← История

История · id 8620

أخبار الزمان

المسعودي

Полный текст (258 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كلمة الناشر انطلاقا بالرسالة التي أخذنا على عاتقنا تحقيقها منذ أول تأسيس دار الاندلس، وهي الاسهام في إحياء التراث العربي القديم، والسعي في إنعاش الحركة الثقافية عن طريق نشر الكتب المفيدة، وما لقيناه من تشجيع وتقدير، في طبعتنا الجديدة لكتاب (مروج الذهب) للمسعودي ... نتقدم اليوم بمجهود يضيف إلى تلك السلسلة الطويلة حلقة جديدة، وهو كتاب (أخبار الزمان) للمسعودي. وسرور " دار الاندلس " هو أنها إذ تضع لبنة جديدة في صرح الثقافة العربية الخالصة من طريق إحياء التراث القديم، وكل رجائها أن يكون التوفيق حليفها في المستقبل، والله من وراء القصد حسين عاصي صاحب الاندلس للطباعة والنشر، بيروت - لبنان

стр. 2

مقدمة الطبعة الأولى بقلم عبد الله الصاوي للمسعودي كتابان جليلان في التاريخ،، ظهر أولهما مروج الذهب في عدة طبعات تداولها اكثر علماء هذا الجيل، فعرفوا من المسعودي عالما، جليلا، فلكيا، حاسبا، منجما، جغرافيا، أخباريا، فقيها، محدثا، جدليا، نظارا، ديانيا، مؤرخا، نسابة، فيلسوفا، أديبا، راوية. وانه كان ملما بعدة لغات، وكان ذا حظ وافر من الثقافات التي انتهى إليها علم الانسان، منذ بدأ الله الخلق إلى عصره. وظهر ثانيهما، وهو التنبيه والاشراف في طبعة واحدة قبيل نهاية القرن التاسع بسبع عشرة سنة في مطبعة بريل بمدينة ليدن بهولانده، ضمن المكتبة الجغرافية، التي عني بنشرها البروفسور " دي جوجي ". ويندر أن يعرف علماء العصر الحاضر عن هذا الكتاب شيئا، إذ لم يصدر منه سوى هذه الطبعة الاوربية، وطبعات أوربا من الغلاء بحيث لا يستطيع الرجل المتوسط الثراء أن يقتنيها. وقد قمت بنشر هذا الكتاب وسيذاع بين يدي الجمهور بعد بضعة أيام، ريثما أتمم طبع فهارسه المطولة. وسوف يرفع هذا الكتاب من منزلة مؤلفة العلامة المسعودي، ويحله الذروة بين الرجال النابهين، ذوي الثقافات الواسعة والمعلومات الكثيرة،

стр. 3

وسيرى العلماء قدرة المسعودي الفائقة وبراعته وعلمه الغزير الذي بدا لهم في ثنايا كتابه مروج الذهب، سيرون أنه قد عاد فظهر فيه بأوضح وأجلى مما ظهر في صنوه المروج من قبل. وكتاب " أخبار الزمان " هذا، ثالث كتاب يبرزه عالم الطبع من مؤلفات ذلك الامام الكبير. وقد يلاحظ من يقرأ كتاب مروج الذهب أو كتاب التنبيه والاشراف أن المسعودي أكثر من الثناء عليه، وأحال عليه في مواضع كثيرة. وأنه أوفى كتاب التاريخ، وأوسع المراجع العلمية الاسلامية التي وضعت في أواسط العصر العباسي ويظهر أن المسعودي ضمنه كل ثروته العلمية، إذ هو أول ما ألف من كتب، ثم راعته ضخامة الكتاب، فعمد إلى اختصاره عدة مرات، ثم عمد إلى تلك الثروه العلمية الهائلة فبعثرها في كتبه، وفرقها بين مصنفاته، تفرقة عادلة، وقسمة مرضية، راعى فيها أن يكون في كل مؤلف منها ما يحببه إلى القراء، ويرفع قدره ويسني منزلة بين العلماء. فكثيرا ما يرى الباحث في كتب المسعودي أنه يعرض إلى إجمال بعض الموضوعات الطريفة، والاحاديث الغريبة، في مختلف العلوم والفنون في هذين الكتابين، يلم بالموضوع إلمامة سريعة، ثم يذكر أنه بسطه مفصلا، وذكره بتمامه في كتاب " أخبار الزمان " فلا يزال الباحث يبحث عن ذلك الكتاب ضمن ما طبع أو ما لم يطبع، وربما دعاه الشوق إلى البحث في مكاتب أوربا، والمكاتب العامة الخاصة. ثم لا تكون نتيجة هذا البحث إلا الخيبة والفشل، والتحسر الدائم على ما فقد وضاع من تراث الآباء.

стр. 4

ذلك كان موقفي عند ما قرأت مروج الذهب للمسعودي لاول مرة، ولطالما أمضيت الايام في البحث، وأضنيت النفس في التنقيب عن كتبه، ولا سيما عن كتاب أخبار الزمان الذي هام به العلماء، لا فراط المسعودي في تقريظه، وإلماعه بما تضمنه من علوم وأبحاث مفيدة - اعتقدت أن في العثور عليه إشباعا لرغباتي العلمية، بل ظننت أن سعادة العالم رهينة بما قد ضمنه ذلك الكتاب من حلول لمسائل علمية معقدة، ومشكلات لم يصل العلم إلى حلها، ولا سيما مسائله الفلسفية، وما وراء الطبيعة، وأخباره الطريفة. ولم أكن فريدا في الشعور بتلك الحالة، بل ذلك شأن كل من يقرأ كتب المسعودي، أو يلم بها بعض الالمام. ولقد حدثت أن مستشرقا استهواه علم المسعودي، وأسلوبه الجذاب، وفتنته إحالاته العجيبة، فبحث أولا بنفسه، ثم لجأ إلى حكومته فأمدته بالمال، فظل يبحث ويتابع البحث، حتى عثر على نسخة من كتاب " أخبار الزمان " في مدينة شنقيط بصحراء افريقية، فرام شراءها، وبذل فيها ثمنا عاليا، فما سمحت أنفس الشناقطة ببيعها، ولا رضوا أن يستبدلوها بالذهب الوفير. فلما أعياه شراؤها عرض عليهم أن يصورها بالفتوغرافيا نظير مبلغ من المال جسيم، فما اعاروا عرضه ذلك التفاتا، بل منعوه النظر إليها والاستمتاع بها. فرحل عنهم حقبة من الدهر، ولما استيقن أن القوم قد أنسوا شخصه، وما كان قد جاء لاجله، عاد إليهم خائفا يترقب، وقد عزم استنساخها، فاكترى رجلا منهم عهد إليه باستنساخها.

стр. 5

لكنهم إذ فطنوا إلى الامر، لم يجدوا جزاءا لهذا المستشرق - الذي أحب العلم، وضحى بوقته وراحته ولذاته في سبيله، واستمات في تحصيل فكرة قد يصل نفعها إلى جميع المسلمين في مشارق الارض ومغاربها - إلا القتل، فذهب ضحية إحالات المسعودي، والبحث عن كتبه! وهذا الذي فعله المستشرق بعض ما يجب نحو كتاب " أخبار الزمان، لان المسعودي أفرط في تقريظه والثناء عليه، وقال إنه أوعى كتاب وأجمعه في التاريخ. ولندع المسعودي يحدثنا عنه قال " أما بعد فانا صنفنا كتابنا في أخبار الزمان وقد قطعنا القول فيه على هيئة الارض ومدنها، وعجائبها وبحارها وأغوارها، وجبالها وأنهارها وبدائع معادنها، وأصناف مناهلها وأخبار غياضها وجزائر البحار والبحيرات الصغار، وأخبار الابنية المعظمة والمساكن المشرفة، وذكر شأن المبدأ وأصل النسل وتباين الاوطان، وما كان نهرا فصار بحرا، وما كان بحرا فصار نهرا، وما كان برا فصار بحرا على مرور الايام وكرور الدهور، وعلة ذلك وسببه الفلكي، وانقسام الاقاليم بخواص الكواكب ومعاطف الاوتاد ومقادير النواحي والآفاق، وتباين الناس في التاريخ القديم، واختلافهم في بدئه وأوليته من الهند وأصناف الملحدين، وما ورد في ذلك عن الشرعيين وما نطقت به الكتب وورد على الديانيين. ثم أتبعنا ذلك بأخبار الملوك الغابرة والامم الدائرة والقرون الخالية والطوائف البائدة على ممر سيرهم وأوقاتهم، وتضيف أعصارهم من الملوك والفراعنة العادية والاكاسرة واليونانية، وما ظهر من حكمهم ومقائل فلاسفتهم وأخبار ملوكهم وأخبار العناصر إلى ما في تضاعيف ذلك من أخبار الانبياء إلى أن أفضى الله بكرامته وشرف برسالته محمدا نبيه ﷺ .

стр. 6

فذكرنا مولده ومنشأه وبعثته وهجرته ومغازيه وسراياه إلى أوان وفاته واتصال الخلافة واتساق المملكة بزمن زمن، ومقاتل من ظهر من الطالبين إلى الوقت الذي شرعنا فيه في تصنيف كتابنا هذا من خلافة المتقي لله أمير المؤمنين وهي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. ثم أتبعناه بكتابنا الاوسط في الاخبار على التاريخ، وما اندرج في السنين الماضية، ومن لدن البدء إلى الوقت الذي عنده انتهى كتابنا الاعظم وما تلاه من الكتاب الاوسط، رأينا إيجاز ما بسطناه واختصار ما وسطناه، في كتاب لطيف نودعه لمع ما في ذينك للكتابين، ضمناهما، وغير ذلك من أنواع العلوم وأخبار الامم الماضية والاعصار الخالية مما لم يتقدم ذكره فيهما ". من هذه الالمامة الموجزة التي يذكرها المسعودي في صدر كتاب مروج الذهب يمكننا أن نلم بشئ عن كتاب أخبار الزمان للمسعودي. ولو قارناه بكتابنا هذا الذي يزعم أنه للمسعودي وجدنا مفارقة كبيرة بين الكتابين، فالذي يصفه المسعودي، تأريخ عام مطول وهذا تاريخ خاص عن أصل الخلق وغرائب الارض والبحار والانهار وعجائبها، ثم أخبار آدم وبعض الانبياء من بعده، وملوك مصر وفتوحاتهم، وفراعنتها وكهانها وسحرتها وآثارها، فهذه مقارنة أولية تذلنا على أن كتاب أخبار الزمان غير هذا. وأيضا نحن نعلم ان صفحات مروج الذهب تبلغ خمسمائة وألف صفحة فلو فرضنا أنه على النصف من أصله الكتاب الاوسط لكان أصله ثلاثة آلاف صفحة، وسيكون كتاب أخبار الزمان إذا في ستة آلاف صفحة لان الكتاب الاوسط مختصر منه. فما مبلغ هذا الذي بين أيدينا، وعدد صفحاته مائتان وخمسون صفحة لا غير، من هذا الذي تبلغ صفحاته ثلاثة آلاف على أقل تقدير.

стр. 7

وسأورد أيضا بعض عبارات من مروج الذهب وإحالات فيه على كتاب أخبار الزمان نتبين منها صحة ما نذهب إليه. ١) قال المسعودي " ولمن سمينا من ملوك الحيرة أخبار وسيرة وحروب قد أتينا على ذكرها والغرر من مبسوطها في كتابنا أخبار الزمان ... فأغنى ذلك عن إعادته " ولو عدنا إلى كتابنا لنبحث عن ملوك الحيرة هؤلاء لم نر شيئا عنهم في كتابنا هذا. ٢) قال المسعودي: والفرق بينه (أي الفيل) وبين سائر أنواع الدواب ما يظهر من الفيل من الجزع عند ورود المياه من الغدران والانهار للشرب إذا كان الماء صافيا، فانه يثيره ويكدره ويمنع من شربه حين صفائه، وان ذلك يوجد في أكثر الخيل إذا وردت الماء وكان صافيا ضربته بأيديها فكدرته، فتشرب حينئذ. وتوافق الخيل الفيلة في هذا المعنى، دون سائر الحيوانات، وإن ذلك لمشاهدة صورها في الماء لصقالته وصفائه، ولعلمها بذلك عند زوال كدره. وإن الابل الاغلب منها يفعل ذلك، ولمعان غير ذلك مما وصفنا من أن ما عظم من الحيوانات إذا رأى صورته منعكسة على صفاء الماء أعجبته لعظمها وحسنها، وما بان له من حسن الهيئة عما دونه من أنواع الحيوان، وليس يفعل ذلك من الحيوان غير ما ذكرنا من الخيل والابل. وإن الفيل مع عظم جسمه ولطافة نفسه وخفة روحه وحسن تمييزه والمعرفة بوليه وعدوه من الناطقين وغيرهم، وقبوله الرياضة تمتنع أنثاه، كما تمتنع النوق إذا لقحت. وليس شئ من الدواب يمتنع من السفاد من الاناث عند حملها إلا الفيلة والابل، وهذا باب إن نحن تقصيناه وذكرنا ما فيه طال به الكتاب، وخرج

стр. 8

عن حد الاختصار والايجاز، وقد أتينا على وصف جميع ذلك في كتابنا " أخبار الزمان ". فإذا نحن نقبنا في صفحات هذا الكتاب لم نجد عن ذلك شيئا. ٣) قال المسعودي: ثم اختلفت الكلمة بين اجناسهم (اي الصقالبة) فزال نظامهم وتحزبت أجناسهم وملك كل جنس منهم ملكا على حسب ما ذكرنا من ملوكهم لامور يطول ذكرها وقد أتينا على جمل من شرحها، وكثير من مبسوطها في كتابنا (أخبار الزمان) . ونحن لا نجد فيه ذكر أمور يطول أو يقصر، عن زوال ملك الصقالبة وتدهوره وانفراط أمر ملوكهم وتبدد جماعتهم وتحزب عصبتهم في هذا الكتاب الذي بين أيدينا. (٤) قال المسعودي: وأما الدلائل [على] أن السماء تدل على مثال الكرة وتدويرها بجميع ما فيه من الكواكب، وأن الارض بجميع أجزائها من البر والبحر على قدر مثال الكرة، وأن كرة الارض مثبتة في وسط السماء كالكرة وقدرها عند قدر السماء قدر النقطة في الدائرة صفرا، ووصف الربع المسكون من الارض، وما يعرض من دور الفلك، واختلاف الليل والنهار، ووصف المواضع التي تطلع الشمس فيها شهورا لا تغرب، وتغرب شهورا لاتطلع. فقد أتينا على وصف جميع ذلك وما اتضح عليه وما انتصب من البراهين وما قاله الناس في ذلك في كتابنا المترجم بكتاب " أخبار الزمان ". وهذا أيضا أنموذج رابع يوضح لنا بعض ما يتضمنه كتاب أخبار الزمان، وحجتنا فيه اننا لا نجد من ذلك شيئا ابدا في هذا الكتاب الذي بين أيدينا. ولو أننا تتبعنا عبارات المسعودي في كتابيه المروج والتنبيه لنتبين بها

стр. 9

بعض ما كان يحويه كتاب أخبار الزمان لوجدنا أمامنا من العبارات ما يضيق به هذا المكان، لكن في هذا ما يكفي لذي اللب. (٥) وثمة دليل آخر وفرق يسير وهو إن لم يكن دقيقا إلا أننا نذكره من قبيل العرض والتدليل على أنه ليس كتاب أخبار الزمان الذي يذكره المسعودي ذلك أن اسمه جاء هكذا: (كتاب أخبار الزمان، ومن أباده الحدثان، وعجائب البلدان، والغامر بالماء والعمران) . وجاء اسم ذلك في مروج الذهب هكذا: كتاب أخبار الزمان، ومن أباده الحدثان من الامم الماضية والاجيال والممالك الدائرة. وإذن فما نسب هذا الكتاب من كتاب أخبار الزمان، وما صلته بالمسعودي؟ ذلك سؤال يخطر بعد ما أسلفناه من قول، والواقع أن نسبة هذا الكتاب للمسعودي في غاية من القوة، ذلك أننا لو ذهبنا نقيس ما جاء فيه من أخبار على ما جاء في كتب المسعودي المعتمد نسبتها إليه لوجدناه مطابقا لها في الجملة ولا نكاد نرى فيه اختلافا، وبذلك نجزم بأنها آراء المسعودي ونقوله. ولا يصح أن نذهب إلى أن الكتاب مختصر من كتابي المسعودي اللذين عرفناهما، لان ما يورده فيه من اخبار يضعف بكثير جدا ما يذكره في المروج أو التنبيه ويربي على ما فيهما. وأنا بعد ذلك أذهب إلى أن هذا الكتاب إما أن يكون اختصارا لجانب يسير من كتاب أخبار الزمان، ولولا ان الكتاب تام، وقد عملت له خاتمة لقلت إنه قسم منه، وكذلك قال الذين رأوه وفهرسوا الكتب العربية الخطية امثال برو كلمان وجولدزيهر.

стр. 10

كما لا يمكنني أن أجزم بأن الذي اختصره غير المسعودي، وعلى أية حال فقد وجدنا التسمية على صدر النسخة الخطية المحفوظة بباريس، والتي صورت عنها النسخة التي في المكتبة الملكية. كما وجدت التسمية على صدر النسخة الخطية المحفوظة بمكتبة تيمور باشا، وفي كلتا النسختين يضاف الكتاب إلى المسعودي. وأيا ما كان الكتاب للمسعودي أو غيره، فالكتاب فيه أشياء غربية وأخبار طريفة تفيدنا كثيرا في معرفة التاريخ القديم بوجه عام والمصريين بوجه خاص، ولو أن العلم الحديث يقفنا منها موقف الريبة والشك. وسيجد القارئ فيه لذة لا تعدلها لذة، وسيمضي في قراءته دون كد ولا ملل،، وسيعاود قراءته بعد ذلك مرات، وهو بلا ريب منته إلى إحدى ثمرتين: الاولى - أن الانسان فيما مضى وتصرم من الاجيال كان أقدر منه في هذه الحياة العصرية، وأن السحر والكهانة لعبا دورا كبيرا في غابر الاحقاب، وأن القدماء وصلوا في العلم بهما إلى غاية تتقاصر دونها أقصى الغايات. الثمرة الثانية - أن قدماء المؤرخين كانوا ذوي خيال واسع، قصاصين بارعين قادرين على أن يجسموا الخيال، ويلبسوه ثوبا من الحقيقة محكم النسج. وسيقف القراء منه على أن ما بلغه المصريون من الصناعة وعمارة الارض والفنون والعلوم والحكمة والبصر بالكيمياء لم تبلغه أمة من الامم، وسيجدون فيه من العجائب التي أقامها المصريون بالهندسة أو السحر أعاجيب أدناها الاهرام هذه التي أفنت العصور، ولم تبلها العصور. وسيعلمون ان ليست هذه الاهرام وحدها التي أقامها القدماء آيات شاهدة لهم بالقوة والايد واتساق الملك الجبروت.

стр. 11

بل إن لقدماء المصريين آثارا أخرى جليلة أقاموها في مصر والاسكندرية ومنف وأطرافها وفي غيرها من الممالك والبلدان. ذلك ما سيقف عليه القارئ الكريم في هذا الكتاب، وفي هذا الكتاب سيستطيع من يعنيه البحث عن الآثار أن يعلم بوجه التقريب مدافن ومخابئ كثرا ملاها القدماء بالذهب والتحف وغرائب الجواهر والحلى، ففي هذا الكتاب إشارات لتلك المواضع، وهذه الاشارات وإن لم تحددها تلك المواضع بالدقة فهي تفيد عالم الآثار، ولا سيما إذا استعان عليها بالعلم. ونحن بعد أن ننشر هذا الكتاب سنرقب عن كثب ما يظهره لنا علامة مصر الاثري الفاضل الدكتور سليم حسن، ونود أن يسمعنا رأيه فيما جاء بهذا الكتاب من آثار. وفي الحق أن ما ذكر في هذا الكتاب يكاد لا يصدقه العقل، بل يكاد ينفيه، ولكن معول الدكتور الفاضل وما كشفه في السنين الماضية من آثار، وما يكشفه الآن، يجعلنا لا نرتاب أبدا في تقبل ما يحدثنا به المسعودي في هذا الكتاب. على أن المؤلف نفسه يروي ما جاء فيه بتحفظ شديد، بل يرويه على أنه خبر يرتاب فيه العقل، ولكنا الآن أشد إيمانا بتصديق ما جاء فيه من المسعودي نفسه، وذلك بفضل العلم الحديث، وما وصل إليه علماء الآثار، ومعهد الآثار في الجامعة المصرية. ولن يضير هذا الكتاب شيئا ما ورد فيه من ذكر السحر والكهانة، وأن مصر كانت عامرة بالسحرة، فالقرآن الكريم يؤيد ذلك في كثير من سوره وهو يذكر السحرة في غير موضع، فيذكرهم مع موسى وفرعون في مواضع كثيرة، ويذكر هاروت وماروت وأنهما كانا يعلمان الناس السحر، ويذكر

стр. 12

السحرة مع ملك سليمان ويذكر للرسول ﷺ كيف يتعوذ من النفاثات في العقد، وفي سيرة الرسول ما يفهمنا أن الرسول ﷺ قد سحر، وقد وضع الفقهاء عقوبة للساحر في الشريعة الاسلامية، ويروى عن الرسول ﷺ أنه قال: تعلموا السحر ولا تعملوا به، فهذه كلها دلائل ناطقة بحقيقة السحر والكهانة وأنها أشياء كانت معروفة مشتهرة بين القدماء. ونحن وإن كنا الآن لا نشاهد شيئا من آثار السحر، ولا من قوته، فليس لنا أن ننكره، وبين يدينا كتب مؤلفة في السحر تعد بالمئين، فمحال أن تكون هذه الكتب ألفت على غير أساس، وفي الحياة غرائب وأشياء معقدة هي كالسحر، بل ان الحياة ومن فيها جميعا أشبه شئ بالسحر. ومن الجائز أن يكون السحر علما ذهب بذهاب أهله، لانهم كانوا به جد ضنين. وقد أحصيت كتب المسعودي التي ذكرها في كتاب مروج الذهب وكتاب التنبيه والاشراف وأحال عليها أثبتها فيما يلي: ١) كتاب أخبار الزمان، ومن أباده الحدثان من الامم الماضية، والاجيال الخالية، والممالك الدائرة وهذا وقسم منه. ٢) الكتاب الاوسط. ٣) كتاب مروج الذهب، ومعادن الجوهر، في تحف الاشراف من الملوك وأهل الدرايات. ٤) كتاب فنون المعارف، وما جرى في الدهور السوالف. ٥) كتاب ذخائر العلوم، وما كان في سالف الدهور. ٦) كتاب نظم الجواهر، في تدبير الممالك والعساكر. أخبار الزمان م (٢)

стр. 13

٧) كتاب الاستذكار، لما جرى في سالف الاعصار. ٨) كتاب التنبيه والاشراف. ٩) كتاب نظم الاعلام، في أصول الاحكام. ١٠) كتاب نظم الادلة، في أصول الملة. ١١) كتاب المسائل والعلل، في المذاهب والملل. ١٢) كتاب خزائن الدين، وسر العالمين. ١٣) كتاب المقالات، في أصول الديانات. ١٤) كتاب سر الحياة. ١٥) رسالة البيان في أسماء الائمة. ١٦) الاخبار المسعوديات. ١٧) كتاب وصل المجالس. ١٨) كتاب تقلب الدول، وتغيير الآراء والملل ١٩) كتاب الابانة، في أصول الديانة. ٢٠) كتاب مقاتل فرسان العجم. ٢١) كتاب الصفوة في الامامة. ٢٢) كتاب الاستبصار في الامامة. ٢٣) كتاب المبادئ التراكيب. ٢٤) كتاب الرؤوس السبعة. ٢٥) الزاهي. ٢٦) كتاب الدعاوي. ٢٧) كتاب الاسترجاع. ٢٨) كتاب مزاهر الاخبار، وطرائف الاثار. ٢٩) كتاب الرؤيا والكمال.

стр. 14

٣٠) كتاب طب النفوس. ٣١) كتاب حدائق الاذهان، في أخبار الرسول. ٣٢) كتاب القضايا والتجارب. ٣٣) كتاب الواجب في الفروض اللوازم. ٣٤) كتاب الزلف. يظهر أن كتبه هذه كلها قد ضاعت ولم يقف العلماء على شئ منها سوى: (١) مروج الذهب، وهو أوسع ما طبع من مؤلفاته. (٢) هذا القسم من كتاب أخبار الزمان ومن أباده الحدثان. (٣) كتاب التنبيه والاشراف، وقد قمت بطبعه على النسخة المطبوعة في ليدن. (٤) الكتاب الاوسط، وفي مكتبة أكسفورد نسخة يظن انها هو.

стр. 15

المسعودي ٣٤٥ أو ٣٤٦ - ٩٥٧ من هو؟ هو أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي المعتزلي الشافعي، من ذرية عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل. فأما منشؤه فان الثقات من المؤرخين يروون انه نشأ في بغداد، على أن ابن النديم يروي أنه من أهل المغرب، فلعله شخص آخر، أو لعل بعض أجداده نزحوا إلى المغرب. وعلى أية حال فقد قضى زهرة شبابه في بغداد، ولكنه غادر اقليم العراق وإرضاء لميوله واذواقه، ورغبة منه في التجول، فخرج عن بغداد سنة ٣٠١ ليقوم برحلة قيل انها استمرت أعواما ثلاثة، وقد قضاها متنقلا بين ربوع فارس وكرمان. ثم بعد ذلك جاب بلاد الهند وصيمور، قطن أخيرا في مدينة بومباي حتى سنة ٣٠٤، ومن المحتمل أن يكون قد أقام حينذاك في جزيرة سيلان. ومن ثم وصل إلى مدينة عمان، ويمكن أن نستنتج أنه ذهب إلى قناطر ماليسية العجيبة العظيمة، وشارف الصين. ومع أنه خاطر بتلك الرحلة وخصص لها نفسه ووقته، فانه تعمق في دراسات الحدود الاسلامية، واستعان على ذلك بالآيات العلمية، التي كانت معروفة في حياته.

стр. 16

وهو يحدثنا أنه كان في سنة ٣١٤ في فلسطين وفي انطاكية، وظل بعد ذلك متنقلا بين العراق وسوريا ومصر على أن جل ما ورد عن إقامته كان في مصر. فهو يحدثنا بعد أنه كان في سنة ٣٣٦ قد أتم تأليف كتابه مروج الذهب في فسطاط مصر، وكان قد بدأ تأليفه سنة ٣٣٢. ويذكر كذلك انه في سنة ٣٤٤ كان يشتغل بوضع النسخة الاولى من كتاب التنبيه والاشراف في الفسطاط نفسه، ثم في سنة ٣٤٥ زاد فيها وأصلحها. ويظهر مما ذكره من الكتب التاريخية في صدر كتابه، مروج الذهب، والتنبيه والاشراف، ان المكتبة العربية التاريخية في عصره كانت غنية جدا، عامر بالمؤلفات، فقد أورد فيهما عددا وفيرا من اسماء الكتب، وأسماء المؤلفين. والمؤرخون، يذكرون انه توفي سنة ٣٤٥ وبعض يقول في ٣٤٦، والخطب يسير، لكنه يجل حين نذكر ان ذلك العالم المؤرخ الكبير الذي عاش معنيا بالعلم وبالعالم، والعلماء وبالتاريخ والمؤرخين أهمله التاريخ، ولم يذكر المؤرخون شيئا من نعوته، ولا من تاريخ طفولته أو حياته. ولكن يكفينا عزاء بقاء اسمه حيا في بطون ما بقي من كتبه، تعمر به قلوب العلماء وصدور الاجلاء، فرحمه الله رحمة واسعة. وقد اعتمدت في طبع هذا الكتاب على النسخة المأخوذة من الاصل الباريسي بالتصوير الشمسي والمحفوظة بدار الكتب الملكية تحت رقم ٨٧٩ تاريخ وقد رمزت إليها باشارة (ب) اول كلمة باريس، وهي نسخة معتبرة وخطها يقرأ بعسر ويذهب القارئ فيه مذاهب شتى لتشابه حروفه، وقد حدث في اثناء التصوير ارتجاج احدث فسادا في طبع بعض الصفحات وقد لقينا مجهودا كبيرا في مراجعتها، والتهدي إلى صوابها.

стр. 17

هناك اصل آخر في المكتبة التيمورية كثر فيه الحذف والبتر وكانت الورقة الاولى منه قد ضاعت فأكملها احد الناسخين فدل على سوء علمه ورأيه وعدم امانته وهذه النسخة محفوظة تحت رقم ٦١٤ تاريخ وهي كثيرة الخطأ ولم أعتمد عليها الا قليلا بل لقد تركت الاعتماد عليها عندما قاربت منتصف الكتاب لكثرة ما فيها من الخلل والتحريف والنقص وقد رمزت على ما انتفعت به منها بإشارة (ت) أول كلمة من تيمور. وقد اعتمدت فيما جاء فيه من اخبار مصر وملوكها على تاريخ القرماني المسمى بأخبار الدول وآثار الاول لابي العباس احمد بن يوسف بن احمد الدمشقي الشهير بالقرماني وقد طبع في مدينة بغداد سنة ١٢٨٢. وقد لاحظت انه اطلع على نسخة من اخبار الزمان، لانه يذكر حوادث وأخبارا بنصوصها وعبارتها وألفاظها الا انه مختصر. وقد أفاد هذا الكتاب كثيرا في تصحيح بعض الاسماء وكشف بعض ما عميت قراءته ولا سيما تلك الصفحات التي حدث بها الارتجاج اثناء التصوير الشمسي في باريس. وقد رمزت إلى تاريخ القرماني بالاشارة (ق) اول حرف من كلمة قرماني، هذا وان ألفت نظر حضرات الادباء والعلماء إلى ان الفضل في اختيار هذا الكتاب، والانفاق على طبعه لحضرة الفاضل السيد عبد الحميد افندي حنفي عامله الله بلطفه الخفي، وشكر له مسعاه وأبلغه احسن ما يتمناه، وأنا ارجوا ان اكون قد قمت ببعض ما يجب علي من تصحيح هذا الكتاب، وأسأل الله ان يتداركني بلطفه، وان يوفقني إلى ما فيه الخير في الدنيا والاخرى، وأن يلهمني السداد، انه على ما يشاء قدير. عبد الله الصاوي

стр. 18

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وهو حسبنا ونعم الوكيل " قال الشيخ أبو الحسن، علي بن الحسين بن علي بن عبد الله الهذلي المسعودي ﵀ ورضي عنه ". نبتدئ بحمد الله وذكره وشكره، والثناء عليه والشكر له، والصلاة على أنبيائه ورسله وملائكته، ونخص سيدنا ونبينا محمداً ﷺ وعلى آله وأزواجه وأصحابه، بأفضل صلواته، وأكمل تحياته، وأزكى بركاته. ثم نذكر ما وقع إلينا من أسرار الطبائع، وأصناف الخلق، مما يكون ذلك (١) مشاكلا لقصدنا، ونصل ذلك بذكر ما يجب ذكره من ملوك

стр. 19

الأرض، وما عملوه من عجائب الأعمال، وشيدوه من عجائب البلدان (١) ووصفوه من الآلات المستطرفة والطلاسمات (٢) المستعملة، وما بنوا من هياكلهم، وأودعوه نواويسهم، وزبروه على أحجارهم. على حسب ما نقل إلينا من ذلك. ونبدأ بما جاء من الآثار الشرعية، والملة الحنيفية، ثم نذكر ما روي عن الحكماء الأول المتقدمين، وبالله أستعين، وهو حسبي ونعم الوكيل. وقد سميت كتابي هذا بكتاب [تاريخ] (أخبار الزمان ومن (٣) أباده الحدثان وعجائب البلدان والغامر (٤) بالماء والعمران) فأنا أقول: " أما بعد " فان الله ﷻ ، وتقدست أسماؤه، خلق خلقه من غير ضرورة كانت منه إلى خلقهم، وأنشأهم من غير حاجة كانت منه إلى إنشائهم. بل خلقهم ليعبدوه، فيجود عليهم بنعمه ويحمدوه، فيزيدهم من فضله فيشكروه ويمجدوه. كما قال عزوجل (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد ان يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) فلم يزده خلقه إياهم وإيجادهم مثقال ذرة، ولم ينقصه إفناؤهم وإعدامهم وزن شعرة، لأنه سبحانه لا تغيره الأحوال، ولا يدخله الملال، ولا تتقاضى سلطانه الأيام والليال. بل خصهم بأسماع وأبصار، وعقول وأفكار. يصلون بها إلى الحق والباطل، فيعرفون بذلك المنافع والمضار. وجعل لهم الأرض بساطاً، ليسلكوا منها سبلاً فجاجا، والسماء سقفاً محفوظاً. أنزل منها الغيث المدرار، والأرزاق بمقدار، وأجرى لهم فيها قمر الليل وشمس النهار. يتعاقبان لمصالحهم دائبين. وجعل لهم الليل سكنا،

стр. 20

والنهار معاشاً. ومحا آية الليل، وجعل آية النهار مبصرة. ليصلوا (١) بذلك العلم بأوقات فروضهم التي فرضها عليهم. من الصلاة والزكاة والصيام والحج، وليعلموا عدد السنين والحساب، وحين تحل ديونهم، وتجب حقوقهم. قال الله عزوجل وعلا: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) وقال (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب، ما خلق الله ذلك إلا بالحق) إنعاماً منه وطولا، وإحساناً منه وفضلا. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵁ أنه قال: " الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة فقد مضت ستة آلاف ومئون من السنين، وليأتين عليها مئون ليس عليها موحد لله تعالى ". وعن نافع عن ابن عمر، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنما أجلكم في آجال من خلا من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ". وعن أبي هريرة قال: رسول الله ﷺ " بعثت أنا والساعة كهاتين " وأشار بالسبابة والوسطى. وفي حديث سهل بن سعد الساعدي قال: قال النبي ﷺ " ما مثلي ومثل الساعة إلا كفرسي رهان ". وعن ابن عباس قال: قال رسول ﷺ " أول ما خلق الله القلم خلقه من نور طوله خمسمائة عام، وخلق اللوح المحفوظ من درة بيضاء، حافاته من ياقوت أحمر، عرضه مابين السماء والارض، خلقهما قبل أن يخلق الخلق والسموات والأرض. فقال للقلم اكتب، قال وما اكتب؟ قال أكتب علمي

стр. 21

في خلقي الى يوم القيامة، فجرى القلم بما هو كائن الى يوم القيامة، وما هو في علم الله، ينظر الله تعالى في ذلك اللوح كل يوم ثلاثمائة نظرة وستين نظرة، فيخلق ويرزق ويحيي ويميت، ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ". وسئل رسول الله ﷺ : أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق والسموات والأرض؟ قال " كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء ". وسئل ابن عباس " على أي شئ كان الماء؟ قال: على متن الريح فلما أراد الباري ﷻ أن يخلق الخلق سلط الريح العقيم على الماء فطفت أمواجه وارتفع زبده، وعلا دخانه، وصعد فوق الماء وسما عليه، فسماه الله سماء، وجمد الزبد فصار أرضأً فجعل الأرض على حوت، والحوت هو الذي ذكره الله تعالى في كتابه فقال (ن والقلم وما يسطرون) والحوت في الماء والماء على ظهر صفاة، والصفاة على متن الريح، فتزلزلت الأرض فأمر الأمواج فأرست عليها جبالاً جامدة، فاستقرت وثبتت فذلك قوله عزوجل (وجعل فيها رواسي من فوقها) ، (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بكم) . قال ابن عباس: اتت اليهود إلى النبي ﷺ فسألوه عن ابتداء الخلق فقال (خلق الله الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين وخلق الجبال وما فيها من المنافع يوم الثلاثاء وخلق الماء والشجر والمدائن والعمران يوم الأربعاء فذلك قوله جلت قدرته (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين إلى قوله سواء للسائلين) وخلق يوم الخميس السماء والكواكب والنجوم والملائكة) وخلق يوم الجمعة الجنة والنار، وآدم ﵇، قالوا: ثم ماذا يا محمد؟ قال: ثم استوى على العرش، قالوا: قد أصبت، لو أتممت وقلت ثم استراح.

стр. 22

فغضب رسول الله ﷺ غضباً شديداً فأنزل الله عليه (ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وما مسنا من لغوب، فاصبر على ما يقولون وفي رواية أسد بن موسى قال " أمر الله ﵎ السماء أن ترتفع وتسموا، وأمر الأرض أن تنبسط وتنخفض فانبسطت، فدحاها من موضع بيت الله الحرام ". وقال رسول الله ﷺ " الدنيا موج مكفوف، ولولا ذلك لأحرقت الشمس والقمر الأرض ومن عليها " وبين كل سماء والتي تليها خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والعرش مسيرة ألف عام. ثم قال رسول الله ﷺ " هو الأول فلا شئ قبله، والآخر فلا شئ بعده ". وعن زرارة بن أبي أوفى أن النبي ﷺ قال " قلت لجبريل هل رأيت ربك قط؟ فانتفض، ثم قال يا محمد إن بيني وبينه سبعين (١) ألف حجاب من نور، لو دنوت الى واحد منها لا حترقت " ولما أراد الله عزوجل أن يخلق آدم أمر جبريل ان ينزل الى الأرض ويقبض (٢) القبضة التي خلقه منها، فقالت له الأرض أعوذ بالله منك أن تأخذ مني شيئاً، فرجع الى ربه، وقال يا رب تعوذَت بك مني. فأرسل اسرافيل، فقال مثل ذلك، فارسل ملك الموت فتعوذَت بالله منه، فقال ملك الموت إن ربي أمرني وأنا أعوذ به أن أرجع اليه بغير ما أمرني به. وروى بعض أهل الأثر أن أول ما أجرى الله الروح في آدم أجراه في رأسه وعينيه قبل سائر جسده، فلما رأى ثمار الجنة أراد النهوض اليها قبل أن تبلغ الروح الى رجليه فلم يستطع، فذلك قوله عزوجل (وكان الانسان

стр. 23

عجولا) فلما خلق الله آدم عجبت الملائكة منه فأمرهم بالسجود له كلهم، فسجدوا طاعة لله تعالى إلا إبليس فانه تكبر وامتلأ حسداً ومعصية، فغضب الله عليه ولعنه، وكان ذلك سببَ هبوطه الى الأرض وأما الحكماء المتقدمون (١) فانهم يقولون: إن الله تعالى جمع الدراري في الحمل فجعل الشمس ملكاً، وصير عطارد كالكاتب، والمشتري كالقاضي، والمريخ كالشرطي وكمن يحمل السلاح، والقمر كالخازن، والزهرة كالصاحبة، وزحل كالشيخ المشاور، والجوزهر (٢) كالمقوم لأمر الفلك وذكرت الأوائل أنه كان في الأرض ثمان وعشرون أمة مخلوقة روحانية ذوات قوة وبطش، وصورمختلفات بحذاء الثمان (٣) والعشرين منزلة لكل منزلة، أمة مفردة ويزعمون أن الأمم الماضية، تعالى الله عن قولهم، إنما كان تدبيرها للكواكب الثابتة وهي ألف كوكب وعشرون كواكبا، يقطع كل كوكب منها البرج في ثلاثة آلاف سنة، وهي التي تعمل الأعمال كلها، وبها يكون جميع الأمور وقال بعض أهل الأثر: إن الله خلق الأفلاك من بخار وإنه لما صعد انعقد وهي سبعة أفلاك، وفوقها البيت المعمور، وله ثلاثمائة وستون بابا، جعلت درجا للفلك، وإن كل رحمة وبركة إنما تنزل من تلك الابواب، مقسومة على البروج والكواكب حتى تصير إلى الأرض. وقالوا إن الله خلق هو ملء (٤) ملكه يسمى الروح، ومن فوقه الحجب وذلك كله داخل في الكرسي. وهو قوله عزوجل (وسع كرسيه السموات

стр. 24

والارض) والكرسي وما حوى داخل في العرش، والعرش وما حوى داخل في علم الله، جلت عظمته. وأعلا الدراري السبعة زحل ثم المشتري ثم المريخ ثم الشمس ثم الزهرة ثم عطارد ثم القمر. وزعم قوم من الحكماء الأوائل ان الكواكب ملائكة، وانه جعل لها من تدبير العالم ما لم يجعل لغيرها، فلذلك عظموها وعبدوها. وزعم قوم منهم ان الخلق العالية الذين هم الملائكة (١) اثنا عشر صنفاً بحذاء البروج الاثني عشر، وأنهم يتوارثون، جعل الله فيمن شاء منهم حولا وقوة يقدر أحدهم أن يكون في صورة تملا الارض عظما، ويقدر احدهم أن يكون في صورة تدخل من خرق الابرة لطفاً، ويغوص في تخوم الأرض والبحار والجبال، لا يمنعه من ذلك مانع، ومنهم من له من الأجنحة مثنى وثلاث ورباع، كما قال الله عزوجل، يلتحقون اقطار الأرض كلمحة البصر ومنهم مخلوق من النور، ومنهم زرق من نور النار، ومنهم شعاعيون، ومنهم ملائكة الرحمة، ومنهم الحفظة والخزنة. وهؤلاء مخلوقون من رطوبة الماء وهم حسان الوجوه سمر الالوان، ومنهم مشغولون بعبادة الله لا يعرفون غيرها، وهم في صور لا تحصى. وقال اصحاب الطبيعة: ان الافلاك لما تم خلقها كانت كالاجسام (٢) لكواكبها وكانت الكواكب كالأرواح لها. وقال هرمس لما خلق الله عزوجل البروج قسم لها دوامها في سلطانه، فجعل للحمل اثني عشر ألف سنة، وللثور احد عشر ألف سنة، وللجوزاء عشرة آلاف سنة، وللاسد ثمانية آلاف سنة، وللسنبلة سبعة آلاف سنة، وللميزان ستة آلاف سنة، وللعقرب خمسة آلاف سنة، وللقوس أربعة آلاف

стр. 25

سنة، وللجدي ثلاثة آلاف سنة، وللدلو ألفي سنة، وللحوت ألف سنة ، فصار للدور ثمانية وسبعون ألف سنة، والباقي لسائر الكواكب. ولم يكن في عدد الحمل والثور والجوزاء حيوان، وذلك ثلاثة وثلاثون ألف سنة، ولا في الأرض عالم روحاني (١) . فلما كان عالم السرطان تكونت دواب الماء وهوام الارض، ولما استقام الاسد في سلطانه تكونت ذوات الأربع من الدواب والبهائم. فلما دخل سلطان السنبلة تكون الانسانان أدمانوس وحيوانوس، وكانت الطيور في سلطان الميزان. واما مقادير الكواكب عندهم. فقالوا ان الشمس اكبر من الأرض بمائة مرة وثلاث وستين (٢) مرة، وزحل اكبر من الأرض باحدى وتسعين مرة ونصف مرة، والمشتري بإحدى وثمانين مرة، والمريخ بثلاث (٣) وسبعين مرة والزهرة بنيف وستين مرة وعطارد (٣) ثلاثين مرة وثلث مرة، والقمر بسبع عشرة مرة (٤) وربع مرة وكانت الشمس كالملك والدراري كما ذكرنا ومن الفلاسفة من يقول ان الكواكب حية ناطقة حساسة. ومنهم من قال ان لها حاسة السمع والبصر واللمس، وليس لها حاسة الذوق والشم. لانها (٥) مشتغلة عن ذلك. ومنهم من زعم ان الفلك حي مميز لجميع ما فيه، ذو صورة فكذلك جميع ما فيه بهذه المنزلة.

стр. 26

وقالوا إن ضياء القمر مأخوذ من ضوء الشمس، لانهما إذا اجتمعا لم يكن للقمر نور. وقال قوم منهم العالم محدث إلا أنه لا يبيد لأنه حكمة وصنعة حكيم، والحكيم لا يفسد صنعته. ذكر عمر الدنيا فأما ما ذكروه من توقيت الزمان ومدته الى انقضائه، فانهم قالوا فيه أقوالاً لاتسلم لهم، إنما تسمع وتذكر على ما يتعجب منه لاعلى جهة التصديق به، نعوذ بالله. ففي كتاب السند هند الذي عمل منه المجسطي وغيره من الزيجات أن دوران الشمس من أول سيرها من الحمل انما سيرها ينقضي على ما حسبوه من الآلاف ألف ألف وأربعمائة ألف ألف وعشرون ألف دورة لكل دورة سنة، والسنة ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً وربع يوم. وقالوا إن أصل الدور أربعة آلاف ألف ألف وثلاثمائة ألف ألف وعشرون ألف ألف عند كل بدء ألف سنة. وأما أهل الأثر، فزعم قوم أن عمر الزمان إلى آدم ﵇ سبعة آلاف منه، ورواية محمد بن جرير الطبري على ما قدمناه ذكره أن من آدم الى انقضاء الخلق سبعة آلاف وذكر طلوع الشمس من مغربها قبل انقضاء العالم. وقال قوم: إذا بلغ القلب خمس عشرة درجة (١) من الأسد كان طوفان نار يحرق العالم بأسره فلا يبقى على وجه الأرض حيوان ولا في البحار،

стр. 27

وتبقى الأرض خراباً من العالم، ثم يستأنف الله عزوجل ما أراد في الخلق. وكان أرسطا طاليس يرى أن الزمان لا يبيد، ولا ينفد. وأن الطبيعة قديمة، وأنه لا أول لها ولا آخر، تعالى الله ﷻ . ذكر الأمم المخلوقات قبل آدم ﵇ يقال إنه كانت الجملة ثمانياً وعشرين أمة بأزاء المنازل العالية التي يحلها لقمر، لأنه المستولي عندهم لتدبير العالم الأرضي باذن الله تعالى جل ذكره خلقت من أمزجة مختلفة أصلها الماء والهواء والنار والأرض، فهي متباينة الخلق ومنها أمة طوال خفاف زرق ذات أجنحة كلامهم فرقعة، ومنها أمة أبدانهم كأبدان الاسد ورؤسهم رؤس الطير لها شعور وأذناب طوال كلامهم دوي، ومنها امة لها وجهان قدامها وخلفها وأرجل كثيرة وكلامهم كلام الطير. ومنها الجن. ومنها صفة الجن، وهي أمة في صور الكلاب لها أذناب وكلامها همهمة لا يفهم. ومنها أمة تشبه بني آدم أفواههم في صدورهم يصفرون تصفيرا. ومنها أمة في خلق الحيات الطوال لها أجنحة وأرجل وأذناب. ومنها أمة يشبهون نصف شق الانسان لهم عين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة يقفزون تقفيزاً، وكلامهم مثل كلام الغرانيق. ومنها أمة لها وجوه كوجوه الناس وأصلاب كأصلاب السلاحف، وفي أيديهم مخالب وفي رؤسهم قرون طوال، كلامهم كعوي الذئاب. ومنها أمة لكل واحد منهم رأسان ووجهان كوجوه الاسد طوال لا يفهم كلامهم، ومنها أمة مدورة الوجوه لها شعور بيض وأذناب كأذناب البقر يزرقون الناس من أفواههم. ومنها أمة في خلق النساء لهم شعور وثدي ليس فيهم ذكر،

стр. 28

تلقح من الريح وتلد أمثالها، ولها أصوات مطربة يجتمع اليها كثير من هذه الأمم لحسن أصواتها. ومنها أمة في خلق الهوام والحشرات إلا أنها عظيمة الأجسام تأكل وتشرب مثل الأنعام. ومنها أمة تشبة دواب البحر لها انياب كالخنازير بارزة وآذان طوال. وبقية الثمان والعشرين (١) امة على خلق لا يشبه بعضها بعضاً الا إنها وحشية المنظر، ويقال ان هذه الأمم تناتجت فصارت مائة وعشرين أمة ذكر الجن وأجناسهم وقبائلهم وسئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، هل كان في الأرض خلق من خلق الله تعالى قبل آدم يعبدون الله تعالى؟ فقال: نعم خلق الله تعالى الأرض، وخلق فيها أمماً من الجن يسبحونه ويقدسونه لا يفترون، وكانوا يطيرون إلى السماء، ويلقون الملائكة، ويسلمون عليهم ويتعلمون منهم الخير، ويعلمون منهم بخبر ما يجري في السماء، ثم إن طائفة من الجن تمردوا وعتوا عن أمر الله عزوجل، وبغوا في الأرض بغير الحق، وعلا بعضهم على بعض، حتى سفكوا الدماء، وأظهروا الفساد، وجحدوا الربوبية. وأقام الآخرون المطيعون على دينهم وعبادتهم وباينوا الذين عتوا عن امر الله، وكان يصعد إلى السموات عنها للطاعة، وخلق الملائكة كما قدمناه ذكره روحانيين ذوي (٢) أجنحة يطيرون بها حيث صيرهم الله تعالى، وأسكنهم ما بين اطباق السموات يسبحونه ويقدسونه لا يفترون، حتى اصطفى الله تعالى منهم الملائكة فكان أقربهم منه اسرافيل، ثم ميكائيل ثم جبرائيل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين

стр. 29

فصل وأما الجن فذكرت الهند والفرس واليونان ولادات الجن وقبائلهم وأسماء ملوكهم، وزعموا أنهم مفترقون على إحدى (١) وعشرين قبيلة، وبعد خمسة آلاف سنة ملكوا عليهم ملكاً منهم، يقال له الملك شمائيل بن أرس جن، ثم افترقوا، فملكوا عليهم خمسة (٢) ملوك فأقاموا بذلك دهراً طويلاً، ثم أغار بعض الجن على بعض، وكانت بينهم وقائع كثيرة وحروب شديدة، وكان إبليس منهم، وله أسماء كثيرة باختلاف اللغات غير أن اسمه بالعربية الحارث. ويكنى أبا مرة. عظيم الخلق مطيقاً (٣) وكان يصعد إلى السماء ويقف في صفوف الملائكة، ويجتهد في العبادة، فلما بغى بعض على بعض، وكانت تلك الحروب بينهم اهبط إلى الأرض في جند من الملائكة فهزمهم وقتلهم، وجعل ملكا على الأرض فتجبر وطغا، وكان امتناعة من السجود لآدم ﵇. كما أنبأنا الله عزوجل في كتابه، فاهبط في أقبح صورة وأشدها (٤) تشويها فأنكره جميع قبائل الجن واستوحشوا منه. فلما رأى ذلك سكن البحر، وجعل له عرشاً على الماء. ثم جعل له ولادة كما جعلت لآدم ﵇. فألقيت عليه شهوة السفاد (٥) وجعل لقاحه كلقاح الطير وبيضه كبيضه. وذكر بعض العلماء صنوف الجن فزعم * أن الشياطين خمس (٦) وثلاثون قبيلة وأن الذين يطيرون في الجو خمس عشرة قبيلة (٧) وان الذين مع لهب النار عشر

стр. 30

قبائل وأن مسترقي السمع ثلاثون قبيلة، ولهذا القبائل كلها ملوك من كل قبيلة لدفع شرهم. وحكي أن صنفاً من السعالي يتصورون (١) في صور النساء الحسان ويتزوجن برجال الانس كما حكي عن رجل يقال سعد بن جبير، أنه تزوج امرأة منهن وهو لا يعلم ما هي: فأقامت عنده وولدت عنده أولادا وكانت معه ليلة على سطح يشرف على الجبانة، إذا بصوت في أقصى الجبانة نساء يتألمن فطربت وقالت لبعلها أما ترى نيران السعالي شأنك وببنيك استوص بهم خيراً فطارت فلم تعد اليه ومنهم من تظفر (٢) بالرجال الخالي في الصحراء أو الخراب، فتأخذه بيده فترقصه حتى يتحير ويسقط فتمص دمه ومنهم صنف لا تفارق صور الحياة وربما قتلها الرجل فهلك يحكى ان فتى من الانصار قريب عهد بعرس استأذن رسول الله ﷺ في تقدمه يوم الخندق وأن يلم بأهله فأذن له فلما انتهى إلى منزله وجد امرأته قائمة بالباب فأدركته غيرة وأهوى إليها برمحه، فقالت له لا تعجل وادخل حتى تنظر ما على فراشك فدخل فرأى على فراشه حية عظيمة، فطعنها برمحه فقتلها، فمات هو من ساعته. وتذكر العرب عن عبيد بن (٣) الابرص الاسدي أنه خرج في سفر له يريد الشام مع نفر، فلما صار ببعض الطريق إذ هو بشجاع يلهث عطشاً وخلفه حية سوداء تطرده، فنزل (٤) * فقتل الحية السوداء وحل إدواته ونضح على

стр. 31

الشجاع من الماء فشرب وانساب حتى دخل جحره، ومضى عبيد حتى قضى حوائجه بالشام. فلما انصرف أغفى وهو في مفازة فلما انتبه وجد قلوصه قد ضل، وهو على غير الطريق فأقام مكانه فلما جنه الليل إذا بهاتف يقول: يا صاحب البكر البعيد مذهبه * * ما عنده من ذي رشاد يصحبه دونك هذا البكر منا تركبه * * حتى إذا الليل تولى غيهبه واقبل الصبح ولاح كوكبه * * فبعد حط رحله تستلبه (١) فلما سمع عبيد ذلك من الهاتف التفت، فاذا عنده بكر كأحسن ما يكون فركبه فسار به بقية ليلته فاصبح في منزله، وكان بينه وبين منزله إحدى وعشرون مرحلة فنزل عنها وأنشأ يقول: يا صاحب البكر قد أنجيت من عطب * * ومن حمام يضل المدلج الهادي ارجع حميداً فقد اوليتنا منناً * * جوزيت من رائح بالخير أو غادي فأجابه البكر: أنا الشجاع الذي ألفيتني رمضاً (٢) في مَهْمَه نازح عن أهله صادي (٣) فجدت بالماء لما ضن حامله (٤) * * رويت منه ولم تلمم بأنكاد (٥) الخير يبقى وإن طال الزمان به * * والشر أخبث ما اوعيت من زاد ثم قال إن الاسود الذي رأيته يطردني عبد من عبيدي أراد قتلي فكفيتني شره، وأرويتني من ظمئي ولن يضيع الخير واستخلف الله عليك. وعن ابن عباس ﵁ أنه قال: أكثر الحيوان الداجن صفة الجن، وان الكلاب من الجن، فاذا راوكم تأكلون فألقوا إليهم من طعامكم، فان

стр. 32

لهم أنفساً - يعني ياخذون بالعين. والعرب تذكر راكباً على جمل (١) في قدر الشاة وفد عليهم بسوق عكاظ [نادى] ألا من يهبني ثمانين بكرة هجاناً وأدماً، فلم يجبه أحد. فلما رأى ذلك ضرب جمله (٢) وطار به بين السماء والأرض كالبرق، فعجبوا منه فحدثهم رجل قال: لقيت رجلاً في بعض المفاوز راكباً على نعامة وعيناه مشقوقتان بطول وجهه، فأخذتني منه روعة ثم استوقفته فقلت له: اتروي شيئاً من الشعر؟ قال: نعم وأقرضه، وأنشدني: أتاركة تحيتها (٣) قطام وضنا (٤) بالتحية والسلام حتى أتى على آخرها فقلت له: هيهات سبقك إليها أخو بني ذبيان، فقال: أنا والله يا أخي، نطقت بها على لسانه بسوق عكاظ، وكنت قلتها قبل ذلك بأربعمائة عام. ويقال إن الله تعالى خلق ألفاً وعشرين أمة حذاء الكواكب الثابته (٥) منها في البحر ستمائة أمة، ومنها في البر أربعمائة أمة وعشرين أمة أحسنها الانسان وأتمها وأحبها إلى الباري وأفضلها، فانه خلق على صورة إسرافيل ﵇ وهو أقرب الملائكة الى الله تعالى. وفي التوراة خلق الله تعالى آدم على صورته، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وفي الحديث " لا تضربوا الوجوه فإنها على صورة إسرافيل ﵇ " وفي الحديث " تلجوا بالنظر إلى وجوه المرد فان فيها لمحات من الحور العين ". ويقال أن في الإنسان من كل الخلق، فلذلك سخر له جميع الحيوان وسلط عليها فاقتنصها وذللها وسخر أكثرها، وجمع له المأكول من النبات

стр. 33

والحيوان [البهيمي والوحشي وغيره] (١) ، وله خلقت اللذات جميعاً، وعمل بهذه جميع الأعمال. وله المنطق والضحك، والفكر الفطنة، واختراعات الأشياء، وله خاطب الباري عزوجل، وعليه وقع الأمر والنهي والإنسان هو الذي استنبط الأشياء وجمع العلوم، وعمل الآلات، وأثار المعادن، وأخرج ما في قعور البحار، وسخر له كل شئ. ومن العجائب خلق النسناس وهو كمثل نصف الانسان بيد واحدة ورجل واحدة، ويثب وثباً ويعدو عدواً شديداً، وكان ببلاد اليمن، وربما كان ببلاد العجم، والعرب تصيده وتأكله. وفي بعض أخبارهم أن سيارة وقعوا في أرض كثيرة النسانس، فصادوا واحداً وذبحوه وطبخوه وكان سميناً، فلما جلسوا يأكلونه قال أحدهم: لقد كان هذا النسناس سميناً، فقال نسناس آخر، قد اختفى في شجرة بالقرب منهم: إنه كان يأكل السرو فلذلك سمن، فنبههم على نفسه فأخذوه وذبحوه. فقال آخر من شجرة أخرى، قد اختفى فيها عنهم: لو كان عاقلا صمت ولم ينطق، فاخذوه وذبحوه. فناداهم نسناس آخر تخبأ في بعض خروق الأرض: إني قد احسنت فلم أتكلم فأخذوه وذبحوه، وكان لهم فيها قوت. وقيل إنه يغتذي بالثمار والنبات، ويصبر على العطش. وقيل إن في شرقي القلزم مما يلي في البحر أمة متولدة من صنف من السباع وبني آدم، وجوهها عراض كثيرة الشعر مثل وجوه السباع، وعيونها مدورة بصاصة، وأنيابها بارزة طوال، وآذانها طوال، وأبدانها كأبدان الناس إلا

стр. 34

أن لهم أظفاراً كباراً، معقفة محدودة، وليس وراءهم غيرهم. وطعامهم دواب البحر. ومما يشبه خلق الانسان أمه يقال لها الواق واق، وهي حمل شجر عظام لشعورها، ولها أيدي وفروج مثل فروج النساء وألوان، ولا يزلن يصحن واق واق، فان قطعت إحداهن سقطت ميتة لا تنطق. وفي كتاب الخزانة انه من جاوز أولئك وقع إلى ما هو اعظم منهن وأحسن أعجازا وفروجا ووجوهاً، فإن قطعت أقامت يوما وبعض آخر، وربما جامعها من يقطعها، وهي تشبه النساء، وأطيب رائحة، وألذ مباضعه، وهذه الأرض أطيب رائحة من الكافور وليس بها إنس. وإنما يحكي ذلك عنها أهل المراكب إذا سقطوا إليها، ومنها خلق بحرية على شبه النساء يقال لها بنات الماء، في صورة النساء الحسان، ذوات الشعور السبط، لها فروج عظام وثدي، كلامهم لا يكاد يفهم، ولهم قهقهة. وحكى بعض البحريين ان الريح ألقتهم إلى جزيرة فيها شجر، وأنهار عذبة، وانهم كانوا يسمعون ضوضاة وضحكا، فكمنوا لهن وأخذوا منهن امرأتين فأوثقوهما. وأقامتا مع اللذين أخذاهما يقعان عليهما في كل وقت ويجدان لهما لذة عجيبة، وأن احداهما وثق بصاحبته فأرسلها من وثاقها فهربت إلى البحر ولم يرها بعد ذلك، وبقيت الاخرى، فلما حصلت في المركب رحمها صاحبها فحل وثاقها فحملت منه وولدت له ولدا ذكرا وانهم ركبوا في البحر فلما حصلت في المركب وقد انها لا تزول عن ابنها فتغفلته ووثبت في البحر، فلما كان بعد ذلك بيوم، ظهرت له وألقت اليه صدفاً فيها در نفيس. قال المسعودي ﵀: وقد ذكرنا طرفا من أخبار الروحانية، على ما

стр. 35

نقل ألينا والله اعلم بخلقه ومن اشياء كثيرة على طريق التعجب لا من طريق التصديق، فمن قرأ كتابنا هذا فليعلم العذر فيما أوردناه، وبالله التوفيق والتسديد والمعونه والتأييد. ذكر الارض وما فيها روى ابن عبد الحكم قال: خلقت الأرض على صورة الطائر رأسه وصدره وجناحاه رجلاه وذنبه. فالرأس مكة والمدينة واليمن، والصدر الشام ومصر، والجناح الايمن والعراق إلى الواق والوقواق وأمم السند والهند، والجناح الايسر ناسك ومنسك ويأجوج ومأجوج، وأمم كثيرة والذنب من ذات الحمام (١) إلى مغرب الشمس والبحر الأسود. وفي الحديث " ان الله عزوجل خلق مدينتين واحدة في المشرق واسمها جابلقا، وأخرى في المغرب واسمها جابرضا، طول كل مدينة عشرة آلاف فرسخ، لكل مدينة منها عشرة آلاف باب، بين كل بابين فرسخ، للباب كل ليلة عشرة آلاف رجل لا تلحقهم النوبة إلى يوم القيامة، وانهم يعمرون سبعة آلاف سنة ألا ما دونها ويأكلون ويشربون ويتناكحون، وفيهم حكم كثيرة، ولهم خلق عظام تامة، وان هاتين المدينتين خارجتين من هذا العالم لا يرون شمساً ولا قمراً، ولا يعرفون آدم ولا إبليس، يعبدون الله تعالى ويوحدونه وان لهم نوراً يسعون (٢) فيه من نور العرش من غير شمس ولا قمر ".

стр. 36

وروي إن رسول الله ﷺ قال " مر بي جبريل ﵇ ليلة أسري بي عليهم فدعوتهم إلى الله تعالى فأجابوني فمحسنهم مع محسنكم ومسيئهم مع مسيئكم ". روى وهب بن منبه بإسناد له عن النبي ﷺ أنه قال " إن لله تعالى ثمانية عشر ألف عالم الدنيا منها عالم واحد، وما العمران في الدنيا إلا كخردلة في كف أحدكم ". وقال بعض أهل الاثمر فيما رواه: إن الله عزوجل دابة في مرج من مروجه، والمرج في غامض علمه رزقها في كل يوم، مثل رزق العالم بأسره. سبحان القادر على كل شئ. ذكر البحر المحيط وما فيه من العجائب ويقال إن فيه عرش إبليس لعنه الله فوق البحر المظلم يتشبه بالباري (١) ، ويحمله نفر من الأبالسة والعفاريت العظام لحمله، ويحيط به عفاريت من الجن الذين هم في طاعته فمنهم من في لججه لا يفارقه، ومنهم من يتصرف عن أمره، وإنه لا يزول مرتبته إلا إلى من يطمع في فتنته أو عبد صالح يريد كيده، والباقون من أعوانه الذين يسعون إلى الناس ويضلونهم، وسجنه في جزيرة منه يحبس فيه من خالفه من الجن والشياطين. وفيه هيكل سليمان النبي ﵇، وفيه جسده وهو قصر عجيب في

стр. 37

جزيرة، وفيه مواضع لا تزال على مر الزمان ترمي ناراً ترتفع على مائة ذراع وفيه أسماك طول الحوت مدة أيام، وكل صورة عجيبة مختلفات الأشكال والصفات الملونة في كل لون من الألوان. وفيه مدائن تطفو على الماء وتغيب عنهم. وفيه الثلاثة أصنام (١) التي عملها أبرهة أحدها أصفر يومئ بيده كأنه يخاطب من جاوزه، ويأمره بالرجوع. والصنم الثاني أخضر رافع يديه باسط لهما كأنه يريد إلى أين تذهب، والصنم الثالث اسود مفلفل الشعر يومئ بأصبعه إلى البحر: من جاز هذا المكان غرق، مكتوب على صدره " هذا ما صنع أبرهة ذو المنار الحميري لسيده الشمس تقرباً إليه ". وحكي أن فيه كالحصون ترتفع على الماء، ويظهر منها الصور الكثيرة وتغيب في الماء. ويقال إن عمق هذا البحر يختلف، فمنه مالا يلحق قعره ولا يدري، ومنه ما يكون سبعة آلاف باع وأكثر وأقل، ومنه ما يكون فيه شجر كالمرجان وأما البحر الأسود الزفتي وهو متصل به وهو شديد النتن، وليس فيه غير القلعة الفضية، قيل إنها معمولة، وقيل إنها خلقة. ويخرج من هذا البحر بحر الصين أوله من بلاد الغرب، بحر فارس إلى بلاد الصين، وهو بحر ضيق فيه مغايص اللؤلؤ. وقيل إن فيه اثني عشرة (٢) ألف جزيرة، وثمانمائة جزيرة. وفيه الدردور موضوع يدور فيه الماء فاذا سقط فيه مركب لم يزل يدور

стр. 38

فيه حتى يتلف، وفيه كسير وعوير وهما جبلان. وفي هذا البحر عجائب كثيرة وصور شتى وحيتان ملونة، منها ما يكون طوله مائة ذراع ومائتي باع وأقل وأكثر يأكل بعضها بعضاً. وفيه جزائر تنبت الذهب وبها معادن الجوهر، وفيه ثلاثمائة جزيرة عامرة مسكونة فيها ملوك عدة. ويقال إن في هذا البحر قصراً (١) من البلور، على قلعة تضئ طول الدهر بقناديل فيه لا تنطفئ. وبعد هذا بحر لا يدرك عمقه، ولا يضبط عرضه، تقطعه المراكب بالريح الطيبة في شهرين وأكثر، وليس في البحر المحيط أكبر منه ولا أشد هولا، وفيه من جميع المعادن من الزمرد ومنابت القنا والخيزران، وفيه أيضاً كل سمكة يكون طولها أربعمائة ذراع وأقل وأكثر، وسمكة صغيرة بقدر الذراع فإذا طغت هذه السمكة وبغت وآذت سمك البحر ومراكبه سلطت عليها هذه السمكة الصغيرة فصارت في أذن هذه الكبيرة فلا تفارقها حتى تقتلها، وربما لم تقرب الكبيرة ذلك الموضع (٢) خوفاً من الصغيرة. وفيه سمكة يحكي وجهها وجه الإنسان تظهر في الماء، وفيه أسماك طيارة تطير ليلاً وترعى الندا، فإذا كان قبل طلوع الشمس رجعت إلى البحر. وفيه سمكة تكتب مرارتها الكتابة فتقرأ بالليل. وفيه سمكة خضراء دسمة من أكل منها اعتصم عن الطعام أياماً (٣) كثيرة لا يريد ذوقه وفيه سمكة لها قرنان كأنهما قرنا السرطان، يرميان بالليل نارا

стр. 39

وفيه سمكة مدورة يقال لها المصح فوق ظهرها كالعمود، مستحد الرأس لا تقوم لها سمكة في البحر، لأنها تلقاهن بهذا القرن فتقتلهن، وربما نقبت به المراكب، وقرنها أصفر كالذهب مجزع، يقال إنه ضرب من الحوت (١) وفيه سمكة يقال لها هفس من صدرها إلى رأسها مثل الترس يطيف به عيون تنظر بها ورأسها طويل مثل الحية في طول عشرين ذراعا (٢) بأرجل كثيرة مثل أسنان المنشار من صدرها الى آخر الذنب، فليس تتصل بشئ إلا أتلفته ولا ينطوي ذنبها على أحد إلا أهلكته، يقال إن لحمها يشفي من كل الاوصاب، وقليل ما يوجد وفيه عنبر وبحر آخر يقال هركند فيه جزائر كثيرة وفيه سمك ربما ينبت على ظهره الحشيش والصدف، وربما أرسا عليها أصحاب المراكب فيعتقدون أنه جزيرة فإذا فطنوا به أقلعوا عنها وربما نشر هذا السمك أحد جناحيه الذي في صلبه، فيكون كالجبل العظيم، وإذا رفع رأسه من الماء فيكون كالجبل عظماً، وربما إذا رفع أذنيه فيكون مثل المنارة العظيمة، فإذا سكن البحر جر السمك بذنبه ثم فتح فمه فينزل السمك الى حلقه كأنه ينزل إلى بئر، ويقال له العنبر طوله ثلاثمائة ذراع. واهل المراكب يخافون منه، فهم يضربون بالليل بالنواقيس (٣) مخافة إن يتكئ على المركب فيغرقه. وفيه حيات عظام تخرج إلى البر فتبتلع الفيلة، وتلتف على صخور في البر فتتكسر في أجوافها ويسمع لها صوت هائل، وفيه حية يقال لها الملكة لا تظهر إلا مرة واحدة، وربما احتال فيها ملوك الزنج فأخذوها وتطبخ حتى

стр. 40

يخرج ودكها ويدهن به الملك فتزيد في قوته ونشاطه ويستعمل من جلود هذه الحية - وهي منمرة - فرش إذا جلس عليها صاحب السل ذهب عنه السل ومن جلس عليه أمن السل أن يصيبه أبدا. وريح هذا البحر من قعره، ربما ألقى عند اضطرابه ناراً لها ضوء شديد والبحر الرابع يقال له دوانحد (١) وبينه وبين بحر هر كند (٢) جزائر كثيرة، يقال (إنها) ألف وتسعمائة جزيرة، ويقع بين هذه الجزائر عنبر كثير وهذا العنبر (٣) ينبت في قعر البحر نباتاً، فإذا اشتد هيجان البحر قذفه من قعره فيرتفع مثل الرمل والحمأة، وهو عنبر دسم وقرأت في كتاب الطيب الذي ألفه إبراهيم بن المهدي، أن أحمد بن حفص العطار قال كنت في مجلس أبي اسحق وهو يصفي (٤) عنبراً قد أذابه، وقد أخرج ماكان فيه من الحشيش الذي على خلقه مناقير الطير، فسألني فقلت هذه مناقير الطير الذي يأكل العنبر إذا راثته دوابه، فضحك أبو اسحق وقال هذا قول تقوله العامة. ما خلق الله دابة تروث العنبر، وما العنبر إلا شئ يكون في قعر البحر ولقد عني الرشيد بالمسألة عن العنبر، فأمر حماداً البدوي (٥) في البحث بالمسألة، فكتب إليه أن جماعة من أهل عدن أعلموه أنه شئ يخرج من عيون في قعر البحر تقذفه الريح بالأمواج، كما تخرج أرض هتبة القار وهي أرض الروم الزفت الرومي. وآخر جزائر هذا البحر بسرنديب في بحر هر كند وهي رأس هذه الجزائر كلها، وفي سرنديب أكثر مغايص اللؤلؤ ونبات الجوهر، وببحر
следующие страницы →