← Фатава

Фатава · id 8613

فتاوى ورسائل الشيخ عبد الرزاق عفيفي

عبد الرزاق عفيفي

Полный текст (618 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

- أ - تقديم الشيخ محمد عيد العباسي الحمد لله الذي هدى عباده لطريق الرشاد وأنقذهم بدينه من تيه الضلال والفساد، والصلاة والسلام على خير من نطق بالضاد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه أولي الفضل والسداد. أما بعد فإن من فضل الله على المسلمين أن حفظ لهم الذكر، وأبقى فيهم في كل عصر ومصر علماء مصلحين يذبون عن الدين، ويدفعون بالحجج النيرات والبراهين الساطعات عن حماه عدوان الحاقدين، وسهام الشانئين، مصداقا لقوله صلوات الله وسلامه عليه: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» (١). - ومن هؤلاء العلماء الأعلام في زماننا الحاضر العلامة الشهير والداعية الكبير الشيخ عبد الرزاق عفيفي - رحمه الله تعالى - الذي توفي من نحو سنتين، فقد كان له جهود مشكورة في تعليم الناس أحكام دينهم، والجواب على ما يرد إليه من الأسئلة، والرد على ما يبلغه من الشبهات التي يثيرها ذوو الأغراض الخبيثة والمقاصد المشبوهة. - ومن آثاره الطيبة الحميدة ما يتضمنه هذا السفر النفيس الموسوم بـ «فتاوى ورسائل» والذي عرض فيه كثيرا من قضايا التوحيد، في مقدمة القسم الثاني من خلال رسالة علم التوحيد، وتحدث عن سبع مسائل في التوحيد، ثم تحدث في _________ (١) قال المباركفوري في مقدمة شرح الترمذي (١/ ١٤): قال القسطلاني وهذا الحديث رواه من الصحابة علي، وابن عمر، وابن عمرو، وابن مسعود، وابن عباس، وجابر بن سمرة، ومعاذ، وأبو هريرة ﵃، وأورده ابن عدي من طرق كثيرة كلها ضعيفة كما صرح به الدارقطني، وأبونعيم، وابن عبد البر، لكن يمكن أن يتقوى بتعدد الطرق ويكون حسنا كما جزم بذلك ابن كيكلدي العلائي.

стр. 2

- ب - الرسالة ومباحثها، ووجوب الإيمان بالبعث والنشور، وبيان شبهتهم في إنكار يوم القيامة، ثم تحدث عن الحكم بغير ما أنزل الله في رسالة نفيسة، كما تحدث عن الجنة والنار أنهما مخلوقتان موجودتان الآن باقيتان لا تفنيان، ورد على الشبهات والتشكيكات التي يوسوس بها أعداء الإسلام حول هذه القضايا، لكن يفتنوا بعض الشباب المثقف وغيرهم عن دينهم، ويزينون لهم القبيح من الرأي، والسيء من العمل، فتعرض ﵀ لهذه الشبهات واحدة واحدة فرد عليها ردا علميا مفحما دحض به شبهاتهم، وأبطل استدلالاتهم وأبان وجه الحق المنير وجلاه وجعله قرة عين للناظرين، ثم بعد ذلك تعرض لقضية محبة أصحاب الرسول ﷺ … ، ويوجد بالكتاب رسائل كثيرة في الفقه وفتاويه، وكذلك مباحث في القرآن وتفسيره، والحديث النبوي، والحجاب واللباس والتصوير، وأخيرا البدع وأحوال العالم الإسلامي، والكتاب مهم لأنه يوجد به فتاوى وآراء لهذا العالم المحقق المدقق الثقة الذي أدعو الله أن يغفر له ويرحمه ويجعله في عليين ﴿مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾ (١). - وقد تطوع الأخ الفاضل السعيد بن صابر عبده لنشر آثار الشيخ، وشمر عن ساعد الجد، مبتغيا بذلك إن شاء الله خدمة هذا الدين ونشر علومه، والدفاع عنه، وأداء شيء من حق الشيخ الجليل، فقام بجمع المادة العلمية التي بداخل الكتاب وأعدها للطبع، ورغب إلي أن أقوم بمراجعتها وإبداء الملاحظات على العمل الذي قام به، فقمت بذلك، ثم كان من توفيق الله وتيسيره أن الأخ الفاضل وليد إدريس هو من تلامذة الشيخ الفقيد ومن ملازميه في الفترة الأخيرة من حياته، قام بكتابه ترجمة إضافية للشيخ سجل فيها ذكرياته عنه، وكثيرا من أخباره، ونقل طائفة طيبة من أقوال العلماء والفضلاء وطلاب العلم وتلامذته في الثناء عليه ورواية بعض أخباره وشمائله. _________ (١) سورة النساء، الآية: ٦٩.

стр. 3

- ت - وبالإضافة إلى ذلك فقد سجل الأخ وليد مجموعة من الفتاوى والأجوبة التي أجاب فيها الشيخ عن أسئلة وردت إليه، مما خصه بها أو اطلع عليها ولم تنشر، فضمها إلى مجموع الفتاوى التي بداخل الكتاب. وقد اتفق رأي الأخوين الكريمين الأخ السعيد، والأخ الوليد على أن يضما عملهما بعضه إلى بعض ويصدرا ما جمعاه وكتباه في هذا الكتاب القيم، وأن يخصص القسم الأول لما كتبه الأخ وليد من ترجمة الشيخ وأما ما جمعه من فتاوى، فضم إلى مجموع فتاوى ورسائل التي أعدها الأخ/ السعيد من أجل ترتيبها كما قام الأخ السعيد بالتعليق على الكتاب كله وتخريج آياته وأحاديثه. ومن الجدير بالذكر أن الشيخ عبد الرزاق عفيفي - رحمه الله تعالى رحمة واسعة - كان على قدم راسخة في أنواع العلوم الشرعية من العقائد، والفرق، والفقه، والأصول، والتفسير، والحديث، والآثار، والعلوم العربية وأنواعها، بالإضافة إلى الاطلاع الواسع على واقع المسلمين وواقع العالم المعاصر، كما أوتي ذكاء وقادا وذاكرة قوية، وفهما ثاقبا ساعده على التحقيق في الأمور المعضلة، والفصل في الأمور المشكلة، فلم يكن جماعا للمعرفة فقط، وإنما محققا كقللة من العلماء الذين كانوا يخوضون في لجج العلم، ويستخرجون منها كنوز الفوائد ونفيس الفرائد. كما يحسن أن نشير في هذه المقدمة إلى الشيخ العفيفي طيب الله ثراه كان - مثل إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀ يرى كراهية التأليف، ويرى أنه يكفي المسلمين اليوم العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فحسب فينهلوا منهما، ويستضيئوا بهداهما، ويستعينوا على فهمهما بما كتبه علماء السلف في ذلك، ويرى أن ما كتبه السلف كاف وواف، وأن ما يكتبه المعاصرون إنما هو إعادة له أو تشويه لجماله، وأكثره غثاء لا طائل تحته. وبناء على ذلك أقول: إن ما نقدمه في هذا الكتاب - على جودته وحسنه - لا يمثل ما كان عليه الشيخ من العلم الغزير، والثقافة الواسعة، والتحقيق المتين،

стр. 4

- ث - وبسببه ما قدمته من رأيه في التأليف، ولذلك فهو مقتصد فيه إلى حد كبير، بل إنه كان لا يسمح بالكتابة عنه. ولو كان يسجل كل ما يعلمه لأتى بالعجب العجاب ولما وسعته عشرات المجلدات. وها نحن نقدم للقارئ الكريم هذا الأثر النفيس لفقيدنا الغالي راجين أن يجد فيه ما يقوي ثقته بدينه، وما يتسلح به لرد عدوان المشككين، والمتحاملين على سنة خير المرسلين عليه أزكى الصلاة والتسليم، وما يعرفه بجهود العلماء سلفا وخلفا وأقدارهم. - رحم الله الشيخ الجليل وجزى الله خيرا كل من دعا إلى الحق، ودافع عنه ونشره، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الرياض في: ٢٣/ ٤ / ١٤١٧ هـ وكتبه محمد عيد العباسي

стр. 5

المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ [النساء: ١]. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. وبعد: فقد اشتدت الحاجة في وقتنا الحاضر إلى تيسير العلم، وتعريف الناس بالأحكام الشرعية، وتقريبها لهم، ليعبدوا الله مخلصين له الدين، وفق ما شرعه الله ورسوله ﷺ . وحسب العلم فضلا أن مجالسه تحفها ملائكة الله، وتنزل عليها السكينة، وتغشاها الرحمة، ويذكرها الله في الملأ الأعلى. يقول عمر بن الخطاب ﵁ أيها الناس عليكم بطلب العلم، فإن الله رداء محبة، فمن طلب بابا من العلم رداه الله بردائه ذاك (١). وقال ابن مسعود ﵁: نعم المجلس تنشر فيه الحكمة، وترجى _________ (١) جامع بيان العلم وفضله ص ٥٩.

стр. 6

فيه الرحمة (١). يعني مجلس العلم. وقال معاذ بن جبل ﵁: تعلموا العلم فإن تعلمه الله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربه، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، والدليل على الدين، والنصير على السراء والضراء، والوزير عند الأخلاء، والقريب عند القرباء، ومنار سبيل الجنة، يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة سادة وأئمة يقتفى أثارهم، ويقتدى بهم،، أدلة في الخير تقتفي آثارهم، وترمق أفعالهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنتها تمسحهم، لهم كل رطب ويابس ليستغفر لهم، حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، والسماء ونجومها … إلى أن قال: به يطاع الله وبه يعبد، وبه يوحد، وبه يمجد، وبه يتورع، وبه توصل الأرحام وبه يعرف الحلال والحرام، وهو إمام والعمل تابعه، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء. (٢) وإنه مما يعلمه المسلم العاقل أن أفضل وأصح الطرق الموصلة للصلاح والفلاح والنجاة في الدنيا والآخرة، هو الحرص على العلم النافع الذي يقول عنه الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -: حياة القلوب ونورها ومتى فاتها شقيت في الدارين الدنيا والآخرة. أخي القارئ: العلماء هم نبراس الحياة بين الناس وامتداد لحبل الله بين عباد الله على مر الزمان. وانطلاقا من هذا المفهوم كان حرصنا على نشر العلم النافع فمن الله علينا _________ (١) جامع بيان العلم وفضله ص ٥٠. (٢) نقلا من كتاب: [مكانة العلم والعلماء في الإسلام] للأستاذ الدكتور سيد محمد ساداتي الشنقيطي [تحت الطبع].

стр. 7

بمجموعة علمية فريدة لعالم من علماء الأمة المعاصرين، رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جنانه، وترك خلفه ثروة علمية تدل على سعة علمه، ودقة نظره وشمول معارفه، إنه سماحة الشيخ المحقق العلامة المدقق عبد الرزاق عفيفي الأثري السلفي [المصري نزيل الرياض] عضو هيئة كبار العلماء، ونائب رئيس اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية، الذي وهب حياته لبيان الحق للناس وإفادة طلاب العلم بل والعلماء، فهو لا يخفى على من له صلة بالعلم والعلماء .. أنه كان على قدم راسخة في أنواع العلوم الشرعية من العقائد، والفقه، والأصول، والتفسير، والحديث، والآثار، والعلوم العربية وأنواعها، بالإضافة إلى الاطلاع الواسع على واقع المسلمين وواقع العالم المعاصر، كما أوتي ذكاء وقادا وذاكرة قوية، وفهما ثاقبا ساعده على التحقيق في الأمور المعضلة، والفصل في الأمور المشكلة، فلم يكن جماعا للمعرفة فقط، وإنما كان محققا كالقلة من العلماء الذين كانوا يخوضون في لحج العلم، ويستخرجون منها كنوز الفوائد ونفيس الفرائد. ويكفي ما وصفه به شيخنا العلامة الألباني حفظه الله تعالى بأنه: [من أفاضل العلماء، ومن القلائل الذي نرى منهم سمت أهل العلم وأدبهم، ولطفهم، وأناتهم وفقههم] (١). ولما كان باب الإفتاء من أعظم المسائل، وأخطرها على الناس أجمعين رأينا نشر هذا المجموع الذي هو أثر من آثار هذا العلامة ﵀ فهو مجموعة من الرسائل والفتاوى المتنوعة والتي أجاب عنها الشيخ بأسلوب يتدفق حيوية مستدلا بالقرآن والسنة، وإجماع الأمة، برفق الداعية، وعلم المفتي، ليهتدي بها الحائرون الذين كثيرا ما تخبطوا في ظلمات الجهل بسبب من أفتوا بدون دليل، ولا حق من التنزيل، فضلوا وأضلوا، ولو قالوا: لا أدري لأصابوا. _________ (١) مجلة الأصالة، العددان الثالث عشر والرابع عشر.

стр. 8

وأسأل الله أن يكثر في الأمة الإسلامية أمثاله، ويخلفها خيرا منه، فإنه كما هو معروف أن موت العالم ثلمة لا تسد، وكما ذكر النبي ﷺ في حديثه: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (١). فلله در أقوام، أعظم الله لهم الثواب، وطابت الدنيا بذكراهم بعد الممات، أحياء غير أموات. علما بأني جمعت هذا المجموع من أماكن متفرقة، ومواضع متباعدة، فمن بين رسالة مطبوعة، وفتوى مخطوطة، ومقالة مسطورة في مجلة من المجلات، وبين شريط مسموع لجلسة من الجلسات أو محاضرة من المحاضرات، وغير ذلك من المصادر المتنوعة التي يسرها الله لي. بالإضافة إلى مجموعة الفتاوى التي دونها الأخ وليد بن أدريس من جلسات الشيخ بمنزله، وعندما كنت أعمل بالجمع والترتيب علمت من الأخ وليد أنه يكتب ترجمة مفصلة للشيخ رحمه الله تعالى، وأن لديه مجموعة من فتاوى الشيخ التي أجاب عنها في منزله. فطلبت منه أن يصدر هذا المجموع بما كتبه من ترجمة حتى لا يكرر العمل، وتضاف الفتاوى التي كتبها من إملاء الشيخ إلى المجموع الذي جمعته من الرسائل والفتاوى وترتب ترتيبا فقهيا حتى يستفيد منها الناس فرحب بذلك جزاه الله خيرا. وكان عملي في هذه الطبعة كالاتي: ١ - قرأت المادة العلمية المجموعة، واستبعدت المكرر منها واصلاح ما وقع _________ (١) أخرجه البخاري (١٠٠)، ومسلم (٢٦٧٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.

стр. 9

في المطبوع منها سابقا من أخطاء، وهذا مما تمتاز به هذه الطبعة، بالإضافة إلى الزيادات الجديدة والكثيرة من المباحث والفتاوى. ولابد من الإشارة هنا إلى أن بعض أعمال سماحة الشيخ ﵀ قد طبع ولكن تحت مسميات مختلفة. ٢ - قمت بتخريج الأحاديث الواردة في هذا الكتاب، واكتفيت بالعزو إلى الصحيحين، أو أحدهما إن لم يكن فيهما جميعا، وما لم يكن في أحدهما اجتهدت في تخريجه من بقية كتب السنة مع ذكر أقوال الأئمة الحفاظ. ٣ - رتبت المادة العلمية التي تجمعت لدي على الأبواب الفقهية. وقد راعيت في هذا الترتيب البدء بالأبحاث، أو المباحث التي وقفت عليها للشيخ عبد الرزاق رحمه الله تعالى، ذات الصلة بالباب، ثم بعد ذلك أتبعتها بالفتاوى والاستفسارات التي تخصه. وعلى هذا فالباب له بداية ونهاية. والبداية هي الأبحاث أو المباحث، والنهاية هي الفتاوى. إلا في حالة نادرة اقتضتها علاقة الفتوى بجزء من الباب مما يساعد على فهم إجابات الشيخ. ٤ - وضعت بعض العناوين للفقرات التي تضمنتها بعض المباحث حتى يسهل على القاريء الوصول إلى مبتغاه بأسهل طريق، وفي أسرع وقت، وبأقل جهد. ٥ - وضعت فهرس إجمالي للموضوعات والمباحث والأبواب الرئيسة في الكتاب. ٦ - وضعت فهرسا تفصيليا لجزئيات الكتاب وفتاويه. وقد قسمت الكتاب إلى قسمين:

стр. 10

١ - القسم الأول: سيرة الشيخ رحمه الله تعالى و [هي من إعداد الأخ الفاضل وليد ادريس] ٢ - القسم الثاني: الرسائل والفتاوى ويشتمل على عشرة فصول وكل فصل يحتوي على مباحث. أولا: رسائل ومباحث العقيدة - علم التوحيد - مسائل علم التوحيد - الرسالة ومباحثها - منهج الرسل في الدعوة إلى الله - الإيمان بالبعث - مبحث في وجود الجنة والنار الآن وبقائهما أبدا - مبحث في العرش والكرسي وإثبات صفة العلو لله - رسالة في الحكم بغير ما أنزل الله - رسالة في الدفاع عن السنة ورد شبهات المغرضين - وجوب تقديم النص على العقل عند التعارض - وجوب التزام عقيدة السلف - وجوب محبة أصحاب رسول الله ﷺ والرد على مبغضيهم - التعريف بأهل السنة (أ)، (ب) - الفرق التي شذت عن أهل السنة - الخوارج وما تشعب منها - الشيعة وما تشعب منها - فتاوى العقيدة

стр. 11

ثانيا: مباحث الفقه وفتاويه - فتاوى الطهارة - فتاوى الآذان - فتاوى الصلاة - فتاوى الصيام - فتاوى الاعتكاف - فتاوى الزكاة - مباحث الحج - فتاوى الحج - مباحث البيوع (بحث في الربا) - فتاوى البيوع - فتاوى النكاح والرضاع - فتاوى الطلاق ثالثا: مباحث في القرآن - القرآن وكيف نقل إلينا - نقله متواترا حفظا - نقله متواترا خطا وكتابة - جمع القرآن في عهد أبي بكر - نسخ المصاحف في عهد عثمان - فضل كلام الله وفضل تلاوته - التكبير عقب قصار المفصل - الاجتماع والدعاء عند ختم القرآن - حكم القراءة بالأحرف السبعة

стр. 12

رابعا: أبواب التفسير - تفسير الفاتحة - تفسير سورة المائدة - الكلام على مقاصد سورة الأنبياء - تفسير سورة الانفطار - آيات من سورة الأعلى - تفسير مختصر لسورة الكوثر - فتاوى التفسير خامسا: الحديث النبوي - حديث الحلال بين والحرام بين - حديث المسلم من سلم المسلمون - دعاء الكرب سادسا: فتاوى الحجاب واللباس والتصوير سابعا: مباحث الدعوة والعلم - الطريقة المثلى في الدعوة إلى الله [١، ٢، ٣، ٤] - الدعوة إلى العلم والعمل - ذم الغرور الفكري - فتاوى الباب ثامنا: ذم البدع تاسعا: فتاوى متفرقة عاشرا: نظرة إلى واقع المسلمين وإني لأرجو من طلاب العلم الناصحين، والتمس النصيحة بملحوظة أو

стр. 13

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة بقلم أبي خالد وليد بن إدريس الحمد لله الذي جعل في كل زمان بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى وينهونه عن الردى، وينفون بسنة رسوله ﷺ الجهالة والردى. فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه! فما أحسن آثارهم على الناس وما أقبح آثار الناس عليهم! (١). والصلاة والسلام على إمام العلماء وقدوتهم القائل: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء» (٢). أما بعد: فما أعظم فجيعة العالم الإسلامي يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة وأربعمائة وألف للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم. وما أفدح خسارته يومئذ! وهو اليوم الذي قبضت فيه روح الإمام العلامة الفقيه الأصولي المفسر النحوي البارع في جميع العلوم الزاهد الورع الشيخ أبي أحمد عبد الرزاق بن عفيفي بن عطية النوبي الشنشوري المالكي الأزهري السلفي عن اثنين وتسعين عاما قضى شطرها بمصر وشطرها بنجد ينشر العلم ويفتي المسلمين ويدعو إلى الله تعالى في البلدين كليهما ويخرج على يديه أكابر العلماء يواصلون مسيرته في الدعوة إلى الله على بصيرة. وقد كان ﵀ شديد الغيرة على عقيدة السلف الصالح حريصا على _________ (١) هذه الافتتاحية مقتبسة من رسالة السنة للإمام أحمد التي أرسلها إلى مسدد بن مسرهد ونص الرسالة بترجمته في طبقات الحنابلة لأبي يعلى. (٢) رواه البخاري (١٠٠)، ومسلم (٢٦٧٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.

стр. 14

نشرها بكل سبيل والدفاع عنها بكل سلاح، ويزين ذلك كله بتواضعه الجم وزهده في حطام الدنيا وسخائه بما في يده. لذلك عظم المصاب به ولله در شيخنا العلامة صالح بن فوزان- وهو أحد تلاميذ المترجم- حيث يقول: «إن شيخنا الشيخ عبد الرزاق عفيفي يرحمه الله شخصية علمية فذة، فهو شيخ المدرسين وقدوة العلماء السلفيين في هذا الوقت، فله الفضل بعد الله على كل متعلمي هذا الجيل ممن تخرجوا في الدراسات الشرعية في التفسير والحديث والعقيدة والأصول … إلى أن يقول: … والآن وقد لقى ربه من ذا سيسد ثلمته؟ سيذكرني قومي إذا جد جدهم … وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر» (١). وقد كنت وأنا بالأسكندرية قبل قدومي إلى المملكة أسمع الثناء العطر على الشيخ عبد الرزاق ﵀ من تلاميذه هناك خاصة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن على البرماوي ﵀، الذي كان لا يفتأ يحدثني عن جهاد الشيخ عبد الرزاق في نشر السنة والعقيدة السلفية بالأسكندرية مدة مقامه بها، وكيف أنه كان يذهب إلى مساجد الصوفية يأمرهم بالتوحيد واتباع السنة وينهاهم عن الشرك والبدع مما جعله لا يسلم من أذاهم حتى وصل الأمر إلى أن رفعوا شكاوى ضده إلى المحاكم. ثم إني عندما عزمت على القدوم إلى المملكة أرسل معي الشيخ البرماوي ﵀ رسالة إلى الشيخ عبد الرزاق، وأعطيته الرسالة، وكان ذلك في شهر جمادى الأولى سنة ١٤١٠ هـ، قرأها متهلل الوجه ثم طفق يسألني عن أحوال الشيخ البرماوي وأحوال الدعوة بالأسكندرية وأظهر لي من الحفاوة والإكرام ما يليق به - وإن لم أكن له بأهل- ثم رد إلى الرسالة ولازلت محتفظا بها، ثم إن _________ (١) من مقالة للشيخ صالح بن فوزان.

стр. 15

الشيخ عبد الرزاق ألح علي أن أتغدى عنده، وكان معي أحد إخواني فقال: أنت وصاحبك، فقلت له: إني راجع متأخرا من الدوام، والمسافة بعيدة فقال: ولو! سوف أنتظركما، فلما كان من الغد قدمنا على الشيخ فإذا به قد فتح باب منزله وجلس على كرسي قريبا من الباب، والطعام بالداخل معد على المائدة، فقابلنا بالترحيب كعادته، ولم تخل جلسة الطعام من فائدة علمية، وذلك أن الشيخ ناول كلا منا طبقا ليغرف فيه وغرف الشيخ لنفسه طبقا ثالثا، فسألته هل يحصل فضل الاجتماع على الطعام الوارد في قوله ﷺ : (خير الطعام ما تكاثرت عليه الأيدى) (١). وإن لم يكن الاجتماع على نفس الإناء. فأجاب قائلا: المقصود بالحديث الاجتماع على مائدة واحدة ولا يشترط الاجتماع على نفس الطبق. ثم إني طلبت من الشيخ أن يحدد لنا موعدا نزوره فيه، فحدد لنا يوم السبت بعد صلاة المغرب من كل أسبوع. فكنت أتردد على الشيخ ﵀ في هذا الموعد مع بعض إخواني يشرح لنا فيه عبارة غامضة في كتاب، أو يجيب على استفتاءاتنا، وقد طلبت من الشيخ أن أقرأ عليه في كتاب معين. فقال: الأحسن أن تقرأ أنت وحدك، وما غمض عليك أشرحه لك، فلازمت الشيخ ﵀ نحو أربع سنوات يتخللها انقطاعات بسبب سفر الشيخ ومرضه، وغير ذلك. _________ (١) لم أقف عليه بهذا اللفظ. وإنما الذي وقفت عليه ما رواه أبو يعلى في مسنده (٢٠٤٥) وفي اسناده عبد المجيد بن أبي رواد وفيه ضعف وقد وثق. وابن جريج وأبي الزبير المكي وكلاهما مدلس وقد عنعن ولفظه (إن أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي)، وقد عزاه المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ١٣٤) إلى الطبراني وأبي الشيخ. وللحديث شاهد عن وحش بن حرب مرفوعا ولفظه «اجتمعوا على طعامكم واذكروا الله عليه يبارك لكم فيه» والحديث اسناده ضعيف وقد رواه أحمد (٣/ ٥٠١) وأبو داود (٣٧٦٤). وابن ماجه (٣٢٨٦) وقد حسنه الألباني بالطريقين في السلسلة الصحيحة (٨٩٥).

стр. 16

وقد كنت حريصا على تسجيل هذه الجلسات المباركة مع الشيخ ﵀ تسجيلا صوتيا على شريط إلا أن الشيخ ﵀ رفض ذلك رفضا قاطعا ولم يأذن لنا فيه، فكنت أكتب خلفه الفتاوى المهمة فكان كثيرا ما ينهاني أيضا عن الكتابة خلفه، ويقول: لقد كان الإمام ابن حزم ينتقد الإمام ابن القاسم؛ لأنه كان يكتب كل ما يقوله الإمام مالك، وكان ينبزه بقوله هو حمار مالك يكتب كل ما يقول، إلا أن الشيخ ﵀ كان يعقب على هذه الحكاية بقوله: كان ابن حزم بذي اللسان يقع في العلماء. وبالرغم من هذا فإني كنت أكتب خلف الشيخ أحيانا كثيرة حتى تجمعت لدى مجموعة كبيرة من فتاوى الشيخ الخاصة، والشيخ ﵀ كان يتميز بدقة العبارة والتأني في الإجابة بحيث إن إجابته كانت إجابة من يملي إملاء مما يسهل على من يرغب في الكتابة خلفه أن يكتب بيسر مع المحافظة على عبارة الشيخ غالبا. وبعد وفاة الشيخ عبد الرزاق ﵀ ترجم له جماعة من تلاميذه تراجم موجزة في هيئة مقالات، في الصحف، والمجلات، أو محاضرات ألقوها، أو تراجم خاصة أرسلوها إلى ولده الأستاذ محمود - حفظه الله - الذي أعطاني نسخة منها، بالإضافة إلى عدد من الحكايات التي سمعتها مشافهة من الشيخ عبد الرزاق نفسه ومن بعض تلاميذه. فرأيت أنه من الوفاء للشيخ ﵀ والعرفان لجميله أن أجمع شتات ذلك في كتاب واحد بعد ترتيبه وتهذيبه، فاستخرت الله تعالى وشرعت في هذا العمل؛ إذ لم يشكر الله من لا يشكر الناس، وأولى الناس بالشكر هم الأنبياء وورثتهم من علماء الأمة، فلهم منة قد طوقوا بها رقاب الخلق، ومما شجعني على مواصلة هذا العمل، رغبة الأخ السعيد بن صابر بن عبده الذي أخذ على عاتقه نشر تراث الشيخ ﵀.

стр. 17

ومما شجعني على ذلك أيضا أني وجدت كثيرا من الفضلاء قد أملوا هذا الأمل واستنشدوا من كان لديه شيء من تراث الشيخ أن ينشره لتعم به الفائدة. فمن ذلك ما قاله الشيخ الدكتور محمد لطفي الصباغ في آخر ترجمته الخطية للشيخ عبد الرزاق: إن حياة شيخنا المباركة تستحق أن تكتب فيها مؤلفات، ولست أدعي أن هذه الكلمة قد وفت فقيدنا العظيم حقه من الترجمة، ولكنها كلمة وفاء وعرفان بالجميل، ﵀ وغفر له، وأحسن جزاءه. ومن ذلك أيضا: ما قاله الشيخ يوسف المطلق لمجلة الدعوة [العدد ١٤٥٨] قال - حفظه الله -: «وإننا نرجو أن تنشر فتاويه الخاصة في سجل يستفاد منه زيادة على فتاوى مشايخنا، وعلمائنا، وعلى رأسهم سماحة عالم الأمة الشيخ عبد العزيز بن باز و ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾» ا هـ. ومن ذلك أيضا: ما قاله الأستاذ محمد عبد الله الشريف عضو مجلس الشورى في جريدة الرياض الصادرة يوم ١/¬٤/¬١٤١٥ هـ: «إن من حق الشيخ عبد الرزاق عفيفي على طلبته الذين تتلمذوا على يديه ونهلوا من معرفته وعلمه، أن يقوموا بجمع تراثه العلمي، ومؤلفاته، ورسائله، وفتاويه، وسيرته، وينقحوها ويطبعوها ليستفيد منها كل طالب علم لأنه ﵀ كان يتصف حتى بالزهد في طباعة المؤلفات» ا. هـ. وتحقيقا لبعض ما رغب فيه هؤلاء الأفاضل، شرعت في هذا العمل مستعينا بالله تعالى على إتمامه، وعلى أن يخرج بالصورة اللائقة بالمترجم. وقد قسمت هذا الكتاب إلى قسمين:

стр. 18

أ - قسم للترجمة، جعلته مرتبا على فصول كما ستجده - إن شاء الله -. ب - وقسم للفتاوى الخاصة وقد طبع بمفرده في الطبعة الماضية. أما في هذه الطبعة فسوف يطبع ضمن مجموع الرسائل والفتاوى التي جمعها الأخ السعيد لكي يرتب الكتاب ترتيبا علميا. والجدير بالذكر أنى لم أذكر في قسم الفتاوى إلا ما سمعته من الشيخ - رحمه الله تعالى - بأذني، وكتبته عنه بقلمي، ولم أكتب فيه شيئا لم أسمعه بنفسي من فم الشيخ عبد الرزاق عليه سحائب الرحمة. وقد أوردت عقب هذه المقدمة، صورة ورقة بخط المترجم ﵀ يوصي فيها بقبول شهادة العبد الفقير كاتب هذه السطور لتحصل الثقة - إن شاء الله - فيما أرويه عن الشيخ من الفتاوى. وأختم هذه المقدمة بنداء أوجهه إلى طلبة العلم في هذا العصر الذي ابتلينا فيه بظاهرة غريبة، لا نظير له في أي عصر من العصور السابقة وهي إهمال الترجمة، والتأريخ للمعاصرين، ولمشايخهم إهمالا عجيبا رغم أن أسلافنا قد دأبوا على تصنيف تواريخ خاصة بكل بلد على حدة كتاريخ دمشق، وتاريخ بغداد، وتاريخ نيسابور ونحوها، وتواريخ عامة للقرون كخلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، وسلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، وطبقات للحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والقراء، والنحاة مما يطول ذكره. ثم يجئ من بعدهم فيذيل على تواريخهم وطبقاتهم، لكنه من المؤسف الآن أنك ترى مئات من الأعلام في أنحاء العالم الإسلامي تقبض أرواحهم هذا مقرئ، وهذا محدث، وهذا نحوي، وهذا زاهد عابد، فتموت معهم أخبارهم، ولا يجدون من تلاميذهم، ومحبيهم من يتصدى لنشر فضائلهم حتى إن المرء. ومن جرب عرف - يعاني الأمرين حين يبحث - في الأسانيد المتأخرة وتلاميذه ولو أن كل طالب علم ذكر ما يعرفه عن أحوال مشايخه لتجمع من ذلك ما يكمل بعضه بعضا وتتم به الفائدة.

стр. 19

فإن قال القائل: ما فائدة التراجم، والتعرف على سير الرجال؟ قلت: لها فوائد كثيرة، منها: ١ - حصول الثقة لدى من يأتي بعدهم في علومهم ومؤلفاتهم وفتاواهم. ٢ - تثبيت قلوب المؤمنين بسماع قصص أتباع الرسل كما ثبت الله تعالى رسوله بأن قص عليه من قصص الرسل، قال تعالى: ﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾ (١). ٣ - الاقتداء بهم والسير على طريقهم. ٤ - الوفاء لهم وشكر إحسانهم بالتسبب في الترحم عليهم، والانتفاع بعلمهم عملا بقوله ﷺ «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (٢). وقوله ﷺ : من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٣). ٥ - التعريف باتصال الأسانيد المارة بهم، وصحتها سواء أسانيد القرآن الكريم وقراءاته، أو أسانيد الحديث النبوي، أو أسانيد غيره من العلوم والكتب. وأختم مقدمتي هذه بحمد الله تعالى، والصلاة والتسليم على رسوله الأمين وعلى آله، وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين. وكتبه أبو خالد وليد بن إدريس بن عبد العزيز بن منيسي الإسكندري الحنبلي عفا الله عنه الرياض ١٠/¬١١/¬١٤١٧ هـ _________ (١) سورة هود، الآية: ١٢٠. (٢) رواه أبوداود، والترمذي. انظر: صحيح أبي داود للشيخ الألباني، الحديث رقم ٤٠٢٦. (٣) رواه مسلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة [٦٧٤].

стр. 20

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ نشهد نحن الموقعين أدناه أن الأخ/ عبد الحميد عثمان رجل فاضل وعلى خلق، وولده بالمستشفى يحتاج إلى عملية جراحية بالعين ويحتاج إلى مساعدة مالية. ١ - وليد إدريس عبد العزيز ٢ - عادل مرسي رفاعي * * * الشاهدان المذكوران من إخواني السلفيين الثقات الصادقي اللهجة والمعروفين لديَّ بالخير، والمعروف، فأرجو أن يقبل قولهم وتحقق رغبتهم فيما شهدوا به. والله الموفق؛ ٦/ ٩ / ١٤١٠/ هـ كتبه وشهد به عبد الرزاق عفيفي

стр. 21

ترجمة سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله تعالى [١٣٢٣ هـ - ١٤١٥ هـ] الفصل الأول سيرته بمصر المرحلة الأولى: في شنشور. المرحلة الثانية: في القاهرة. المرحلة الثالثة: في شبين الكوم. المرحلة الرابعة: في الإسكندرية.

стр. 22

الفصل الأول سيرته بمصر اسمه ونسبه: هو أبو أحمد عبد الرزاق بن عفيفي بن عطية النوبي الشنشوري المالكي الأزهري السلفي. قضى الشيخ ﵀ نصف عمره تقريبا بمصر، ويمكن تقسم حياته بمصر إلى أربع مراحل: ١ - المرحلة الأولى: من مولده سنة ١٣٢٣ هـ إلى حين حصوله على الثانوية الأزهرية، وقد قضى هذه المرحلة في قريته شنشور. ٢ - المرحلة الثانية: بعد حصوله على الثانوية سافر إلى القاهرة للدراسة في الأزهر، وظل هناك حتى حصل على شهادة العالمية سنة ١٣٥١ هـ، ثم شهادة التخصص في فقه المالكية والأصول سنة ١٣٥٥ هـ، وشهادة العالمية (بكسر اللام) تعادل في وقتنا هذا (البكالوريس أو الليسانس)، وشهادة التخصص تعادل (الماجستير أو الدكتوراه). ٣ - المرحلة الثالثة: بعد حصوله على شهادة التخصص، عين مدرسا بالمعهد الأزهري بشبين الكوم سنة ١٣٥٦ هـ، وظل الشيخ مقيما بشبين الكوم بضع سنوات. ٤ - المرحلة الرابعة: انتقل الشيخ إلى الإسكندرية وعمل بها مدرسا بالمعاهد الأزهرية إلى جانب رئاسته الجماعة أنصار السنة بالأسكندرية نائبا عن الشيخ حامد الفقي الرئيس العام للجماعة، ثم تم اختياره ﵀ رئيسا عاما لجماعة أنصار السنة خلفا للشيخ حامد الفقي ﵀، وظل الشيخ عبد الرزاق بالإسكندرية يدعو إلى التوحيد، والسنة، ويحارب البدع وأهلها إلى أن قدم إلى

стр. 23

المملكة العربية السعودية في عهد الملك عبد العزيز ليواصل سيرته في الدعوة إلى الله تعالى، ونشر العلم النافع. وسوف ننقل في هذا الفصل نبذا من سيرته ﵀ بكل مرحلة من هذه المراحل عمن عاصر الشيخ فيها.

стр. 24

المرحلة الأولى في شنشور شنشور هي القرية التي ولد فيها الشيخ عبد الرزاق عفيفي بن عطية النوبي، وهي قرية تابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية بمصر. وكانت ولادته ﵀ سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وألف للهجرة، وممن ينتسب إلى شنشور من الأعلام خطيب الجامع الأزهر الشيخ عبد الله بن محمد الشنشوري شارح الرحبية، المتوفى سنة ٩٨٣ أو ٩٩٩ هـ. وأسرة الشيخ أسرة كريمة تعد من أعيان البلد، وأفاضلها تعرف بعائلة النوبي. وقد ذكر الشيخ محمد لطفي الصباغ أن الشيخ عبد الرزاق حدثه حديثا طويلا عن والده ﵀ وما كان يتحلى به والده من الصفات الكريمة. وقد درس الشيخ في قريته شنشور المرحلتين الابتدائية الأزهرية، والثانوية الأزهرية حتى نهايتها. ومن المعروف أن الدراسة في الأزهر في عهد الشيخ، كانت تنقسم إلى المرحلة الابتدائية، ثم الثانوية، ثم الجامعية. وكان يشترط للالتحاق بالأزهر في عهد الشيخ، حفظ القرآن الكريم كاملا حفظا متقنا، ثم يظل يمتحن في القرآن إلى نهاية دراسته، ويبدأ في المرحلة الابتدائية بحفظ متون متنوعة في جميع العلوم، منها: ألفية ابن مالك يبدأ في حفظها بالصف الأول الابتدائي. ثم يدرس قطر الندى، وشذور الذهب في النحو في الصفوف التالية، ثم شرح ابن عقيل، ثم الأشموني. وكانت دراسة الفقه كذلك، تتدرج مع الطالب حسب المذهب الفقهي الذي

стр. 25

يختاره، فينتقل من كتاب مختصر إلى كتاب أوسع فأوسع، وهكذا في كل العلوم فلا يكاد الطالب يتخرج من المرحلة الثانوية الأزهرية في ذلك العهد إلا وقد صار متبحرا في جميع الفنون حافظا لعدد كبير من المتون المعتمدة في كل علم. ثم توالت المؤمرات على الأزهر بدعوى تيسير المناهج، وإدخال العلوم الدنيوية على حساب العلوم الشرعية حتى صار المستوى إلى ما هو عليه الآن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 26

المرحلة الثانية في القاهرة انتقل الشيخ ﵀ بعد إتمامه المرحلة الثانوية إلى القاهرة للدراسة بالقسم العالي بالأزهر. وممن التقى به من العلماء في هذه الفترة العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر، والشيخ حامد الفقي، وغيرهما. وذكر الشيخ عبد الله بن جبرين - حفظه الله (١) - أن الشيخ عبد الرزاق أدرك الشيخ محمد عبده، والشيخ محمد رشيد رضا. قلت: أما محمد عبده. فلم يدركه الشيخ عبد الرزاق قطعا حيث توفي محمد عبده في السنة التي ولد فيها الشيخ عبد الرزاق سنة ١٣٢٣ هـ (٢). وأما الشيخ رشيد رضا فتوفي ١٣٥٤ هـ، وكان عمر الشيخ عبد الرزاق وقتها إحدى وثلاثين سنة، وكانا مقيمين بالقاهرة. والله أعلم. هذا، وقد حدثني الشيخ عبد الرزاق ﵀ عن شيخه الشيخ عبد المجيد الشرنوبي (٣) وقال لي: هو صاحب أخصر شرح على ألفية ابن مالك، _________ (١) في مجلة الدعوة، العدد ١٤٦١ تاريخ ١/¬٥/¬١٤١٥. (٢) الأعلام للزركلي، ج ٦، ص ٢٥٢. (٣) هو عبد المجيد الشرنوبي المالكي الأزهري المصري أبو محمد، ولد في شرنوب التابعة لدمنهور، وأخذ عن إبراهيم السقا، ومحمد عليش، وحسن العدوي، وعبد الرحمن الشربيني، والشمس الإمبابي. من مؤلفاته: إرشاد السالك إلى ألفية ابن مالك، وشرح العشماوية في فقه المالكية، وشرح رسالة ابن أبي يزيد القيرواني. توفى ﵀ سنة ١٣٤٨ هـ. له ترجمة في: شجرة النور الزكية، والأعلام الشرقية لزكي مجاهد ص ٣٤٥، جـ ٢، والأعلام جص ٤ ص ١٤٩.

стр. 27

وأنه من أساتذته الذين استفاد من علمهم أثناء دراسته بالأزهر. ومما حدثنيه الشيخ عبد الرزاق عن فترة دراسته في القاهرة، أنه كان طالبا في القاهرة أيام الحرب العالمية الأولى، فكان الطلبة يهجمون على محلات الصاغة اليهود بالقاهرة، وكان اليهود في هذا الوقت أذلاء ما يجرؤ أحدهم على الجلوس أمام محله بل يهربون إلى بيوتهم، ويغلقون الأبواب عليهم، وكان هذا في عهد الملك فؤاد واستمر كذلك إلى عهد فاروق. قال الشيخ عبد الرزاق ﵀: كان اليهود أسيادا ماديا لكنهم أراذل أخلاقيا يمكنون الفساق من نسائهم ليكسبوا مالا. ا. هـ. وقد ظل الشيخ بالقاهرة حتى حصل على شهادة العالمية سنة ١٣٥١ هـ ثم شهادة التخصص في فقه المالكية والأصول سنة ١٣٥٥ هـ. وإليك صورة عن هاتين الشهادتين:

стр. 28

صورة شهادة العالمية ١٣٥١ هـ

стр. 29

صورة شهادة التخصص في فقه المالكية والأصول سنة ١٣٥٥ هـ

стр. 30

المرحلة الثالثة في شبين الكوم وممن كان معاصرا للشيخ عبد الرزاق بشبين الكوم في هذه الفترة: الشيخ مناع خليل القطان الذي كان تلميذا للشيخ في معهد شبين الكوم الأزهري، وها هو يصف هذه الفترة من حياة الشيخ قائلا: عين شيخنا مدرسا بالمعهد الديني بشبين الكوم التابع للأزهر سنة ١٩٣٧ م = سنة ١٣٥٦ هـ. توثقت علاقته بمدير العهد آنذاك «الشيخ عبد الجليل» فكان موضع مشورته. قام بتدريس مادة الحديث المقررة في المرحلة الثانوية (صفوة صحيح البخاري) فكان أستاذا متميزا بترتييب الموضوع، وجودة العرض، وحسن التعليق، ورجاحة العقل، ويسجل النابهون من طلابه إضافاته العلمية على هامش الكتاب المقرر. اتفقت معه الجمعية الشرعية بشبين الكوم برئاسة الشيخ أحمد الزيات على أن يلقي درسا أسبوعا منتظما في مسجدها، فكان هذا الدرس مدرسة يجتمع فيه الجم الغفير للاستماع والنقاش والحوار. كان يغشى المساجد الأخرى من وقت لآخر لإلقاء دروس فيها: وأخذ يجول في البلاد المتعددة لأداء رسالته. وحيث كانت معظم المساجد لا تخلو من البدع، ويجهل عامة الناس مسائل العقيدة الصحيحة، فقد ركز - غفر الله له - على الجوانب العقدية والعودة إلى منابع أصولها الصافية، والتمسك بالسنة الصحيحة، وما كان عليه أمر المسلمين في القرون المشهود لها بالخير، وإذا تعذر عليه التغيير سعى إلى إقامة مسجد خاص يقوم عليه من هداهم الله ويتخذون منه منطلقا للدعوة، وله في هذا مواقف شتى.

стр. 31

المرحلة الرابعة في الإسكندرية وممن كان معاصرا للشيخ عبد الرزاق بالإسكندرية في هذه الفترة، الشيخ حسن محمد إسماعيل - من علماء الأزهر - وكان تلميذا للشيخ في المعهد الأزهري بالإسكندرية. ومما قاله في وصف سيرة الشيخ عبد الرزاق: كان يمشي في الطرقات فيجد البناء يرتفع عن الأرض فيذهب إلى صاحب البيت، ويطلب أن يشاركه في المصاريف مقابل أن يجعل الدور الأرضي في البناء مسجدا، وبهذا كان يبني في المهد دعاة، ويبني في الشارع مساجد. وكان يوم من أيام صيف عام ١٩٤٢ م = ١٣٦١ هـ مر فضيلة الشيخ برجل يبني بيتا كبيرا وفي أول دور فقال له: شيخنا بعد أن بدأه محييا مجيبا بالسلام: هل لك شريك في هذا العمل - يقصد بناء البيت -؟. فقال الرجل: هو لي وحدي ورثت الأرض عن أبي وأقوم الآن بالبناء، فرد عليه الشيخ: هل تسمح لنا بتأجير الدور الأرضي لنتخذه مسجدا على أن نعطيك ما تشاء؟ فقال الرجل - وكان كبير السن وقورا -: أن لا أمانع في ذلك أبدا، وبدون أجر البتة، بل وسأرعى هذا بنفسي. وكان الرجل يدعى الحاج عبده، وكان رجلا فاضلا، ولقد صدق الحاج فأكمل البناء، وأدخل الماء، والكهرباء، وبنى بالمسجد كل ما يلزم، وبعد إتمام بناء المسجد افتتح الشيخ المسجد بصلاة العصر، وكان هذا المسجد أقرب المساجد من ورشة أبي فسهل لي الذهاب والإياب، وبعد انتهاء صلاة العصر الأولى بالمسجد أخذ فضيلة الشيخ يعطينا التوعية اللازمة، وقص علينا قصة إسلام سلمان الفارسي وجعلها نبراسا لنا يضيء لنا الطريق. وفي هذا اليوم ختم الدرس قائلا: استمعتم إلى قصة سلمان الفارسي الذي كان صغيرا ولم يقتنع بما

стр. 32

يعبد أبواه؛ إذ كانا من المجوس يعبدون النار. فقال الشيخ: أنتم أسعد حظا من هذا، وهو غلام. وقال لنا: ولدتم على الإسلام وتربيتم على الإسلام، والآن تدرسون الإسلام، فما مدى هذه السعادة التي أعطاكم الله إياها! ألا تحسون من قولي هذا أنكم محظوظون في جميع أطوار حياتكم؟ إذا فلا بد من أن تكرسوها للدعوة إلى عبادة من وهبكم كل هذه النعم. وفي هذا الأسبوع الذي افتتح فيه المسجد، جاء من القاهرة خبر أثلج صدورنا جميعا وزاد من فرحتنا، وذلك أن اللجنة المركزية لجماعة أنصار السنة المحمدية اجتمعت في القاهرة واختارت بإجماع الأصوات فضيلة الشيخ الفاضل عبد الرزاق رئيسا لجماعة أنصار السنة المحمدية بالقطر المصري، وتوافدت الوفود على مدينة الإسكندرية تهنئ شيخنا الجليل بهذا المنصب الحبيب إلى نفوسنا جميعا، وسرنا جميعا أن هذا الاختيار قد جاء بإجماع الأصوات، وكانت الوفود القادمة من أنحاء القطر المصري تحمل الهدايا لفضيلة الشيخ الذي كان بدوره يقوم بتوزيعها على مستحقيها. ا. هـ.

стр. 33

نماذج من كتابات الشيخ عبد الرزاق أثناء إقامته بالإسكندرية وإذا كان الشيخ - يرحمه الله - من مواليد عام ١٩٠٤ م = ١٣٢٣ هـ، وقد تخرج في الأزهر الشريف، ومنح الشهادة العالمية عام ١٩٣٢ م = ١٣٥١ هـ، ثم منح شهادة التخصص في الفقه وأصوله، وعمل مدرسا بالأزهر الشريف، حتى كان العدد الأول من المجلة حيث حرر فيه مقالين يستطيع القارئ أن يلمس في الشيخ - يرحمه الله - وهو لا يزال بعد شابا في الثالثة والثلاثين من عمره، يتمتع بالنظر الثاقب، والفهم الدقيق، والأسلوب المعبر، فهذه كلمات يصف بها علماء السلف من هذه الأمة، وإني لأرجو أن تكون تلك الكلمات وصفا له. يرحمه الله تعالى -. قال - يرحمه الله -: «فالعالم منهم يجد نفسه - وقد أنعم الله بنعمة العلم، وعهد إليه أن يبلغه الناس - مضطرا إلى القيام بهذا العبء فلا يعتريه في نشر الثقافة الدينية، والمبادئ الإسلامية فتور ولا خور، ولا يقعده عن البلاغ رغبة ولا رهبة ولا خوف من سلطان، لأن القلب الذي أشرب حلاوة الإيمان يكتسب قوة روحية، وحصانة دينية، ونورا ربانيا، فلا يجد أحد إلى إغوائه سبيلا. فمهما جاهد الشيطان هذا المخلص فلن يتاح له أن يوهن عزيمته أو يمس عقيدته، وإن قلبا قد صبغ بصبغة الله وتشبع بتعاليم الإسلام حتى ملكت سويداءه، ليأبى أن يخضع لسلطة قاهر، أو يرهب بطش جبار في الجهر بكلمة الحق، بعدما خضع لسلطان ربه واشتد خوفه منه، وعلم أنه مالك قهار جبار، بيده نواصي العباد. وإن ذلك ليخلق منه سيفا مصلتا، ونارا متأججة، يقذف بها من عادى الله وبارزه بعصيان لا يخاف في الله لومة لائم. كان العلماء بذلك قوامين على الدين حفظا، ونشرا، وبلاغا، ونصيحة، وإرشادا، وكانوا خير قدوة للناس ومثلا عليا في إصابة الحق

стр. 34

وتأييده، وكشف الباطل وإزهاقه، قولا، وعملا، يقصدهم الناس، ليكشفوا لهم وجه الصواب، بما ورثوه عن نبيهم ﷺ ، فيجدوا لديهم ما يروي غليلهم، ويزيل شبهتهم، ويزيد يقينهم وإيمانهم وتعلقهم بشريعة سيد المرسلين» (١). _________ (١) نقلا عن مجلة التوحيد، وجريدة المسلمون، العدد (٥٠٣).

стр. 35

الفصل الثاني هجرته إلى المملكة العربية السعودية أ - الأعمال التي قام بها في المملكة. ب - دور الشيخ ﵀ في هيئة كبار العماء واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

стр. 36

هجرته إلى المملكة العربية السعودية قال الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري: لا أزال أذكر احتجاج الإمام أبي محمد ابن حزم في رسالته الميزان التي فاضل بها بين الأندلس والقيروان، وقد أوردها المقري كاملة في نفح الطيب، وعنون لها بالوصف لا بالاسم على أنها في فضل أهل الأندلس، ثم طبعها الدكتور المنجد عن هذا الأصل بهذا العنوان في رسالة مستقلة. وقد احتج في هذا الفصل على أن من كان من غير أهل الأندلس وقد عاش فيها ومات بها فهم (أى الأندلسيون) أولى به، وهو معدود من مفاخرهم ما دام من الأعلام الثقافية والعلمية. ومن كان أصلا من أهل الأندلس ثم استبدلها بدار أخرى عاش فيها ومات عندهم فهم أولى به. قال أبو عبد الرحمن: وعلى هذا القانون تفخر سعوديتنا بعلامتها سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي قدس الله روحه، ونور ضريحه، ولقاه ربه الروح والريحان، والرضوان، وأدخله فسيح جناته، فقد اختار الرياض بلده ومثواه في النصف الأخير من عمره المبارك، وهو النصف الناضج الملئ بالعلم والعطاء. ولم يأت الشيخ عبد الرزاق ﵀ إلى المملكة ليكون سلفيا، وليكون موظفا .. بل كان منهجه العلمي في الرياض هو منهجه العلمي بمصر قبل أن يدور بخلده أنه يأتي للسعودية، بل عندما كانت مصر أكثر خيرا وقبل أن تتدفق عندنا ينابيع الذهب الأسود. وكان نشر «العلو للعلي الغفار» (١) للحافظ الذهبي - من كتب السلف - من _________ (١) قلت: رجح شيخنا الألباني في مختصره الكتاب أن اسمه (العلو للعلي العظيم). (العباسي).

стр. 37

أوائل تحقياقته المطبوعة القليلة، وذلك عندما كان بمصر بشبين الكوم، وكان زملاؤه من أمثال الشيخ محمد عبد الوهاب بحيري، ومحمد بن راشد، وابن يابس يقصون أخباره وهو بمصر يخرج التلاميذ أكثر مما يخرج الكتب، فذكروا عنه علما وعقلا، وعفة، وسلفية. ووصلت أخباره لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم فحرص على استقدامه. وكانت السعودية مقر السلفية، وناشرة علم ابن تيمية، وزينتها الحرمان الشريفان فرغب الشيخ عبد الرزاق في السعودية لهذه الأشياء، لأنه سلفي بعقله ووجدانه. وجاء إلى السعودية على علمه وسجيته لم يجتذبه طمع في مال أو جاه أو منصب، وعلم الله نيته فانقادت له كل أسباب العز الدنيوي، وهو لم يطلبها.

стр. 38

الأعمال التي قام بها في المملكة العربية السعودية جاء في مقدمة فتاوى اللجنة الدائمة للشيخ أحمد بن عبد الرزاق الدويش في ترجمته للشيخ عبد الرزاق: «ثم ندب للعمل بالمملكة العربية السعودية للتدريس بالمعارف السعودية عام ١٣٦٨ هـ، ثم عمل مدرسا بدار التوحيد بالطائف، ثم نقل منها بعد سنتين إلى معهد عنيزة العلمي في شهر محرم عام ١٣٧٠ هـ، ثم نقل إلى الرياض في آخر شهر شوال عام ١٣٧٠ هـ للتدريس بالمعاهد العلمية التابعة لسماحة الشيخ محمد ابن إبراهيم آل الشيخ، ثم نقل للتدريس بكليتي الشريعة، واللغة العربية، ثم جعل مديرا للمعهد العالي للقضاء عام ١٣٨٥ هـ، ثم نقل إلى الرئاسة العامة لإدرات البحوث العلمية والإفتاء عام ١٣٩١ هـ، وعين بها نائبا لرئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، والإفتاء مع كونه عضوا في مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة. وقد رزقه الله المواهب المتعددة، ومن قوة الحافظة والملاحظة، وفقه النفس، وكان قد كرس جهده لطلب العلم خارج أروقة الأزهر، وعني بعلوم اللغة، والتفسير، والأصول، والعقائد، السنة، والفقه، حتى أصبح إذا تحدث في علم من هذه العلوم ظن السامع أنه تخصصه الذي شغل فيه كامل وقته. وقد كان له عناية خاصة في دراسة أحوال الفرق وهذه الأمور جعلت طلاب العلم يقصدونه في كل وقت ويسمعون منه، وانتفع بعلمه خلق كثير، وقد شارك في أعمال التوعية في مواسم الحج، وكان ﵀ يشرف على رسائل بعض الدارسين في الدراسات العليا، كما كان يشترك مع لجان مناقشة بعض الرسائل، ويلقي بعض الدروس في المساجد لطلبة العلم».

стр. 39

ويقول الشيخ محمد بن لطفي الصباغ: «ثم هاجر إلى المملكة العربية السعودية في سنة ١٣٦٨ هـ، فدرس في المعارف، ثم في دار التوحيد في الطائف، وكان الملك عبد العزيز قد استدعى شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار ليكون مديرا له، فعمل فقيدنا فيه، ثم انتقل إلى نجد فدرس في الرياض، وعنيزة، ولما أنشئت كلية الشريعة في الرياض كلف القيام بالتدريس فيها، ولما جئت للتدريس في كليتي الشريعة واللغة عام ١٣٨١ هـ - ١٣٨٢ هـ وكان لي شرف لقائه والاجتماع به، وكان من أقدر الأساتذة على نقل المعلومات إلى أذهان الطلاب، يبسط المسألة المعقدة ويوضحها، وما ذلك إلا لتمكنه من العلم؛ لأن الإنسان عندما تكون المعلومة واضحة في ذهنه يستطيع أن ينقلها بيسر إلى الآخرين مهما كانت دقيقة وصعبة. ثم أنشئ المعهد العالي للقضاء في سنة ١٣٨٥ هـ، وكان الشيخ من المخططين لمناهجه، وعين مديرا له، وقد تخرج على يديه عدد كبير من العلماء. ثم انتقل إلى دار الإفتاء عام ١٣٩١ هـ فكان عضوا في اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، ونائبا لرئيسها وبقي فيها حتى وفاته، ﵀ رحمة واسعة. وكان أيضا عضوا في هيئة كبار العلماء. وقد أشرف على عدد من الرسائل الجامعية للماجستير والدكتوراه وناقش عددا آخر منها». ويقول الشيخ مناع بن خليل القطان: «انتقل الشيخ من مصر سنة ١٣٦٨ هـ، للعمل بالمعارف السعودية، فدرس في عنيزة، وفي دار التوحيد بالطائف، وهي نواة التعليم الديني في المملكة العربية السعودية.

стр. 40

وحين عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - يرحمه الله - إلى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ بإنشاء الرئاسة العامة للكليات والمعاهد العلمية سنة ١٣٧٠ هـ، وقع اختيار سماحته على فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي ليسهم في ذلك بما عرف عنه من علم، وثاقب رأي، فقربه إليه وجعله موضوع مشورته. وما لبث الأمر طويلا حتى طلبت بأمر خاص أنا والأستاذ الهراس سنة ١٣٧٣ هـ للتدريس في هذه المؤسسة العلمية التي بارك الله فيها، وأتت أكلها الطيب - ولا تزال بحمد الله - باسم جامعة الأمام محمد بن سعود الإسلامية. وعندما توفرت الدواعي لإنشاء دراسات عليا، ورفع مستوى القضاء أنشئ المعهد العالي للقضاء سنة ١٣٨٤ هـ، وتولى الفقيد - غفر الله - إدارة المعهد، ووضع مع لجنة متخصصة مناهجه، وقام بالتدريس فيه، وأشرف على رسائل طلابه. وفي سنة ١٣٩١ هـ انتقل إلى إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وصار عضوا في هيئة كبار العلماء ونائبا لسماحة والدنا وشيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز في رئاسة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. وكان - يرحمه الله - عضوا في اللجنة التي وضعت مناهج الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة - كما كنت عضوا فيها - وسهرنا سويا الليالي المتتابعة لإنجاز هذا العمل». ويقول الشيخ زهير الشاريش: « … وانتقل إلى السعودية ضمن بعثة علمية قام بإحضارها أستاذي العلامة الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع ﵀، وبعد سنتين اختاره مفتي البلاد الشيخ محمد بن إبراهيم ليكون معه في الرئاسة العامة للمعاهد، والكليات. ثم تولى رئاسة المعهد العالي للقضاء، وبعدها انتقل إلى إدارة البحوث.
следующие страницы →