← Фатава

Фатава · id 8613

فتاوى ورسائل الشيخ عبد الرزاق عفيفي

عبد الرزاق عفيفي

Полный текст (618 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

هجرته إلى المملكة العربية السعودية قال الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري: لا أزال أذكر احتجاج الإمام أبي محمد ابن حزم في رسالته الميزان التي فاضل بها بين الأندلس والقيروان، وقد أوردها المقري كاملة في نفح الطيب، وعنون لها بالوصف لا بالاسم على أنها في فضل أهل الأندلس، ثم طبعها الدكتور المنجد عن هذا الأصل بهذا العنوان في رسالة مستقلة. وقد احتج في هذا الفصل على أن من كان من غير أهل الأندلس وقد عاش فيها ومات بها فهم (أى الأندلسيون) أولى به، وهو معدود من مفاخرهم ما دام من الأعلام الثقافية والعلمية. ومن كان أصلا من أهل الأندلس ثم استبدلها بدار أخرى عاش فيها ومات عندهم فهم أولى به. قال أبو عبد الرحمن: وعلى هذا القانون تفخر سعوديتنا بعلامتها سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي قدس الله روحه، ونور ضريحه، ولقاه ربه الروح والريحان، والرضوان، وأدخله فسيح جناته، فقد اختار الرياض بلده ومثواه في النصف الأخير من عمره المبارك، وهو النصف الناضج الملئ بالعلم والعطاء. ولم يأت الشيخ عبد الرزاق ﵀ إلى المملكة ليكون سلفيا، وليكون موظفا .. بل كان منهجه العلمي في الرياض هو منهجه العلمي بمصر قبل أن يدور بخلده أنه يأتي للسعودية، بل عندما كانت مصر أكثر خيرا وقبل أن تتدفق عندنا ينابيع الذهب الأسود. وكان نشر «العلو للعلي الغفار» (١) للحافظ الذهبي - من كتب السلف - من _________ (١) قلت: رجح شيخنا الألباني في مختصره الكتاب أن اسمه (العلو للعلي العظيم). (العباسي).

стр. 37

أوائل تحقياقته المطبوعة القليلة، وذلك عندما كان بمصر بشبين الكوم، وكان زملاؤه من أمثال الشيخ محمد عبد الوهاب بحيري، ومحمد بن راشد، وابن يابس يقصون أخباره وهو بمصر يخرج التلاميذ أكثر مما يخرج الكتب، فذكروا عنه علما وعقلا، وعفة، وسلفية. ووصلت أخباره لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم فحرص على استقدامه. وكانت السعودية مقر السلفية، وناشرة علم ابن تيمية، وزينتها الحرمان الشريفان فرغب الشيخ عبد الرزاق في السعودية لهذه الأشياء، لأنه سلفي بعقله ووجدانه. وجاء إلى السعودية على علمه وسجيته لم يجتذبه طمع في مال أو جاه أو منصب، وعلم الله نيته فانقادت له كل أسباب العز الدنيوي، وهو لم يطلبها.

стр. 38

الأعمال التي قام بها في المملكة العربية السعودية جاء في مقدمة فتاوى اللجنة الدائمة للشيخ أحمد بن عبد الرزاق الدويش في ترجمته للشيخ عبد الرزاق: «ثم ندب للعمل بالمملكة العربية السعودية للتدريس بالمعارف السعودية عام ١٣٦٨ هـ، ثم عمل مدرسا بدار التوحيد بالطائف، ثم نقل منها بعد سنتين إلى معهد عنيزة العلمي في شهر محرم عام ١٣٧٠ هـ، ثم نقل إلى الرياض في آخر شهر شوال عام ١٣٧٠ هـ للتدريس بالمعاهد العلمية التابعة لسماحة الشيخ محمد ابن إبراهيم آل الشيخ، ثم نقل للتدريس بكليتي الشريعة، واللغة العربية، ثم جعل مديرا للمعهد العالي للقضاء عام ١٣٨٥ هـ، ثم نقل إلى الرئاسة العامة لإدرات البحوث العلمية والإفتاء عام ١٣٩١ هـ، وعين بها نائبا لرئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، والإفتاء مع كونه عضوا في مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة. وقد رزقه الله المواهب المتعددة، ومن قوة الحافظة والملاحظة، وفقه النفس، وكان قد كرس جهده لطلب العلم خارج أروقة الأزهر، وعني بعلوم اللغة، والتفسير، والأصول، والعقائد، السنة، والفقه، حتى أصبح إذا تحدث في علم من هذه العلوم ظن السامع أنه تخصصه الذي شغل فيه كامل وقته. وقد كان له عناية خاصة في دراسة أحوال الفرق وهذه الأمور جعلت طلاب العلم يقصدونه في كل وقت ويسمعون منه، وانتفع بعلمه خلق كثير، وقد شارك في أعمال التوعية في مواسم الحج، وكان ﵀ يشرف على رسائل بعض الدارسين في الدراسات العليا، كما كان يشترك مع لجان مناقشة بعض الرسائل، ويلقي بعض الدروس في المساجد لطلبة العلم».

стр. 39

ويقول الشيخ محمد بن لطفي الصباغ: «ثم هاجر إلى المملكة العربية السعودية في سنة ١٣٦٨ هـ، فدرس في المعارف، ثم في دار التوحيد في الطائف، وكان الملك عبد العزيز قد استدعى شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار ليكون مديرا له، فعمل فقيدنا فيه، ثم انتقل إلى نجد فدرس في الرياض، وعنيزة، ولما أنشئت كلية الشريعة في الرياض كلف القيام بالتدريس فيها، ولما جئت للتدريس في كليتي الشريعة واللغة عام ١٣٨١ هـ - ١٣٨٢ هـ وكان لي شرف لقائه والاجتماع به، وكان من أقدر الأساتذة على نقل المعلومات إلى أذهان الطلاب، يبسط المسألة المعقدة ويوضحها، وما ذلك إلا لتمكنه من العلم؛ لأن الإنسان عندما تكون المعلومة واضحة في ذهنه يستطيع أن ينقلها بيسر إلى الآخرين مهما كانت دقيقة وصعبة. ثم أنشئ المعهد العالي للقضاء في سنة ١٣٨٥ هـ، وكان الشيخ من المخططين لمناهجه، وعين مديرا له، وقد تخرج على يديه عدد كبير من العلماء. ثم انتقل إلى دار الإفتاء عام ١٣٩١ هـ فكان عضوا في اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، ونائبا لرئيسها وبقي فيها حتى وفاته، ﵀ رحمة واسعة. وكان أيضا عضوا في هيئة كبار العلماء. وقد أشرف على عدد من الرسائل الجامعية للماجستير والدكتوراه وناقش عددا آخر منها». ويقول الشيخ مناع بن خليل القطان: «انتقل الشيخ من مصر سنة ١٣٦٨ هـ، للعمل بالمعارف السعودية، فدرس في عنيزة، وفي دار التوحيد بالطائف، وهي نواة التعليم الديني في المملكة العربية السعودية.

стр. 40

وحين عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - يرحمه الله - إلى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ بإنشاء الرئاسة العامة للكليات والمعاهد العلمية سنة ١٣٧٠ هـ، وقع اختيار سماحته على فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي ليسهم في ذلك بما عرف عنه من علم، وثاقب رأي، فقربه إليه وجعله موضوع مشورته. وما لبث الأمر طويلا حتى طلبت بأمر خاص أنا والأستاذ الهراس سنة ١٣٧٣ هـ للتدريس في هذه المؤسسة العلمية التي بارك الله فيها، وأتت أكلها الطيب - ولا تزال بحمد الله - باسم جامعة الأمام محمد بن سعود الإسلامية. وعندما توفرت الدواعي لإنشاء دراسات عليا، ورفع مستوى القضاء أنشئ المعهد العالي للقضاء سنة ١٣٨٤ هـ، وتولى الفقيد - غفر الله - إدارة المعهد، ووضع مع لجنة متخصصة مناهجه، وقام بالتدريس فيه، وأشرف على رسائل طلابه. وفي سنة ١٣٩١ هـ انتقل إلى إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وصار عضوا في هيئة كبار العلماء ونائبا لسماحة والدنا وشيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز في رئاسة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. وكان - يرحمه الله - عضوا في اللجنة التي وضعت مناهج الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة - كما كنت عضوا فيها - وسهرنا سويا الليالي المتتابعة لإنجاز هذا العمل». ويقول الشيخ زهير الشاريش: « … وانتقل إلى السعودية ضمن بعثة علمية قام بإحضارها أستاذي العلامة الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع ﵀، وبعد سنتين اختاره مفتي البلاد الشيخ محمد بن إبراهيم ليكون معه في الرئاسة العامة للمعاهد، والكليات. ثم تولى رئاسة المعهد العالي للقضاء، وبعدها انتقل إلى إدارة البحوث.

стр. 41

العامة والإفتاء حيث كان الرفيق الأقرب إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - حفظه الله -. ووجوده في هذه اللجنة أثرى ما أصدرت من فتاوى». ويقول الدكتور صالح بن سعود آل علي عضو مجلس الشورى: «جاء به الملك عبد العزيز مؤسس هذا الكيان وموحد هذه المملكة: جاء به مع علماء آخرين من داخل المملكة، وخارجها لينفذ بهم، ومن خلالهم سياسته الصارمة في محاربة الجهل واقتلاع جذروه بعد أن خيم ردحا من الزمن على أرجاء هذه الجزيرة. فقد كان الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ ضمن مجموعة من العلماء الذين عملوا في دار التوحيد، درس، وحاضر، ووعى ثم لما أمر الملك عبد العزيز ﵀ بفتح المعاهد العلمية، كان الشيخ عبد الرزاق من أوائل من جاء للتدريس فيها، وكان مع الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية آنذاك، ومع الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم عليهم جميعا رحمة الله، كان معهم خير معين على السير بهذه المعاهد، والكليات من بعد ذلك نحو تحقيق الرسالة المنوطة بها. تولى التدريس بعد دار التوحيد في المعاهد العلمية ثم في كلية الشريعة واللغة العربية بالرياض، وكذا في المعهد العالي للقضاء الذي أسندت إليه إدراته فيما بعد، إضافة إلى التدريس فيه». وجاء في مجلة الفرقان، [العدد ٥٤، ص ١٩]: «ثم انتدب للعمل في المملكة العربية السعودية منذ عام ١٣٦٨ هـ - ١٩٤٩ م وقد قام بالمشاركة مع الشيخ محمد علي عبد الرحيم ﵀ الرئيس السابق لجماعة أنصار السنة المحمدية، بتأسيس المعاهد بالمملكة، ثم شارك في تأسيس كلية الشريعة واللغة العربية بالرياض، ثم رأس المعهد العالي للقضاء، وحين

стр. 42

تأسست هيئة كبار العلماء كان أحد أعضائها ثم أصبح نائبا لرئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة». ويقول الشيخ عبد الله الشهراني: ثم في عام ١٣٦٨ هـ ذهبت بعثة تابعة لمديرية المعارف برئاسة الشيخ (محمد ابن مانع) - رحمة الله عليه - للتعاقد مع بعض المدرسين للتدريس في المدارس السعودية التي افتتحت لتوها آنذاك .. فكان صاحب الفضيلة الشيخ (عبد الرزاق عفيفي) ﵀ أحد أوائل من تم التعاقد معه، وما ذلك إلا للسمعة الطيبة التي عرف بها الشيخ، فقد كان داعية من أبرز دعاة أنصار السنة المحمدية هناك، مدافعا عن عقيدة السلف الصالح، محاربا للبدع. وقدم ﵀ إلى هذه البلاد مع عدد من المشائخ، منهم الشيخ (محمد حسين الذهبي) صاحب كتاب (التفسير والمفسرون) والشيخ (عبد المنعم النمر) - عليهما رحمة الله - والشيخ (يوسف السبع) أستاذ اللغة العربية في (جامعة أم القرى سابقا). وكانت أول مدرسة درس فيها هي (دار التوحيد) بالطائف، وقد استمر فيها سنتين إلى أن فتح (معهد عنيزة العلمي) فانتقل إليه عام ١٣٧٠ هـ في شهر محرم، ثم لما كان في شهر شوال من العام نفسه انتقل إلى (المعاهد العلمية بالرياض) إلى أن افتتحت (كلية الشريعة) فيها وفي (كلية اللغة العربية) وهكذا ظل يدرس فيهما حتى أنشئ (المهد العالي للقضاء) عام ١٣٨٥ هـ، فكان أول مدير له، ويشرف عليه، ويلقي فيه محاضرات ودروسا، ويشرف - كذلك - على بعض الرسائل العلمية التي يتقدم بها طلاب المهد. ثم في عام ١٣٩١ هـ انتقل إلى (الرئاسة العامة للإفتاء) حيث عين نائبا لرئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء التي تم تشكيلها برئاسة فضيلة.

стр. 43

الشيخ (إبراهيم بن محمد إبراهيم) - حفظه الله - ثم برئاسة سماحة الشيخ (عبد العزيز بن عبد الله بن باز) المفتي الحالي للمملكة - حفظه الله وأمد في عمره - ونفع به الإسلام والمسلمين، وفي الوقت نفسه كان عضوا في (هيئة كبار العلماء)، وإضافة إلى ذلك كان يشرف على كثير من الرسائل الجامعية» ا. هـ.

стр. 44

دور الشيخ عبد الرزاق عفيفي في هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء لقد كان للشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ دور بارز في هيئة كبار العلماء منذ تأسيسها. فقد كان الشيخ ﵀ رئيسا لهيئة كبار العلماء بالمملكة في بعض الدورات كما يتضح من توقيعه الذي أوردنا صورته ص [٥٥] نقلا عن مجلة البحوث الإسلامية العدد ٢٨ ص ٣٢٢. كذلك كان للشيخ ﵀ وجهات نظر على بعض قرارات الهيئة فكان يبديها ويسجلها كما يتضح من توقيعه الذي أوردنا صورته ص [٥٦] نقلا عن مجلة البحوث الإسلامية العدد ٣١، ص ٣٨٠ - ٣٨٢. وقد حدثني الشيخ عبد الرزاق ﵀ أنه كان يرى بدعية افتتاح المجلس بالقرآن، وأنه لفت نظر أعضاء الهيئة إلى ذلك عندما افتتحوا جلسة لهم بالقرآن الكريم. كما كان الشيخ ﵀ يعد بعض الأبحاث التي تقدم للهيئة لتناقشها وتصدر حولها ما تراه من قرارات، ولعل من أنفس البحوث التي قدمها الشيخ، بحثه حول البورصة حيث شرح فيه أنظمة البورصة، ومعاملاتها ثم ألحق دقائق مسائلها بأشباهها ونظائرها في كتب الفقه الإسلامي بما يدل على متانة فقهه، وسعة إحاطته بالمعاملات العصرية. وكذلك في اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، كان الشيخ نائبا لرئيس اللجنة لسماحة الشيخ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ثم نائبا السماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وواحدا من أربعة أعضاء شاركوا في إصدار

стр. 45

آلاف الفتاوى وعشرات الأبحاث بحيث يصح أن ننسب للشيخ عبد الرزاق ربع ما صدر عن اللجنة من أبحاث، وفتاوى في غاية النفاسة وقد عم النفع بها جميع أرجاء العالم الإسلامي. وقد حدثني الشيخ عبد الرزاق ﵀ أنه كان يختلف مع أعضاء اللجنة في مسائل قليلة منها مسألة إدراك الركعة مع الإمام بإدراك الركوع فكان الشيخ عبد الرزاق يرى أن المأموم لا يدرك الركعة مع الإمام إلا بالفاتحة كما هو مذهب الإمام البخاري وغيره. فكان الشيخ عبد الرزاق لا يوقع على الفتاوى الصادرة من اللجنة في هذه المسألة. وحدثني الشيخ عبد الرزاق أيضا أنه قد كتب مقالا في هذه المسألة قديما بمجلة الهدي النبوي انتصر فيه لعدم إدراك الركعة بالركوع، وإليك نماذج من مشاركات الشيخ في هيئة كبار العلماء.

стр. 46

نماذج من مشاركات الشيخ في هيئة كبار العلماء « … بيع الليرة السورية، أو اللبنانية بريال سعودي، ورقا كان، أو فضة، أو أقل من ذلك، أو أكثر، وبيع الدولار الأمريكي بثلاثة أريلة سعودية، أو أقل أو أكثر، إذا كان ذلك يدا بيد، ومثل ذلك في الجواز بيع الريال السعودي الفضة بثلاثة أريلة سعودية ورق أو أقل أو أكثر يدا بيد لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه ولا أثر بمجرد الاشتراك في الاسم مع الاختلاف في الحقيقة. ثانيا: وجوب زكاتها إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب، أو فضة، أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة إذا كانت مملوكة لأهل وجوبها. ثالثا: جواز جعلها رأس مال في السلم والشركات. والله أعلم، وبالله التوفيق، وصلى الله محمد وعلى آله وصحبه وسلم».

стр. 47

وجهة نظر (١) الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وسلم، وبعد: فلما كانت الأوراق النقدية لا قيمة لها في نفسها، ولم تكن قيمتها مستمدة من مجرد إصدار الدولة لها وحمايتها إياها وإنما قيمتها فيما أكسبها ثقة الدول بها، وجعلها مع سن الدولة لها قوة شرائية، وأثمانا للسلع، ومقياسا للقيم، ومستودعا عاما للادخار، ولما كان الذي أكسبها ذلك وجعلها صالحة للحلول محل ما سبقها من العملات المعدنية هو ما استندت إليه من الغطاء ذهبا، أو فضة، أو ما يقدر بهما من ممتلكات الدولة، أو إنتاجها، أو احتياطها، أو أوراق مالية، أو أوراق تجارية. لما كان الأمر كذلك كانت الأوراق النقدية بدلا عما حلت محله من عملات الذهب، أو الفضة التي سبقتها في التعامل بها، وكانت تابعة لهما فما كان منها متفرعا عن ذهب فله حكم الذهب، وما كان منها متفرعا عن فضة فله حكم الفضة، وعلى هذا تجب فيها الزكاة كأصلها، ويقدر فيها النصاب بما قدر به في أصلها ويجري فيها الزكاة كأصلها، ويجري فيها ربا الفضل، والنسيئة مع اعتبار أن ما كان منها متفرعا عن فضة حسب الأصل جنس، وما كان متفرعا عن ذهب في الأصل جنس، ولا يجوز بيع الورقة النقدية لما تفرعت عنه من الذهب أو الفضة. مع التفاضل ويعتبر قبض الأوراق النقدية في حكم قبض ما حلت محله من الذهب، أو الفضة، هذا وليس بلازم أن يكون في خزينة الدولة ذهب أو فضة بالفعل ما دامت خاماتها، وسائر إمكانياتها التي تقدر بوحدتها السابقة من الذهب، أو الفضة قائمة محققة تقوم مقامها في استمرار الثقة بالأوراق النقدية في دولة الإصدار وغيرها من الدول، وليس بلازم أيضا أن تسلم مؤسسة النقد ذهبا أو فضة لحامل الورقة النقدية مقابل _________ (١) انظر: مجلة البحوث الإسلامية العدد ٣١، من ص ٣٨١ - ٣٨٢.

стр. 48

ما فيها ما دامت الأوراق النقدية تؤدي وظيفتها وتقوم بما أنشئت من أجله، فإن لولي الأمر أن يتصرف في غطاء الأوراق النقدية أيا كان الغطاء فيما يعود على أمته بالمصلحة من وجوه تنمية الثروة، والترفيه عن الرعية حتى لا تبقى معطلة في خزينة الدولة أو معرضة للتبديد والتهريب في أيدي الأفراد. وبهذا يعرف أن عدم وجود الغطاء في خزينة الدولة بالفعل، وعدم رد المقابل لحاملها لا يعتبر إلغاء للغطاء ولا إبطالا له ما دام الغطاء الذي هو روح العملة وسر الثقة بها موجودا قائما ممثلا فيما يثبت ملاءة الدولة وقوة إمكانياتها، ويكسب الثقة بها قبل إصدار الأوراق النقدية، وإن وجود وحدة متفق عليها كالذهب مثلا تقاس بها موجودات وإمكانيات الدول ليعرف بها مدى ملاءة كل دولة بالنسبة للأخرى ينافي وجود غطاء لأوراق الدولة النقدية وإن تنوع، كما أنه لا ينافي وجود وحدة خاصة بكل دولة تتصل بعملتها المعدنية السابقة - وقد سئل سعادة محافظ مؤسسة النقد أسئلة منها ما هو في الموضوع ومن اختصاصه كالأسئلة المتعلقة بالغطاء، وبالسر في ارتفاع سعر العملة وانخفضها فسلم وجود الغطاء، وإن تنوع وأن من الدول ما لها احتياطي، ومنها ما ليس لها احتياطي أو لها احتياطي ضعيف، ومنها ما ليس من اختصاصه بل من اختصاص الهيئة كالسؤال: هل الأوراق النقدية عملة قائمة بنفسها أو بدل عن غيرها، فإن الجواب عن هذا السؤال من اختصاص الهيئة بعد سؤالها عن مقدمات اقتصادية يبنى على الجواب عنها حكم الهيئة بأن الأوراق النقدية عملة قائمة بنفسها أو بدل عن غيرها حالة محلها. وهناك أسئلة أخرى لم توجه إلى سعادة محافظ المؤسسة إما لضيق الوقت وقد كان من الممكن أن يستدعى في جلسة أخرى، وإما لاكتفاء الأكثرية بالإجابة عن بعض الأسئلة، وبالرجوع إلى ما كتب الأعضاء من الأسئلة، وجعل عند فضيلة الأمين، والمقارنة بينها، وبين الأجوبة يتبين ما ذكرت من عدم توجيه كل

стр. 49

الأسئلة لسعادة المحافظ .. والله الهادي إلى سواء السبيل. وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم في ٤/¬١٦/¬١٣٩٣ هـ. عضو هيئة كبار العلماء عبد الرزاق عفيفي

стр. 50

نموذج من توقيع الشيخ وهو رئيس لإحدى دورات هيئة كبار العلماء قرار هيئة كبار العلماء رقم ٢ و تاريخ ١٣/¬٨/¬١٣٩٢ هـ في مسألة اعتبار اختلاف مطالع الأهلة من عدمه (١) الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى اله وصحبه، وبعد: فبناء على خطاب المقام السامي رقم ٢٢٤٥١ وتاريخ ٦/ ١١/ ١٣٩١ هـ المتضمن إحالة موضوع الأهلة إلى كبار العلماء نظرا إلى أن الموضوع عند دراسة مجلس رابطة العالم الإسلامي في جلسته المنعقدة في ١٥ شعبان عام ١٣٩١ هـ واطلاعها على قرار اللجنة الفقهية المنبثقة من المجلس قررت الموافقة على القول بعدم اعتبار اختلاف المطالع إلا أن بعض أعضاء المجلس التأسيسي. رأى التريث في الأمر وزيادة البحث والتقصي في هذا الموضوع. وبناء على ذلك عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورتها الثانية المنعقدة في شهر شعبان ١٣٩٢ هـ ما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في موضوع إثبات الأهلة المشتمل على الفقرتين التاليتين: أ - حكم اعتبار المطالع وعدم اعتباره. ب - حكم إثبات الهلال بالحساب. وكذا قرار رابطة العالم الإسلامي الصادر منها في دورتها الثالثة عشرة _________ (١) انظر: مجلة البحوث الإسلامية، العدد ٢٨، من ص ٣٢١، ٣٣٣.

стр. 51

المنعقدة في شهر شعبان عام ١٣٩١ هـ، ومرفقة بحث اللجنة الفقهية المشكلة من بعض أعضاء مجلس الرابطة في الموضوع، وبعد دراسة المجلس للموضوع وتداول الرأي فيه قرر ما يلي: أولا: اختلاف مطالع الأهلة من الأمور التي علمت بالضرورة حسا وعقلا ولم يختلف فيها أحد، وإنما وقع الاختلاف بين علماء المسلمين في اعتبار اختلاف المطالع من عدمه. ثانيا: مسألة اعتبار اختلاف المطالع من عدمه من المسائل النظرية التي للاجتهاد فيها مجال، والاختلاف فيها وفي أمثالها واقع ممن لهم الشأن في العلم والدين، وهو من الخلاف السائغ الذي يؤجر فيه المصيب أجرين: أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة. ويؤجر فيه المخطئ أجر الاجتهاد، وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: فمنهم من رأى اعتبار اختلاف المطالع. ومنهم من لم ير اعتباره واستدل كل فريق بأدلته من الكتاب والسنة، وربما استدل الفريقان بالنص الواحد كاشتراكهما في الاستدلال بقوله: ﴿* يسئلونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج﴾ (١). وبقوله ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته … » (٢) الحديث. وذلك لاختلاف الفهم في النص وسلوك كل منهما طريقا في الاستدلال به، وعند بحث هذه المسألة في مجلس الهيئة، ونظرا لاعتبارات قدرتها الهيئة، ولأن هذا الخلاف في مسألة اعتبار اختلاف المطالع من عدمه ليس له آثار تخشى عواقبها. وقد مضى على ظهور هذا الدين مدة أربعة عشر قرنا لا نعلم منها فترة جرى فيها توحيد الأمة الإسلامية على رؤية _________ (١) سورة البقرة، الآية ١٨٩. (٢) أخرجه البخاري [١٩٠٩]، ومسلم [١٠٨٠].

стр. 52

واحدة … فإن أعضاء الهيئة يرون بقاء الأمر على ما كان عليه وعدم إثارة هذا الموضوع وأن يكون لكل دولة إسلامية حق اختيار ما تراه بواسطة علمائها من الرأيين المشار إليهما في المسألة؛ إذ لكل منهما أدلته ومستنداته. ثالثا: أما ما يتعلق بإثبات الأهلة بالحساب فبعد دراسة ما أعدته اللجنة الدائمة في ذلك، وبعد الرجوع إلى ما ذكره أهل العلم فقد أجمع أعضاء الهيئة على عدم اعتباره لقوله ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته .. » (١) الحديث. ولقوله ﷺ : «لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه … » (٢) الحديث. وبالله التوفيق، وصلى الله عليه نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم … _________ (١) سبق تخريجه. (٢) أخرجه البخاري (١٩٠٦)، ومسلم (١٠٨٠، ١٠٨١).

стр. 53

الفصل الثالث منزلته عند أعلام عصره وثناؤهم عليه أما منزلة الشيخ عند علماء مصر قبل قدومه إلى المملكة العربية السعودية فيكفي في ذلك أن الشيخ عبد الرزاق ﵀ كان من المؤسسين لجماعة أنصار السنة بمصر، وكان نائبا للشيخ محمد حامد الفقي من سنة ١٣٦٥ هـ، وكانت له عنده المنزلة الأثيرة، وبعد وفاته انعقدت آراء علماء أنصار السنة على اختيار الشيخ عبد الرزاق رئيسا للجماعة سنة ١٣٧٩ هـ. وقد كان الشيخ عبد الرزاق ﵀ قد اختير عضوا في هيئة كبار العلماء التي أنشأتها جماعة أنصار السنة بمصر قديما، وكان من أعضاء هذه الهيئة العلامة المحدث الفقيه الشيخ أحمد محمد شاكر ﵀ والشيخ محمد عبد الحليم الرمالي، والشيخ حامد الفقي .. وغيرهم من الأعلام. وبعد قدوم الشيخ عبد الرزاق ﵀ إلى المملكة كانت له منزلة لا تدانيها منزلة عند سماحة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ (١٣١١ - ١٣٨٩ هـ) وقد حدثني شيخنا صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ - نائب وزير الشئون الإسلامية والأوقاف أن جده الشيخ محمد كان يقول عن الشيخ عبد الرزاق: «هذا الرجل ذهب خالص»، وأنه كان يعرض القضاة قبل تعيينهم على الشيخ عبد الرزاق فإن رأى الشيخ عبد الرزاق أهليتهم للقضاء عينهم الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وإلا فلا. وقد ذكر الشيخ عبد الله بن قعود - عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة سابقا - أن الشيخ عبد الرزاق أول قدومه إلى المملكة أعطاه الشيخ ابن إبراهيم كتاب الإنصاف للمرداوي في الفقه الحنبلي، وطلب من أن يقرأه فقال الشيخ عبد الرزاق: لقد قرأته فلم أر مؤلفه ذكر النبي ﷺ من أول الكتاب إلى آخره إلا

стр. 54

ثلاث مرات، فكانت هذه الحادثة من أسباب إعجاب الشيخ ابن إبراهيم بالشيخ عبد الرزاق - رحمهما الله تعالى -. ويقول الشيخ الدكتور محمد لطفي الصباغ مبينا منزلة الشيخ عبد الرزاق عند الشيخ ابن إبراهيم: وكان الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ مفتي المملكة يقدره ويستشيره، ويعتمد عليه في كثير من الأمور تقديرا لعلمه الواسع، ورأيه الصائب، وإخلاصه الجم. والفضل يعرفه ذووه، وكذلك كان الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله وأطال عمره (١). ويقول الشيخ الدكتور عبد الله التركي - وزير الأوقاف والشئون الإسلامية والأوقاف -: لقد فقدنا عالما فاضلا، مربيا لأجيال من العلماء وطلاب العلم، إنه شيخنا فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي، والذي توفي يوم الخميس الخامس والعشرين من ربيع الأول عام ١٤١٥ هـ ﵀ وأكرم مثواه .. لقد فقدنا بفقده عالما فاضلا، قضى كل حياته في سبيل العلم تحصيلا وتعليما، نفع الله به عددا كثيرا من الطلاب الذين تتلمذوا عليه، أو تتلمذوا على طلابه. لقد عاصر ﵀ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، منذ نواتها الأولى، واستمر عطاؤه لها إلى أن توفاه الله يوم الخميس الماضي، وكان من أبرز الذين أفادوا الجامعة في كلياتها ومعاهدها. _________ (١) عن ترجمة خطية عند الأستاذ محمود بن الشيخ عبد الرزاق.

стр. 55

ولقد أدرك سماحة شيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ رئيس الكليات والمعاهد، ومؤسسها بثاقب نظره، وبقدرته في معرفة الرجال ما يتصف به هذا العالم الفذ الشيخ عبد الرزاق عفيفي من علم، وبعد نظر وقدرة على معالجة الأمور فقربه وعرف مكانته ومكن له لإفادة الباحثين والعلماء منه. ولقد استمر عطاؤه في الكليات والمعاهد بعد وفاة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم - عليه رحمة الله -، ثم في مجال الإفتاء، والدعوة في رئاسة البحوث العلمية، والإفتاء، والدعوة، والإرشاد، وكان فيها من المقربين لسماحة والدنا وشيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله، ومد في عمره في نشر العلم والدعوة إلى الله والدفاع عن دينه (١). ويقول الشيخ صالح الأطرم - عضو هيئة كبار العلماء -: وكان سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمة الله عليه - يعتمد رأيه في المناهج وفي الكتب المقررة (٢). يقول الشيخ الدكتور عبد الله العجلان - وكيل الرئيس العام لتعليم البنات لشؤون الكليات الجامعية -: إن الفقيد يحتل الصدارة بين أساتذة الكليات والمعاهد العلمية بالمملكة وذلك بعلمه، وأدبه، وأخلاقه، وسداد رأيه، وحسن تعامله، وكونه قدوة حسنة قولا وعملا .. وقد عرفته صديقا حميما ومستشارا مخلصا لمفتي المملكة السابق الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، كما عرفته أستاذا ماهرا، وبحرا زاخرا بمختلف علوم التفسير، والعقيدة، والفقه، والأصول، وغيرها من جوانب العلوم الشرعية، واللغة العربية .. وعرفته كذلك محدثا واعظا، ومرشدا جم _________ (١) جريدة الجزيرة، بتاريخ ٤/¬١٢/¬١٤١٥ هـ. (٢) مجلة الدعوة، العدد ١٤٦٠ تاريخ ٤/¬٢٤/¬١٤١٥ هـ.

стр. 56

المعرفة، غزير العلم، متواضعا كثير الزهد والتقشف، مقبلا على الله في جميع أقواله وأعماله. وإن كان يرحمه الله لم يترك لنا آثارا علمية تتفق مع مقامه الرفيع وعلمه الغزير فإن يعتبر أستاذ جيل كامل من علماء المملكة (١). وحول منزلته عند سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - المفتي العام للمملكة - يقول الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري: «وكان سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز أكثر تعلقا به لما جربه من غزير علمه، ورجاحة عقله، وعفته وتورعه، فلم يأذن له بالاستراحة وقد أناف على التسعين واحتنكته أمراض عديدة، فالتزم الشيخ عبد الرزاق جانب الحسبة ما دامت قوته العقلية لم تضعف، فكان يذهب إلى المملكة يدف على العجل» (٢). منزلته عند الشيخ الألباني: ويكفي ما وصفه به شيخنا العلامة ناصر الألباني حفظه الله تعالى بأنه: (من أفاضل العلماء، ومن القلائل الذي نرى منهم سمت أهل العلم وأدبهم، ولطفهم وأناتهم وفقههم) (٣). وقد كان للشيخ عبد الرزاق منزلة كبيرة عند الملك عبد العزيز آل سعود ﵀: «وكان للشيخ - يرحمه الله - أيام الملك عبد العزيز درس كل يوم أربعاء، وكان الملك يحضره، وكان الشيخ يستخدم ذلك الدرس في النصح الطيب للملك ويسعد الملك بذلك» (٤). _________ (١) جريدة عكاظ ٣/¬٧٢/¬١٤١٥ هـ. (٢) جريدة عكاظ ٤/¬١٢/¬١٤١٥ .. (٣) المسلمون ٤/¬١٨/¬١٤١٥ هـ. (٤) مجلة الأصالة، العدد الثاني عشر والرابع عشر.

стр. 57

والشيخ ﵀ كان داعية متميزا يحرص على حضور دروسه ومجالسه الكثير ومما يذكر أنه كان للشيخ أيام الملك عبد العزيز ﵀ درس كل يوم أربعاء، وكان الملك يحضره (١). وحول منزلته لدى الملك فيصل بن عبد العزيز ﵀ يقول أبو عبد الرحمن بن عقيل: «وأبى الملك فيصل ﵀ إحالة أمثال الشيخ عبد الرزاق عفيفي إلى التقاعد وأوصى بأن يظل منبعا ثرا مدى حياته» (٢). ويقول الشيخ زهير الشاويش - صاحب المكتب الإسلامي للنشر -: «عرفت أستاذنا وفقيد الأمة الإسلامية قبل خمسين سنة، وتوثقت صلتي به منذ أربعين سنة على أمتن ما تكون الصلة، عرفته بفضله وكرمه، تغمده الله برحمته. ومنذ عرفته حتى يوم فقدته ما رأيت منه إلا العلم الغزير والأخلاق السامية، والنبرة الصادقة، والألفاظ العطرة، والعقل الراجح والورع الحقيقي والترفع عن سفاسف الأمور، والصبر عند الملمات، مما لا تكاد تجده مجموعا عند غيره من الرجال. كان عالما عاملا بنشر العقيدة الصحيحة، والتربية السليمة والأخلاق المحمدية فكان مدرسة فريدة في جمع الناس على الخير» (٣). ويقول الشيخ الدكتور محمد لطفي الصباغ: « … وإني منذ طفولتي إلى هذه الساعة وأنا أعاشر العلماء، أتتلمذ على _________ (١) الفرقان، العدد ٥٤. (٢) الجزيرة ٤/¬١٢/¬١٤١٥ هـ. (٣) جريدة السبيل، العدد ٤٦، تاريخ ١٣ أيلول ١٩٩٤ م.

стр. 58

أيديهم، وأتلقى منهم وأباحثهم، ولا والله لم ألق عالما في سعة اطلاعه، ودقة استحضاره وحفظه، وسلامة منهجه، واستقامة حياته، وجولان ذهنه وقدرته على إعطاء الحكم الدقيق في المسألة المطروحة، ومعاصرته لأحداث زمانه». ويقول الشيخ مناع خليل القطان: عرف بسعة علمه، وعمق فهمه - فكان زملاؤه المدرسون يعتبرونه مرجعا لهم. ويقول الشيخ عبد الله بن حافظ الحكمي - مدير مكتب المفتي العام -: «وإن من آخر من فقدتهم الأمة الإسلامية الوالد الشيخ عبد الرزاق عفيفي عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية سابقا ونائب رئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ولست بصدد الترجمة له فقد كفيت ذلك ولكن للتعريف ببعض سيرته ﵀ من واقع اتصالي به قيض لي العمل قريبا منه في رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - سابقا - كما شرفني ﵀ بالإشراف علي في المرحلة الأولى من رسالتي لنيل درجة الدكتوراه قبل أن تنتابه الأعراض المرضية والمتاعب الصحية في آخر حياته. لقد عرفت في فضيلته الدقة العلمية والمتابعة والاستيعاب الواسع الجوانب المباحث المطروحة متميزا ﵀ بدقة فهمه لمختلف مسائل العلم الشرعية واستيعابه للأصول والقواعد التي تصدر عنها الأحكام، وسرعة استحضاره لكلام أهل العلم من قراءاته في المراجع المختلفة» (١). ويقول الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ - عضو هيئة كبار العلماء -: «الشيخ أحد الأعلام الفضلاء الذين هيأ الله لهم فرصة تربية الأجيال، وهو _________ (١) مجلة الدعوة، ٤/¬٢٤/¬١٤١٥ هـ.

стр. 59

أحد العلماء الذين عرفوا بالجد والاجتهاد والإخلاص في أداء الواجب، وهو ذو علم واسع وله اطلاع في الحديث، والتفسير، والفقه وأصوله، واللغة العربية، وقد تخرج على يديه أفواج كثيرة، ويذكر له طلابه إخلاصه ومحافظته على أداء الواجب وجده واجتهاده. ولقد كان الشيخ عبد الرزاق عفيفي يلقي دروسا بعد العشاء في مسجد الشيخ محمد بن إبراهيم في التفسير، وكانت دروسه نافعة وتوجيهاته قيمة، وعرف بسعة علمه، وحسن تربيته وتوجيهه وإخلاصه وهو ﵀ مثال للعالم العامل. فالشيخ غفر الله له عرف بتوجيهه وتأثيره وعظته وبخاصة في التعليم، فما زال طلابه الذين تلقوا العلم على يديه يعرفون له جده واجتهاده، وقدرته على إيصال المعلومة لأذهان الطلاب مما يدل على تمكنه وحرصه غفر الله لنا وله ولجميع موتى المسلمين (١). ويقول الشيخ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ - وزير العدل سابقا -: «الشيخ - يرحمه الله - ممن عرف علمه وفضله وورعه، وهو أول من عمل في المعاهد العلمية، وكان وجوده فيها كسبا لها من سعة علم واطلاع وخبرة وفهم، وهي الآن خسرت خيرة الرجال والعلماء في الداخل والخارج، وقد لازمت الشيخ طويلا واستفدت منه كثيرا» (٢). ويقول الشيخ عبد العزيز بن عبد المنعم - أمين هيئة كبار العلماء -: «درسني الشيخ في دار التوحيد عام ١٣٦٨ هـ، ثم درست في المعهد العالي للقضاء عندما كان مديرا له، وعملت معه في التدريس بالمعاهد، وكان - برحمه الله - مثالا للعالم الباذل الجهده وفي دقته في الفتاوى، والبحوث العلمية، كما _________ (١) المسلمون ٤/¬٤/¬١٤١٥ هـ، عكاظ ٣/¬٢٧/¬١٤١٥ هـ. (٢) المسلمون ٤/¬٤/¬١٤١٥ هـ.

стр. 60

كان دمث الأخلاق طيبا والكل يألفه ويحبه، ومن حسن خلقه نال ثقة الشيخ محمد بن إبراهيم وكان يأنس برأيه فيما يتعلق بالمناهج» (١). ويقول د. صالح بن غانم السدلان: «كنت معجبا جدا بطريقة الشيخ عبد الرزاق في التدريس، حيث المادة العلمية لديه - يرحمه الله - خالية من الحشو، مرتبة، مركزة، متسقة، معروضة بأسلوب شيق قشيب» (٢). ويقول الشيخ علي الرومي - رئيس محكمة التمييز -: «كان الشيخ أول من باشر التدريس في المعهد العلمي بالرياض منذ أول يوم لافتتاحه في عام ١٣٧١ هـ وله اطلاع واسع - يرحمه الله - في الفقه والحديث والتفسير والتاريخ، وله علم في الجغرافيا وغيرها» (٣). ويقول معالي الدكتور عبد الملك بن دهيش - الرئيس العام لتعليم البنات -: «إن الأمة الإسلامية فقدت برحيل فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي واحدا من علمائها الأجلاء الذين أثروا بغزير علمهم المكتبة الإسلامية مشيرا أن فضيلته درس العلم من منابعه حتى نال الشهادة العالمية من الأزهر، وتدرج في سلك التدريس بدءا بدار التوحيد بالطائف ثم في كليتي الشريعة واللغة العربية بالرياض قبل أن يعين مديرا للمعهد العالي للقضاء. وأضاف: أن فضيلته كان زميلا لوالدي - يرحمه الله - الذي كان كثيرا الثناء عليه مشيدا بعلمه الغزير» (٤). _________ (١) المسلمون، ١٤١٥/¬٤/¬٤ هـ. (٢) المصدر نفسه. (٣) المصدر نفسه. (٤) عكاظ، ٣/¬٢٧/¬١٤١٥ هـ.

стр. 61

ويقول الشيخ محمد السبيل - الرئيس العام لشؤون الحرمين -: «والفقيد الراحل ليس خسارة على المملكة فحسب، إنما لكل الأمة الإسلامية. وها هو يرحل عنا بعد سنوات طويلة قضاها في نشر تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر .. وقد تعلم على يده العديد من طلبة العلم، وكان حليما وقورا مجلسه من طلبة العلم» (١) ويقول الشيخ بن عبد الرحمن الأطرم: «صفات الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ صفات العلماء الأفذاذ الذين مضوا وسجل التاريخ لهم ما يبقى من المحاسن إلى يوم القيامة والذين شملهم قول الرسول ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة» (٢) لأنهم ورثة الأنبياء والأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، تعليما وتدوينا. والشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ جمع العلم والعقل فيا سعادة من جمع العلم والعقل، إذ لا يستغني بأحدهما عن الآخر، فالعقل يزن به ما يقول ويفعل، ويتأمل في العواقب، والعلم الشرعي يعرف به أحكام الشرع في التصرفات والأقوال والأفعال. والشيخ عبد الرزاق نفع الله به في جميع مستويات الدراسة النظامية منذ أن بدأت النهضة العلمية النظامية في المملكة العربية السعودية مع أنه شارك في حلق التدريس في مسجد سماحة الشيخ محمد ابن إبراهيم آل الشيخ ﵀ أول ما قدم إلى الرياض في سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف، وعند الملك عبد العزيز غفر الله له وأصلح عقبه» (٣) _________ (١) المصدر نفسه. (٢) رواه البخاري، كتاب المناقب (٣٦٤٠، ٤٧٥٩)، ومسلم (١٠٣٧). (٣) الدعوة، ٤/¬٢٤/¬١٤١٥ هـ.

стр. 62

الفصل الرابع شهادة العلماء له بسعة علمه وتبحره في جميع الفنون يقول الشيخ محمد لطفي الصباغ: «وكان إذا تكلم في فن من فنون العلم ظن السامع أنه لا يحسن غيره، وأنه متخصص فيه وحده كان موسوعي المعرفة. كان محدثا كبيرا قل أن يخفى عليه حديث، وكانت له مقدرة متميزة في تخريج الحديث والحكم عليه، وقد ترى في بعض الأحاديث من الرأي الصحيح ما لا تجده عند غيره سواء في تحديد درجته أم في فهمه والوقوف على دلالالته. وله عناية خاصة بكتب الرجال، وقد بلغ من عنايته أنه فقد جزءا من كتاب من كتب الرجال فكتبه بخطه وجلده، ولما رآه بعض الولوعين بحفظ آثار عظماء العلماء استهداه هذا الجزء فأهداه إياه بحضوري. وكان مفسرا عظيما، وإن أنس لا أنس دروسه الرائعة في تفسير القرآن التي كان يلقيها في مسجد الشيخ محمد بن إبراهيم في دخنه في الرياض، وكنت ملازما لها، وذلك من فضل الله علي … لقد كان يغوص بين تلك المعاني العميقة في الآية ويذكر ارتباطها بما قبلها وما بعدها، ويصل بين تلك المعاني وبين حياة الناس، ويشير إلى أسرار البلاغة ونواحي الإعجاز فيها، وكان لا يرضى تأويل المتأخرين ولا المعاصرين المفتونين بحضارة الغرب الذين تزعزعت عندهم الغيبيات فراحوا يؤولون النصوص تأويلا متكلفا بعيدا. وكان فقيها مجتهدا، وما كان يرضى التعصب لمذهب من المذاهب مع إحاطة بها إحاطة لم أر مثلها، بل كان يمشي مع الدليل. وقد تكونت لديه ملكة فقهية

стр. 63

عظيمة. وكان إذا سئل لا يتسرع بالإجابة، بل يسأل عن دقائق الموضوع المطروح حتى يستوعبه ويكون عنده تصور صحيح دقيق للموضوع ثم يجيب. وكان أصوليا متبحرا في هذا العلم العظيم: علم أصول الفقه، واقفا على دقائقه، مطلعا على كتبه مستحضرا لما فيه، فإذا سألته عن كتاب من كتب الأصول ذكر لك خصائصه ومزاياه وطريقته، والمآخذ التي قد تؤخذ عليه، وقد كان معجبا بكتاب «المستصفى» للغزالي وبكتاب «الموافقات» للشاطبي. وكان من كبار علماء التوحيد على مذهب السلف ﵏ يعرض القضايا الدقيقة فيه بأسلوب ميسر واضح، وقد كان ﵀ واقفا على كلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في هذا العلم. ولقد استطاع أن يرد ما جاء في شرح الطحاوية وهو مقتبس من كلام ابن تيمية وتلميذه إلى مواضعه في كتبهما، وقد تضمنت طبعة المكتب الإسلامي الأخيرة للكتاب هذه الإحالات. وكان في علوم العربية متمكنا، فقد كان في النحو مرجعا تراه يورد في حديثه القاعدة النحوية إذا اقتضاه التوضيح أن يوردها وكأنه من المتخصصين في النحو، وكان ذواقة للنصوص الجميلة وهذا يدل على موهبة بيانية أكرمه الله بها وعلى تمكنه من علوم البلاغة. وكان في الكتابة ذا أسلوب متين جزل بليغ، لا يقل عن أساليب كبار الكتاب والأدباء، تتصف عباراته بالإيجاز، والإحكام، والبيان، والوضوح، والجزالة. ولدي عدد من رسائله الشخصية إلي وهي نماذج على ذاك الأسلوب العالي. وكذا ذا بيان مشرق متدفق إذا تكلم أو درس، لا يتلعثم ولا يتوقف ولا يلحن. وكان مناظرا قوي الحجة مستحضر الدليل يحيط بأطراف الموضوع الذي يناقشه.

стр. 64

و كان مدرسا ناجحا سواء كان درسه في الجامع أو في الجامعة، فلقد كان له درس أسبوعي في مسجد الشيخ محمد كما ذكرنا آنفا، ثم لما انتقل إلى بيته في شارع الخزان كان يؤم الناس في المسجد الذي يقابل بيته وكان يلقي بين الفينة والأخرى دروسا تأخذ بالألباب في روعتها وعمق معانيها وغزارة أدلتها. وكانت إحاطته بمفردات اللغة العربية تكاد تكون إحاطة شاملة، فلقد كان يصحب القاموس المحيط، وقد حدثني أنه يجد متعة في قراءة مواده. والناس عادة لا يرجعون إلى القاموس إلا عندما يريدون معرفة معنى كلمة، أما الشيخ ﵀ فقد كان يقرأ فيه كما يقرأ أي كتاب من الكتب. أما فهمه لعبارات الأقدمين في كتبهم فقد كان شيئا مدهشا حقا، وبعض العبارات بالغة التعقيد بسبب الرغبة عند هؤلاء المتقدمين في تحميل الألفاظ القليلة المعاني الكثيرة … لقد كان ينظر في العبارة العويصة نظرة فيحلها ويشير إلى مراميها ومقاصد كاتبها، على نحو لا تجده إلا عند قليل من أهل العلم. ومهما يكن من أمر، فإني لا أستطيع أن أنقل للقراء صورة حقيقية لعلم الرجل الواسع في هذه الكلمة». ويقول الشيخ عبد الله الحكمي: «أقول: رحم الله الوالد الشيخ عبد الرزاق، فقد كان بحر علم زاخرا صدر عنه الكثير من طلبة العلم الشرعي، ولا سيما في هذه البلاد بخاصة. كما كان في علم الفقه سريع الاستحضار للأحكام الشرعية محيطا بأدلتها عالما بقواعدها، وأصولها مدركا لأشباه المسائل ونظائرها سديد الرأي، صائب الاجتهاد، يفتي السائل على حسب حالته ومستواه من الجهل والعلم» (١). _________ (١) الدعوة ٤/¬٢٤/¬١٤١٥ هـ.

стр. 65

ويقول الشيخ عبد الله بن جبرين: «أما علمه فهو بحر لا ساحل له في أغلب العلوم التي يتناولها بالبحث والشرح، فلقد عرفته لأول مرة عام ١٣٧٤ هـ، وكان يزور بعض المشايخ كالشيخ عبد العزيز بن محمد الشتري، ونقرأ عليه في المجلس حديثا من أول صحيح البخاري فيشرحه شرحا موسعا بحيث يستغرق شرح الحديث الواحد أكثر الجلسة، وعرفته في أحد الأعوام يفسر سورة سبأ في مسجد سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ فكان يبقى في تفسير الآيتين نحو ساعة أو أكثر، ويستنبط من الآيات فوائد، وأحكاما، وأقوالا، وترجيحات يظهر منها عظمة القرآن وما فيه من الاحتمالات والفوائد، ومما يدل على موسوعية الشيخ وسعة اطلاعه وكثرة معلوماته» (١). ويقول الشيخ الدكتور حمد الجنيدل: «كان شيخنا - يرحمه الله - من العلم بمكان، وله طريقة متميزة في إلقاء الدروس، وتأثير عجيب على مستمعيه بأسلوب سهل متين، وعلم جم، وجوامع كلم، يتقن عدة علوم، من أبرزها: علم التفسير، والعقيدة، والفقه، وأصوله وعلم المنطق، وشيئا من علم الحديث، كان في علم التفسير أستاذا وفي كل ما أشرت إليه قمة يتمنى كل طالب علم أن يسمع له، وكان لا يدرس من كتاب بل له حافظة قوية جدا» (٢). ويقول الشيخ الدكتور صالح بن سعود آل علي - عضو مجلس الشورى-: « … وكان ﵀ ذا باع طويل في علوم الشريعة، له القدح المعلى في تفسير وعلوم القرآن، وقل أن يوجد له نظير في التوحيد وعلوم العقائد والمذاهب _________ (١) الدعوة ١/¬٥/¬١٤١٥ هـ. (٢) المسلمون ٤/¬٤/¬١٤١٥ هـ.

стр. 66

والملل والنحل. أما في علم أصول الفقه، فهو علم من أعلامه له في ميدانه اليد الطولى. وأما الفقه فإليه المنتهى» (١). ويقول الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري: «وكان هو والعلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي فرسي رهان ويظل لكل واحد منهما ميزته». والشيخ له باع في المنطق والعقليات وعلم الكلام، وعلى علم ودراية بمواقع الضعف في كتب العقيدة التي تدرس خارج المملكة على أسلوب المتكلمين كالسنوسية. بل كان الشيخ ذا عناية بالنسفية قبل أن يصل إلى السعودية، إلا أن سماحته لا يتظاهر بعلمه، ولكنه إذا سئل، أو ناقش أو طلب منه الدليل والتأصيل كانت فتواه عن علم مؤصل لا يملكه إلا خاصة من الأسلاف جمعوا بين المعقول والمنقول، حديثا وتفسيرا، وأصولا ولغة ومنطقا. وتعليقاته القليلة على بعض الكتب مثل الكتاب الفحل إحكام الآمدي في الأصول، كانت قليلة وكانت لمحة عالم (٢). ويقول الشيخ صالح الأطرم: «درسنا الشيخ عبد الرزاق في معهد الرياض العلمي، وفي كلية الشريعة، وفي المعهد العالي للقضاء في التفسير، وفي توحيد العبادة، وفي العقيدة، وفي الفقه وفي البلاغة، وفي النحو، وفي أصول الفقه فما درس مادة إلا أبدع فيها» (٣). _________ (١) عكاظ ٣/¬٢٨/¬١٤١٥ هـ. (٢) الجزيرة ٤/¬١٢/¬١٤١٥ هـ. (٣) الدعوة ٤/¬٢٤/¬١٤١٥ هـ.

стр. 67

الفصل الخامس: عقيدته السلفية لقد كان الشيخ عبد الرزاق ﵀ من أئمة الدعوة السلفية وأعلامها في هذا العصر وكان ﵀ مدافعا عنها بيده ولسانه في جميع مراحل حياته. فهو في مصر كان رئيسا لجماعة أنصار السنة المحمدية التي أسست لنشر التوحيد الخالص، ومحاربة القبوريين، وأهل البدع، فكان الشيخ عبد الرزاق ﵀ كما سبق أحد المؤسسين لهده الجماعة مع الشيخ حامد الفقي حيث كان نائبا له، ثم رئيسا للجماعة من بعده. وما بقى من آثار الشيخ عبد الرزاق المكتوبة كلها يشهد له بصفاء عقيدته في جميع أبواب الاعتقاد، فمن ذلك حاشيته على تفسير الجلالين التي نبه فيها إلى ما وقع في الكتاب من تأويلات أشعرية، وحواشيه على التدمرية، والحموية، والتبوكية وهي تحت الطبع الآن يظهر منها بجلاء أن الشيخ عبد الرزاق ﵀ كان يسير على منهج شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وعلى منهج شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵏، وهو المنهج السلفي القويم الحري بالاتباع. وقد شهد للشيخ بسلفيته كل من عرفه من علماء عصره وسوف أنقل لك بعضا من أقوالهم في ذلك: يقول الشيخ صالح بن عبد الرحمن الأطرم: كانت عقيدة الشيخ عبد الرزاق في أسماء الله وصفاته وتوحيد العبادة عقيدة السلف الصالح فيفسر «لا إله إلا الله» بلا معبود بحق إلا الله، وهذ التفسير هو الحق. وفي الأسماء والصفات كان على طريقة السلف الصالح فهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل على حد قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (١). _________ (١) سورة الشورى، الآية: ١١.

стр. 68

وكان كثيرا ما ينبهنا على دقائق ولطائف، فمن ذلك أن أحد مدرسي التفسير أثنى على تفسير الفخر الرازي، وكان عند أحد الكتبيين في الرياض منه نسختان، فسارعت لشراء واحدة وقرأت فيه ثم ذهبت إلى الشيخ عبد الرزاق وأثنيت على ذلك التفسير، وقلت له: لكني لم أسمع مشايخنا يذكرونه أو يقرؤونه على الناس، فقال لي بغضب: ألا تدري لماذا؟ ثم قال: ألا تعرف منهج مشايخك؟. وكنت إذ ذاك لم أسمع لفظة منهج، ثم قال: مشايخك مشايخ عقيدة سلفية، وتفسير الفخر الرازي فيه شوك لا يصلح أن يقرأ على العامة، ولا يصلح للمبتدئين في التعليم، فاستفدت من هذه اللفتة من الشيخ اختلاف المنهجيات وبيان المراد بها» (١). ويقول الشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي: «لقد امتاز ﵀ عن غالب زملائه وأقرانه الذين درسوا في الأزهر وفي غيره من المؤسسات العلمية، بشدة متابعته لسلف الأمة الصالح، وتركيزه في آرائه وتدريسه على العقيدة الإسلامية الصافية، المرتبطة بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ولقد كان يقوم كل بحث أو رأي في ضوء الأسس والأصول الصحيحة التي إلتزمها السلف الصالح، والأئمة الكبار حينما واجهوا الفلسفات المادية في الأصول والفروع» (٢). ويقول الشيخ عبد الله بن حافظ الحكمي: « … ولقد كان ﵀ واسع العلم بمسائل العقيدة شديد التمسك بمذهب السلف الصالح مع المعرفة التامة بالملل والنحل المختلفة وأصولها التي _________ (١) الدعوة ٤/¬٢٤/¬١٤١٥ هـ. (٢) الجزيرة ٤/¬١٢/¬١٤١٥ هـ.

стр. 69

تصدر عنها عالما بعوارها ومواطن دحضها. لقد كان ﵀ شديد الإعجاب بشيخ الإسلام ابن تيمية كثير الرجوع إلى مؤلفاته، وكان مما سمعته منه قوله: «لم أر لدى أكثر المؤلفين في العصور المتأخرة جديدا بل تكرار لما ذكره من سبقهم سوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فإنك تجد في مؤلفاته الكثير من العلم مما لم يسبق إليه» (١). ويقول الدكتور محمد لطفي الصباغ: «وكان تغمده الله بالرحمة سلفي العقيدة، يدعو إلى الحق على بصيرة، وكان رئيس جماعة أنصار السنة في الإسكندرية، يوم أن كان في مصر» (٢). ويقول الشيخ مناع خليل القطان: « … كان منهجه السلفي سمة بارزة فيه بأسلوب شائق جذاب يدعمه الدليل والحجة، ولا يمس أحدا بتجريح، مما جعل استجابة الناس له عن حب وقناعة» (٣). ويقول الشيخ عبد الله العجلان: « … وتعرفت على بعض مراجعه في الدراسة، وإعجابه ببعض العلماء وبعض الأئمة في بعض الأمور، كان تلميذا مخلصا على مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية قرأ إنتاجهما العلمي قراءة مكررة حتى وعى ما فيها عن قناعة وتشرب فقههما ومنحاهما في الاجتهاد واستقلالهما في أخذ الأحكام من الأدلة الشرعية، وهو يظهر الإعجاب بهما ولا يخفى على مجالسه _________ (١) الدعوة ٤/¬٢٤/¬١٤١٥ هـ. (٢) ترجمة خطية. (٣) ترجمة خطية.

стр. 70

تقديره لهذين الأمامين الجليلين، كما لا يخفي عليه إعجابه بحركة الإصلاح والتجديد في نجد على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومنهجه في الدعوة وحسن معالجته للمشكلات التي كانت تواجه دعوته … ويظهر بجلاء احترامه وتقديره لكثير من علماء المملكة العربية السعودية، وفي مقدمتهم الشيخان الجليلان الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد العزيز بن باز في علمهما وعملهما وذكر لي الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي وكان يثني عليه ثناء لعصره بحرا في علمه سديدا في توجيهه» (١). وليس أدل على صفاء عقيدته السلفية من أن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز كان يعهد إليه ببعض الكتب التي فيها مخالفات لمعتقد السلف طالبا منه أن ينبه على مواضع المخالفة. وإليك صورة مكاتبة بين الشيخ عبد الرزاق، والشيخ عبد العزيز بن باز حول كتاب الاعتقاد للإمام البيهقي حيث طلب الشيخ عبد العزيز من الشيخ عبد الرزاق تقريرا حول كتاب الاعتقاد للإمام البيهقي، فأجاب الشيخ عبد الرزاق بما نصه: _________ (١) ٢٦/ ١٤١٥٣ هـ.

стр. 71

(صورة التقرير)

стр. 72

(صورة التقرير)

стр. 73

«سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فبناء على كتاب سماحتك رقم في// ١٤٠٤ هـ الذي تطلب فيه تقريرا عن كتاب الاعتقاد للبيهقي. قرأت الكتاب فوجدته موافقا للسلف في مواضع كثيرة ومخالفا لهم في مواضع أخرى، وسأجمل فيما يلي ما يؤخذ عليه مما خالف فيه السلف في العقيدة: ١ - يصف الله وأسماءه بالقدم، ويسميه بالقديم، كما يتبين مما تحته خط في الصفحات التالية ٦، ٢٠، ٢٢، ٣٧، ٦٠، ٦١. ٢ - استدل على حدوث الكونيات بأنها محل للحوادث كسائر الأشعرية، فلزمهم بذلك نفي قيام الصفات الفعلية بالله والتزموا تأويل النصوص المثبتة لصفات الأفعال بما يسمونه قديما، كما يتبين ذلك بالرجوع إلى ما تحته خط في ص ٧. ٣ - تأول اسم الله - الرحمن - بالمريد لرزق كل حي في الدنيا، واسمه - الرحيم - بالمريد لإكرام المؤمنين في الجنة، وقال: «فيرجع معناها إلى صفة الإرادة التي هي صفة قائمة بذاته تعالى» ويعني بالإرادة - الإرادة الكونية الأزلية، لا الإرادة الدينية التي تعني المحبة، يتبين ذلك مما تحته خط من ص ١٥ - ١٩، وتأويل الإلهية بالقدرة على اختراع الأعيان. ٤ - ذهب في صفة الكلام إلى مذهب الكلابية، كسائر الأشعرية، فجعلها صفة نفسية ذاتية قديمة قائمة بذات الله تعالى، ورد صفة الحكم المفهومة من اسم الله الحكم وقال: «وقد يكون بمعنى حكمه لواحد بالنعمة والآخر لواحد بالمحنة.

стр. 74

فيكون من صفات فعله». وقال مثل ذلك في اسم الله - الشكور - وفي اسمه العدل - يتبين ذلك مما تحته خط من ص ١٦. ٥ - فسر اسم الله - العلي - بالأعلى القاهر، وبالذي علا وجل عن أن يلحقه صفات الخلق وقال: هذه صفة يستحقها بذاته. وتأول محبة الله عباده بإرادته رحمتهم وبمدحهم، وقال: فيرجع معناه إلى صفة الإرادة والكلام بمعنى الإرادة الكونية، والكلام النفسي، وقال: وقد يكون بمعنى إنعامه عليهم فيكون من صفات الأفعال. كما تقدم بيانه يتبين ذلك مما تحته خط من ص ١٧ - ١٩. ٦ - قال في اسم الله «المتعالي» هو المنزه عن صفات الخلق، وهذه صفة يستحقها بذاته وقد يكون العالي فوق خلقه بالقهر» ا. هـ. وهذا فرار من إثبات علو الله على خلقه بذاته ص ١٧ - ١٩. ٧ - بعد أن فسر أسماء الله الحسنى وذكر ما رآه فيها من احتمال ووجوه قال: «وهذه الوجوه التي في معانيها كلها صحيح، وربنا ﷻ ، وتقدست أسمائه متصف بجميع ذلك، فله الأسماء الحسنى، والصفات العلى، لا شبيه له في خلقه، ولا شريك له في ملكه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» ا. هـ. ص ٢١. ٨ - قال في ص ٢١ أيضا: «فلله عز اسمه أسماء وصفات، وأسماؤه صفاته وصفاته أوصافه» ا. هـ. فجعل أسماءه صفات، ومعلوم أن الإسم يتضمن الصفة، وأنها بعض مفهومه لا أنه الصفة.

стр. 75

٩ - في ص ٢١ - ٢٢ قسم صفات الله، قسمين: صفات ذات وصفات أفعال، وقسم صفات الذات قسمين: عقليا وهو ما كان طريق إثباته أدلة العقل مع ورود السمع به، فإذا دل وصف الواصف به على الذات فالإسم عين المسمى مثل شيء، ذات، موجود، جليل، عزيز، عظيم، متكبر، وإن دل وصف الواصف به على صفات زائدة على ذاته قائمة به مثل حي، عليم، قادر، سميع، بصير، متكلم، فالإسم في هذا لا يقال: إنه هو المسمى ولا أنه غير المسمى. وأما السمعي فما كان طريق إثباته السمع فقط كالوجه، واليدين، والعين، وهذه أيضا صفات قائمة بذاته، لا يقال فيها: إنها هي المسمى ولا غير المسمى، ولا يجوز تكييفها، فالوجه صفة وليست بصورة، واليدان له صفتان، وليستا الجارحتين، والعين له صفة وليست بحدقة … إلى آخر ما ذكره في ص ٢٢ - ٤٤. ولا يخفى ما في هذا من المخالفة للسلف من أهل السنة والجماعة، إذ فيه نفي تفصيلي، والسلف على خلافه، وإنما يمنعون الخوض في الكيف ويقولون: إنه مجهول أو غير معلوم، فيفوضون علمه إلى الله تعالى، كما يمنعون عموما الخوض فيما لم يخوضوا فيه نفيا وإثباتا. ١٠ - قال في صفات المعاني السبعة القدرة والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام: إنها زائدة على الذات قائمات بها، ليرد على المعتزلة، وقال: إنما قال النبي ﷺ : «أعوذ بكلمات الله التامة» (١) على طريق التعظيم. ا. هـ. يعني أن الجمع للتعظيم لا لكون كلامه تعالى متعدد بل هو شيء واحد هو الكلام النفسي الأزلي، يتبين ذلك مما تحته خط في ص ٢٥ حتى ص ٢٩، وفي ص ٣٢ حتى ص ٣٧. ١١ - ذكر في الاستواء طريقتين: طريقة التفويض، وطريقة حمله على وجه. _________ (١) حديث صحيح رواه البخاري (٣٣٧١) من حديث ابن عباس ﵄. ومسلم (٢٧٠٨) من حديث خولة بنت حكيم السلمية ﵂.
следующие страницы →