل أو يشرب ما وقع فيه الذباب، وعلى ذلك فهو حر إن شاء أكله أو شربه وإن شاء أعطاه غيره، فلا إشكال في الأمر، وكل ما أمره به أن يغمسه؛ لأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء.
س ٥: ما حكم من ابتلع من الشراب أو من الأكل الذي وقع عليه الذباب ثم قاءه مع إيمانه بالحديث؟.
الجواب: هذا أشرت إليه في الجواب السابق، وقلت: إن الرسول ﵊ ما أمر أحدا بأن يأكله، إنما بين لهم الفائدة في غمسه وأن ما فيه من داء يعالج بما فيه من دواء، ولم يأمر من غمسه بأكله، فهذا إليه إن استقذره فهو غير ملزم بأكله لكنه يعطيه من يطعمه ولا يستقذره ولا يضيع ماله.
стр. 285
حكم من رد السنة جملة وتفصيلا
س ٦: كيف ترون التعامل مع من يرد سنة النبي ﷺ سواء كان ذلك جملة أو تفصيلا خاصة وأن من هؤلاء من يتولون الحكم في بعض بلاد المسلمين اليوم؟
الجواب: الحكم فيمن رد السنة جملة -أي كلها- فهو كافر؛ فمن لم يقبل منها إلا ما كان في القرآن فهو كافر؛ لأنه معارض للقرآن، مناقض لآيات القرآن، والله تعالى يقول: ﴿قل أطيعوا الله والرسول﴾، ويقول تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ ويقول: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين﴾. وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ ويقول تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾، فقوله: ﴿فاتبعوني﴾ هذا عام، فحد المفعول طريق من طرق إفادة العموم، ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ وما من صيغ العموم، وقوله: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم﴾ أي: تنازع الرعية، وأولو الأمر من العلماء والحكام ﴿في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾، فلم يجعله إلى الله وحده، بل جعله إلى الله وإلى الرسول، ورده إلى الله رده إلى كتاب الله، ورده إلى الرسول بعد وفاته رده إلى سنته ﵊، فدعواه أنه يعمل بالقرآن عقيدة وعملا ويرد السنة جملة - هذه الطائفة التي تسمي نفسها " القرآنية "- دعوة باطلة، وهو مناقض لنفسه؛ لأنه كذب آيات
следующие страницы →