← Фатава

Фатава · id 8613

فتاوى ورسائل الشيخ عبد الرزاق عفيفي

عبد الرزاق عفيفي

Полный текст (618 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

عندها ويتبين هذا بالتفاصيل الآتية أو بذكر شيء من التفاصيل الآتية في قوله تعالى في الآية الثانية من هذه السورة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾ (١) فهذه الآية فيها عقد وميثاق على المسلمين بعد أن تمكنوا في الأرض وصارت لهم دولة، وبعد أن أكمل الله لهم دينهم وأتم عليهم نعمته، وصاروا بإمكانهم أن يثأروا لأنفسهم، وأن ينتقموا ممن سبب لهم أذى، يأخذ الله تعالى عليهم أن لا يقابلوا السيئة بالسيئة، وأن لا يعتدوا على القاصدين لبيت الله الحرام إلى غير هذا مما ذكره الله في هذه الآية، وخاصة ما تحدث العبد به نفسه من أن يثأر لنفسه ممن ارتكب جريمة في شأنه واعتدى عليه في سابق حياته، فيبين الله جل شأنه في هذا العهد الذي أخذه على عباده الموحدين أنه لا ينبغي لهم أن يحملهم ما سبق من الكفار من صدهم المسلمين في السنة السادسة من الهجرة عن بيت الله الحرام، ومن موقفهم السيئ سنة الفتح عند دخول مكة، يبين لهم أنه لا ينبغي أن يحملهم ما سبق من أولئكم الكافرين على أن يعتدوا على الكافرين وأن يثأروا لأنفسهم منهم، وليجعلوا نعمة الله بإقدارهم لهم على الانتقام من عدوهم، ونعمة الله جل شأنه على هذا الإقدار بالعفو عن أولئك الذين سبقت منهم السيئات وتقدم منهم الأذى والضرر للمسلمين في صدهم عن بيت الله الحرام، وهذا منتهى العدل الإسلامي وهو تناسي ما سبق من السيئات بعد أن تمكن المسلم من إقامة العدل، فلا يرعى حظ نفسه بل يقف موقفا يرضى به ربه ويتألف به قلوب من سبقت منهم إساءة له فيقول تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم﴾

стр. 492

لا تحملكم عداوة قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ثم أمرهم بأن يتعاونوا عموما على البر والتقوى وحذرهم من أن يتعاونوا على الإثم والعدوان، وحذرهم شديد بأسه وأليم عقابه إن هم نقضوا عهده وخانوا ما أخذه عليهم من هذا التكليف وأمثاله فيشتد بهم بأسه، وحذرهم في ذلك بقوله سبحانه: ﴿واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾. ثم بين لهم تفصيل أشياء مما حرم عليهم، واستثنى من هذا أشياء فقال: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ إلى قوله: ﴿والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام﴾ (١). فكان هذا تفسيرا لقوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد﴾ (٢). فالآية الأولى إجمال وهذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله﴾ (٣)، وآية ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ (٤). إلى آخرها فيهما تفصيل أو بعض التفصيل لما أجمل في الآية الأولى، فهذا من الأدب أو من المقاصد التي اشتملت عليها الآية الأولى من هذه السورة. ثم ذكر عهدا آخر أخذه على عباده الموحدين من أحكام الوضوء وأحكام الغسل وذكر تفصيل هذا في آية ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ (٥).

стр. 493

ثم قال: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به﴾ (١). فأوجب عليهم أن يتذكروا مواثيق الله سبحانه التي أخذها عليهم إجمالا في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾. وتفصيلا فيما ذكره من تفاصيل القرآن، في هذه السورة وغيرها وما بينته سنة رسول الله ﷺ . ميثاق ثالث ذكره جل شأنه في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ (٢). فأوجب عليهم سبحانه أن يرعوا العدالة وأن يوفوا بالعهد والميثاق، وأن لا تكون الخصومة متسلطة على نفوسهم تسلطا يجور بهم عن الجادة ويحملهم على نقض ما أخذه الله عليهم من عهد وميثاق، ولا يجرمنكم شنآن قوم - أي عداوة قوم - على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى، وأنذرهم وحذرهم من نقض العهد والميثاق بقوله: ﴿واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾. ثم ذكر العدة الطيبة والجزاء الكريم، العدة الطيبة لمن وفى بالعهد والميثاق والوعيد الشديد لمن لم يف بذلك بل خان ونقض فقال: ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم﴾ (٣). هذه منزلة أخرى، أو مرحلة أخرى ثالثة في تفصيل قوله تعالى في مطلع السورة: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾.

стр. 494

ميثاق رابع، فيه تفصيل لمطلع السورة يذكر الله عباده نعمته عليهم برد كيد خصومهم، ومكر أعدائهم في محاولة سفك دم رسول الله ﷺ وإيذاء المسلمين في شخص رسول الله ﷺ ، فكف أيدي هؤلاء جميعا وأبطل كيدهم وأحبط سعيهم، وشردهم عن بلادهم فقال جل شأنه: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ (١) وذلك أن بني النضير دبروا لرسول الله ﷺ تدبيرا سيئا، وذلك حينما جاء إليهم يطلب منهم شيئا من المال يستعين به في بعض المصالح فوعدوه خيرا وهم يضمرون الفتك به وأجلسوه تحت جدار، وصعد بعضهم فوق البيت ليرمي عليه حجرا يقضي عليه، فأوحى الله إليه أن يقوم فقام وقد أرسل بعض أصحابه إلى المدينة فذهب إلى جهة المدينة وبلغ أصحابه وجمعوا جموعهم، وجاء إلى بني النضير محاربا لهم إستجابة لأمر الله جل شأنه، ثم رضوا بأن يخرجوا من ديارهم فأذن لهم في ذلك بأمر الله جل شأنه، وأذن لهم في أن يأخذوا من أموالهم ما حملت حمولاتهم وفي ذلك أنزل الله سورة الحشر ﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾. هم بنو النضير ﴿ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ (٢) هذه وما سواه من آيات سورة الحشر فيه تفصيل لما ذكر الله في هذه الآية التي أخذ فيها العهد والميثاق على المؤمنين أن لا يعتدوا بل عليهم أن يلزموا العدالة فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾ (٣)

стр. 495

يعني بسفك دم رسول الله ﷺ بهذا التدبير الذي دبره بنو النضير، واليهود كما هو مشهور عند العالم لا عند المسلمين فقط هم سوسة تنخر في عظام الأمم فهم في كل دولة من الأمم يسعون فسادا في الأرض ويدبرون التدبير السيئ ويمكرون المكر السيئ ويعيشون كالنباتات الطفيلية في سائر الدول، ومن تدبيرهم السيئ ما دبروه في هذا الحادث لرسول الله ﷺ رغبة منهم في القضاء عليه. ثم بدأ الله جل شأنه بدءا جديدا، وذكر لنا لونا آخر من العهود والمواثيق ليست عهودا أخذها على المسلمين كالعهود التي مضى تفصيلها بل عهودا أخذت على أهل الكتاب من اليهود والنصارى وعلى أمثالهم فلم يكن منهم إلا التبرم لها والتنكر لها ونقضها شر نقض، فنزل بهم بأس الله وعذابه فهذا مما يتصل بمبدأ السورة أولا، يتصل بها من جهة أنه نقض للعهود والمواثيق نقضا أفسدوا به الأرض واستوجبوا به مقت الله وغضبه، يقول تعالى: ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا﴾ (١). فالآية في العهود والمواثيق التي هي في الآية الأولى. وقال جل شأنه: ﴿لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة﴾ هذا هو العهد ﴿لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم﴾. أي عظمتموهم وأيدتموهم ﴿وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ (٢). هذه العدة الجميلة التي وعدها من وفى بهذا العهد الذي فصله في الجملة السابقة، ثم هدد وأنذر من نقض العهد والميثاق فقال: ﴿فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل﴾.

стр. 496

وقد نقض هؤلاء العهد والميثاق فأصابهم الله شر إصابة وقال: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية﴾ (١). وهذا شأن السيئات وهذه هي عدالة الله جل شأنه من كسب سيئة نكت في قلبه نكتة سوداء وبقدر تلك السيئة، فإذا ما تكاثرت منه السيئات طبع الله على قلبه وجعل عليه الران حتى يصير قلبه متبلدا أو كالحجر الصلب لا يتأثر بموعظة ولا يعتبر بعبرة ولا تنفذ إليه نصيحة، بل يكون منه الصدود والإعراض عما يوجه إليه من آيات القرآن ومن الحجج والبراهين والمواعظ والعبر، فلا أدلة تناجي بها العقول، ولا مواعظ وعبر تؤثر في عواطفه ووجدانه وذلكم لما طبع على قلبه وكان عليه من الران والحجاب الذي يحول بينه وبين الدلائل والبراهين فلا ينصاع لها بل يحول بين قلبه، وبين وجدانه وعاطفته، وبين المواعظ والعبر حيث قد مسخ الله فطرته فجعل قلبه قاسيا يقول الله تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية﴾ (٢). ثم ذكر الله جل شأنه الصنف الثاني بقوله تعالى: ﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم﴾. أيضا أخذ على الطائفة الأخرى، طائفة النصارى عهدا وميثاقا ﴿ونسوا حظا مما ذكروا به﴾ (٣) نقضوا أيضا العهد والميثاق، القصد أن الله ذكر في هذه الآيات أنه أخذ عهودا ومواثيق على اليهود والنصارى بتكاليف كلفهم بها فوقفوا منها موقف الخائن، وقفوا منها موقف الغادر المستهتر الذي لا يبالي لعهد الله وميثاقه بالا ولا يلفت له نظرا وليس لله وقار في قلوبهم، فأصابهم الله باللعنة وقساوة القلوب، وأصابهم بنسيانهم الكثير من حظوظهم، ثم ذكر الله جل شأنه أنه بين لهم ما أخفوا من التكاليف وما حرفوا من نصوص كتبهم التي أنزلها الله عليهم، أنزلها الله على موسى، وعيسى، وعلى داود. بين أنه أرسل إليهم

стр. 497

رسولا فجاءهم هذا الرسول وبين ما كانوا يخفون من كتاب الله، فإنهم كانوا يجزأونه أجزاء فيخفون بعضه ويبدون بعضه، تبعا للهوى، فما رأوه في مصلحتهم ومتفقا مع هواهم أعلنوه ونشروه بين الأميين والرعية العوام وما كان مخالفا لأغراضهم وأهوائهم أخفوه، يقول تعالى في هذه الآية: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام﴾ (١) إلى آخر الآيات. فذكر جل شأنه أن هذا الذي جاءهم على يد رسول الله محمد ﷺ من العهود والمواثيق تكشف أحوالهم فيجب عليهم حينئذ أن يعتبروا وأن يخشوا الفضيحة من كشف الوحي الذي ينزل على رسول الله ﷺ لما دبروه ولما خانوا فيه، كما عليهم أن يرتدعوا وأن يعملوا بالحق وأن يتبعوا رضوان الله جل شأنه ويسيروا على الصراط المستقيم لكنهم أبوا إلا اللجاج والعناد وإلا نقض العهد والميثاق فنقضوا عهد الله في وحدانيته وفي كماله وانتقصوه بنسبة الولد له كما قال الله عنهم: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ (٢). ورد عليهم ذلك بقوله: ﴿قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا﴾ (٢). عيسى لا يملك شيئا من الوجود، لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ومريم أمه لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا، عيسى يحتاج إلى الطعام والشراب وإلى أن يقضي من شأنه ويتخلص من فضلات طعامه، ومريم أيضا صديقة إنسانة تأكل وتشرب وتحتاج إلى أن تتخلص من فضلات الطعام الذي تناولته فيقول الله تعالى: ﴿قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا﴾ (٢). من يملك لعيسى ولأمه التخلص من مقت الله وغضبه إذا أراد أن يهلكهما

стр. 498

وأن يقضي عليهما في هذه الحياة فكيف يصلحان لأن يكونا آلهة مع الله أو من دون الله؟!. ويبين أن ملك السموات والأرض إليه سبحانه فإنه يخلق ما يشاء، فمن يخلق ما يشاء كيف يحتاج إلى ولد يولد منه وله من في السموات والأرض، وكيف يكون له منها الولد ﴿لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿لو أردنا أن نتخذ لهوا﴾. أي ولدا وزوجة ﴿لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه﴾ (٢). القصد أن نسبة النصارى الولد إلى الله في قولهم عيسى ابن الله، أو ولد الله، والزوجة الله في قولهم إنه اتخذ مريم له هذا من نقض العهد والميثاق في أصل من أصول الدين وهو أصل التوحيد وإثبات الكمال الله وحده وتنزيه الله سبحانه عن الصاحبة والولد، ﴿وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا﴾ (٣). فهذا نوع من أنواع نقض العهود والمواثيق وقد رد الله عليهم إجماليا وتفاصيل القرآن فيها تفاصيل الردود لمثل هذا. فالله ذكر نقضا أيضا للعهود عن اليهود والنصارى فقال سبحانه: ﴿وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ (٤). فنسبوا إليه أنفسهم على أنهم أبناء الله ويقول اليهود: نحن أبناء الله، ويقول النصارى: نحن أبناء الله. هذا أكثر من دعواهم بنوة عيسى الله، جعلوا كل

стр. 499

النصارى على كثرتهم، وكل اليهود على كثرتهم أبناء، وزادوا أن قالوا وأحباء الله. فهذا من نقضهم للعهود والمواثيق، فالله تعالى منزه عن الولد كما تقدم في الآية ذكرا أو أنثى فهو سبحانه منزه عن الولد على الإطلاق، ثم ميزان محبة الله لعباده الاستقامة على الجادة والطريق السوي واليهود والنصارى قد انحرفوا عن الجادة وغيروا وبدلوا فيما أنزل عليهم من الكتب السماوية فكيف يدعون زورا وبهتانا أنهم أحباء الله ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾. قال تعالى في الرد عليهم: ﴿قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق﴾. إلى آخر ما ذكر من الآيات، هذا أيضا من نقض العهود والمواثيق التي تضمن أصلها ما أمر الله به من الوفاء في الآية الأولى من مطلع السورة، بعد هذا ذكر الله جل شأنه شيئا من جنس ما مضى يقول: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل﴾ (١). رسول جاء لإسقاط المعاذير ولإقامة الحجة حتى لا يقولوا ما جاءنا بشير ولا نذير حتى نتعرف منه الحق فنحن معذورون، يقول جاءكم الرسول على فترة من الرسل فهذا تكذيب للعهود والمواثيق التي أمر الله بالوفاء بها في مطلع السورة في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾. ثم ذكر جل شأنه أن بني إسرائيل مهما أنعم الله عليهم من النجاة من فرعون وملائه، وما أنعم الله عليهم من إرسال موسى إليهم وإنجائهم من الضلالة، ومع ما أنعم الله عليهم من إهلاك خصومهم نعمة أخرى، فإن الإنسان إذا نجى من خصمه، وخصمه لا يزال حيا فتوسوس له نفسه بأنه سيأتي عليه يوم من الأيام يفتح له الطريق إلى التسلط عليه وإلى التمكن منه فيسومه سوء العذاب في مستقبل حياته كما سامه من قبل سوء العذاب، فبين الله جل شأنه أنه أنعم على

стр. 500

اليهود، أنعم على بني إسرائيل الذين هم قوم موسى لأنه جعلهم أئمة وأنه مكنهم في الأرض وأنه جعلهم ملوكا بعد أن أنجاهم من عدوهم وخصمهم، بين أنهم لما أمرهم موسى أن يدخلوا بيت المقدس، وهذا أمر من الله وعهد وميثاق أخذه على قوم موسى فأمر موسى قومه أن يدخلوا بيت المقدس وأن يجعلوه وطنا لهم، وأن يقيموا دولة فتية لهم في بيت المقدس، وجاءهم رجلان قد عرفا أخبار سكان بيت المقدس من الجبارين جاءا إلى موسى وقالا لقوم موسى لو أنكم تجمعتم وتعاونتم وتآزرتم ثم هجمتم هجمة رجل واحد على أولئكم الجبارين لفتح الله عليكم بيت المقدس، ولكنكم من رقاب هؤلاء ﴿قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون﴾ (١). فأبوا أيضا بالرغم من هذه البشارة المباركة فموسى قال، وهارون قال، وبعض الجماعة من بني إسرائيل قالوا: فانتهى أمر بني إسرائيل إلى أن يقولوا لموسى ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ (٢). وماذا يصنع موسى ﴿قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين﴾ (٣). هذا شأن بني إسرائيل مع موسى أرادوا أن يتحكموا فيه ويقولون: نريد أكلا طيبا فجاءهم بالمن والسلوى فقالوا: هذا لا يصلح لنا، نريد عدسا وبصلا وثوما، قال هذا أزين لكم. أتتبدلون الطيب بالخبيث؟؟ قالوا: ما نريد إلا هذا، قال: اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم، ثم يضرب الحجر فتخرج منه العيون على عدد الأسباط، إثنا عشر سبطا، كل سبط له عين حتى لا تتزاحم أكثر من جماعة

стр. 501

على عين واحدة وهي تشرب فيتنازعوا ويختلفوا ثم بعد ذلك يتنكرون لموسى، لذلك ابتلى الله هؤلاء على نقضهم العهد والميثاق بأن شردهم أربعين سنة يتيهون في الأرض قال تعالى: ﴿فإنها محرمة عليهم أربعين سنة﴾ (١) وليست محرمة عليهم أربعين سنة فقط، بل إلى جانب ذلك عدم الإستقرار يتيهون في الأرض. القصد أن هذه القصة من عند قوله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير﴾ (٢). إلى قوله تعالى ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين * يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة﴾ (٣) يذكرهم بفضل الله عليهم حتى إذا ذكروا هذا انبعثت نفوسهم بالوفاء لأوامره، ولكن قلوبهم صلدة لم تتأثر ولم تتذكر فضل الله عليها فلذلك تنكروا لموسى ﵇، هذه القصة إلى آية (التيه) التي ذكر الله فيها عقوبته لهم بالتيه والتشريد ﴿فإنها محرمة عليهم أربعين سنة﴾، فيها عهد أخذه الله على بني إسرائيل، على اليهود، وكيف أنهم لما عصوا ونقضوا عهد الله عليهم، عوقبوا على ذلك فهي توضيح وتفسير، ومثال على وجوب الوفاء بالعقود الذي أكد الله عليه في مطلع السورة وطالب المؤمنين به. وكيف أن الله عاقب من لم يراع عهده ولم يف بميثاقه. عهد آخر ذكره الله في قصة ابني آدم (٤) وهو أن الله خلق آدم وبنيه من بعده وفطرهم على الخير، ولم يداخلهم شر. ولم يعرفوا الشر والفساد ولا سبق فيهم قتل نفس قبل هذا. وقتل النفس من أعظم الجرائم وأشنعها. وآدم نبي والأولاد.

стр. 502

أولاده - تربوا في بيت نبوة مع صفاء ونقاء الفطرة، يعرفون شريعة الله ويسيرون عليها وكانت إذ ذاك غضة طرية لم يشبها طمس ولا ضياع ولا تحريف، ويعلمون جميعا ما في الشريعة من عصمة دم المسلم، وحرمة سفك الدم وحرمة إزهاق النفوس والأرواح، ومع ذلك خان أحد ابنى آدم العهد فقتل أخاه. فهذا أيضا من نقض العهد والميثاق والتجرؤ على سفك الدم الحرام وهو أعظم الذنوب بعد الشرك بالله وهذا راجع إلى الآية الأولى في السورة: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾. ثم بعد ذلك يأتي الحديث عن المحاربين الله ورسوله ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ (١)، القاطعين للطرق الذين لا يسلم الناس من شرهم ولا من أذاهم، فلا يأمنون على أنفسهم ولا على أموالهم، ولا على أعراضهم، ولا يتركون صالحا لصلاحه ولا بارا لبره، إنما يؤذون الجميع. فهذا الصنف من شر الناس نقضا للعهد والميثاق لأنهم يعتدون على كل ما فيه عهد من الله بالمحافظة عليه وصيانته. فالأموال مصونة إلا بحقها، والنفوس من أعظم الأمور صونا وحرزا، والأعراض من أعظم الأمور صونا وحرزا، فهؤلاء يعتدون على هذه الأمور المصونة، ويروعون الآمنين ويعطلون مصالح العباد التي فيها صلاح عيشهم في الدنيا والآخرة. فهم يعطلون الضرب في الأرض والسعي على الرزق، ويعطلون التزوار في الله، والرحلة في طلب العلم، والسفر للحج والعمرة، ويعطلون التنقل لصلة الأرحام. وهذه المحاربة وهذا الإفساد في الأرض هي نوع من نقض العهود التي أخذها على عباده وأمرهم بالوفاء بها والمحافظة عليها في قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ ثم بين سبحانه عقوبة هذا النوع من ناقضي العهود وناكثي الوعود فحد لهم الحد الرادع الذي يناسب فعلتهم.

стр. 503

ثم حذر المؤمنين أن يسلكوا هذا السبيل المسخط للرب فقال ولا تكونوا يا معشر المؤمنين كنقضة العهود من بني إسرائيل ولا تنكروا لرسولكم ولا لشريعة ربكم. ولا تتوانوا عن الجهاد في سبيله كما توانئ اليهود عن جهاد أعدائهم أعداء الله ولم يدخلوا الأرض المقدسة التي فيها المسجد المعظم عندهم ولم ينصروا موسى ﵇ ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون﴾ (١). اتقوا الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه. والوسيلة هي العمل الصالح الذي يرضى الله ويقرب العبد من ربه ويصله به، والبعد عن المنكرات والمعاصي التي يحصل بها للعبد ضد ذلك من البعد، والطرد، والجفاء بين العبد وبين ربه سبحانه. فعلى المسلمين أن يبتغوا إلى ربهم الوسيلة المشروعة التي هي العمل الصالح وترك الشر والسوء وهجر السيئات. ثم ذكر ربنا نوع آخر من المفسدين في الأرض الناقضين للعهود والمواثيق وهم السراق اللصوص، وبين حدهم وعقوبتهم في الدنيا والآخرة إلا من تاب منهم وأصلح فإن الله يغفر له ذنبه ويتوب عليه في قوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم﴾ (٢) هذا له صله بما سبق من الحديث عن اليهود الذين كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه، فمن كان منهم الغني ذو الجاه والقوة والمنعة من عشيرة وأهل وقبيلة، تركوه وأهملوا إقامة الحد عليه مراعاة لمكانه وغناه وقوته، وإذا سرق فيهم الضعيف الذي لا يهاب عاقبوه وأقاموا عليه الحد. وهذا يعني أن إقامة الحد على السراق كان موجودا ومشرعا في التوراة، وفي دين اليهود قبل أن يبدلوا ويحروفوا، وقد لعن الرسول ﷺ

стр. 504

اليهود وحذر قومه المؤمنين من أن يسلكوا سبيلهم، ودربهم وأن يجاروهم في منهجهم وذلك عندما سرقت إمرأة مخزومية شريفة في قومها وجيهة في أهلها، فأرادوا أن يشفع لها أحد عند رسول الله ﷺ فلا يقيم عليها الحد، ولا يقطع يدها وإن عاقبها بأي عقوبة أخرى مالية، فلم يجدوا من له الجرأة على هذه الشفاعة عند رسول الله ﷺ غير أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ وابن حبه ﵁ وعن أبيه. فلما كلم أسامة رسول الله ﷺ كلاما فيه شفاعة لهذه المرأة التي استوجبت الحد غضب رسول الله ﷺ ورد شفاعته وقال: «أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟ أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟» يكرر ذلك منكرا على أسامة هذه الشفاعة الغير مشروعة والتي لا تجوز ثم قال: رسول الله ﷺ : «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف (القوي) تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. ثم قال ﷺ والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها أو كما قال ﷺ » (١). فذكر الله هذا الحد (حد السرقة) عند الكلام على اليهود ونقضهم للعهود والمواثيق لأن نقضهم للعهد في هذا الأمر وهذه القضية موجود أيضا فهو يتفق مع أول هذه السورة التي ذكر الله فيها ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾. ويذكر الله في هذه السورة واقعة أخرى عن اليهود فيها نقضهم للعهد والميثاق، وأنهم وقعت فيهم واقعة زنا فأرادوا أن يحتالوا حيلة ليخرجوا من إقامة الحد على هذين الذانيين. وكان الحد عندهم في الشريعة المنزلة المحكمة هو حد الرجم للمحصنين وحد الجلد للبكرين أما الشريعة المحرفة التي كتبها لهم أحبار السوء فهي غير ذلك، فيها نوع من الإيذاء الخفيف الذي لا يتفق مع بشاعة الفعل وشناعته. ففي شرعهم الذي كتبوه بأيديهم، وقالوا هو من عند الله وما هو من عند الله فيه؛ التحميم وهو طلاء وجه كل من الزاني والزانية بطلاء أسود

стр. 505

ويركبوهما على دابتين وجه كل منهما إلى مؤخرة الدابة، ويطوفون بهما أرجاء المكان قرية، أو مدينة، أو غيرها من المكان الذي يسكنون فيه، مع الجلد مائة جلدة ولا يقيمون حد الله في جريمة الزنا. فلما وقعت هذه الواقعة فيهم وزنا رجل بامرأة منهم أرادوا أن يتهربوا من إقامة الحد الإلهي الذي شرعه لهم وهو رجمهما إذ كانا محصنين. فاتفقوا على أن يأتوا رسول الله ﷺ ويعرضوا عليه القضية فإن هو حكم بحكم مخفف لا يصل إلى الرجم أخذوا به وعذرهم عند الله أنهمو عملوا بحكم نبي مرسل هم على يقين من نبوته - وإن لم يتبعوه وإن لم يؤمنوا به حسدا وكبرا. وإن هو حكم فيهم بحكم الرجم تركوا حكمه ورجعوا إلى حكمهم المبتدع المخترع، يقولون بعضهم لبعض: ﴿إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا﴾ (١). هم أصحاب هوى إن جاءهم ما يتفق مع هواهم أخذوا به وطبقوه، وإن كان الأمر على غير أهوائهم أعرضوا وصدوا، فاتخذوا بذلك أهوائهم آلهه من دون الله فما اتفق وهواهم أخذوا وعملوا به، وما خالفهم تركوه. اليهود كانوا يقولون ما حكاه الله عنهم ﴿ليس علينا في الأميين سبيل﴾ (٢) ويأكلون منهم الأموال فيأكلونها بالباطل، ويستحلون الرشوة، ويستحلون بالباطل أموال العوام؛ وهم كل من دون اليهود ويزعمون أنه لا مؤاخذة عليهم في ذلك. وفي هذا نقض للعهد الذي أخذ عليهم بألا يأكلوا أموال الناس بالباطل، وألا يأكلوا السحت، ولا يأكلوا الربا فنقضوا عهد الله في ذلك كما قال الله عنهم ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾ (٣).

стр. 506

المهم أنهم ذهبوا إلى رسول الله ﷺ في تلك القضية - الزنا - فلما حكم فيها رسول الله ﷺ بما أراه الله وبما كان في شريعتهم المحكمة المنزلة لا المحرفة المبدلة وجاء الحكم على غير ما تهواه نفوسهم لم يقبلوا الحكم. مع أنهم الذين اختاروه حكما ومع أن الحكم متفق وشرعهم المنزل ومصدقا لما عندهم، ومع ذلك كله لم يقبلوا حكمه ولم يأخذوا بقضائه فأنكر الله عليهم ذلك في قوله ﴿وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين﴾ (١) فهذا ما أخذ على اليهود من العهود والمواثيق ثم هم نقضوه. فلاهم عملوا بما في التوارة الذي هو كتابهم وشرعهم، ولا بما حكم الرسول وقضى، وهو مصدق لما معهم ولما في أيدهم وهو أيضا في التوراة. المقصود أن هذا كله ذكر لبعض أخبار بني إسرائيل التي فيها نقضهم للعهود والمواثيق وهذا يتفق ووصية الله للمؤمنين وأمره لهم بأن يوفوا بالعهود ولا يسلكوا سبيل من نقض وخان ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾. بعد أن ذكر الله خيانة اليهود والنصارى لما أخذ عليهم من عهود ومواثيق، انتقلت السورة إلى ذكر تحذير من الله لعباده المؤمنين الموحدين، يحذرهم ربهم من المواربة والمخادعة، ومن الموالاة لأعداء الله من اليهود والنصارى الذين لا يراعون عهود الله ومواثيقه، فكيف يركن المؤمنون إليهم وحذرهم بأنه لا ينبغي لهم وقد آمنوا بالله وسوله وصدقوا بما جاءهم من الحق والأخبار عن اليهود والنصارى حذرهم بأنه لا ينبغي لهم أن يسلكوا مسلكهم ولا يدخلوا مدخلهم وتتابعت آيات الله جل شأنه في هذا فقال جل شأنه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ (٢) فليوال بعضكم بعضا، وليحذر كل منكم أن يوالي يهوديا ولا نصرانيا، فما ذكره من

стр. 507

فضائح اليهود كاف في أن يدخل الوحشة والحذر منهم في قلوب المؤمنين. وفيه تنفير لقلوب المسلمين منهم حتى لا يركنوا إليهم ولا يخالطوهم مخالطة مودة وموالاة، فتنقل منهم هذه الصفات الذميمة التي استوجبوا عليها اللعنة والغضب والمقت من الله، حتى لا تنتقل هذه الصفات الذميمة إلى المؤمنين بطول العشرة والإلفة. بل الواجب أن يحد المسلمون معاملتهم لليهود والنصارى إلى أضيق حد، وإن وجد تعامل فعلى قدر الحاجة والضرورة لا محبة ولا إعجابا، فإن فيهم من المذام والنقص مع الله ومع عباد الله ما لا يدع مجالا لمحبة ولا موالاة ولا إعجاب. بل البراءة من اليهود ومن كل أعداء الله واجب على المؤمنين. قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ فمن عمل بهذا الأمر ولم يوال يهوديا ولا نصرانيا فقد وفى بهذا العهد وذاك العقد الذي أمر الله بالوفاء به في قوله ﴿ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ ومن ولاهم فقد نقض العهد، وكان في معناه وسلوكه هذا يهوديا ونصرانيا صفته صفتهم ومعناه معناهم، وإن كان مسلما بالاسم والانتماء، وإن ادعى أنه موحد ثم خاطبهم بقوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾ (١). فبين أن موالاة اليهود والنصارى قد تنتهي بالإنسان إلى الخروج من الإسلام والإيمان بالله. فيبدأ بموالاة خفيفة ثم تزداد وتتدرج إلى أن تنتهي به من حيث يشعر أولا يشعر إلى الردة والخروج من حظيرة الإسلام نعوذ بالله من ذلك. فإذا ارتد إنسان بعد أن كان مؤمنا مسلما موحدا فالله غني عنه ولن يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئا، وسيأتي الله بأقوام وجماعات أخرى فيهديهم إلى هذا الدين ويملأ قلوبهم بالإيمان يقومون على أمر هذا الدين فيحبون

стр. 508

المؤمنين إخوانهم ويوالونهم، وينصرونهم ويعادون الكفار على اختلاف مناهجهم ومللهم من يهود ونصارى وأهل شرك وأهل إلحاد، يعادون الكفار جميعا ويجافونهم ويقومون بالجهاد في سبيل الله بكل ما يملكون من نفس ومال وغير ذلك من الوسائل التي تناسب الحال، ولا يخافون من أحد من أعداء الله خوفا يجعلهم يوالونه. فالمؤمنون الذين يوفون بعهد الله وميثاقه من جنس أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، من جنس خالد ابن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص وغيرهم من الصحابة المخلصين والتابعين لهم بإخلاص وإحسان على مر العصور والدهور والسنين إلى يوم الدين، ﵃ أجمعين. وبين الله للمؤمنين أن وليهم ليس هو اليهود والنصارى الذين لا أمان لهم ولا عهد ولا ميثاق، إنما وليهم وناصرهم ومؤيدهم هو الله وأمرهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. وقد وعدهم الله وعدا طيبا إن هم وفوا بهذا العهد وهذا الميثاق إن تخلصوا من ولاية اليهود والنصارى وكل الكفار والمشركين. وإن هم قصروا ولايتهم على الله ورسوله وعلى إخوانهم المؤمنين من أهل ملتهم، من أهل الإيمان والتقى، إن هم وفوا بهذا العهد والميثاق وعدهم أن يكتب لهم الفلاح والفوز في الدارين والغلبة على أعدائهم والنصر عليهم والظفر بهم وبما يمتلكون قال الله تعالى: ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾ (١).

стр. 509

٣ - تفسير سورة الأنبياء إجمالا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد: فكل سورة من سور القرآن الكريم لها وحدة تدور عليها آياتها. ونتناول هذا إجمالا في سورة الأنبياء. لقد كان الكفار يعتقدون أن النبوة لا تكون في بشر، إنما إذا أراد الله أن يرسل أحدا أرسله من الملائكة. أما البشرية والرسالة والنبوة فبينهما تناف. وهذه السورة جاءت لبيان أن البشرية لا تتنافى مع الرسالة. ودلل الله على هذه المسلمة في هذه السورة بذكر كثير من الأنبياء، فذكر كل نبي من هؤلاء الذين ذكرهم وذكر فيه صفة أو أكثر من الصفات التي تعلن بشريته وتدل عليها كل الدلالة. وبدأ الكلام في هذا بقوله تعالى: ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون﴾ (١) فبين أنه بشر وأنه سيموت كما مات من قبله من البشر. وأن بشريته بإنتهاء أجله، هو أمر مشترك بينه وبين غيره من جميع إخوانه الأنبياء والمرسلين. ثم بدأ بذكر الأنبياء نبيا بعد نبي. ذكر موسى وهارون (٢)، والعرب وقريش يسمعون في أسفارهم عن موسى وهارون لأنهم كانوا يسافرون في متاجرهم إلى الشام ويعرفون من بني اسرائيل أشياء عن موسى وهارون، ففي الشام كان يعيش كثير من اليهود كما كان يعيش كثير منهم حول المدينة. وكان يعيش كثير منهم في اليمن والعرب كانوا يسافرون أيضا إلى اليمن للتجارة.

стр. 510

فبدأ بذكر موسى وهارون وأنهم كانوا من الأنبياء، وقد اشتهر أمرهم في بني إسرائيل، وكذلك في العرب لكثرة إختلاطهم باليهود والنصارى في أسفارهم، وتجاراتهم، ومساكنتهم لهم كما هو الحال للعرب الذين يسكنون المدينة ومن حولها. وقد كان موسى وهارون من البشر، فليس هناك غرابة ولا بعد في أن يكون محمد ﷺ نبيا ورسولا وهو من البشر. ثم ذكر ابراهيم الخليل ﵇ وذكر قصته وأنه أوذي وألقي به في النار، ولكن الله تعالى نجاه من النار، ثم خرج من داره مهاجرا إلى الله، وهذا شأن البشر لا الملك. إنسان يؤذى ويؤخذ ويقهر ويغلب على أمره، ويلقى به في النار لا يكون مالكا، لأنه لو كان ملكا لصعد إلى السماء، ولا يتمكن منه. فكان ابراهيم بشرا بشهادة الأحداث التي جرت عليه، وكان رسولا نبيا لا يختلف في ذلك. فمحمد ﷺ أيضا بشر لا تمنعه البشرية من أن يكون رسولا نبيا. ثم ذكر سبحانه بعد هذا لوطا (١) الذي أوذي، وهجم عليه قومه في بيته لما سمعوا أن عنده ضيوفا فيهم الجمال والبهاء، وكان قومه يأتون الذكران ويهجرون النساء، ابتلوا بهذه المعصية وهذه الفاحشة كما سماها الله تعالى في كتابه. وكانت الملائكة قد أتوا لوطا في صورة شبان حسان ولم يعلم لوط أنهم ملائكة. وسكتوا عن لوط ولم يخبروه بحقيقتهم وأمهله الله أيضا فلم يخبره بشيء ولا أوحى إليه شيئا لتتبين بشريته وعجزه، وأنه لا يعلم شيئا ولا يقدر على شيء، حتى خشى عليهم من قومه وأعلن عن ضعفه في مواجهة قومه وعن ضعفه في حماية ضيوفه فقال معبرا عن هذا بقوله الذي حكاه الله تعالى ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ يقول لقومه الذين جاءوا يراودونه على ضيفه الذين

стр. 511

ظنوهم بشرا وكذلك ظنهم لوط ﵇ يقول لقومه ﴿قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ (١) لأهلكتكم وعاقبتكم فعند هذا قالت الملائكة ﴿إنا رسل ربك لن يصلوا﴾ (٢) فكانت مفاجأة للوط ﵇ عندما عرف حقيقة أمرهم وأنهم ملائكة. فأمرته الملائكة أن يسرى بأهله من الليل أي يخرج من البلد ولم يؤمن معه إلا عدد قليل من أهله. وخرج وأهله وإمرأته استجابة لأمر الله ولوحيه الذي جاءته به الملائكة وشاء الله سبحانه للمرأة - امرأة لوط - أن تتخلف وتتأخر قليلا عن زوجها في السير وأن تلتفت إلى خلفها، إلى قومها فأصابها ما أصاب قومها من العذاب والهلاك. جاء جبريل واقتلع الأرض من تحتهم ورفعها إلى أعلى ثم قلبها بمن فيها. وجعل عالى الأرض سافلها وهذا يتناسب مع ما اقترفه قوم لوط من قلب الفطرة والخلقة، وهجر النساء الحلال اللائي جعلن مقضى الشهوات وحرث للأولاد واستبدالهن بالرجال. ثم ذكر الله قصة نوح ﵇ (٣) وأنه دعا قومه إلى الله وإلى توحيده سبحانه وجرب معهم وسائل شتى في الدعوة إلا أن بيئة قومه كانت من البيئات الردية، فلم تجد معهم الدعوة إلى الإسلام والتوحيد، دعا قومه جماعة بعد جماعة، وطائفة بعد طائفة، وجيلا بعد جيل وهكذا طيلة فترة تسعمائة وخمسين سنة، تسعة قرون مضت وهو يدعوهم إلى لا إله إلا الله. أمره الله أن يصنع سفينة ففعل وكلما مر عليه ملأ وجماعة من قومه سخروا به وسخروا منه وهو أيضا يسخر منهم ويوقن أن العاقبة له من الله جل شأنه وأن الدمار عليهم. ولما جاء وقت الإهلاك أمره الله أن يركب السفينة ويحمل فيها من آمن معه.

стр. 512

فإنتاج وثمرة تسعمائة وخمسين سنة في الدعوة حملهم جميعا في السفينة ومعهم حيواناتهم التي يحتاجون إليها، حمل هؤلاء جميعا في سفينة واحدة ثم أغرق الله باقي قومه جميعا. فالإيذاء والتسلط الذي وقع من الكفار على نوح ﵇ وأمر الله له بصناعة السفينة، وإغراق الله لقومه وإنجاء الله تعالى له ولمن معه من المؤمنين في السفينة، كان هذا كله عنوانا لبشرية نوح ﵇. وقد كان نبيا رسولا فلا يبعد أن يكون محمد من البشر وأن يكون نبيا رسولا. ثم ذكر داود وسليمان ﵉ (١) وما جرى على داود من الخطأ وهو شأن بني آدم، لأن كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون (٢)، اجتهد داود ﵇ في الحكم في قضية من القضايا، وهي قضية الغنم التي نفشت ورعت، وأكلت حرث قوم غير أصحابها. واجتهد في هذه القضية وأخطأ وعرضت نفس القضية على سليمان وحكم فيها بالصواب، وكان حكمه مخالفا لحكم أبيه. وتم لداود أجر على إجتهاده ولو كان مخطئا. وحصل لسليمان أجران لأنه اجتهد وأصاب الحق وحكم في القضية بالصواب. ثم ذكر الله ما علمه لداود من الصناعات فقد كان يصنع الآلات المختلفة وخصوصا الأسلحة الحربية وغير ذلك، وهذا كله من صفات البشرية سواء ما كان يتعاطاه داود من الصناعات أو ما قد وقع فيه داود من الخطأ في الإجتهاد في الحكم. وقد كان كل من سليمان وداود نبيا رسولا وقد كانا من البشر بكل ما في البشر من الصفات فما المانع أن يكون محمد ﵊ بشرا ونبيا رسولا!

стр. 513

ثم انتقلت السورة إلى ذكر أيوب عليه (١) السلام، وذكر الله أنه ابتلاه في صحته وماله وأهله ومرض المرض الشديد. ثم شفاه الله وأعطاه الذرية وأعطاه المال. وهذه أعراض البشرية، وقد كان نبيا رسولا فلا مانع إذن أن يكون محمد ﷺ من البشر ثم يكون نبيا رسولا. وذكر الله ذا النون (٢) وقد كان رسولا من عند الله. وذو النون هو يونس بن متى ﵇. وإنما سمي ذا النون والنون هو الحوت كان قد إبتلعه فنسب إليه. فذو النون يعني ذا الحوت. وكان يونس في بطن الحوت محفوظا بإذن الله تعالى. فلم يهضمه الحوت كما يهضم الطعام، وهذا كان بإذن الله تعالى، وكما أن يونس ﵇ لم ينس ذكر الله تعالى في هذا المكان الموحش فقد حفظه الله تعالى من شدائد ومحن وكروب في الظلمات، ومن أسباب الموت والهلاك التي توفرت وتداعت عليه. لكن الله عطل أسباب الهلاك كلها عن أن تعمل عملها في يونس، وظل يونس حيا بإذن الله تعالى ومحفوظا ومصانا من كل الأذى حتى نجاه الله جل شأنه. فما حصل ليونس ﵇ يدل على أنه بشر وأعراض البشرية ظاهرة فيه وواضحة، وكان رسولا نبيا ودعا قومه إلى الإيمان والتوحيد، وإلى طاعة الله وعبوديته فصدوا وأعرضوا ولم يستجيبوا حتى حزن يونس ﵇ على ذلك، وضاق صدره وخرج من بين أظهرهم ظنا منه ﵇ أنه مخير بين الإقامة بينهم والرحيل عنهم على حسب ما يراه من المصلحة في ذلك فخرج من بين أظهرهم في الوقت الذي أوشك الإيمان أن يدخل إلى قلوبهم. وظن أن الله لن يضيق عليه في هذا الخروج. فخرج وركب سفينة لتنقله بعيدا عن قومه فثقلت بهم السفينة وحاصرتهم أمواج البحر حتى كادوا يغرقون جميعا، فأرادوا تخفيف حمولة السفينة. وليس أحد من ركاب السفينة أولى في النجاة من الآخر.

стр. 514

فاقترعوا واستهموا فيمن يلقون من الركاب فيكون ضحية وفداء للآخرين، فقرع يونس ﵇ فرموه في البحر فوقع في ضيق أشد من الضيق الذي كان فيه بين ظهراني قومه، إذ أصبح في ظلمات البحر والحوت والليل وغير ذلك من ظلمات. وفي الظلمات سبح يونس ربه ودعاه، واعترف على نفسه بالظلم والتقصير فقال ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ (١) فحفظه الله تعالى ونجاه من هذه الظلمات كما سبق الإشارة إليه فسياق هذه القصة وما فيها يدل بما لا يدع مجالا للشك على بشرية يونس ﵇ وأنه كان رسولا نبيا فمحمد ﷺ وهو من البشر كان نبيا ورسولا. وكما لم تمنع البشرية يونس من النبوة والرسالة لا تمنع بشرية محمد من أن يكون نبيا ورسولا عليهم جميعا الصلاة والسلام. ثم جاء بعد هذا ذكر زكريا ﵇ (٢) وهو أحد أنبياء بني إسرائيل وكانت زوجته عقيما لا تلد و قد بلغ من الكبر عتيا أي بلغ سنا لا يستطيع معه أن يأتي النساء لكبر سنه وضعف قوته لكنه لما رأى مريم ﵍ وعبادتها لربها ﵎ وأن أثر هذه العبادة والتقوى ظهر في الدنيا قبل الآخرة، وأنه كان يأتيها رزقها بكرة وعشيا وفي كل حين. ووجد منها أشياء هي خوارق للعادات التي يعرفها في البشر، لما رأى الصلاح في مريم اشتاقت نفسه للولد الذي يرى فيه الصلاح والتقوى. فرغب إلى ربه تعالي وطلب منه أن يعطيه الولد فاستجاب الله تعالى لدعائه ولبي رغبته ووعده بالولد. ولكن زكريا يريد أن يطمئن ويزداد إيمانا بموعود الله له لأنه بشر هو وزوجته بالولد في حالة لا تسمح لهما بالإنجاب في عرف البشر، وما جرت به عادتهم، فلذلك يريد أن يزداد إطمئنانا وإيمانا إذ هو لا ينكر على ربه أن يخلق ما يشاء، لأنه القادر على كل شيء ولا يعجزه شيء ولذلك قال ﴿قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر﴾ (٣).

стр. 515

ثم ﴿قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا﴾ (١) وفي الآية الأخرى ﴿إلا رمزا﴾ (٢) فكان إذا أراد أن يتكلم مع الناس في الكلام العادي لا يستطيع ذلك طيلة هذه المدة، ولا يستطيع أن ينطق وإنما يفهمهم ما يريد بالإشارة والرمز ولم يكن هذا لعيب في آلة نطقه، ولا لمرض طرأ عليه وإنما هذا آية من الآيات، ولذلك فهو إذا أراد أن يسبح وأراد الذكر انطلق لسانه أما إذا أراد الحديث مع الناس انعقد لسانه فكان هذا أيضا آية من آيات البشرية. وقد ذكر الله تعالى شيئا من الأسباب العادية التي يرتب عليها الولد يقول سبحانه ﴿وأصلحنا له زوجه﴾، ما جعلها تلد وهي على حالها ووضعها، ولكن أصلحها الله للحمل والوضع وأزال ما كان بها من عقم ومن أسباب تمنع حملها. فقد جعل الله في زوجة زكريا استعداد للحمل ولذلك قال تعالى ﴿وأصلحنا له زوجه﴾ فالله اوجد الأسباب العادية فيها بعد أن كانت مفقودة. وذكر الله عنهم هذا في القرآن فقال تعالى ﴿وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه﴾ (٣) فلم تصبح علي حالها الأول الذي كانت عليه قبل أن تحمل بل هيئت تهيئة تصلح معها للحمل، فكان زكريا أعجز من أن يهب لنفسه ولدا بل طلب من الله أن يعطيه الولد وأن يمنحه إياه فهذا عنوان البشرية، ومع ذلك كان رسولا وكان من البشر ومحمدرسول الله وهو من البشر ولا غرابة ولا بعد في هذا. أما مريم ﵍ فلم تكن نبية ولكن وهب الله لها عيسى ﵇. وحملت بدون زوج. والله الذي أصلح زوجة زكريا فصارت تستطيع الحمل بعد أن لم تكن تستطيعه، هو الذي جعل مريم تحمل بدون زوج بإذنه تعالى وذكر الله.

стр. 516

سبحانه هذا في القرآن فقال ﴿فنفخنا فيها من روحنا﴾ (١). فالقصد أن كل هؤلاء جميعا من البشر وقد وصفهم الله تعالى بذلك وأظهر فيهم أعراض البشرية. قد كانوا رسلا وأنبياء أو صديقين مصطفين فلا يستبعد أن يكون محمد ﷺ نبيا رسولا وهو من البشر. لقد وصف الكفار الرسول ﵊ بصفات كثيرة مفتراة عليه وليست من صفته، ولا من خلقه رموه بالسحر والكذب والكهانة. ووصفوه بالبشرية كما ورد في أول السورة في قوله تعالى ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث … إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون﴾ (٢) ﴿هل هذا إلا بشر مثلكم﴾ فكيف يكون رسولا فذكر الله أنبياء قبل رسول الله ﷺ ولا شك في نبوتهم، وقد ذكر الله لهم من الأعراض ما لا يدع مجالا للشك في بشريتهم. والعرب كانوا يعرفون أن هؤلاء المذكورين في السورة أنبياء ورسل فقد كان العرب أهل أسفار وتجارة، وقد ذكر الله أنهم كانت لهم رحلتان جنوبا في الشتاء وشمالا في الصيف. ومن خلال هاتين الرحلتين وغيرهما عرف العرب هؤلاء الأنبياء والرسل وعرفوا قصصهم بالمخالطة مع الأقوام الآخرين في البلاد التي كانوا يسافرون ويتجرون إليها. فذكر لهم أمثالا تاريخية في بشر صاروا رسلا. والواقع شاهد برسالتهم. فيرد عليهم إنكار رسالة محمد من أجل بشريته في قولهم ﴿هل هذا إلا بشر مثلكم﴾ (٣) فكيف يكون نبيا رسولا ﴿أفتأتون السحر وأنتم تبصرون﴾ (٤) ﴿قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم﴾ (٥) أسروا النجوى فبين الله لرسوله ﷺ أنه يعلم السر وأخفى وهو السميع

стр. 517

كامل السمع عليم كامل العلم ﴿بل قالوا أضغاث أحلام﴾ (١) أخلاط في الكلام، مخبول يتكلم كلام المخابيل ﴿بل افتراه﴾ (٢) كذاب، ﴿بل هو شاعر﴾ (٣) الشاعر مثل الكهان الذين يلفقون الكلام ويكذبون فيه ويبالغون، ويقولون أعذب الشعر أكذبه ﴿فليأتنا بآية كما أرسل الأولون﴾ (٤). الله ذكر البشرية بعد ذلك فقال ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون﴾ (٥). ثم ذكر قصص الأنبياء ثم ختم السورة بمثل ما بدأ به فقال ﴿قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون﴾ (٦). يعني أنا بشر ولكن يوحى إلي ﴿فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب … أم بعيد ما توعدون﴾ (٧) وما يوعدون هو ما يطالبون به من الآيات والمعجزات وربما كان ما يوعدون يعني يوم القيامة ﴿إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون﴾ (٨) وهو نظير قوله تعالى في أول السورة ﴿قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم﴾ (٩) وبعده يقول سبحانه ﴿وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين﴾ (١٠) لعله فتنة لكم ومتاع إلى أجل مسمى ثم الله يقضي بإنهاء الدنيا وافنائها كما يشاء وكما يريد. ﴿قال رب احكم بالحق﴾ (١١) افصل بيننا ﴿وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون﴾ (١٢) والذي وصفوه به في صدر السورة أن ما جاء به من الوحى

стр. 518

أضغاث أحلام وأنه قد افتراه، وأنه شاعر، وأنه ساحر وأنه مجنون وغير ذلك مما الصقوه به من الأوصاف التي ذكروها ورموه بها في أول السورة وهو منها براء. وبهذا يعرف أن للسورة وحدة تدور الآيات حولها وهي هنا إثبات أن البشرية غير منافية للرسالة وذلك بذكر كثير من الأنبياء الذين شهد الواقع وشهدت الأمم بأنهم رسل. وقد ثبتت نبوتهم تاريخيا حتى عند العرب. قد كان العرب يتمسحون باليهود، لأنهم أهل كتاب وبعضهم كان يرسل أولاده إلى اليهود ليعيشوا بينهم وينالون منهم البركة. وهكذا نجد أن أول السورة وأخرها يرتبط بعضه مع بعض في وحدة مشتركة. وهذه السورة مكية. وكغيرها من السور المكية في القرآن فإنها ترتكز على الأصول الثلاثة، إثبات التوحيد والدعوة إليه، واثبات وقوع اليوم الآخر وإقامة الأدلة عليه، إثبات الرسالة وبيان عدم منافاتها للبشرية. وأسأل الله جل شأنه لي ولكم التوفيق والسداد. وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وطهارة لنفوسنا إنه مجيب الدعاء. وصلى الله وسلم وبارك على عبده محمد. س ١: سئل الشيخ: ما معنى نفشت فيه غنم القوم؟ فقال الشيخ ﵀: إنتشرت فيه غنم القوم وأكلت. فحكم أن الغنم تدفع إلى أصحاب الحرث فينتفعون منها بكل نفع فيكون لهم أولادها وألبانها وغير ذلك من منافعها ويقومون برعايتها في حين يقوم أهل الغنم بإصلاح الحرث والقيام برعايته وربايته حتى يرجع إلى الحال التي كانت عليها قبل أن تنفش فيه الغنم. فيرجع كل شيء إلى أصحابه فيأخذ أهل الحرث حرثهم ويأخذ أهل الغنم غنمهم.

стр. 519

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إذا السماء انفطرت﴾ ﴿وإذا الكواكب انتثرت﴾ ﴿وإذا البحار فجرت﴾ ﴿وإذا القبور بعثرت﴾ ﴿علمت نفس ما قدمت وأخرت﴾ ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾ ﴿الذي خلقك فسواك فعدلك﴾ ﴿في أي صورة ما شاء ركبك﴾ ﴿كلا بل تكذبون بالدين﴾ ﴿وإن عليكم لحافظين﴾ ﴿كراما كاتبين﴾ ﴿يعلمون ما تفعلون﴾ ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ ﴿وإن الفجار لفي جحيم﴾ ﴿يصلونها يوم الدين﴾ ﴿وما هم عنها بغائبين﴾ ﴿وما أدراك ما يوم الدين﴾ ﴿ثم ما أدراك ما يوم الدين﴾ ﴿يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله﴾. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد. فإن الله تعالى شأنه قد ذكرنا بالآخرة وما فيها من أهوال، من أول بدئها عند تخريب الدنيا إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. وكرر هذا في كثير من سور القرآن الكريم ليعتبر الناس ويتذكروا، ويتقوا ربهم فيطيعوه ويخشوه. ومن السور التي ذكر الله جل شأنه فيها أخبار يوم القيامة سورة الإنفطار، وسورة التكوير وغيرها من السور كثير من سور القرآن تتناول هذا الموضوع. وسورة الإنفطار قد بين الله فيها أنواعا من أهوال يوم القيامة: أولا: حالة التخريب التي تلحق هذه الحياة الدنيا عند نهايتها، وبدء يوم القيامة الذي يحاسب فيه العباد ويجازيهم فيه على أعمالهم. ثانيا: نفى أن يكون هناك من قبل الرب ما يغتر به المخلوق اغترارا يعذر به. ثالثا: بيان أن كثير من الناس كذب بيوم الدين مع وجود الأدلة والبراهين

стр. 520

الواضحة التي تمنع ذلك التكذيب. رابعا: تقسيم الناس إلى أهل نعيم وأهل جحيم، إلى أبرار وإلى فجار. أما الأمر الأول: فذكر الله فيه قوله تعالى: ﴿إذا السماء انفطرت﴾ (١) ومعنى انفطرت يفسرها قوله تعالى في السورة الأخرى ﴿إذا السماء انشقت﴾ (٢) فانفطرت معناها انشقت. انفطر: انشق. وفطر البئر: حفرها وشقها يطلب خروج الماء منها. ﴿وإذا الكواكب انتثرت﴾ (٣) يعني تساقطت عند فقد التوازن. الله هو الذي يفقدها توازنها وتماسكها، ويخل نظامها. فتختل بعد انتظام، وتظلم بعد أن كانت نيرة. ﴿وإذا البحار فجرت﴾ (٤) الأرض وما فيها من مياه لها نظام تسير عليه نظمها الله جل شأنه، فجعل بعضها يبسا، وبعضها ماء. والماء بعضه حلو وبعضه مر. وجعل بين البحرين حاجزا لمصلحة العباد، ورحمة بهم كما قال سبحانه ﴿بينهما برزخ لا يبغيان﴾ (٥) بين الملح والعذب برزخ من اليابس فلا يبغي الملح على العذب، ولا العذب على الملح. فيظل كل منهما في مكانه محتفظا بخواصه لمصلحة العباد ومنفعتهم. أما عند قيام الساعة يفجر الله اليبس حتى يختلط الملح بالعذب، فلا يصلح لبقاء العالم، وينتهي اليبس الذي كان يعيش عليه الناس. تنشق الأرض وتتفجر منها المياه. ويصير الكل مالحا.

стр. 521

﴿وإذا القبور بعثرت﴾ (١) بعث ما فيها من الأموات وأخرج ما فيها من الكنوز ويصبح ما في باطنها ظاهرا على سطحها. ويبعث العباد أحياء بعد أن ماتوا، والله قاد على كل شيء. عند ذلك تعلم كل نفس ما قدمت من أعمال وما أخرت من خير وشر. من خير فعلت تثاب عليه، ومن شر تركت تثاب عليه. ومن خير تركت وشر فعل فتعاقب عليه. أو ما قدمت من أعمال وصدقات. وما أخرت من تركات وأموال. وفي هذا اليوم تتطاير الصحف، كل أحد يأخذ صحيفة أعماله إما بيمينه أو بشماله. فيفرح أهل الخير ويهنأ بعضهم بعضا. أما الأشقياء فيتمنوا ألا يكونوا قد خلقوا، وكانوا يتمنون ألا يكونوا قد بعثوا. وألا يكون هناك حساب، ولا عذاب، ولا نعيم. هذا هو الأمر الأول. وهي أحداث تقع عند قيام الساعة، وعلم كل نفس بما كسبت من خير أو شر، وما قدمت وأخرت من خير أو شر عندما تتناول صحيفتها باليمن أو بالشمال. الأمر الثاني: هو أنه ليس هناك من الله جل شأنه لا من صفاته ولا من أفعاله ما يغتر به المرء حتى يكفر بنعمة الله، وحتى يخرج من دينه ويتعدى حدوده. بل هناك ما يوجب على العبد أن يقوم أخلاقه وأن يستقيم على الشريعة التي بعث الله بها رسله صلى الله عليهم وسلم يقول الله تعالى: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك﴾ (٢) يعني أي شيء غرك بربك الكريم، والكريم شأنه أنه حكيم في عطائه وفي منعه، لا يعطي إلا من يستحق العطاء أو كانت الحكمة والمصلحة في اعطائه. ولا يمنع إلا ما كانت الحكمة في منعه. هذا هو الكريم.

стр. 522

أما السفيه: الذي لا حكمة عنده فقد يحسن إلى المسيء فيعيطيه، وقد يسيء إلى المحسن فيمنعه، فعمل السفيه وتصرفه لا يستند إلى علم بالمصلحة ولا يستند حكمة في العطاء والمنع. ولكن الله كريم وحكيم وعليم ومن حكمته أنه يضع كرمه في أهل طاعته، وأن يضع عقوبته في أهل معصيته، فكرمه ليس سببا ولا ينبغي أن يكون سببا في غواية الناس وضلالهم بل يجب على العباد أن يشكروه وأن يعبدوه وحده لا شريك له. وأن يتجنبوا معصيته شكرا له على جوده وكرمه الذي أكرمهم به، فقد خلقهم في أحسن صورة وفي أحسن تقويم وكرمهم كما قال تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾ (١). فمقتضى أن كرمهم أن يستقيم العباد على شريعة الله التي بعث بها رسله. فإن مصلحتهم في ذلك، وفي ذلك سعادتهم وهدايتهم وكان مقتضى كرمه أن يستقيموا على شرعه سبحانه، وأن يسلكوا سبيل طاعته. قال تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ (٢) خلقهم فعدلهم فصاروا في أكمل هيئة وأحسن تقويم قال تعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ (٣) تناسق وتكامل بين الأعضاء والأجهزة، وفكر وعقل يميز بين الطيب والخبيث، بين الخير والشر، ثم شريعة تكمل إدراكه وتميزه بين ما ينفعه وبين ما يضره، هذا كله إحسان منه إلى خلقه، وإلى عباده، وكان مقتضى هذا الإحسان الشكر والإمتنان، لا الجحود والنكران. ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك﴾ (٤).

стр. 523

ثم ذكر الله جل شأنه الأمر الثالث وهو أن كثير من العباد كذب باليوم الآخر وكفر به، بدلوا نعمة الله كفرا، مع أن الله جل شأنه قد ذكرهم في كتابه وعلي السنة رسله بأنه جعل عليهم ملائكة كرام كاتبين يكتبون ما يفعلون، يكتبون عندهم في صحف ويسجلون فيها الحسنات والسيئات زيادة على علم الله المحيط بما كان وما لم يكن وما سيكون، ومحيط بأعمالهم وأحوالهم. فعلمه محيط وهو مطلع وشاهد على ما ظهر منهم وما خفي وكان هذا كافيا، ومع هذا رتب ملائكة يكتبون ويسجلون أفعال العباد وما عملوا من خير وشر كما قال الله تعالى: ﴿كلا﴾ وهي كلمة زجر تزجرهم عن الإغترار بكرم الله ، وأن إقرارهم بكرم الله يوجب عليهم عكس ذلك. فكأنه يقول انزجروا عن اغتراركم بربكم. ثم انتقل إلى الإخبار عن تكذيب بعض الناس بيوم القيامة مع وجود ما يمنع من هذا التكذيب فيقول سبحانه ﴿وإن عليكم لحافظين (١٠) كراما كاتبين (١١) يعلمون ما تفعلون﴾ (١) هم يكتبون عن بينة وعن بصيرة. كما قال تعالى: في آية أخرى في سورة ق والقرآن المجيد ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ (٢) ما يلفظ أي إنسان من قول يتكلم به إلا لديه وعنده ملك رقيب يراقب أعماله، أعمال الخير، وملك أخر يراقب أعمال الشر و عتيد يعني دائم. وفي هذا ما يدعو العبد إلى الإبتعاد عن المعاصي والشر، ويدعوه إلى الإقبال على ما يرضي الله ربه ﵎. والأمر الرابع وهو إنقسام الناس إلى فريقين أبرار وفجار، أهل نعيم وأهل جحيم وهذا في قوله تعالى ﴿إن الأبرار لفي نعيم (١٣) وإن الفجار لفي جحيم﴾ (٣)

стр. 524

الأبرار هنا كلمة جامعة تشمل كل من آمن حتى من ارتكب بعض المعاصي من المؤمنين. فهم ناجون وفائزون حتى وإن كان منهم من يعذبون على معاصيهم، إلا أنهم لا يخلدون في نار جهنم، بل يغفر الله لهم ويرحمهم ويشفع فيهم الشافعين. المقصود أن الأبرار كلمة جامعة لأهل الإيمان الذين قسمهم الله في السور الأخرى إلى قسمين. فتشمل كلمة الأبرار أصحاب اليمين والسابقين المذكورين في سورة الواقعة. ﴿وإن الفجار لفي جحيم﴾ هذا قسم الكفار الذين يدخلون النار في أول الأمر، ويصلون سعيرا، وييأسون من الخروج من جهنم، لا يموتون فيها ولا يحيون، ولا يخرجون منها ولا هم يستعتبون، بل يخلدون فيها أبد الآبدين. ﴿وإن الفجار لفي جحيم (١٤) يصلونها يوم الدين﴾ (١) يوم القيامة ذلك اليوم الذي لا تصريف لأحد في شيء، أما في الدنيا فالناس يتصرفون في بعض الأمور بما شاء الله وأذن لهم. أما يوم القيامة فلا تصرف لأحد في شيء ولا ملكية لأحد في أمر بل التصريف الله وحده لا شريك له. ومعنى يصلونها يعني يقاسون عذابها وسعيرها وشدائدها وأهوالها وما فيها من بلاء وعذاب. ﴿يوم الدين﴾ يوم يدين الله كل نفس بما كسبت، ومعنى يدين يعني يحاسب ويجازي. قوله تعالى: ﴿وما هم عنها بغائبين﴾ (٢) يعني لا يخرجون منها ولا يقبل منهم فدية ولا عذر. فالفجار لا يغيبون عنها. ثم هول وفخم أمر يوم القيامة فقال

стр. 525

﴿وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين﴾ (١) يقول الله أنت لا تستطيع أن تتصور وتتخيل ما في يوم الدين من الأهول العظام والشدائد والفزع، يوم يعطى كل ذي حق حقه. أنت لا تستطيع أن تحيط بكل ما فيه من دقائق وتفاصيل. والذي يعلم حقيقته وتفاصيله، وما فيه إنما هو الله وحده لا شريك له، ثم بين الله جل شأنه أن الإحاطة به وتصريف الأمور يومئذ أمر مختص به. يقول ﴿يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله﴾ (٢) الله وحده لا شريك له. الله يذكرنا بأهوال يوم القيامة من بدء تخريب العالم إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. وأنه وحده هو المتصرف في هذا اليوم لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، بل الكل خائف ومشفق حتى أعظم الخلق جميعا هو رسول الله ﷺ عندما يريد أن يشفع عند الله لصرف الناس من الموقف وهوله إلى مستقرهم ومثواهم، وعندما يريد أن يشفع هذه الشفاعة يذهب فيسجد تحت العرش معلنا العبودية لله وحده لا شريك له، ليبين للناس أنه لا يشفع بحوله وقوته ﷺ ، إنما يشفع بذله وخضوعه وعبوديته الله ، ثم تكون الشفاعة بعد إذنه ومشيئته . وفي هذا تكريم للنبي ﷺ ، حيث يقبل شفاعته ويجيبه إلى طلبه فيرحم العباد ويبدأ الحساب. فهذا خير خلق الله ﷺ عندما يأتيه أهل الموقف ليشفع بعد أن يكونوا قد ذهبوا قبله إلى آدم وإلى أولي العزم من الرسل. عندما يأتي أهل الموقف رسول الله ﷺ ليشفع فيهم ويقول أنا لها، أنا لها، مع هذا يسجد تحت العرش إعلانا وإظهارا للعبودية، ثم يثني على ربه ويمجده، ويحمده بمحامد تفتح عليه وقتئذ. ولا يرفع رأسه حتى يقول الله ارفع رأسك، واشفع تشفع، وسل تعط وعند ذلك يبدأ في الشفاعة (٣).

стр. 526

موقف العباد أمام ربهم يوم القيامة موقف العبودية والذل والخضوع له سبحانه. فلا يملك الشفاعة عند الله أحد من العباد إلا بعد مشيئته، فهو سبحانه لا شريك له، هو الذي يملك الشفاعة ﴿قل لله الشفاعة جميعا﴾ (١). ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ (٢) هذا هو الحال الذي يكون عليه العباد يوم القيامة فالله يذكرنا بيوم القيامة في كثير من الآيات والسور في القرآن الكريم. من وقت لآخر يذكرنا به بأمور نعيشها ونمارسها في أمور حياتنا ومعيشتنا. فالنار التي نشعلها لكي ننتفع بها في الدنيا هذه النار تذكرنا بيوم القيامة ﴿أفرأيتم النار التي تورون ﴿٧١﴾ أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون ﴿٧٢﴾ نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين ﴿٧٣﴾ فسبح باسم ربك العظيم﴾ (٣). فلو أن الناس كلما شاهدوا النار أو أشعلوها تذكروا نار الآخرة، وتذكروا أن نار الآخرة أضعاف أضعاف نار الدنيا وأن نار الدنيا هي فقط رمز لنار الآخرة ونار الآخرة فوقها بمراحل ومدد لو تذكر الناس هذا لحيت قلوبهم ولكان ذلك من خير الوعظ والتذكير لهم. كذلك الله يأتينا بألوان من الحر والبرد، فالحر يذكرنا بحر جهنم والبرد يذكرنا بالزمهرير الذي يكون في جهنم أيضا. ففي جهنم يعذب بعض الناس بالزمهرير والبرد، وما بردنا في الدنيا الذي نستعد له في الشتاء بشيء في مقابل حرارة جهنم وبرد الزمهرير يوم القيامة. هذه أيضا من المذكرات التي يرسلها لنا أو وضعها لنا في الكون الذي نعيش فيه. فيجب علينا أن نتدبر آيات القرآن وأن نتعظ بالآيات الكونية التي تذكرنا بيوم القيامة.

стр. 527

ومن ذلكم المرض الذي يشرف به الإنسان على الموت، ثم يتراجع عن معاصيه، ويعطي الله العهود والمواثيق بأن يطيع الله ولا يعصيه، لكنه بعد أن يعافيه الله، ويشعر بالقوة يرجع إلى ما كان عليه من المعاصي والتفريط في الطاعات. المذكرات كثيرة منها الكوني، ومنها الشرعي القولي، ومنها الخطب والمواعظ وغيرها، ومع ذلك نجد كثيرا من العباد يرتكس في المعاصي ويفرط في الطاعات وفي أوامر الله . فيجب علينا معشر الإخوة أن نتدبر الآيات الكونية والآيات الشرعية عسى أن نستقيم على الطاعة وعسى أن نجد فيها لذة تدفعنا إلى المزيد منها وصلى الله وسلم على سيدنا محمد. والحمد لله رب العالمين.

стр. 528

٥ - آيات من سورة الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد. فأنصح نفسي وإخواني بقول الله جل شأنه ﴿قد أفلح من تزكى … وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا … والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى﴾ (١). وفي هذه الآيات ذكر الله ثلاث موضوعات: الأول: النصح للإنسان وارشاده إلى ما ينفعه في دنياه وفي أخراه. الثاني: التذكير بطبيعة الإنسان وتحليل هذه الطبيعة الإنسانية. الثالث: أن هذا الموضوع الأول وهذا الموضوع الثاني هما من الأمور المتقدمة في الكتب التي أنزلها الله على خليله إبراهيم ﵇، وعلى عبده وكليمه موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام. وأنزل تقرير هذا أيضا في القرآن الكريم الذي أنزل على عبده ورسوله محمد ﷺ . أما الأمر الأول: فالله جل شأنه أخبره أن الفلاح والفوز ملازم تمام الملازمة، ومتقرر في حكم الله تعالى لمن تزكى وتطهر من الشرك والمعاصي، ونمى أعماله الصالحة بتقوى الله جل شأنه، فعلا لما أمر الله به سبحانه ولما أمر به رسوله ﷺ ، وبعدا عما نهى الله عنه وبعدا عما نهى عنه رسوله ﷺ . وذكرا لأسماء الله جل شأنه وما له من العظمة والوقار. فذكر أسمائه جل علاه يورث في القلب إيمانا وجلالا وهيبة تنبع من المعاني التي يفهمها العبد من ذكر هذه

стр. 529

الأسماء المقدسة وإستحضارها في نفسه. فذكر العبد لبعض أسمائه مثل اسمه الرحمن، والرحيم، واسمه العليم والحكيم، والغفور والودود وغيرها من هذه الأسماء تملأ قلب ابن آدم بالخير والطاعة والإقبال على الله. ومن ذكر اسم الله الجبار، وذكر اسم الله المنتقم وتيقن أنه سبحانه شديد البطش، وشديد العقاب، وأدار في خاطره آثار هذه الأسماء في الخلق، وفي الناس سابقهم وحاضرهم، واستحضر ما في هذه الأسماء من معنى الجبروتية والعقوبة لكل من خالف أمره، فإن قلب العبد يمتلأ هيبة وخوفا، وخشية من ربه فيدفعه، هذا الذكر لأسمائه التي فيها معاني الرحمة واللطف والإحسان والمغفرة والعطف للإنسان يدفعه إلى محبة الله والإقبال على طاعته وحده . وذكر الإنسان لأسماء الله التي فيها معنى الجبروتية والإنتقام والبطش، ذكر الإنسان لهذه الأسماء ولهذه المعاني يملأ قلب العبد خوفا وذلا الله . فالمحبة والخوف الذان يتولدان من معرفة أسماء الله هما ضروريان لاستقامة العبد وطاعته لربه وبعده عن معصيته. يقول الله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى (١٤) وذكر اسم ربه فصلى﴾ قد أفلح وفاز من تزكى وتطهر من الشرك ورواجس الشرك. وزكى نفسه أيضا بإلزامها بالطاعات والقربات. وزكى نفسه أيضا ونماها بذكره لأسماء الله فلما فعل هذا وهذا صلى الله الفرائض وصلى الله النوافل. فقوله تعالى: ﴿فصلى﴾ تشمل كل أنواع الصلوات من فرائض ونوافل ورتب ذلك على ذكر الإنسان لربه لأن الذكر إذا تشبعت به النفس، وخالطت بشاشته القلب أثمر هذه الثمرة المباركة. وهي الإقبال على الطاعات التي من أهمها الصلوات فرضا ونفلا. أما الأمر الثاني فهو تحديد طبيعة الأنس، وبيان السنة الكونية في إقبال الناس

стр. 530

على الدنيا أكثر من إقبالهم على الآخرة وأكثر من إقبالهم على العمل للآخرة. يقول الله تعالى في هذا ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى﴾ بل تقدمون الأعمال التي تكسبكم مالا ونفعا دنيويا عاجلا وجاها ووجاهة ومناصب في الدنيا تقدمون هذا وتؤثرونه وتولونه جل اهتمامكم وتبذلون فيه معظم سعيكم وجهدكم، وتهملون العمل لما ينفعكم في الآخرة من الأعمال الصالحات وترك المنكرات هذه هي طبيعة الناس. والواقع يصدق هذا، وكلام الله حق وصدق ولا يحتاج إلى برهان ليدل على صدقه فواقع الناس هو على وفق ما قال الله ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى﴾. فإذا نظرنا في واقع الناس وجدنا أكثرهم كافرا. ويقول الله جل شأنه ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ (١) ثم إذا نظرت في واقع المؤمنين وجدت أن الإنحراف قد دخل على الكثير منهم وخاصة في عهدنا، ولا ندري ماذا سيكون بعد عهدنا. ربما يكون انحرافهم أشد وأخبث. المقصود أن فيمن يؤمن بالله واليوم الآخر انحراف عن طاعة الله، وتقصير في أداء الواجبات من الصلوات والزكاة وغيرها من أنواع القربات وفيهم جرأة على معاصى الله، والتشبه بأعداء الله وبمن غضب الله عليه ولعنه، في ملبسهم ومطعمهم ومشربهم وغير ذلك من أمورهم، وتفكيرهم وأخلاقهم وأعمالهم، وفى المسلمين كذلك من يعرض عن هدي النبي ﷺ وشرعه في كثير من التصرفات والسلوكيات والأخلاقيات اليومية. فالأسماء إسلامية، والسلوكية بعيدة عن الإسلام وهذا مصداق لقول الله جل شأنه ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا﴾ ثم حث الله جل شأنه على العمل للآخرة فقال ﴿والآخرة خير وأبقى﴾ فالواجب على المسلمين أن يجهدوا أنفسهم في العمل للآخرة. إذ خيرات الدنيا ومتعها قليلة إلى جانب ما في الآخرة من النعيم المقيم.
следующие страницы →