لمللك ويقال إن يمحويل الملك بعث إلى أبيه أن يبعث اليه إدريس فامتنع، فوجه اليه جيشاً فمنعه منه أعمامه.
وجميع ولد شيث فلم يصل اليه، ولم يكن بعد شيث وحي، حتى نبأ الله تعالى إدريس [﵇] .
وكان عمر يرد سبعمائة وخمسين سنة، ويقال إنه أول من استوقد واستعبد وغزا بني قابيل، ونظر في علم الفلك، ووضع المكيال والميزان، وأوتي علم الطب والنجوم، وعلم الزيجات بحساب غير حساب الهند، وسأل ربه فأراه
الصور الفلكية العالية.
وكانت الارواح تخاطبه، وعلم أسماء الصعود والهبوط فصعد وهبط، ودار [حول] الفلك وعرف أشكال النجوم ووقف على مسير الكواكب، وعرف كل ما يحدث في العالم، فزبره على الحجارة وعلى الطين.
وزيد مع ذلك كل العلوم والصناعات، وكانت له قصص تطول مع ملك الموت ومات ثم عاش ونظر إلى النار ودخل إلى الجنة ولم يخرج عنها.
ورفع على رأس ثلاثمائة سنة من عمره، وكان يقال له هرمس باسم عطارد، وعلم ابنه صابيا الخط فقيل لكل من كتب الخط بعده صابيا.
وهو الذي أخبر بالطوفان، وما يحدث في العالم ودفع الوصية، والصحف إلى ابنه متوشلخ وأمر صابيا بمعونته.
وكان صابيا قد بلغ مبلغاً جليلاً، وعاش متوشلخ تسعمائة سنة واثنتين وثلاثين سنة.
وانتقلت الوصية الى ابنه لمك فأخذ في البحث وجمع العلوم، وأقبل على بني أبيه فجمعهم وأمرهم ونهاهم وحضهم على الجور لولد قابيل ونهاهم عن قربهم وعن الاختلاط بهم، وهو الذي رأى ناراً خرجت من فيه، فأحرقت العالم.
стр. 107
ولما ولد له نوح ﵇ والملك يومئذ درمشيل به يمحويل بن خنوخ ابن يحمور بن قابيل بن آدم ﵇، وكان قد تجبر وقهر الملوك على ما تقدم، لكنا نعيد ذكره هنا لما ورد في هذا الخبر من الزيادة والاستقصاء.
وكان إبليس قد استمال الملك ودعاه إلى عبادة الكواكب ودين الصابئة، وقال له هو دين أجدادك، فأجابه وعمل له الشيطان هياكل واصناماً
عبدوها.
ويقال إنه له يستخرج أحد من المعادن والجوهر واللؤلؤ والمرجان أكثر مما كان في وقت الدرمشيل، وكان شديداً على نوح والله تعالى يحفظه منه وعاش الملك ثلثمائة سنة.
ونبأ الله تعالى نوحا ﵇ وهو ابن مائة وخمسين سنة وارسله الى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وعاش بعد الطوفان مائة سنة، وكان أول نبي بعد إدريس ﵉.
وكانت شريعته التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج وجهاد الأعداء، فدعا قومه الى الله تعالى وحذرهم عذابه، وكلما قام فيهم ودعاهم عنفوه وحذروه وأخفوا أمره عن الملك، وكان يحضر هياكلهم وبيوت أصنامهم، فاذا قال لهم قولوا لا إله إلا الله وأني عبد الله ورسوله جعلوا أصابعهم في آذانهم وادخلوا رؤوسهم في ثيابهم تبرءاً مما يقول.
ولما قال لهم يوماً قولوا لا إله إلا الله وقعت الأصنام على وجوهها فقاموا اليه فضربوه حتى سقط على وجهه، وعرف الملك خبره فأحضره وقال له ما هذا الذي بلغني عنك من مخالفتك لديني وما عليه بنو أبيك وسبك لآلهتنا؟ وما هذا السحر الذي اسقطت به الأصنام عن كراسيها؟ ومن الذي علمك ذلك؟
стр. 108
فقال له نوح ﵇ لو كانت آلهة كما تزعم ما سقطت، وأنا عبد الله ورسوله فاتق الله تعالى ولا تشرك به شيئاً، فانه يراك فأمر بحبسه.
الى أن يحضر عيد الأصنام فيذبحه تقربا اليه.
وأمر برد الأصنام على كراسيها، وإصلاح ما تغير منها، وحان العيد
وقرب فنادى في الناس أن يجتمعوا ليروا ما يصنع به، فدعا عليه نوح ﵇ فأصابه صداع في دماغ رأسه أذهب عقله، فأقام اسبوعا ثم هلك فحمل على سرير ذهب، وطيف به في هياكل الأصنام، وهم يبكون عليه ثم دفنوه، وشتموا نوحا ونالوا منه بألسنتهم كل قبيح.
وولى الملك ابن الدرمشيل فأخرج نوحا من حبسه، وزعم أنه مجنون وتقدم إليه ونهاه أن لا يعود الى ذلك الفعل فأقام إلى أن اجتمعوا في بعض أعيادهم عكوفا على أصنامهم فخرج حتى أتى جمعهم.
فقال: قولوا لا إلا إله الله وأني عبد الله ورسوله، فتساقطت الأصنام وقاموا إلى نوح ﵇ فضربوه وشجوه وسحبوه على وجهه، ثم أتوا به الملك فقال له الملك ألم أصفح عنك، وأسرحك من حبس ابي على أن لا تعاود؟ فقال له إني عبد مأمور بما أفعله، قال ومن أمرك؟ قال إلهي، قال ومن إلهك قال اله السموات والأرض وما فيها وخالق الخلائق اجمعين، قال وبماذا أمرك؟ قال ادعو الناس الى عبادته وحده، واخلع الأصنام، واعمل بما فرضه الله تعالى من الصلاة والزكاة والصيام قال فان لم نفعل ما تقول، قال الأمر اليه إن شاء اهلككم وإن شاء امهلكم، قال فاترك إلهك وما يريده وكف أنت عنا نفسك، قال ما ينبغي لي أن أكف ولا أقدر لأني عبد مأمور، فأمر بحبسه الى أن يتقرب به إلى الأصنام.
стр. 109
فخرج على الملك سرنديب الكاهن الجبار، وكانت بينه وبينه حروب شغل بها عن أمر نوح ﵇ وتشاءم بحبسه فأمر بتسريحه حتى يخلو له وجهه ثم صالح الكاهن على ناحية تركها له من عمله، وعاد الى ما كان فيه من ملكه.
وكان إبليس يحرضه على قتل نوح ﵇، ويزينه له فيمنعه الله تعالى منه وزاد أمر نوح ﵇، فوجه الملك إلى جميع ممالك الأرض ليوجهوا له كل كاهن، وكل عراف لمناظرة نوح ﵇ فشخصوا اليه من الآفاق، فناظروه فغلبهم نوح ﵇ بالحجة والبرهان.
فآمن منهم الكاهن فيملون المصري، واتبعه حتى دخل معه في السفينة، وأوحى الله تعالى آلى نوح ﵇ ان اصنع الفلك بأعيننا، فقال كيف أصنعه؟ فأهبط الله تعالى جبريل ﵇ حتى أراه إياها، وامره ان يبنيها على مثل صدر البطة فأقام في عملها عشر سنين، وعملها من خشب الساج، وجعل طولها ثلاثمائة ذراع وقيل دون ذلك، وجعل ارتفاعها من الأرض خمسين ذراعا، وجعلها ثلاث طبقات كما امر.
وكانوا يهزؤن منه ويضحكون، وكان الرجل منهم يأتي إليه بأبنه الصغير فيحذره منه، وربما رماه الصبيان بالحجارة فآذوه، ولما فرغ من عمل السفينة جعل بابها في جنبها، وأقامت موضوعة على الأرض تسعة أشهر حتى حضر عيد لتلك الأصنام، فاجتمعوا اليه وقربوا اليه ثلاثمائة رجل ممن آمن بنوح ﵇، ذبحوهم بين أيديهم، فحق عليهم العذاب.
وأمر الله تعالى نوحا ﵇ أن يدخل في السفينة من كل زوجين اثنين، فقال يا رب من أين لي أن اجمع ذلك فامر الله تعالى الرياح فحشرت اليه كلما أراد، وأمر به فأدخل فيها من كل زوجين اثنين.
стр. 110
وكانت السفينة ثلاث طبقات، فجعل الطبقة السفلى للبهائم والدواب والطير وجعل الوسطى لطعامهم، وجعل جسد آدم ﵇ في تابوت فيها، وجعل العليا له ولمن دخل معه.
وركب الملك إلى هيكل الأصنام فاقام فيها حيناً، ثم مشى إلى السفينة، وقد علم بما شحنت فيه وعزم على حرقها، فلما وقف عليها قال يا نوح واين الماء الذي يحملها؟ قال هو يأتيك في مكانك هذا، وأمر الملك فرميت السفينة بالنار، فرجعت عليه وعلى أصحابه فأحرقت بعضهم، وفار الماء على ما تقدم ذكره، وفتحت أبواب السماء بالمطر وحيل بينهم وبين صعود الجبال، ولم يدروا أين يتوجهون، وكانت المرأة تحمل ولدها على عنقها، فاذا لججها الغرق طرحته، فقيل لو رحم الله الكافر لرحم الصبي وأمه.
وقال أصحاب النظر في الكواكب سلمت ثلاثة مواضع، لم يدخلها الطوفان ونحن لا نقول بذلك، والفرس لعنهم الله لا يقولون بالطوفان ولا بنبوة نوح ﵇، ونحن لا نقول بقولهم، والهند يزعمون أنه لم يكن ببلدهم من الطوفان شئ وكذلك أكثر [سكان] الجزائر والبحار (١) يزعمون ذلك.
وقيل إن السفينة أقامت في الماء ستة أشهر، ويقال إنها سارت شرقا ًوغرباً وأتت موضع الكعبة، وكانت معهم خرزة يعرفون بها الليل، ومواقيت الصلوات.
ولما نزلوا من السفينة على ما تقدم ذكره أمرهم نوح ﵇ بالزراعة وغرس الشجر، وتفقد الكرامة فلم يجدها، وسأل عنها فعرفه جبريل ﵇ أن إبليس سرقها، لان له فيها شركة فاقتسمها معه، فقال نوح اعطه
стр. 111
منها الربع، قال لا يكفيه فزده، قال فاعطه النصف، قال لا يكفيه ولكن يكون له (١) الثلثان ولك الثلث، قال فنعم إذن
قال فما طبخ من عصير الكرم بالنار حتى يذهب ثلثاه، كان حلالاً لك ولذريتك، وما نقص من ذلك كان له، ولمن كان من اتباعه.
وقال إبليس لنوح ﵇ أن لك عندي يداً أرعاها لك قال وما مكافأتك؟ قال وصية أوصيك بها، قال وما هي؟ قال إياك والحسد والحرص والعجلة فان الحسد حملني على أن عصيت ربي، وغويت آدم حتى خرج من الجنة، والحرص حمل آدم وحواء حتى أكلا من الشجرة، فغضب الله عليهما، والعجلة التي حملتك على أن دعوت على قومك فأهلكتهم جميعاً.
ذكر عناق بنت آدم ﵇
نرجع الآن إلى ما يجب ذكره من بقية أخبار آدم ﵇، ولدت عناق بنت آدم مفردة بغير أخ (٢) وكانت مشوهة الخلق لها رأسان، وكان لها في كل يد عشر أصابع، لكل أصبع ظفران كالمنجلين الحادين.
ذكرها علي بن أبي طالب ﵇ فقال: هي أول من بغى في الأرض، وعمل الفجور، وجاهر بالمعاصي واستخدم الشياطين، وصرفهم في وجوه السحر.
وكان الله عزوجل أنزل على آدم ﵇ أسماء تطيعها الشياطين، وأمره أن يدفعها إلى حواء فتعلقها على نفسها فتكون حرزاً لها، ففعل ذلك، وكانت حواء تصونها وتحتفظ بها، فاغتفلتها عناق وهي نائمة، فاخذتها واستجلبت الشياطين بتلك الأسماء، وعملت السحر، وتكلمت بشئ من
стр. 112
الكهانة، وجاهرت بالمعاصي وأضلت خلقاً كثيراً من ولد آدم ﵇، فدعا عليها آدم ﵇، وأمنت حواء فأرسل الله إليها في طريقها
أسداً أعظم من الفيل فهجم عليها في بعض المغاور فقتلها، ومزق أعضاءها، وأراح الله آدم وحواء منها.
ويقول أهل الأثر: إن عوجا الجبار [من] (١) ولدها: وإن الطوفان لم يغرقه ولا بلغ ماؤه إلا بعض جسده، وأنه طلب السفينة ليغرقها فأعماه الله عنها، وعمر الى زمان فرعون، وقطع صخرة على قدر عسكر موسى ﵇ وكان في أكثر من ستمائة الف (٢) ، وحملها على رأسه ليطرحها عليهم، فارسل الله في طريقه ذلك عليه طيراً نقر ذلك الحجر حتى ثقبه، ونزل من رأسه إلى كتفيه فصار رأسه مضغوطاً في الحجر فمنعه الرؤية، وتعذر عليه الحركة، وأمر الله تعالى موسى ﵇ بقتله، وكان لموسى ايد قوية، وكانت وثبته عشرة أذرع، وطول عصاه مثلها وطوله كثيراً فوثب اليه فلم يضرب بطرف عصاه إلا عرقوبه، فسقط لثقل الحجر فقتله ووافق سقوطه عرض النيل.
فأقام كالجسر يعبر الناس عليه والدواب كالقنطرة مدة طويلة.
وفي حديث آخر أنهم جروه في خمسة أشهر في كل يوم ألف ثور مقرنين بعجلات مع تعاونهم عليه في كل يوم نصف ذراع حتى طرحوه في بحر القلزم.
وقيل بل قطعوه قطعاً وجروه إلى البحر، وقيل إن سقوطه كان في صحراء مصر فترك في موضعه وردم عليه بالصخور والرمل حتى صار كالجبل العظيم.
ذكر أخبار الكهان من العرب
بلغ سطيح من الكهانة ما لم يبلغه أحد، وكان يسمى كاهن الكهان،
стр. 113
وكان يخبر بالغيوب والعجائب (١) فقيل [إن] (٢) ربيعة بن نصر اللخمي رأى
رؤيا هالته، فأمر بجمع الكهان وأصحاب القيافة والزجر، فلما حضروا عنده قال لهم إني رأيت رؤيا هالتني فأخبروني بها، فقالوا له قصها علينا نخبرك بتأويلها، فقال ما أطمئن الى تأويلها إذا قصصتها عليكم، ولا أصدق في تأويلها إلا من عرفها قبل أن أقصها عليه.
فقال له رجل منهم: لا يفعل ذلك ويوثق بقوله إلا سطيح الذئبي وشق اليشكري، فهما أعلم، فارسل اليهما ليقدما عليك.
فقدم سطيح قبل شق، وكان اسم سطيح ربيع بن ربيعة من بني ذئب بن عدي، فاكرمه ربيعة بن نصر، وقال له إني رأيت رؤيا هالتني، وأريد أن تخبرني بها وبتأويلها.
فقال سطيح: أقسم بالشفق، والليل إذا غسق، والطارق إذا طرق، لقد رأيت حممة خرجت من ظلمة، فوقعت في أرض تهمة، فأكلت كل ذات جممة.
قال صدقت فما تأويلها؟ قال أحلف بما بين الحرتين من حنش، ليطأن أرضكم الحبش، وليملكن ما بين أبين الى جرش.
قال ربيعة إن هذا لغائظ موجع، فهل في زماننا؟ قال لا بل بعده بحين اكثر من ستين او سبعين، يمضين من السنين، ثم تقتلون بها أجمعين، وتخرجون منها هاربين.
قال فمن بلي ذلك منهم؟ قال غلام رحب الفطرة من آل ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك أحدا منهم باليمن.
قال فما تصنع اليمن؟ قال يملكها بعدهم [قوم ذوو] أخطار من رجال *
стр. 114
أحرار، قال أفيدوم ذلك أو ينقطع؟ قال بل ينقطع، قال ومن يقطعه؟ قال نبي ذكي أمين قوي، يأتيه الوحي من قبل الواحد العلي: قال وممن هذا النبي؟ قال من ولد غالب بن فهر بن مالك بن مضر، يكون الملك في قومه الى آخر الدهر.
قال وهل للدهر من آخر؟ قال نعم يوم انفطار السماء، والوقوف للجزاء، بالسعادة والشقاء.
قال وأي يوم هو؟ قال يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، ويسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون.
قال أحق ما تخبرنا به يا سطيح؟ قال نعم والشفق، والغسق، والقمر اذا اتسق، أن ما أنبأتك به لحق.
ومن أخبار أيضاً: أنه كان لعبد المطلب بن هاشم ماء بالطائف، يقال له ذو الهدم، فادعته ثقيف فجاؤه فاحتفروه، فمنعهم عبد المطلب فعظم خصامهم، فنافرهم عبد المطلب الى سطيح، فخرج عبد المطلب ومعه ابنه الحارث، وخرج معه جماعة من قومه، وخرج خصمه جندب بن الحارث في جماعة من ثقيف، فلما كان في بعض الطريق نفد ماؤهم فطلبوا الى الثقيفيين أن يسقوهم فلم يفعلوا، فنزل عبد المطلب وأصحابه، وهم لا يشكون أنه الموت، ففجر الله عين ماء عذب من تحب جرات بعير (١) عبد المطلب فشربوا واستقوا وحمد الله عزوجل عبد المطلب [وشكره] (٢) وساروا على طريقهم فنفد ماء الثقيفيين فسألوا عبد المطلب أن يسقيهم ففعل فقال له الحارث: لأن أدخل سيفي في بطني أخف علي من أن أفعل ذلك! قال له يا بني اسقهم فان الكرم ثقيل الحمل، فسقاهم فساروا فقطعوا رأس جرادة (٣)
стр. 115
فجعلوه في خرز (١) مزادة، وعلقوه في جلد في عنق كلب لهم اسمه سوار، وكانت في عنقه قلادة لا تفارقه.
فأتوا سطيحاً فلما دخلوا عليه قالوا إنا أتيناك سائلين، قال فماذا تسألون؟ قالوا نسأل عن شئ قد خبأناه، ونحتكم عندك في شئ وقع التخاصم بيننا فيه، فقال خبأتم رأس جرادة في خرز مزادة في عنق سوار ذي القلادة، قالوا صدقت فأخبرنا عما اختصمنا فيه اليك، قال احلف بالضوء والظلم، والبيت ذي الحرم، أن الدفين ذا الهدم، لهذا العربي ذي الكرم، فانصرفوا وقد قضى لعبد المطلب.
ومن أخباره أن كسرى ابرويز (٢) لما رأى في نومه كأنه سقط من قصره ست عشرة (٣) شرفة ارتاع لذلك، فوجه الى الموبذان فعرفه بذلك، وقال أن ذلك قد هالني وأفزعني.
قال الموبذان: أيها الملك عسى أن يكون خيراً، وإني أيها الملك كنت أرى البارحة ان النيران قد خمدت، وقلعت بيوتها وهلك سدنتها وقد اغمني ذلك، وكنت عزمت على أن لا أخبر الملك حتى يوجه إلي فأتيته (٤) .
قال كسرى فما الداعي؟ قال الموبذان قد بلغني ان بأرض العرب كاهناً يقال له سطيح، يخبر بما يكون قبل كونه، فلو أرسل اليه الملك رسولاً يسأله عن ذلك، فلعله أن يخبره بالجواب فيه.
قال كسرى ومن لنا بحصيف ينفذ في ذلك؟ وكان على باب الملك فيمن وفد عليه من العرب رجل، يقال له عبد المسيح من رهط سطيح، فأشار به الموبذان على كسرى، فأحضره ولم يخبره بما رآه، وقال انطلق إلى سطيح، فاسأله عن رؤيا رأيتها، فاذا اخبرك بها، فاسأله أن يخبرك بتأويلها،
стр. 116
فاذا أخبرك فارجع مسرعاً ولا تتخلف، قال أفعل أيها الملك، فأمر له بمال وجائزة، وحمله جائزة الى سطيح.
فركب عبد المسيح راحلته، ومضى مبادراً يقطع المفاوز والفيافي، حتى لحق مكان سطيح بعد ايام، فلما بلغ بيته وجده عليلاً لما به فوقف عليه وسلم [وجعل يرتجز ويقول ليسمعه: اصم ام يسمع غطريف اليمن * يا فاصل الخطة اعيت من ومن من ابيات] (١) قال سطيح [مجيبا له] عبد المسيح، على جمل فسيح، أوفى على سطيح، وقد أشفى على الضريح، يسأل عن ارتجاج الايوان، ورؤيا الموبذان، وخمود النيران.
قال: فالتأويل يا سطيح؟ قال: تنقضي أيامهم، وتنقطع آثارهم، وتملك العرب ديارهم، عند ظهور صاحب التلاوة، والقضيب والهراوة.
قال: ومتى ذلك يا سطيح؟ قال: إلى أن يملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشرفات، وقبل ذلك ينقضي امر سطيح ويواريه الضريح، ولا يصلح [له] فيها قرار.
وقد روي [هنا] الكلام على غير هذا النوع واكثر منه كلاماً (٢) فرجع عبد المسيح إلى كسرى، وقد دعى كلامه، فعجب كسرى وسره وقال: إلى أن يلي منا ستة عشر ملكا يكون سعة لدفع الهم، ولعل ذلك لا
стр. 117
يكون، فرأى الملك منهم تلك العدة في سنين قليلة حتى انقضى ملكهم في خلافة عثمان ﵁ (١) .
وقيل إن الرؤيا كانت ليلة مولد رسول الله ﷺ ، ويقال إن سطيحا عاش أربعمائة سنة.
وأما شق الاول، وهو شق بن حويل بن إرم بن سام بن نوح ﵇، فهو اول كاهن في العرب العاربة، وارم ابو الجبابرة من عاد وثمود وطسم وجديس وغيرهم، ويقال إنه كانت له عين واحدة في جبهته، ويقال إنه [كان] يشق وجهه نار.
ويقال ان الدجال من ولده، ويقال إنه هو الدجال بعينه، أنظره الله إلى وقته، وهو محبوس في بعض جزائر البحر.
وفي حديث تميم الداري انه خرج في بعض الأسفار فوقع الى جزيرة، فرآه وخاطبه، وسأله عن ظهوره، وانه وجده مغلولا، مشدوداً إلى صخرة، وان الشياطين تأتيه بما يأكله، على ما يقول.
وفي خبر آخر أنه لا يحتاج الى الغذاء، ورآه تميم الداري، وله عين واحدة، وحدث بذلك النبي ﷺ ، وكان يرويه عنه فيقول: حدثني تميم
الداري، ويذكر طرفاً من خبر الدجال.
ويقال إن أمه امرأة من الجن عشقت أباه حويلا، فتزوجته فأولدها الدجال وهو خوص بن حويل، وكان مشوهاً مبدلاً، وكان إبليس يعمل له العجائب، فلما كان وقت سليمان ﵇ دعاه فلم يجبه، فحبسه في جزيرة في البحر.
وقيل إن أباه استهوته الشياطين لما كانت أمه منهم، وانه من مدينة ماريول التي غلبت عليها الجن، وهي من مدائن المغرب، وأن الجن في طاعته.
стр. 118
ويقال إن خوصاً هذا كان يحضر السارق فيأمره برد ما سرق، فان فعل وإلا صار حية فيلتوي في عنقه فيقتله، وقيل أنه ربما خاطبهم ولا يرونه، وكان إذا حكم على أحد فلم يرض حكمه بصبص (١) أحذقته في احدى عينيه فرده أعور.
وقيل أن مجلسه كان في قبة بوادي برهوت في اليمن، وكانوا يحجون اليه، وقيل انه لم ينم قط، وانهم كانوا يرون فوق عينيه ناراً بيضاء، وكذلك عن الموضع الذي هو فيه مسجون انه يعلوه بالليل نار مضيئة، وبالنهار دخان.
وأما شق اليشكري وكان حكيم العرب في الجاهلية، وقد كان ربيعة بن نصر لما رأى رؤياه وجه الى شق وسطيح، فأتاه سطيح قبل شق، وكان من جوابه ما قدمنا ذكره في أخبار سطيح، فلما قدم عليه شق قال له: يا شق اني رأيت رؤيا هالتني فما هي؟ وكتمه قول سطيح، فقال له شق رأيت حممة، خرجت من ظلمة، فوقعت بين روض وأكمة فأكلت كل ذات نسمة،
قال: صدقت فما تأويلها؟ قال: أحلف بما بين الحرتين من انسان، ليطأن (٢) أرضكم السودان، وليغلبن على كل طفلة البنان، وليملكن ما بين أبين الي نجران.
قال: أيكون في زماننا هذا؟ قال: بل بعده بزمان، ثم يستنقذكم عظيم ذو شان، قال: وممن هو هذا العظيم؟ قال: غلام من بيت ذي يزن، فلا يترك أحدا منهم باليمن، قال: فهل يدوم ذلك؟ قال: بل ينقطع برسول يرسل، يأتي بالعدل بين اهل الدين والفضل، يكون الملك فيهم إلى يوم الفصل، قال: وما يوم الفصل؟ قال: يوم يدعى من السماء بدعوات، يسمع
стр. 119
بها الأحياء والأموات، ويجمع الخلق فيه للميقات، يكون فيه لمن آمن الخير والخيرات، ولمن كفر الويل والترحات، قال: أحق ما تقول يا شق؟ قال: أي ورب السماء والأرض، وما بينهما من رفع وخفض، أن ما أنبأتك به لحق محض، ما فيه كذب ولا نقض، فأجازه ربيعة بجائزة سنية، ووصله وصرفه.
خبر اليمامة الزرقاء
وهي صاحبة جو واليمامة، سميت بها، وصاحبة البحرين، وقيل ان امها كانت كاهنة، وكان لها رئي (١) من الجن وهي من جديس، وكانت جديس وطسم بمكان فغلبت طسم على جديس، وملك الجميع عملوق بن الطسم، وكان يفترع النساء قبل زواجهن، فاحتالت جديس عليه فقتلوه وقتلوا كثيراً من طسم فاستنصرت بقايا طسم بحسان بن تبع الحميري، فغزا جديساً طالبا
بثار طسم.
وكانت اليمامة الزرقاء وعينها الواحدة اكبر من الاخرى، فاذا اغلقت الكبرى ابصرت بالصغرى على الفراسخ الكثيرة والأمد البعيد، وقيل انها كانت [ترى] (٢) فلك القمر، فتخبر عنه بأشياء عجيبة.
وقد كان اتصل بجديس استنصار طسم بحسان بن تبع الحميري، فقطنوا وقالوا لليمامة: انظري فنظرت، وقالت: اقسم بمهب الرياح، والآكام والبطاح، والمساء والصباح، لياتين من حمير [الجيش] الرداح، والخيل والسلاح، فلا ترون من بعدها فلاح.
فلما اصبحوا في اليوم الثاني قالوا لها: انظري فنظرت، وكان حسان
стр. 120
لما قرب من جو بأربعة ايام قال لاصحابه ان اليمامة ستراكم على البعد الكثير فتنذر بكم، فليحمل كل واحد منكم غصناً من شجرة اعظم ما يقدر عليه ليسدل اغصانه عليه وجوانبه، ففعلوا ذلك.
فقالت اليمامة لما رأت ذلك: يا جديس قد اتتكم الشجر، تخبط المدر، فاستعملوا منها الحذر فكذبوها، وقالوا لها: اتسير الشجر؟ فلما كان في اليوم الثالث قالوا لها: انظري، فنظرت فقالت: ارى رجلاً في كتفه كتف، او نعل يخصفه فكذبوها، وقالوا قد تغير نظرها، وكيف ترى على هذا البعد ما لم يتصل بنا خبره، فكان حسان يسير بالليل ويكمن بالنهار، إلى أن صبحهم فقتلهم أبرح قتل، وهدم منازلهم واستباح نساءهم.
وأخذ اليمامة، وقال لها ألا عرفتيهم بمسيري؟ قالت: قد فعلت لو
قبلوا، ونظر فرأى في عينها عروقاً سوداء، فقال لها: بم كنت تكتحلين؟ فقالت له: بحجر الأثمد، مربى بماء المطر.
فقيل انه قطع يدها ورجلها، وقلع عينها وصلبها، فيقال: إن رئيها من الجن لطمه فأعوره، ومنعه النوم فلم يكن ينام.
وقد ذكرت الشعراء اليمامة فأكثروا، قال الأعشى يذكرها في القصيدة التي أولها: بانت سعاد فأمسى حبلها انقطعا فقال يذكرها ونظرها: ما نظرت (١) ذات أشفار كنظرتها * حقاً كما نظر الربى إذا شجعا فكذبوها بما قالت فصحبهم * جيوش حسان تزجي الموت والسلعا وإياها عنى:
стр. 121
واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت * * إلى حمام شراع وارد الثمد تحفه جانباً بير ويتبعه * مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد قالت الا ليتما هذا الحمام [لنا] * إلى حمامتنا أو نصفه فقد فحسبوه فألفوه كما حسبت * تسعاً وتسعين لم تنقص ولم تزد فكملت مائة منها حمامتها * واسرعت حسبة في ذلك العدد وقصتها في حديث الحمام مشهورة، وهذا هو القول الذي سجعت هي به: ليت الحمام ليه إلى حمامتيه أو نصفه قديه [تم الحمام ميه]
ذكر عجائب مصر وأخبار ملوكها وكهانها لما ذكرنا الكهان وجب علينا ان نذكر كهنة مصر، لأنهم كانوا أعظم الكهان قدراً، وأجلهم بالكهانة علماُ (١) وكان حكماء اليونانيين يصفونهم بذلك، ويقولون أخبرنا حكماء مصر بكذا، واستفدنا منهم كذا وكذا.
وكان هؤلاء ينحون في كهانتهم نحو الكواكب، ويزعمون أنها هي التي تفيض عليهم العلوم وتخبر بالغيوب، وهي التي علمتهم أسرار الطبائع، ودلتهم على العلوم المكتومة فعملوا الطلسمات المشهورة، والنواميس الجليلة وولدوا الاشكال (٢) الناطقة، وصوروا الصور المتحركة، وبنوا العالي من البنيان، وزبروا علومهم من الطب في الحجارة، وانفردوا بعمل البرابي، وعملوا من الطلاسم ما نفوا به (٣) الأعداء عن بلادهم وعجائبهم ظاهرة، وحكمتهم واضحة.
стр. 122
وكانت مصر خمساُ وثمانون كورة منها بأسفل الأرض خمس وأربعون، ومنها بالصعيد أربعون وكان في كل كورة رئيس من الكهنة، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قصة فرعون لما أشار عليه أصحابه، وقالوا (ابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم) يريد هؤلاء الرؤساء.
وكان الذي يتعبد منهم لكوكب من الكواكب السبعة المدبرة سبع سنين يسمونه ماهراً، والذي يتعبد منهم للكواكب السبعة لكل واحد منهم سبع سنين، فمن بلغ هذه المرتبة منهم سمي قاطرا (١) وصار يجلس مع الملك ويصدر
الملك عن رأيه، وإذا رآه قام إجلالا له، وكان زيهم أن يدخل كل يوم إلى الملك فيجلس الى جانبه فتدخل الكهنة، ومعهم أصحاب الصناعات فيقفون حذاء القاطر، وكل واحد من الكهنة منفرد بكوكب يخدمه لا يتعداه إلى سواه، ويسمى بعبد كوكب كذا، كما كانت العرب تسمي عبد الشمس، فيقول القاطر لأحد الماهرين أين صاحبك؟ فيقول في البرج الفلاني في الدرجة الفلانية في دقيقة كذا، ويسأل الآخر في حذائه، حتى إذا عرف مستقر الكواكب، قال للملك ينبغي أن يعمل الملك اليوم كذا وكذا، ويأكل كذا وكذا، ويجامع في وقت كذا، ويقول له جميع ما يراه صلاحاً، والكاتب قائم بين يديه يكتب جميع ما يقول.
ثم يلتفت الى أهل الصناعات [فيقول أنقش انت صورة كذا على حجر كذا فمتى رسم على أهل الصناعات] (٢) فيخرجون إلى دار الحكمة، فيضعون أيديهم في الأعمال التي يصلح عملها في ذلك اليوم: ويستعمل الملك جميع ما قاله القاطر، ويؤرخ جميع ما جرى من هذا
стр. 123
وشبهه في ذلك اليوم في صحيفة، وتطوى وتودع في خزائن الملك فعلى ذلك جرت أمورهم.
وكان الملك إذا حزبه (١) أمر بجمعهم بخارج مصر، ويصطف لهم الناس بخارج المدينة ثم يقدمون ركبانا، يتقدم بعضهم بعضاً، ويضرب بين أيديهم بطبل الاجتماع، فيدخل كل واحد منهم بأعجوبة، فمنهم من يعلو وجهه نور مثل نور الشمس فلا يقدر أحدهم النظر اليه، ومنهم من يكون على
يديه جوهر أخضر واحمر على ثوب من ذهب منسوج، ومنهم من يكون راكباً على أسد متوشحاً بحيات عظام ومنهم من تكون عليه قبة من نور أو جوهر في صنوف من العجائب الكثيرة، إلا أن كل واحد إنما يصنع ما يدل عليه كوكبه الذي يعبده، فاذا دخلوا على الملك قالوا أرادنا الملك الامر كذا، وأضمر الملك كذا، والصواب فيه كذا.
* * * وكان بمصر القديمة واسمها أمسوس ملك كاهن يقال له عيقام من ولد عرباق (٢) ابن آدم فتحكي أهل مصر عنه حكايات كثيرة تخرج عن العقل.
وكان قبل الطوفان وقد رأى في علمه كون الطوفان، فأمر الشياطين الذين تطيعه أن يبنوا له مكاناً خلف خط الاستواء، بحيث لا يلحقه شئ من الآفات، فبنوا له القصر الذي [على] سفح جبل القمر، وهو قصر النحاس الذي فيه التماثيل من النحاس، وهي خمسة وثمانون تمثالاً، يخرج ماء النيل من حلوقها، وينصب الى بطحاء مصر.
فلما عمل له ذلك القصر أحب أن يراه قبل أن يسكنه، فجلس في قبة،
стр. 124
وحملته الشياطين على أعناقها اليه، فلما رآه ورأى حكمة بنائه، وزخرفة حيطانه، وما فيها من النقوش وصور الأفلاك، وغير ذلك من العجائب، وكانت المصابيح تسرج فيه، وتنصب فيه موائد يوجد عليها من كل الأطعمة، ولا يرون من يعملها، وكذلك لا إنس به.
وفي وسط القصر بركة من ماء جامد الظاهر ترى حركته من وراء ما جمد منه، وأشياء كثيرة من هذا المعنى، وإن كانت تنبو عنها العقول.
فاعجبه ما رأى ورجع الى مصر فاستخلف ابنه عرباق (١) وأوصاه بما يوجب له الملك وولده على مكانه، ورجع هو الى ذلك القصر، وأقام به حتى هلك هناك.
واليه تعزى مصاحف القبط، التي فيها تواريخهم.
قونية الكاهنة
وفي مصاحف القبط أنها كانت تجلس على عرش من نار، فاذا ما احتكم إليها الرجل، وكان صادقا شق (٢) على النار حتى وصل اليها ولم تضره.
وكانت تتصور عليهم في أشكال كثيرة من الصور، إذا شاءت (٣) ثم بنت لنفسها قصراً واحتجبت فيه عن الناس، وجعلت حيطانه من نحاس مجوفة، وكتبت على كل أنبوب فيها من الفنون التي يتحاكم اليها فيه فكان الذي يتحاكم اليها يأتي إلى الأنبوب الذي كتب عليه ذلك الفن، فيتكلم بما يريده، ويسأل ذلك ما قصد له بصوت خافض غير عال، فاذا فرغ من
стр. 125
كلامه جعل هو أذنه على ذلك الأنبوب، فيأتيه الجواب منه بكل ما يريده، فلم يزالوا مستعملين ذلك، الى أن خرب بخت نصر البلد.
وكان عرباق بن عيقام الملك قد تكهن بعد ابيه وعمل عجائب كثيرة، منها شجرة من صفر لها اغصان حديد بخطاطيف حادة، إذا تقرب الظالم الى الملك تقدمت اليه تلك الخطاطيف، وتعلقت به وشبكت يديه، ولم تفارقه
حتى يحدث عن نفسه بالصدق، ويعترف بظلمه، ويخرج من ظلامة خصمه.
ومنها صنم من صوان أسود سماه عبد أفرويس (١) أي عبد زحل، كانوا يختصمون اليه، فمن زاغ عن الحق ثبت مكانه، ولم يقدر على القيام حتى ينصف من نفسه، ولو أقام سنة او أكثر.
ومن كانت له حاجة منهم او طلب شيئاً عند ذلك الصنم، قام ليلا ونظر الى الكوكب، فذكر اسم عرباق وتضرع، فيصبح وقد وجد حاجته على باب منزله.
وكان ربما حملته أطيار عظام، وهو في مرتبته فيمر بهم وهم يرونه في الهواء فيزدادون له عبادة وهيبة، وربما علا على ناس منهم فملأ ماءهم من الاقذار، وسلط عليهم وحوش الارض وسباعها وهوامها.
وكان من كهانهم فيلمون، وقد ذكرنا خبره مع نوح ﵇، وكان منهم شيمون (٢) وهو الذي كان يوقد النار، ويتكلم عليها، فتطلع منها صورة نارية، وكانت الكهانة عندهم عمل المعجزات، ولم يزل هذا كاهناً إلى وقت فرعون ملك مصر الذي كان الطوفان في أيامه، وكان يسكن الهرم المجوسي (٣) وكان هيكل الكواكب، وكانت فيه صورتا الشمس والقمر (٤)
стр. 126
تنطقان، [وكان الهرم الثاني ناووسا لاجساد الملوك التي نقلها إليه سورند، وفيه العجائب والتماثيل والمصاحف] (١) وكان فيه التمثال الذي يضحك وكان
من جوهر اخضر، وخزنوا ذلك فيه خوفا من [تلفه في] الغرق.
(خبر الكهان بعد الطوفان)
وأما الكهان بعد الطوفان (٢) إلى خراب مصر فكثير، وأول من تكهن بمصر بعد الطوفان ابن فليمون كان قد ركب السفينة مع أبيه وأخيه وأخته وهي التي زوجها من ينصو بن حام، وهم الذين خرجوا إلى مصر وكانوا موحدين على دين نوح ﵇، ولم يكن اسم الكهانة عندهم عيباً، بل كان الكاهن كالحاكم الذي لا يعصى له أمر.
وأول من تحقق بالكهانة، وغير الدين وتعبد الكواكب البودشير بن قفطويم بن ينصو بن حام، وكان ملكاً بعد أبيه، وذكره جميع الكهنة في مصاحفهم.
فانه كان من أجل كهانهم، وممن عمل النواميس العظام، وأقام أصنام الكواكب وبنى هياكلها.
وتزعم القبط ان الكواكب خاطبته وأنه عمل عجائب كثيرة، منها أنه استتر عن الناس بعد سنين من ملكه، وكان يظهر لهم وقتاُ بعد وقت مرة في كل سنة وهو وقت نزول الشمس في برج الحمل، ويدخل الناس اليه فيخاطبهم ويرونه، ويأمرهم بما يعملونه وينهاهم ويحذرهم مخالفة أمره، وكان
стр. 127
يجلس لهم في بعض أوقات السنة فيخاطبهم عند دخولهم عليه، وينهاهم وهم لا يرونه.
والمكان الذي يكلمهم منه غير خفي عنهم، ولا يعد منهم، ثم بنيت له
قبة من فضة مموهة بالذهب وزخرف ما حولها، وكان يجلس لهم في أعلى القبة في صورة الوجه العظيم، فيخاطبهم، بمثل ما كان يخاطبهم، وكان يجلس لهم في أعلى السحاب بوجه في صوره إنسان عظيم، فأقام كذلك مدة ثم غاب عنهم فلم يروه.
وأقاموا برهة ليس لهم ملك، إلى أن رأوا صورته في هيكل الشمس عند دخول الشمس الحمل، وأمرهم أن يقلدوا الملك لعديم بن قفطويم وأعلمهم أنه لا يعود إليهم، ففعلوا ذلك.
وأما بديرة (١) الكاهنة فانها امرأة من أهل بيت الملك، يقال إنها أخت البودشير، وأنه القي إليها الكهانة فهي [التي] عملت اكثر الطلسمات والبرابي، وهي التي عملت القبطية (٢) الناطقة بمنف.
وكانت الكهانة في أهلها وولدها يأخذونها كابرا عن كابر، وهي التي حكى المصريون عنها أنها عملت طلسمات منعت الوحوش والطيور أن تشرب من النيل فمات اكثرها عطشا.
وأن الله تعالى أرسل اليها ملكا فصاح بها صيحة ارتجت لها الأرض [وتشققت جبالها] (٣) فماتت من تلك الصيحة [ويقال انها كانت تطير في الهواء والملائكة تضربها بأجنحتها إلى أن سقطت في البحر] (٣) .
وأما شؤون الأشموني فيقال انه هرمس الاول، الذي بنى بيت التماثيل الذي
стр. 128
يعرف بها مقدار النيل الذي عند جبل القمر وعمل للشمس [هناك] (١)
هيكلين (٢) .
وتحكي القبط عنه حكايات كثيرة، تخرج عن العادة، وتنكرها العقول، فكان يخفى عن الانسان فلا يرونه وهو معهم، وهو الذي بنى الاشمون.
ويقال إنها مدينة في شرقي مصر كان طولها اثني عشر مبلا وجعل عليها حصنا بنى فيه قصراً عظيماً [يقال إنه بنى أنصنا واتخذ فيها] الاعلام والملاعب.
واتخذ في سفح الجبل مدينة يقال لها طهراطيس (٣) وجعل فيها من العجائب شيئا كثيراً، وجعل لها أربعة ابواب من كل جهة باب واحد، وجعل على الباب الشرقي صورة عقاب وعلى الباب الغربي صورة نسر (٤) وعلى الباب الجنوبي صورة اسد وعلى الباب الشمالي صورة كلب وملك (٥) فيها الروحانيات وكانت تنطق إذا قصد اليها القاصد ولا يصل احد إلى الدخول فيها دون استئذان الموكلين بها وغرس فيها شجرة تحمل كل صنف من الفواكه.
وبنى منارا طوله ثمانون ذراعا وعلى رأسه قبة تتلون في كل يوم لونا حتى تنقضي سبعة أيام بسبعة الوان ثم تعود إلى اللون الاول وتكسي المدينة ذلك اللون وجعل حول ذلك موضع ماء فيه سمك كثير، وجعل حول المدينة طلسمات من كل صنف تدفع عن اهلها المضار.
وكانت أيضاً تسمى مدينة البوسق (٦) باسم الشجرة المنصوبة فيها.
стр. 129
أول من بنى الاهرام
كان سوريد بن فيلمون (١) ، وكان ملكا على مصر قبل الطوفان بثلاثمائة (٢) سنة فرأى في منامه كأن الأرض قد انقلبت بأهلها، وكأن الناس يهربون على وجوههم وكأن الكواكب تتساقط، ويصدم بعضها بعضا بأصوات هائلة مفزعة فرجف قلبه وأزعجه ذلك وأرعبه ولم يذكره لاحد، وعلم أنه سيحدث في العالم أمر عظيم.
ثم راى بعد ذلك، كأن الكواكب الثابتة نزلت الى الأرض في صورة طيور بيض كأنها تخطف الناس، وتلقيهم بين جبلين عظيمين، وكأن الجبلين قد انطبقا عليهم، وكأن الكواكب النيرة مظلمة كاسفة، فانتبه ايضاً مذعورا ًفزعاً.
فدخل إلى هيكل الشمس، وجعل يتضرع فيه ويمرغ خديه في التراب، ويبكي، فلما أصبح أمر رؤساء الكهنة من جميع أعمال مصر، وكانوا مائة وثلاثين، فخلا بهم وحكى لهم جميع ما رآه فأعظموه وأكبروه وتأولوه على أمر عظيم يحدث في العالم.
فقال فيلمون عظيم الكهان، وكان فيلمون إذ ذاك كبيرهم، وكان لا يبرح من حضرة الملك لأنه رأس الكهنة كهنة أشمون، وهي مدينة مصر الأولى، قال إن في رؤيا الملك عجباً، وأمراً كبيراً، وأحلام أهل الملك لا تجري على محال ولا كذب لعظم أقدارهم، وكبير أخطارهم، وأنا اخبر الملك برؤيا رأيتها منذ سنة لم أذكرها لأحد من الناس.
стр. 130
فقال له الملك: قصها عليّ يا فيلمون، قال: رأيت كأني قاعد (١) مع الملك على رأس المغار الذي في أشمون، وكأن الفلك قد انحط من موضعه، حتى قارب رؤسنا وكأن علينا كالقبة المحيطة بنا، وكأن الملك رافع (٢) يديه إلى السماء، وكواكباً قد خالطتنا في صور شتى مختلفة، وكأن الناس يستغيثون بالملك وقد انجفلوا إلى قصره، وكأن الملك رافع (٣) يديه إلى أن يبلغ رأسه، وأمرني أن أفعل مثل فعله، ونحن على وجل شديد إذ رأينا منه موضعاً قد انفتح وخرج منه ضياء يضئ، ثم طلعت علينا منه الشمس فكأنا استغثنا بها فخاطبتنا بأن الفلك سيعود إلى موضعه إذا مضت له ثلاث وستون دورة.
وهبط الفلك حتى كاد أن يلصق بالأرض ثم عاد الى موضعه، فانتبهت فزعاً.
فقال لهم الملك: خذوا ارتفاع الكواكب وانظروا هل من حادث، فبلغوا غايتهم في استقصاء ذلك، فأخبروه بأمر الطوفان، وبعده بالنار التي تحرق العالم.
فأمر الملك ببناء الأهرام، فلما تمت على ما دبروا حكمه، نقل اليها ما أحب من عجائبهم واموالهم واجساد ملوكهم، وأمر الكهان فزبروا (٤) فيها علومهم، وحكمهم وأشرف ولد حام القبط والهند هم الحكماء.
ذكر ملوك مصر قبل الطوفان
وكان أول من ملك مصر قبل الطوفان بقراويس (٥) وذلك أن بني آدم
стр. 131
لما بغى بعضهم على بعض وتحاسدوا، وتغلب عليهم بنو قابيل ابن آدم تحول (١) بقراويس الجبار بن مصرايم بن مواكيل بن داويل بن عرباق بن آدم ﵇ في نيف وسبعين راكباً من بني عرباق جبابرة، كلهم يطلبون موضعاً ينقطعون فيه عن بني آدم، فلم يزالوا يمشون حتى وصلوا إلى النيل فأطالوا المشي عليه، فما رأوا سعة البلد وحسنه أعجبهم، وقالوا: هذا بلد زرع وعمارة، فأقاموا فيه استوطنوه، وبنوا الأبنية والمصانع المحكمة.
وبنى بقراويس مصر، وسماها باسم أبيه مصرايم (٢) تبركاً به وكان بقراويس جباراً له قوة زائدة وبطش وكان مع ذلك عالماً له رئي من الجن، فملك بني أبيه، ولم يزل مطاعاً في أمره، وقد كان وقع إليه من العلوم التي علمها درابيل لآدم ﵇، فقهر بها الجبابرة الذين كانوا معه.
وهم الملوك الذين بنوا الأعلام، واقاموا الاساطين العظام، وبنو المصانع الغريبة، ووضعوا الطلسمات العجيبة، واستخرجوا المعادن، وقهروا من ناوأهم من ملوك الأرض، ولم يطمع فيهم طامع، وكل علم جليل هو في أيدي المصريين، إنما كان من علوم أولئك، كانت مزبورة على الحجارة.
فيقال إن فيلمون الكاهن الذي ركب مع نوح ﵇ في السفينة هو الذي فسرها لهم، وعلمهم كتبها، وسنذكر خبرها في موضعه إن شاء الله عزوجل.
ثم أمرهم بقراويس حين ملك ببناء سموها أمسوسا (٣) وأقاموا لها أعلاماً طوالاً طول كل علم منها مائة ذراع، وزرعوا وعمروا الأرض، وامرهم ببناء المدائن، والقرى، واسكن أهل كل بيت ناحية من أرض مصر.
стр. 132
وهم الذين حفروا النيل حتى أجروا ماءه اليهم، ولم يكن قبل ذلك معتدل الجري، وإنما كان ينبطح ويتفرق في الأرض، فوجه إلى النوبة جماعة حتى هندسوه، وشقوا منه أنهاراً الى مواضع كثيرة من مدنهم التي بنوها.
وشقوا منها نهرا إلى مدينة أمسوس يجري في وسطها وغرسوا فيها عليه الغروس وكثر خيرهم وعمرت أرضهم، وتجبر بقراويس لما ملك قومه، وكان عظيمهم.
وبعد عشرين ومائة سنة خلت من ملكه أمر بإقامة الأساطين، وزبروا عليها علومهم.
ذكر دخولهم البلدة، وكيف خرجوا اليها ونزلوا بها وحروبهم لمن حاربهم من الملوك
ثم أمر ببناء قبة على أساطين مثبتة بالرصاص، طولها مائة ذراع، وجعل عليها مرآة زبرجد أخضر، قدرها سبعة أشبار ترى خضرتها على أمد بعيد.
وفي مصاحف المصريين أنه سأل الربئ الذي كان معه أن يعرفه فخرج [إلى شاطئ] النيل، فحمله حتى أجلسه على خلف خط الاستواء على البحر الأسود الزفتي [والنيل يخرج] مثل الخيوط حتى يدخل تحت جبل القمر،
ثم يخرج الى بطائح هناك.
ويقال إنه بنى بيت التماثيل هناك، وعمل هيكل الشمس، ورجع الى أمسوس وقسم البلد بين بنيه، فجعل لبقراوس الجانب الغربي، ولسوريد الجانب الشرقي، ولابنه الأصغر وهو مصرام مدينة سماها ير بيان، وأسكنه فيها، وأقام أساطين كثيرة، وشق اليها نهراً وغرس فيها غروساً.
стр. 133
وعمل بأمسوس عجائب كثيرة، منها طائر يصفر كل يوم عند طلوع الشمس مرتين وعند غروبها مرتين، تصفيراً مختلفاً، يستدلون به على ما يكون من الحوادث، فيتأهبون لذلك، وأجرى لهم الماء على مجرى ينقسم منه على ثمانية وعشرين قسماً.
وعمل في وسط المدينة صنمين حجراً أسود، إذا قدم المدينة سارق لم يمكنه أن يزول عنها حتى يهلك بينهما (١) فاذا دخل بينهما انطبقا عليه، ولهذين الصنمين أعمال عجيبة غير هذا.
وعمل بربيا صورة من نحاس مذهب على منار عال، لا يزال عليها السحاب يطلع، فمن استمطرها أمطرت عليه ما يشاء، فهلكت هذه الصورة في الطوفان.
وعمل على حدود بلدهم أصناماً من نحاس مجوفة، وملأها كبريتاً، ووكل بها روحانية النار، إذا قصدهم قاصد بسوء أرسلت تلك الأصنام من أفواهها ناراً فأحرقته.
وكان حد بلدهم إلى ناحية الغرب مسافة أيام كثيرة عامرة بالقصور والبساتين، وكذلك في البحر، ومن الصعيد إلى بلاد علوة.
وعمل فوق جبل بطرس مناراً يفور بالماء ويسقي ما حوله وما تحته من
المزارع وملكهم مائة وثمانين سنة.
فلما مات لطخوا جسده بالأدوية الممسكة، وجعلوه في تابوت من ذهب وعملوا له ناووساً مصفحاً بالذهب، وجعلوه فيه وجعلوا معه كنوزاً لا تحصى كثرة ولا تحصر قيمة.
стр. 134
ومن الأنواع النفيسة [من] الجوهر وتماثيل الزبرجد، وكثيراُ من أكسير الصنعة المعمول المفروغ منه، ومن الذهب والأواني المعمولة من الذهب ما لا يحصى كثرة، ولا تعلم قيمته.
وزبروا على البيوت تاريخ الوقت الذي مات فيه ملكهم، ثم جعلوا على ذلك كله طلسمات تدفع عنه الهوام والحشرات المفسدة، وصور كل طالب من الأنس والجن.
ثم ملك بعده ابنه براوس (١) الملك فتجبر وعتا وعلا أمره وبنى مدينة يقال لها جلجلة وجعل فيها جنة، وصفح حيطانها بصفائح الذهب والحجارة الملونة، وغرس فيها أصناف الفواكه والغروس تحفها الأنهار.
وأمر باقامة أساطين جعلها معالم، وكتب عليها جميع العلوم.
وصور أصناف العقاقير بها، وزبروا عليها أسماءها ومنافعها.
وكان له شيطان يعمل له التماثيل العجيبة فهو أول من عمل بمصر هيكلاً، وصور فيه صور الكواكب السبعة، وكتب على رأسه تجاربها.
وما عملت من المنافع والمضار، وألبسها الثياب، وأقام للهيكل كاهناً وسدنة.
وخرج مغرباً حتى بلغ البحر المحيط، وعمل عليه أعمالاً، وبنى أساطين جعل على رؤوسها اصناماً تسرج عيونها كالمصابيح في الليل، ورجع على بلاد
السودان إلى النيل.
وأمر ببناء حائط على جانب النيل.
وجعل على شرفها حجارة ملونة شفافة.
وجعل في مدينة منها خزائن للحكمة، وهي أول عجائب الأرض وأغربها، ففي إحدى هذه المدن صنم للشمس، الذي هو أعظم أصنامهم.
стр. 135
وهي معلقة عليه في بيت شرفها وهو صورة إنسان جسده جسد طائر من ذهب أزرق مدبر وعيناه جوهرتان صفراوان، وهو جالس على سرير مغنطيس.
وفي يده مصحف من العلوم.
وفيها صنم آخر رأسه رأس إنسان وجسده جسد طائر، ومعه صورة امرأة جالسة من زئبق معقود لها ذؤابتان، وفي يدها مرآة، وعلى رأسها صورة كوكب.
وهي رافعة يدها بالمرآة الى وجهها ومظهرة فيها سبعة الوان من الماء السائل.
لا تختلط ولا يؤذي بعضها لون بعض ولا يغيره، وفيها شيخ جالس من الفيروزج بين يديه صبية جلوس كلهم من أصناف العقيق والجوهر.
وفي الخزانة الثانية صورة هرمس وهو مكب ينظر الى مائدة به يديه من نشادر على قوائم كبريت أحمر، وفي وسطها مثل الصحفة من جوهر أحمر فيها شئ من الصنعة.
وفيها صورة عقاب من زمرد أخضر، عيناه من ياقوت أحمر، وبين يديه حية زرقاء من فضة قد لوت ذنبها على رجليه، ورفعت رأسها كأنها تريد ان تنفخ عليه، وفي ناحية منها صفة المريخ راكب على فرس بيده سيف مسلول من حديد أخضر، وفيها عمود من جوهر اخضر عليه قبة من ذهب فيها صورة المشتري وفيها قبة من اللازورد على أربعة أعمدة من جذع أزرق، وفي سقفها
صورة الشمس والقمر يتحدثان في صورتي رجل وامرأة، وقبة من كبريت احمر فيها صورة الزهرة على صورة امرأة ممسكة بضفيرتها وتحتها رجل من زبرجد أخضر في يده كتاب فيه علم من علومهم، كأنه يقرؤه عليها.
وجعل في كل خزانة من بقية الخزائن من الأموال والجواهر والكنوز والحلى ما لا يعد ولا يقدر قدره.
стр. 136
وجعل على باب كل مدينة طلسما، يمنع دخولها في صور مختلفة، لا يشبه بعضها بعضا.
وملأ كل مدينة بالجوهر النفيس والزبرجد الخطير والذهب والفضة، والكبريت الأحمر، واكسير الصنعة، وصنوف الادوية المؤلفة، والسموم الفاتكة، وعلم كل باب منها بعلامة تعرف بها.
وانفذ إليها خازنا تحت الأرض وجعلها من تحت جلجلة، وهي مدينته التي عمل فيها الجنة.
وبين كل مدينة من تلك المدن الثلاث عشرون ميلا، وبين الثلاث سبعة أميال.
وكان له من مدينته الى هذه المدائن اسراب تحت الأرض يصل منها اليها، وكذلك من بعضها الى بعض.
وصفات هذه المدائن وعجائبها في كل قرية بمصر على تلك الحجارة، وفي جميع مصاحفهم القديمة، وأكثر ذكرها في هياكل الكواكب خاصة، وقرئ في مصحف لبعض الكهان القدماء ذكر بقراوش الملك بكل ما ذكرناه، وأنه عمل مع ما ذكرناه عجائب كثيرة أزالتها الطوفان وركب هذه الرمال لزوال طلسماتها، فأقام بقراوش ملكا مائة سنة وسبع سنين، ثم مات فعمل
له ناووس، وجعل معه من العجائب ما يطول ذكره.
وولى بعده ابنه مصرام الملك بن بقراوس، فبنى للشمس هيكلا من المرمر وموهه بالذهب، وجعل في وسط الهيكل كالفرس من جوهر أزرق عليه صورة الشمس من ذهب أحمر، وأرخي عليه وعليها حلل الحرير الملون، وأمر أن يوقد عليها بطيب الريحان، وجعل في الهيكل قنديلا من الزجاج
стр. 137
الصافي، وجعل فيه حجرا مدبرا يضئ اكثر مما يضئ السراج، وأقام له سدنة، وعمل أربعة أعياد في السنة.
وقيل إن مصر سميت به، وسمى به مصريم بن حام بعد الطوفان، لأنه وجد اسمه مزبورا على الحجارة.
وكان افليمون الكاهن يخبرهم بأخبار هؤلاء الملوك، وكان مصرام هذا قد ذلل الأسد في وقته، وكان يركبه، وصحبه الجني الذي كان مع أبيه، لما رأى من حرصه على لزوم الهياكل، والقيام بأمر الكواكب.
وأمره أن يحتجب عن الناس، وألقى على وجهه [من سحره] (١) نوراً شديداً لا يقدر احد على النظر اليه.
وادعاه إلها، واحتجب عن الناس ثلاثين سنة، واستخلف عليهم رجلاً من ولد عرباق، وكان كاهنا.
ويقال إن مصرام لما ركب في عرشه، وحملته الشياطين حتى انتهى الى وسط البحر، فجعل له فيه القلعة البيضاء، وجعل عليها صنما للشمس، وزبر عليه اسمه وصفة ملكه.
وعمل (٢) صنما من نحاس وزبر عليه " انا مصرام الجبار، كاشف الاسرار، الغالب القهار، وضعت الطلسمات الصادقة، وأقمت الصور الناطقة، ونصبت الاعلام الهائلة، على البحار السائلة، ليعلم من بعدي انه لا
يملك أحد ملكي ".
وكل ذلك في أوقات السعادة، وقد كان عمل في جنته شجرة مولدة، تؤكل منها جميع الثمار.
стр. 138
وعمل فيها قبة من زجاج احمر على رأسها صنم يدور مع الشمس، ووكل بها الشياطين إذا اختلط الظلام أن لا يخرج احد من ملكه إلا هلك.
وهو أول من عمل الحمام، وأحب أهل مصر ان يروه فسألوا خليفته ذلك، فأمرهم أن يجتمعوا في مجلس عال كان له، فاجتمعوا وجلسوا عنده، فظهر لهم في صورة هالتهم، ملأت قلوبهم رعباً، فخروا له على وجوههم دعوا له فأمر بإحضار الطعام والشراب فأكلوا وشربوا ورجعوا إلى مواضعهم، ثم لم يروه بعد ذلك وبلغ في كهانته الى ما لم يبلغه أحد من آبائه وأجداده.
وملك بعده عيقام الكاهن، فعدل فيهم، وعمل مدينة عجيبة قرب العريش وجعلها لهم حرماً، وعمل لهم طلاسم عجيبة وعجائب كثيرة، وقيل ان إدريس ﵇ رفع في وقته ولم يطل عمره.
وملك بعده ابنه عرباق بن عيقام فتجبر واقبل على صيد السباع والوحش وعمل عجائب.
منها أنه عمل شجرة من حديد ذات أغصان، ولطخها بدواء مدبر، فكانت تجلب كل صنف من السباع والوحش اليها، فيتمكن من صيدها كيف شاء.
وفي كتب المصريين أن هاروت وماروت كانا في وقته بمصر، فعلما أهل
مصر أصنافاً من السحر، فنقلا بعد الطوفان إلى أرض بابل وتعلم عرباق من علمها.
فاحتالت عليه امرأة من المغصوبات فسمته فهلك وبقي مدة لا يعرف خبره، وكان رسمه إذا خلا بالنساء لا يقربه أحد.
فلما تأخر خبره عن الناس هجم ععليه فتى من بني بقراوس يقال له لوحيم (١)
стр. 139
ومعه نفر من أهله، فوجدوه ملقى على فراشه جيفة، فأمر أن توقد له نار يحرق فيها فأحرقه، ثم جمع النسوة اللاتي كن في الجنة، فمن كانت من نسائه أحرقها معه، ومن كانت من المغصوبات، سرحها إلى أهلها، ففرح الناس لما نزل بهم.
وملكهم لوحيم الملك فخرج ولبس تاج أبيه، وجلس على سرير الملك، وأمر بجمع الناس.
فلما اجتمعوا قام فيهم خطيباً.
وذكر ما كان عليه عرباق الأثيم من سوء السيرة واغتصاب النساء وسفك الدماء.
ورفض الهياكل والاستخفاف بالكهنة، وأنه لميراث أبيه وجده وأحق به من غيره وضمن للناس العدل والإحسان والقيام بأمرهم، ودفع كل أذى عنهم فرضي الناس منه بذلك، وقالوا له: أنت أحق بالملك، فلا زلت دائم السعادة، طويل العمر، وانصرفوا مسرورين.
فأمر بتجديد الهياكل وتعظيمها، وقرب كثيراً من الكهان، وأكرم جميعهم، وسار في الناس بالعدل.
وكانت الغربان والغرانيق (١) قد كثرت في وقته فأهلكت الزرع، فعمل اربع منارات من نحاس في جوانب أمسوس، وجعل في كل منارة صورة
غراب فيه حية قد التوت عليه فلم يقربهم شئ من تلك الطيور إلى أن كان الطوفان، فأزال تلك المنارة.
ومن ملوكهم حصليم، وكانت له أخت حكيمة، وكانت في جواريها جارية فائقة العقل والجمال، فعشقها الملك، وسأل أخته ان تهبها له، فأبت فألح عليها في طلبها، فغضبت واعتزلت، وبنت هيكلا وتعبدت فيه للزهرة
стр. 140
مدة ثم إنها رأت الزهرة تناجيها وتكلمها، وتأمرها أن تسلم الجارية الى أخيها، وتنهاها أن تمنعه من ذلك، ففعلت ذلك.
ولما صارت الجارية عند الملك حظيت عنده، وفضلها على سائر نسائه فحسدنها وولدت من الملك ولداً ذكراً لم يكن له ولد غيره، فزاد حسدهن لها، وجعلن يطلبن أذاها، ويطلبن الغوائل لها.
وكان أجل وزراء الملك لما يعلم من محبة الملك لها يأتيها في كل يوم فيقضي ما عرض لها من حوائجها، إجلالا لها، فلما قصدن ضراتها (١) [إذايتها] لم يجدن أنجع من أن يرمينها بذلك الوزير، وكان ذلك حسدا وبغيا، فحققن الأمر عند الملك بما أمكنهن من الحيل، فلما وقف الملك على ذلك أمر بقتلها وقتل الوزير، ولم يشاور في ذلك أخته ولا احداً من الحكماء.
فلما نفذ أمره بذلك بادر من وقف على ذلك الى أخته فاعلمها فأسرعت الى الذي امر بقتلهما تأمر باستبقائهما، حتى يرى الملك في امرهما.
ودخلت على الملك فقالت له ما هذا الذي أمرت به في وزيرك وجاريتك؟ فقال اتصل بي عنهما كذا وكذا، قالت أتحدث حدثا عظيماً من القتل على ما لم تتحققه، وعن غير مشورة لأهل الحكمة والثقات من اهل المملكة؟ قال
لم أملك صبري، قالت إن الملوك ليس لها ان تعجل حتى يتبين لهم الامر! فامر باستبقائهما، وبحث عن امرهما، فوقف على الكذب فيه، فأمر بكل من سعى فيه من ضراتها فاخرجن من القصر.
وحصليم هذا هو أول من عمل مقياساً لزيادة النيل، وذلك أنه جمع اصحاب العلوم والهندسة، فعملوا بيتاً من زجاج على حافة النيل وجعل في
стр. 141
وسطه بركة من نحاس صغيرة فيها ماء موزون، وعلى حافة البركة عقابان (١) من نحاس ذكر وأنثى.
فاذا كان في أول الشهر الذي يزيد فيه الماء، وفتح البيت وحضر الكهان بين يدي الملك، وتكلم امير الكهان بكلام حتى يصفر أحد العقابين، فان صفر الذكر كان الماء تاماً زائداً وإن صفرت الأنثى كان الماء ناقصاً، ثم يعبرون الماء، وكل أصبع تزيد في تلك البركة فهو زيادة ذراع في النيل، فاذا عملوا ذلك حفروا للزرع وأصلحوا الجسور وعمل على النيل القنطرة التي ببلادد النوبة اليوم، وكان يسمى ابنه هو صال أي خادم الزهرة للرؤيا التي رأتها اخته، وكفلت الغلام عمته وادبته احسن التأديب، وزوجته عشرين امرأة من بنات الملوك العظام.
وبنت له مدينة وجعلت فيها عجائب كثيرة احتفلت فيها، وزينتها بأحسن النقش والزينة والعمارة، وعملت فيها حماماً على أساطين يرتفع الماء فيها اليه حاراً من غير وقيد.
وهلك حصليم (٢) فدفن في ناووسه، وملك بعده ابنه هو صال الملك، وتحول هو صال إلى السرب فسكنه، وبنى مدينة هي إحدى المدائن ذوات
العجائب، وعمل في وسطها صنماً للشمس يدور معها، ويبيت مغرباً.
ويصبح مشرقاً.
ويقال أنه أول من اتخذ تحت النيل سرباً، وهو أول من عمل ذلك، وخرج منه متنكراً يشق الأرض والأمم إلى أن بلغ بابل، ورأى ما عمله الملوك من الأعاجيب، وعلم حال ملكها في الوقت وسيرته، ومجاري أموره.
ويقال إن نوحا ﵇ ولد في وقته، وولد لهوصال عشرون ولداً، وجعل مع كل واحد منهم قاطراً (٣) وهو رأس الكهنة.
стр. 142
وتقول القبط أنه من بعد مائة وسبع وعشرين سنة من ملكهم لزم الهيكل الذي كان أقطعه أبوه لا يشركه فيه غيره، وأمور الناس جارية على سداد، فأقاموا كذلك سبع سنين، ثم وقع بين الاخوة تشاجر واختلاف، فأجمع رؤس الكهنة على أن يجعلوا أحدهم ملكا، ويقيم كل واحد منهم في قسمته، واجتمعوا لذلك في دار المملكة.
وقام رأس الكهان فتكلم، وذكر هو صال وفضائله وسعادتهم في أيامه وما شملهم معه من الخير، وأخبر بما رأته الجماعة من تقليد أحدهم، فان كان هو صال حيا ورجع إليهم لم ينكر ما فعلوه، لأنهم لم يريدوا إلا حفظ ملكه، ورفع المكاره عنه، وإن لم يرجع كان الأمر على ما سلف ملك بعد ملك فاستحسن الناس ذلك القول ورضوا به رأيا، وعملوا به.
فعقدوا الملك على أكبر ولده سنا وهو فدرشان (١) الملك فسار سيرة أبيه
فحمد الناس أمره فعمل في أيامه قصراً من خشب ونقشه بأحسن النقوش وصور فيه الكواكب، وبجله بالفروش وحمله على الماء، وكان يتنزه فيه.
فبينما هو فيه ذات يوم إذ هبت ريح عظيمة، وزاد النيل زيادة كبيرة فانكسر القصر وغرق الملك، وهلك وقد كان نفى إخوته إلى المدائن الداخلة.
واقتصر على امرأة واحدة من بنات عمه، فولدت ولداً ولم يكن له ولد غيره، وكانت ساحرة فسحرته حتى هام بها وانفرد بحبها واستخلف بعض وزرائه على الملك، واقبل على لذاته ولهوه معها.
فلما كان من أمره ما كان من هلاكه كتمته امرأته، وكان أمره ونهيه يخرج إلى الوزير عنه، فأقام الناس على طاعته تسع سنين لا يعلمون بأمره.
стр. 143
فلما رأى إخوته طول غيبته جمعوا [عليها] جموعاً عظيمة وقدموا على أنفسهم أحدهم وهو نمرود الجبار.
وساروا الى أمسوس وبلغ ذلك الساحرة امرأة قدرشان، فامرت الوزير على أمر الملك على عادتها بالخروج إليهم وبمحاربتهم، ففعل فهزموه وقتلوه وقتلوا كثيراً ممن كان معه.
ودخلوا مدينة أمسوس وأتوا دار الملك فلم يروا له خبراً، فايقنوا بموته، وكانت الحيلة وقعت من امرأته الساحرة.
فجلس على سرير الملك نمرود (١) بن هو صال أخوه وملك الناس ووعدهم بحسن السيرة فيهم وتقييد ما كانوا ينكرونه، من أفعال أخيه واستولى على أمواله وخزائنه ففرقها على اخوته واقطعهم جميع ما كان أخوه ادخره لنفسه.
وطلب امرأته الساحرة وابنها ليقتلهما فلم يقع لهما على خبر لأن أمه
ذهبت به الى مدينة أهلها بالصعيد وكانوا كلهم سحرة وكهانا.
فامتنعت بهم وداخلت الناس واعلمتهم أن ابنها هو الملك بعد أبيه لان أباه قلده الملك وأمرها أن تدبر الناس، واعلمتهم فصدقوها وأجابوها وقالوا ان الغلام مغلوب على ملكه وان النمرود متغلب غاصب فاجتمع من حمايتها ونصرتها بشر كثير.
وزحف ابن الساحرة الى نمرود بجموع كثيرة وقد عمل له السحرة أصنافا من التماثيل المهلكة والنيران المحرقة فخرج اليه نمرود واخوته فيمن معهم من الاجناد والاتباع فانهزم الملك واخوته وتعلقوا ببعض الجبال.
ونزل ابن الساحرة بدار الملك وجلس على سريره ولبس تاج ابيه وطافت به بطارقته وكان اسمه توسدون (٢) ملك وهو حدث وكانت أمه تدبر أمره
стр. 144
فقتل كل من كان صحب النمرود وجد في طلب ومحاربته حتى ظفر به وسيق اليه أسيرا واجتمع الناس لينظروا اليه فشدت رأسه برأس اسطوانة قائمة وشدت رجله (١) باسطوانة اخرى، وكان طوله فيما تذكره القبط عشرين ذراعا واودعته بيتا ووكلت به رجالا من حرسها لتقتله يوم عيدها وكان قويا فصاح في الليل صيحة مات منها بعض الحرس وهرب الباقون، فلما بلغها ذلك أمرت بانزاله واحضرته وامرت بنار توقد فأوقدت وجعلت تأمر فيقطع منه عضو بعد عضو فيلقى في النار حتى فرغ منه.
وكبر ابنها فخرج كاهناً منجما ساحراً، فعملت له الشياطين قبة من زجاج كرية (٢) مدبرة دائرة على دوران الفلك وصوروا عليها صور الكواكب،
وكانوا يعرفون بها أسرار الطبائع، وعلوم العالم بطلوعها وأفولها.
وبعد ستين سنة من ملكه ماتت أمه الساحرة، وأوصت أن يجعل جسدها تحت صنم القمر بعد أن يطلى بما يدفع عنه النتن، وكانت وهي ميتة تخبرهم بالعجائب وتجاوبهم على كل ما يسألون، فهاب الناس لابنها وفزعوا له، وكان يتصور لهم في صور كثيرة وملكهم مائة سنة، ولما حضرته الوفاة أمر أن يعمل له شكل صنم من زجاج، يكون شفيفا (٣) ويطلى جسده بالأدوية الممسكة له، ويدخل في تلك الصورة التي من الزجاج، ويلحد ما بين الشفتين وينام في هيكل الأصنام ويعمل له في كل سنة عيد تقرب فيه القرابين، وتدفن تحته كنوزه، ففعل ذلك كما أمر.
وملك بعد، ابنه سرباق (٤) الملك فعمل بسيرة ابيه وجدته، واجتمع
стр. 145
عليه، وزحف رجل من بني طربيس بن آدم من ناحية العراق فتغلب على الشام.
وأراد أن يزحف إلى مصر فعرف أنه لا يصل إليها لسحر أهلها، فأراد أن يدخلها متنكراً ليعرف أهلها، ويقف على سحر بعض أهلها، فخرج ومعه نفر حتى وصلوا إلى حصن من أول حدود مصر، فسألهم الموكلون به عن أمورهم فعرفوهم أنهم تجار يقصدون بلدا يسكنونها، ومعهم أموالهم ليحترفوا كيف ظهر لهم بها، فحبسوهم وأرسلوا إلى الملك بخبرهم.
وقد كان رأى الملك في منامه كأنه كان قائما على منار لهم عال، وكأن
طائراً عظيماً قد انقض عليه ليختطفه فحاد عنه حتى كاد (١) أن يسقط عن المنار، فجاوزه الطائر ولم يضره فانتبه مذعوراً، وبعث إلى رأس الكهنة، فقص عليه رؤياه فعرفه أن ملكا يطلب ملكه، فلا يصل إليه.
فنظر في علمه فرأى ذلك الملك الذي يطلب ملكه قد دخل بلده ووافق ذلك دخول الرسل من ذلك الحصن يذكر القوم، فعلم الملك أنه فيهم فوجه بجماعة من أصحابه معه، فاستوثقوا منهم وحملوهم إليه.
وقد كان الملك أمرهم ان يطوفوا بهم على أعمال مصر (٢) كلها، ليروا ما فيها من الطلسمات والأصنام والعجائب والمعجزات فبلغوا بهم الى الاسكندرية، ثم ساروا بهم إلى أمسوس، فاوقفوهم على عجائبها ثم ساروا بهم إلى الجنة التي عملها مصرام وأمر السحرة باظهار التماثيل فجعلوا يتعجبون مما يرون حتى وصلوا إلى سرباق الملك، والكهنة حوله قد أظهروا صنوف العجائب، وجعلوا بين يديه ناراً لا يصل إليها إلا من كان من خاصته.
ولا تضر الا من أضمر للملك غائلة وامر فشقوها واحدا بعد واحد فلم تضر منهم احدا.