بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾
﴿آل عمران: ١٠٢﴾
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾
﴿النساء: ١﴾
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ ﴿الأحزاب: ٧٠ - ٧١﴾.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد:
الحمد لله الذي ميَّز الخبيث من الطيب، وجعل الخبيث كالزبد يذهب جفاء، وجعل الصحيح كالوابل الصيب، وهو سبحانه طيِّب لا يقبل إلا طيِّباً، والصلاة
стр. 2
والسلام على من بعثه ربه فرقاناً بين الحق والباطل، وعلى آله وأصحابه الأبطال البواسل، الذين ذبوا عن الإسلام وحاربوا كل باطل، فبقت الأمة الإسلامية برهة من الزمن على مثل البيضاء، ليلها كنهارها؛ ثم لما طال العهد، وقلَّ العلم، وكثر الجهل، انتشرت الأباطيل، والإشاعات والدعايات والانحرافات، والكذب على الله سبحانه وعلى رسوله ﷺ ، وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يشعرون، فانتشرت، واشتهرت، وصالت، وجالت الأحاديث والآثار الضعيفة والموضوعة، والقصص الواهية، بل والأشعار المهزوزة والمكذوبة، وتسربت من خلالها الأفكار المنحرفة، والعقائد الضالة، فتأثرت العامة والخاصة بهذا الكمِّ الهائل من الأباطيل في جوانب شتى، منها:
(١) ترك العمل بالأحاديث الصحيحة الثابتة، والانشغال بالموضوعة والضعيفة (١)، وأخطر من ذلك العمل بالأحاديث المخالفة للأحاديث
стр. 3
الثابتة، مثل حديث: (لا سلام على طعام). وقد حث الإسلام على السلام ولم يستثنِ حالة الطعام.
(٢) الوقوع في بعض الاعتقادات الفاسدة، مثل حديث: (لو اعتقد أحدكم بحجر لنفعه). فالحديث فيه دعوة إلى عبادة الأحجار دون الواحد القهار. ومثل البيت المكذوب المنسوب للأخطل النصراني: قد استوى بشر على العراق من غير سيف أودمٍ مهراق فيؤولون الاستواء في قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ﴿طه: ٥﴾. فيقولون (استوى) بمعنى استولى، وهذا باطل.
(٣) صرف الناس عن التوسل المشروع، ودعوتهم إلى التوسل الممنوع، مثل حديث: (توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم).
(٤) إثبات بعض الأسماء لله تعالى لم تثبت في الكتاب والسنة، مثل اسم (الجليل)، وذلك في الأثر الضعيف المشهور عن علي ﵁: (التقوى الخوف من الجليل … إلخ).
(٥) صرف الناس عن الصلاة والعبادة إذا حصل منهم شيء من التقصير، مثل الحديث الضعيف: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له).
(٦) انتشار البدع واندثار السنن، مثل حديث: (من شم الطيب فليصلِّ عليَّ) فأصبح من شم طيباً، أو ريحاناً، يقول: اللهم صل على محمد، ولم يكن هذا من هديه ﵊. وحديث: (إذا طنَّت
стр. 4
أذن أحدكم فليذكرني، وليصلِّ عليَّ، وليقل: ذكر الله من ذكرني بخير). وحديث: (من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني).
(٧) إدخال ما ليس من الإيمان في الإيمان، مثل حديث: (حب الوطن من الإيمان).
(٨) تأصيل أصول مخالفة لأصول الشريعة، مثل الحديث الذي لا أصل له: (اختلاف أمتي رحمة) وهو مخالف للنصوص التي تذم الاختلاف.
(٩) تحريم أشياء أحلَّها الله ، مثل حديث: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق).
(١٠) تشويه صور الصحابة رضوان الله عليهم، مثل القصة المفتراة على الصحابي الجليل ثعلبة بن حاطب ﵁ في منعه للزكاة، وتركه للصلاة. وقصة رمي حسَّان بن ثابت ﵁ بالجبن، وقصة رحيل بلال من الشام إلى المدينة، وأذانه وتمرغه بقبر الرسول ﷺ بعد موته.
وهذا الانتشار الواسع في جوانب شتى من الدين دليل على خطر داهِم، حتى أصبح كثير من هذه الأباطيل المكذوبة، والأخبار الموضوعة من المُسَلَّمات، ومن الثوابت الصحيحة التي لا يُقبل فيها الجدال والنقاش عند كثير من الناس، بل إن الواحد منهم يُصاب بالدهشة ودوران الرأس ويتعجب كل العجب! إذا قيل له: هذا حديث ضعيف، أو هذا أثر لا يثبت عن فلان، أو هذه قصة ليس لها إسناد، أو سندها ساقط، أو هذه الأبيات التي يترنم بها الشعراء والأدباء والمثقفون، ويرمون بها بريئاً لا
стр. 5
تثبت نسبتها إليه، يُصدم بهذا الخبر، ويرتج عليه، و يُشده؛ لأنك هدمت له يقيناً لا شك فيه، ومعلومات عاشت معه دهوراً مديدة، وأعواماً عديدة، فجئته أنت بفائدة جديدة، وبمعلومة فريدة، أفسدت عليه ثقافته التليدة، والصحيح أنك أصلحت وما أفسدت، وبنيت وما هدمت، وصفَّيت وما كدرت، والحق أحق أن يُتبع، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ ﴿الأنبياء: ١٨﴾.
ثم اعلم أن هذا الانتشار الكبير، لهذه الأحاديث والآثار والقصص والأشعار، في جميع مستويات وطبقات الناس، من الرجال والنساء، والصغار والكبار، بل على مستوى بعض الدعاة، وخطباء المساجد، والمثقفين، والمدرسين، سببه ما يلي: …
(١) الجهل.
(٢) القنوات التي تبث برامج دينية.
(٣) الإذاعات الإسلامية.
(٤) الجرائد والمجلات.
(٥) الكتب التي لا يعتني مؤلفوها بالصحيح والضعيف.
(٦) خطباء المساجد والمحاضرون، الذين لا يميزون بين الصحيح والضعيف.
стр. 6
(٧) بعض المناهج الدراسية المقررة على الطلاب والطالبات في المدارس.
(٨) عدم سؤال العلماء العالمين بهذا الفن عن تلك الأحاديث التي سمعها من هذه المصادر، وهناك مصادر أخرى انتشرت من خلالها الأحاديث والآثار والقصص والأشعار الواهية، اكتفيت بما أشرت إليه خشية الإطالة.
خطة البحث:
فلهذه الأسباب وغيرها حرصت منذ سنين أن أقوم بجمع بعض المشتهرات، من الأحاديث والآثار والقصص والأشعار، التي كثر انتشارها واشتهارها في أوساط الناس في عصرنا هذا، وحرصت أن لا أذكر في كتابي هذا إلا أخباراً ساقطة، بأسانيد واهية، أو لا أصل لها، أو أجمع أهل العلم بالنقل على بطلانها، أو ذهب أكثر المحققين من أهل العلم بالحديث إلى تضعيفها، وأما غير ذلك فقليل نادر، ممالم أجد من تكلم عليه إلا آحاد العلماء من المتقدمين أو المتأخرين، وحاولت أن أجمع ما أمكن بين المتقدمين والمتأخرين في الحكم على الحديث (١)، أو الأثر، أو القصة، أو الأبيات الشعرية، وبخاصة علماء الدعوة السلفية المعاصرين،
стр. 7
وذلك لجهودهم المبذولة المشهورة، والمشكورة في خدمة الإسلام والمسلمين، كيف لا وهم المقيَّضون لحراسة قلعة السنة من عبث العابثين، وإفساد المفسدين.
ولِما جعل الله لهم من القبول في قلوب الناس، والتسليم لأحكامهم وفتاويهم، وكذلك ليرتبط الناس بخير خلف لخير سلف. مثل: خاتمة المحدثين، وصيرَفي الحديث، من وُصف بطول الباع، وسعة الاطلاع، وقوة الإقناع، العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني، وكذا الإمام حقاً، وشيخ الإسلام صدقاً، سماحة العلامة عبد العزيز بن باز، وشيخنا العلامة المجاهد سيف السنة، وقامع البدعة، محدث الديار اليمنية، والجزيرة العربية، مقبل بن هادي الوادعي (١)، والعلامة المتفنن البارع بحر العلوم، شيخنا محمد بن صالح العثيمين، واللجنة الدائمة المبجلة حرسها الله.
أولئك أشياخي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا أُخي المجامع
رحم الله من مات منهم وسقاهم من سلسبيل الجنة، وحفظ الله من بقي ومتع به.
стр. 8
وقد قمت بتقسيم البحث إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: الأحاديث.
القسم الثاني: الآثار (١).
القسم الثالث: القصص.
стр. 9
القسم الرابع: الأشعار (١).
• وقد ذكرت مصادر البحث والتحقيق من باب الأمانة والتوثيق، إلا ما ندر، أو كان سماعاً من شيخنا الوادعي ﵀.
• واستخدمت في حكمي على الحديث كلمة (ضعيف)، أو (موضوع) أو (لا أصل له)، أو (منكر)، أو (ليس بحديث)، أو ما شابهها من المصطلحات المعروفة عند كثير من القراء تسهيلاً لهم، مع أن الحديث قد يكون معضلاً، أو مرسلاً، أو منقطعاً، … فأُبيِّن ذلك في الكلام على علة الحديث.
• وقد أذكر أحياناً تحت حديث الباب بعض الأحاديث الضعيفة التي في معناه.
• وقد قمت بالتعليق بعد التخريج والتحقيق على كل حديث بما يُناسبه، فإن كان معناه صحيحاً نصرته وبينته، وأتيت بما
стр. 10
يُؤيده ويُغني عنه من الأحاديث الصحيحة، وإن لم يكن معناه صحيحاً نبهت على ذلك، وبيَّنت وجه الصواب فيه، فجاء الكتاب بفضل الله الملك الوهاب معالجاً لأمراض شتى، من بيان الصحيح من الضعيف في الحكم على الأحاديث والآثار، والقصص والأشعار، وبيان ما تحمله بعض هذه الأخبار من عقائد فاسدة، ومفاهيم خاطئة، وسلوكيات شاذة، وانحرافات مخالفة للكتاب والسنة، شوهت جمال الإسلام عند غير أهله، كل ذلك تجده بإذن الله في التعليق على الأحاديث.
والحق أن هذا التعليق يحمل علماً غزيراً، وفقهاً وفيراً، جمعت فيه ما تفرق من الفوائد والشوارد، فأصبح كالعذب الزلال لكل شارب ووارد، أوكأزهار متناثرة في حدائق ذات بهجة فيها من كل زوج بهيج، التقطتها ليستفيد منها القريب والبعيد، فهو كتاب عجيب له من اسمه أعظم نصيب.
وإذا أردت منازلَ الأشَرَافِ فاقرأ هُدِيتَ الرشدَ في الإسعَافِ
وانهل من العذبِ الزلالِ مواردا وانأ بنفسك عن ذوي الإجحافِ
فيا أيها الناظر فيه لك غنمه وعليَّ غرمه، ولك صفوه وعليَّ كدره، وهذه بضاعتنا المزجاة تُعرض عليك، وبنات أفكارنا تُزف إليك، فإن
стр. 11
صادفت كفؤاً كريماً لم تعدم منه إمساكاً بمعروف، أو تسريحاً بإحسان، وإن كان غير ذلك فالله المستعان (١).
وقديماً قال الصولي: المتصفح للكتاب أبصر بمواقع الخلل فيه من مُنشئه.
ورحم الله العماد الأصفهاني القائل: إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلا قال في غده: لو غيرت هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو تُرِكَ هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر.
وقال المزني ﵀: قرأت كتاب "الرسالة" على الإمام الشافعي ﵀ ثمانين مرة، فما من مرة إلا وكان يقف على خطأ، فقال الشافعي: هيه -أي حسبك واكْفُفْ- أبى الله أن يكون كتاب صحيحاً غير كتابه (٢).
قال أحدهم: …
كم من كتابٍ قد تصفَّحتُهُ … وقلتُ في نفسي أصلحتُهُ
حتى إذا طالعته ثانياً … وجدتُ تصحيفاً فصححتُهُ
وإني لمعترف بالتقصير في تناول هذا الموضوع سلفاً، وهذا جهد بشري يعتريه الخطأ والنقص. (وأفضل الصدقة جهد المقل) (٣).
стр. 12
والله أسأل أن يبارك في كل من ساهم في إنجاز هذا السَّفْر المبارك، وأسأله سبحانه أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، طاهراً من شوائب الإحباط، وأن ينفع به طالبي الحق، ورواد الحقيقة، والباحثين عنها، وأتضرع إلى من إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه، أن يجعله من الأعمال التي لا ينقطع نفعها عني بعد إدراجي في الأكفان، ومفارقة الأهل والأوطان، كما أسأله سبحانه باسمه الأعظم الذي إذا سُئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب، أن يجعل هذا العمل حجاباً لي في الحياة من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وحجاباً من النار يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وله سبحانه وبحمده الشكر عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته على ما وفق وأسدى، وعلى نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، وصلى الله وسلم وبارك على عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وعلى آله وأصحابه مصابيح الدجى، وأئمة الهدى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. …
كتبه الفقير إلى رحمة ربه ورضوانه
أبو عمار محمد بن عبد الله باموسى
اليمن - الحديدة - مركز السلام العلمي
стр. 13
القسم الأول (الأحاديث)
стр. 14
(١) حديث: (آخر الدواء الكي) .
(ليس بحديث)
لقد اشتهر هذا الكلام على ألسِنة كثيرٍ من الناس على أنه حديث نبوي وليس كذلك، وإنما هو من أمثال العرب، وانظر:
(١) "فتح الباري" (١٠/ ١٤٥) قال الحافظ: إنما هو من أمثال العرب.
(٢) "فيض القدير" (٤/ ٢٣٢) تحت حديث رقم (٤٩٤١).
(٣) "المقاصد الحسنة" رقم (١).
(٤) "التمييز" (ص: ٦).
(٥) "الجد الحثيث في بيان ماليس بحديث" رقم (١).
(٦) "الشذرة في الأحاديث المشتهرة" رقم (١).
(٧) "المصنوع في معرفة الحديث الموضوع" رقم (١٠).
(٨) "كشف الخفاء" رقم (٧).
(٩) "النوافح العطرة" رقم (٧).
(١٠) "تحذير المسلمين" رقم (٣٦٦).
(١١) "معجم الأمثال العربية" (١/ ٤٢).
стр. 15
التعليق:
قلت: لكن جاء ذكر الكي في بعض النصوص الصحيحة، في آخر مرحلة للعلاج كما في قوله ﷺ : (الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية بنار، وأنهى أمتي عن الكي) أخرجه البخاري (١).
وقال العلامة ابن القيم (٢) ﵀: وأما النهي عن الكي، فهو أن يكتوي طلباً للشفاء، وكانوا يعتقدون أنه متى لم يكتوِ هلك، فنهاهم عنه لأجل هذه النية. وقيل: إنما نهى عنه عمران بن حصين ﵄ خاصةً، لأنه كان به ناصور، وكان موضعه خطراً، فنهاه عن كيه، فيشبه أن يكون النهي منصرفاً إلى الموضع المخوف منه، والله أعلم.
وقال ابن قتيبة ﵀: الكي جنسان:
الأول: كي الصحيح لئلا يعتلَّ، فهذا الذي قيل فيه: (لم يتوكل من اكتوى)، لأنه يريد أن يدفع القدر عن نفسه.
والثاني: كي الجرح إذا نَغِلَ، والعضو إذا قُطِعَ، ففي هذا الشفاءُ.
وأما إذا كان الكي للتداوي الذي يجوز أن ينجع، ويجوز أن لا ينجع فإنه إلى الكراهة أقرب. اهـ.
стр. 16
وثبت في الصحيح في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب: (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) أخرجه البخاري ومسلم (١).
فقد تضمَّنت أحاديث الكي أربعة أنواع:
أحدها: فعله؛ لما رواه جابر ﵁ قال: (رُمي سعد بن معاذ في أكحله قال: فحسمه النبي ﷺ بيده بمشقص … ) حسمه، أي: كواه. رواه مسلم.
الثاني: عدم محبته له؛ لما رواه جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن كان في شيء من أدويتكم … وما أحب أن أكتوي) رواه البخاري ومسلم.
الثالث: الثناء على من تركه.
الرابع: النهي عنه.
ولا تعارض بينها بحمد الله تعالى، فإن فعله يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه، وأما الثناء على تاركه، فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهة، أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه فيفعل خوفاً من حدوث الداء. والله أعلم.
وقد تكلم على هذه المسألة الحافظ ابن حجر-﵀ في "الفتح"، والعلامة الألباني ﵀ في "الصحيحة" تحت حديث: (من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل)، بكلام نفيس فارجع له إن شئت (٢).
стр. 17
(٢) حديث: (آفة العلم النسيان … ).
(ضعيف) …
(١) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٦/ ١٩٠) كتاب الأدب رقم (٧) عن الأعمش مرسلاً، ورواه الدارمي (ص: ١٧٠) رقم (٦٢٨) مرسلاً كما في "مشكاة المصابيح" (١/ ٨٨) رقم (٢٦٥).
(٢) والبخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٢٦٤ - ٢٦٥) رقم (٨٤٤) عن ابن مسعود ﵁ قال: (لكل شيء آفة، وآفة العلم النسيان). قال محمد: لم يكن في العراق هذا الحديث عند أحد من أصحاب سفيان، سألني عنه عباس العنبري.
(٣) والبيهقي في "الشُّعب" (٤/ ١٥٧) رقم (٤٦٤٧)، وقال: تفرد به محمد بن عبد الله الحبطي عن شعبة وليس بالقوي.
(٤) قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٢٣): سنده ضعيف.
(٥) قال العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ١٦): سنده ضعيف.
(٦) قال العلامة الألباني في "الضعيفة" (١٣٠٣): رواه أبو سعيد الأشج في حديثه (٢٢٢/ ١) حدثنا أبو أسامة عن الأعمش قال: قال رسول الله ﷺ فذكره. ورواه أيضاً أبو الحسين الأبنوسي في "الفوائد" (٢٤/ ٢) عن علي بن الحسين قال: حدثنا أبو داود عن
стр. 18
الأعمش قال: كان يُقال: فذكره ولم يرفعه، والوقف أصح، والمرفوع ضعيف معضل. وقال ﵀: هذا الحديث معضل فإن الأعمش لم يسمع من أحد من الصحابة، ولا من أنس وإنما رآه فقط. (١).
التعليق:
قلت: تبين لك أخي الكريم ضعف هذا الحديث، لكنه صحيح المعنى، كما ذكر ذلك السخاوي والعجلوني وغيرهما من أهل العلم؛ وقد وردت آثار كثيرة عن السلف تدل على ذلك.
وقال ابن عبد البر (٢) ﵀: (آفة العلم وغائلته وإضاعته، وكراهية وضعه عند من ليس بأهل):
عن الزهري ﵀ قال: إن للعلم غوائل، فمن غوائله أن يُترك العالم حتى يذهب بعلمه؛ ومن غوائله النسيان؛ ومن غوائله الكذب فيه وهو شر غوائله.
وعنه قال: إنما يُذهِب العلمَ النسيان وترك المذاكرة.
وعن ابن بريدة قال: قال لي عليٌ: تذاكروا هذا الحديث، فإنكم إن لم تفعلوا يُدْرس. رواه الدارمي.
стр. 19
وعن عبد الله بن بريدة أن دغفل بن حنظلة قال لمعاوية ﵁ في حديث ذكره: إن غائلة العلم النسيان.
وقال الحسن ﵀: غائلة العلم النسيان وترك المذاكرة. رواه الدارمي.
وعن معاوية بن صالح قال: حدثني أبو فروة أن عيسى ابن مريم ﵇ كان يقول: لا تمنع العلم أهله فتأثم، ولا تضعه عند غير أهله فتجهل، وكن طبيباً رفيقاً يضع دواءه حيث يعلم أنه ينفع.
وقال الحسن ﵀: لولا النسيان لكان العلم كثيراً.
وقال عكرمة ﵀: إن لهذا العلم ثمناً، قيل: وما ثمنه؟ قال: أن تضعه عند من يحفظه ولايضيعه.
فإن قال قائل: إن بعض الحكماء كان يحدث بعلمه صبيانه وأهله ولم يكونوا لذلك بأهل. قيل له: إنما فعل ذلك من فعله منهم لئلا ينسى.
وعن الأعمش-﵀: أن إسماعيل بن رجاء كان يجمع صبيان الكتاب يحدثهم لئلا ينسى حديثه.
وعن سعيد بن عبد العزيز: أن خالد بن يزيد بن معاوية كان إذا لم يجد أحداً يحدثه يحدث جواريه، ثم يقول: إني لأعلم أنكنَّ لستنَّ له بأهل يريد بذلك الحفظ. اهـ.
стр. 20
(٣) حديث: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق) .
(ضعيف)
أخرجه أبو داود (٢١٧٧، ٢١٧٨)، وابن ماجه رقم (٢٠١٨)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٤٨٩٤، ١٤٨٩٥، ١٤٨٩٦)، والحاكم في "المستدرك" (٢٨٥٣)، وابن عدي في "الكامل" (٨/ ٢٢٢).
قلت: وهذا الحديث على شهرته الكبيرة في أوساط الناس ضعيف كما نصَّ على ذلك أئمة هذا الشأن، فقد اختلفوا في وصله وإرساله، ورجَّح جمع من الحفاظ إرساله، منهم:
(١) الدارقطني.
(٢) البيهقي.
(٣) أبو حاتم. "التلخيص الحبير" (٣/ ٢٠٥).
(٤) قال السخاوي في "المقاصد" (ص: ٣٠): صحح البيهقي إرساله -كما في "سننه" (١٤٨٩٥) -، وقال: إن المتصل ليس محفوظاً، ورجَّح أبو حاتم الرازي المرسل.
قلت: وفي الحديث علة أخرى غير علة الإرسال، وهي عبيد الله بن الوليد الوصافي، وهو متروك.
стр. 21
(٥) قال ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/ ٦٣٨) رقم (١٠٦٥): هذا حديث لا يصح. قال يحيى بن معين: الوصافي ليس بشيء، وقال الفلاس والنسائي فيه: متروك الحديث.
(٦) وضعَّف الحديث المناوي في "فيض القدير" (١/ ١٠٥).
(٧) وضعَّف الحديث العلامة الألباني في "إرواء الغليل" (٢٠٤٠)، واستوفى الكلام على علته وناقش من قال بصحته (١).
(٨) وشيخنا العلامة مقبل الوادعي في تعليقه على "المستدرك" رقم (٢٨٥٣) قال: هذا الحديث ضعيف والراجح إرساله.
(٩) وقال العلامة ابن عثيمين في "الممتع" (١٠/ ٤٢٨) و"دروس وفتاوى في الحرم المكي" (ص: ١٠٤٨): الحديث هذا ضعيف.
التعليق:
قلت: الأصل في جواز الطلاق الكتاب والسنة والإجماع؛ ولا يشك عاقل أن الطلاق له مفاسد، إذا كان في غير موضعه، وله مصالح إذا كان في موضعه، وديننا شرع النكاح وشرع الطلاق، وإليك بعض مصالح ومفاسد الطلاق:
стр. 22
(١) الغرض من النكاح البقاء والدوام، وبناء بيت الزوجية، وتكوين الأسرة التي نواتها الزوجان.
(٢) الطلاق هدم لهذا البيت، ونقض لدعائمه، وإزالة لمعالمه، لما يجره من الويلات، ولما يعقبه من النكبات، ولما يسببه من المصاعب والمفاسد.
(٣) الطلاق إبطال لمصالح النكاح المتعددة، من تكوين الأسرة، وحصول الأولاد وتكثير سواد المسلمين.
(٤) الطلاق تفرقٌ بعد وفاق سعيد، وهمٌّ بعد فرح، ويأسٌ بعد أملٍ كبير.
(٥) الطلاق يسبب العداوة والبغضاء بين الزوجين، وبين الأسرتين، بعد التقارب والتآلف والتعارف.
(٦) الطلاق يشتت الأولاد الموجودين، ويفقدهم إما قيام الأب، وتربيته، وتعليمه، وتوجيهه، وإما يفقدهم حنان الأم، ورعايتها، وعطفها.
(٧) الطلاق لا يكون محموداً، ولا تبرز حكمة شرع الله فيه، إلا حينما تسوء العشرة الزوجية، وتفقد المحبة والمودة ويكثر الشقاق والخلاف ويصعب التفاهم والتلاؤم، ولا يمكن الاجتماع، فحينئذ يكون الطلاق رحمة، ويكون التفرق نعمة قال تعالى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ﴿البقرة: ٢٢٩﴾. وقال تعالى ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ ﴿النساء: ١٣٠﴾.
стр. 23
(٨) وبهذا يعرف جلال هذا الدين، وسمو تشريعاته، وأنها الموافقه للعقل الصحيح، ومتمشية مع المصالح العامة والخاصة.
(٩) قال الوزير: أجمعوا على أن الطلاق مكروه في حال استقامة الزوجين، إلا أبا حنيفة فهو عنده حرام مع الاستقامة.
(١٠) الطلاق تجري فيه الأحكام التكليفية الخمسة:
١ - يُباح عند الحاجة إليه كسوء خلق المرأة.
٢ - يُستحب إذا كانت الزوجة متضررة باستدامة النكاح، وهي الحالة التي تحوجها إلى المخالعة.
٣ - يجب إذا أبى المُولي الفيئة (أي أن من آلا من زوجته ورفض مراجعتها بعد انتهاء المدة)، وكذلك الصواب: أنه يجب عند ترك أحد الزوجين العفة، أو الصلاة، وغيرها من حقوق الله تعالى.
٤ - يحرم للبدعة، وهي إذا أوقع الطلاق وكانت حائضاً، أو نفساء، أو في طهر جامع فيه، أو بالثلاث بكلمة واحدة، أو بكلمات لم يتخللهن نكاح ولا رجعة.
٥ - يكره لعدم الحاجة إليه (١).
стр. 24
(٤) حديث: (ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا) .
(ضعيف)
رواه ابن ماجه (١٣٣٧) وأحمد في "الزهد" (ص: ١٣٥)، وأبو يعلى في "مسنده" (١/ ٣٣٠) رقم (٦٨٥)، والبيهقي في "الشعب" (٢/ ٣٦٢) رقم (٢٠٥١)، و"السنن الكبرى" (١٠/ ٢٣١) عن سعد بن أبي وقاص ﵁.
ولفظه: (إن هذا القرآن نزل بحزن وكآبة فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا).
وفي إسناده: أبو رافع، وهو إسماعيل بن رافع الأنصاري، وهو ضعيف كما في "التقريب"، والوليد بن مسلم وهو مدلس.
وضعَّف الحديث: العلامة الألباني في "الضعيفة" (٦٥١١)(١).
وذكره العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٢٩) رقم (٤٢).
التعليق:
قلت: ترتيل القرآن والتغني به وتحسين الصوت عند قراءته والخشوع أمر مطلوب، وقد دلت عليه أدلة أخرى، فقد كان النبي ﷺ يأمر بتحسين
стр. 25
الصوت بالقرآن، فيقول: (زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً) (١).
ويقول النبي ﷺ : (إن من أحسن الناس صوتاً بالقرآن، الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله) (٢).
وانظر "صفة الصلاة" (٣) للألباني ﵀ فقد ذكر بحثاً نفيساً في هذا الموضوع.
стр. 26
(٥) حديث: (اتقِ شر من أحسنت إليه) .
(ليس بحديث)
قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٣٩) رقم (٢٥) لا أعرفه، يُشبه أن يكون من كلام بعض السلف.
ونقل كلام السخاوي المتقدم:
ابن الديبع في "التمييز" (ص: ٩)، والقاري في "المصنوع" (ص: ٤٥) رقم (١)، والعامري في "الجد الحثيث" (ص: ٣٨) رقم (٦)، والصعدي في النوافح العطرة (ص: ١٩) رقم (٣٢)، والشوكاني في "الفوائد المجموعه" (ص: ٨١) رقم (٥٨).
التعليق:
قلت: قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" هذا الكلام ليس على إطلاقه، بل هو محمول على اللئام غير الكرام، ويشهد لذلك مافي "المجالسة" للدينوري عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: الكريم يلين إذا استعطف، واللئيم يقسو إذا ألطف.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ما وجدت لئيماً إلا قليل المروءة.
وقد أحسن من قال:
стр. 27
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته … وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
وقال أبو عمرو بن العلاء أحد الأئمة يخاطب بعض أصحابه: كن من الكريم على حذر إذا أهنته، ومن اللئيم إذا أكرمته، ومن العاقل إذا أحرجته، ومن الأحمق إذا رحمته، ومن الفاجر إذا عاشرته، وليس من الأدب أن تجيب من لا يسألك، أو تسأل من لايجيبك، أوتحدث من لاينصت لك.
وفي الإسرائيليات، يقول الله: من أساء إلى من أحسن إليه، فقد بدل نعمتي كفراً، ومن أحسن إلى من أساء إليه، فقد أخلص لي شكراً.
وعند البيهقي في "الشعب" عن محمد بن حاتم المظفري، قال: اتق شر من يصحبك لنائلة، فإنها إذا انقطعت عنه لم يعذر، ولم يبال ما قال وما قيل فيه.
وللدينوري في "المجالسة" من طريق ابن عائشة عن أبيه قال: قال بعض الحكماء: لا تضع معروفك عند فاحش، ولا أحمق، ولا لئيم، ولا فاجر، فإن الفاجر يرى ذلك ضعفاً، والأحمق لايعرف قدر ما أتيت، فارزق معروفك أهله تحصل به شكراً.
وفي المرفوع ما يشهد للأخير. اهـ.
قلت: نعم وفي الوحي ما يشهد لذلك فالله تعالى خلق العباد ليعبدوه، ورزق الخليقة ليشكروه، فعبد الكثير غيره، وشكر الغالب سواه، فخير الله
стр. 28
إلى العباد نازل، وشرهم إليه صاعد، لأن طبيعة الجحود، والنكران، والجفاء، وكفران النعم، غالبة على النفوس البشرية، إلا ما رحم ربي، قال تعالى … ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ ﴿سبأ: ١٣﴾.
وقال ﷺ : (لا يشكر الله من لا يشكر الناس) (١).
فلا تُصدم يا أخي إذا وجدت هؤلاء قد كفروا جميلك، وجحدوا إحسانك، ونسوا معروفك، بل ربما ناصبوك العداء، ورموك بمنجنيق الحقد الدفين، لا لشيء، إلا لأنك أحسنت إليهم ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ﴿التوبة: ٧٤﴾.
فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وطالع سجل العالم المشهود، وقلب صفحات التاريخ، فإذا في فصوله قصة أبٍ ربَّى ابنه، وغذاه وكساه، وأطعمه، وسقاه، وأدبه، وعلمه، وسهر لينام، وجاع ليشبع، وتعب ليرتاح، فلما طرَّ شارب هذا الابن، وقوي ساعده، أصبح لوالده كالكلب العقور، استخفافاً، ازدراءً، مقتاً، عقوقاً صارخاً، عذاباً وبيلاً، اللهم سلِّم سلم، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان، حقاً نحن في زمن العقوق، وجفاف المشاعر، ألا فليهدأ الذين احترقت أوراق جميلهم عند منكوسي الفطر، ومحطمي الإرادات، وليهنأوا بعِوض المثوبة عند من لا تنفد خزائنه.
стр. 29
إن هذا الخطاب الحار لا يدعوك لترك الجميل وعدم الإحسان للغير، وإنما يوطنك على انتظار الجحود، والتنكر لهذا الجميل والإحسان، فلا تبتئس بما كانوا يصنعون، ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ ﴿المجادلة: ٦﴾.
اعمل الخير لوجه الله تعالى، لأنك الفائز على كل حال، في الحال وفي المآل وليكن على بالك دائما قوله ﷺ : (خير الناس أنفعهم للناس) (١).
ثم لا يضر غمط من غمطك، ولا جحود من جحدك، واحمد الله لأنك المحسن، وهو المسيء، واليد العليا خير من اليد السفلى ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ … جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ ﴿الإنسان: ٩﴾.
وقد ذهل كثير من العقلاء عن جبلَّة الجحود عند الغوغاء، وكأنهم ما سمعوا الوحي الجليل، وهو ينعي على الصنف عتوه وتمرده ﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ ﴿يونس: ١٢﴾.
لا تفجأ إذا أهديت بليداً قلماً فكتب به هجاءك ظلماً، أو منحت جافياً عصاً يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، فشج بها رأسك، هذا هو الأصل عند كثير من هذه البشرية المحنطة في كفن الجحود مع باريها جلَّ في علاه، فكيف بها معي ومعك ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ ﴿الأعراف: ١٧﴾.
стр. 30
ولله دَرُّ من قال:
أعلمه الرماية كل يوم … فلما اشتد ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي … فلما قال قافية هجاني
стр. 31
(٦) حديث: (اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله) .
(ضعيف)
رواه البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ١/ ٣٥٤)، والترمذي (٣٣٤٦) عن أبي سعيد ﵁.
وابن عدي في "الكامل" (٨/ ١٤٧)، عن أبي أمامة ﵁.
وابن جرير في "التفسير" (٧/ ٥٢٨) رقم (٢١٢٤٩، ٢١٢٥٠، ٢١٢٥١)، عن ابن عمر ﵄.
وجاء عن غيرهم، وكل طُرقه واهية.
قال العلامة الألباني ﵀ في "الضعيفة" (١٨٢١)(١): وجملة القول أن الحديث ضعيف لا حسن ولا موضوع، وإليه مال الحافظ السخاوي في "المقاصد الحسنة" رقم (٢٣).
قلت: والحديث مال إلى تضعيفه كذلك:
ابن الديبع في "التمييز" (ص: ٩).
والعجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٤٢) رقم (٨٠).
стр. 32
والحلبي في "فوائد الفوائد" (ص: ٤٦٣) قال: (اتقوا فراسة المؤمن) حديث ضعيف، وعزا تخريج الحديث إلى رسالته "كشف المتواري من تلبيسات الغماري" (ص: ١٩ - ٢٢). قال: وقد حاول البعض تصحيح الحديث، ولمْلمَ له ما ظنَّه يقويه، ولكنه لم يفلح، ولعلّي أتعقبه في رسالة مفردة، إذا نَسَأَ الله في العمر، وفسح في الوقت. اهـ.
التعليق:
قلت: ومعنى الحديث صحيح، ويُغني عنه حديث: (إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم) (١). ويقول الله تعالى ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ ﴿الحجر: ٧٥﴾. ذكر عدد من أهل العلم أن هذه الآية في أهل الفِراسَة.
والفِراسَة: نور يقذفه الله في قلب عبده المؤمن، الملتزم سنة نبيه ﷺ ، يكشف له بعض ما خفي على غيره، مستدلاً عليه بظاهر الأمر، فيُسدد في رأيه، يفرق بهذه الفِراسة بين الحق والباطل، والصادق والكاذب، دون أن يستغني بذلك عن الشرع.
وللعلامة ابن القيم كلام نفيس حول الفِراسة انظرها إن شئت في "مدارج السالكين" (٢/ ٤٥٢ - ٤٦٣).
стр. 33
(٧) حديث: ( … أجتهد رأيِي ولا آلو … ).
(ضعيف)
أخرجه أحمد في "المسند" (٢٢٠٦٨) و (٢٢١٦١)، وأبو داود مع "عون المعبود" (٩/ ٣٦٨) رقم (٣٥٨٧)، والترمذي مع "التحفة" (٤/ ٥٥٦ - ٥٥٧) رقم (١٣٤٢)، والعقيلي في "الضعفاء" (١/ ٢١٥) رقم (٢٦٢)، وابن عدي في "الكامل" (٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦) رقم (٣٨٠)، وابن حزم في "الإحكام في أصول الأحكام" (٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤).
من طرق عن أصحاب معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن قال له: (كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: بسنة رسول الله ﷺ ، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله ﷺ ؟ قال: أجتهد رأيِي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله ﷺ صدره). فذكره.
قال شيخنا الوادعي ﵀ في تعليقه على "تفسير ابن كثير" (١/ ١١) (١): اختلف الناس في هذا الحديث، فمنهم من يقول: إنَّ سنده جيد.
(١) كالحافظ ابن كثير.
стр. 34
(٢) وشيخه ابن تيمية.
(٣) ويؤيد ذلك ابن القيم في "إعلام الموقعين".
(٤) والشوكاني في "إرشاد الفحول".
ومنهم من حكم عليه بالوضع:
(١) كالجوزقاني في "الأباطيل والمناكير" (١/ ٢٤٣ - ٢٤٥) رقم (١٠١) قال: هذا حديث باطل … إلخ.
(٢) ابن حزم في "الإحكام في أصول الأحكام".
ثم قال ﵀: والحق أنه لا يثبت سنداً ولا متناً.
وقال العلامة الألباني ﵀ في "الضعيفة" (٨٨١)(١): وجملة القول أن الحديث لا يصح إسناده، فقد أعلَّ بعلل ثلاث:
(١) الإرسال.
(٢) جهالة أصحاب معاذ.
(٣) جهالة الحارث بن عمرو.
стр. 35
فمن كان عنده من المعرفة بهذا العلم الشريف، وتبيَّن له ذلك فبها، وإلا فحسبه أن يستحضر أسماء الأئمة الذين صرحوا بتضعيفه، فيزول الشك من قلبه، وهأنذا أسردها، وأقربها إلى القراء الكرام:
(١) البخاري.
(٢) الترمذي.
(٣) العقيلي.
(٤) الدارقطني.
(٥) ابن حزم.
(٦) ابن طاهر.
(٧) ابن الجوزي.
(٨) الذهبي.
(٩) السبكي.
(١٠) ابن حجر، وغيرهم.
كل هؤلاء -وغيرهم ممن لا نستحضرهم- قد ضعَّفوا هذا الحديث. اهـ.
قلت: ولمزيد من التوسع انظر "الضعيفة" للعلامة الألباني ﵀ برقم الحديث السابق، فقد ذكر بحثاً قيماً نفيساً متكاملاً في هذا الحديث، وردَّ على كل من مال إلى تصحيحه، كالكوثري وغيره.
стр. 36
التعليق:
قال العلامة الألباني ﵀: الحديث صحيح المعنى فيما يتعلق بالاجتهاد، وعند فقدان النص، وهذا مما لاخلاف فيه، ولكنه ليس صحيح المعنى عندي فيما يتعلق بتصنيف السنة مع القرآن، وإنزاله إياه معه منزلة الاجتهاد منهما، فكما أنه لايجوز الاجتهاد مع وجود النص في الكتاب والسنة، فكذلك لا يؤخذ بالسنة إلا إذا لم يوجد في الكتاب، وهذا التفريق بينهما مما لايقول به مسلم، بل الواجب النظر في الكتاب والسنة معاً، وعدم التفريق بينهما، لما عُلِم من أن السنة تبيِّن مجمل القرآن، وتقيد مطلقه، وتخصص عمومه.
وقال شيخنا الوادعي ﵀: ومتن الحديث يفيد أننا لانرجع إلى السنة إلا إذا لم نجد في كتاب الله، مع أن السنة قد تكون مقيدة لمطلق القرآن ومبينة لمجمله، ومخصصة لعامه، فالواجب الرجوع في القضية إلى الكتاب وسنة رسول الله ﷺ جميعاً.
стр. 37
(٨) حديث: (أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار) .
(ضعيف)
أخرجه الدارمي في سننه (ص: ٧٢ - ٧٣) من طريق عبيد الله بن أبي جعفر قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره.
قال العلامة الألباني-﵀ في "الضعيفة" (١٨١٤)(١): وهذا سند ضعيف لإعضاله، فإن عبيد الله هذا من أتباع التابعين، مات سنة (١٣٦ هـ)، فبينه وبين النبي ﷺ واسطتان أو أكثر.
والحديث ذكره العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٥١) رقم (١١٣) وقال: رواه ابن عدي مرسلاً.
قلت: وقد سمعت شيخنا الوادعي ﵀ يُضعِّف هذا الحديث.
وضعَّفه كذلك اللجنة الدائمة (٥/ ١٧) فتوى رقم (٢١٧١).
التعليق:
قال ابن القيم (٢) ﵀: (كراهة العلماء التسرع في الفتوى): وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى، ويَوَدُّ كل واحد منهم أن يكفيه غيره، فإذا رأى بها قد تعينت عليه، بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة، أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى.
стр. 38
وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: أدركت عشرين من أصحاب رسول الله ﷺ ، أراه قال في المسجد، فما كان منهم مُحَدِّث إلا ودَّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفتٍ إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا.
وقال الإمام أحمد: حدثنا جرير عن عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ ، مامنهم رجل يُسأل عن شيء إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه، ولا يحدث حديثاً إلاودَّ أنَّ أخاه كفاه.
وقال مالك عن يحيى بن سعيد: أن الأشج أخبره عن معاوية بن أبي عياش أنه كان جالساً عند عبد الله بن الزبير، وعاصم بن عمر، فجاءهما محمد بن إياس بن البكير، فقال: إن رجلاً من أهل البادية طلَّقَ امرأته فماذا تريان؟ فقال عبد الله بن الزبير: إن هذا الأمر مالنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة، فإني تركتهما عند عائشة زوج النبي ﷺ ، ثم ائتنا فأخبرنا، فذهبت فسألتهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة أفته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة، فقال أبو هريرة: الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجاً غيره.
وقال مالك عن يحيى بن سعيد قال: قال ابن عباس: إن كل من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه لمجنون. قال مالك: وبلغني عن ابن مسعود
стр. 39
مثل ذلك، رواه ابن وضاح، عن يوسف بن عدي، عن عبد بن حميد، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود. ورواه حبيب بن أبي يوسف، عن أبي وائل، عن عبد الله.
وقال سحنون بن سعيد: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم، يظن أن الحق كله فيه.
قلت: الجرأة على الفتيا تكون من قلة العلم أومن غزارته وسعته، فإذا قلَّ علمه أفتى عن كل ما يُسأل عنه بغير علم، وإذا اتسع علمه اتسعت فتياه، ولهذا كان ابن عباس من أوسع الصحابة فتيا، وقد قيل إن فتاواه جُمِعت في عشرين سَفْراً، وكان سعيد بن المسيب أيضاً، واسع الفتيا، وكانوا يُسمونه كما ذكر ابن وهب عن محمد بن سليمان المرادي عن أبي إسحاق، قال: كنت أرى الرجل في ذلك الزمان، وإنه ليدخل يسأل عن الشئ فيدفعه الناس عن مجلس إلى مجلس، حتى يُدفع إلى مجلس سعيد بن المسيب، كراهية للفتيا. قال: وكانوا يدعونه سعيد بن المسيب الجريء.
وقال سحنون: إني لأحفظ مسائل منها ما فيه ثمانية أقوال من ثمانية أئمة من العلماء، فكيف ينبغي أن أعجل بالجواب قبل الخبر؟ فَلِمَ أُلام على حبس الجواب؟
стр. 40
وقال ابن وهب: حدثنا أشهل بن حاتم عن عبد الله بن عون عن ابن سيرين قال: قال حذيفة: إنما يفتى الناس أحد ثلاثة: من يعلم مانُسخ من القرآن، أو أمير لايجد بداً، أو أحمق متكلف، قال: فربما قال ابن سيرين: فلست بواحدٍ من هذين، ولا أحب أن أكون الثالث. (انتهى كلام ابن القيم ﵀).