وسطه بركة من نحاس صغيرة فيها ماء موزون، وعلى حافة البركة عقابان (١) من نحاس ذكر وأنثى.
فاذا كان في أول الشهر الذي يزيد فيه الماء، وفتح البيت وحضر الكهان بين يدي الملك، وتكلم امير الكهان بكلام حتى يصفر أحد العقابين، فان صفر الذكر كان الماء تاماً زائداً وإن صفرت الأنثى كان الماء ناقصاً، ثم يعبرون الماء، وكل أصبع تزيد في تلك البركة فهو زيادة ذراع في النيل، فاذا عملوا ذلك حفروا للزرع وأصلحوا الجسور وعمل على النيل القنطرة التي ببلادد النوبة اليوم، وكان يسمى ابنه هو صال أي خادم الزهرة للرؤيا التي رأتها اخته، وكفلت الغلام عمته وادبته احسن التأديب، وزوجته عشرين امرأة من بنات الملوك العظام.
وبنت له مدينة وجعلت فيها عجائب كثيرة احتفلت فيها، وزينتها بأحسن النقش والزينة والعمارة، وعملت فيها حماماً على أساطين يرتفع الماء فيها اليه حاراً من غير وقيد.
وهلك حصليم (٢) فدفن في ناووسه، وملك بعده ابنه هو صال الملك، وتحول هو صال إلى السرب فسكنه، وبنى مدينة هي إحدى المدائن ذوات
العجائب، وعمل في وسطها صنماً للشمس يدور معها، ويبيت مغرباً.
ويصبح مشرقاً.
ويقال أنه أول من اتخذ تحت النيل سرباً، وهو أول من عمل ذلك، وخرج منه متنكراً يشق الأرض والأمم إلى أن بلغ بابل، ورأى ما عمله الملوك من الأعاجيب، وعلم حال ملكها في الوقت وسيرته، ومجاري أموره.
ويقال إن نوحا ﵇ ولد في وقته، وولد لهوصال عشرون ولداً، وجعل مع كل واحد منهم قاطراً (٣) وهو رأس الكهنة.
стр. 142
وتقول القبط أنه من بعد مائة وسبع وعشرين سنة من ملكهم لزم الهيكل الذي كان أقطعه أبوه لا يشركه فيه غيره، وأمور الناس جارية على سداد، فأقاموا كذلك سبع سنين، ثم وقع بين الاخوة تشاجر واختلاف، فأجمع رؤس الكهنة على أن يجعلوا أحدهم ملكا، ويقيم كل واحد منهم في قسمته، واجتمعوا لذلك في دار المملكة.
وقام رأس الكهان فتكلم، وذكر هو صال وفضائله وسعادتهم في أيامه وما شملهم معه من الخير، وأخبر بما رأته الجماعة من تقليد أحدهم، فان كان هو صال حيا ورجع إليهم لم ينكر ما فعلوه، لأنهم لم يريدوا إلا حفظ ملكه، ورفع المكاره عنه، وإن لم يرجع كان الأمر على ما سلف ملك بعد ملك فاستحسن الناس ذلك القول ورضوا به رأيا، وعملوا به.
فعقدوا الملك على أكبر ولده سنا وهو فدرشان (١) الملك فسار سيرة أبيه
فحمد الناس أمره فعمل في أيامه قصراً من خشب ونقشه بأحسن النقوش وصور فيه الكواكب، وبجله بالفروش وحمله على الماء، وكان يتنزه فيه.
فبينما هو فيه ذات يوم إذ هبت ريح عظيمة، وزاد النيل زيادة كبيرة فانكسر القصر وغرق الملك، وهلك وقد كان نفى إخوته إلى المدائن الداخلة.
واقتصر على امرأة واحدة من بنات عمه، فولدت ولداً ولم يكن له ولد غيره، وكانت ساحرة فسحرته حتى هام بها وانفرد بحبها واستخلف بعض وزرائه على الملك، واقبل على لذاته ولهوه معها.
فلما كان من أمره ما كان من هلاكه كتمته امرأته، وكان أمره ونهيه يخرج إلى الوزير عنه، فأقام الناس على طاعته تسع سنين لا يعلمون بأمره.
стр. 143
فلما رأى إخوته طول غيبته جمعوا [عليها] جموعاً عظيمة وقدموا على أنفسهم أحدهم وهو نمرود الجبار.
وساروا الى أمسوس وبلغ ذلك الساحرة امرأة قدرشان، فامرت الوزير على أمر الملك على عادتها بالخروج إليهم وبمحاربتهم، ففعل فهزموه وقتلوه وقتلوا كثيراً ممن كان معه.
ودخلوا مدينة أمسوس وأتوا دار الملك فلم يروا له خبراً، فايقنوا بموته، وكانت الحيلة وقعت من امرأته الساحرة.
فجلس على سرير الملك نمرود (١) بن هو صال أخوه وملك الناس ووعدهم بحسن السيرة فيهم وتقييد ما كانوا ينكرونه، من أفعال أخيه واستولى على أمواله وخزائنه ففرقها على اخوته واقطعهم جميع ما كان أخوه ادخره لنفسه.
وطلب امرأته الساحرة وابنها ليقتلهما فلم يقع لهما على خبر لأن أمه
ذهبت به الى مدينة أهلها بالصعيد وكانوا كلهم سحرة وكهانا.
فامتنعت بهم وداخلت الناس واعلمتهم أن ابنها هو الملك بعد أبيه لان أباه قلده الملك وأمرها أن تدبر الناس، واعلمتهم فصدقوها وأجابوها وقالوا ان الغلام مغلوب على ملكه وان النمرود متغلب غاصب فاجتمع من حمايتها ونصرتها بشر كثير.
وزحف ابن الساحرة الى نمرود بجموع كثيرة وقد عمل له السحرة أصنافا من التماثيل المهلكة والنيران المحرقة فخرج اليه نمرود واخوته فيمن معهم من الاجناد والاتباع فانهزم الملك واخوته وتعلقوا ببعض الجبال.
ونزل ابن الساحرة بدار الملك وجلس على سريره ولبس تاج ابيه وطافت به بطارقته وكان اسمه توسدون (٢) ملك وهو حدث وكانت أمه تدبر أمره
стр. 144
فقتل كل من كان صحب النمرود وجد في طلب ومحاربته حتى ظفر به وسيق اليه أسيرا واجتمع الناس لينظروا اليه فشدت رأسه برأس اسطوانة قائمة وشدت رجله (١) باسطوانة اخرى، وكان طوله فيما تذكره القبط عشرين ذراعا واودعته بيتا ووكلت به رجالا من حرسها لتقتله يوم عيدها وكان قويا فصاح في الليل صيحة مات منها بعض الحرس وهرب الباقون، فلما بلغها ذلك أمرت بانزاله واحضرته وامرت بنار توقد فأوقدت وجعلت تأمر فيقطع منه عضو بعد عضو فيلقى في النار حتى فرغ منه.
وكبر ابنها فخرج كاهناً منجما ساحراً، فعملت له الشياطين قبة من زجاج كرية (٢) مدبرة دائرة على دوران الفلك وصوروا عليها صور الكواكب،
وكانوا يعرفون بها أسرار الطبائع، وعلوم العالم بطلوعها وأفولها.
وبعد ستين سنة من ملكه ماتت أمه الساحرة، وأوصت أن يجعل جسدها تحت صنم القمر بعد أن يطلى بما يدفع عنه النتن، وكانت وهي ميتة تخبرهم بالعجائب وتجاوبهم على كل ما يسألون، فهاب الناس لابنها وفزعوا له، وكان يتصور لهم في صور كثيرة وملكهم مائة سنة، ولما حضرته الوفاة أمر أن يعمل له شكل صنم من زجاج، يكون شفيفا (٣) ويطلى جسده بالأدوية الممسكة له، ويدخل في تلك الصورة التي من الزجاج، ويلحد ما بين الشفتين وينام في هيكل الأصنام ويعمل له في كل سنة عيد تقرب فيه القرابين، وتدفن تحته كنوزه، ففعل ذلك كما أمر.
وملك بعد، ابنه سرباق (٤) الملك فعمل بسيرة ابيه وجدته، واجتمع
стр. 145
عليه، وزحف رجل من بني طربيس بن آدم من ناحية العراق فتغلب على الشام.
وأراد أن يزحف إلى مصر فعرف أنه لا يصل إليها لسحر أهلها، فأراد أن يدخلها متنكراً ليعرف أهلها، ويقف على سحر بعض أهلها، فخرج ومعه نفر حتى وصلوا إلى حصن من أول حدود مصر، فسألهم الموكلون به عن أمورهم فعرفوهم أنهم تجار يقصدون بلدا يسكنونها، ومعهم أموالهم ليحترفوا كيف ظهر لهم بها، فحبسوهم وأرسلوا إلى الملك بخبرهم.
وقد كان رأى الملك في منامه كأنه كان قائما على منار لهم عال، وكأن
طائراً عظيماً قد انقض عليه ليختطفه فحاد عنه حتى كاد (١) أن يسقط عن المنار، فجاوزه الطائر ولم يضره فانتبه مذعوراً، وبعث إلى رأس الكهنة، فقص عليه رؤياه فعرفه أن ملكا يطلب ملكه، فلا يصل إليه.
فنظر في علمه فرأى ذلك الملك الذي يطلب ملكه قد دخل بلده ووافق ذلك دخول الرسل من ذلك الحصن يذكر القوم، فعلم الملك أنه فيهم فوجه بجماعة من أصحابه معه، فاستوثقوا منهم وحملوهم إليه.
وقد كان الملك أمرهم ان يطوفوا بهم على أعمال مصر (٢) كلها، ليروا ما فيها من الطلسمات والأصنام والعجائب والمعجزات فبلغوا بهم الى الاسكندرية، ثم ساروا بهم إلى أمسوس، فاوقفوهم على عجائبها ثم ساروا بهم إلى الجنة التي عملها مصرام وأمر السحرة باظهار التماثيل فجعلوا يتعجبون مما يرون حتى وصلوا إلى سرباق الملك، والكهنة حوله قد أظهروا صنوف العجائب، وجعلوا بين يديه ناراً لا يصل إليها إلا من كان من خاصته.
ولا تضر الا من أضمر للملك غائلة وامر فشقوها واحدا بعد واحد فلم تضر منهم احدا.
стр. 146
وكان ذلك الملك آخر من دخلها منهم.
فلما دنا من النار أخذته فولى هاربا فأتى به سرباق فسأله عن أمره وتوعده فأقر فأمر بقتله، وحمله الى الحصن الذي أخذ به فصلب هناك من جهة الشأم على اسطوانة عظيمة من حجر وزبر عليها هذا فلان بن فلان المتغلب على الشأم أضمر غائلة للملك وطلب ما لم يصل إليه تعديا منه عليه وظلما له فعوقب بهذا.
وأمر باطلاق الباقين.
وقيل لهم قد وجب عليكم القتل، لصحبتكم لمن أراد
الفساد في الأرض.
ولكن الملك بفضله عفا عنكم وأمر أن تخرجوا من بلاده، ولا تعدوا إليها أبداً فخرجوا هاربين.
مسرورين بالسلامة فكانوا لا يمرون بأحد إلا حدثوه بما رأوا من العجائب.
فانقطعت اطماع الملوك في الوصول الى مصر والتعرض لها.
وعملت في وقت سرباق عجائب كثيرة.
منها أنه عمل عرباق في مدينته بطة من نحاس قائمة على اسطوانة، فاذا دخل الغريب من ناحية من النواحي أو باب من الأبواب صفقت بجناحيها، وصرخت فيؤخذ [الداخل] ويكشف عن أمره ومقصده، وشق الى مدائن الغرب نهراً من النيل، وبنى على عبريه منازل واعلاما، وغرس فيها غروسا يتنزه عليها، وملكهم مائة سنة وثلاثين سنة.
وملكهم بعده ابنه سهلون بن سرياق، وكان سهلون عالما منجما كاهنا، فأفاض العدل وقسم ماء النيل قسما موزونا، صرف الى كل ناحية قسطا، ورتب الدولة وجعلها على سبع طبقات.
(الطبقة الأولى) الملك وولده وأهل بيته ومن يلي عدله، ورأس الكهان، والوزير الاكبر، وصاحب خاتم الملك، وصاحب خزائنه.
(والطبقة الثانية) مراتب العمال والمتولين لجباية الأموال، والأشراف على النفقات في أمر المملكة، ومصالح البلاد والعمارات، وقسمة المياه.
стр. 147
(والطبقة الثالثة) الكهان وأصحاب الهياكل وخدمتها، ومتولي الفراش والمشرف على ما يقرب من بوادر الفاكهة والرياحين وصغار البقر والغنم والفراريج الذكور، وما يعرف من مثل ذلك في طعام الملك وخوابي الشراب، وغير ذلك مما يشبهه.
(والطبقة الرابعة) المنجمون، والأطباء، والفلاسفة، ونحوهم.
(والطبقة الخامسة) أصحاب عمارة الأرض، والمتولون أمر الزراعة، والغرس.
(والطبقة السادسة) أصحاب الصناعات والمؤن، والمشيدون في كل سنة في كل فن، والمشرفون على أعمالهم، ونقل نما يستحسن من أعمالهم إلى خزائن الملك.
(الطبقة السابعة) أصحاب الصيد من السباع والوحش والطير والهوام، والمشرفون على أخذ دمائها ومرارتها وشحومها، وحملها الى الأطباء لاصلاح العقاقير، وتأليف الأدوية.
وتقدم اليهم ألا يدخل أهل صناعة في دلسة ولا مهنة في غير ما هو فيه، ومن قصر في عمله عوقب، ومن أحسن في عمله جوزي.
وكانت رتبة أهل الملاهي والألحان في قسمة الملك.
وتقدم في بناء المدائن ونصب الاعلام والمنارات، وابتدع ما يستغرب من الصناعات، وإجراء المياه، وتوليد غرائب الاشجار.
وأقام على أعالي الجبال سحرة يقسمون الريح، ويمنعون من أراد بلدهم بأذى، وكذلك يمنعون كل طائر وسبع ووحش وهوام، وجرى في الناس على السداد والاعتدال.
стр. 148
وجعل لكل صنف من الناس صنفا من الكهنة يعلمونهم الدين، ودينهم يومئذ الصابئة الأولى ويرفع كل صنف منهم ما يجري من جميع ما يقولونه إلى الملك في كل يوم، وعمل البيت ذي القباب النورية، وأوقد فيها النار الدائمة تعظيما للنور.
والقبط تزعم أنه أول من عمل بيتاً لتعظيم النار، وقيل إن حمير (١)
الفارسي بنى بيتاً للنار، وهو أول من عمل ذلك للفرس اقتداء بسهلون الملك بمصر.
وكان السبب لعمل سهلون أنه رأى في منامه كأن أباه أتاه، فقال له انطلق إلى جبل كذا من جبال مصر، فان فيه كوة من صفتها كذا، فانك واجد على باب الكوة أفعى لها رأسان، فانها إذا رأتك كثرت في وجهك، فليكن معك طائران صغيران ذكر (٢) وأنثى، فاذا رأيت الأفعى فاذبح لها الطائرين وألقهما اليهما فانها تأخذ برأسيهما، وتنحاش بهما إلى سرب قريب من الكوة فتدخل فإذا غابت عنك فادخل الكوة تنتهي في آخرها امرأة عظيمة من نور حار يابس، فسوف يسطع لك وجهها وتحمى بحرارتها، فلا تدنو إليها فتحترق، وقف حذاءها، وسلم عليها، فانها تخاطبك، واسكن الى خطابها، وانظر ما تقوله لك فاعمل به فانك تتشرف به.
وهي حافظة كنوز جدك مصرام التي رفعها تحت مدائن العجائب المعلقة وهي تدلك عليها، وتنال مع ذلك شرفاً وطاعة من قومك ورعيتك، ثم مضى وتركه.
стр. 149
فانتبه سهلون، وجعل يتفكر فيما رأى وتعجب منه وعزم أن ينفذ ما أمره به، فمشى إلى الجبل وحمل الطائرين معه وامتثل ما أمره به أبوه إلى أن وقف حذاء المرأة فسلم عليها، فقالت له أتعرفني؟ قال لا، لأني ما رأيتك قبل وقتي هذا، قالت له: أنا صورة النار المعبودة في الأمم الخالية، وقد أردت أن تحيي ذكري، وتتخذ لي بيتا وتوقد لي فيه ناراً دائمة، بقدر واحدة،
وتتخذ لي عيدا في كل سنة تحضره أنت وقومك، فانك تتخذ بذلك عندي أنلك بها شرفاً الى شرفك، وملكا إلى ملكك، وامنع عنك وعن قومك من يطلبك ويعمل الحيلة عليك، وأدلك على كنوز جدك مصرام.
فضمن لها أن يفعل ذلك فدلته على الكنوز التي كنزها جده تحت المدائن المعلقة وكيف يصير اليها، وكيف يمتنع من الأرواح الموكلة بها وما ينجيه منها.
فلما فرغ مما أراده من ذلك، قال لها فكيف لي بأن أراك في الأوقات التي أريد وأحتاج أن أسألك عما يطرأ من الأمور فأسير اليك؟ قالت له اما هذا المكان فلا تقربه بعد وقتك هذا، ولكن إذا احببت ان تراني فدخن في الوقت الذي علمته لك بكذا وكذا، اشياء ذكرتها له: منها عظام ما يقربه من القرابين والذبائح، وصموغ الأشجار.
فاني اتخيل لك واخبرك بكل حق وباطل يكون في بلدك.
فلما سمع ذلك منها سر به سروراً عظيما، وغابت الصور، وظهرت الافعى، وخرج هاربا، فلما نجا جعل على الكوة سداً ولم يؤخر ما فعلته به.
وأخرج كنوز جده وعمل بأمسوس وغيرها من العجائب ما يطول به الذكر، فمنها القبة المركبة على سبعة أركان، في بعض مصاحف القبط أن هذه القبة يقال لها قبة القضاء.
стр. 150
وكان السبب في بنيانها أن بعض الكهنة جار في قضية قضاها، وذلك أن بعض العامة أتاه يشكو امرأته، ويذكر أنها تأباه وهو يحبها وتبغضه، وسأل أن يقومها له بالاظهار، وكانت المرأة من أهل بيت الكاهن، فأما لها عن زوجها وأمره بتخليتها فلم يفعل، وحبسه وشدد عليه، وكان من اهل الصناعات.
فاجتمع من اهل صناعته من كان قد عرف حاله، وحال المرأة معه، وأنها ظالمة له وهو لها منصف، وعلموا ظلم الكاهن له، فاستعدوا عليه عند خليفة الملك فأحضره وسأله عما ذكروه فذكر أنه لم يحكم إلا بواجب.
فأحضر بعض رؤساء الكهنة، واظهر القوم الذين شهدوا للرجل، فوقف على ظلم الكاهن.
فأخرج الرجل من الحبس وحبس الكاهن مكانه، وامر بالمرأة أن تعاقب وترد عليه.
ورفع ذلك إلى الملك فأمر أن يخرج ذلك الكاهن من رسم الكهان، وأن يحبس إلى أن يرى رأيه فيه، واهتم الملك لذلك وخاف ان يجري من غير ذلك الكاهن مثل ما جرى منه، وأن يكون ما قد أبرمه من امر المملكة واهلها لا يتحكم له حسبما أحب، وبات مهموماً مفكراً.
فلما أصبح اصطبح وتطيب وتكلم ودخن بالدخنة التي أمر بها فتجلت له تلك الصورة وخاطبته فسألها أن تعمل له عملاً يقف به على حقيقة الظلم وخفيه، ويعرف المظلوم من الظالم.
فأمرته أن يبني بيتاً مركباً على سبعة أركان، ويجعل له سبعة أبواب، على كل ركن باباً، ويعمل في وسطه قبة من صفر، ويصور في أعلاها صور الكواكب السبعة.
ويعمل على الباب الاول من القبة مثال اسد رابض وحذاءه من الجانب
стр. 151
الآخر لبوة رابضة من صفر ويقرب لهما جر وأسد، ويبخرهما بشعره.
وعلى الباب الثاني، تمثال ثور وبقرة، ويذبح لهما عجلا، ويبخرهما بشعره وعلى الباب الثالث صورة خنزير وأنثاه، ويذبح لهما خنوصاً، ويبخرهما
بشعره.
وعلى الباب الرابع صورة جمل وشاة، ويذبح لهما سخلة، ويبخرهما بشعرها.
وعلى الباب الخامس صورة ثعلب وحدأة وانثاه، ويذبح لهما فرخ عقاب، ويبخرهما بريشه، ويلطخ وجوه جميعها بدم القربان، ثم يحرق بقية القرابين ويجعل رمادها تحت عتبة ابواب القبة، ويجعل لها سدنة يوقدون فيها المصابيح ليلا ونهارا سبعة أيام.
فاذا فرغت من ذلك كله، فاجعل لكل مرتبة من تلك المراتب التي قسمتها وجعلتها على سبع طبقات باباُ من تلك الأبواب، وليكن باب الاسد لاهل المملكة وسائر الأبواب لسائر المراتب، فانه إذا تقدم إلى شئ من تلك الصور أهل الخصومات التصق الظالم بها، وشدت الصورة عليه شداً عنيفاً وآذته وآلمته حتى يخرج لخصمه من حقه، الذكر للذكر، والأنثى للانثى، فتعرف بذلك الظالم من المظلوم.
ومن كان له قبل أحد حق ودعاه إلى بعض الصور فلم يجئ معه، فأتاها المظلوم فعرفها بذلك أقعد الظالم من رجليه وخرس لسانه، ولم يتحرك من مكانه حتى ينصف صاحبه.
فلم يؤخر الملك عمل القبة على ما أمرت به وشرع فيها من حينه، وأتمها على ما أحسن ما يكون هيئة وصلاحاً، واستراح من الاهتمام بامور الناس، فلم يتظلم بعضهم من بعض.
стр. 152
وعلم أنه لا يجوز لبعضهم ظلم بعض، مع تلك الصورة، فلم تزل تلك الصورة باقية إلى أن أزالها الطوفان مع ما أزال من اعمالهم وعجائبهم.
وعملت في وقت سهلون اعمال كثيرة، وكتب سيرته وما ابتدعه من العجائب في مصحف، وعمل ادوية وعقاقير كثيرة وتماثيل متحركات.
وأمر ان يحمل ذلك كله مع المصحف الذي كتب فيه سيرته ومع كنوزه وذخائره إلى ناووسه الذي يجعل فيه إذا مات، وهو قد عمله في الجانب الغربي ووضع فيه غرائب وحكمة، فلما مات عمل فيه ذلك.
وملك بعد ابنه سوريد بن سهلون الملك، وحزن عليه هو وأهل مملكته ورعيته، حزناً عظيماً لم يحزن على ملك قبله، وكان ملكه مائة وتسعاً وتسعين سنة.
وأقام دولته ورعيته عند ناووسه شهراً ينوحون ويبكون، وأقاموا في ناووسه خدمة يخدمون أموره وسدنة يحفظون ما يجب حفظه منه، وجلس ابنه على سرير الملك، واقتفى سيرة أبيه في العدل والصلاح وعمارة الأرض، وسياسة الناس والانصاف بينهم، والأخذ لهم من نفسه وأهل بيته.
وهو أول من جبى الخراج بمصر، وألزم أهل الصناعات على اقدارهم، وأول من أمر بالانفاق على المرضى والزمنى من خزائنه وبنى المنارات، ونصب الاعلام والطلسمات والهياكل، وحسن عمارتها على أحسن ما تقدم لسواه، فأحبه الناس وحمدوا أمره، وعمل مرآة من أخلاط كثيرة، كان ينظر اليها فيرى الاقاليم، وما أخصب منها وما أجدب، وكلما يحدث فيها.
وكانت على منارة من نحاس في وسط مدينة أمسوس.
وتقول القبط إنه عملها لمصر خاصة، وكان يرى فيها جميع من يقصدها من
стр. 153
كل ناحية، ويعلم بذلك جميع من يقصدها (١) فكان يأخذ أهبته لذلك، وهو أول من عمل صحيفة في كل يوم يكتب فيها جميع ما يكون في يومه، وما يعمل
فيه ثم ترفع إليه وتودع في خزائنه يوما فيوما، فاذا مضى الشهر نقلت صحائف أيامه إلى مصحف الملك وختم بخاتمه، وخلد في خزائنه وما صلح منه أن يزبره في الحجارة زبره.
وكذلك ما عمل من الصنائع وما أحدث منها، وكان يعطي الرغائب على الصناعات العجيبة والحكم الغريبة.
وعمل وسط المدينة صورة امرأة جالسة في حجرها صبي كأنها ترضعه، فكل امرأة أصابتها علة في جسمها مست من جسد تلك الصورة الممثلة، فيزول عنها ما تجده على ما كان.
وكذلك إن قل لبنها، مسحت ثديها فكثر، وكذلك إن أحبت أن تعطف عليها زوجها مسحت وجهها بدهن طيب، وقالت لها افعلي كذا وكذا.
وإن قلت حيضتها وفرقت منه مسحت تحت ركبها، وان اصاب ولدها شئ فعلت بالصبي كذلك فيبرأ، وإن عسرت ولادتها مسحت رأسي الصبي سهل، وكذلك البكر يسهل عليها افتضاضها، وإذا وضعت الزانية يدها عليها ارتعدت حتى تكف عن فجورها، وما كان من أعمال الليل يحدث ليلا، وما كان من النهار يحدث نهارا، وكانت تعمل اعمالا كثيرة إلى أن ازالها الطوفان.
وفي بعض كتب القبط انها وجدت بعد الطوفان، وانهم استعملوها وعبدوها، وصورتها في جميع برابي مصر مصورة برسمها ملونة، والذي دلهم عليها كانوا
стр. 154
قرابات فيلمون الكاهن، ودلوهم على جميع اعمال مصر، وسنذكر خبرهم في هذا الكتاب ان شاء الله تعالى.
وعمل ايضا سوريد في وقته غرائب كثيرة منها الصنم الذي يقال له بكوس المعمول من الأخلاط الكثيرة في الطب، وكان يعمل اعمالا كثيرة في دفع الأسقام والعلل عن اهلها، ويعرفون به من يبرأ منهم فيعالجونه فيعيش، و [يعرفون من يموت] بعلامات تظهر منه، فيقصرون عن علاجه، وكان يزيل الاوصاب بأن يغسل الموضع بأزاء أصحاب العلل منه، ويسقي ذلك الماء الذي يغسل به لصاحب الداء فيزول عنه، وكثير من هذه الأعمال.
وهو أول من عمل الابرقات الايرونيات، وزبر عليها جميع العلوم.
وهو الذي بنى الهرمين العظيمين المنسوبين الى شداد بن عاد، والقبط تنكر أن تكون العادية دخلت بلدهم، والعمالقة تقول سحرهم ومنعهم من ارادتهم بشر ما يريدونه بهم، وبذلك يقول الحرانيون، وقد نقل ذلك أبو معشر في كتاب الألوف.
وكان سبب بناء سوريد للهرمين انه رأى رؤيا أثبتها في موضعها، فأحضر كهنته ومنجميه، وقص عليهم من نزول المرآة في صورة امرأة وانقلاب الأرض بأهلها، وانكساف الشمس بأسرها، وهي الرؤيا بعد، فأخبروه خبر الطوفان أنه يكون على الصورة التي كان، وذلك مذكور في كتاب تاريخ يرويه المقربون عن آخرين من القبط وجد في بعض ذراريهم على صدر ميت، وذكر أنها من ولد رجل من اهل مصر الأوائل ممن نجا من الطوفان وركب مع نوح ﵇ في السفينة، وكان ممن آمن به وحمل ابنيه وقيل بن مصرام بن حام وكان أبدع الناس فهما في العلوم.
وكان في الكتاب أن الملك سوريد بنى في الصعيد ثلاث مدائن وعمل فيها
стр. 155
عجائب كثيرة، وسنذكر شيئاً من أخبار هذين الأخوين أن شاء الله تعالى.
وكان في الكتاب أن الملك سوريد بن سهلون ملك مصر لما رأى في منامه ما رأى، أخبر فيلمون رأس الكهنة بما رآه من الأمور، أمرهم ان ينظروا فيما تدل عليه الكواكب من أحداث في العالم، فتصيب اكثره، فأقاموا لها في وقت مسألته اياهم مسألة امعنوا فيها النظر، فدلت على آية تنزل من السماء، وتخرج من الأرض فتعم اكثر الآرض، وهو طوفان عظيم لا يبقى به شئ.
قال فانظروا هل ينجز ذلك ويعود أم يبقى هو معمولا دائماً؟ فنظروا فظهر أنه يعود العمران والملك، وكل شئ كما كان وعرفوه بذلك، فأمر حينئذ ببناء بربى وأعلام عظام له ولأهل بيته، تحفظ أجسادهم، وما أو دعوه بها من أموالهم وزبروا فيها وفي سقوفها وفي حيطانها واسطواناتها، جميع العلوم الغامضة، التي يدعيها أهل مصر بين جميع الأمم، وصور فيها صور الكواكب العظام منها وصور الصغار منها، ورسم ذلك بعلامات تعلم بها.
وزبر فيها أسماء العقاقير ومنافعها، وعمل الطلسمات وأشكالها، وعلم الحساب والهندسة، وغير ذلك مما ينتفع به مزبوراً ومفسراً لمن عرف كتابهم ولغتهم.
وقالوا إن هذه نازلة وكائنة إذا كانت تكون من جميع أقطار العالم إلا اليسير منه، وذلك كائن إذا نزل قلب الأسد بأول دقيقة من رأس السرطان وتكون الكواكب عند ذلك في هذه المواضع من الفلك يكون القمر مع الشمس في أول دقيقة من الحمل، وراوس وهو المشتري في سبع وعشرين درجة من الحوت والمريخ في ثمان وعشرين درجة وخمس دقائق من الحوت، وأفردوين وهو الزهرة في سبع وعشرين درجة وثلاث دقائق من الحوت،
стр. 156
وهرمس وهو عطارد في سبع وعشرين دقيقة من الحوت، وزحل والجوزاء
في الميزان وأوج القمر في الأسد على خمس درجات ودقائق.
فلما عملوا ذلك وتحققوه قال انظروا أيضاً هل يكون بعد هذه الآفة آفة أخرى تنزل من السماء الى الأرض تكون ضد الأخرى التي تنزل أولا.
وهي النار التي تحرق أقطار العالم، فعرفوه فقال انظروا متى يكون الكون الآخر وهو المضمر؟ فنظروا فوجدوا أنه يكون إذ نزل قلب الأسد في آخر دقيقة من الدرجة الخامسة عشرة من الأسد فتكون الشمس معه في دقيقة واحدة متصلة بزحل تثليث الرأس، ويكون المشتري في الأسد غير مستقيم السير، وعطارد معه في دقيقة، ويكون القمر في الدلو متصلاً بالذنب في اثني عشر جزءا، وتكون الزهرة في بعدها الأبعد مستقيمة السير ويكون المريخ في الاسد مستقيم السير، ويكون في ذلك الشمس تنطبق منه [على] الأرض [انطباقاً] لم يعهد مثله.
فعرفوا الملك بما ظهر لهم من ذلك، وقالوا إن قلب الأسد إذا قطع ثلاثة أدوار لم يبق من حيوان الارض شئ متحرك إلا تلف وهلك وإذا استتم أدواره تحللت أمر الفلك، فأمر الملك بقطع الاساطين العظام وبنشر البلاطات الهائلة واستخراج الرصاص من أرض المغرب، وإحدار الصخور من ناحية اسوان وكانت سوداء عظاما تساق في العجل، فجعل منها آساس الاهرام الثلاثة الشرقي والغربي والملون وجميعه من الحجر الملون الأسود والأبيض.
وقيل كانت لهم صحائف من خواص اشياء وعليها كتابات، فاذا قطع الحجر وتم احكامه وضعوا عليه تلك الاشياء وضربوه فيغدو بتلك الضربة ما يغيب به عنهم ثم يعاودون ذلك حتى يصل.
أخبار الزمان م (١١)
стр. 157
فوضعت آساس الاهرام بالدهشور منها الهرم الشرقي والهرم الغربي والهرم الملون.
وكانوا يمدون البلاطة ويجعلون في وسطها قضيب حديد قائم، ثم يركبون عليها بلاطة اخرى مثقوبة الوسط، فيدخل ذلك في ذلك الثقب، ثم يذاب الرصاص ويصب حول البلاطة وفي الثقب بهندمة واتقان بعد تأليف ما فيها من النقوش والكتابة والصور، حتى بلغوها من ذلك الى ما يحار فيه الوهم، وجعل ابوابها تحت الأرض بأربعين ذراعا في آزاج مبنية بالرصاص والحجارة، طول كل أزج منها مائة وخمسون ذراعا.
فأما باب الهرم الشرقي، فإنه من الناحية الشرقية على مقدار مائة ذراع من وسط حائط الهرم.
وأما باب الهرم الغربي فمن الناحية الغربية، وهو ايضا على قياس مائة ذراع من وسط الحائط، حتى تنزل الى باب الأزج المبني فتدخل منه.
وأما باب الهرم الملون بلونين من الحجارة فمن الناحية الجنوبية يقاس أيضاً من وسط الحائط الجنوبي مائة ذراع، ويحفر حتى يوصل الى باب الأزج والمبنى له، ويدخل منه إلى باب الهرم، وجعل طول كل واحد منهما في الهوى مائة ذراع بالذراع الملكي، وهو خمسمائة ذراع عندنا بذراعنا اليوم، وجعل ضلع كل واحد من جهاته مائة ذراع ورفعها في الاستواء حتى بلغ أربعين ذراعا فوق الأرض، ثم هندمها من كل جانب حتى تحددت أعاليها عند آخر طولها.
وكان ابتداؤهم لبنائها في وقت سعد اجتمعوا عليه وتخيروه، فلما فرغ منها كساها ديباجاً ملوناً من فوقها إلى أسفلها، وعمل لها عيداً لم يبق في المملكة أحد إلا حضره.
стр. 158
ثم أمر بعمل ثلاثين مخزناً بنيت من حجارة صوان ملونة في الهرم الغربي، وملئت بآلات الزبرجد والتماثيل المعمولة من الجواهر الغالية، والطلسمات الغريبة، وآلات الحديد الفاخر والسلاح الذي لا يصدأ، والزجاج الذي يطوى فينطوي ولا ينكسر، وأصناف العقاقير المفردات والمؤلفات، والسموم القاتلات وغير ذلك مما يطول وصفه، ولا يدرك عده.
ونقل إلى الهرم الآخر وهو الشرقي أصنام الكواكب والقباب الفلكية، وما عمل أجداده من التماثيل والدخن الذي يتقرب بها إليها ومصاحفها، وما عمل لها من التواريخ والحوادث التي مضت والأوقات التي تحدث منها ما ينتظر، وذكر من يلي مصر إلى آخر الزمان، وكون أدوار الكواكب الثابتة وما يحدث في دورانها وقتاً وقتاً، وجعل فيها المطاهر التي فيها المياه المدبرات وما أشبه ذلك من هذه الأشياء.
وجعل في الهرم أجساد الكهنة في توابيت صوان أسود، ومع كل كاهن مصحف فيه عجائب صنعته وعمله وسيرته وما عمل في وقته.
وكانوا على مراتب المرتبة الأولى القاطرون (١) وهم الذين تعبدوا للكواكب السبعة لكل كوكب سبع سنين، ومعنى القاطر عندهم جامع العلم.
والمرتبة الثانية لمن تعبد لستة وله أيضاً اسم، والمرتبة الثالثة لمن تعبد لخمسة، والمرتبة الرابعة لمن تعبد لاربعة، والمرتبة الخامسة لمن تعبد لثلاثة، والمرتبة السادسة لمن تعبد لاثنين والمرتبة السابعة لمن تعبد لواحد (٢) ولكل واحد من أصحاب المراتب السبعة اسم يعرف به.
وجعل في جهة من الهرم مرتبة من هذه المراتب في توابيتهم، وجعل مع
стр. 159
أجسادهم مصاحفهم كتبوها في ورق الذهب، ذكروا فيها جميع ما كان وما يكون وما قد عملوه من العجائب، وجعل في الحيطان من كل جانب كما تدور أصناماً تعمل بأيديها جميع الصناعات، على مراتبها وأقدارها وصفة كل صنعة وعلاجها، وما يصلح لها.
وكتب مزبورا على الصور جميع علاجات الأشياء كلها، وعلم النواميس، وعلم كل علم ثم جعل فيها أموال الكواكب التي أهديت إليها، وأموال الكهنة وقدر ذلك لا يحصى عدداً ولا وزنا.
وجعل لكل هرم منها خازناً، فصاحب الهرم الشرقي صنم مجزع من جزع أسد وأبيض له عينان مفتوحتان براقتان، وهو جالس على كرسي، ومعه شبه الحربة إذا نظر اليه ناظر سمع من جهته صوت يكاد ينزع قلبه فيهيم على وجهه ويختلس عقله، ولا يكاد يفارقه الهم حتى يموت منه.
وجعل خازن الهرم الغربي صنماً من حجر صوان مجزعاً واقفاً معه شبه الحربة على رأسه حية مطوقة، من قرب منه وثبت اليه من ناحية قصده، فتطوقت على عنقه فقتلته ثم عادت إلى رأس الصنم.
وجعل خازن الهرم الملون صنماً صغيراً من حجر البهت على قاعدة منه قائماً، من نظر إليه اجتذبه الصنم حتى يلصق به، فلا يفارقه حتى يموت.
فلما فرغ من ذلك ضمدها بالأرواح الروحانية، وذبح لها الذبائح لتمنع من أنفسها من أراد الوصول إليها، إلا من قرب لها وعمل لها باعمال الوصول.
وذكرت القبط أن عليها كتاباً منقوشاً تفسيره بالعربية " أنا سوريد الملك الملك، بنيت هذه الأهرام في وقت كذا من الزمان، وأتممت بنيانها في ست سنين، فمن أتى بعدي، وزعم أنه ملك مثلي فليهدمها في ستين سنة، وقد
علم أن الهدم أيسر من البنيان، وإني قد كسوتها بالديباج فليكسها من أتى بعدي حصيراً! "
стр. 160
فوجدوا أنه لا يقوم بهدمها شئ في الأزمان الطوال، وأن كسوتها أيضا بالديباج مما يشق على الملك، ويتعذر إلا بفساد عظيم، وبما لم يكن [فيه] صلاح.
فمنها أن الرشيد لما دخل مصر، فرأى الاهرام أحب أن يهدم بعضها ليعلم ما فيه، فقيل له إنك لا تقدر على ذلك، فقال لابد من فتح شئ منه ففتحت الثلمة المفتوحة بنار توقد وخل يرش ومجانيق يرمى بها وحدادين يعملون ما فسد منها وأنفق عليها مالاً عظيماً فوجدوا عرض الحائط قريبا من عشرين ذراعاً، فلما انتهوا إلى آخر الحائط وجدوا خلف النقب مطهرة خضراء فيها ذهب مضروب وزن كل دينار أوقية من أواقينا، وكان عددها ألف دينار فعجبوا من ذلك ولم يعرفوا معناه، فأخبروا بذلك الرشيد، وأتوه بالذهب والمطهرة فجعل يعجب من ذلك الذهب، ومن جودته وحسنه وحمرته، ثم قال ارفعوا إلي حساب ما أنفقتموه على هذه الثلمة ففعل ذلك فوجدوه بأزاء ذلك الذهب الذي أصابوه لا يزيد ولا ينقص، فعجب من معرفتهم بذلك على طول المدة، وأنهم يستفتحونه من ذلك الموضع بعينه وعجب من معرفتهم بقدر ما ينفق عليه، ومن تركهم ما يوازي في الموضع، عجباً شديداً كأن لهؤلاء القوم من العلوم منزلة لا نوازيها ولا ندركها نحن ولا أمثالنا.
وقيل ان المطهرة التي وجد فيها المال كانت من زبرجد، فأمر بحملها إلى خزائنه وكانت أحد ما حمله من عجائب مصر.
ومن عجائبها وما يستغرب منها أن الرشيد لما فتح تلك الثلمة من الهرم أقام الناس سنين يقصدونه ويدخلونه، وينزلون فيه من الزلاقة التي فيه، فمنهم من يسلم، ومنهم من يهلك، وأن جماعة من الأحداث اتفقوا وكانوا عشرين
стр. 161
رجلاً على أن يدخلوا الهرم، ولا يبرحوا منه إلى أن يصلوا إلى منتهى آخره أو يموتوا عن آخرهم فيه.
فأخذوا معهم من الطعام والشراب ما يكفيهم لشهرين، وأخذوا الاكل والوقيد والشمع والحبال والفؤوس، وما احتاجوه من الآلات والحديد للحفر، دخلوا الهرم ونزل أكثرهم في الزلاقة الأولى والثانية، ومضوا يمشون في أرض الهرم، فرأوا خفافيش على قدر العقبان تضرب وجوههم، وانتهوا الى ثقب تخرج منه ريح باردة ولا تفتر، فذهبوا ليدخلوه فانطفأت مسارجهم، فذهبوا ليدخلوه فاذا الثقب على قاعة كبيرة فارغة، فعلموا أن أجساد موتاهم في ذلك الموضع، وأن معها كنوزهم وأموالهم، فراموا أن ينزلوه فلم يستطيعوا على ذلك.
فقال أحدهم: شدوني بالحبال، وانزلوني في هذا الثقب حتى أصل إلى قعر هذه القاعة، ولعلي أعلم منها بعض ما تريدون، ففعل القوم بصاحبهم ذلك، وشدوا الحبال في وسطه وتعجم الثقب فأبطأ فيه، وهم يمسكون الحبال حتى انطبق الثقب عليه، فجذبه أصحابه بجهدهم وقوتهم فلم يقدروا على نزعه وسمعوا عظامه تتكسر وسمعوا صيحة هائلة سقطوا منها على وجوههم لا يعقلون، فقاموا وطلبوا الخروج، وضاق بهم الأمر وصعدوا فسقط بعضهم من الزلاقة عند صعودهم، فترك وهلك.
وخرج من بقي منهم من جميع الهرم، وجلسوا في صيحة متعجبين،
فبينما هم كذلك إذ اخرجت لهم الأرض صاحبهم من بين أيديهم حياً يتكلم بكلام كاهني لم يفهموا معناه، فسره لهم بعض أصحاب الدرايات بالصعيد بأنه " هذا جزاء من طلب ما ليس له " ثم سقط ميتاً فحملوه، وفطن بهم فأخذوا وحملوا الى الوالي، فحدثوا عن أنفسهم ذلك.
стр. 162
وفي حديث آخر أن قوماً دخلوا الهرم وانتهوا إلى أسفله وطافوه فعرض لهم مثل الطريق، فساروا فيه فوجدوا كالمطهرة يقطر منها ماء يسير ثم يفيض فلم يدروا ما هو، ثم وجدوا موضعاً كالمجلس المربع حيطانه من حجارة مربعة ملونة عجيبة صغار في نهاية من الحسن، فقلع أحدهم منها حجراً وجعله في فيه.
فانسدت أذنه من الريح، ولم يزل يتصبر وهو معهم حتى دخلوا مكانا فيه كالقوارة العظيمة فيها ذهب مضروب كثير، أعمدته كلها في غاية من الاتقان زنة كل واحد منها الف دينار، فأخذوا منها واحداً، فلم يقدروا أن يتحركوا، ولا ان يمشوا حتى تركوه من أيديهم، ولم يصلوا منه إلى شئ.
ووجدوا في مكان آخر كالصفة فيها صورة شيخ من صنم أخضر، مشتمل شملة، وبين يديه تماثيل صغار في صورة الصبيان وكأنه يعلمهم، فأخذوا منها واحداً فلم يقدروا أن يتحركوا.
وساروا أيضاً في تلك الطريق، فوجدوا بيتاً مسدوداً فيه دوي هائل وزمزمة، فلم يتعرضوا له، ومضوا فوجدوا مثل المجلس المربع فيه صورة ديك من جواهر قائم على اسطوانة خضراء، وله عينان يسرج المجلس منها، فلما دنوا منه صوّت بصوت مفزع، وخفق بجناحيه، فتركوه ومضوا حتى وصلوا إلى صنم من حجر أبيض في صورة امرأة منكسة الرأس، وعن
جانبيها أسدان من حجارة كأنهما يريدان أن يلتقماهما، فجعلوا يتعوذون ويقرأون إلى أن تجاوزوهما، وساروا إلى أن لاح لهم نور ساطع، فاتبعوه فإذا هم بهوة مفتوحة، فخرجوا منها، فاذا هم في الصحراء.
وإذا على باب الهوة تمثالا [ن] من حجر أسود معهما كالمزراقين، فعجبوا
стр. 163
من ذلك ووجدوا شبه الطريق فساروا عليه يوما كلاما إلى أن وصلوا إلى الأهرام من خارج.
وكان ذلك في زمان يزيد بن عبد الله والي مصر فأخبروه بذلك فاستعد ووجه معهم من يدخل الهوة فأطافوا أياماً فلم يجدوها، وأشكل عليهم أمرها، ولم يكن لهم إليها سبيل ولا وجدوا فيها حيلة، والذي أخرج ذلك وحده جوهرة نفيسة باعها بمال خطير.
وذكر أن قوماً في وقت أحمد بن طولون دخلوا الهرم فوجدوا في طاق من أحد بيوته أشنانة زجاج فأخذوها وخرجوا بها فافتقدوا رجلاً منهم فدخلوا في طلبه إذ خرج عليهم عرياناً يضحك ويقول " لا تتعبوا في طلبي " ورجع هارباً إلى داخل الهرم، فعلموا أن الجن قد استهوته وشاع أمرهم.
وقيل إن أحدهم سعى بهم فأخذ الاشنانة منهم، ومنع الناس من دخول الهرم، وأنهم وزنوا ذلك الأشنان فوجدوا فيه سبعة أرطال من زجاج أبيض صاف، فانتبه رجل من أهل المعرفة، وقال لم تتخذ الملوك هذه لباطل وما عملت إلا لشئ، ثم ملأ الأشنان بالماء ثم وزنه فوجده ملاءً مثل وزنه فارغا لا ينقص ولا يزيد.
وحكي أن قوماً دخلوا الهرم ومعهم غلام يعبثون به، فخرج عليهم غلام أسود في يده عصى، فأخذ يضربهم ضرباً وجيعاً فخرجوا هاربين
وتركوا طعامهم وشرابهم وبعض ثيابهم، وقد أصاب قوم في بربا اخميم مثل ذلك.
وحكي أن رجلاً وامرأة دخلا للفجور فصرعا جميعاً فلم يزالا مصحوبين مشهورين الى أن ماتا.
وفي بعض مصاحف القبط أن سوريد الملك لما أخبره كهنته بخبر النار المحرقة، التي تخرج من برج الأسد فتحرق العالم فعمل في الاهرم مسارب
стр. 164
يدخل منها النيل الى مكان يعنيه ثم يفيض الى موضع من أرض العرب وأرض الصعيد، وملأ تلك عجائب وطلسمات وأصناماً تنطق.
وحكي بعض القبط أن سوريد الملك لما أخبره منجموه بما أخبروه قال انظروا بلدنا هذا هل تلحقه آفة؟ فنظروا وقالوا يلحقه طوفان يأتي على أكثره، ويلحقه خراب يقيم فيه عدة سنين، ثم يغلب عليها العمران.
قال وكيف يكون خرابها؟ قال يقصدها ملك يقتل أهلها ويغنم مالها، قال ثم ماذا؟ قالوا يكون عمارتها [على يد] من قتله قال ثم ماذا؟ قالوا يقصدها قوم مشوهون من ناحية النيل فيملكون أكثرها قال ثم ماذا؟ قالوا انقطع نيلها وتخلو من أهلها، فأمر أن يكتب ذلك ويزبر على الاهرام والاسطوانات والحجارة العظيمة.
وذكر رجل من أهل المغرب ممن يختلف الى الواحات، ويحمل الاسماك إلى الواحات على جمل له أنه بات قرب الهرم، فما زال يسمع الضوضاء والغطغطة فهاله ذلك، وتباعد عن الهرم بجمله ذلك، فكان يرى حول الهرم شبه النيران تتألق، فلم يزل مذعوراً إلى أن غلبته عيناه فنام، فلما أصبح في الموضع الذي فيه السمك رأى سماكاً آخر بحياله موضوعاً فعجب من ذلك
وشد سمكه على جمله وكر راجعاً إلى الفسطاط، وحلف أن لا يقرب من الهرم بعد ذلك.
وأما البرابي فلها أخبار يطول ذكرها وشرحها، وتحكي القبط في أمور الروحانيين الغالبين على الاهرام والبرابي.
فذكروا أن روحاني الهرم الجنوبي في صورة امرأة عريانة مكشوفة الفرج حسناء لها ذؤابتان فإذا أردات أن تستهوي الانسان ضحكت في وجهه واجتلبته الى نفسها فيدنو اليها فتستهويه ويزول عقله ويهيم.
стр. 165
وقد رأى جماعة هذه المرأة تدور حول الهرم وقت القائلة، وعند غروب الشمس.
وروحاني الهرم الآخر غلام أمرد أصفر عريان له ذؤابتان، وقد رأوه أيضاً [بعد المغرب] (١) مراراً يطوف حوله.
وروحاني الهرم الملون في صورة شيخ نوتي عليه قرطلة (٢) ، وفي يديه مجمر من مجامر الطاس وهو يبخره وكذلك في جميع الأبرونيات.
وأما بربا أخميم فمعروف عند أهلها ان روحانيها غلام أسود عريان.
وروحاني بربا سميرا هو في صورة شيخ أدم طوال أشيب صغير اللحية.
وأما بربا قفط فروحانيته في صورة جارية سوداء، تحمل صبياً أسود صغيراً.
وأما بربا دنونية فروحانيته في صورة إنسان رأسه رأس أسد وله قرنان.
وأما بربا بوصير فهو في صورة شيخ أبيض عليه زي الرهبان، ومعه مصحف يحمله.
وأما بربا عدنا فروحانيته في صورة راع عليه كساء ومعه عصا.
ولأهرام دهشور روحانيون يراهم من قرب منها من نواحيها، على طول الأيام، ولكلها قرابين وبخور يظهر بها كنوزها، وتؤلف بين الناس وبين الروحانيين الذين بها.
فأقام سوريد مائة سنة وسبع سنين، وقد كان كهانه عرفوه الوقت الذي يموت فيه، فأوصى إلى ابنه هو جيف (٣) وعرفه بما احتاج إليه وأمره أن يدخل جسده الهرم ويجعله في الجرن الذي قد اعده لنفسه ويغشيه بكافور، ويحمل معه ما اعد من فاخر المتاع ومن السلاح والآلات، فامتثل هوجيت (٤) جميع ما امره به.
стр. 166
وتولى أمر الملك بعده أبنه هوجيت الملك فسار سيرة أبيه في العمارة والعدل والرقة والرأفة بالناس فأحبوه.
وبنى الهرم الأول من أهرام دهشور، وحمل إليه كثيراً من الأموال والجوهر، وكان غرضه جمع المال وعمل الكيمياء وإخراج المعادن ودفن كل ما تهيأ له من الكنوز في كل سنة.
وكانت له قصة مع بعض جواريه (١) فنفاها إلى ناحية الغرب، وأمر فبنيت لها هناك مدينة وأمر أن يقام فيها علم ويزبر عليها اسمها وقصتها، وأسكن معها كل امرأة مسنة من أهل بيته.
وشج في أيامه رجل رجلاً فامر بقطع أصابعه، وسرق سارق مالاً لرجل فملك رقه للذي سرق منه.
وعمل منارات ومصانع وطلسمات، وملكهم تسعاً وتسعين سنة ومات.
وملك عليهم ابنه مناوس الملك، وكان جباراً عظيماً وعذابا أليما (٢) فآذى الناس، وسفك الدماء، واغتصب النساء، واستخرج كنوز بابل، وبنى قصوراً بذهب وفضة، وفجر فيها الانهار، وجعل حباءها من صنوف الجواهر وتمخرق في الهبات على غير ما يجب، وأغفل العمارات.
وأباح أصحابه غصب نساء العامة، وكان هو يفتض النساء قبل أزواجهن، وأطاف به أهل الشر من كل ناحية، فأبغضه الناس وكرهوا أيامه.
وامتنع عليه قوم في شئ أمرهم به فأحرقهم بالنار، وسلط رجلاً من الجبارين يقال له قرناس من ولد إدريس بن آدم على محاربة الامم القريبة في الماء فقتل منهم عالماً كثيراً وحده.
стр. 167
وكان أشجع اهل زمانه، ثم هلك فاغتم عليه الملك، وأمر أن يدفن مع الملوك في الهرم، ويقال بل عمل له وأقام عنده أعلاماً، وزبر عليه اسمه وما عمل في وقته من الحروب.
وأقام مناوس ملكا ثلاثا وسبعين سنة، ومات وجعل في الهرم مع أجداده في حوض من صوان أبيض مصفح بالذهب والجوهر، وجعل معه كثير (١) من ذخائره وأمواله وعجائبه.
وملك عليهم ابنه افراوس (٢) الملك، وكان عالماً محنكاً فخالف أباه في فعله، وعدل في الناس ورد النساء اللاتي غصبهن أبوه إلى أزواجهن.
وعمل في وقته قبة طولها خمسون ذراعاً وعرضها مائة ذراع، وركب في
جوانبها أطياراً تصفر بأصناف الأصوات المطربة لا تفتر، وعمل في وسط المدينة مناراً من صفر عليه صورة رأس إنسان من صفر كلما مضت ساعة من الليل والنهار صاح ذلك الرأس فيعلم بصياحه دخول ساعة ويعرف من كل سمعه عدة الساعات.
وجعل مناراً آخر وجعل فيه قبة من صفر مذهب ولطخه بلطوخات، فاذا غربت الشمس اشتعلت تلك القبة نورا فيضئ لها كثيراً من المدينة مشبهاً بالنار لا تطفيها الرياح، ولا الأمطار، فاذا كان النهار قل ضوؤها لنور الشمس.
ويقال إنه أهدى الى الدرمشيل الملك ببابل مدهنة من زبرجد قدر خمسة أشبار، وكان استهداه ذلك ليجعلها في بيت القربان.
ويقال انها وجدت بعد الطوفان، ويقال إنه عمل في الجبل الشرقي صنماً عظيماً قائماً على قاعدة مصبوغاً بلطوخ أصفر مموه بالذهب وجهه إلى الشمس
стр. 168
يدور معها الى أن تغرب في الغرب ثم يدور ليلاً حتى يحاذي الشمس مع الصبح.
ويقال إن أفروسا كان يطلب الولد في وقته فنكح ثلاثمائة امرأة يبتغي أن يولد له منهن فلم يكن ذلك.
ويقال إن في وقته عقمت أرحام النساء والبهائم، ووقع الموت لما كان الله عزوجل قدره من هلاك العالم بالطوفان.
وقيل إن الأُسد كثرت في وقته حتى كادت ان تدخل البيوت، فاحتالوا لها بالطلسمات المانعة والحيل المضرة بها، وكانت تغيب شيئاً وتعود، فرفعوا
ذلك الى الملك وقالوا هذه علامة مكروهة، فأمر أن يعمل لها أخاديد وتملأ ناراً وجلبوا اليها الأسد بالدخن التي تجذب روحانيتها اليها، وألقوها على النيران فاحترقت.
وبنى في وقته مدائن في ناحية الغرب تلفت في الطوفان مع أكثر مدنهم، وارتفعث الأمطار عنهم، وقل الماء في النيل فأجدبوا وهلكت الزروع بالحر والريح الحارة وغير ذلك، فأضر ذلك بهم فاحتالوا لدفع النار بطلسماتهم، وكانت تذهب ثم تعود.
وقيل ان الذي فعل ذلك بهم ساحر من سحرتهم كان مناوس قد غصب امرأته فاعمل الحيلة قليلاً قليلاً في افساد طلسماتهم، لأن لكل طلسم شيئاً يقوي روحانيته وشيئاً آخر يفسدها.
ولهذه العلة دخل بخت نصر الفارسي مصر، وكانت ممتنعة من جميع الملوك فلما أفسد الساحر طلسماتهم سلط عليهم تلك الآفات وأفسد طلسم التماسيح فهاجت عليهم ومنعتهم الماء، وعذبتهم عذاباً كثيراً الى أن فطنوا به من قبل تلاميذه.
стр. 169
وذلك أن بعض تلاميذه لامه على ما يفعل من المضرة بقومه، فانتهره ونفخ في وجهه، فأظلم عليه بصره فرفع التلميذ أمره الى وزير الملك، فعرف الوزير الملك بالأمر، فأمر الملك بادخال التلميذ اليه، فدخل وعرفه بصورة الحال، فأنفذ الملك الى الساحر جيشاً لياتوه به، فلما نظر الساحر الى القوم مقبلين اليه دخن بدخنة أغشت أبصارهم، وارتفعت منها عجاجة صارت ناراَ مضرمة حالت بينهم وبين الساحر، فهالهم أمره وخافوا على أنفسهم منه فرجعوا الى ملكهم، وعرفوه بما جرى، فأمر الملك باحضار جميع السحرة.
وكان رسم السحرة عندهم أن يعاهدوا ملوكهم على أن يكونوا أبداً معهم ولا يخالفوهم ولا يقصدوهم بمكروه ولا يبغونهم الغوائل، فمن فعل ذلك منهم سلب منزلته وما يملكه، وكان للملك أن يسفك دمه ودم أهل بيته، وكانوا مع الملوك على هذه الحالة، وكانوا مع ذلك يوفون بعهدهم ولا ينقضون شيئاً من عهدهم.
فلما اجتمع السحرة عند الملك أخبرهم خبر الساحر، وكان يقال له أجناس وما فعله من الفساد ونقضه للعهد، وقال لهم إن لم تحضروه أهلكت جميعكم، فسألوه النظر في الأمر، فأخذ أولادهم ونساءهم رهائن بذلك وأنظرهم.
فلما خرجوا من عنده تكلموا بينهم وقالوا إنكم تعلمون كثرة علم أجناس وشدة سحره، وانا ما لنا به طاقة، ومناوس الملك هو الذي نقض عهده، وتعدى عليه وغصبه امرأته، فينبغي لنا أن نخلص أنفسنا منه، فأجمعوا أمرهم على أن ينصرفوا إلى الملك واستأذنوه في الذهاب إليه ومداراته وتوبيخه والرفق به حتى يأتوا به الملك بأمان يأخذونه له منه، فيجدد العهد بينه وبين الملك، ففعلوا ذلك وأجابهم الملك إلى ما سألوه من ذلك، ثم مضوا إلى أجناس ولطفوا به، وقالوا له إنا ما نجهل حقك وعظم أمرك وإنا بقدرك
стр. 170
وكثرة علمك عارفون، ولم يكن في قدر الجناية التي جنت عليك قدر ما فعلته من الأضرار بأهل بلدك الذي أنت منهم، ولا في الواجب أن تهلك عالماً كثيراً من الناس لجناية جناها عليك مناوس، ولا يجب على ملكنا وملك اليوم الذي عهده لازم لنا ولك من فعل أبيه بك وبسواك عقوبة.
ولسنا نأمن أن تسلب علمك وتصير إلى أقبح عملك، فتهلك مذموماً وتمضي غير مفقود، فلم يزالوا به حتى أجابهم إلى ما أرادوه، وكتبوا بذلك
إلى الملك فكتب له أماناً وجدد له عهداً ورجع إلى ما كان من طاعة الملك وحسن رأيه فيه.
وردت إليه امرأته فأكرمها وردها إلى قصر الملك وعرفهم أنه لا يرى في دينه أن يلامس امرأة لامسها الملك على حال من الأحوال، لما كانوا يرعون من طاعة الملوك ويعظمون من حقوقهم، فسر الناس بذلك وعجبوا من عقله وحكمه وصلح الملك والناس وعمل لهم أجناس هذا عجائب وطلسمات كثيرة.
وملكهم افراؤس أربعاً وستين سنة، وهلك وليس له ولد ولا أخ، فدفن في الهرم وجعلت معه أمواله وذخائره وجوهره والصنائع التي عملت في وقته.
واجتمع الناس على تمليك رجل من أهل المملكة يقال له ارمافيوس (١) فلما ملك أمر بجمع الناس إليه، فلما اجتمعوا بين بديه قال لهم: إني أرى من حولكم من الأمم مسارعة إليكم وغالبة على عداوتكم وأنا مانع بلدكم منهم وحام دياركم ودماءكم وقد تطرفت نواحيكم ويوشك أن تسير إليكم وأنا أريد
стр. 171
منعهم بعدوهم وأقصدهم في بلادهم وتخويلكم إياهم، فأحتاج إلى معرفة حكمائكم بالأعمال الهائلة والتماثيل العجيبة فشكروه ودعوا له بالتوفيق والسعادة الكاملة، وقالت الحكماء: نحن نخرج مع الملك ونبلغه محابه فيما يريده من أعدائه، ونحن نخدم الجيش مكانه، ونبذل أنفسنا دونه، فشرع في ذلك.
وخرج في جيش عظيم، وحارب تلك الامم، فنكاهم نكاية شديدة، ورجع غانماً، وخلف في وجوهها جيشاً، فتألفت تلك الأمم على ذلك الجيش
من كل جانب فهزمته، ورجع أصحابه مغلوبين فغاظه ذلك.
وقد كان أصابته علة في سفره من تغير الأهوية وتبديل الماء، فأنفذ ابن عم له يقال له فرعان بن ميسون، وكان أحد الجبابرة الذين لا يطاقون وهو أول فرعون تسمى بهذا الاسم، وتسمى به بعده من تشبه به.
وقال أصحاب التاريخ من أهل مصر، ان أول من تسمى بفرعون غلام الوليد ابن دمع العماليقي، يقال له فرعون كان قد هرب من مولاه لما رجع من طلب النيل، وبنى المدينة التي يقال لها مدينة العقاب وتحصن بها، فقيل له فرعون وسنذكر خبره في موضعه.
فانفذ الملك ابن عمه فرعان في جيش عظيم، فأجلى تلك الأمم ونفاها إلى أطراف البحر وكر راجعاً ومعه رؤس كثيرة وخلق كثير أسارى.
فأمر الملك بنصب الرؤس حول المدينة، وقتل من صلح للقتل، وكان فيهم كاهن منهم فأمر أن ينشر بمنشار، وهو أول من فعل ذلك.
وأعظم الملك ابن عمه فرعان وأكرمه وألبسه حللا منظومة بالجوهر، وأمر أن يطاف به ويذكر فضله، ثم أنزله في بعض قصوره.
وأن امرأة من نساء الملك عزيزة عليه عشقت فرعان، فأرسلت اليه
стр. 172
تدعوه الى نفسها فامتنع من ذلك خوفاً من الملك، ولأن التخطي كان عندهم إلى نساء الملك عظيما.
فلما طال عليها شوقها اليه أحضرت امرأة ساحرة من نساء الكهنة ولا طفتها حتى أنست بها، فذكرت أمر فرعان وما تجده من سببه وامتناعه عليها، فضمنت لها بلوغ محبتها منه، فسحرته بدخن كان عندها عملته له حتى اهتاج اليها وقدم على ودها وسهل عليه ما صعب من أمره، ودست اليه
فأجابها واجتمع بها وتمكن حب كل واحد منهما من صاحبه، ودام الأمر بينهما وتمادى الانس إلى أن ذاكرته أمر الملك وأنها لا تأمن أن يصل خبرهما به فيهلكا، وقالت له اعمل الحيلة في قتله، وأنت ابن عمه فيكون [لك] الملك من بعده ونأمن على أنفسنا، فلشدة حبه لها استحسن ذلك واستدعى بسم فدفعه اليها، فدسته في شراب الملك فمات لوقته، ودفن في الهرم مع الملوك.
وجلس فرعان الملك على سرير الملك، ولبس التاج ولم ينازعه أحد، وفرح الناس بمكانه لما كان عليه من الشدة والجرأة.
وأن فرعان علا في الأرض وتجبر، وهو الذي كان الطوفان في وقته، وغصب الناس أموالهم وعمل في طريق الظلم ما لم يعمله أحد، وأسرف في القتل وامتثل أصحابه فعله، فهابته الملوك، وأقروا له، وهو الذي كتب إلى الدرمشيل بن يمحويل ملك بابل يشير عليه بقتل نوح ﵇.
وذلك أن الدرمشيل كتب الى الآفاق يستعلم أهلها هل يعرفون آلهة غير الأصنام؟ ويذكر قصة نوح ﵇، وأنه يريد تغيير ما هم عليه من عبادة الأصنام، ويزعم أن له إلهاً غيرها لا يرى فكل أنكر ذلك.
أخبار الزمان - م (١٢)
стр. 173
ولما أخذ نوح ﵇ في عمل السفينة كتب فرعان يأمره بقتل نوح وحرقها فأشار عليه بعض وزرائه ان لا يفعل وأن يدعها فان كان ما ذكره نوح حقاً ركبها الملك واهل بيته فقبل رأيه وتركها وهم بقتل نوح فمنعه الله منه.
وكان عند أهل مصر علم الطوفان، ولم يقدروا كثرته ولا طول مقامه على وجه الأرض، فاتخذوا السراديب تحت الأرض وصفحوها بالزجاج
وحبسوا الريح فيها بتدبيرهم، وأتخذ الملك فيلمون رأس الكهنة مع نفسه، عدة له ولأهل بيته.
وقد كان فرعان أقصى الكهان وباعدهم، فرأى فيلمون الكاهن ليلة في منامه كأن مدينة أمسوس قد انقلبت (١) بأهلها وكأن الاصنام قد انقلبت (١) على وجوهها وكأن ناسا من السماء ينزلون ومعهم مقامع يضربون بها الناس، وكأنه تعلق بأحدهم، وقال لهم: لاي شئ تفعلون بالناس ولا ترحمونهم؟ قال: لانهم كفروا بإلههم بالذي خلقهم، قال: أما لهم خلاص؟ قال: نعم من أراد الخلاص فعليه بصاحب السفينة.
فانتبه مرعوبا وقام حيرانا لا يدرى ما يصنع، وكان له امرأة وولدان ذكر واثنى وسبع تلاميذ فأجمع على أن يلحق بنوح ﵇.
ثم نام أيضاً فرأى في نومه كأنه في روضة خضراء، وكأن فيها طيوراً بيضاء يفوح منها رياح المسك، وكأنه كان يعجب من حسنها، إذ تكلم بعض الطيور فقال سيروا بنا لعلنا ننجو مع المؤمنين، فقال له ومن هم المؤمنون؟ قال أصحاب السفينة.
فانتبه مرعوبا واخبر أهله وتلاميذه بذلك واستكتمهم إياه ثم نظر في تخفيف اثقاله، وفي بيع ما يجب بيعه مستتراً بذلك كله.
стр. 174
فلما فرغ مما أراده دخل على الملك وقال له إن رأى الملك أن ينفذني إلى الدرمشيل لأرى هذا الرجل الذي عمل السفينة وأناظره وأجادله على ما جاء به من هذا الدين لذي يظهره، وأتبين حقيقة أمره فليفعل، فعسى أن يكون سبب هلاكه ودفعه عما يدعيه، فأعجب الملك منه وأمره بالخروج،
وكتب معه إلى الدرمشيل.
فسار فيلمون بأهله وولده ومضى معه تلاميذه حتى انتهوا الى أرض بابل فقصد نوحاً فأخبره بما قصده، وسأله أن يشرح له دينه ففعل نوح ﵇ ذلك، فآمن به فيلمون وجميع من معه، ولم يقصد فيلمون إلى الدرمشيل ولم يدفع إليه كتاب فرعان ولا رآه.
فقال نوح ﵇ " من أراد الله به خيراً لم يصرف عنه ذلك " فلم يزل الكاهن مع نوح ﵇ يخدمه هو وتلاميذه وولده إلى ان ركبوا السفينة.
وأقام فرعان الملك متمكناً في ضلاله وظلمه، مدمناً على لهوه وقد استخف بالهياكل، فضاقت أرضهم بها، وكثر الظلم والهرج وفسدت الزروع واجدبت الأرض من كل ناحية، وظلم الناس بعضهم بعضاً، ولم ينكر ذلك عليهم، وسدت الهياكل والبرابي وطبقت أبوابها، فجاءهم الطوفان وأقبل عليهم المطر في اربع وعشرين من الشهر.
وكان فرعان سكراناً فلم يقم إلا والماء قد عظم، فوثب مبادراً يريد الهرم فتخلخلت الأرض به، وسبق يريد الأبواب فخانته رجلاه وسقط على وجهه، وجعل يخور كما يخور الثور إلى أن أهلكه الطوفان ومن دخل منهم الأسراب مات بغمها (١) ولحق الماء من [أعلى] (٢) الاهرام إلى حد التربيع، وأثره ظاهر عليه إلى الآن.
стр. 175
وقد ذكر أن مواضع سلمت من الطوفان يذكر ذلك الفرس، وتزعم أنها
لا تعرف الطوفان، وكذلك الهند تزعم أنها لا تعرفه وليس بين أهل التاريخ اختلاف في عموم الطوفان لجميع الأرض.
ذكر ملوك مصر بعد الطوفان
أجمع اهل مصر (١) إن أول من ملك مصر بعد الطوفان مصرايم بن بيصر (٢) ابن حام بن نوح ﵇ وذلك بدعوة سبقت له من جده.
والسبب في ذلك إن فيلمون الكاهن سأل نوحاً أن يخلطه بأهله وولده، وقال له: يا نبي الله إنني تركت أهلي وولدي فاجعل لي رفقة أذكر بها بعد موتي، فزوج ﵇ مصرايم بن بيصر بن حام بنت فيلمون، فولدت له ولدا فسماه فيلمون باسم جده.
فلما أراد نوح ﵇ قسمة الأرض بين بنيه، قال له فيلمون: ابعث معي يا نبي الله ابني، حتى أمضي به الى بلدي وأظهره على كنوزه، وأوقفه على علومه وأفهمه رموزها، فبعثه مع جماعة من أهل بيته، وكان غلاماً مراهقاً.
فلما قرب من مصر بنى له عرشاً من أغصان الشجر، وستره بحشيش ثم بنى له بعد ذلك مدينة في الموضع بنفسه وسماها درمان (٣) أي باب الجنة وزرعوا وغرسوا الاشجار.
стр. 176
وكان بين درمان الى البحر زروع وأجنة وعمارة، وكان القوم الذين كانوا مع مصرايم جبابرة، فقطعوا الصخور وبنوا المصانع والمعالم، وأقاموا
في ارغد عيش.
ونكح مصرايم بنتاً من بنات الكهنة، فولدت له ولدا فسماه قبطيما، وتزوج بعد تسعين سنة من عمره مرأة أخرى فولدت له أربعة نفر: يقطويم، واشمون، وابريت، وصابي، فكثروا وعمروا الأرض وبورك لهم فيها.
وقيل ان عدد من كان مع مصرايم ثلاثون رجلاً من الجبابرة، فبنوا مدينة سموها ناقة، بلغتهم معناها ثلاثون، وهي مدينة منف.
وكشف فيلمون الكاهن لمصرايم عن كنوز مصر وعلمه قراءة خط البرابي وما زبر على الحجارة، وعرض عليهم معادن الذهب والفيروزج والزبرجد وغير ذلك، ووصف لهم عمل الصنعة فجعل الملك أمرها الى رجل يقال لسنطاس (١) ثقة من اهل بيته، فكان يعملها في الجبل الشرقي، فسمي الجبل به المقطم.
وعلمهم أيضاً عمل الطلسمات وكانت تخرج من البحر دواب وتفسد زروعهم، وما قارب البحر من جهاتهم فعملوا لها الطلاسم فغابت ولم تظهر بعد.
وبنوا على غير البحر مدناً منها رقوده بمكان الاسكندرية، وجعلوا وسطها قبة من نحاس مذهب والقبة مذهبة.
ونصبوا فوقها مرآة معموله من أخلاط شتى قطرها خمسة أشبار، وكان ارتفاع القبة من الأرض خمسمائة ذراع، فكانوا إذا قصدهم قاصديهم بأذاهم
стр. 177
من البحر عملوا لتلك المرآة عملا فألقت شعاعها إلى ذلك القاصد ومراكبه فأحرقتهم اجمعين، ولم تزل على حالها حتى غلب عليها البحر فهدمها.
ويقال ان منارة الاسكندرية إنما عملت تشبيها بها، وقد كانت أيضاً عليها مرآة يرى فيها من يقصدها من بلاد الروم، فاحتال عليها بعض الملوك، فوجه اليها من أزالها، وكانت من زجاجة مدبرة.
ولما حضرت مصرايم الوفاة عهد الى ابنه، وقد كان قسم أرض مصر بين بنيه فجعل نم قفط الى اسوان لقبطيم، وجعل لا شمون من أسوان الى منف، ولا بريت الحوف كله، ولصابي ناحية البحر إلى قرب برقة والغرب، فهو صاحب افريقية وولده الافارق، وأمر كل واححد من بنيه أن يبني مدينة لنفسه في موضعه وأمرهم عند موته أن يحفروا في الأرض سرباً ويفرشوه بالمرمر، ويدفنوه فيه ويدفنوا معه جميع ما في خزائنه من الذهب والفضة والجوهر.
ويزبروا على ذلك أسماء الله العظام المانعة من الحوادث.
فحفروا له سرباً، طولاً مائة وخمسون ذراعاً، وجعلوا في وسطه مجلسا مصحفا بصفائح الذهب، وجعلوا للمجلس أربعة أبواب على كل باب تمثال من ذهب عليه تاج مرصع بالجوهر، جالس على كرسي من ذهب قدامه آنية زبرجد، ونقشوا في صدر كل تمثال آيات مانعة، وأجلسوا جسده في مجلس زبرجد أخضر، وزبروا عليه " مات مصرايم بن بيصر بن حام بعد سبعمائة سنة مضت لايام الطوفان، مات ولم يعبد الأصنام، فصار الى حيث هو لا يوم هرم ولا سقم ولا حزن، وجعل جسده وماله في هذا السرب وحصنه باسماء الله العظام، وبما لا يصل اليه بعده إلا ملك له من جدوده سبعة ملوك يأتي في آخر الزمان، يدين للملك الديان، ويؤمن بالمبعوث بالقرآن، الداعي الى الايمان في عواقب الأزمان ".
стр. 178
وجعلوا معه في ذلك المجلس ألف قطعة من الزبرجد المخروط، وألف
تمثال من الجوهر النفيس، وألف برنية ذهب مملوءة درايق سماً، وألف آنية مملوءة بالصنعة الإلهية والعقاقير السرية، وجعلوا مع ذلك طلسمات عجيبة، وسبائك ذهب مكدسة بعضها على بعض، وسقفوا ذلك بالصخور العظام، وهالوا عليه التراب والرمال حتى سدوا ما بين جبلين متقابلين، وجعلوا عليه علامات لا تخفى.
وولي الملك بعده ابنه قبطيم الملك، ويقال إن القبط منسوبون اليه وهو أول من عمل العجائب، واثار المعادن، وشق الأنهار، ويقال انه [لحق] (١) البلبلة، وخرج منها بهذا اللسان القبطي، وعمل ما لم يعمله أبوه من العمارات، ونصب الاعلام والمنارات والعجائب والطلسمات.
وملكهم قبطيم ثمانين سنة، وهلك فاغتم عليه بنوه وأهله، ودفن في سرب تحت الجبل الكبير الداخل، وصفح بالمرمر الملون، وجعل فيه منافذ للريح فهي تتخرق فيه بدوي عظيم هائل، وجعل فيه كروس نحاس مطلية بأدوية تضئ أبداً كأنها سرج لا تطفأ، ولطخوا جسده بالمرمر والكافور والمومياء وجعلوه في جرن من ذهب وثياب منسوجة بالمرجان والدر، وكشفوا عن وجهه في جرنه تحت قبة على عمد من مرمر ملون وفي وسط القبة جوهرة معلقة تنير كالسراج، وبين كل عمودين تمثال في يده أعجوبة، وجعل تحت الجرن توابيت حجارة مملوءة جوهراً وذهباً وغير ذلك من التماثيل والصنعة، وحول ذلك مصاحف الحكمة، وسدوا عليه، وزبروا عليه كما زبروا على تابوت أبيه.
وتولى الأمر بعده ابنه قفطويم الملك، وكان أكبر ولد أبيه، وكان جبارا
стр. 179
عظيم الخلق، وهو الذي وضع أسرار الأهرام بالدهشور وغيرها، ليعمل ما عمله الأولون، وهو الذي بنى مدينة زرنده.
وهلكت عاد بالريح في آخر أيامه، وأثار من المعادن ما لم يثره أحد، وكان يجد الذهب على قدر الرحى والزبرجد مثل الاسطوانة، وغرس الا سارح في صحراء الغرب مثل النخلة.
وعمل من العجائب كثيراً، وعمل مناراً عالياً في جبل قفط يرى منه البحر الشرقي، ووجد هنالك معادن زئبق فعمل منه بركة عظيمة، فقيل إنها هناك الى اليوم.
وفي زمانه أثار ابليس وأعوانه الأصنام التي كان الطوفان أغرقها، وزينوا أمرها وعبادتها.
ويقال ان قفطويما بنى المدائن الداخلة، وعمل فيها عجائباً، منها الماء الملفوف القائم كالعمود ولا ينحل ولا يذوب ويسمى فلطيس، وصيادة الطير (١) اذا نصبها ومر عليها الطير سقط فيها ولم يقدر أن يبرح منها حتى يؤخذ.
وعمل بها أيضاً عموداً من نحاس عليه صورة طائر، فاذا قرب الوحش والأسد والحيات من المدينة صفر ذلك الطائر صفيراً عالياً، فترجع تلك الدواب هاربة.
وكان للمدينة أربعة أبواب جعل لها أربعة أصنام، على كل باب صنم من نحاس لا يعبر غريب الا ألقى عليه النوم والسبات، فينام عند الباب فلا يبرح نائماً حتى يأتيه أهل تلك المدينة، فينفخوا في وجهه فيقوم، فان لم يفعلوا ذلك لم يزل نائماً حتى يهلك.
وعمل مناراً لطيفاً من زجاج ملون على قاعدة من نحاس، وعلى رأس المنارة
стр. 180
صورة صنم من زجاج كبيرة، وفي يده كالقوس، وكأنه يرمي به، فان عاينه غريب وقف في موضعه ولم يبرح حتى يجيئه أهل المدينة.
وكان ذلك الصنم يتوجه من ذات نفسه الى مهب الرياح الاربع، وقيل ان هذا الصنم على حاله الى اليوم، وإن الناس تحاموا تلك المدينة على ما فيها من الكنوز والعجائب الظاهرة خوفاً من ذلك الصنم، فاذا وقع عين انسان عليه لا يزال نائماً حتى يهلك.
وقد كان بعض الملوك عزم على قلعه بما أمكنه، فهلك في ذلك خلق كثير، ولم يقدر عليه.
وقيل إنه عمل في بعض المدن الداخلة مرآة يرى الانسان فيها جميع ما يسأل عنه.
وعمل من خلف الجبل وبين الواحات الداخلة مدنا، وعمل فيها عجائب كثيرة، ووكل بها الروحانيين الذين يمنعون منها، فلا يستطيع أحد أن يدنو منها ولا يدخلها حتى يعمل عقداً بين أولئك الروحانيين، فيصل حينئذ اليها وياخذ من كنوزها ما أحب من غير مشقة ولا ضرر.
فأقام قفطويم ملكاً أربعمائة سنة، وأكثر العجائب انما عملت في وقته ووقت أبيه.
وأمر قفطويم فعمل له ناووس في الجبل الغربي قريب من المدينة مدينة العمد، وقد كان عمل لنفسه قبة قبل موته في سرب تحت الأرض معقود على أرج تحت الأرض على هيئة الدار في سعة كثيرة، وعمل حول دورها خزائن واسعة منقورة في الجبل أيضاً، وجعل في سقوفها مسارب للريح، وبلطت مع السرب وجميع الدار بالمرمر، وجعل في وسط الدار مجلساً على ثمانية