التعليق:
قال العلامة الألباني ﵀: الحديث صحيح المعنى فيما يتعلق بالاجتهاد، وعند فقدان النص، وهذا مما لاخلاف فيه، ولكنه ليس صحيح المعنى عندي فيما يتعلق بتصنيف السنة مع القرآن، وإنزاله إياه معه منزلة الاجتهاد منهما، فكما أنه لايجوز الاجتهاد مع وجود النص في الكتاب والسنة، فكذلك لا يؤخذ بالسنة إلا إذا لم يوجد في الكتاب، وهذا التفريق بينهما مما لايقول به مسلم، بل الواجب النظر في الكتاب والسنة معاً، وعدم التفريق بينهما، لما عُلِم من أن السنة تبيِّن مجمل القرآن، وتقيد مطلقه، وتخصص عمومه.
وقال شيخنا الوادعي ﵀: ومتن الحديث يفيد أننا لانرجع إلى السنة إلا إذا لم نجد في كتاب الله، مع أن السنة قد تكون مقيدة لمطلق القرآن ومبينة لمجمله، ومخصصة لعامه، فالواجب الرجوع في القضية إلى الكتاب وسنة رسول الله ﷺ جميعاً.
стр. 37
(٨) حديث: (أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار) .
(ضعيف)
أخرجه الدارمي في سننه (ص: ٧٢ - ٧٣) من طريق عبيد الله بن أبي جعفر قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره.
قال العلامة الألباني-﵀ في "الضعيفة" (١٨١٤)(١): وهذا سند ضعيف لإعضاله، فإن عبيد الله هذا من أتباع التابعين، مات سنة (١٣٦ هـ)، فبينه وبين النبي ﷺ واسطتان أو أكثر.
والحديث ذكره العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٥١) رقم (١١٣) وقال: رواه ابن عدي مرسلاً.
قلت: وقد سمعت شيخنا الوادعي ﵀ يُضعِّف هذا الحديث.
وضعَّفه كذلك اللجنة الدائمة (٥/ ١٧) فتوى رقم (٢١٧١).
التعليق:
قال ابن القيم (٢) ﵀: (كراهة العلماء التسرع في الفتوى): وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى، ويَوَدُّ كل واحد منهم أن يكفيه غيره، فإذا رأى بها قد تعينت عليه، بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة، أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى.
стр. 38
وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: أدركت عشرين من أصحاب رسول الله ﷺ ، أراه قال في المسجد، فما كان منهم مُحَدِّث إلا ودَّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفتٍ إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا.
وقال الإمام أحمد: حدثنا جرير عن عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ ، مامنهم رجل يُسأل عن شيء إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه، ولا يحدث حديثاً إلاودَّ أنَّ أخاه كفاه.
وقال مالك عن يحيى بن سعيد: أن الأشج أخبره عن معاوية بن أبي عياش أنه كان جالساً عند عبد الله بن الزبير، وعاصم بن عمر، فجاءهما محمد بن إياس بن البكير، فقال: إن رجلاً من أهل البادية طلَّقَ امرأته فماذا تريان؟ فقال عبد الله بن الزبير: إن هذا الأمر مالنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة، فإني تركتهما عند عائشة زوج النبي ﷺ ، ثم ائتنا فأخبرنا، فذهبت فسألتهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة أفته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة، فقال أبو هريرة: الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجاً غيره.
وقال مالك عن يحيى بن سعيد قال: قال ابن عباس: إن كل من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه لمجنون. قال مالك: وبلغني عن ابن مسعود
стр. 39
مثل ذلك، رواه ابن وضاح، عن يوسف بن عدي، عن عبد بن حميد، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود. ورواه حبيب بن أبي يوسف، عن أبي وائل، عن عبد الله.
وقال سحنون بن سعيد: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم، يظن أن الحق كله فيه.
قلت: الجرأة على الفتيا تكون من قلة العلم أومن غزارته وسعته، فإذا قلَّ علمه أفتى عن كل ما يُسأل عنه بغير علم، وإذا اتسع علمه اتسعت فتياه، ولهذا كان ابن عباس من أوسع الصحابة فتيا، وقد قيل إن فتاواه جُمِعت في عشرين سَفْراً، وكان سعيد بن المسيب أيضاً، واسع الفتيا، وكانوا يُسمونه كما ذكر ابن وهب عن محمد بن سليمان المرادي عن أبي إسحاق، قال: كنت أرى الرجل في ذلك الزمان، وإنه ليدخل يسأل عن الشئ فيدفعه الناس عن مجلس إلى مجلس، حتى يُدفع إلى مجلس سعيد بن المسيب، كراهية للفتيا. قال: وكانوا يدعونه سعيد بن المسيب الجريء.
وقال سحنون: إني لأحفظ مسائل منها ما فيه ثمانية أقوال من ثمانية أئمة من العلماء، فكيف ينبغي أن أعجل بالجواب قبل الخبر؟ فَلِمَ أُلام على حبس الجواب؟
стр. 40
وقال ابن وهب: حدثنا أشهل بن حاتم عن عبد الله بن عون عن ابن سيرين قال: قال حذيفة: إنما يفتى الناس أحد ثلاثة: من يعلم مانُسخ من القرآن، أو أمير لايجد بداً، أو أحمق متكلف، قال: فربما قال ابن سيرين: فلست بواحدٍ من هذين، ولا أحب أن أكون الثالث. (انتهى كلام ابن القيم ﵀).
стр. 41
(٩) حديث: (أحب الأسماء إلى الله ما عُبِّدَ وحُمِّدَ) .
(لا أصل له)
هذا الحديث مع شهرته الكبيرة في أوساط الناس إلا أنه لا أصل له كما صرَّح بذلك غير واحد من العلماء منهم:
(١) السيوطي في "الدرر المنتثرة" (٢١٧).
(٢) السخاوي في "المقاصد" (ص: ٦٠) تحت حديث رقم (٦٥).
(٣) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٦).
(٤) العامري في "الجد الحثيث" (ص: ٩٤) رقم (١٥٠).
(٥) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٩٥) رقم (٢٤٤).
(٦) الصعدي في "النوافح العطره" (ص: ١٣٦) رقم (٧٠٨).
(٧) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٤٢) تحت حديث رقم (١٤٦).
(٨) الأزهري في "تحذيرالمسلمين" (ص: ١٤٣) رقم (٤٤٦).
(٩) العلامة الألباني في "الضعيفة" (٤١١) قال: لا أصل له كما صرح به السيوطي وغيره. وقال أيضاً في "الترغيب" (٢/ ٧٨٥) حاشية: وهنا في الأصل زيادة نصها: (أحب الأسماء إلى الله ما عبد وحمد) وهي زيادة باطلة لم ترد في المخطوطة وغيرها،
стр. 42
والظاهر أنها مدرجة من بعض جهلة النساخ، فإنه لا أصل له بهذا اللفظ كما بينته في "الضعيفة" (٤١١) وكنت نسبت الخطأ هناك إلى المؤلف ﵀ إحساناً مني الظن بمحقق الكتاب فأستغفر الله من ذلك وعفا عنا وعن محققه.
(١٠) العلامة ابن عثيمين في شرح "نزهة النظر" (ص: ٥١).
التعليق:
قلت: ويُغني عن هذا الحديث الضعيف حديث: (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن) رواه مسلم عن ابن عمر ﵄.
أما تعبيد الأسماء لغير الله فهذا أمر محرم لا يجوز.
قال العلامة الألباني (١) ﵀: نقل ابن حزم الاتفاق على تحريم كل اسم معبد لغير الله كعبد العزى، وعبد الكعبه، وأقره العلامة ابن القيم في "تحفة المودود" (ص: ٣٧) وعليه فلا تحلُّ التسمية بـ: عبد علي، وعبد الحسين، كما هو مشهور عند الشيعة؛ ولا عبد النبي، وعبد الرسول كما يفعله بعض الجهلة من أهل السنة. اهـ.
فائدة: مراتب الأسماء استحباباً وجوازاً:
• استحباب التسمية بهذين الاسمين عبد الله وعبد الرحمن، وهما أحب الاسماء إلى الله تعالى.
стр. 43
• استحباب التسمية بالتعبد لأي من أسماء الله الحسنى مثل: عبد العزيز، وعبد الملك.
• التسمية بأسماء أنبياء الله ورسله لأنهم سادة بني آدم، فالتسمية بأسمائهم تُذكِّر بهم وبأوصافهم الجميلة، وقد أجمع العلماء على جواز التسمية بها.
• التسمية بأسماء الصالحين من المسلمين فقد ثبت من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ : (أنهم كانوا يُسمون بأسماء الأنبياء والصالحين من قبلهم) رواه مسلم. وصحابة رسول الله ﷺ هم رأس الصالحين في هذه الأمة (١).
стр. 44
(١٠) حديث: (أحبوا العرب لثلاث، لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي) .
(موضوع)
أخرجه الحاكم في"المستدرك" (٤/ ١٨٣) رقم (٧٠٧٨)، والعقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٣٤٨)، والبيهقي في "الشعب" رقم (١٤٣٣) و (١٦١٠).
وفي سنده: العلاء بن عمرو، مجمع على ضعفه، ومنهم من كذَّبه.
قلت: وقد نصَّ جمع من العلماء على بطلان هذا الحديث منهم:
(١) العقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٣٤٨) قال: منكر لا أصل له.
(٢) ابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ٢٩٢) رقم (٨٥٩).
(٣) أبو حاتم في "العلل" (٢/ ٣٧٥) قال: هذا حديث كذب، كما نقل عنه الهيثمي في "المجمع".
(٤) الذهبي في "تلخيصه للمستدرك" قال: وأظن الحديث موضوعاً.
(٥) الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٥٢) قال: فيه العلاء بن عمرو وهو مجمع على ضعفه.
(٦) السخاوي في "المقاصد الحسنه" (ص: ٤٢) رقم (٣١).
(٧) السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (١/ ٤٠٤).
стр. 45
(٨) ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (٢/ ٣٠) رقم (١٢).
(٩) الشوكاني في "الفوئد المجموعة" (ص: ٣٦٧) رقم (١٦٧).
(١٠) العلامة الألباني في "الضعيفة" (١/ ١٨٩) رقم (١٦٠) و"ضعيف الجامع" (١٧٣).
(١١) شيخنا الوادعي في تعليقه على المستدرك (٤/ ١٨٣) رقم (١٧٣).
التعليق:
قال العلامة الألباني (١) ﵀ تحت حديث: (أنا عربي، والقرآن عربي، ولسان أهل الجنة عربي): ومما يدل على بطلان نسبة هذا الحديث إليه ﷺ أن فيه افتخاره بعروبته، وهذا شيء غريب في الشرع الإسلامي لايلتئم مع قوله تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ﴿الحجرات: ١٣﴾.
وقوله ﷺ : (لا فضل لعربي على عجمي … إلا بالتقوى) رواه أحمد (٢) بسند صحيح؛ كما قال ابن تيمية في "الاقتضاء" (٣).
ولا مع نهيه ﷺ عن الافتخار بالآباء وهو قوله ﷺ : (إن الله أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها بالآباء، الناس من آدم وآدم
стр. 46
من تراب، مؤمن تقي وفاجر شقي، لينتهين أقوام يفتخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم، أوليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأفواهها) (١).
فإذا كانت هذه توجيهاته ﷺ لأمته فكيف يعقل أن يخالفهم إلى ما نهى عنه؟!.
قلت: لكن الذي عليه أهل السنة والجماعة أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم عبرانيهم وسريانيهم وروميهم وفرسيهم وغيرهم، وأن قريشاً أفضل العرب، وأن بني هاشم أفضل قريش، وأن رسول الله ﷺ أفضل بني هاشم، فهو أفضل الخلق نفساً وأفضلهم نسباً، وليس فضل العرب ثم قريش ثم بني هاشم بمجرد كون النبي ﷺ منهم، وإن كان هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل، وبذلك يثبت لرسول الله ﷺ أنه أفضل نفساً ونسباً وإلا لزم الدور (٣).
стр. 47
(١١) حديث: (اختلاف أمتي رحمة) .
(لا أصل له)
هذا الحديث مع شهرته الكبيرة في أوساط الناس إلا أنه لا أصل له كما صرَّح بذلك جمع من أهل العلم منهم:
(١) السبكي، قال: ليس بمعروف عند المحدثين، ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع. "فيض القدير" (١/ ٢٧٤).
(٢) ابن حزم في "الإحكام في أصول الأحكام" (٢/ ٦١) قال: ليس بحديث. وقال في موضع آخر: باطلٌ مكذوب.
(٣) العراقي، قال: ذكره البيهقي في "رسالته الأشعرية" بغير إسناد بهذا اللفظ. "إتحاف السادة المتقين" (١/ ٢٠٤ - ٢٠٥).
(٤) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ٩٠ - ٩٢).
(٥) الألباني في "الضعيفة" (١/ ١٤١) رقم (٥٧) قال: لا أصل له، ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يقفوا (١).
(٦) الوادعي في "المقترح" (ص: ٩) و"إجابة السائل" (ص: ٣١٥، ٥١٩) قال: لا يوجد له سند ولا يثبت عن النبي ﷺ .
стр. 48
(٧) الإمام ابن باز في "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" (مجلد ٢٦) قال: ليس بصحيح، هذا من كلام بعض السلف، من كلام القاسم بن محمد في اختلاف أصحاب النبي ﷺ ، قال: وما أظنه إلا رحمة، وليس بحديث.
(٨) شيخنا ابن عثيمين في "تفسير سورة البقرة" (آية: ١١٦) قال: لا يصح.
(٩) اللجنة الدائمة للإفتاء (٤/ ٤٠٧) قالت: (اختلاف أصحابي لكم رحمة) ضعيف.
وقد ذكر هذا الحديث جمع من العلماء ممن ألَّف في الأحاديث المشتهرة منهم: السيوطي في "الدرر المنتثرة" (٦)، والسخاوي في "المقاصد الحسنة" (٣٩)، وابن الديبع في "التمييز" (ص: ١١)، والصالحي في "الشذرة" (٣٧)، والعجلوني في "كشف الخفاء" (١٥٣)، والبيروتي في "أسنى المطالب" (٧٥).
التعليق:
قال العلامة الألباني (١) ﵀ معلقاً على هذا الحديث مبيناً أن الاختلاف شر وليس برحمة: ثم إن معنى هذا الحديث مُستنكر عند المحققين من العلماء، فقال العلامة ابن حزم في "الإحكام في أصول
стр. 49
الأحكام" (٥/ ٦٤) بعد أن أشار إلى أنه ليس بحديث: وهذا من أفسد قول يكون، لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطاً، وهذا مالا يقوله مسلم، لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا رحمة أو سخط.
وإن من آثار هذا الحديث السيئة أن كثيراً من المسلمين يقرون بسببه الاختلاف الشديد الواقع بين المذاهب الأربعة، ولا يحاولون أبداً الرجوع بها إلى الكتاب والسنة الصحيحة، كما أمرهم بذلك أئمتهم ﵃، بل إن أولئك ليرون مذاهب هؤلاء الأئمة ﵃ إنما هي كشرائع متعددة، يقولون هذا مع علمهم بما بينها من اختلاف وتعارض لا يمكن التوفيق بينها إلا برد بعضها المخالف للدليل، وقبول بعضها الآخر الموافق له، وهذا ما لا يفعلون! وبذلك فقد نسبوا إلى الشريعة التناقض! وهو وحده دليل على أنه ليس من الله لوكانوا يتأملون قوله تعالى في حق القرآن … ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ ﴿النساء: ٨٢﴾.
فالآية صريحة في أن الاختلاف ليس من الله، فكيف يصح إذاً جعله شريعة متبعة ورحمة مُنزَّلة؟ وبسبب هذا الحديث ونحوه ظل أكثر المسلمين بعد الأئمة الأربعة إلى اليوم مختلفين في كثير من المسائل الاعتقادية والعملية، ولو أنهم كانوا يرون أن الخلاف شر، كما قال ابن مسعود وغيره ﵁ ودلت على ذمِّه الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، لسعوا
стр. 50
إلى الاتفاق ولأمكنهم ذلك في أكثر هذه المسائل بما نصب الله تعالى عليها من الأدلة التي يُعرف بها الصواب من الخطأ، والحق من الباطل، ثم عذر بعضهم بعضاً فيما قد يختلفون فيه، ولكن لماذا هذا السعي وهم يرون أن الاختلاف رحمة، وأن المذاهب على اختلافها كشرائع متعددة؟ وإن شئت أن ترى هذا الاختلاف، والإصرار عليه، فانظر إلى كثير من المساجد تجد فيها أربعة محاريب يُصلي فيها أربعة من الأئمة! ولكل منهم جماعة ينتظرون الصلاة مع إمامهم كأنهم أصحاب أديان مختلفة! وكيف لا وعالمهم يقول: إن مذاهبهم كشرائع متعددة! يفعلون ذلك وهم يعلمون قوله ﷺ : (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) رواه مسلم وغيره، ولكنهم يستجيزون مخالفة هذا الحديث وغيره محافظة منهم على المذهب؛ كأن المذهب محترم عندهم ومحفوظ أكثر من أحاديثه ﵊!.
وجملة القول: إن الاختلاف مذموم في الشريعة، فالواجب محاولة التخلص منه ما أمكن، لأنه من أسباب ضعف الأمة كما قال تعالى ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ﴿الأنفال: ٤٦﴾.
أما الرضا به، وتسميته رحمة، فخلاف الآيات الكريمة المصرحة بذمه كما قال تعالى ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ ﴿الرُّوم: ٣١ - ٣٢﴾
стр. 51
وقال تعالى ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ ﴿هود: ١١٨ - ١١٩﴾ ولا مستند لهم إلا هذا الحديث الذي لا أصل له عن رسول الله ﷺ .
وهنا يرد سؤال وهو أن الصحابة قد اختلفوا وهم أفاضل الناس، أفيلحقهم الذم المذكور؟
وقد أجاب عنه ابن حزم ﵀ فقال في "الإحكام": كلا. ما يلحق أولئك شيء من هذا، لأن كل امرئ منهم تحرى سبيل الله ووجهته الحق، فالمخطئ منهم مأجور أجراً واحداً لنيته الجميلة في إرادة الخير، وقد رُفع عنهم الإثم في خطئهم لأنهم لم يتعمدوه، ولا قصدوه، ولا استهانوا بطلبهم، والمصيب منهم مأجور أجرين، وهكذا كل مسلم إلى يوم القيامة فيما خفي عليه من الدين ولم يبلغه، وإنما الذم المذكور والوعيد المنصوص، لمن ترك التعلق بحبل الله تعالى وهو القرآن وكلام النبي ﷺ بعد بلوغ النص إليهم، وقيام الحجة به عليه وتعلق بفلان وفلان مقلداً عامداً للاختلاف، داعياً إلى عصبية وحمية الجاهلية، قاصداً للفرقة، ومتحرياً في دعواه برد القرآن والسنة إليها، فإن وافقها النص أخذ به، وإن خالفها تعلق بجاهليته، وترك القرآن وكلام النبي ﷺ فهؤلاء هم المختلفون المذمومون.
وطبقة أخرى، وهم قوم بلغت بهم رقة الدين، وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة في قول كل عالم مقلدين له، غير طالبين ما أوجبه النص عن الله وعن رسوله ﷺ . اهـ.
стр. 52
ويشير في آخر كلامه إلى (التلفيق) المعروف عند الفقهاء، وهو أخذ قول العالم بدون دليل وإنما اتباعاً للهوى، أو الرخص، وقد اختلفوا في جوازه، والحق تحريمه لوجوه لا مجال الآن لبيانها، وتجويزه مستوحى من هذا الحديث، وعليه استند من قال: من قلد عالماً لقي الله سالماً، وكل هذا من آثار الأحاديث الضعيفة، فكن في حذر منها إن كنت ترجو النجاة ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ ﴿الشعراء: ٨٨ - ٨٩﴾.
وقال شيخنا العلامة الوادعي (١) ﵀: أما الاختلاف هل هو رحمة أم ليس برحمة؟
ليس برحمة لأن الله يقول في كتابه الكريم ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ ﴿هود: ١١٨ - ١١٩﴾ مفهوم الآية الكريمة أن الذين ﵏ لايختلفون، والنبي ﷺ يقول كما في "الصحيحين": (ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم، كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم).
والرسول ﷺ يقول كما في "صحيح البخاري" من حديث عبد الله ابن مسعود ﵁: أنه اختلف هو ورجل في القراءة فأتيا إلى الرسول ﷺ فقال: (اقرأا ولا تختلفا كما اختلف الذين من قبلكم فتهلكوا كما هلكوا).
стр. 53
وفي الصحيح أيضاً أن النبي ﷺ قال: (لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)، وفي رواية: (أوليخالفن الله بين قلوبكم).
وروى الإمام أحمد في "مسنده" عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ وقد رأى أصحابه متفرقين تحت الأشجار في غزوة من الغزوات فقال: (إن تفرقكم من الشيطان)، وذا كان في تفرق الأجسام فما ظنك بتفرق القلوب، ورب العزة يقول في كتابه الكريم ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ ﴿آل عمران: ١٠٣﴾ ويقول ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ﴿الأنعام: ١٥٩﴾ ثم بعد ذلك النظر إلى الواقع، إخواني في الله هل الاختلاف رحمة، أم أصبحت معارك؟ ومن قرأ التاريخ وجد اصطداماً بين الحنابلة والشافعية، ووجد اصطداماً أيضاً بين الزيدية وسائر الفرق، أما الاصطدام بين الشيعة وأهل السنة فعلى استمرار التاريخ، نسأل الله أن يجمع شمل المسلمين آمين.
وقال أيضاً (١): الاختلاف الذي يُعد هلاكاً؟ هو اختلاف التضاد الذي كان ينكره النبي ﷺ والصحابة، اختلاف التضاد قال ﷺ كما في "صحيح مسلم" من حديث سلمة ابن الأكوع ﵁ قال: رأى النبي ﷺ رجلاً يأكل بشماله، فقاله له: (كل بيمينك)، قال: لا أستطيع، قال له: (لا استطعت)، فما رفعها إلى فيه، ما منعه إلا الكبر.
стр. 54
وأيضاً دخل النبي ﷺ كما في "الصحيح" من حديث أبي هريرة ﵁ على شيخ وهو مريض، فقال له النبي ﷺ : (طهور)، فقال الشيخ الكبير: بل حمى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور، فقال النبي ﷺ : (فنعم إذاً)، وحُرم بركة الدعوة النبوية؛ ورجل أيضاً آخر قد ذكرنا لكم قصته، وهو أن ذلكم الرجل عند أن تضاربت امرأتان، فضربت إحداهما الأخرى في بطنها فأسقطت، فقضى فيها رسول الله ﷺ بغرة، (عبد)، فجاء حمل بن مالك النابغة، وقال: يا رسول الله كيف ندي من لا شرب ولا أكل ولا تكلم ولا استهل، -أو بهذا المعنى- فمثل ذلك يطل، فغضب النبي ﷺ ، لأنه أراد أن يبطل حكم الله بسجعه، فقال: (إنما هذا من إخوان الكهان) من أجل سجعه؛ وأما إنكار أهل العلم على من رد سنة رسول الله ﷺ برأيه فهذا أمر لا يتسع له المقام، وقد ذكرت جملة من هذا في "شرعية الصلاة في النعال"، في آخرها، وفي "ردرود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر"، والحمد الله رب العالمين.
وقال شيخنا العلامة ابن عثيمين (١) ﵀: إن الاختلاف ليس رحمة، بل إنه شقاق وبلاء، وبه نعرف أن ما يُروى عن النبي ﷺ أنه قال: (اختلاف أمتي رحمة)، لا صحة له، وليس الاختلاف برحمة، بل قال الله ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ ﴿هود: ١١٨ - ١١٩﴾
стр. 55
أي فإنهم ليسوا مختلفين، نعم الاختلاف رحمة، بمعنى: أن من خالف الحق لاجتهاد فإنه مرحوم بعفو الله عنه، فالمجتهد من هذه الأمة إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، والخطأ معفو عنه، وأما أن يُقال هكذا على الإطلاق: إن الاختلاف رحمة، فهذا مقتضاه أن نسعى إلى الاختلاف، لأنه هو سبب الرحمة على مقتضى زعم هذا المروي! فالصواب أن الاختلاف شر.
стр. 56
(١٢) حديث: (أدبني ربي فأحسن تأديبي) .
(ضعيف)
قال السخاوي: رواه العسكري في "الأمثال" عن علي ﵁ قال: قدم بنو نهد بن زيد على النبي ﷺ فقالوا: أتيناك من غور تهامة، وذكر خطبتهم وما أجابهم به النبي ﷺ ، قالوا: يا نبي الله نحن بنو أبٍ واحد، ونشأنا في بلد واحد، وإنك لتكلم العرب بلسان ما نفهم أكثره، فقال ﷺ : (إن الله أدبني فأحسن تأديبي، ونشأتُ في بني سعد بن بكر).
قلت: هذا الحديث ضعيف لا يثبت كما نصَّ على ذلك جمع من العلماء، منهم:
(١) شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (١٨/ ٣٧٥) قال: معناه صحيح لكن لا يُعرف له إسناد ثابت (١).
(٢) وأيَّده السخاوي في "المقاصد" (٤٥).
(٣) السيوطي في "الدرر المنتثرة" (٨).
(٤) الصالحي في "الشذرة" (٤٢).
(٥) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٦٢) رقم (١٦٤).
стр. 57
(٦) الصعدي في "النوافح العطرة" (٦٨).
(٧) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٩٢) رقم (٢٥) باب فضائل النبي ﷺ .
(٨) البيروتي في "أسنى المطالب" (٨٦).
(٩) العلامة الألباني في "الضعيفة" (٧٢) و"ضعيف الجامع" (٢٤٩).
التعليق:
قلت: تبين لك ضعف هذا الحديث، ولا شك أنه قد اجتمع في رسول الله ﷺ من خصال الكمال ما لا يحيط به أحد ولا يحصره عدٌّ، أثنى الله تعالى عليه في كتابه الكريم فقال ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ ﴿القلم: ٤﴾ وكلمة (على) للاستعلاء، فدلَّ اللفظ على أنه مستعلٍ على هذه الأخلاق، ومستولٍ عليها. والخلُقُ: ملكة نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة.
وقد وصف الله نبيه ﷺ بما يرجع إلى قوته العلمية بأنه عظيم، فقال تعالى ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ ﴿النساء: ١١٣﴾. ووصف ما يرجع إلى قوته العملية بأنه عظيم فقال تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ ﴿القلم: ٤﴾ فدلَّ مجموع هاتين الآيتين على
стр. 58
أن روحه فيما بين الأرواح البشرية عظيمة عالية الدرجة كأنها لقوتها وشدة كمالها كانت من جنس أرواح الملائكة.
قال الحليمي: وإنما وصف خُلقه ﷺ بالعظيم مع أن الغالب وصف الخلق بالكرم، لأن كرم الخُلق يُراد به السماحة والدماثة، ولم يكن خُلُقه ﷺ مقصوراً على ذلك بل كان رحيماً بالمؤمنين رفيقاً بهم، شديداً على الكفار غليظاً عليهم، مهيباً في صدور الأعداء، منصوراً بالرعب منهم على مسيرة شهر، فكان وصف خُلقه بالعظيم أولى ليشمل: الإنعام، والانتقام.
وقال الجنيد: وإنما كان خُلقه ﷺ عظيماً لأنه لم يكن له همة سوى الله تعالى.
وقيل: لأنه ﷺ عاشر الخلق بخلقه وباينهم بقلبه. وقيل: لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، قال ﷺ : (بعثت لأتمم حسن الأخلاق) (١).
فجميع الأخلاق الحميدة كلها كانت فيه ﷺ ، فإنه أُدب بالقرآن كما قالت عائشة ﵂: (كان خلقه القرآن)، وقد كان ﷺ مجبولاً على الأخلاق الكريمة في أصل خلقته الزكية النقية، لم يحصل له
стр. 59
ذلك برياضة نفس بل بجودٍ إلهي، ولهذا لم تزل تشرق أنوار المعارف في قلبه حتى وصل إلى الغاية العلية والمقام الأسنى، وأصل هذه الخصال الحميدة والمواهب المجيدة كمال العقل لأن به تقتبس الفضائل وتجتنب الرذائل، فالعقل لسان الروح وترجمان البصيرة، والبصيرة للروح بمثابة القلب، والعقل بمثابة اللسان. قال بعضهم: لكل شيء جوهر وجوهر الإنسان العقل وجوهر العقل الصبر (١).
стр. 60
(١٣) حديث: (إذا أعيتكم الأمور فعلكيم بأصحاب القبور) أو (فاستعينوا بأهل القبور) .
(موضوع)
هذا الحديث موضوع كما نصَّ على ذلك أهل العلم، منهم:
(١) شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (١/ ٣٥٦) قال: هذا الحديث كذب مفترى على النبي ﷺ بإجماع العارفين بحديثه، وهذا مما يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام، وأنه غير مشروع، ولم يروه أحد من العلماء بذلك، ولا يُوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة.
(٢) ابن قيم الجوزية ﵀ في "إغاثة اللهفان" (١/ ٢٤٢ - ٢٤٣) قال: وهو يعدد الأشياء التي أوقعت القبورية في الافتتان بها: ومنها أحاديث مكذوبة مختلقة وضعها أشباه عباد الأصنام، من المقابرية على رسول الله ﷺ تناقض دينه وما جاء به كحديث: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور) … وأمثال هذه الأحاديث التي هي مناقضة لدين الإسلام، وضعها المشركون وراجت على أشباههم من الجهال والضلال.
стр. 61
(٣) الألوسي ﵀ في "روح المعاني" (٦/ ١٢٧ - ١٢٨) قال: وهو حديث مفترى على رسول الله ﷺ بإجماع العارفين بحديثه، لم يروه أحد من العلماء ولايوجد فى شئ كتب الحديث المعتمدة.
(٤) الشقيري ﵀ في "السنن والمبتدعات" (ص: ٢٦٥) قال: مختلق مكذوب.
(٥) العلامة ربيع المدخلي -حفظه الله- في "قاعدة جليلة" (ص: ٢٩٧) (حاشية) قال: بحثت عنه فلم أجده إلا في "كشف الخفاء" للعجلوني بلفظ: (إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا بأصحاب القبور).
(٦) شيخنا مقبل الوادعي ﵀ فقد شنَّع على العجلوني في إيراده هذا الحديث في كتابه "كشف الخفاء" وسكوته عنه. فقال في "المقترح" (ص: ١٢٧): والعجلوني ربما يذكر الحديث ولا يذكر الحكم، وربما يكون حديثًا مخلاًّ بالعقيدة مثل حديث: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور) ذكره وسكت عليه، وهو دعوة إلى التمسح بأتربة الموتى، وإلى العقيدة الشركية (١).
стр. 62
التعليق:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀: وقد قال تعالى ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)﴾ ﴿الفرقان: ٥٨﴾ وهذا مما يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه غير مشروع، وقد نهى النبى ﷺ عما هو أقرب من ذلك عن اتخاذ القبور مساجد ونحو ذلك، ولعن أهله تحذيرًا من التشبه بهم، فإن ذلك أصل عبادة الأوثان كما قال تعالى ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ ﴿نوح: ٢٣﴾ فإن هؤلاء كانوا قوماً صالحين فى قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروهم ثم اتخذوا الأصنام على صورهم، كما تقدم ذكر ذلك عن ابن عباس وغيره من علماء السلف، فمن فهم معنى قوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ ﴿الفاتحة: ٥﴾ عرف أنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا الله وحده، وأنه يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه، وكذلك الاستغاثة لا تكون إلا بالله، والتوكل لايكون إلا عليه ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿آل عمران: ١٢٦﴾ فالنصر المطلق وهو خَلْقُ ما يُغلب به العدو لا يقدر عليه إلا الله، وفى هذا القدر كفاية لمن هداه الله، والله أعلم.
стр. 63
وهذا الذى نهى عنه النبى ﷺ من هذا الشرك هو كذلك، وفى شرائع غيره من الأنبياء ففى التوراة أن موسى ﵇ نهى بنى إسرائيل عن دعاء الأموات، وغير ذلك من الشرك، وذكر أن ذلك من أسباب عقوبة الله لمن فعله، وذلك أن دين الأنبياء ﵈ واحد وإن تنوعت شرائعهم، كما فى الصحيح عن أبى هريرة ﵁ عن النبى ﷺ أنه قال: (إنا معشر الأنبياء ديننا واحد)، وقد قال تعالى ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ ﴿الشُّورى: ١٣﴾.
وقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾ ﴿المؤمنون: ٥١ - ٥٢﴾.
وقال تعالى ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ … لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ ﴿الرُّوم: ٣٠ - ٣٢﴾. وهذا هو دين الإسلام الذى لا
стр. 64
يقبل الله ديناً غيره من الأولين والآخرين، كما قد بُسط الكلام عليه فى غير هذا الموضع.
وإذا تبين ما أمر الله به ورسوله ﷺ ، وما نهى الله عنه ورسوله ﷺ فى حق أشرف الخلق وأكرمهم على الله ، وسيد ولد آدم، وخاتم الرسل والنبيين، وأفضل الأولين والآخرين، وأرفع الشفعاء منزلة، وأعظمهم جاهاً عند الله ﵎، تبين أن من دونه من الأنبياء والصالحين أولى بأن لا يُشرَك به، ولا يتخذ قبره وثناً يُعبد، ولا يُدعى من دون الله لا فى حياته ولا فى مماته. …
ولا يجوز لأحد أن يستغيث بأحد من المشايخ الغائبين، ولا الميتين، مثل أن يقول: يا سيدى فلاناً أغثنى وانصرنى وادفع عنى، أو أنا فى حسبك، ونحو ذلك، بل كل هذا من الشرك الذى حرم الله ورسوله، وتحريمه مما يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام، وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم لما كانوا من جنس عبَّاد الأوثان، صار الشيطان يضلهم ويغويهم كما يضل عبَّاد الأوثان ويغويهم، فتتصور الشياطين فى صورة ذلك المستغاث به، وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة كما تخاطب الشياطين الكهان، وبعض ذلك صدق، لكن لابد أن يكون فى ذلك ما هو كذب بل الكذب أغلب عليه من الصدق، وقد تقضي الشياطين بعض حاجاتهم وتدفع عنهم بعض ما يكرهونه، فيظن أحدهم أن الشيخ هو الذى جاء من الغيب حتى فعل ذلك، أو يظن أن الله تعالى صوَّر ملكاً على
стр. 65
صورته فعل ذلك، ويقول أحدهم هذا سر الشيخ وحاله وإنما هو الشيطان تمثَّل على صورته، ليضل المشرك به المستغيث به كما تدخل الشياطين فى الأصنام وتكلّم عابديها وتقضي بعض حوائجهم، كما كان ذلك فى أصنام مشركى العرب، وهو اليوم موجود فى المشركين من الترك والهند وغيرهم، وأعرف من ذلك وقائع كثيرة فى أقوام استغاثوا بى وبغيرى فى حال غيبتنا عنهم فرأونى، أو ذاك الآخر الذى استغاثوا به قد جئنا فى الهواء ودفعنا عنهم، ولما حدثونى بذلك بيَّنتُ لهم أن ذلك إنما هو شيطان تصوّر بصورتى وصورة غيرى من الشيوخ الذين استغاثوا بهم ليظنوا أن ذلك كرامات للشيخ فتقوى عزائمهم في الاستغاثة بالشيوخ الغائبين والميتين، وهذا من أكبر الأسباب التى بها أشرك المشركون وعبدة الأوثان، وكذلك المستغيثون من النصارى بشيوخهم الذين يسمونهم العلامس يرون أيضاً من يأتى على صورة ذلك الشيخ النصرانى الذى استغاثوا به فيقضي بعض حوائجهم، وهؤلاء الذين يستغيثون بالأموات من الأنبياء والصالحين والشيوخ وأهل بيت النبى ﷺ غاية أحدهم أن يجري له بعض هذه الأمور، أو يحكي لهم بعض هذه الأمور فيظن أن ذلك كرامة وخرق عادة بسبب هذا العمل، ومن هؤلاء من يأتى إلى قبر الشيخ الذى يشرك به ويستغيث به فينزل عليه من الهواء طعام أو نفقة أو سلاح أو غير ذلك مما يطلبه فيظن ذلك كرامة لشيخه وإنما ذلك كله
стр. 66
من الشياطين، وهذا من أعظم الأسباب التى عُبدت بها الأوثان، وقد قال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ ﴿إبراهيم: ٣٥ - ٣٦﴾. كما قال نوح ﵇.
ومعلوم أن الحجر لا يضل كثيراً من الناس إلا بسببٍ اقتضى ضلالهم، ولم يكن أحد من عبَّاد الأصنام يعتقد أنها خَلَقَت السماوات والأرض، بل إنما كانوا يتخذونها شفعاء ووسائط لأسباب:
منهم: من صورها على صور الأنبياء والصالحين.
ومنهم: من جعلها ثماثيل وطلاسم للكواكب والشمس والقمر.
ومنهم: من جعلها لأجل الجن.
ومنهم: من جعلها لأجل الملائكة، فالمعبود لهم فى قصدهم إنما هو الملائكة والأنبياء والصالحون أو الشمس أو القمر، وهم فى نفس الأمر يعبدون الشياطين فهى التى تقصد من الإنس أن يعبدوها وتُظهر لهم ما يدعوهم إلى ذلك كما قال تعالى ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا … يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا … يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ ﴿سبأ: ٤٠ - ٤١﴾ وإذا كان العابد ممن لا يستحل عبادة الشياطين، أوهموه أنه إنما يدعو الأنبياء
стр. 67
والصالحين والملائكة وغيرهم، ممن يحسن العابد ظنه به وأما إن كان ممن لا يحرِّم عبادة الجن عرَّفوه أنهم الجن.
وقد يطلب الشيطان المتمثل له فى صورة الإنسان أن يسجد له، أو أن يفعل به الفاحشة، أو أن يأكل الميتة، ويشرب الخمر، أو أن يقرب لهم الميتة، وأكثرهم لا يعرفون ذلك بل يظنون أن من يخاطبهم إما ملائكة وإما رجال من الجن يسمونهم رجال الغيب، ويظنون أن رجال الغيب أولياء الله غائبون عن أبصار الناس، وأولئك جن تمثلت بصور الإنس، أو رؤيت فى غير صور الإنس، وقال تعالى ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ ﴿الجنّ: ٦﴾ كان الإنس إذا نزل أحدهم بواد يخاف أهله قال: أعوذ بعظيم هذا الوادى من سفهائه، وكانت الإنس تستعيذ بالجن فصار ذلك سبباً لطغيان الجن، وقالت: الإنس تستعيذ بنا! وكذلك الرقى والعزائم الأعجمية هى تتضمن أسماء رجال من الجن يُدعون ويُستغاث بهم، ويُقسم عليهم بمن يعظمونه فتطيعهم الشياطين بسبب ذلك فى بعض الأمور، وهذا من جنس السحر والشرك قال تعالى ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ
стр. 68
أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ ﴿البقرة: ١٠٢﴾.
وكثير من هؤلاء يطير فى الهواء وتكون الشياطين قد حملته، وتذهب به إلى مكة وغيرها، ويكون مع ذلك زنديقاً يجحد الصلاة وغيرها مما فرض الله ورسوله ﷺ ، ويستحل المحارم التي حرمها الله ورسوله، وإنما يقترن به أولئك الشياطين لما فيه من الكفر والفسوق والعصيان، حتى إذا آمن بالله ورسوله وتاب والتزم طاعة الله ورسوله فارقته تلك الشياطين وذهبت تلك الأحوال الشيطانية من الإخبارات والتأثيرات؛ وأنا أعرف من هؤلاء عدداً كثيراً بالشام ومصر والحجاز واليمن، وأما الجزيرة والعراق وخراسان والروم ففيها من هذا الجنس أكثر مما بالشام وغيرها، وبلاد الكفار من المشركين وأهل الكتاب أعظم، وإنما ظهرت هذه الأحوال الشيطانية التي أسبابها الكفر والفسوق والعصيان بحسب ظهور أسبابها، فحيث قوي الإيمان والتوحيد، ونور الفرقان والإيمان وظهرت آثار النبوة والرسالة ضعفت هذه الأحوال الشيطانية، وحيث ظهر الكفر والفسوق والعصيان قويت هذه الأحوال الشيطانية، والشخص الواحد الذى يجتمع فيه هذا وهذا الذى تكون فيه مادة تمده للإيمان ومادة تمده للنفاق يكون فيه من هذا الحال وهذا الحال.
стр. 69
والمشركون الذين لم يدخلوا فى الإسلام مثل البخشية والطونية والبدى ونحو ذلك من علماء المشركين وشيوخهم الذين يكونون للكفار من الترك والهند والخطا وغيرهم تكون الأحوال الشيطانية فيهم أكثر، ويصعد أحدهم فى الهواء ويحدثهم بأمور غائبة، ويبقى الدف الذى يغني لهم به يمشى فى الهواء، ويضرب رأس أحدهم إذا خرج عن طريقهم، ولا يرون أحداً يضرب له، ويطوف الإناء الذى يشربون منه عليهم ولا يرون من يحمله، ويكون أحدهم فى مكان فمن نزل منهم عنده ضيَّفه طعاماً يكفيهم، ويأتيهم بألوان مختلفة.
وذلك من الشياطين تأتيه من تلك المدينة القريبة منه، أو من غيرها تسرقه وتأتى به، وهذه الأمور كثيرة عند من يكون مشركاً أو ناقص الإيمان من الترك وغيرهم، وعند التتار من هذا أنواع كثيرة.
стр. 70
(١٤) حديث: (إذا اغتاب أحدكم أخاه فليستغفر له فإنها كفارة له) .
(موضوع) …
قال الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢١٢): رواه ابن عدي في "الكامل" (٤/ ٢٢٢) عن سهل بن سعد مرفوعاً، وقال: وضعه سليمان بن عمرو.
وقد رواه ابن أبي الدنيا عن أنس ﵁ مرفوعاً.
وفي إسناده: عنبسه بن عبد الرحمن القرشي، متروك.
ورواه البيهقي في "الشعب" من طريقه. وقال: إسناده ضعيف. وكذلك اقتصر العراقي في "تخريج الإحياء" على تضعيفه.
ورواه الدارقطني عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً وقال: تفرد به حفص بن عمر الأيلي، وهو ضعيف. اهـ (الشوكاني).
والحديث ورد بألفاظ أخرى كلها لا تصح.
قلت: وقد نصَّ جمع من العلماء على بطلان هذا الحديث، منهم:
(١) ابن عدي.
стр. 71
(٢) البيهقي.
(٣) العراقي.
(٤) الدارقطني.
(٥) ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٣٤٢) رقم (١٥٨٣، ١٥٨٤).
(٦) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٣٧٥) رقم (٨٠٤).
(٧) السيوطي في "اللآلئ المصنوعة " (٢/ ٢٥٦).
(٨) ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (٢/ ٢٢٩) رقم (٥٧).
(٩) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٢١).
(١٠) السمهودي في "الغماز على اللماز" (١٩٣).
(١١) الصالحي في "الشذرة" (٦٨٧).
(١٢) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ١٦٩).
(١٣) البيروتي في "أسنى المطالب" (١٠٧٦).
(١٤) الصعدي في "النوافح العطرة" (١٣٩٧).
(١٥) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢١٢).
(١٦) العلامة الألباني في "الضعيفة" (١٥١٨) و (١٥١٩) و (١٥٢٠).
стр. 72
التعليق:
قلت: الغِيبة محرمة بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب العزيز:
فقوله تعالى ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ ﴿الحجرات: ١٢﴾.
وأما السنة المطهرة:
فقوله ﷺ : (الربا اثنان وسبعون باباً أدناها مثل إتيان الرجل أمه، وإن أربا الربا استطالة الرجل في عرض أخيه) (١).
وأما الإجماع: فقد قال القرطبي ﵀: والإجماع على أنها من الكبائر وأنه يجب التوبة منها.
وقال ابن كثير ﵀: في تفسير سورة الحجرات: الغيبة محرمة بالإجماع.
أما مسألة كفارة من اغتبته فإليك كلام الإمام النووي (٢) ﵀: فيها حيث قال: (باب كفارة الغيبة والتوبة منها):
стр. 73
اعلم أن كل من ارتكب معصية لزمه المبادرة إلى التوبة منها، والتوبة من حقوق الله تعالى يُشترط فيها ثلاثة أشياء: أن يقلع عن المعصية في الحال، وأن يندم على فعلها، وأن يعزم ألا يعود إليها.
والتوبة من حقوق الآدميين يُشترط فيها هذه الثلاثة، ورابع: وهو رد الظلامة إلى صاحبها أو طلب عفوه عنها والإبراء منها، فيجب على المغتاب التوبة بهذه الأمور الأربعة، لأن الغيبة حق آدمي، ولا بد من استحلاله من اغتابه، وهل يكفيه أن يقول: قد اغتبتك فاجعلني في حل، أم لا بد أن يبين ما اغتابه به؟
فيه وجهان لأصحاب الشافعي ﵏:
أحدهما: يشترط بيانه، فإن أبرأه من غير بيانه لم يصح، كما لو أبرأه عن مال مجهول.
والثاني: لا يشترط لأن هذا مما يتسامح فيه، فلا يشترط علمه بخلاف المال. والأول أظهر، لأن الإنسان قد يسمح بالعفو عن غيبة دون غيبة، فإن كان صاحب الغيبة ميتاً أو غائباً فقد تعذر تحصيل البراءة منها.
لكن قال العلماء: ينبغي أن يكثر من الاستغفار له والدعاء ويكثر من الحسنات.
стр. 74
اعلم أنه يستحب لصاحب الغيبة أن يبرئه منها ولا يجب عليه ذلك لأنه تبرع وإسقاط حق، فكان إلى خيرته، ولكن يستحب له استحباباً متأكداً الإبراء ليخلص أخاه المسلم من وبال هذه المعصية، ويفوز هو بعظيم ثواب الله تعالى في العفو ومحبة الله ، قال الله تعالى ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ ﴿آل عمران: ١٣٤﴾ وطريقه في تطبيب نفسه بالعفو أن يذكِّر نفسه أن هذا الأمر قد وقع، ولا سبيل إلى رفعه، فلا ينبغي أن أفوت ثوابه وخلاص أخي المسلم، وقد قال الله تعالى ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ ﴿الشورى: ٤٣﴾ وقال تعالى ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ ﴿الأعراف: ١٩٩﴾.
والآيات بنحو ما ذكرنا كثيرة.
وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) (١).
وقد قال الشافعي ﵀: من استرضي فلم يرضَ فهو شيطان.
وقد أنشد المتقدمون:
قِيلَ لي: قد أساء إليك فلان … ومقام الفتى على الذل عار
قلت: قد جاءنا وأحدث عذرا … دية الذنب عندنا الاعتذار
стр. 75
فهذا الذي ذكرناه من الحث على الإبراء عن الغيبة هو الصواب.
وأما ما جاء عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا أحلل من ظلمني.
وعن ابن سيرين: لم أحرمها عليه فأحللها له، لأن الله تعالى حرم الغيبة عليه، وما كنت لاحلل ما حرمه الله تعالى أبداً، فهو ضعيف أو غلط، فإن المبرئ لا يحلل محرماً، وإنما يسقط حقاً ثبت له، وقد تظاهرت نصوص الكتاب والسنة على استحباب العفو وإسقاط الحقوق المختصة بالمسقط، أو يحمل كلام ابن سيرين على أني لا أبيح غيبتي أبداً، وهذا صحيح فإن الإنسان لو قال: أبحت عرضي لمن اغتابني لم يصر مباحاً، بل يحرم على كل أحد غيبة غيره.
وأما الحديث: (أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته قال إني تصدقت بعرضي على الناس) (١).
فمعناه: لا أطلب مظلمتي ممن ظلمني لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا ينفع في إسقاط مظلمة كانت موجودة قبل الإبراء.
فأما ما يحدث بعده، فلا بد من إبراء جديد بعدها، وبالله التوفيق. اهـ.
قلت: وقد ذكر العلماء أنه يُستثنى من الغيبة ما يلي: