الملك أن ينادي في الحضور ثم لبس افخر ثيابه، ودخل الناس اليه فشكوا اليه ما حل بهم، فاعتذر اليهم وأسقط عنهم خراج ثلاث سنين.
ثم أمر بعمل قصر من خشب فيه عجائب كثيرة، وكان يركب فيه هو ونساؤه وحشمه، ورجع إلى ما كان عليه من ابتزاز النساء، ونهب الأموال، واستخدام الأشراف والوجوه، من القبط من بني إسرائيل.
إلى أن ركب في ذلك القصر يوماً، فلما كان في بعض الليالي وقد أحدق النيل بالبلد، وكان الماء من الجبل الى الجبل، وامتد القمر على الماء وهو في قصره الخشب، فأراد أن يعدي من العدوة إلى العدوة الأخرى، فلم يتهيأ له سوق القصر بسرعة لعظمه، فركب مركباً لطيفاً مع ثلاثة نفر من خدمه
وامرأة أبيه الساحرة.
فلما توسط البحر هاجت ريح عاصفة، فانقلب المركب وغرق هو ومن معه، وأصبح الناس شاكين في أمره الى أن وجدت جثته بشطنوف فعرف بخاتمه، وبجوهر كان يتقلد به، فحمل إلى منف.
وقدم الوزير ابنه معازيوس (١) وأجلسه على سرير الملك، وكان صبياً فبايع له الجيش وأسقط عن الناس الخراج الذي كان أبوه أسقطه وزادهم سنة وضمن لهم الاحسان فأطاعوه ورد نساءهم، وهو خامس الفراعنة، وكان في زمنه طوفان آخر ببعض البلد.
وكان وزير أبيه قد هلك، فاستوزر كاهناً يقال له أملادة، فلما رأى من الاسرائيليين ما فعلوه أنكره، وأشار أن يفرد لهم من البلد [مكانا لئلا] بهم يختلط غيرهم، فأقطعوا موضعاً من قبلي منف، وعملوا لأنفسهم متعبداً كانوا يتلون فيه صحف إبراهيم ﵇.
وان رجلاً من أهل بيت المملكة عشق امرأة من الاسرائيليين، وأراد أن يتزوج، فأبوا عن ذلك.
стр. 247
وتغلب احد ملوك الكنعانين على الشام وامتنع أهله ان يحملوا الضريبة إلى ملك مصر، وأقبل على ملازمة الهياكل والتعبد فيها، فأعظم الناس أمره فتجبر في نفسه، وأمر الناس ان يسموه رباً، وترفع أن ينظر في شئ من أمر المملكة، فجمع الناس وقال لهم قد رأيت أن أجعل امر الملك إلى ابني اقسامس وأكون من ورائه إلى أن يغيب شخصي عنكم كما وعدت، فرضوا ذلك، وقالوا الأمر أمر الملك ونحن عبيده، ومن رضيته الآلهة فحكم الخلق
أن يرضوه ولا يخالفوه.
فأقام ابنه أقسامس (١) الملك، وجلس أقسامس على سرير الملك، وتوج بتاج أبيه وأقام الناظرون (٢) بين يديه ورتب الناس مراتبهم، وقسم الكور والاعمال، نوأمر بأبساط العمارات، وأوسع على الناس في أرزاقهم، وعلا أمره وطال ملكه، وعمل مدنا كثيرة أسفل الأرض وعجائب كثيرة يطول ذكرها، ويقال إن بخت نصر لما ظفر بمصر أخذ من عمله عجائب كثيرة، فأقام أول ولايته سبع سنين باجمل أمر وأصلح حال.
ومات وزير أبيه فاستخلف رجل من اهل بيت المملكة، يقال له طلما (٣)
стр. 248
ابن قومس، وكان شجاعاً ساحراً كاهناً كاتباً حكيماً ذهنياً متصرفاً في كل فن.
فصلح أمر المملكة بمكانه واحبه الناس، فعمل معالم كثيرة وعمر الخراب، وبنى مدنا، ورأى في نجومه أنه سيكون جدب وشدة، فاستعمل ما استعمله نهراوس الملك وقد تقدم ذكره.
وبنى الهياكل، وقيل إن منارة الاسكندرية بنيت في زمانه، وفي زمانه هاج البحر المالح فغرق كثير من القرى والأخبية والمصانع.
وحكي أن أقسامس تغيب عن الناس مدة، وقيل مات وكتموا موته، وكان ملكه إلى أن غاب عنهم إحدى وثلاثين سنة، وأقاموا إحدى عشرة سنة يدبر ملكهم طلما الكاهن.
ولما افتقد الناس الملك اضطربوا وتغيروا على طلما، واتصل بهم أنه سمه وقتله، فقالوا لابد لنا من النظر إلى الملك، فعرفهم أنه قد تخلى عن الملك وولى ابنه لاطس، فما قبلوا منه، وأمر الجيش فركبوا في السلاح.
وكان لاطس الملك جلس على سرير الملك ولبس التاج وكان جريئاً معجباً خلقا، فوعد الناس جميلا وقال أنا مستقيم لكم ما استقمتم، وإن ملتم عن الواجب ملت عنكم، وألزم الناس اعمالهم، وحط جماعة من الوجوه عن مراتبهم، وصرف طلما بن قومس عما كان عليه من خلافته.
стр. 249
واستخلف رجلاً يقال له لا هوق من ولد صا الاكبر بن تدارس، ودفع اليه خاتمه، وكان كاهناً وأنفذ طلما عاملاً على الصعيد، وأنفذ مع جماعة من الاسرائيليين، وجدد بناء الاعلام وأصلح الهياكل، وبنى قرى كثيرة، وأثيرت في وقته معادن كثيرة وكنوز.
وكان محباً [للخلق] (١) ثم تجبر وعلا، وأمر أن لا يجلس أحد في قصر الملك لا كاهن ولا غيره، بل يقومون على ارجلهم إلى ان ينصرفوا، وزاد في أذى الناس والعنف بهم، ثم جمع أموالهم وكنزها، وطلب النساء فابتز منهن خلقاً كثيراً، وقصد الناس بسطوته وفظاظته.
واستعبد بني اسرائيل، وقتل جماعة من الكهنة فبغضه الخاص والعام، ثم حشد عليه طلما الذي صرفه وولاه الصعيد فجاءه بجيش كثيف، وخرج اليه بلاطس (٢) الملك، فحاربه طلما فظفر ببلاطس وقتله، وسار حتى دخل منف فعاث فيها.
ونزل قصر المملكة طلما بن قومس، فجلس على سرير الملك وحاز جميع ما كان في خزائنهم، فهذا الذي تذكر القبط أنه فرعون موسى صلى الله عليه وعلى نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
وأما أهل الأثر فيزعمون انه الوليد بن مصعب، وأنه من العمالقة وذكروا ان الفراعنة سبعة.
وكان طلما فيما يحكى عنه قصيراً طويل اللحية، أشهل العينين صغير العين اليسرى، في جبينه شامة، وأنه كان أعرج.
وزعم قوم أنه كان لقيطاً، والدليل على ذلك ميله اليهم ونكاحه فيهم، ولما جلس في الملك اضطرب الناس عليه، فبذل الأموال ورغب من أطاعه، وقتل من خالفه فاعتدل أمره.
وكان أول ما عمله أن رتب المراتب وشيد الأعلام وبنى المدن، وخندق
стр. 250
الخنادق، وعمل بناحية العريش حصناً، وكذلك على حدود مصر، واستخلف هامان وكان يقرب منه في نفسه.
وأثار بعض الكنوز وصرفها في بناء المدائن والعمارات، وحفر خلجاناً كثيرة، ويقال أنه الذي حفر خليج سودوس، فكان كلما عرجه إلى قرية من قرى الحوف حمل اليه أهلها مالا، فاجتمع من ذلك شئ كثير، فأمر برده على أهله.
وبلغ الخراج في وقته سبعاً وستين ألف ألف، وكان ينزل الناس على منازلهم وهو أول من عرف العرفاء على الناس.
وكان ممن صحبه من الاسرائيليين رجل يقال له إمرى وهو عمران أبو موسى ﵇، فجعله حرساً لقصره يتولى حفظه وإغلاقه بالليل.
وكان قد رأى في كهانته أنه يجري هلاكه على يد مولود من الاسرائيليين فمنعهم المناكحة ثلاث سنين لأنه رأى أن ذلك المولود يكون فيها، وأن امرأة إمرى يعني عمران أتته بعض الليالي بشئ أصلحته له فواقعها فحملت بهارون،
ثم واقعها في السنة الثالثة فحملت بموسى ﵉، فرأى في كهانته أنه قد حمل بذلك المولود، فأمر بذبح المولودين الذكور من بني إسرائيل، ولم يتعرض لأمرى لقربه منه، ولحراسته قصره.
الا أن موسى كان من أمره ما قصه الله عزوجل في كتابه من أمر التابوت وقذف أمه في النيل إلى ان صار الى تحت قصره، وأخذ امرأته له واسترضاعها لأمه.
وامتنع فرعون من قتله إلى أن كبر وعظم شأنه، ورد فرعون كثيرا من أمره وجعله من قواده، وكانت له سطوة، ثم وجهه لغزو الكوشانيين، وكانوا قد عاثوا في أطراف مصر، فخرج في جيش كثيف ورزقه الله الظفر، فقتل منهم خلقاً وأسر خلقاً وانصرف غانما سالماً، فسر به فرعون وامرأته.
فاستولى وهو غلام على كثير من أمر فرعون، وأراد أن يستخلفه حتى قتل رجلاً من أشراف القبط، وكان يقرب من فرعون فهرب منه.
стр. 251
وخرج الى ناحية مدين، وتزوج ابنة ثيرون، وهو شعيب ﵉، على ان يرعى غنمه وأنسأه بأجلين فقضى أتمهما وأرسله الله الى فرعون.
وولدت امرأته فذهب يقتبس لها ناراً، فكلمه الله تعالى في جبل الطور، وقال له: أمض الى فرعون، وايده باخيه فترك امرأته محلها ومضى لرسالة ربه.
وولدت امرأته فأرسل الله تعالى جبريل بما يصلحها من آلة الولادة وختن ابنها، وكانت الغنم تغدو من عندها وترجع اليها بغير راع.
وحمل جبريل ﵇ الغلام حتى أراه موسى وهو سائر الى مصر فقبله، وتفل في فيه ورده الى امه، ومر بها رجل من آل شعيب فردها الى
مدين، وصار موسى إلى مصر ولقي اخاه هارون ولم يثبته لطول غيبته، وكان يغتسل على شاطئ النيل، فاستضافه فأضافه وأطعمه جلبانا مطبوخاً قد ثرد فيه ثريد، وتعارفا وسر بعضهما ببعض وعرفه ان الله عزوجل أرسله ونبأه هو واخوه، وجعله له عضداً.
وغدوا الى فرعون وأقاما اياما، وعلى كل واحد منهما جبة صوف، ومعه عصاه التي أخذها من شعيب ﵉ ومنها كانت احدى آياته، فكانا يأتيان في كل يوم ويجلسان ببابه فلا يصلان الى فرعون لشدة حجابه، إلى أن دخل اليه مضحك كان له فعرفه حالهما، وقال بالباب رجلان يطلبان الاذن عليك، ويزعمان أن إلههما أرسلهما اليك، فأمر بإدخالهما وخاطبه موسى وأراه آية العصا، وآيته في بياض اليد، وهما آيتان من تسع، وكان من خطابه إياه ما قصه الله في كنابه.
فغاظ فرعون أمره وهم بقتله، فمنعه الله تعالى منه وشغله عنه، ورأى طلما فرعون كأن على صورة غمامة قد اقبلت، فمسحت على عيونهم فعموا.
стр. 252
ثم أمر قوما آخرين بقتله، فرأى كأن ناراً قد أتت فاحرقتهم، فازداد عليه غيظاً، وقال له من أين لك هذه النواميس العظام؟ أسحرة بلدي علموك هذا، أم تعلمته بعد خروجك من عندنا؟ قال هذا من ناموس السماء، وليس من نواميس الأرض.
قال ومن صاحبه؟ قال صاحب البنية العليا، قابل بل علمتها من بلدي، وأمر بجمع السحرة والكهنة وأصحاب النواميس فقال أخرجوا عليّ أرفع اعمالكم، فإني أرى نواميس هذا الساحر رفيعة جداً، فعرضوا عليه اعمالهم فسره ذلك، وأحضره وقال له فقت على سحرك وعندي من يوفي عليك، فواعدهم يوم الزينة، وهو يوم عيد كان لهم، على ان
من غلب منهما اتبعه الاخر، وكان جماعة من أهل البلد اتبعوا موسى ﷺ ، وكانت السحرة مائة الف وأربعين ألفاً، فعملوا من الأعمال ما يرى الوجوه ملونة ومشوهة، ومنها الطويل ومنها العريض، ومنها المقلوب جبهته إلى اسفل ولحيته الى فوق، ومنها ما له قرون ومنها ما هو عظيم على قدر الترس ومنها ما له آذان عظام، ومنها ما يشبه وجوه القرود.
وفي كل فن وفي كل صورة، وأجساماً عظاماً ما تبلغ السحاب، وحيات عظيمة بأجنحة تطير الى الهواء، ويرجع بعضها على بعض.
وحيات يخرج من أفواهها نار يخيل للعالم انها تكاد تحرقه، وحيات برؤس وشعور، وأذناب فيها رؤس، وتماثيل في طرق الشياطين.
ثم عملوا دخاناً يغشى أبصار الناس، فلا يرى بعضم بعضاً، ودخاناً يظهر صوراً مثل النيران في الجو، على دواب مثل ذلك يصدم بعضها بعضاً، وتسمع لها قعاقع وضجة، وصوراً اخرى على دواب خضر، وصوراً سوداً على دواب سود.
فلما رأى فرعون ذلك سر هو وجماعته ممن حضر معه، واغتم موسى
стр. 253
صلى الله عليه وسلم، ومن كان آمن به وكفر [بفرعون] (١) خوفا على فتنة الناس بذلك وضلالهم.
وكان للسحرة ثلاث رؤس، فلما رأى موسى صلوات الله عليه ذلك وضاق به ذرعا أتاه جبريل ﵇، وقال له لا تخف إنك انت الأعلى وألق ما في يمينك، فسر بذلك موسى ﵇، وطمع في إيمان الناس وسكن خوفه فأسر إلى عظماء السحرة وقال قد رأيت ما صنعتم، فان قهرتكم أتؤمنون بالله؟ قالوا نشهد لنفعلن، فرآه فرعون، وقد اسر اليهم
فغاظه وهم بمعاجلة (٢) الجميع، ثم توقف ليعلم آخر القضية، والناس يهزؤون منه ومن أخيه وعليهما دراعتان من صوف، وقد احتزما بالليف، ومع موسى ﵇ عصاه.
فسمى موسى ععليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم ثم حلق العصا ورفعها في الجو ورفعها جبريل ﵇ حتى غابت عن عيونهم، ثم اقبلت في صورة ثعبان عظيم له عينان كالترس تتوقدان ناراً، وتخرج من فيه ومن منخره، وهو يزيد غضباً لله تعالى، فلا يقع من زبده شئ على أحد إلا أبرصه، وبرصت من ذلك ابنة فرعون والثعبان فاتح فاه.
وذكر أن امه كانت حاضرة قريبا منهم، فابتلع الثعبان جميع ما عملته السحرة ومائتي مركب كانت مملوءة عصيا وحبالا، وجميع من كان فيها من الملاحين.
وكان في النهر الذي يتصل بدار فرعون عمد كبيرة وحجارة، وكانت قد حملت إلى هناك ليبنى بها، وأقبل الثعبان إلى قصر فرعون ليبلعه، وكان في قبة له على جانب القصر يشرف على عمل السحرة، فوضع الثعبان نابه تحت
стр. 254
القصر، ورفع بابه الآخر إلى اعلى القبة ولهب النار يخرج من فيه، وقد احرق مواضع من القصر، فصاح فرعون عند ذلك، واستغاث بموسى ﷺ فزجره فعطف على الناس ليبتلعهم، وبلع بعضهم فسقط بعضهم على وجوه بعض.
وذهب ليبتلعهم فأمسكه موسى ﵇، وعاد في يده عصا كما كانت ولم يروا لتلك المراكب أثرا، وكان فيها من الحبال والعصي والناس والأعمدة والحجارة وما شربه من ماء النهر حتى بانت أرضه ترابا.
فلما رأى السحرة ذلك، ولم يروا لتلك الأعيان اثرا قالوا ما هذا عمل الآدميين! وانما نصنع مخاييل لا تغيب عن الأعيان، فقال لهم موسى أوفوا يوعدكم وإلا سلطته عليكم فيبتلعكم كما ابتلع غيركم.
فعندها آمن السحرة بموسى ﵇، وجاهروا فرعون،، وقالوا هذا من فعل إله السموات وليس من فعل إله الارض.
(١) فقال فرعون قد علمت أنكم واطأتموه علي وعلى ملكي حسدا منكم لي، وأمر مثل ذلك، وجاهره فقطعت ايديهم وأرجلهم من خلاف.
وكانوا يرون مساكنهم من الجنة قبل أن يموتوا، وجاهرته امرأته ففعل بها المؤمن ففعل به مثل ذلك.
وكان الروحاني قد قال له إني رب السماء وأنت رب الأرض قد استخلفتك فيها، فأنت رب كل من سكنها من الخلق، فتجبر وادعى الربوبية وشق الانهار وغرس الأشجار.
فلما كان من امر موسى ﵇ ما كان، فسد ذلك الروحاني وسقطت الطلسمات، وبعض الهياكل والمنارات وخرت الأصنام على وجهها، وعلت
стр. 255
آيات موسى، وبطل ما كان من الطوفان والجراد والقمل والضفادع، فتحول ماؤهم دما، فكانت الاسرائيلية تسقي القبطية من فمها ماء فيعود في فم القبطية دما عبيطا، وتعض على الرغيف لتأكل منه فتعض على الضفدع، واتلف الجراد والقمل جميع ذروعهم، وهدم الماء ابنيتهم، وبعض منازلهم وتبين للناس أنه لا ينفعهم.
وضاق صدر فرعون من ذلك، فرجع إلى مداراة موسى ﵇،
ووعده أن يستخلفه على ملكه، وأشار عليه هامان والكهان ان لا يفعل.
ثم أمر الرعية أن يقتلوا موسى، فخرج جماعة [إلى] (١) الموضع الذي فيه لذلك، فأتت نار فأحرقتهم.
ورأى فرعون كأنه أخذ برجليه، ونكس على رأسه في حظيرة نار، وكأنه يستغيث، ويقول إني لمؤمن بموسى وربه فخلوا عنه، فدعا هامان وعرفه ذلك، وقال له لم يبق بعد هذا شئ، وأريد أن أو من بموسى، فقال له هو الذي عمل لك الرؤيا ليهولك، فتريد أن تكون عبداً بعد ان كنت ربا! وتستتخف بك رعيتك، وتسلب ملكك! قال فتلطف به وبعد ذلك منعه منه، وكان يبعث اليه سرا ويستنظره، فلما تم الأجل ولم يفعل فرعون شيئاً كثر البلاء عليهم، وتهدمت منازلهم وفسدت زروعهم وكثرت الآيات في منازلهم.
وكان الناس قد خافوا موسى وهابوه، وكانوا يؤمنون به سرا، فمن آمن به زال عنه الأذى فلما زاد الأمر على فرعون أحضر موسى وقال له إن أحببتك ما لي عندك؟ قال أردد شبابك، وأضعف عمرك، وآمنك من جميع العلل، ومن زوال
стр. 256
ملكك، وأعلي يدك على من ناوأك من الملوك، وأكثر فيك نشاطك، واكلك وشريك.
قال له فرعون إن فعلت ذلك فقد أنصفت فانظرني إلى غد، ثم شاور هامان فمنعه، وقال له نموت غدا أصلح لنا، قال فلما يئس منه قال فأطلق لي بني إسرائيل قال انما تربد اخراجهم من بلدي لتكون عليهم أميراً ملكا،
وانا انتفع بخدمتهم، وهذا حسد منك لي.
قال له موسى ﵇ فأنتقل على ان لا تدعي الربوبية، قال اذاً أنقص من أعين الناس، قال فان الله سيهلكك ويهلك قومك، وتصير ارواحكم إلى نار حامية، قال فإني أفعل ذلك معك سرا ولا افعله جهراً، وأقرب للآلهة (١) القرابين العظام.
قال موسى ﵇ أن إلهي لا يرضيه إلا أن يؤمن به الناس أجمعون، فأما أن تؤمن به وحدك سرا دون الناس، فلا يرضيه ذلك ولا يقبله منك سرا حتى تظهره.
قال وإن لم تفعل ذلك فان الله مهلك واهلك، وعلامة هلاكك أن لا يبقى لك هيكل إلا تهدم ولاصنم إلا خر، وقد خالفت ما دعوتك اليه مراراً كثيرة، وأنا احذرك الخلاف، وإن الله سيعجل لك العقوبة ولا ينظرك.
ثم إن فرعون طول مطل موسى ﵇ بما وعده في امر بني إسرائيل، ولم ينجزه، ورأى موسى ﵇ أنه لا يرجع إلى خير ولا ينفع فيه وعظ، وخاف أن يفجأ بني إسرائيل بايذاء كثير، فعزم على الخروج عنه ببني إسرائيل.
وحضر لبني إسرائيل عيد كانوا يجتمعون فيه، فأمر موسى ﵇ نساء بني إسرائيل أن يستعرن حلى نساء القبط، ويأخذن منه ما يقدرن عليه من ثيابهن، ويتزين به في عيدهن، ففعلن ذلك، ثم دعونهن في عيدهن فأكلن معهن وشربن.
стр. 257
وكان موسى ﵇ ابعدهم قليلا إلى المشرق، وأمر أن يبعدوا
هنالك، فلما أكلوا وشربوا ألقى الله تعالى على القبطيين رجالا ونساء السبات حتى منعهم من كل شئ.
ثم سار موسى ﵇ بجميع بني إسرائيل من أول الليل، وكان عددهم ستمائة ألف وأربععين ألفا ونيفا.
وأخرجوا تابوت يوسف ﵇ من النيل وحملوه معهم، دلتهم على موضعه عجوز مؤمنة من القبط، ومضت معهم.
فسار ببني إسرائيل إلى ناحية بحر القلزم ليخفي آثارهم، فلما كان من آخر الليل عرف فرعون بخروجهم، وما فعلوه بنساء القبط من إعارة حليهن إلى الاسرائيليات ودعائهن به، فجلس لوقته ونادى في الناس، فلما اجتمعوا أمرهم أن يتأهبوا للركوب في آثارهم وأجلهم ثلاثة أيام.
وخاطب كل من قرب منهم وبعد من جيوشه وحشوده أن لا يتأخروا عن لحاقه طرفة عين، فلما أصبح في اليوم الرابع ركب الناس، وركب معهم يتقدمهم واتبعوا آثار بني إسرائيل، ولم يبق أحد من اولاد الملوك ولا من أتباعهم ولا من فيه فضل إلا سار معه، فيقال إنه كمل عددهم، وزاد على موسى ﵇ ستة آلاف ألف.
فلم يمر موسى ﵇ بعلم من أعلامهم إلا سقط، ولا بصنم إلا سقط لوجهه، وساروا مقربين حتى لحقوهم على ساحل البحر.
فلما أحس موسى ﵇ بهم، قال لأخيه هارون تقدم إلى البحر وكنه بأبي العماس، ومره ان يكف عنا موجه، ويسكن عنا حركته، حتى أصل أنا ومن معي.
فمضى هارون لذلك، وركب موسى ﵇، فلما وقف موسى على البحر ضربه بعصاه، فانشق لوجهه، وظهرت فيه اثنتي عشرة طريقة، فدخل
كل سبط على طريق، وجعل بينهم طاقات رقيقة من الماء ليرى بعضهم بعضا، فدخل القوم، ودخل موسى ﵇ في آخرهم.
стр. 258
فلما رآهم في البحر هم بتركهم خوفا من البحر، فأقبل جبرئيل ﵇ بفرس بلقاء، فدخل في أثرهم، فلما رآها فرس فرعون اقتحم به في اثرها، فلم يقدر فرعون على إمساكه، لأنه كان حصانا، وقد كان طال عمره.
فلما دخل فرعون اتبعه قومه عن آخرهم، فلم يبق في البر احد منهم فتوسطوا البحر، وقد خرج موسى ﵇ ومن معه من الناس، فامر الله تعالى ﷻ جبريل ﵇ أن يطبق البحر على فرعون وقومه ففعل.
فلما رأى ذلك فرعون قال آمنت أنه لاإله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين، ولم يقلها صحيح النية.
فلما سمعه جبريل ﵇ رجمه بكف من الحمأة ضرب بها وجهه، وسد بها فاه، خوفا أن يرحمه الله تعالى بذلك القول.
فغرق الجميع ولم يفلت منهم أحد، وحملت أرواحهم إلى النار، ولما هلكوا طرح الله تعالى [جملة منهم] على عبر البحر، منهم فرعون في موضع مرتفع من الارض، حتى رأوه وعرفوه وبين الله ذلك في كتابه الكريم الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ .
تم وكمل كتاب أخبار الزمان وما أباده الحدثان وعجائب البلدان، والغامر بالماء والعمران، بمعونة الله وقوته، فله الحمد والشكر على ما أولى من النعم الجسام والبر والأنعام.
على يد أضعف عباد الله وأحوجهم إلى الرحمة والمغفرة والرضوان عبد الرحمن بن محمد بن محمد البصري سامحه الله وغفر له ولوالديه، ولمن كان السبب
البحر، وقد خرج موسى ﵇ ومن معه من الناس، فامر الله تعالى ﷻ جبريل ﵇ أن يطبق البحر على فرعون وقومه ففعل.
فلما رأى ذلك فرعون قال آمنت أنه لاإله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين، ولم يقلها صحيح النية.
فلما سمعه جبريل ﵇ رجمه بكف من الحمأة ضرب بها وجهه، وسد بها فاه، خوفا أن يرحمه الله تعالى بذلك القول.
فغرق الجميع ولم يفلت منهم أحد، وحملت أرواحهم إلى النار، ولما هلكوا طرح الله تعالى [جملة منهم] على عبر البحر، منهم فرعون في موضع مرتفع من الارض، حتى رأوه وعرفوه وبين الله ذلك في كتابه الكريم الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ .
تم وكمل كتاب أخبار الزمان وما أباده الحدثان وعجائب البلدان، والغامر بالماء والعمران، بمعونة الله وقوته، فله الحمد والشكر على ما أولى من النعم الجسام والبر والأنعام.
على يد أضعف عباد الله وأحوجهم إلى الرحمة والمغفرة والرضوان عبد الرحمن بن محمد بن محمد البصري سامحه الله وغفر له ولوالديه، ولمن كان السبب في كتابته ولمن قرأ فيه ولجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
ووافق الفراغ في نسخه يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى أحد شهور سنة اثنين وثمانين وثمانمائة أحسن الله علي بها.
والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله آمين آمين آمين وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل ولاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم استغفر الله الكريم.