← История

История · id 8620

أخبار الزمان

المسعودي

Полный текст (258 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وكان في أعلى قبة الهيكل صورة رجل راكب على فرس له جناحان ومعه حربة سنانها رأس إنسان معلق، وبقي هذا الهيكل إلى زمان بخت نصر وهو الذي هدمه. ويقال ان بداونس هو الذي حفر خليج بخارى (١) فارتفع له من الخراج في بلده مائة الف الف وخمسون الف الف. وقصده بعض العمالقة غازيا له من الشام، فلما سمع به جيش وخرج اليه، ولقيه وهزمه ودخل فلسطين فقتل فيها وسبا خلقا كثيرا، وسبا بعض حكمائها واسكنهم مصر فهابته الملوك. وعلى رأس ثلاثين سنة من ملكه طمع السودان من الزنج والنوبة في ارضه، فهجموا على بعض الاطراف فعاثوا وافسدوا. فأمر بجمع الجيوش من اعمال مصر، وأعد المراكب ووجه قائدا من قواده يقال له بلوطس. وفي ثلاثمائة ألف بين راكب وراجل، واتبعه بقائد آخر في مثلها ووجه في البحر ثلاثمائة سفينة وجعل في كل سفينة كاهنا يعمل أعجوبة. وسار هو في أثرهما فيمن بقي من الجيوش، فلقوا جيوش السودان وكانوا زهاء الف الف فهزموهم وقتل اكثرهم، فأسر منهم كثيرا، وتبعهم الجيوش حتى وصلوا إلى أرض الفيلة من أرض الزنج فأخذوا منها عدة كثيرة، وأخذ معها كثيراً من النمور والوحش وسيقت الى مصر. ونصب على حدوده منارات وزبروا عليها مسيره وظهوره والوقت الذي غزا فيه السودان، وذكر كل ما عمل في أيامه.

стр. 212

ولما انصرف الى مصر واستقر بها، اعتل ورأى رؤيا تدل على موته، فعمل لنفسه ناووساً ونقل اليه من أصنام الكواكب كثيراً، ومن الذهب والجوهر الملون والتماثيل الغريبة الصنعة والآلات والذخائر ما لا يعلم جودته وكثرته، فلما هلك دفن فيه وزبر على بابه في الحجارة اسمه وتاريخ الوقت الذي مات فيه، جعلت عليه طلاسم تمنع منه. وكان قد عهد الى ابنه بعده مماليك الملك، وكان أديباً عاقلاً كريماً حسن الوجه مجربا مخالفا لأبيه في عبادة الكواكب والبقر، ويقال إنه موحد على دين قبطيم ومصرايم، فكانت القبط تذمه بذلك. وكان سببه فيما ذكر، أنه رأى رؤيا فيما يراه النائم، كأنه أتاه رجلان لهما أجنحة فاختطفاه واحتملاه إلى الفلك، وأوقفاه حذاء شيخ أسود أبيض الرأس واللحية، فقال له هل تعرفني؟ فدخلته منه روعة لحداثته، وكان سنه نيفاً وثلاثين سنة، فقال له: ما أعرفك، فقال له أنا بشر، يعني رجلاً، فقال قد عرفتك، قال أنت إلا هي، فقال إنك وإن كنت تدعوني إلهاً فاني مربوب ملك، وإلهي وإلهك الذي خلق السموات والأرض وخلقني وخلقك، قال: فأين هو؟ قال: في العلو الاعلى، [تعالى] لا تلحقه الظنون ولا تراه العيون، ولا يشبهه شئ، وهو الذي جعلنا سببا لا قامة العالم الأسفل وتدبيره، قال: كيف نعمل إذاً؟ قال: تضمر في نفسك ربوبيته وتخلص وحدانيته تعترف بأزليته، ثم أمر الرجلين فأنزلاه الى موضعه، فاستيقظ مذعوراً وهو على فراشه. فدعا رأس الكهنة فقص عليه رؤياه، فقال له: عاهدتك أن لا تتخذ الأصنام آلهة فانها لا تضر ولا تنفع، قال فمن أعبد؟ قال: الله الذي خلق السموات والأرض وخلق جميع ما فيها من أموال وغيرها.

стр. 213

قال وكيف أقدر على رد نفوس العالم عما هم عليه؟ قال اعقد على ذلك نيتك، وأخلص ضميرك وصف به قلبك، وإذا غبت عن عيون الناس وانفردت فاعمل ما أمكنك، ودم للناس في الظاهر على ما كان عليه جدودك، فقبل الملك ذلك القول منه واعتقده وعمل به. فكان يحضر للهيكل ويسجد للصنم، منحرفاً عنه بقلبه مبغضاً له كافراً به، وهو يضمر أن سجوده لله عزوجل. واستعمل كثرة الغزوات وموالاة الأسفار والجولان في البلاد، وكل ذلك لتطول غيبته عن مصر ويبعد عن الهيكل. وقال بعض أهل مصر إن الله أيده بملك من الملائكة يعضده ويرشده، وربما أتاه في نومه فأمره ونهاه، وأخبره بما يريد معرفته، فأمر الناس عند ذلك باتخاذ كل جادة من الخيل وكل جيد وجميل من السلاح، وأعد الزاد، واتخذ في بحر المغرب مائتي سفينة. وخرج في جيش عظيم في البر وفي البحر، فلقيه جموع البربر فهزمهم وقتل أكثرهم. وبلغ أفريقية، واستأصل أكثرها، وخرج منها، وكان لا يمر بأمة إلا أبادها إلى ان غزا من ناحية الأندلس يريد الافرنجة. وكان بها ملك عظيم يقال له افريوس، فحشد اليه من كل النواحي، فأقام يحاربه شهراً ثم طلب صلحه، وأهدى اليه هدايا كثيرة، فقبل ذلك منه وسار عنه ودعا الأمم المتصلة بالبحر الأخضر فأطاعوه، ومر بأمة لها حوافر ولهم قرون صغار، ولهم شعور كشعور الذئبة، ولهم أنياب دلف بارزة من أفواههم، فقاتلوهم قتالاً شديداً حتى اثخنهم، فنفروا عنه الى غيران لهم مظلمة، فلم يمكن لهم دخولها عليهم.

стр. 214

والقبط تزعم أنه رأى سبعين اعجوبة سنذكر منها بعد هذا، وعمل على البحر أعلاماً وزبر عليها اسمه، وخرب مدن البربر حيث كانت، وألجأهم إلى قرون الجبال، ورجع فتلقاه أهل مصر بصنوف اللهو والطيب والرياحين، وفرشوا له الطرق، ودخل قصره موفوراً ظاهراً، وأخرج إليه ابنه، وكان ولد له من بعده فسر به وابتهج وكمل فرحه، واتصل خبره بالملوك فهابوه، وحملوا اليه الهدايا من كل جهة. وبلغه ن قوماً من البربر والسحرة لهم تماثيل وبخورات عجيبة يضلون بها، وتخاييل وهم في مدينة لهم يقال لها قرمودة في المغرب من أرض مصر، وقد ملكوا عليهم امرأة منهم ساحرة يقال لها سطا. واتصل به كثرة أذاهم للناس، فعزاهم حتى إذا قرب منهم ستروا عنهم مدينتهم وسحروه، فلم يرها وطمسوا مياههم، فلم يعرفها، فهلك كثير من أصحابه عطشاً، فلم يجد لهم حيلة في الوصول اليهم، فزال عنهم ثم صعد إلى ناحية الجنوب. ثم رجع اليهم على غير الطريق الذي سار اليهم عليها أولا، فمر بهم بهيكل كانوا يحضرونه في بعض أعيادهم، فأمر بهدمه فهدم بعضه، وسقط منه موضع على جماعة من أصحابه ممن تولى هدمه فاهلكهم، فلما رأى ذلك تركهم وانصرف عنهم، وخرجوا إلى هيكلهم فبنوه وأصلحوا ما فسد منه وحرسوه بطلسمات محكمة، ونصبوا في قبته صنما من نحاس مذهب. وكان إذا قصدهم أحد صاح الصنم صياحاً عظيماً منكراً يرعب منه كل ذي روح ويبهت، فيخرجون اليه فيصطلمونه. وكانت ملكتهم أحذق منهم بالسحر فقالوا لها نعمل الحيلة في افساد

стр. 215

مصر وأيذاء أهلها؟ فقالت لهم نعم، فقالوا أنت أقدر منا، فاعملي فيها ما رأيتيه. فعملت لهم أدوية سحرت فيها النيل ودفعتها إلى بعضهم، وأمرتهم أن يمضوا بها الى مصر، والزرع في حقله على أن تؤخذ فيطرحون منها في النيل في أعلى مصر، ويغرق بعضهم على أقطار مصر، وحيث زروعهم الكثيرة، فيفرقونها في كل جهة، قليل غبار في كل جهة. فلما فعلوا ذلك فاض النيل في غير وقته وزاد على المعهود، وأقام الماء طويلاً على مزارعهم، وأفسد زروعهم وغلاتهم، وكثر فيه التماسيح والضفادع وكثرت العلل في الناس وانبثت فيهم الثعابين والعقارب. فأحضر الملك الكهنة والحكماء، وقال لهم أخبروني عن هذه الحوادث التي حدثت في بلادنا، ولم تذكروه في الطالع الذي وضعتموه لهذه السنة، فكنا نتأهب لها. فاجتمعوا في دار الكهنة، ونظروا وبحثوا حتى علموا أنهم أوتوا من قبل ناحية المغرب، وأن امرأة عملته وألقته في النيل، وفرقته على الجهات. فعلم الملك أنه من قبل تلك الساحرة، فقال لهم أجهدوا أنفسكم في هلاكها فقد بلغت فيكم من أذائها. فاجتمعوا إلى الهيكل الذي فيه صور الكواكب وسألوه أن يحضر معهم فلم يمكنه الخلاف، فلما أمسى لبس مسحاً، وفرش رماداً، واستقبل مصلاه، وأقبل على الدعاء والابتهال والتضرع إلى الله تعالى، وقال: يا رب أنت إله الآلهة وملك الملوك، وخالق الكل، ولا يكون شئ مما دق وجل إلا بأمرك وحولك، أسألك بجميع فضائلك وآياتك وأسمائك أن تكفينا أمر هؤلاء القوم.

стр. 216

فلم يزل كذلك حتى غلبته سنة من النوم، فنام مكانه فرأى كأن آتيا أتاه، فقال له قد رحم الله تضرعك، وعلم ضميرك وأجاب دعوتك، وهو مهلك هؤلاء القوم ومدمرهم وصارف عنك الماء المفسد والدواب المضرة، والأمراض المهلكة. فلما أصبح الكهنة غدوا عليه وسألوه حضور هيكلهم على ما وجههم به. فقال لهم قد كفيتم أمر عدوكم، وأزيل الماء المفسد والدواب المضرة عنكم، ولن تروا بعدها شيئاً تكرهونه، فسكتوا ونظر بعضهم إلى بعض كالمنكرين لما سمعوه، ثم قالوا له قد سررنا بما ذكره الملك دام عمره، وهم يضمرون التكذيب والاستهزاء. وخرجوا عنه فقال بعضهم لبعض الرأي أن لا تقولوا شيئاً في هذا، فان كان حقاً ظهر سريعاً، وإن كان باطلا اتسع لكم اللفظ في ذمه، وسيتبين أمره. فلما كان بعد يومين انكشف ذلك الماء المفسد، وجففته الشمس، وهلكت تلك الدواب المضرة فعلم القوم صدق ما أخبرهم به. وأمر الملك قائداً من قواده ورجلاً من الكهنة أن يمضوا بجيش حتى يعلموا علم تلك المدينة، فخرجوا اليها فأتوها، فلم يروا مكروهاً ولا وجدوا مانعاً. فلما وصلوا اليها وجدوا حصنها قد سقط، وأهلها عن آخرهم موتى، واحترق بعضهم، واسودت وجوههم، ووجدوا بعض الأصنام ساقطة على وجوهها، وأموالهم ظاهرة بين أيديهم. فطافوا المدينة وفتشوها فلم يجدوا فيها غير رجل واحد حياً، كان مخالفاً

стр. 217

لدينهم بسبب رؤيا رآها، ووجدوا من الأموال والجواهر وأصناف الذهب والتماثيل ما لا يحصى كثرة، ولا يعرف له قيمة. ووجدوا صورة كاهن لهم كانوا يتعبدونها، وهي من زبرجد أخضر على قائمة من حجر البسد، ووجدوا صورة روحاني من ذهب ورأسه من جوهر أحمر وله جناحان من در، وفي يديه مصحف فيه كثير من علوم مصر في دفتين من ذهب مرصعتين بذهب ملون. ووجدوا مطهرة من ياقوت أزرق على قاعدة من زجاج أخضر مسبوك، وفيها فضلة من الماء الدافع للأسقام. ووجدوا فرساً من فضة من عزم عليه بعزائمه ودخنه بدخنه وركبه طار به فيما زعموا. ووجدوا غير ذلك من العجائب والآلات التي يستعملها السحرة والأصنام التي يتخذونها، فجمعوا من ذلك ما خف حمله وثقل ثمنه، وأوقروا به دوابهم من جميع العجائب والتماثيل وغرائب ما كان فيها من الأشكال، وحملوا جميعه إلى الملك، وحمل الرجل الذي وجد حياً، ووصلوا بذلك كله إلى الملك، فابتهج بذلك وحمد الله تعالى على ما أولاه، وسر الناس. وبهت منه كهنة مصر، ولم يعرفوا أصله، فوجه الملك دواباً وعسكراً ونهض معهم من شاء من العامة بأشمون ومصر، فنقلوا جميع ما كان تبقى في المدينة من شئ له خطر، فصار بأيدي الناس منه شئ كثير، واستغنى فيها كثير من مساكين العامة وسوقتهم وسيق منه إلى الملك شئ كثير جدا. وصار الموضع بعد ذلك زماناً طويلاً مطلباً لمن أمكنه المسير اليه، وقل من مشى اليه ورجع خائبا.

стр. 218

واستحضر الملك ذلك الرجل الذي وجد حياً فاستخبره عن احاديثهم، فحدثه بأشياء معجبة، ثم قال: وأعجب ما رأيت منهم انه قصد المدينة منذ دهر ملك من ملوك البربر جبار من أهل بيت تجبر، فجاء بجموع كثيرة وجيوش كثيفة وتخاييل هائلة فأغلق أهل مدينتنا حصنهم، ورتبوا المراهقين على أسوارها ولجأوا ألى أصنامهم وشيوخهم وكهنتهم يخضعون لها ويتضرعون اليها. وكان لهم كاهن عظيم الشأن لا يكاد أن يخرج من منزله، فسار اليه رؤساؤهم، وشكوا اليه ما دهاهم من عدوهم، فخرج معهم الى بركة لهم عظيمة بعيدة القعر، كانوا يشربون منها الماء، فجلس على حافتها، وأحاط الكهنة بها، وأقبل يزمزم على ماء البركة، فلم يزل كذلك حتى فاض الماء وفار، وخرج من وسطه نار تتأجج وخرج من وسطها وجه كدائرة الشمس وعلى ضوئها فخرت الجماعة سجودا لذلك الوجه وجللهم نوره، وجعل يعزم حتى ملأ البركة وارتفع حتى صعد على أعلى القبة ثم ارتفع الى السماء فسمعوه يقول قد كفيناكم أمر عدوكم، فاخرجوا فخذوا أموالهم. فخرجنا بأجمعنا متخوفين حتى وصلنا مضربهم، فوجدناهم أمواتا لم يبق منهم حي، فأخذنا جميع ما تركوه من مال وثياب ودواب، وآلة وانصرف أهل المدينة إلى مدينتهم فرحين، وكانوا يأكلون ويشربون، فقلت لبعض الكهنة لقد رأيت عجباً من ذلك الوجه فما هو؟ قال ملك الشمس تبدت فماتوا عن آخرهم كما رأيت، قال له الملك فما الذي أهلكهم الآن؟ قال لا أدري، غير أني أفقت من نومي في الليل فسمعت هدة عظيمة إذ تهدم الحصن فأردت الخروج ولا علم لي بذلك فاذا بأصوات انكرتها وضوء نار وروائح حريق، وكنت ساكناً في موضع كالخان فيه خلق كثير، فصحت بكثير منهم فلم يستجب لي أحد، فسرت أفتقد باب المنزل فوجدته

стр. 219

مغلقا فدخلت بيتي وأوقدت سراجا بنار كانت عندي، ثم مشيت على جميع من في الدار رجالا ونساء صغارا وكبارا، فلم أجد احدا منهم حيا فاقمت في نهاية من الرعب ابتهل إلى الله عزوجل وأدعو، فلما أصبحت أقمت حتى طلعت الشمس و [بدا] النهار، فلم أسمع صوتا ولا حركة، فخرجت فوجدت المدينة على ما وجدها أصحاب الملك. وكان هذا الرجل عاقلا مجربا فاتخذه الملك صاحباً ووزيرا وأنيسا، ولم يزل مماليك الملك على التوحيد لله تعالى والايمان به، وهو يسايس أهل بلاده ويداريهم عما في نفسه خوفا من اضطراب ملكه عليه. وأمر فبني له ناووس، وأمر أن يدفن فيه إذا مات وحده ولا يدفن معه أحد من أهله، وأمر أن لا يدفن معه ذهب ولا فضة ولا تمثال، وكتب بخطه صحيفة " هذا ناووس مماليك الملك، ملك مصر وأعمالها، مات وهو يؤمن بالله لا يعبد معه غيره، ومتبرئ من الأصنام وعبادتها، ومؤمن بالبعث والحساب والمجازاة على الأعمال عاش بكذا وكذا، فمن احب النجاة من عباد الله، فليدن بما دان به "، وقد كان دفن بموضع آخر كنوزا كثيرة وزبر عليها انه لا يخرجها إلا أمة النبي المبعوث في آخر الزمان يعني محمدا [عليه الصلاة والسلام] ودفع الصحيفة التي كتبه إلى الآمر بعده وأمره بسترها والاحتفاظ بها فاذا هو مات زبر ما فيها على ناووسه. وكان طول حياته يقصد ناووسه يتعبد فيه مستترا عن جميع العالم ولما أيقن بالموت دعا ابنه فأسر إليه التوحيد وأعلمه انه دينه، ولم ير منه إلا الخير وأمره أن يدين به ونهاه عن عبادة الأصنام، فدان بذلك مدة حياة أبيه، ومات فدفنه ابنه في ناووسه وزبر عليه ما في الصحيفة. فلما فرغ من أمره جلس على سرير الملك ابنه اخريتا الملك، وتقلد الأمر

стр. 220

* (يوجد نقص في أصل الكتاب من صفحة ٢٢٥ إلى صفحة ٢٤١) *

стр. 221

وضعف أصحاب دليفة عنهم لكثرتهم وشدة صبرهم، فاستنصرت بأهل مدائن الصعيد فحاربوا أصحاب أيمن، فأزالوهم عن منف، وقد كانوا ظفروا بها وعاثوا فيها فهزموهم حتى ركبوا المراكب، وعدوا الى ناحية الشمال، وكان معهم ساحر من أهل قفط، فأظهر سحره ناراً أحالت بينهم وبين أصحاب دليفة فانحازوا عنهم واستعدوا، وعادوا لما كانوا فيه من الجد والطلب. وفزع أهل مصر لطول المدة وعجز الجيوش عن مقاتلتهم، وأشفقوا من خروج مصر من أيديهم، فوجهوا سفراء بينهم على أيجعلوا البلد قسماً بينهم فأجاب كل واحد منهم الى الصلح وأن دليفة بعد إجابتها إلى الصلح غدرت وخالفت، وأخرجت الأموال والجواهر ففرقتها في الناس، وقد كان بعضهم لامها في الصلح، فرجعت الى الحرب، واشتد الأمر بين الفريقين ثلاثة أشهر، ثم ظهر أيمن عليها وهزمها. ولجأت الى ناحية قوص وسار خلفها وتمكن من المملكة، فلما رأت حقيقة الأمر ونكول جندها وعجز كهنتها وسحرتها وأنها لابد لها أن تغلب سمت نفسها فهلكت. وملك بعدها أيمن الملك صاحب الاندلس ملك مصر، فتجبر وعتا وقتل خلقاً ممن كان مع دليفة. وكان الوليد بن دومع العملاقي قد خرج في جيش عظيم يتنقل (١) في البلدان، ويغلب ملوكها ليسكن ما يوافق غرضه منها، ويعتدل [حال] (٢) جسمه فيها على ما تقدم من ذكر علته. فلما انتهى الى الشام، انتهى اليه خبر مصر وجلالة قدرها، وأن أمرها قد صار الى النساء وباد ملوكها، فوجه اليها غلاماً له يسمى عونا بجيش عظيم، فوصل الى مصر وأيمن ودليفة يقتتلان، ففتحها وحوى أموالها وكنوزها،

стр. 222

وغاب خبره عن الوليد، فلم يشك في هلاكه وهلاك الجيش الذي كان معه، لما كان يعلمه من طلاسم مصر ومكر كهنتها. ثم اتصل به ان عبده قد ملكها، فسار الى مصر وتلقاه العبد وعرفه أنه كان يسير إليه، وإنما أخره ما أراد من تعديل الملك وإصلاحه فقبل قوله. ودخل مصر الوليد بن دومع العمالقي وملكها فاستباح أهلها وأخذ أموالها، وتتبع ما أمكنه الوصول اليه من كنوزها، وهبط اليه أيمن بالطاعة من الصعيد ومدنها سامعا له إذ كان عسكره من قبله، ومن أعانه بملكه وجيشه حتى أخذ بثأر خاله انداحس وتم الأمر للوليد على أعظم أمر. ثم سنح له ان يمشي حتى يقف على مخرج النيل، ويغزو من بناحيته من الامم فأقام ثلاث سنين يستعد لذلك، حتى اصلح جميع ما احتاج اليه. واستخلف عبده عوناً على البلد وخرج في جيش كثيف، وعدد عظيمة، فلم يمر بأمة إلا أبادها. فيقال انه اقام في سفره سنين كثيرة وأنه مر على امم السودان وجاوزهم ومر على ارض الذهب، فوجد فيها مواضع فيها قضبان ثابتة وهي بلاد عانة. ولم يزل الوليد يسير حتى بلغ البطيحة التي ينصب ماء النيل إليها من الانهار التي تخرج من جبل القمر، وجبل القمر جبل شامخ عريض طويل، وإنما سمي جبل القمر لأن القمر لا يطلع عليه لأنه خرج كثيرا عن خط الاستواء، ونظر إليه كيف يخرج النيل من تحته فيمر في طرائق كثيرة كالانهار الرقاق، فيصير بعضها إلى حظيرة عظيمة يجتمع فيها، ويصير بعضها الى حظيرة عظيمة، ثم يخرج من كل حظيرة نهر عظيم ينصب إلى حظيرة عظيمة يجتمع النهران فيها وهي البطيحة الكبيرة، وهي بعد خط الاستواء، وقبل الاقليم الاول، ويخرج من تلك البطيحة نهر واحد، ويجوز خط الاستواء ويجري إلى مصر ويمده نهر آخر من ناحية مكران يصب فيه عند اول جبل معظم في ثلث الاقليم الأول.

стр. 223

ويذكر أن هذين النهرين يزيدان وينقصان، فيهما التماسيح وسمك كأمثال سمك النيل، ويخرج منه نهر عظيم على مقربة من آخر شرقي جبل القمر. وحكي عن الوليد أنه وجد القصر الذي فيه قماقم النحاس الذي عملها هرمس الاول في وقت البودشير الاول بن قفطويم بن مصرايم بن حام بن نوح ﵇، وهي خمس وثمانون صورة جعلها جامعة لمن يخرج من الماء من الجبل، وبمعاقد وبمصاب مدبرة، يجري منها الى تلك الصور، ويخرج من حلوقها على قياس معلوم واذرع معدودة معلومة. ثم ينصب في أفواه الصور في انهار كثيرة ويتصل بالبطيحتين، ويخرج منها كما قلنا الى البطيحة الجامعة للماء الذي يخرج من جبل القمر، وقد هندس في تلك ورتب مقدارا ًمن الماء في كل صورة [ما] معه صلاح البلدان التي يمر بها، وينفع أهلها دون الفساد، وسطح قبل انتهاء المسطح ثمانية عشر ذراعا بالذراع التي ذرعها مقدار اثنين وثلاثين أصبعا، فما فضل عن ذلك عدل به عن يمين تلك الصور ويسارها الى مسارب تخرج عن يمين القصر ويساره، تنصب إلى غياض ورمال لا عمارة فيها. وقد ذكر قوم من أهل الاثر أن الانهار الاربعة تخرج من أصل واحد من قبة في ارض الذهب التي من وراء البحر المظلم وهي سيحان وجيحان والنيل والفرات. وذكر بعضهم أنها من الجنة وأن تلك القبلة من زبرجد، وأن جميع هذه الانهار قبل أن يسلك الى البحر المظلم أحلى من العسل وأطيب من رائحة المسك. وممن جاء بهذا وذكره أبو صالح كاتب الليث وغيره من المحدثين ذكروا أن رجلاً من ولد العيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵈ يقال له حايد وصل إلى القبة، وله خبر يطول ذكره. (١) [هذا الخبر الذي قال المسعودي إنه يطول ذكره أثبته هنا، وإن لم يكن

стр. 224

هو ذكره لانه بموضعه وهو من كتاب العظمة رواه ببغداد الفقيه أبو الحسن عباد بن سرحان وهو يحدث به إلى الآن عن شيوخه ببغداد بأسانيد ذكرها عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول إن النيل يخرج من الجنة ولو التمستم فيه حين يمج لوجدتم من ورقها. حدثني أبو الطيب أحمد بن روح، قال حدثني علي بن داود، قال حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثني الليث بن سعد قال زعموا والله اعلم أنه كان رجل من بني العيص، يقال له حايد بن أبي سالوم من العيص بن إسحق بن إبراهيم ﵉ أنه خرج هارباً من ملك من ملوكهم حتى دخل أرض مصر فأقام بها سنين. فلما رأى عجائب نيلها وما يأتي به جعل لله تعالى أن لا يفارق ساحله حتى يبلغ منتهاه من حيث يخرج أو يموت قبل ذلك، فسار عليه - قال بعضهم ثلاثين سنة في عبر الماء، وقال بعضهم خمس عشرة سنة كذا وخمس عشرة سنة كذا - حتى انتهى إلى بحر فنظر إلى النيل مقبلا فصعد على ساحل البحر، وإذا هو برجل قائم يصلي تحت شجرة تفاح، فلما رآه استأنس به وسلم عليه، فسأله الرجل صاحب الشجرة وقال له من أنت؟ فقال أنا حايد بن أبي سالوم بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم، ومن أنت أصلحك الله؟ قال له أنا عمران، فما الذي جاء بك هاهنا يا حايد حتى انتهيت إلى هذا الموضع، فان الله تعالى أوحى إلي أن أقف في هذا الموضع حتى يأتي أمره؟ فقال له حايد أخبرني يا عمران ما انتهى اليك من خبر هذا النيل، وهل بلغك أن احداً من بني آدم يبلغه؟ فقال عمران قد بلغني ان رجلاً من ولد العيص يبلغه، ولا أظنه غيرك يا حايد، فقال حايد يا عمران كيف الطريق اليه؟ فقال له عمران لست أخبرك إلا أن تجعل لي ما سألتك قال وما ذلك يا عمران؟ قال إذا رجعت إلي وأنا حي أقمت عندي، حتى يوحى إلي بأمرك أو يتوفاني الله تعالى فتدفنني، قال له لك ذلك علي، قال سر كما أنت على هذا البحر، فإنك تصل إلى موضع فيه دابة ترى أولها ولا ترى آخرها فلا يهولنك أمرها، فاركبها فإنها دابة معادية للشمس، إذا طلعت اهوت اليها لتلتقمها، حتى

стр. 225

يحول بيتها حجبتها، فاذا غربت أهوت إليها لتلتقمها، فإذا ركبتها فسر راجعا عليها حتى تنتهي إلى النيل فانزل عنها، فإنك ستنزل وتبلغ أرضا من حديد جبالها وأشجارها وسهلها من نحاس، فان جزتها وقعت في أرض من فضة، جبالها وأشجارها وسهلها من فضة، فان جزتها وقعت في أرض من ذهب، جبالها وسهلها من ذهب، فيها ينتهي إليك علم النيل. فسار حتى انتهى إلى أرض الحديد، ثم منها إلى أرض النحاس، ثم منها إلى أرض الفضة، ثم منها إلى أرض الذهب، فسار فيها حتى انتهى إلى سور من ذهب وشرفه من ذهب، فيه قبة من ذهب لها أربعة ابواب، ونظر إلى الماء ينحدر من ذلك السور، حتى يستقر في القبة، ثم يفرق فيخرج على الانهار الاربعة. وأما ما يخرج من الثلاثة فيفيض في الارض، وواحد يشق على وجه الأرض وهو النيل، فشرب منه واستراح وأهوى إلى السور ليصعد، فأتاه ملك، فقال له يا حايد مكانك فقد انتهى اليك علم هذا النيل، وهذه الجنة والماء ينزل من الجنة. فقال إني أريد أن أنظر إلى ما في الجنة، قال إنك لن تسطيع دخولها اليوم يا حايد، فقال أي شئ هذا الذي أراه؟ قال هذا الفلك الذي تدور فيه الشمس والقمر وهو شبه الرحى، قال إني أريد أن أركبه وأدور فيه، فقال بعضهم إنه ركبه في دار الدنيا، وقال بعضهم إنه لم يركبه، فقال له الملك يا حايد إنه سيأتيك رزقك من الجنة فلا تؤثر عليه شيئاً من الدنيا، فانه لا ينبغي لشئ من الجنة أن يؤثر عليه شئ فإنه يبقى ما بقيت. قال فبينما هو كذلك إذ نزل عليه عنقود من عنب فيه ثلاثة الوان لون كالزبرجد الأخضر، ولون كاللؤلؤ الابيض، ولون كالياقوت الاحمر، ثم قال يا حايد قد انتهى إليك علم هذا النيل. فقال ما هذه الثلاثة التي تفيض في الارض؟ قال أحدها الفرات، والثاني سيحان والثالث جيحان.

стр. 226

فرجع حايد حتى انتهى إلى الدابة فركبها، فلما أهوت الشمس للغروب قذفت به في الموضع الذي ركبها فيه، فاقبل حتى انتهى إلى عمران فوجده قد مات. فأقام على قبره ثلاثاً، فأقبل شيخ متشبه بالناس أغر من السجود، فبكى على عمران ثم أقبل إلى حايد فسلم عليه، ثم قال له يا حايد ما الذي انتهى إليك من علم النيل؟ فأخبره، فقال له الرجل هكذا نجده في الكتب. وكان التفاح قد ظهر في تلك الشجرة من أحسن شئ، فأغراه الشيخ وقال لحايد ألا تأكل منه شيئاً؟ قال معي رزقي قد أعطيته من الجنة ونهيت أن لا أؤثر عليه شيئاً من الدنيا، قال صدقت يا حايد لا ينبغي لشئ من الجنة أن يؤثر عليه شئ من الدنيا، وهل رأيت في الدنيا مثل هذا التفاح؟ وإنما هذه الشجرة أخرجها الله من الجنة لعمران ليعيش منها فانبتها له في هذه الآرض، وليست من الدنيا وما تركها إلا لك، ولو وليت لرفعت، فلم يزل به حتى اخذ منها تفاحة فبعضه عليها عض الملك على يديه، وقال له أتعرفه؟ هو الذي أخرج أباك من الجنة، أما أنه لو سلمت بهذا العنقود الذي معك لأكل منه أهل الدنيا فلم ينفد فهو الآن مجهودك ان يبلغك، فكان مجهوده أن بلغه. فأقبل حايد حتى بلغ مصر فأخبرهم بهذا الخبر، ومات ﵀، وتم الخبر الذي اثبته وليس من الأم، ورجع الكلام الى حيث انقطع] (١) . وقال آخرون تنقسم هذه الأنهار الى اثنين وسبعين قسماً، حذاء اثنين وسبعين لساناً للأمم المذكورة. وقال آخرون إنما هذه الأنهار من ثلوج تنزل في أيامها، وتتكاثق هناك فتحملها حرارة الشمس مرة بلطف ومرة بقوة، فتسيل إلى هذه الأنهار، فتسقي لما أراد الله جل وتعالى من تدبير خلقه. ونرجع إلى ذكر الوليد لما بلغ جبل القمر رأى جبلاً عظيماً، فاعمل الحيلة إلى أن صعد عليه ليرى ما خلفه فأشرف منه على البحر الأسود الزفتي النتن، ونظر إلى النيل يجري عليه كالانهار الرقاق، فأتته من ذلك البحر

стр. 227

روائح منتنة، هلك بها كثير من أصحابه فأسرع بالنزول بعد ان كاد يهلك. وذكر قوم أنه لم ير هناك شمساً ولا قمراً الا نوراً أحمر كنور الشمس عند غروبها وقالوا إنه أقام في غيبته مدة عشرين سنة. وان عونا علامة تجبر بمصر بعد سبع سنين من مسيره، وادعى انه الملك، وادعى انه لم يكن عبد الوليد، وانه أخوه وله الملك من بعده وريب على الناس، واستعان بالسحرة عليهم وأسنى جوائز السحرة والكهنة، ولم يمنعهم محابهم، فمال إليه الناس ووثقوا بأمره ولم يترك امرأة من بنات ملوك مصر إلا نكحها، ولا مالاً إلا أخذه وقتل صاحبه. وكان مع ذلك يكرم الهياكل والكهنة، فكان الناس يمسكون عنه اشفاقاً منهم من السحرة الذين أطافوا به الى ان رأى في منامه الوليد، وكان يقول له من أمرك أن تتسمى باسم الملك؟ وقد علمت انه من فعل استحق القتل، ونكحت إلى ذلك بنات الملوك، وأخذت الأموال بغير واجب، وكأنه أمر بقدور فملئت زفتاً ثم غليت على النار وأحميت، وكأنه يغمسه فيها فلما غليت أمر بنزع ثيابه، فأتى طائر في صورة عقاب فاختطفه من ايديهم وعلق به في الجو، فجعله في هوة على رأس جبل، وكأنه سقط من رأس الجبل إلى واد فيه حمأة منتنة. فانتبه مذعورا طائر القلب، وكان في طول فعله ذلك في تملكه إذا خطرت بقلبه من ذكر الوليد خطرة يكاد عقله أن يزول فرقاً منه، لما يعلمه من فظاظته وبطشه وقوته. وكاد مرة يوقن بهلاكه لطول غيبته وانقطاع خبره، وكان مرة يخاف أنه حي. فلما رأى الرؤيا لم يشك في حياة الوليد، فاضمر في نفسه الهرب من مصر في الأموال، فأطلع بعض السحرة ممن كان يثق به على أموره.

стр. 228

وقال له إني خائف من الوليد، وقد عزمت على الهرب من مصر، فما عندكم؟ قالوا له نحن نحميك على أن تقبل منا، قال قولوا، قالوا له نعمل عقاباً وتعبده، فان الذي خلصك منه في نومك هو بعض الروحانيين، وهو يريد منك أن تعمل صورته فتعبده. قال عون أشهد لقد قال لي وأنا أسمع: اعرف لي هذا المقام ولا تنسه. قالوا لقد بينا نحن لك ذلك. فسمع منهم وعمل عقاباً من ذهب، وعجل عينيه من جوهرتين موشحتين بأصناف العمل الغريب. وعمل له هيكلاً لطيفاً وجعله في صدره، وأرخى عليه ستور الحرير، فأقبل عليه السحرة على خدمته بالبخور والقربان، الى أن نطق لهم، فأقام عون على عادته ودعى الناس الى ذلك فأجابوه، فلما مضت لذلك مدة أمر العقاب ببناء مدينة يحوله اليها فتكون حرزاً له ومعقلاً من كل أحد، فأمر عون كل فاعل بمصر أن يجتمعوا له، وأمر أصحابه أن يخرجوا إلى صحارى الغرب ويطلبوا اليه ارضا حسنة الاستواء، ويكون المدخل فيها بين فجوج صعبة وجبال وعرة، ويتوخى ان تكون تلك الأرض قريبة من مغاض المياه، فكان مغيض الماء هو اليوم الفيوم وكان مغيضا لمياه النيل، حتى أصلحه يوسف ﵇، وأنما أراد عون قرب مكان المدينة من مغيض المياه ليجري اليها الماء منها، فخرج أصحابه يطوفون في الأرض، فأقاموا في ذلك شهراً حتى وجدوا له بغيته، فلم يبق بمصر فاعل ولا مهندس ممن كان يفتت الصخور ويقطعها ويعمل شيئاً مما يصلح للبنيان إلا وجهه، وأنفذ معهم ألف فارس في طاعتهم، وانفذ معهم جميع الآلات، وأقام في توجيه الزاد اليهم شهرا على العجل، وطرق العجل اليوم ظاهرة واضحة في صحراء الغرب من خلف الأهرام، وهي التي يقصدها أصحاب المطالب وهي بنية مشهورة.

стр. 229

فلما تكامل لهم ما يريدونه من قطع الحجارة ونحتها أعدوا من العدد، وخطوا موضع المدينة وجعلوه فرسخين في مثلهما، وحفروا في وسطها بئراً، وجعلوا في تلك البئر تمثالاً من نحاس صورة خنزير ونحاسة بأخلاط، وجعلوا وجهه إلى الشرق. وكان ذلك بطالع زحل واستقامته وسلامته من المتضادين له وهو في شرفه. واخذوا خنزيراً فذبحوه له ولطخوا وجهه بدمه وبخروه بشعره، وأخذوا شيئاً من شعره وعظامه ولحمه ودمه ومرارته، فجعلوا ذلك في جوف خنزير من النحاس ونقشوا عليه آيات زحل. ثم شقوا في البئر أخدوداً من أربعة أوجه المدينة، وجعلوا فيها شوارع يتصل كل شارع فيها بباب من أبواب المدينة، ووصلوا ما بينها بالمنازل الحسنة والطرقات، وجعلوا حول القبة تماثيل من نحاس بأيديهم حراب، ووجوهها مقابلة لتلك الأبواب. وجعلوا أساس المدينة من حجر أسود، وفوقه حجر أحمر، وفوقه حجر اخضر، وفوقه حجر أصفر، وفوق الكل ابيض شفاف، مثقبة كلها بالرصاص المصبوب بينها، وفي قلوبها أعمدة الحديد على صفة بناء الأهرام. وجعل طول حصنها ستين ذراعاً ونصف ذراع، وعلى كل باب من أبوابها على أعلى الحصن تمثال عقاب كبير من صفر وأخلاط، أجوف ناشر الجناحين، وعلى كل من أركان المدينة صورة فارس بيده حربة ووجهه إلى خارج المدينة، وساق الماء إلى ناحية الباب الشرقي ينحدر في صبيب الى الباب البحري، ويخرج إلى بطائح هناك، وكذلك من الباب الجنوبي الى الشمالي. وقرب لتلك العقبان عقبانا ذكرا ولطخها بدمها، واجتلب الرياح الى أبواب التماثيل فكانت الرياح إذا دخلتها يسمع لها أصواب شديدة، لا يسمعها أحد إلا هالته، وضمدها بعقارب مطلسمة تمنع الناس من دخولها إلا أن يكون مع الغريب الداخل إليها أحد من أهلها، ونصب العقاب الذي يتعبد

стр. 230

له تحت القبة التي في وسط المدينة على قاعدة لها أربعة أركان في كل ركن منها شيطان مشوه، وجعلها على عمود زبرجد، فكان العقاب يدور على كل جهة من الجهات الأربع، ويقيم كذلك ربع السنة يقرب اليه من جهته. فلما فرع من ذلك كله حمل إليها جميع الأموال والجواهر المخزونة بمصر، وما وجد في خزائن الملوك من التماثيل والحكم، وتراب الصنعة والعقاقير والسلاح وغير ذلك. وحول اليها كبار السحرة والكهنة وأصحاب الصنائع والمهن، وقسم المساكن التي بناها بينهم، لا يختلط بعضهم ببعض، وبنى حول سورها ربضا يحيط بها، وبنى فيه مساكن لأصحاب مهن الحرث والزرع وغير ذلك، وما يتعلق بالعمارة. وعقد على ما أجراه من الأنهار قناطر يجوز عليها الخارج من المدينة والداخل اليها، وجعل الماء يدور حول الربض، ونصب عليه أعلاماً ثم غرس ما وراء ذلك كله بأجناس الأشجار وغرائبها، فأقام بها من الجنات كل غريبة حسنة كثيرة الفوائد، ثم جعل ما وراء ذلك مزارع لكل نوع من الحبوب، فاستغل بذلك كله أعظم الغلات. وكان يرتفع اليه منها في السنة ما يكفيه عشر سنين، وبين هذه المدينة وبين منف ثلاثة أيام، فكان يخرج اليها فيقيم بها عشرة أيام، ثم يعود إلى منف. وكان لتلك المدينة أربعة أعياد في السنة في كل وقت يتحول فيه العقاب إلى الجهات الأربع، فلما تم لعون ذلك اطمأن قلبه وسكنت نفسه. الى ان وافاه كتاب الوليد من ناحية النوبة، يأمره أن ينفذ اليه الأزودة، وينصب له الأسواق، فوجه عون ذلك كله من أحسن شئ وأتمه في المراكب وعلى الظهر. وحول جميع عياله ومن اصطفاه من بنات الملوك من مصر وكبرائها إلى

стр. 231

المدينة المبنية، فلما قرب دخول الوليد مصر تحول هو الى مدينته فتحصن بها وخلف للوليد خليفة يكون بين يديه. فدخل الوليد مصر فتلقاه الناس، فشكوا إليه عونا، وما حل بهم منه، فقال: وأين عون؟ قالوا: فر عنك وتحصن دونك. فاغتاظ وأمر أن ينفذ اليه جيش كثيف، فعرفوه كيف بنى مدينته وأسكن فيها معه من السحرة، وأن امره صعب فما يكون إلا بعد نظر شاف واستعداد كاف، فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه، ويحذره التخلف عنه، ويقسم عليه إن لم يفعل وظفر به يبضع لحمه بعد المبالغة في عذابه. فرد عليه عون جوابا يقول فيه: ما على الملك مني في هذا الموضع؟ ولا أتعرض لبلده، ولا أعبث في شئ منه لأني عبده، وأنا في هذه الجهة حام له من كل عدو يقصده من ناحية من نواحي الغرب، ولا أقدر على المسير اليه لخوفي منه على نفسي، فليقرني الملك على حالي كأحد عماله، وأوجه اليه في كل وقت ما يلزمني من خراجه ومن هداياه، ووجه مع الجواب أموالا جزيلة جليلة وجوهرا نفيساً، فلما رأى الملك ذلك قنع به، وكف عنه. فأقام الوليد بمصر فاستعبد أهلها واستباح حريمهم واموالهم مائة سنة وعشرين سنة، فأبغضوه وشتموه. وأنه ركب في بعض الايام متصيداً، فألقاه فرسه في هوة من الأرض فقتله، وأراح الله الناس منه. وكان ابنه الريان ينكر فعله ولا يرضاه منه، فلما هلك عمل له ناووساً قرب الاهرام، وقيل إنه دفن في أحد الأهرام. ثم ملك بعده ابنه الريان الملك، وهو فرعون يوسف ﵇، والقبط تسميه نهراوس، فجلس على سرير الملك، وكان عظيم الخلق جميل الوجه، عاقلا متمكنا من العلم، فدخل عليه الناس وهنأوه ودعوا له، فتكلم بجميل، ومنى الناس ووعدهم بالاحسان، وأسقط عنهم الخراج ثلاث سنين، فدعوا له وأثنوا عليه وشكروه.

стр. 232

فأمر بفتح الخزائن وفرق ما فيها على الخاص والعام ممن حضر مجلسه، فخرجوا عنه شاكرين له محبين فيه، فملك وأحسن. وتمكنت منه أريحية الصبا، فملك على البلد رجلاً من أهل بيته يقال له المعين (١) وهو الذي يسميه أهل الأثر العزيز، وكان من أولاد الوزراء عاقلا متمكنا من عقله حصيف الرأي، كثير نزاهة النفس، مستعملاً للعدل والصلاح، وأمر أن ينصب له في قصر الملك سرير من الفضة يجلس عليه. وكان يغدو ويروح إلى باب الملك، ويخرج العمال وجميع الوزراء والكتاب بين يديه عند مسيره وعند رجوعه. فقام بالملك، وكفى الملك مهمه، وأصلح جميع الأمور، ووطأ البلاد، وأمن الناس، وأقام سوق العدل. والملك نهراوس منغمس في لذاته، معتكف على لهوه، لا ينظر في عمل ولا يفكر في أمر ولا يخاطبه أحد، فأقاموا لذلك حيناً من الدهر، والبلد عامر، والخراج مدر. يقال إنه بلغ في وقته تسعة وتسعون الف ألف مثقال (٢) فجعلها أقساماً فما كان له ولنسائه ولمائدته حمل اليه، وما كان في أرزاق الجيوش والكهنة والفلاسفة وأصحاب الصنائع ومصانع البلد وإصلاح العقار والحرث والغرس وأصحاب المهن حمل اليهم، وما فضل عن ذلك كله حمل إلى خزائن الملك في قصره. ونهر اوس مع ذلك غير ناظر في شئ من ذلك ولا سائل عنه، وقد عملت له عدة متنزهات على عدة أيام السنة، فكان في كل يوم في موضع منها، فاذا كان من الغد انتقل الى موضع آخر في كل يوم في موضع من الفرش والآنية ما ليس في غيره. فلما اتصل ذلك بملوك النواحي طمعوا فيه واستضعفوه، فقصده رجل من

стр. 233

العمالقة يقال له عابد بن سجوم، ويكنى بأبي قابوس، فسار قاصداً الى مصر حتى نزل على حد من حدودها. فأنفذ اليه العزيز جيشاً وجعل عليه قائداً يقال له دوناس، فقتله ذلك الملك وهزم عسكره، ودخل حدود مصر فهدم أعلاماً ومصانع كثيرة، واشتد طمعه في مصر وجهاتها. واتصل خبره بأهل مصر فاعظموا ذلك وأكبروه واجتمعوا إلى العزيز، فأمرهم أن يسيروا الى قصر الملك، فأتوا الى قصر الملك وجعلوا يصيحون ويستغيثون، فسمعهم نهراوس، فسأل عن حالهم، فأخبر خبر العمالقي وأنه قد دخل حدود مصر وعاث فيها، وأفسد مزارعها وغير مصانعها، وهدم أعلامها وأنه مقبل بجيوشه يريد قصر الملك، فارتاع لذلك وأنف منه، وانتبه من غفلته. وتذكر القبط أنه سمع نياح الجن على أبيه، فارتاع لذلك فعرض جيشه وأصلح أمره، وخرج إلى العمالقي واتبعه الى حدود الشام. وقتل أكثر اصحابه، وأفسد الزرع وقطع الأشجار، وأحرق الديار، وصلب من أسره من الجيوش، ونصب أعلاماً على الموضع الذي بلغه أي لمن جاوز هذا المكان. وقيل إنه بلغ الموصل، وضرب على أهل الشام خراجاً، وبنى عند العريش مدينة عظيمة وشحنها بالرجال وملأ تلك النواحي بالجنود، وانصرف إلى مصر، فلما فعل ذلك هابته الملوك، وفزعوا منه وأعظموه وهادوه وصالحوه. ولما استقر بمصر حشد جنوده من جميع الأعمال، واستعد لغزو ملوك الغرب، فخرج في تسعمائة ألف [مقاتل] واتصل بالملوك خبره، فمنهم من تنحى عن طريقه، ومنهم من دخل في طاعته، ومنهم من بذل الأموال والذخائر وصالح بلده، ومنهم من قهره واستباحه.

стр. 234

ومر بأرض البربر فأخذ كثيراً منها، ووجه قائداً يقال له مريطس، فركب في سفن كثيرة، وأخذ سواحل البحر فقتل بعض البربر، ودخل أرضهم وصالحه بعضهم، وحملوا اليه الأموال. ومضى الملك إلى إفريقية وقرطاجنة، فصالحوه على ألطاف وأموال كثيرة حملوها اليه. ومر حتى بلغ مصب البحر الأخضر إلى بحر الروم، وعمل هناك صنما من نحاس وهو الموضع الذي فيه الأصنام القديمة، وأقام تحته علماً عظيماً زبر عليه اسمه وتاريخ الوقت، وصفة الأمر الذي خرج اليه، وضرب على أهل تلك النواحي خراجاً. وعبر إلى الأرض الكبيرة وسار إلى الافرنجة وسار إلى الأندلس، وصاحبها عند ذلك اللاذريق، فحاربه أياماً، وقتل من اصحابه خلقاً كثيراً. وصالحوه بعد ذلك على ذهب كثير في كل سنة يحمل اليه، وعلى ان لا يغزو أحداً في البحر ولا في البر شيئاً من حدوده، من جميع من في تلك النواحي، وعلى أن يمنع من رام شيئاً منهم من ذلك ويغالبهم عنه. وانصرف راجعاً عنه، فسار على عبر البحر مشرقاً على بلاد البربر. فلم يمر بموضع إلا خرج اليه أهله وأهدوه ودخلوا في طاعته، ومشوا بين يديه. وأخذ إلى ناحية الجنوب، فمر بناحية الكوفاس (١) وهي أمة عظيمة فحاربوه فقتل منهم خلقاً كثيراً. وبعث قائداً له إلى مدينة على ساحل البحر المظلم، فخرج اليه ملك المدينة وأهلها يسألونه ما هو وما قصده؟ فعرفهم القائد بحال الملك الريان وإذعان الملوك له ومصالحتهم إياه. فقالوا له أما نحن فما بلغنا أحد قط ولا رأيناه ولا ضرنا أحد ولا ضاررناه. وأخرجوا اليه مالا وجوهراً. وصالحوه على

стр. 235

مدينتهم. فقبل ذلك منهم. وسألهم هل ركب هذا البحر أحد قط؟ فقالوا جميعهم إنه ما يستطيع أحد أن يركبه، وأخبروه أنه ربما أظله الغمام فلا يرونه أياماً. ثم أتاهم الملك الريان فتلقوه بهدايا وفاكهة أكثرها التوت وحجارة سود. فاذا جعلت في الماء صارت بيضاء. وسار على امم السودان حتى بلغ إلى مملكة الزموم (١) الذين يأكلون الناس، فخرجوا اليه عراة بأيديهم حراب الحديد، وخرج ملكهم على دابة عظيمة الخلق لها قرون، وكان جسيماً أحمر العينين فصبر للحرب صبراً عظيماً ثم ظفر به الريان، فانهزموا في أوحال وأدغال وغيران وجبال وعرة، فلم يتهيأ له أتباعهم فيها. فجاوزهم إلى قوم على خلق القرود لهم أجنحة خفاف يلتفون بها من غير ريش، ومر على البحر المظلم، فلما أمعن في السير فيه غشيهم منه غمام فرجع متيامنا، حتى انتهى إلى جبل نبارس، فرأى فوقه تمثالاً من حجر أحمر يومئ بيده، أن ارجعوا وعلى صدره مزبوراً " ما وراثي احد ". وانتهى إلى مدينة النحاس فلم يصل اليها، ثم مضى في الوادي المظلم، فكانوا يسمعون منه جلبة عظيمة، ولا يرون شيئاً منه لشدة ظلمته. ثم سار حتى انتهى إلى وادي الرمل فرأى على عين أصناماً عليها اسماء الملوك قبله، فأقام صنماً وزبر عليه اسمه، فلما عدا وادي الرمل جاز إلى الخراب المتصل بالبحر الأسود المظلم، فسمع جلبة وصياحاً هائلاً، فخرج في شجعان من أصحابه يتبعون ذلك الصياح حتى أشرف على سباع عظيمة غريبة الخلق مخزمة الأنوف وبعضها يغير على بعض فيأكل بعضها بعضاً، فعلم أنه لا مذهب له من ورائها فرجع وعدى وادي الرمل، فمر بأرض العقارب فأهلكت بعض أصحابه فرجعوها عن أنفسهم بالنار وبالرقا والعزائم التي كانوا قد عرفوها حتى جاوزها.

стр. 236

وسار حتى انتهى إلى أرض سلوقة (١) وكانت بها حية تخرج عن الحد والمقدار، فرأوها ممتدة فظنوها ميتة، فهمموا عليها فوجدوها حية. فرجعوا عنها هاربين وتعوذوا منها بالرقا. وتزعم القبط أنه سحرها، ومنعها من الحركة، وتركها على حالها، فلم تتحرك حتى هلكت ويقال إن طول هذه الحية ميل وإنها كانت تبتلع الفيلة. وسار إلى مدينة الكند وهي مدينة الحكماء، فهربوا إلى جبل وعركان لهم صعدوا اليه من داخل مدينتهم من مواضع لا يقدر هو ولا أصحابه على الصعود فيها، فأقام على تلك الطريق يحرسها حتى عدم الماء، ولم يجد منه شيئاً وضاع أصحابه، وكادوا أن يهلكوا عطشاً. فنزل اليه رجل منهم يقال له ميدوش وكان من أفاضل الحكماء وقد غطى شعره جسده، فقال له أيها الملك المغرور أين تريد، وقد مد لك في الأجل، ورزقت فوق الكفاية؟ ففيم تتعب نفسك وجيشك، هلا قنعت بما تملكه، واتكلت على خالقك الذي وهبك الغنى، وأعانك بهذا الخلق! فعجب نهراوس من قوله وسأله عن الماء فدله عليه. وسأله عن موضعهم إذ لم يكن أصاب في جيشهم أثراً لسكناهم. قال نحن في موضع لا يصل اليه أحد. قال فما معاشكم؟ قال من أصول نبات لنا نعتصم به ونقنع فيقيتنا ويكفينا اليسير منه. قال فمن أين تشربون؟ قال من غدران لنا في الأرض يجتمع اليها الماء من الامطار والثلوج. قال فلم هربتم عنا؟ قال رغبة عن جواركم، وزهادة في خلطتكم وكراهة لقربكم، وإلا فليس لنا ما نخافكم عليه. قال فأين تكونون إذا حميت الشمس؟ قال في غيران لنا تحت هذا الجبل. قال فهل تحتاجون إلى مال أخلفه لكم؟ قال إنما يحتاج إلى هذا المال أهل

стр. 237

البذخ. ونحن لا نستعمل شيئاً منه فاستغنينا عنه بما قد اكتفينا به. ومع ذلك فإنا قد رزقنا منه ما لو رأيته لحقرت ما عندك. قال فأرنيه! قال فسر معي، قال فانطلق الملك ونفر من أصحابه معه إلى أرض في سفح جبل يتصل بهم فرأوا فيه قضبان الذهب نابتاً، وأروه وادياً لهم على حافتيه حجارة الزبرجد والفيروزج. فأمر نهراوس أصحابه أن يتخيروا من جياد تلك الحجارة، ويحملوا منها ما يقدروا عليه ففعلوا، ورجع بهم إلى مصر فرأوا قوما من أهل العسكر يحملون صنما لهم ويعظمون امره، فجزع من ذلك، وسأل [الرجل] الملك أن يقيم بأرضهم، ونهاه عن عبادة الأصنام وخوفهم منها. فسأله نهراوس أن يدله على الطريق، ففعل وودعه وسار على السمت الذي وصفه له، فلم يمر على امة إلا أثر فيها أثراً إلى أن بلغ الى ارض النوبة، فصالح أهله على ما يحملونه اليه ثم أتى إليه دنقلة فأقام بها علما وزبر اسمه عليه ومسيره وجميع ما عمله في سفرته تلك. ثم سار منها يريد منف فلم يبق احد إلا خرج إليه مع العزيز، وتلقوه بأصناف الطيب والرياحين والبخورات والملاهي وغرائب الالعاب. وكان العزيز قد بنى له مجلسا من الزجاج الغريب الابيض الصنعة الملون، وجعل فيه صهريجاً من زجاج سماوي، وجعل في ارضه سمكا من الزجاج الغريب فلما دخل منف أنزله العزيز في ذلك المجلس، وأقام الناس أياماً في لهو وسرور يأكلون ويشربون. وأمر بعرض جيشه ففقد سبعين ألفاً، وقد كانوا خرجوا في ألف ألف، وكانت غيبته أحد عشر عاماً. ولما سمع الملوك بذكر ما عمل في سفره، وما غلب من الأمم، وما فتح من البلاد، وقتل وأسر من الخلق هابوه وخافوه، لشدة بأسه وعظيم سلطانه. أخبار الزمان - م (١٧)

стр. 238

وتجبر نهراوس فبنى في الجانب الغربي قصورا من رخام، ونصب عليها أعلاما فكان يغشاها أبداً، ويقيم فيها اياما كثيرة، وكان الخراج في وقته تسعة وتسعين ألف ألف، فامر بالزيادة في طلب العمارات، وطلب وجوه الزيادة فيها من احسن الطرقات لا من رديئها. وأمر باصلاح الجسور في الجهات، والتحمل في أن يزيد الماء في انبساطه في الأرض، ففعل ذلك كله حتى وافى الخراج مراده وزاد عليه. وقالت القبط: إن في مدته دخل البلد غلام من الشام له أخوة يحسدونه، فاحتالوا عليه حتى بيع من تجار يقصدون مصر، وكانت قوافل الشام تعرس بمصر بناحية الموقف اليوم، فأوقف الغلام للبيع ونودي عليه، وهو يوسف الصديق ﵇، فبلغ وزنه ذهبا ووزنه فضة، فاشتراه العزيز ليهديه للملك، فلما أتى به إلى منزله رأته زليخا امرأته، وكانت ابنة عمه فقالت له اتركه عندنا نربيه ففعل، وكان من أمره معها وعشقها له ما قصه الله تعالى في كتابه، وكانت تكتم حبها عنه، حتى غلبها الأمر، فتزينت له وجاءته فعرفته عشقها له، وأنها مطاوعة له في كل ما يريده منها، وأنها لابد لها منه، وحبته بمال عظيم، فامتنع عليها، ولم يجد عنها مهربا، فرامت تقبيله فأبى عليها، فهجمت عليه ولم تزل تعاركه وهو يمتنع إلى ان دخل زوجها فوجده هاربا عنها وكان عنينا لا يأتي النساء، فقال لهما ما هذا فجعل يوسف ﵇ يعتذر اليه، وقالت هي كنت نائمة فأتاني يراودني عن نفسي، ففطن أن الأمر كان منها. فقال ليوسف ﵇ أعرض عن هذا أي عن اعتذارك، وقال لزليخا استغفري لذنبك، فانك قد أخطأت. واتصل خبر الغلام وجماله بالملك، وأن العزيز ابتاعه له، فلما لم يره سأله عنه انكر المعين أمره وغير له خبره، وغلظ فيه عليه، وثقف الغلام عنده في القصر ومنعه الخروج فنسي خبره.

стр. 239

وكان نهراوس قد عاود الانعكاف على اللذات، والاحتجاب عن الناس لما كان العزيز كفاه من أمر الملك والرعية. واتصل خبر زليخا مع يوسف ﵇ بنساء من نساء اصحاب الملك فعيرنها بذلك. فأحضرت منهن جماعة وعملت لهن طعاماً، فلما أكلنه أحضرت لهن شراباً، وأجلستهن مجلسين مجلساً حذاء مجلس، مذهبين جميعاً، وفرشتهما بالديباج الأصفر المذهب، وأرخت عليهما ستور الحرير والديباج. وجلسن فيهما للشراب وقدمت بين ايديهن فاكهة كثيرة، وسكاكين أنصبتها من الجوهر، وقالت لهن اقطعن من هذه الفاكهة بهذه السكاكين، ويقال إن الذي كان ينزل بين ايديهن أترج وهو المتكأ، فأمرت المواشط بتزيين يوسف ﵇. وإخراجه إلى المجلس الذي كانت تجلس هي فيه والنسوة للشراب. وكانت الشمس ذلك الوقت محاذية لذلك المجلس. فأخذته المواشط ونظمن شعره باصناف الجوهر. وألبسنه ثوب ديباج اصفر منسوج بدوائر مذهبة. وفيها صور خضر صفار. وعدلن شعره على جبينه إلى قرب حاجبيه. ووصلن جبهته، وعقربن على خديه صدغيه، ورددن ذؤابته على صدره. ودفعن اليه بمذبة ذهب شعرها أخضر. فلما فرغ النسوة من أكلهن وجلسن للشراب، وأحضرت الفواكه وسقتهن أقداحاً دفعت اليهن السكاكين، وقالت لهن قد بلغني ما أخذتن فيه من أمري مع عبدي. فقلن لها إن الامر على ما بلغك إلا أنك أعلى عندنا قدراً من هذا ومثلك يرتفع عن اولاد الملوك لحسنك وشرفك وعقلك، فكيف كنت ترضين بعبدك؟ قالت لم يبلغكن الصدق عني. ولم ارض لنفسي بذلك، فلو رضيته لكان هو اهلا لذلك، وشارت إلى المواشط باخراجه، فرفعت ستور المجلس الذي يحاذي مجلسها

стр. 240

واقبل يوسف ﵇ والمذبة بيده، وهن يرمقنه، محاذيا للشمس. فأشرق المجلس وما فيه بوجه يوسف ﵇ وارسل مع نور الشمس شعاعا فكاد يخطف ابصارهن. واقبل يوسف ﵇ والمذبة بيده وهن يرمقنه حتى وقف على رأسها يذب عنها، وهن لا يعقلن، وقد وضعن تلك السكاكين على أيديهن وأصابعهن، فقطعنها مكان الفاكهة ولا يشعرن بذلك ولا يجدن ألما وهي تخطبهن فلا يفهمن خطابها للذي أدهشهن من النظر إلى وجه يوسف ﵇. فقالت لهن زليخا ما لكن قد اشتغلتن عن فهم خطابي بالنظر إلى عبدي؟ فقلن معاذ الله أن يكون هذا عبدك أو يكون هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم، ولم تبق منهن واحدة الا أنزلت وحاضت من محبته. فقالت لهن زليخا عند ذلك فهذا الذي لمتنني فيه، فقلن لها ما ينبغي لأحد أن يلومك بعد هذا، ومن لامك فقد ظلمك فدونكه، وقالت قد فعلت فأبى على فخاطبنه إن قدرتن وأعدنه الخير مني وحذرنه عقوبتي على رده لي، فكانت كل واحدة منهن تدعوه إلى نفسها سراً، وتبذل له ما قدرت عليه وهو يمتنع، فاذا قطعت رجاءها منه لنفسها حينئذ خاطبته عن زليخا، وقالت له مولاتك تحبك وأنت تكرهها، وما ينبغي أن تخالفها وهي تبلغك إلى افضل المنازل، وتعطيك من الأموال والجواهر فوق ما يرضيك، فيقول ما لي بذلك من حاجة، فلما رأين ذلك منه أجمعن على أخذه غصباً. فقالت زليخا ما يجوز ذلك ولا يمكن، ولكنه ان لم يفعل لامنعنه اللدات، ولأنزعن عنه جميع ما أعطيته ولأسجننه. فقال يوسف ﵇ رب السجن أحب إلي مما يدعونني اليه، فأقسمت بالهها، وكان صنما من زبرجد أخضر باسم عطارد أنه إن لم يجبها إلى ما تريده لتعجلن له ذلك وكشفت عن الصنم واستعانته على أمره، ثم أمرت بنزع ثيابه وألبسته الصوف وسألت زوجها أن يحبسه لها ليزول عنها ذكرها به فمال إلى قولها لئلا يظن الناس بأهله القبيح، وعسى [أن] ينفي عنها القالة بذلك.

стр. 241

فأمر بحبسه فحبس. فأقام في السجن بضع سنين. ورأى الملك في منامه كأن آتيا أتاه فقال له إن فلانا [وفلانا] (١) قد عزما على قتلك، وكان صاحبي طعامه وشرابه. وفي غد تقف على أمرهما. فلما أصبح قررهما فاعترفا وقيل اعترف احدهما، وأنكر الآخر فامر بحبسهما وكان اسم صاحب الشراب مرطيس. وكان يوسف ﵇ برا رؤفا بأهل السجن، يصبرهم ويعظهم ويعدهم بالفرج، ويفسر احلامهم. إلى أن اخبره صاحب طعام الملك وصاحب شرابه برؤياهما كما جاء به القرآن، فأخرجا من السجن. وكان كما أخبرهما ان قتل أحدهما وهو الذي اقر ونجا الآخر الذي لم يقر. وهو صاحب الشراب. ولما رأى الملك في نومه البقرات والسنابل وأراد أن يعبر رؤياه عرفه الساقي خبر يوسف ﵇. فأرسل إليه الى السجن ففسرها له وقيل إن الملك قال للرسول سله عن الرؤيا قبل أن تقصها عليه ففعل. فقال الملك عند ذلك فجئني به. فرجع الرسول إليه ليخرجه ويحمله إلى الملك. فقال له يوسف ﵇ لست أخرج حتى يكشف الملك عن امر النسوة اللاتي قطعن ايديهن وحبست من اجلهن. فأمر الملك في الوقت، فأحضرت زليخا والنسوة وكشف عن حقيقة الأمر فوقف عليه، وأقرت زليخا والنسوة بما كان منها. فوجه الملك إليه وأخرج من السجن وغسل من دونه ونظف وألبس من الثياب ما يليق به مثله على الملك. فلما دخل على الملك ورآه امتلأ قلبه من حبه. فانزله وأكرمه وسأله عن الرؤيا ففسرها له كما قال الله عزوجل في كتابه. فقال الملك ومن يقوم بذلك؟ فقال له يوسف ﵇ أنا فإني به عليم. فخلع عليه خلع الملك وألبسه تاجا. وأمر أن يطاف به، ويركب الجيوش

стр. 242

معه. ويرد إلى قصر الملك، ويجلس على سرير العزيز، فكان ذلك واستخلفه الملك مكانه وسماه العزيز. وقال قوم كان العزيز قد هلك، فتزوج يوسف ﵇ امرأته، فلما خلا بها قال لها هذا أفضل مما كنت أردت؟ فقالت له إن زوجي كان عنينا ولم ترك امرأة في حسنك وهيبتك إلا صبا قلبها إليك. فأقام يوسف ﵇ يدبر ملك مصر كيف شاء، وجاءت سني الخصب فاخذ يوسف غلاتها فخزن اكثرها في سنابلها، واشترى الغلات الجسيمة، وأكثر غلات الناس، وخزن من ذلك ما لا يحصر قدره. ثم جاءت سني الجدب وبدأ النيل في النقصان، فكان ينقص في كل سنة اكثر من نقصانه في السنة التي قبلها، فغلا السعر حتى بيع المأكول بالجوهر والمال والثياب والآنية والعقار. وكاد أهل مصر أن يرحلوا عنها لولا تدبير يوسف ﵇، وقحط أهل الشام، فكان من قصة إخوة يوسف ما قصه الله تعالى في كتابه. ووجه يوسف إلى أبيه فحمله إلى مصر وجميع أهله، وخرج في وجوه أهل مصر، فتلقاه وأدخله على الملك، فأحبه الملك وعظمه. فقال له يا شيخ كم سنك، وما صناعتك، وما الذي تعبده؟ فقال له أما سني فعشرون ومائة سنة، وأما صناعتي فلنا غنم نرعاها فنحن ننتفع بها ونعيش منها، وأما الذي أعبده فرب العالمين، وهو رب آبائي وآبائك وإلهي وإلهك وإله كل مخلوق وخالق كل شئ. وكان في مجلس الملك كاهن عظيم القدر عندهم، يقال له فيناس، فلما سمع قول يعقوب ﵇ ضاق به ذرعا، وقال لنهراوس بلغتهم إنه يجري خراب مصر على يد ولد هذا فقال له نهراوس، فبين لنا خبره. قال فيناس ليعقوب ﵇ إن كل إله لا تراه العيون فليس بشئ، فغضب يعقوب ﵇، وقال كذبت أي عدو الله، وطغيت في هذه الدنيا، إن الله تعالى شئ وليس كالأشياء، وهو خالق كل شئ لا إله غيره.

стр. 243

قال فصفه لنا، قال إنما يوصف المخلوق لا الخالق عزوجل، لأنه ارتفع عن الصفات، فهو واحد قديم أول أزلي قاض بكل شئ مدبر لكل شئ بلا كيف هو، حاضر في كل مكان لم يعزب عن علمه مثقال ذرة في ظلمات البحر، ولا اعماق الأرض، ولا في اطباق السموات وهو يرى ولا تراه العيون ولا يحيط به فكر ولا يحويه مكان، وكان قبل المكان والزمان، وخلق المكان والزمان. ثم قام يعقوب ﷺ مغضبا ليخرج، فأجلسه الملك وأمر فيناس ان يكف عنه، ويأخذ في غير ذلك، قال كم عدة من دخل معك من الرجال؟ قال ستون رجلا. قال فيناس للملك كذلك نجد في كتبنا ان خراب مصر يجري على يد قوم يدخلون مصر في هذا العدد من الشأم من صنف هؤلاء. قال الملك أيكون ذلك في ايامنا؟ قال لا ولكن إلى أمد بعيد، ولكن الصواب أن يقتله الملك ولا يستبقي من ذريته أحدا. قال الملك نهراوس إن كان الأمر كما تقول فلا يمكننا دفعه ولا علينا منه ضرورة إذا لم نخف أن يجري ذلك في مدتنا أن نقتل هؤلاء القوم، وهم يذكرون أمر إله عظيم. وغيرنا ممن يخاف أن يدور ذلك عليه أحق بالنظر فيه، وقد قبل قلبي قول هذا الرجل، وأعجبني امره، وهو شيخ جليل القدر، وليس إلى إذايته سبيل، فخاطبه بألين كلام وناظره إن شاء مناظرتك. فجرت بين يعقوب ﵇ وبين فيناس بعد ذلك مخاطبات لين له فيها القول، وظهر فيها يعقوب ﵇ [عليه] . وأحب يعقوب أن يعرف خبر مصر ومدائنها وعجائبها وسحرها وطلسماتها، فسأل عن قليل ذلك وكثيره فيناس عند خلوته به. واستحلفه بحق فرعون أن لا يكتمه شيئا منه، فوصف له ذلك كله وبينه وشرح غرائبه، حتى لم يخف عن يعقوب ﵇ شيئا منها.

стр. 244

فأقام يعقوب بمصر ونهر اوس يجله ويعظمه إلى ان حضرته الوفاة، فأوصى أن يحمل إلى مكانه من الشام، فجعل في تابوت، وخرج معه يوسف ﵇ ووجوه أهل مصر حتى بلغوه إلى موضعه، ودفن فيه ﵇، وقيل إن عيصو منعه من دفنه هناك لأن إسحق ﵇ وهبه الموضع، فاشتراه يوسف ﵇ منه بحكمه، ودفنه فيه. وأقام يوسف بمصر وولد له فيها، ويقال إن نهراوس آمن بيوسف ﵇، وكتم أيمانه خوفا من فساد ملكه. وملك نهراوس مائة وعشرين سنة، وفي وقته عمل يوسف ﵇ الفيوم لابنة الملك، وكان أهل مصر قد تنقصوا الملك، وقالوا قد كبر وذهب عقله، فاخبهر يوسف ﵇، فقال نهراوس ما أبالي ولكني قد وهبت لابنتي ناحية كذا وكذا، وهي مغايض مياه ومروج، وأحب أن أدفع عنها صبيب المياه وأخرج عنها ما حصل فيها حتى ترجع ارضا عامرة مغلة، فاعمل في ذلك واحكم ما يمكن. فخرج يوسف ﵇ فدبرها وأخرج المياه منها، وقطع مادتها منها، وبنى جسورها وقلع أدغالها وردها ارضاً عظيمة العمارة جسيمة الغلة، وهي أرض الفيوم، وفرغ من ذلك كله في مدة قريبة، فعجب الناس من فطنة الملك وحكمة يوسف ﵇. ويقال أن نهراوس أول من بنى بمصر (١) وبنى اللاهون، وجعل الماء فيه مقسوماً موزوناً، ثم مات نهراوس. واستخلف ابنه دريموس، ويسميه أهل الأثر داروم (٢) بن الريان وهو الفرعون الرابع عندهم. ولما ملك خالف سنة أبيه، وكان يوسف خليفته، لأن أباه أمره بذلك وأكد عليه فيه، فكان يوسف ﵇ يسدده فربما قبل منه وربما خالفه.

стр. 245

وظهر في وقته معدن فضة على ثلاثة أميال من النيل، فأثار منه شيئاً عظيماً، وعمل منه صنماً على اسم القمر، لأن طالعه كان على السرطان، ونصبه على قصر الرخام الذي كان ابوه بناه في شرقي النيل. ونصب حوله أصناماً كلها من فضة وألبسها الحرير الأحمر، وعمل للصنم عيداً في كل شهر، وهو إذا دخل القمر بالسرطان. وكان ينتقل إلى مواضع شتى يتنزه، وكلما أراد أن يضر الناس منعه يوسف ﵇ من ذلك ودفعه عن رأيه بأي وجه أمكنه، إلى ان مات يوسف ﵇ وله مائة وثلاث وعشرون سنة، فأمر به داروم فكفن في ثياب الملوك، وجعل في تابوت رخام، ودفن في الجانب الغربي من النيل وخصب، ونقص الجانب الشرقي. فاخرج تابوته من الجانب الغربي ونقل إلى الجانب الشرقي فدفن فيه ونقص الجانب الغربي. فاتفق رايهم أن يجعلوه في الجانب الغربي سنة وفي الشرقي سنة، ثم حدث لهم من الرأي أن شدوا حول التابوت حلقا من نحاس وثاقا ثم ربطوه بحبال وشدوه شدا وثيقا محكما ولووه لويا وثيقا ثم دلوه في وسط النيل، وتركوه هناك فأخصب الجانبان جميعاً وقيل إن داروم استوزره بعد بلاطس (١) الكاهن، فكان بلاطس يطلق له ما كان يوسف ﵇ منعه عنه، وعمله على أذى الناس وأخذ أموالهم، فبلغ بهم من ذلك مبلغاً كبيرا. فكان لا يسمع بامرأة حسناء إلا وجه إليها فحملت إليه. وفشا ذلك في المملكة وأضطرب الناس من فعله. فخاف بلاطس ان يفسد أمن المملكة، ويتلف الملك من فعله، فدخل اليه وأشار عليه أن يتودد الى الناس، ويعتذر منهم ويرد نساءهم، فأمره

стр. 246

الملك أن ينادي في الحضور ثم لبس افخر ثيابه، ودخل الناس اليه فشكوا اليه ما حل بهم، فاعتذر اليهم وأسقط عنهم خراج ثلاث سنين. ثم أمر بعمل قصر من خشب فيه عجائب كثيرة، وكان يركب فيه هو ونساؤه وحشمه، ورجع إلى ما كان عليه من ابتزاز النساء، ونهب الأموال، واستخدام الأشراف والوجوه، من القبط من بني إسرائيل. إلى أن ركب في ذلك القصر يوماً، فلما كان في بعض الليالي وقد أحدق النيل بالبلد، وكان الماء من الجبل الى الجبل، وامتد القمر على الماء وهو في قصره الخشب، فأراد أن يعدي من العدوة إلى العدوة الأخرى، فلم يتهيأ له سوق القصر بسرعة لعظمه، فركب مركباً لطيفاً مع ثلاثة نفر من خدمه وامرأة أبيه الساحرة. فلما توسط البحر هاجت ريح عاصفة، فانقلب المركب وغرق هو ومن معه، وأصبح الناس شاكين في أمره الى أن وجدت جثته بشطنوف فعرف بخاتمه، وبجوهر كان يتقلد به، فحمل إلى منف. وقدم الوزير ابنه معازيوس (١) وأجلسه على سرير الملك، وكان صبياً فبايع له الجيش وأسقط عن الناس الخراج الذي كان أبوه أسقطه وزادهم سنة وضمن لهم الاحسان فأطاعوه ورد نساءهم، وهو خامس الفراعنة، وكان في زمنه طوفان آخر ببعض البلد. وكان وزير أبيه قد هلك، فاستوزر كاهناً يقال له أملادة، فلما رأى من الاسرائيليين ما فعلوه أنكره، وأشار أن يفرد لهم من البلد [مكانا لئلا] بهم يختلط غيرهم، فأقطعوا موضعاً من قبلي منف، وعملوا لأنفسهم متعبداً كانوا يتلون فيه صحف إبراهيم ﵇. وان رجلاً من أهل بيت المملكة عشق امرأة من الاسرائيليين، وأراد أن يتزوج، فأبوا عن ذلك.

стр. 247

وتغلب احد ملوك الكنعانين على الشام وامتنع أهله ان يحملوا الضريبة إلى ملك مصر، وأقبل على ملازمة الهياكل والتعبد فيها، فأعظم الناس أمره فتجبر في نفسه، وأمر الناس ان يسموه رباً، وترفع أن ينظر في شئ من أمر المملكة، فجمع الناس وقال لهم قد رأيت أن أجعل امر الملك إلى ابني اقسامس وأكون من ورائه إلى أن يغيب شخصي عنكم كما وعدت، فرضوا ذلك، وقالوا الأمر أمر الملك ونحن عبيده، ومن رضيته الآلهة فحكم الخلق أن يرضوه ولا يخالفوه. فأقام ابنه أقسامس (١) الملك، وجلس أقسامس على سرير الملك، وتوج بتاج أبيه وأقام الناظرون (٢) بين يديه ورتب الناس مراتبهم، وقسم الكور والاعمال، نوأمر بأبساط العمارات، وأوسع على الناس في أرزاقهم، وعلا أمره وطال ملكه، وعمل مدنا كثيرة أسفل الأرض وعجائب كثيرة يطول ذكرها، ويقال إن بخت نصر لما ظفر بمصر أخذ من عمله عجائب كثيرة، فأقام أول ولايته سبع سنين باجمل أمر وأصلح حال. ومات وزير أبيه فاستخلف رجل من اهل بيت المملكة، يقال له طلما (٣)

стр. 248

ابن قومس، وكان شجاعاً ساحراً كاهناً كاتباً حكيماً ذهنياً متصرفاً في كل فن. فصلح أمر المملكة بمكانه واحبه الناس، فعمل معالم كثيرة وعمر الخراب، وبنى مدنا، ورأى في نجومه أنه سيكون جدب وشدة، فاستعمل ما استعمله نهراوس الملك وقد تقدم ذكره. وبنى الهياكل، وقيل إن منارة الاسكندرية بنيت في زمانه، وفي زمانه هاج البحر المالح فغرق كثير من القرى والأخبية والمصانع. وحكي أن أقسامس تغيب عن الناس مدة، وقيل مات وكتموا موته، وكان ملكه إلى أن غاب عنهم إحدى وثلاثين سنة، وأقاموا إحدى عشرة سنة يدبر ملكهم طلما الكاهن. ولما افتقد الناس الملك اضطربوا وتغيروا على طلما، واتصل بهم أنه سمه وقتله، فقالوا لابد لنا من النظر إلى الملك، فعرفهم أنه قد تخلى عن الملك وولى ابنه لاطس، فما قبلوا منه، وأمر الجيش فركبوا في السلاح. وكان لاطس الملك جلس على سرير الملك ولبس التاج وكان جريئاً معجباً خلقا، فوعد الناس جميلا وقال أنا مستقيم لكم ما استقمتم، وإن ملتم عن الواجب ملت عنكم، وألزم الناس اعمالهم، وحط جماعة من الوجوه عن مراتبهم، وصرف طلما بن قومس عما كان عليه من خلافته.

стр. 249

واستخلف رجلاً يقال له لا هوق من ولد صا الاكبر بن تدارس، ودفع اليه خاتمه، وكان كاهناً وأنفذ طلما عاملاً على الصعيد، وأنفذ مع جماعة من الاسرائيليين، وجدد بناء الاعلام وأصلح الهياكل، وبنى قرى كثيرة، وأثيرت في وقته معادن كثيرة وكنوز. وكان محباً [للخلق] (١) ثم تجبر وعلا، وأمر أن لا يجلس أحد في قصر الملك لا كاهن ولا غيره، بل يقومون على ارجلهم إلى ان ينصرفوا، وزاد في أذى الناس والعنف بهم، ثم جمع أموالهم وكنزها، وطلب النساء فابتز منهن خلقاً كثيراً، وقصد الناس بسطوته وفظاظته. واستعبد بني اسرائيل، وقتل جماعة من الكهنة فبغضه الخاص والعام، ثم حشد عليه طلما الذي صرفه وولاه الصعيد فجاءه بجيش كثيف، وخرج اليه بلاطس (٢) الملك، فحاربه طلما فظفر ببلاطس وقتله، وسار حتى دخل منف فعاث فيها. ونزل قصر المملكة طلما بن قومس، فجلس على سرير الملك وحاز جميع ما كان في خزائنهم، فهذا الذي تذكر القبط أنه فرعون موسى صلى الله عليه وعلى نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. وأما أهل الأثر فيزعمون انه الوليد بن مصعب، وأنه من العمالقة وذكروا ان الفراعنة سبعة. وكان طلما فيما يحكى عنه قصيراً طويل اللحية، أشهل العينين صغير العين اليسرى، في جبينه شامة، وأنه كان أعرج. وزعم قوم أنه كان لقيطاً، والدليل على ذلك ميله اليهم ونكاحه فيهم، ولما جلس في الملك اضطرب الناس عليه، فبذل الأموال ورغب من أطاعه، وقتل من خالفه فاعتدل أمره. وكان أول ما عمله أن رتب المراتب وشيد الأعلام وبنى المدن، وخندق

стр. 250

الخنادق، وعمل بناحية العريش حصناً، وكذلك على حدود مصر، واستخلف هامان وكان يقرب منه في نفسه. وأثار بعض الكنوز وصرفها في بناء المدائن والعمارات، وحفر خلجاناً كثيرة، ويقال أنه الذي حفر خليج سودوس، فكان كلما عرجه إلى قرية من قرى الحوف حمل اليه أهلها مالا، فاجتمع من ذلك شئ كثير، فأمر برده على أهله. وبلغ الخراج في وقته سبعاً وستين ألف ألف، وكان ينزل الناس على منازلهم وهو أول من عرف العرفاء على الناس. وكان ممن صحبه من الاسرائيليين رجل يقال له إمرى وهو عمران أبو موسى ﵇، فجعله حرساً لقصره يتولى حفظه وإغلاقه بالليل. وكان قد رأى في كهانته أنه يجري هلاكه على يد مولود من الاسرائيليين فمنعهم المناكحة ثلاث سنين لأنه رأى أن ذلك المولود يكون فيها، وأن امرأة إمرى يعني عمران أتته بعض الليالي بشئ أصلحته له فواقعها فحملت بهارون، ثم واقعها في السنة الثالثة فحملت بموسى ﵉، فرأى في كهانته أنه قد حمل بذلك المولود، فأمر بذبح المولودين الذكور من بني إسرائيل، ولم يتعرض لأمرى لقربه منه، ولحراسته قصره. الا أن موسى كان من أمره ما قصه الله عزوجل في كتابه من أمر التابوت وقذف أمه في النيل إلى ان صار الى تحت قصره، وأخذ امرأته له واسترضاعها لأمه. وامتنع فرعون من قتله إلى أن كبر وعظم شأنه، ورد فرعون كثيرا من أمره وجعله من قواده، وكانت له سطوة، ثم وجهه لغزو الكوشانيين، وكانوا قد عاثوا في أطراف مصر، فخرج في جيش كثيف ورزقه الله الظفر، فقتل منهم خلقاً وأسر خلقاً وانصرف غانما سالماً، فسر به فرعون وامرأته. فاستولى وهو غلام على كثير من أمر فرعون، وأراد أن يستخلفه حتى قتل رجلاً من أشراف القبط، وكان يقرب من فرعون فهرب منه.
следующие страницы →