موقف العباد أمام ربهم يوم القيامة موقف العبودية والذل والخضوع له سبحانه. فلا يملك الشفاعة عند الله أحد من العباد إلا بعد مشيئته، فهو سبحانه لا شريك له، هو الذي يملك الشفاعة ﴿قل لله الشفاعة جميعا﴾ (١). ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ (٢) هذا هو الحال الذي يكون عليه العباد يوم القيامة فالله يذكرنا بيوم القيامة في كثير من الآيات والسور في القرآن الكريم.
من وقت لآخر يذكرنا به بأمور نعيشها ونمارسها في أمور حياتنا ومعيشتنا. فالنار التي نشعلها لكي ننتفع بها في الدنيا هذه النار تذكرنا بيوم القيامة ﴿أفرأيتم النار التي تورون ﴿٧١﴾ أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون ﴿٧٢﴾ نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين ﴿٧٣﴾ فسبح باسم ربك العظيم﴾ (٣).
فلو أن الناس كلما شاهدوا النار أو أشعلوها تذكروا نار الآخرة، وتذكروا أن نار الآخرة أضعاف أضعاف نار الدنيا وأن نار الدنيا هي فقط رمز لنار الآخرة ونار الآخرة فوقها بمراحل ومدد لو تذكر الناس هذا لحيت قلوبهم ولكان ذلك من خير الوعظ والتذكير لهم.
كذلك الله يأتينا بألوان من الحر والبرد، فالحر يذكرنا بحر جهنم والبرد يذكرنا بالزمهرير الذي يكون في جهنم أيضا. ففي جهنم يعذب بعض الناس بالزمهرير والبرد، وما بردنا في الدنيا الذي نستعد له في الشتاء بشيء في مقابل حرارة جهنم وبرد الزمهرير يوم القيامة. هذه أيضا من المذكرات التي يرسلها لنا أو وضعها لنا في الكون الذي نعيش فيه. فيجب علينا أن نتدبر آيات القرآن وأن نتعظ بالآيات الكونية التي تذكرنا بيوم القيامة.
стр. 527
ومن ذلكم المرض الذي يشرف به الإنسان على الموت، ثم يتراجع عن معاصيه، ويعطي الله العهود والمواثيق بأن يطيع الله ولا يعصيه، لكنه بعد أن يعافيه الله، ويشعر بالقوة يرجع إلى ما كان عليه من المعاصي والتفريط في الطاعات.
المذكرات كثيرة منها الكوني، ومنها الشرعي القولي، ومنها الخطب والمواعظ وغيرها، ومع ذلك نجد كثيرا من العباد يرتكس في المعاصي ويفرط في الطاعات وفي أوامر الله .
فيجب علينا معشر الإخوة أن نتدبر الآيات الكونية والآيات الشرعية عسى أن نستقيم على الطاعة وعسى أن نجد فيها لذة تدفعنا إلى المزيد منها وصلى الله وسلم على سيدنا محمد. والحمد لله رب العالمين.
стр. 528
٥ - آيات من سورة الأعلى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد.
فأنصح نفسي وإخواني بقول الله جل شأنه ﴿قد أفلح من تزكى … وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا … والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى﴾ (١).
وفي هذه الآيات ذكر الله ثلاث موضوعات:
الأول: النصح للإنسان وارشاده إلى ما ينفعه في دنياه وفي أخراه.
الثاني: التذكير بطبيعة الإنسان وتحليل هذه الطبيعة الإنسانية.
الثالث: أن هذا الموضوع الأول وهذا الموضوع الثاني هما من الأمور المتقدمة في الكتب التي أنزلها الله على خليله إبراهيم ﵇، وعلى عبده وكليمه موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام. وأنزل تقرير هذا أيضا في القرآن الكريم الذي أنزل على عبده ورسوله محمد ﷺ .
أما الأمر الأول: فالله جل شأنه أخبره أن الفلاح والفوز ملازم تمام الملازمة، ومتقرر في حكم الله تعالى لمن تزكى وتطهر من الشرك والمعاصي، ونمى أعماله الصالحة بتقوى الله جل شأنه، فعلا لما أمر الله به سبحانه ولما أمر به رسوله ﷺ ، وبعدا عما نهى الله عنه وبعدا عما نهى عنه رسوله ﷺ . وذكرا لأسماء الله جل شأنه وما له من العظمة والوقار. فذكر أسمائه جل علاه يورث في القلب إيمانا وجلالا وهيبة تنبع من المعاني التي يفهمها العبد من ذكر هذه
стр. 529
الأسماء المقدسة وإستحضارها في نفسه. فذكر العبد لبعض أسمائه مثل اسمه الرحمن، والرحيم، واسمه العليم والحكيم، والغفور والودود وغيرها من هذه الأسماء تملأ قلب ابن آدم بالخير والطاعة والإقبال على الله.
ومن ذكر اسم الله الجبار، وذكر اسم الله المنتقم وتيقن أنه سبحانه شديد البطش، وشديد العقاب، وأدار في خاطره آثار هذه الأسماء في الخلق، وفي الناس سابقهم وحاضرهم، واستحضر ما في هذه الأسماء من معنى الجبروتية والعقوبة لكل من خالف أمره، فإن قلب العبد يمتلأ هيبة وخوفا، وخشية من ربه فيدفعه، هذا الذكر لأسمائه التي فيها معاني الرحمة واللطف والإحسان والمغفرة والعطف للإنسان يدفعه إلى محبة الله والإقبال على طاعته وحده .
وذكر الإنسان لأسماء الله التي فيها معنى الجبروتية والإنتقام والبطش، ذكر الإنسان لهذه الأسماء ولهذه المعاني يملأ قلب العبد خوفا وذلا الله .
فالمحبة والخوف الذان يتولدان من معرفة أسماء الله هما ضروريان لاستقامة العبد وطاعته لربه وبعده عن معصيته.
يقول الله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى (١٤) وذكر اسم ربه فصلى﴾ قد أفلح وفاز من تزكى وتطهر من الشرك ورواجس الشرك. وزكى نفسه أيضا بإلزامها بالطاعات والقربات. وزكى نفسه أيضا ونماها بذكره لأسماء الله فلما فعل هذا وهذا صلى الله الفرائض وصلى الله النوافل. فقوله تعالى: ﴿فصلى﴾ تشمل كل أنواع الصلوات من فرائض ونوافل ورتب ذلك على ذكر الإنسان لربه لأن الذكر إذا تشبعت به النفس، وخالطت بشاشته القلب أثمر هذه الثمرة المباركة. وهي الإقبال على الطاعات التي من أهمها الصلوات فرضا ونفلا.
أما الأمر الثاني فهو تحديد طبيعة الأنس، وبيان السنة الكونية في إقبال الناس
стр. 530
على الدنيا أكثر من إقبالهم على الآخرة وأكثر من إقبالهم على العمل للآخرة. يقول الله تعالى في هذا ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى﴾ بل تقدمون الأعمال التي تكسبكم مالا ونفعا دنيويا عاجلا وجاها ووجاهة ومناصب في الدنيا تقدمون هذا وتؤثرونه وتولونه جل اهتمامكم وتبذلون فيه معظم سعيكم وجهدكم، وتهملون العمل لما ينفعكم في الآخرة من الأعمال الصالحات وترك المنكرات هذه هي طبيعة الناس. والواقع يصدق هذا، وكلام الله حق وصدق ولا يحتاج إلى برهان ليدل على صدقه فواقع الناس هو على وفق ما قال الله ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى﴾.
فإذا نظرنا في واقع الناس وجدنا أكثرهم كافرا. ويقول الله جل شأنه ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ (١) ثم إذا نظرت في واقع المؤمنين وجدت أن الإنحراف قد دخل على الكثير منهم وخاصة في عهدنا، ولا ندري ماذا سيكون بعد عهدنا. ربما يكون انحرافهم أشد وأخبث. المقصود أن فيمن يؤمن بالله واليوم الآخر انحراف عن طاعة الله، وتقصير في أداء الواجبات من الصلوات والزكاة وغيرها من أنواع القربات وفيهم جرأة على معاصى الله، والتشبه بأعداء الله وبمن غضب الله عليه ولعنه، في ملبسهم ومطعمهم ومشربهم وغير ذلك من أمورهم، وتفكيرهم وأخلاقهم وأعمالهم، وفى المسلمين كذلك من يعرض عن هدي النبي ﷺ وشرعه في كثير من التصرفات والسلوكيات والأخلاقيات اليومية.
فالأسماء إسلامية، والسلوكية بعيدة عن الإسلام وهذا مصداق لقول الله جل شأنه ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا﴾ ثم حث الله جل شأنه على العمل للآخرة فقال ﴿والآخرة خير وأبقى﴾ فالواجب على المسلمين أن يجهدوا أنفسهم في العمل للآخرة. إذ خيرات الدنيا ومتعها قليلة إلى جانب ما في الآخرة من النعيم المقيم.
стр. 531
ثم إن متع الدنيا زائلة فانية ومتع الآخرة ونعيمها مقيم، ومتع الدنيا وملذاتها تشوبها التكدير والتنغيص ولا يصفو فيها عيش لأحد مهما كان من أمره وأمر ما يملك من وسائل الملك ونعيم العيش، لابد وأن يعتريه التكدير أما نعيم الآخرة فسيكون خاليا من الكدر، خالصا من المنغصات.
ثم إن متع الدنيا وملذاتها مع كونها زائلة وفانية ومصحوبة بالكدر والتنغيص في كل أحوالها كسبا وإستعمالا واستمتاعا، فإنه يعقبها الحساب والتقصي على كل صغيرة وكبيرة منها. ولابد من جزاء ثوابا أو عقابا على هذه المتع والملذات كما قال ﴿ثم لتسألن يومئذ عن النعيم﴾ (١) وقال ﷺ «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وماذا عمل في علمه» (٢).
وهذا تحليل لطبيعة الإنسان وبيان لما يجب أن يكون عليه الإنسان في دنياه، وما يجلب له السعادة والخير في دنياه وأخراه، فيسعد في الحياة الدنيا بإتباعه لشريعة الله، ويسعد السعادة الأبدية في أخراه. فيقول تعالى ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا … والآخرة خير وأبقى﴾. والآخرة خير وأبقى فينبغي أن يكون حال المسلم عكس ما هو عليه حال الناس فيجب أن يصرف همته للعمل من أجل سعادته في الآخرة، وإن عمل شيئا لأمر دنياه يحسن فيه النية وأنه إنما يفعل ذلك للإستعانة به على طاعة الله وتنفيذ الأوامر. والتقرب إلى الله بما كسب وحصل من أمور الدنيا، فينوي بكسبه عفة نفسه وأولاده عن الإحتياج والسؤال والمذلة لغير الله تعالى.
فإن العبد إذا أحسن النية وقصد قصدا طيبا في عمل المباح فإنه يتحول بالنية
стр. 532
إلى قربة وطاعة وعمل صالح والنبي ﷺ يقول «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى» (١).
وأما القضية الأخيرة فهي بيان إلى أن هذا الحكم الذي ذكره الله جل شأنه في هذه الآيات ليس حكما خاصا بهذه الأمة وإنما هو حكم متقرر أنزله الله في الكتب الماضية. وقرره الله أيضا في كتابه الذى أنزله على رسوله محمد ﷺ فهذه سنته التي لا تتبدل ولا تتغير في تشريعه وفي حكمه. وقضاءه الشرعي ﴿إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى﴾ أي أن ما ذكر من الأخبار والأحكام التي تليت في هذه الآيات في الصحف الأولي. ما هي؟ هي تلك الصحف التي أنزلها الله على رسوليه ابراهيم الخليل ﵇ وصحف موسى بن عمران عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام وهي التوراة. فهي عظات وعبر قد تقررت في القديم والحديث من الشرائع - وصلى الله وسلم على سيدنا محمد والحمد لله رب العالمين.
стр. 533
٦ - تفسير مختصر لسورة الكوثر
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر﴾ (١).
هذه السورة أنزلها الله جل شأنه على رسول الله ﵊، حينما رماه قومه المشركون بأنه أبتر، وذلك أن الله جل شأنه ابتلاه في أولاده الذكور فماتوا جميعا؛ فقالوا: إنه أبتر لإنقطاع نسله، وكانوا يعتبرون الذكور هم النسل، وهم الأساس، وهم العصبة، الذين يحيون ذكراه بعد وفاته، والذين قالوا هذا عدة من كبار المشركين ووجهائهم كأبي لهب، والعاص بن وائل، وكعب ابن الأشرف وغير هؤلاء، القصد أنهم جملة اتفقت كلمتهم على أن ذكرى رسول الله ﷺ ستموت بموته لأنه لم يعش له ابن بل ماتوا جميعا، فالله كذبهم في هذا، وبشره بأنه قد أعطاه فضلا منه وإحسانا وأعطاه الخير الكثير الذي منه الكوثر، الذي أخبر به رسوله ﷺ ، وورد على لسان رسوله ﵊ ذكره في الأحاديث الصحيحة. ومنها النبوة، ومن ذلك ذكره ﵊ في الأذان والإقامة، وذكره بالرسالة كذكر الله بالوحدانية، وأعطاه غير ذلك من الخيرات التي لا تحصى ولا تعد، منها ما عجله له في الدنيا من نصر وتأييد وكثرة أتباع، وانتشار دينه وبقائه حتى يرث الله الأرض ومن عليها. فكذبهم بما أعطاه من البشريات العديدة العاجلة والآجلة، وأمره أن يشكر هذه النعمة بإخلاص العبادة له فلا يصلى إلا له، ولا ينسك النسك إلا له وحده لا شريك له، ولا يذبح إلا له مخلصا له القربات، وبين له أيضا أنه إلى جانب هذه البشريات وإلى جانب ما
стр. 534
أمره به من الشكر وإخلاص القربات له، بين له أن أعداءه وخصومه هم البتر الذين تنقطع ذكراهم ويخسرون الدنيا والآخرة.
فأما البشرى بالخير الكثير في قوله : ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾، فالكوثر هو الخير الكثير، ومنه الحوض المورود الذي يعطاه النبي ﷺ يوم القيامة، وأما الشكر على نعمة هذه البشريات التي بشره الله بها فقد تضمنتها الآية الوسطى من هذه الآيات الثلاث في قوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾، أما النعمة الكبرى التي أنعم عليه فهي العقوبة التي عاقب بها خصومه من أبي جهل، وأبي لهب، والعاص بن وائل، وكعب بن الأشرف، وما إلى أولئك من عقبة بن أبي معيط وأمثالهم من الذين جرت على ألسنتهم هذه الكلمة الردية الخبيثة من أنه سينقطع ذكره بوفاته، فذكر الله جل شأنه أن شانئه ومبغضه هو الأبتر المنقطع ذكره في الدنيا الخاسر في الدنيا، والآخرة فقال: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾، فالآيات؛ آية بالبشرى بالخير، وآية فيما أوجبه الله عليه من الشكر بالإخلاص في القربات له وهى قوله: ﴿فصل لربك وانحر﴾، والآية الثالثة هي: ما أصيب به خصومه من الذكر بعد وفاتهم وخسرانهم الدنيا والآخرة: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾، وهذا أمر عام وسنة الله في خلقه أن القائم بالحق ينصره الله تعالى، ويبقي ذكراه وإن لم يكن له أولاد. والذكرى المعتبرة ما كان سببها الصلاح في الدنيا وتؤدي بصاحبها إلى السعادة في الآخرة. الصلاح في الدنيا ظاهرا وباطنا، عقيدة وعملا. وتكون نتيجتها السعادة العاجلة والأجلة.
стр. 535
٧ - فتاوى التفسير
س ١: سئل الشيخ: عن تفسير قوله تعالى: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها﴾ (١)؟
فقال الشيخ ﵀: أي توفيقها، ولو حرف امتناع لا متناع، أى امتنع إيتاء الله كل نفس هداية التوفيق لا متناع مشيئته ذلك، فالمراد بالهداية التي لم يشأ الله أن يؤتيها لكل النفوس هي هداية التوفيق والإسعاد وليست هداية التبيين والإرشاد.
س ٢: سئل الشيخ: عن قوله تعالى ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ (٢)؟
فقال الشيخ ﵀: هو يخلف العباد ولا يخلفه أحد، وقوله ﴿خلائف الأرض﴾ بعضكم يخلف بعضا.
س ٣: سئل الشيخ: عن قوله تعالى ﴿بدلناهم جلودا غيرها … ﴾ (٣)؟
فقال الشيخ ﵀: جلد الإنسان الذي يطيع الله تعالى يموت ويتجدد جلد غيره بخلايا أخرى في أثناء حياة الإنسان فكذلك العصاة يبدلهم الله تعالى جلودا من هذا النوع ولو لم يعصوا الله تعالى فيها ثم إن الخوض في ذلك تدخل في شأن الله تعالى لا يجوز، وسوء أدب من العبد أن يتدخل في شأن الله الخاص به.
س ٤: سئل الشيخ: عن قوله تعالى ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ (٤)؟
فقال الشيخ ﵀: خلق الإبل غريب ومأخوذ منها طريقة بناء المساجد على صورة القبة بلا أعمدة كجامع السلطان حسن بمصر والمقصود بالنظر وهو
стр. 536
وسيلة إلى الفكر كبقية أبواب الحس، كالحواس الخمسة.
س ٥: سئل الشيخ: عن الفرق بين الكفر والفسوق والعصيان في قوله تعالى: ﴿وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ (١)؟
فقال الشيخ ﵀: الإنسان مفطور على الخير بحيث أنه إذا لم تؤثر فيه البيئة اختار الخير الحديث: (كل مولود يولد على الفطرة) (٢) وحديث: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم) (٣) وهو شامل لفطرته على الخير في الجسم والخلق والعقيدة ولا يعارض قوله تعالى ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ (٤)؛ وقوله تعالى: ﴿إنه كان ظلوما جهولا﴾ (٥) لأن هذا طارئ بدليل قوله: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين﴾ (٦).
س ٦: سئل الشيخ: عن معنى حديث: (أبى الله أن يجعل لقاتل مؤمن توبة)؟
فقال الشيخ ﵀: دل القرآن على أن للقاتل توبة في سورة الفرقان قال تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ (٧) إلى قوله: ﴿إلا من تاب … ﴾ (٨) الآيات.
ولكن حق المقتول لا يسقط إلا بعفوه أو أخذه بحقه يوم القيامة من حسنات القاتل. أما حق الله فتنفع فيه التوبة وحق أولياء الدم تنفع فيه الدية.
стр. 537
س ٧: سئل الشيخ: عن معنى الآية: ﴿أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾ (١)؟
فقال الشيخ ﵀: هو الطفل غير المميز الذي لا يعرف الحسن من القبيح، ولا يعرف ما تعاب به المرأة وما يستحسن منها ويكون الطفل كذلك غالبا قبل سن السابعة.
س ٨: سئل الشيخ: عن الاستئذان المذكور في سورة النور؟
فقال الشيخ ﵀: الاستئذان المذكور في سورة النور للمحارم وللأجنبي من باب أولى؛ لأنه أفحش.
стр. 538
رابعا: الحديث النبوي
стр. 539
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - شرح حديث الحلال بين والحرام بين
يقول الرسول ﷺ : «إن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقي الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. ومن وقع في الشبهات يوشك أن يقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» (١).
في هذا الحديث يقسم الرسول ﷺ الأشياء وأعمال الناس ثلاثة أقسام: قسم بين حله وواضح أنه من الحلال الصراحة الدليل الذي يدل على حله، ولحسن فهم الإنسان، وحسن تطبيق الإنسان.
وقسم آخر يتبين أنه محرم لصراحة الأدلة التي تدل على تحريمه مع حسن تطبيق الإنسان لما فهمه من الدليل على ما يأتيه من أعمال أو يحدثه من أعمال.
وقسم ثالث دائر بين الحلال والحرام ولا يتضح لأي قسم منهما ينتمي لخفاء الدليل الذي يدل عليه ولغموض فيه، إما آية فيها إجمال وإما حديث فيه إجمال فيشتبه أمر فهمه على من يبحث فيه، وعلى من اطلع عليه قراءة أو سماعا فيشتبه أمره عليه فلا يدري هل هذا يدل على الحل، أم هو يدل على الحرمة فمن أجل الاشتباه لم يعرف الناظر فيه أنه من قبيل الحلال الصرف أو من قبيل الحرام الصرف، أو عرف الحكم إلا أنه اشتبه عليه أمر في التطبيق، فعند التطبيق لم يدر عن هذه الجزئية هل تنطبق عليها قاعدة الحلال أو تنطبق عليها قاعدة الحرام. فمن أجل ذلك جاء الاشتباه.
стр. 540
هذه هي القسام الثلاثة: فما وضح حله أمره بين، ويجوز للإنسان أن يقدم عليه. وما وضح تحريمه لا يجوز للإنسان أن يقدم عليه، أما ما اشتبه أمره فهو موضوع هذا الحديث الذي ذكرنا عن رسول الله ﷺ .
وقد ذكر فيه العلماء أراء فمنهم من يقول: إن الذي اشتبه أمره من أعمال الناس أو من الأحكام هو الذي اختلف فيه العلماء فمنهم من أباح ومنهم من منع. أو هو خلاف الأولى، أو هو المكروه.
وكما ذكرت لكم أن المشتبه يرجع إلى اشتباه الدليل وغموضه أو الإجمال فيه، أولا يرجع إلى فهم الحكم لكن الاشتباه وقع في التطبيق، فعند التطبيق تشتبه عليه مسألة أو جزئية هل تندرج في الحلال أم تندرج في الحرام. ومثال ذلك: المداينات العشر أحدى عشر هل هذه الجزئية من المبايعات من قبل الربا المحرم كما يقول بهذا كثير من العلماء أو جمهور العلماء والفقهاء، أو هي من البيع لأجل.
وكذا المداينات المعروفة أن الإنسان قد يأخذ صفقة من شخص لا يريد من الصفقة أن يستهلكها لنفسه، إنما يريد من ورائها أن يأخذ مبلغا من المال لينتفع به، فيأخذ الصفقة ويعدها ويعتبر عدها وهي محلها قبضا ثم يأخذ عنها ثمنا من صاحب المحل. هل هذا يعتبر ربا؟ أو يعتبر بيعا. فكثير من الفقهاء يراه ربا. وأن القصد إنها حيلة إلى دفع القليل ليأخذ الكثير. وأخذ القليل ليدفع عنه كثيرا، فهو بيع ذهب بذهب أو فضة بفضة إلا أنهم جعلوا بين هذا وهذا سلعة يسميها ابن عباس حريرة. فليس المقصود الصفقة، إنما المقصود بيع فضة بفضة أكثر منها أو ذهب بذهب أكثر منه، أو ورق من الأوراق التي تمثل الفضة أو الذهب مثل النقود، بيع القليل منها بالكثير، أما الصفقة فاعتبرت حيلة من الحيل يتوصل بها إلى أخذ الكثير عن القليل والمعاوضة بالكثير عن القليل، ويكون هذا من باب الربا. فهذا مما اختلف فيه الفقهاء. والاختلاف فيه اختلاف في
стр. 541
التطبيق. تطبيق نصوص الربا على هذه الصورة. فهم اتفقوا على أن الربا محرم إلا أن هذه الجزئية هل تدخل في قبيل الربا، أو تدخل من قبيل المبايعات والالتزام بالصفقات فهو من باب البيوع، بيوع السلع، أم هو من باب بيوع نقد بنقد.
هذا مما اختلف فيه الفقهاء في التطبيق مع الإتفاق على أن الربا محرم وأنه لا يجوز بيع الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل يدا بيد، لكنهم اختلفوا من جهة التطبيق لا من جهة التقسيم والدليل، فينبغي للإنسان أن يتجنب مثل هذا وأن يتقي موضوع الاشتباه حتى لا يقع في الحرام الصحيح، لإجترائه على الحرام المختلف فيه. وفي هذا ينصحنا الرسول ﷺ بقوله: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» فقد إستبرأ لدينه بالبعد أي طلب التنزيه لدينه ولعقيدته ولعمله، ببعده عما اشتبه عليه هل هو من قبيل الحلال أمن قبيل الحرام.
ومثال آخر على المتشابه أو المشتبه، الإنسان إذا اشتبه في امرأة هل رضاعه معها وصل إلى درجة التحريم، أو دون درجة التحريم فهي حلال له. هذا اشتباه في التطبيق أيضا. هل الرضاع حصل ولا بد. هل بلغ عدد الرضعات خمس رضعات فتحرم أو لم يبلغ فتكون حلالا. فالخير والورع أن يتقي هذه الجزئية وأن يتزوج بغيرها من النساء وهن كثيرات والحمد لله، ولن يعدم امرأة أخرى تتفق مع حاله وتكون صالحة دينية أيضا. وبعده عن هذه المرأة التي اشتبه حالها هو عمل بوصية رسول ﷺ «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» فهو في تركه لهذه المرأة استبرأ لعرضه وطلب لنزاهة دينه.
ومن هذا أيضا، الاختلاف في العدة للمطلقة هل هي ثلاث حيضات أو هي ثلاث أطهار؟
انقسم أصحاب المذاهب الأربعة إلى قسمين: المالكية والشافعية يقولون إن العدة ثلاثة أطهار فإذا مضى الطهر الذي طلقها فيه، ثم الطهر الذي بعده، ثم دخلت في الطهر الثالث يقولون إنها حلت للأزواج بمجرد أنها تدخل في الطهر
стр. 542
الثالث.
الحنابلة والحنفية يقولون: إن المراد بالقروء في القرآن في قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ (١) المراد بها الحيض فإذا طلقها في الطهر ثم حاضت حيضة، ثم طهرت، ثم حاضت الحيضة الثانية، ثم طهرت منها، فلا تحل بالطهر الثالث حتى ترى الحيضة الثالثة. فرعاية الخلاف بين العلماء ورعاية الاحتياط في الفروج، وفي الزواج ينبغي له أن يمشي على مذهب الحنفية والحنابلة فلا يتزوج المرأة المطلقة حتى ترى الحيضة الثالثة بعد طلاقها. وهذا أبعد أمد تكون بعد حلالا على المذاهب كلها. ولا يختلف مسلم مع آخر أنها بعد الحيضة الثالثة يحل العقد عليها والزواج بها. والأخذ بأبعد أمد أبرأ للدين والعرض وأبعد عن ارتكاب الأمر المشتبه وأخذ بنصيحة النبي ﷺ في قوله: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.» ومن هذا الباب ما ثبت أن النبي ﷺ كان يسير في طريق فوجد تمرة فأخذها ومسحها وأبى أن يأكلها، عف عنها، وقال لأصحابه: «كلوها فلولا أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها» (٢) هذه التمرة في الأصل مجهولة هل هي من الصدقات أم لا؟ ولكن هذا احتياط وورع من النبي ﷺ ، فلم يأكلها خشية أن تكون من الصدقة.
ومن باب الإحتياط والورع ما حكاه النبي ﷺ : «أنه اشترى رجل من رجل عقارا له، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة ذهب، فقال الذي اشترى العقار للرجل الذي باع العقار: خذ ذهبك إنما اشتريت منك الأرض ولم ابتع منك الذهب. وقال الذي باع العقار: إنما بعتك الأرض وما فيها، فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه. ألكما ولد؟ قال أحدهما: لي غلام وقال الآخر: لي جارية، قال:
стр. 543
أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا عليهما منه وتصدقا» (١) فكلا الرجلين تورع عن أخذ المال والإنفاق منه لأنه حصلت شبهة في هذا المال هل هو حلال لأحدهما أم حرام، فما كان من الرجلين إلا أنهما ابتعدا عن المال حتى حكم فيه هذا الحكم بهذا التصرف في هذا المال، ومن وقع في الشبهات يوشك أن يقع في الحرام، من وقع فيما ارتاب فيه، واجترأ على ذلك، ولم يبال بذلك، يوشك ويقرب أن يجترأ على المحرم فيقع فيه، وهذا دليل على وجوب سد الذرائع والطرق الموصلة إلى الحرام. وقد قال رسول الله ﷺ في حديث آخر: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٢) دع ما تشك فيه إلى ما تتيقنه. وتعلم أنه حلال لا غبار عليه.
ثم يقول الرسول ﷺ : «ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه» كان عظماء العرب في الجاهلية يحمون لأنفسهم مناطق يحرمون على غيرهم الرعى فيها. فإذا حمى أحدهم منطقة فإنه يحظر على غيره أن يرعى فيها إبله أو بقره و غنمه. فإذا حمى أحد الملوك أو الوجهاء أو العظماء الذين لهم سطوة وقوة مكانا، وجاء إنسان يرعى حول هذا الحمى غنمه أو إبله، فإنه لربما شردت أحدها ودخلت هذا الحمى فيتعرض بذلك لعقاب وبطش صاحب هذا الحمى.
كذلك من يقع في الشبهات فهو مقترب من الحمى ودان منه، وهو على وشك أن يقع في الحرام لأن حمى الله محارمه فهو - يعني الواقع في الشبهات - مثله كمثل هذا الراعي الذي يرعى حول الحمى.
ثم نبهنا رسول الله ﷺ إلى أن الأصل في صلاح الإنسان واستقامة جوارحه وسعادته وسلامته في أعماله، وبعده عما حرم الله وامتثاله ما أمر الله، العماد في
стр. 544
هذا صلاح القلب واستقامته، فإذا صلح القلب واستقامت أحواله وصفا وأخلص وعرف الحق من الباطل، إستقامت جميع الجوارح. وإذا فسد القلب جهلا، وعدم معرفة بالحق، وعدم معرفة بالحلال والحرام، وفرط في استبانة ذلك، أو عرف الحلال والحرام ولكنه لم يبال به فترك الحلال وتجرأ على الحرام، وكثرت بدعه فجوارحه جوارح فاسدة لا تستقيم على الجادة، ولا على ما شرع الله . وبين رسول الله ﷺ هذا في قوله: «ألا أن في الجسد مضغة» والمضغة قدر ما يمضغه الإنسان، وهي قطعة صغيره الحجم، ومع صغر حجم هذه المضغة إلا أن خطرها عظيم ومنفعتها جليلة، وإذا فسدت سببت فساد باقي الأعضاء والجوارح وهذه المضغة هي القلب «إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله». وأسأل الله أن يبصرنا بالهدى وأن يهدينا إليه وأن يثبتنا عليه وأسأله أن يبصرنا بالضلال وأن يبجنبنا إياه وأن يجعل بيننا وبينه حاجزا. والحمد لله رب العالمين وصلي الله وسلم على سيدنا محمد.
стр. 545
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٢ - شرح حديث
«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (١)
قال الشيخ رحمه الله تعالى:
المسلم الحقيقي الذي تظهر عليه آثار الإسلام و شعائره وأماراته هو الذي يكف أذى لسانه ويده عن المسلمين. فلا يصل إلى المسلمين منه إلا الخير والمعروف.
وفي واقع المسلمين اليوم قد تجد الرجل محافظا على أداء الصلاة في وقتها، وقد تجده يؤدي حق الله في ماله، فيدفع الزكاة المفروضة، وقد يزيد عليها وقد تجده مسارعا في الخيرات يضرب في أبواب الخير المختلفة بسهم وقد يكون معوانا للناس، يسعى في قضاء حوائجهم، وقد تجده من حجاج بيت الله الحرام ومن عماره، ولكن مع هذا الخير كله قد تجده لا يحكم لسانه ولا يملك زمامه، فينفلت منه لسانه فيقع في أعراض الناس ويمزق لحومهم. فلا يستطيع أن يملك لسانه عن السب والشتم واللعن والنبي ﷺ يقول: «ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان، ولا الفاحش، ولا البذئ» (٢).
وقد تجد الرجل مع ما فيه من الخير والصلاح لا يملك لسانه عن الغيبه والنميمة، ولا يملكه عن شهادة الزور وقول الزور، وقد لا يكف لسانه عن همز الناس ولمزهم. فيجره لسانه ويوقعه في كثير من الأخطاء والبلايا. فمثل هذا النوع من الناس، قد فقد صفة من أبرز وأهم صفات المسلم الحقيقي.
стр. 546
وهناك نوع آخر من المسلمين يختلف عن النوع السابق، فقد تجده يحكم لسانه ويقل به الكلام، ولكنه يؤذي المسلمين بيده، فيضرب بيده أبدان المسلمين، ويعتدي على أموالهم، فيسرقهم، أو يسلبهم حقوقهم، أو يظلمهم، فهذا أيضا قد فقد أمارة من الأمارات الظاهرة التي تدل على إسلام المرء وعلى إيمانه.
وعلى هذا فلا يكتمل إسلام عبد حتى يحب المسلمين، ويترك إيذاءهم بلسانه، ويترك إيذاءهم بيده. ولا يتم إسلام عبد وإيمانه حتى يشغل لسانه في الأعمال التي يكون فيها نفع له في الدنيا والآخرة، فيعمل لسانه في تلاوة كتاب الله وفي ذكره ، ويعمل بلسانه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر العلم النافع، أو تقديم النصيحة والمشورة المفيدة النافعة، وغير ذلك من المصالح التي تعود بالنفع العاجل على المرء وعلى إخوانه المسلمين.
ولو تحقق أن كف المسلم لسانه عن إيذاء الناس، وكف يده كذلك عن إيذاء الناس فلا يكسب بيده شرا، وإنما يعملها في الخير والنفع، ولو تحقق هذا لصار المسلم آمنا في سفره وفي إقامته، وفي بيته وخارج بيته، ولصار مجتمع المسلمين، مجتمعا فاضلا على ما يحب الله ورسوله وقول النبي ﷺ : «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» معناه أن الهجرة المطلوبة من كل مسلم هي ترك وهجر المعاصي والسيئات التي نهى الله عنها ونهى عنها رسوله ﷺ .
والهجرة تطلق على معنيين: الأول هجرة المكان. والثاني: هجرة الحال. فالهجرة المكانية هي الإنتقال من دار الكفر التي يغلب الكفر على أهلها وعلى أحكامها وعلى حكامها، ولا يستطيع الإنسان فيها أن يقيم شعائر دينه، ولا يأمن فيها على دينه ونفسه وعرضه فينتقل من هذا المكان ومن هذه الدار إلى دار أخرى تنتفي فيها هذه المثالب ويستطيع أن يقيم فيها المسلم آمنا على دينه.
стр. 547
ونفسه وعرضه، فيستطيع أن يقيم فيها دينه دون خوف أو تهديد. وهذا النوع من الهجرة هو ما حصل من النبي ﷺ ومن المسلمين عندما انتقلوا من مكة المكرمة إلى المدينة النبوية حيث كان الكفر وقتها غالب على أهل مكة وكانوا يؤذون المسلمين ويضيقون عليهم في أمور دينهم.
وهذه الهجرة هي التي عناها النبي ﷺ بقوله: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها) (١) ذلك لأن الناس لا يزال منهم قسمان قسم من أهل الخير والصلاح، وقسم من أهل الشر والضلال والفساد فإن غلب أهل الخير على أهل الشر والفساد في عهد من العهود أو في مكان من الأماكن فهذا هو المراد وذلك هو المطلوب. وفي مثل هذا المجتمع الذي يقوى فيه أهل الخير والصلاح يستطيع الإنسان المسلم أن يقيم دينه ويعبد ربه ويأمن على نفسه وعرضه وتسمى هذه الدار دار إسلام وإيمان.
وفي بعض العهود والأوقات والأماكن قد يضعف أهل الإسلام والإيمان، وتضعف شوكة أهل الصلاح، ويقوى عليهم أهل الشر والفساد، فيضعف المسلم عن إقامة دينه ولا يأمن على نفسه ولا على عرضه فحينئذ يجب على المسلم أن يبحث عن مكان وبيئة أصلح من هذه، فيهاجر إليها ويترك هذا المكان الذي تسلط فيه أهل الكفر والضلال وقويت شوكتهم فيه. وتسمى هذه الدار دار كفر.
وأما الهجرة الثانية أو النوع والقسم الثاني فهو هجرة الحال وقد فسره النبي ﷺ في هذا الحديث «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» فالهجرة بهذا المعنى أن يهجر المسلم السيئات والمعاصي وأن ينتقل من حال، المعصية والبعد عن الله ومخالفة أمره والتجرؤ على حرماته إلى حال آخر، وهو
стр. 548
حال الإقلاع عن المعاصي والذنوب وحال القرب من الله والوقوف عند حدوده.
والهجرة بالمعنى الأخير وهو ترك ما نهى الله عنه تشمل النوع السابق بالمعنى الأخير، وهو ترك ما نهى الله عنه تشمل النوع السابق وبيان ذلك أن مما نهى الله أن يقيم المسلم في دار الكفر مقهورا مغلوبا وهو قادر على ترك هذا المكان إلى غيره مما هو آمن وأصلح منه. فتكون هجرته بهجران ما نهى الله عنه وهو الإقامة بين ظهراني الكفار.
سئل الشيخ: ما هو حديث (دعاء الكرب) (١)؟
فقال الشيخ ﵀: روى البخاري ومسلم حديث دعاء الكرب ونصه: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش الكريم (٢)»
стр. 549
خامسا فتاوى الحجاب واللباس والتصوير
стр. 550
خامسا: فتاوى الحجاب واللباس والتصوير
س ١: سئل الشيخ: ما هي عورة المرأة المسلمة على المسلمة؟
فقال الشيخ ﵀: عورة المرأة المسلمة ما بين السرة والركبة مع العلم أن في المسألة أقوالا أخرى ويصح للمسلمة أن ترضع أمام المسلمة الأخرى.
س ٢: سئل الشيخ: عن عورة الأمة؟
فقال الشيخ ﵀: عورة الأمة من السرة إلى الركبة سواء كانت للخدمة أم ربة سرير للتسري، وهذا ظاهر الآية في سورة الأحزاب وهو مذهب المالكية.
س ٣: سئل الشيخ: هل يصح أن تتزين المرأة بكامل زينتها وهي مغطاة بجلباب سابغ وتحته كحل وخضاب وحلي وكله مستور؟
فقال الشيخ ﵀: لا حرج في ذلك بل هي متزينة لزوجها وللنساء وليست متزينة للرجال الأجانب، وما دام لا يبدو منها شيء فلا حرج. أما إذا كان الجلباب زينة في نفسه لكونه لامعا ولافتا للنظر فهذا يحرم.
س ٤: سئل الشيخ: عما تكشفه المرأة لمحارمها؟
فقال الشيخ ﵀: يجوز للمرأة أن تكشف لمحارمها ما يبدو منها غالبا عند الخدمة كالرأس والعنق واليدين والقدمين.
س ٥: سئل الشيخ: عن صفة العمامة النبوية؟
فقال الشيخ ﵀: صفة العمامة النبوية لفافة تلف حول الرأس. أما الغترة أو الشماغ فليست واردة في السنة بل هي من باب العادات. أما العمامة فهي الواردة في السنة.
س ٦: سئل الشيخ: عن لبس المرأة البنطلون؟
فقال الشيخ ﵀: إذا لبست المرأة البنطلون وفوقه ملابس سابغة فلا
стр. 551
تشبه فيه بالرجال ما دامت تلبسه أسفل ملابسها، ولكن التشبه الذي يمنع إذا لم تلبس فوقه شيئا.
س ٧: سئل الشيخ: هل يصح إهداء الحرير إلى قريب كافر؟
فقال الشيخ ﵀: يصح، فقد فعله عمر ﵁. واحتفاظ الإنسان بملابس خاصة للجمعة والمناسبات أمر طيب وهو من فعل الرسول ﷺ .
س ٨: سئل الشيخ: هل يجوز إرضاع المرأة طفلها أمام المرأة أو أمام محرم من محارمها؟
فقال الشيخ ﵀: يجوز لو كانت مسلمة. أما كتابية فالأظهر ألا تكشف أمامها لقوله تعالى: ﴿أو نسائهن﴾ أما ظهور الأطراف، الرجل إلى الركبة والذراعان أمام المحارم ليس بمحرم له لأنه لا يجوز أن يرى ما عدا ما بين السرة والركبة.
س ٩: سئل الشيخ: عن لباس الشهرة؟
فقال الشيخ ﵀: لباس الشهرة هو اللباس الذي يجعلهم يضحكون عليك ويستهزئون بك ولو لبست كما يلبسون فلا حرج.
س ١٠: سئل الشيخ: هل لبس المنطلون أو لبس الساعة في اليسار يعتبر من التشبه بالكفار؟
فقال الشيخ ﵀: اللباس الذي يعتبر تشبها بالكفار هو الذي من خصائصهم بحيث لو رآك أحد به حسبك كافرا أما ما عدا ذلك فيجوز لبسه وارتداؤه.
س ١١: سئل الشيخ: إذا ألبست الأم البنت فستانا قصيرا وعمرها ثمان سنوات، ورآها الأب ولم يتكلم مع العلم أنه لا يرضى بلبس القصير، فهل يأثم في ذلك؟
فقال الشيخ ﵀: كلاهما آثم؛ الأب مسئول عن البيت كله عن الزوجة وعن البنت، فهو آثم ويجب عليه أن ينصح زوجته أم البنت، وأن
стр. 552
ينصح البنت، والأم أئمة لأنها راعية (١) على بناتها ورضيت بهذا لبنتها، فكلاهما متعاون على الإثم والعدوان، ومهمة الرجل أوسع من مهمة المرأة في هذا لأنه قيم على البيت كله على زوجته وعلى بنته، أما الأم فمهمتها ضيقة لأنها راعية في بيتها على بناتها وعلى أولادها الذكور، فدائرة رعاية الأم أضيق من دائرة رعاية الأب، والقصد أن كليهما أثم لتعاونهما على الإثم والعدوان، وتعود البنت على الشر من صغرها أمر لا يجوز.
س ١٢: سئل الشيخ: أعرف أخ مهندس، وهو رسام ماهر وبارع، فنصحته أن يتجه لتصوير الأمور الطبيعية مثل الكواكب، والنجوم، والأمطار، والنباتات وغيرها مما يظهر قدرة الله وإعجازه في خلقه فوافق وسر بذلك، وقال لي أن أرسل له أفكارا بهذا المعنى السابق وهو بدوره يحولها إلى صور، ويكتب بجوار كل صورة الآية أو الآيات التي تعبر عنها. فهل هذا أمر جائز ومشروع أم لا؟
فقال الشيخ ﵀: يجوز التصوير إذا لم يكن صورة إنسان أو حيوان أو طير أو غيرها من صور ذات الأرواح.
أما تصوير ما فيه روح فأكثر أهل العلم على تحريمه. وعلى هذا فلا يجوز تصويره إلا إذا كانت الصورة يحتاج إليها لضرورة وحاجة كجواز السفر والبطاقة والهوية، وأوراق الإلتحاق بالمدارس والجامعات، وغيرها من المصالح التي يحتاج فيها إلى معرفة الأشخاص وتميز بعضهم من بعض، وكذلك كل مصلحة معتبرة شرعا ولا يمكن أن تتم إلا بالصورة فيجوز التصور، والتصوير لأجلها وكذلك يجوز تصوير المجرمين والمشبوهين، وتوزيع صورهم على الدوائر والنقاط والهيئات التي تساعد في ضبطهم والإمساك بهم لاتقاء شرهم أو
стр. 553
معاقبتهم على شرورهم بما يستحقون.
أما تصوير الزعماء، والفضلاء، والوجهاء، والصلحاء فلا يجوز لما قد يكون في تصويرهم من التعظييم، والإفتتان بهم لا سيما وأن لهم مكانة في القلوب. فيخشى من أن يعظمهم الناس ويؤلهونهم، وقد سمعنا في بعض الدول أنه عندما يرى الناس صورة زعميهم أو معظمهم فإنهم ينحنون أمام صورته. وأصل الشرك في بني آدم كان سببه تصوير الصالحين، ثم تعظيم هذه الصور ثم الافتتان بها وتأليهها ثم صنع تماثيل ونصب على هيئتها ثم عبادة هذه النصب والتماثيل.
أما صور الفنانين والفنانات فهي محرمة من عدة أوجه من ذلك أنها من جملة ذوات الأرواح التي ورد النهي عن تصويرها، وكذلك لما يكون في صور هؤلاء من العري والخلاعة التي تثير الغرائز والشهوات عند الشباب وغيرهم. وفي تصوريهم تشجيع لما هم فيه من الباطل والمجون.
أما الصور التذكارية التي يكون فيها الإنسان مع بعض الزملاء والمحبين فهي محل اشتباه والأجدر بالإنسان المسلم والأولى به تركها وعدم فعلها لأنها من جملة الصور ذوات الأرواح. والإنسان إذا ترك المشتبهات خشية الوقوع في الحرام والمكروه فقد استبرأ لدينه وعرضه كما قال الرسول ﷺ .
س ١٣: سئل الشيخ: عن حكم التصوير؟
فقال الشيخ ﵀: التصوير المجسد حرام باتفاق العلماء، ونعني بالتصوير المجسد نحت تماثيل لبعض ذوات الأرواح من إنسان أو حيوان أو طير أو غير ذلك مما فيه روح.
ويشتد التحريم إذا كانت هذه التماثيل والنصب المنحوتة لأناس معظمين كالملوك والأمراء والعلماء والصلحاء لأن تعلق القلوب بهم أكثر من غيرهم ممن هو دونهم.
стр. 554
أما التصوير الشمسي لذوات الأرواح فهو محرم وممنوع، لأن فيه مضاهاة لخلق الله، ولأن فاعله من أظلم الناس، ولأنه يمنع من دخول ملائكة الرحمة والبركة إلى المكان الذي تكون به هذه الصور، ولأن تصوير ذوات الأرواح من المعظمين كالأمراء والعلماء ونحوهم هو ذريعة وسبب ووسيلة للشرك، وقد حدث هذا في الأمم السابقة. وهناك من الصور ما يجتمع فيه أكثر من سبب لتحريمه كما ذكرنا في صور المعظمين من ملوك وعلماء ونحوهم فهي محرمة لأنها من ذوات الأرواح، ولأنها ربما تكون وسيلة للإفتتان بها وتعظيمها وقد سمعنا شيئا من ذلك في بعض الشعوب المعاصرة من أنهم ينحنون أمام صورة من يعظمونه من رئيس أو كبير أو غيره.
وكصور الممثلات والمغنيات التي تظهر في الجرائد والصحف، فإن فيها من أسباب التحريم أنها مضاهاه لخلق الله وهو محرم وملعون فاعله كما سبق، ولأن فيها صرف لقلوب الخلق عما فيه نفعهم ومصلحتهم من التعلق بالله والإشتغال بذكره. وكذلك في تصوير هؤلاء المغنيات والممثلات فتنة من نوع آخر وهي فتنة الشهوة في صور هؤلاء فقد تكون صورا عارية بادية المفاتن، وفي أجمل هيئة وأحسن زينة، مما يثير كوامن النفوس ويثير الغرائز والشهوات لا سيما عند الشباب الذين يمعن كثير منهم النظر إلى هذه الصور ويعلقونها أو يقتنونها لكي يستمتعوا برؤيتها والتلذذ بمفاتنها وإشباع غرائزهم بطريقة محرمة فهذا في التحريم أشد من غيره من أنواع التصوير التي يكون التحريم فيها لسبب واحد والله أعلم.
س ١٤: سئل الشيخ: ما رأيكم في ملابس الأطفال التي يكون عليها صور؟
فقال الشيخ ﵀: لا يجوز بيعها ولا شراؤها، أما إلباس الوالدين أطفالهم أثوابا فيها صور فإنه يجوز، لأن لبس الأطفال لهذه الملابس امتهان لها، لما يقع منهم من بول وغائط وغيره في هذه الملابس.
стр. 555
س ١٥: سئل الشيخ: ما رأيكم في شراء السجاد الذي يكون عليه صور؟
فقال الشيخ ﵀: السجاد يشترى لذاته لا للصورة التي عليه فيجوز شراء هذا السجاد، والاحتياط واجب على المسلم، فينبغي أن يتجنب شراء ما يشتبه في حرمته فضلا عما تتضح حرمته، وإذا كان مثل هذا السجاد في البيت فيجوز استعماله لأنه بما فيه من الصور ممتهن.
س ١٦: سئل الشيخ: ما رأيكم في الكتب التي تحتوي على صور؟
فقال الشيخ ﵀: يلزم طمس هذه الصور، أو طمس وجهها، ولا يكفي وضع خط يفصل الرأس عن الجسد.
стр. 556
سادسا مباحث الدعوة إلى الله والعلم والأخلاق وفتاويها
стр. 557
١ - الطريقة المثلى للدعوة إلى الله - الحلقة الأولى
تختلف أحوال الدعاة إلى الله في أداء مهمتهم، فبينما يكون بعضهم خبيرا بجوهر الموضوع، ملما بأطرافه، محسنا للأداء والتعبير عما أراد، منسقا لنقاط الموضوع، مقدما منها ما يجب أن يقدم، مراعيا لظروف السامعين وأحوالهم، في حين يكون البعض الآخر محسنا في بعض النواحي دون بعض.
وقد خلق الله الإنسان مختارا، وأودع فيه غريرة حب الإستطلاع، وطبعه على النفرة من النقص، والفرار منه، والرغبة في الدرجات العليا، وطلب المزيد مما ينهض به في حياته، ويرفع مستواه، وجعل فيه استعدادا للتأثر بما يرى ويسمع ومحاكاة ما يجده في بيئته من الخير، اللهم إلا من مسخت فطرته، وانسلخ مما هو الأصل في إنسانيته.
وخير طريق يحتذيه الدعاة في القيام بمهمتهم، وأمثل منهاج يسلكونه في استمالة قلوب الناس إلى الخير، والإعذار إلى من لم يستجب للحق بعد بيان الحجة، وإقامة البرهان هو طريق الرسل، عليهم الصلاة والسلام، ومنهاجهم في دعوتهم إلى الله بقولهم المفصل وسيرتهم الحميدة.
وفيما يلي، إلماعة من سيرة رسول الله وخليله إبراهيم، ﵊ ..
كان إبراهيم الخليل، ﵊، مثلا أعلى في صدق اللهجة، والإيمان بما يدعو إليه من التوحيد، وشرائع الإسلام، والتصديق به على وجه اطمائنت به نفسه، ورسخ في سويداء قلبه، وقد أثنى الله عليه بذلك في محكم
стр. 558
كتابه في مطلع الحديث عنه حينما قام يدعو أباه إلى الوحيد فقال: ﴿واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا﴾ (١).
فعلى الداعي إلى الحق أن يكون مؤمنا به، مخلصا لما يدعو إليه، صادق اللهجة فيه، وإلا انكشف سره، وافتضح أمره، فإن ثياب الزور تشف عما وراءها، وعند ذلك يكون وبالا على الدعوة.
بدأ إبراهيم الخليل بأبيه في الدعوة إلى التوحيد، فإنه أقرب الناس إليه والصقهم به، فكان أولى بمعروفه، وبره، وإحسانه، وإلى جانب ذلك ردءا له إذا استجاب لدعوته وظهرا له يحميه بدافع أخوة الإيمان، وعصبية النسب.
قال - تعالى - في وصفه إبراهيم في دعوته: ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾ (٢). وقد تلطف معه في الدعوة، فذكره بما بينهما من الرحم، ووشائج النسب، استمالة لقلبه، وتنبيها له إلى أنه لو كذب على الناس جميعا ما طابت نفسه بالكذب عليه، وأنه لو غشهم جميعا لم يكن منه إلا النصح له لما بينهما من أواصر القربى والنسب.
وبدأ دعوته لأبيه بالتوحيد الذي هو أصل الدين، وجوهر الشرائع السماوية، وعليه تقوم فروع الإسلام، وبه صلاح القلب، وبصلاحه تصلح سائر الجوارح، وتستقيم أحوالها.
«ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (٣). وسلك في دعوته إلى التوحيد طريق الاستدلال عليه.
стр. 559
بأن ما يعبده أبوه وقومه لا يسمعهم إذا دعوه لكشف غمة، أو تفريج كربة، ولا يراهم إذا عبدوه، وتضرعوا إليه، ولا يجلب لهم نفعا، ولا يدفع عنهم ضرا، وإذا كان لا يرجى نفعه، ولا يخشى بأسه، فكيف يستحق أن يعبد، أو يتقرب إليه؟!! وبذلك أقام عليهم الحجة، وقطع عذرهم.
فيجب على من يأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر أن يقتفي أثر إبراهيم الخليل في دعوته، فيتلطف مع من يدعوهم، ويسوسهم حسب ما تقتضيه أحوالهم، ويبدأ بأقرب الناس إليه، وأولاهم بإرشاده، ويقدم الإرشاد إلي عقيدة التوحيد، ويركز الحديث فيها، ويقيم على ذلك الدليل ليقنعهم بالحجة، ويسقط أعذارهم.
ادعى إبراهيم الخليل، ﵊، أن الله آتاه من العلم ما لم يؤت أباه، و لا ليفخر بذلك، أو يتعالى على أبيه وإلا لكان ذلك خلقا ذميما، ينفر الناس من حوله، ويمقتونه من أجله، بل ادعى ذلك ليلفت النظر إلى وجوب الإصغاء إليه، واتباعه فيما جاء به من الحق المبين، ليهديهم به إلى الصراط المستقيم.
قال - تعالى - في وصفه إبراهيم في دعوته: ﴿يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا﴾ (١)
نهى إبراهيم ﵊، أباه عن طاعة الشيطان في وسوسته، واتباعه فيما يسوله، ويزينه له من الشرك بالله، وسائر المنكرات، فإن طاعته له، وإسلام قياده إليه عبادة له من دون الله، ونبه أباه إلى عصيان الشيطان لربه، وتمرده عليه، وإذن فليس على هدى في وسوسته، ولا يزين للناس إلا ما هو شر وضلال
стр. 560
قال - تعالى - في وصف دعوة خليله: ﴿يا أبت لا تعبد الشيطان﴾ (١). فعلى الداعية إلى الحق أن يكشف الغطاء عن معنى العبادة، ويزيدها إيضاحا حماية لعقيدة التوحيد، وبيانا لأصولها، ويستعمل أسلوب التنفير من عبادة غير الله اقتداء بخليل الرحمن، ﵊.
أنذر إبراهيم أباه إنذار المتلطف معه، المشفق عليه، بأنه يخشى عليه مغبة شركه، وعاقبة عبادته للشيطان، وطاعته له، فيعذبه الله على ذلك، ولا يجد ممن تولاهم بالعبادة من يدفع عنه بأس الله وعذابه.
قال - تعالى - في وصف إبراهيم في دعوته: ﴿يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا﴾ (٢).
فعلى الداعية أن يستعمل أسلوب الإنذار، والتخويف من سوء العواقب، والتذكير بعذاب الله، وأليم عقابه يوم يتبرأ دعاة السوء ممن غروا بهم، ويتمنى المخدعون بزخزف القول أن لو عادوا إلى الدنيا، فيتبرأوا من دعاة السوء كما تبرأوا منهم يوم القيامة، وأنى لهم ذلك؟!
لا تأثير للدعوة إلى الحق وإن كانت صادقة إلا إذا وجدت آذانا صاغية، وقلوبا واعية، وفطرة سليمة لم تفسدها الأهواء، ولذا لم يستجب لإبراهيم أبوه، بل أنذره لئن لم ينته ليرجمنه، وأمره بهجره مليا، فصبر إبراهيم على أذاه، وقابل سيئته بالحسنة، وقال له: ﴿سلام عليك سأستغفر لك ربي﴾ (٣). واعتزلهم وما يدعون من دون الله، بعدا عن الفتنة، إذ لم يستطع القضاء عليها، وأملا في أن يجد لدعوته أرضا خصبة، فوهب الله له إسحاق، ويعقوب، وجعل كلا منهما نبيا، جزاء وفاقا بصدقه في الدعوة، وإخلاصه فيها، وصبره على الأذى.
стр. 561
في سبيل نشرها، وهجره للشرك وأهله، اتقاء للشر، وبعدا عن مواطنه ومظاهره.
قال الله تعالى: ﴿قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم﴾ (١).
فعلى الدعاة أن يتذرعوا بالصبر، وسعة الصدر، وأن يقابلوا السيئة بالحسنة، وأن لا ينتقموا لأنفسهم ما استطاعوا إلى العفو سبيلا، لكن إذا انتهكت حرمات الشريعة انتصفوا لها، وأخذوا على أيدى العابثين، وعليهم أن يهجروا الشر وأهله، إذا لم يمكنهم إزالته أو تخفيفه، خشية أن تصيبهم الفتنة، أو يعمهم البلاء، أو تكون مخالطتهم حجة عليهم، أو معرة لهم، وذريعة للنيل منهم، وعدم الاستماع لنصائحهم، و عليهم أن يتحروا المجالس التي يرجى فيها قول الحق، والله الموفق.
стр. 562
٢ - الطريقة المثلى في الدعوة إلى الله - الحلقة الثانية
عني إبراهيم الخليل ﵊ بالدعوة إلى الإسلام، ووجه جل همه وأعظم عنايته إلى إيضاح التوحيد وبيانه وإقامة الحجة عليه، فبدأبه وكرر الدعوة إليه، مع اختلاف لهجته في ذلك لينا وشدة، وذكر أنواعا من الأدلة على التوحيد، وسلك طرقا شتى في الإستدلال بها عليه، إتماما لإقامة الحجة، وزيادة في الإعذار إلى الأمة، وأملا في أن يجد كل نوع منها أو وجه من وجوه الإستدلال بها منفذا إلى قلوب جماعة، فإن الناس مختلفون في مداركهم ومتفاوتون في طبائعهم وأفهامهم قوة وضعفا، لينا وصلابة، وإنصافا للحق وعنادا وصدودا عنه، فما يجدي من الأدلة وطرق الإستدلال بها مع طائفة قد لا يؤثر على طائفة أخرى.
وفيما يلي بيان ذلك:
أنكر إبراهيم ﵊ على أبيه آزر أن يتخذ أصناما ألهة، ولم يقرن ذلك فيما ذكر الله عنه في سورة «الأنعام» بما يخفف من وطأة الإنكار على نحو ما ذكر الله سبحانه عنه في سورة «مريم» حيث مهد فيها قبل الإنكار بندائه بقلب الأبوة، ولما أشرك قومه مع أبيه في الحكم كان أشد لهجة وإنكارا، قال الله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين﴾ (١)، فحكم عليهم بالجهل المبين وعمى البصائر، وذلك ليثير عواطفهم ويدفع بهم إلى التفكير فيمن يستحق أن يعبدوه مخلصين له الدين ولا يشركوا به شيئا، أهو من بيده كل شيء وهو ولي نعمتهم، أم الهياكل الأرضية والسماوية وهي لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا، ولا تغني عنهم من الله شيئا، ثم عسى أن.
стр. 563
تجد هذه الإثارة من قومه وأبيه قلوبا واعية تحفظ عنه ما يقول، وعقولا رشيدة تفقه ما سمعت من البلاغ وإحساسا مرهفا، فتتأثر بذلك وتستجيب إلى دعوة الحق ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ (١).
بصر الله خليله إبراهيم ﵊ بالدلائل الكونية الدالة على وحدانيته سبحانه في ربوبيته وألوهيته، فأراه آياته في ملكوت السموات والأرض، ليعلم حقيقة التوحيد، أو ليزداد علما به ويقينا إلى يقينه، وأرشده إلى وجه الاستدلال بها، وكيف يسلك طريقها في البلاغ أو البيان ومناظرة الخصوم، ليفصل بذلك بين الحق والباطل ويلزمهم الحجة والبرهان، قال تعالى: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين﴾ (٢).
كان قوم إبراهيم الخليل صابئة يعبدون الكواكب السيارة، يقيمون لها الهياكل في الأرض من الأحجار ونحوها، وكانوا يعظمونها ويتقربون إليها بالذبائح وغيرها، وكانوا يستغيثون بها ويضرعون إليها، فناظرهم ﵇ في ذلك، ولم يشأ أن يسلك في هذه المناظرة طريق الاستدلال الإيجابي المباشر على أن الله لا رب غيره ولا إله سواه، بل جعل دعوى قومه وعقيدتهم الشركية موضوع بحثه ونقاشه معهم، وفرضها فرض المستدل لما لا يعتقده، ثم يكر عليه بالنقض والإبطال، ويكشف عن وجه الحق.
стр. 564
فحينما أظلم الليل ورأي إبراهيم ﵊ النجم قال: هذا ربي فرضا وتقديرا، أو أهذا ربي؟ فلما غاب عن أعين الناس علم أنه مسخر ليس أمره إليه، بل إلى مدبر حكيم يصرفه كيف يشاء. أما الرب فأمره إلى نفسه، بل أمر غيره إليه، وهو دائم لا يحول ولا يزول، بيده مقاليد الأمور وهو على كل شيء قدير.
ثم انتقل في البحث إلى كوكب أخر، هو في نظرهم أضوء، وفي مرأى أعينهم أكبر حجما، وهو القمر، فلما رآه طالعا قال: هذا ربي، فرضا منه لذلك وتقديرا، أو أهذا ربي؟ فلما ذهب عن أعين الناظرين تبين أنه ليس بالرب الذي يجب أن تألهه القلوب، ويضرع إليه العباد في السراء والضراء، يرجون رحمته ويخافون عذابه، ويستهدونه فيهديهم إلى سواء السبيل، ولذا قال: لئن لم يهديني ربي لأكونن من القوم الضالين.
ثم انتقل بهم إلى معبود آخر لهم أكبر جرما من النجم ومن القمر، وأعظم ضياء منهما وهو الشمس، فلما رأى الشمس بازغة قال: هذا ربي، فلما أفلت قال: يا قوم إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا، وما أنا من المشركين، فاستدل بما يعرض لها من غيرها على أنها مأمورة بأمر ربها، وأنها مدبرة مسخرة بتسخير خالقها.
فإذا كانت هذه الكواكب الثلاثة أرفع من الكواكب السيارة شأنا، وأعلى قدرا، وأعم نفعا عندهم، وقد قضت لوازمها بانتفاء سمات الربوبية والألوهية عنها، وأحالت أن تستوجب لنفسها حقا في العبادة والتقرب إليها، فما عداها من سائر الكواكب أبعد من أن يكون له حظ ما في الربوبية أو الألوهية، وأحرى بنفي ذلك عنه، واستحالته عليه، لذا أعلن إبراهيم ﵊ في ختام المناظرة براءته مما يزعمون من الشركاء، وأسلم وجهه الله وحده الذي فطر السماوات والأرض، وأبدع خلقهما دون شريك أو ظهير يعنيه في ذلك.
стр. 565
وضمن إعلان النتيجة الإستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن ما فيه من البراءة من الشركاء نظير نفي الإلهية الحقة عن الشركاء في كلمة التوحيد، وما فيه من إسلام وجهه الله نظير الإستثناء في كلمة التوحيد، لدلالته على إثبات الإلهية الحقة الله، ومثله قوله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون (٢٦) إلا الذي فطرني فإنه سيهدين﴾ (١)، وهذا الضرب من الإستدلال قد سلك سبيله في المناظرة كثير من العلماء قديما وحديثا، وقد جاء في الكتاب والسنة كثيرا لكن على منهج العرب في حديثهم وطريقتهم في المناظرة والحجاج، فإن رسالة نبينا محمد ﷺ قد بدأت في العرب، وبلغتهم نزل القرآن على طريق الصناعة المنطقية، حيث يقولون في مثل هذا الموضع إجمالا: لو كانت هذه الكواكب أربابا أو آلهة ما حالت وزالت، لكنها تحول وتزول، فليست أربابا، فإن الله حي دائم لا يحول ولا يزول.
فللداعية إلى الإسلام أن يسلك هذه الطريقة - طريقة إبراهيم ﵇ حسبما تقتضيه الحال، فيتنزل مع مناظرة من دعاة الباطل، ويفرض دعواه واقعة، ويرتب عليها لوازمها الباطلة وأثارها الفاسدة، ثم يكر عليها بالنقص والإبطال، وقد توجب عليه الأحوال والظروف سلوكها والدعوة بها أحيانا، فإن الدعوة إلى الحق كما تكون بتزيينه وذكر محاسنه للترغيب فيه واستمالة النفوس إليه، تكون بتشويه الباطل وذكر مساويه ومخازيه، تنفيرا منه، ليهرب المبطلون عنه، وتنفتح قلوبهم للحق، فيلتزموه.
هذا، وقد ذهب جماعة من المفسرين وغيرهم إلى ما تقدم من أن حديث إبراهيم في شأن الكواكب مع قومه كان على سبيل المناظرة والحوار مع المشركين، ليقيم عليهم الحجة لا ليكسب هدي بعد حيرة، ولا ليستفيد علما بعد شك، واختار ذلك ابن كثير في تفسيره، فقال: والحق أن إبراهيم ﵊