← Акыда

Акыда · id 8622

الصارم المنكي في الرد على السبكي

ابن عبد الهادي

Полный текст (343 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

يتشاغل بغيره، قال: وهذا في العمرة متجه، لأنه يمكنه فعلها متى وصل إلى مكة، وأما الحج فله وقت مخصوص، فإذا كان الوقت متسعاً لم يفت عليه بمروره بالمدينة شيء، وممن نص على هذه المسألة من الأئمة أبو حنيفة، وقال: الأحسن أن يبدأ بمكة، روى ذلك الحسن بن زياد عنه (١) ، فيما حكاه أبو الليث السمرقندي، انتهى كلامه. وهذا الذي ذكره في البداية بمكة ليس فيه ما يحصل مراده ومطلوب ثم قال: فانظر كلام السلف والخلف في إتيان المدينة، إما قبل مكة، وإما بعدها، ومن أعظم ما تؤتي له المدينة الزيارة، ثم أخذ في الاستدلال على هذه الدعوى المجردة بما لا يصلح أن يكون شبه فقال: ألا ترى أن بيت المقدس لا يأتيه إلا القليل من الناس، وأن كان مشهوداً له بالفضل والصلاة فيه مضاعفة فتوفر الهمم خلفاً عن سلف على إتيان المدينة، إنما هو لأجل الزيارة، وإن اتفق معها قصد عبادات أخرى فهو مغمور بالنسبة إليها. ولا يخفى على من له أدنى فهم ومعرفة بالمعلم أن ما زعمه المعترض من الحكم ودليله في هذا المحل دعوي مجردة عن دليل، فتقابل بالمنع وعدم القبول، وقد ذكر قريباً عن النفر عن أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا إذا حجوا يبدأون بالمدينة وأنهم عللوا ذلك بما زعمه وادعاه. ثم ذكر المعترض في هذا المكان كلاماً عليه فيه مؤاخذات ومناقشات يطول الكتاب بذكرها، ثم ذكر كلام الأجري في الشريعة، وابن بطة في الإبانة المتضمن للرد على بعض الملحدة في إنكاره دفن أبي بكر وعمر مع النبي ﷺ واشتمل كلامهما على ذكر زيارة قبر النبي ﷺ فزعم المعترض أنه استفيد منه السفر للزيارة، وأن ذلك لم يزل في السلف والخلف. وهذا الذي زعمه غير مقبول منه، وليس في كلامهما ذكر السفر للزيارة، وإنما فيه ذكر الزيارة فقط والسلام على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر ﵄، وهذا المعترض لا يفرق بين السفر لزيارة القبور، وبين زيارتها بلا سفر، بل كل منهما مندوب مستحب، والعلماء قد فرقوا بين الحكمين وميزوا بين المسألتين.

стр. 247

وابن بطه الذي ألزم المعترض كلامه مالا يلزمه، قد ذكر الزيارة وصفتها فيما حكاه عنه من العلم بأنه أحد القائلين بالنهي عن السفر إلى القبور. وقد ذكر ذلك في الإبانة الصغرى التي يذكر فيها جمل أقوال أهل السنة وما خالفها من البدع فقال: ومن البدع البناء على القبور وتحصينها، وشد الرحال إلى زيارتها، فأبن بطه (١) يستحب الزيارة مع نهيه عن شد الرحل لمجردها، فعلم أنه يفرق بين السفر، وبين الزيارة بلا سفر لا كما زعمه المعترض. ثم قال: قال القاضي عياض: قال إسحاق بن إبراهيم الفقيه، مما لم يزل من شأن من حج المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ والتربك برؤية روضته ومنبره ومجلسه وملامس يديه ومواطئ قدميه والعمود الذي كان يستند إليه، وينزل جبريل بالوحي فيه عليه،وبمن عمره وقصده من الصحابة وأئمة المسلمين والاعتبار بذلك كله، ثم قال: وسنذكر في الباب الرابع من كلام العبدي المالكي في شرح الرسالة أن المشي إلى المدينة لزيارة قبر النبي ﷺ أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس. وقال في الباب الرابع: وقال العبدي في شرح الرسالة: وأما النذر بالمشي إلى المسجد الحرام،والمشي إلى مكة فله اصل في الشرع وهو الحج والعمرة وإلى المدينة لزيارة قبر النبي ﷺ أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس، وليس عنده حج ولا عمره، فإذا نذر المشي إلى هذه الثلاث لزمه فالكعبة متفق عليها، ويختلف أصحابنا وغيرهم في المسجدين الآخرين. قال المعترض: قلت: الخلاف الذي أشار إليه في نذر إتيان المسجدين لا في الزيارة انتهى كلامه . وهذا الذي حكاه عن هذا العبدي المالكي مكرراً له في غير موضع من الكتاب راضياً به ومقرراً له ومتبعاً له بيان موضع الخلاف، وأنه في إتيان المسجدين لا في الزيارة شيء لم يسق قائله إليه، ولم يتابعه أحد من العلماء عليه، بل قول القائل: إن المشي

стр. 248

إلى المدينة لمجرد زيارة القبر أفضل من الكعبة قول محدث في الإسلام،مخالف لإجماع جميع العلماء الأعلام من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين المتقدمين منهم والمتأخرين، وذلك كاف في رده وظهور بطلانه والله أعلم. ثم قال المعترض: وأكثر عبارات الفقهاء أصحاب المذاهب ممن حكينا كلامهم في باب الزيارة يقتضي استحباب السفر، هكذا قال، وذلك خطأ منه، فإن القول باستحباب الزيارة لا يقتضي استحباب السفر لها كما سيأتي بيان ذلك (مستوفي) إن شاء الله تعالى، والفقهاء الذي حكينا كلامهم، في الزيارة متفقون على استحبابها، مع أنه مختلفون في السفر لمجردها، فلو كان استحباب الزيارة مقتضياً لاستحباب السفر لم يقع بينهم فراغ في السفر لها. قال: وحكاية الأعرابي المشهورة التي ذكرها المصنفون في مناسكهم وفي بعض طرقها أن الأعرابي ركب راحلته وانصرف وذلك يدل أنه كان مسافراً، والحكاية المذكورة ذكرها جماعة من الأئمة عن العتبي، وأسمه محمد بن عبد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان: صخر بن حرب كان من أفصح الناس صاحب أخبار ورواية للأدب، وحدث عن أبيه وسفيان بن عيينة، توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين، يكنى أبا عبد الرحمن. وذكرها ابن عساكر في تاريخه وابن الجوزي في مثير العزم الساكن وغيرهما بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي قال: دخلت المدينة فأتيت قبر النبي ﷺ فزرته فجلست حذاءه فجاء إعرابي فزاره ثم قال: يا خير الرسل إن الله أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ (النساء ٠٦٤) وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم بكى وأنشأ يقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم ثم استغفر وانصرف، فرقدت فرأيت النبي ﷺ في نومي وهو يقول: إلحق الرجل فبشره أن الله قد غفر له بشفاعتي، فاستيقظت فخرجت أطلبه فلم اجده، قال وقد نظم أبو الطيب أحمد بن عبد العزيز بن محمد المقدسي، وسأله بعضهم الزيارة على هذين البيتين وتضمينهما فقال: ورواه ابن عساكر عنه:

стр. 249

أقول والدمع من عيني منسجم ... لما رأيت جدار القبر يستسلم والناس يغشونه ياك ومنقطع ... من المهابة أو ذاع فملتزم فما تمالكت أن نأديت من حرق ... في الصدر كادت لها الأحشاء تضطرم يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طبيهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم وفيه شمس التقى والدين قد غربت ... من بعد ما أشرقت من نوره الظلم حاشى لوجهك أن يبلى وقد هديت ... في الشرق والغرب من أنواره الأمم وإن تمسك أيدي الترب لامسة ... وأنت بين السموات العلى علم لقيت ربك والإسلام صارمه ... ماض وقد كان يحر الكفر يلتطم فقمت فيه مقام المرسلين إلى ... إن عز فهو على الأديان يحتكم لئن رأيناه قبراً إن باطنه ... لروضه من رياض الخلد يبتسم طافت به من نواحيه ملائكة ... تغشاه في كل ما يوم وتزدحم لو كنت أبصرت حباً لقلت له ... لا تمش إلا على خدي لك القدم هدي به الله قوماً قال قائلهم ... بطن حكه لما ضمه الرحم إن مات أحمد فالرحمن خالقه ... حين ونعبده ما أروق السلم قال الجوهري: الرجم بالتحريك القبر، هذا آخر ما أو رده المعترض في الباب الثالث، وهذه الحكاية التي ذكرها بعضهم يرويها عن العتبي، بلا إسناد، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني، عن الأعرابي، وقد ذكرها البيهقي في كتاب شعب الإيمان بإسناد مظلم عن محمد بن روح بن يزيد بن البصري، حدثني أبو حرب الهلالي قال: حج أعرابي فلما جاء إلى باب مسجد رسول الله ﷺ أناخ راحلته فعقلها، ثم دخل المسجد حتى أتى القبر، ثم ذكر نحو ما تقدم، وقد وضع لها بعض الكذابين إسناداً إلى علي بن أبي طالب ﵁ كما سيأتي ذكره. وفي الجملة: ليست هذه الحكاية المنكورة عن الأعرابي مما يقوم به حجة وإسنادها مظلم مختلف ولفظها مختلف أيضاً،ولو كانت ثابتة لم يكن فيها حجة على مطلوب المعترض، ولا يصلح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية، ولا الاعتماد على مثلها عند أهل العلم وبالله التوفيق.

стр. 250

الباب الرابع: في نصوص العلماء على استحباب زيارة قبر سيدنا رسول الله ﷺ وبيان أن ذلك مجمع عليه بين المسلمين قال المعترض قال القاضي عياض ﵀ زيارة قبره ﷺ سنة بين المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها. قلت: هذا الإجماع الذي حكاه القاضي عياض رحمه الله تعالى حكاه شيخ الإسلام أيضاً، في غير موضع، وقد قدمناه غير مرة ذكر في مصنفاته وفتاويه ومناسكه استحباب زيارة قبر النبي ﷺ على الوجه المشروع، ولم يذكر في ذلك نزاعاً بين العلماء، وإنما ذكر الخلاف بينهم في السفر لمجرد زيارة القبور، واختار المنع من ذلك كما هو مذهب مالك وغيره من أهل العلم، وهو الذي اختاره القاضي عياض مع حكايته هذا الاجماع. ومقصوده المعترض الاحتجاج على الشيخ بهذا الإجماع الذي ذكره القاضي عياض، والشيخ لا يخالف هذا الإجماع، بل يوافقه ويذهب إليه ويحكيه في مواضع مع قوله بالنهي عن السفر لزيارة القبور، كما ذهب إليه القاضي عياض ناقل هذا الإجماع، وينبغي للمعترض وأمثاله أن يعرفوا الفرق بين مواقع الاجتماع ومحال النزاع ولا يخلطوا بعضها ببعض. ولا ريب أن الإنسان إذا أتى مسجد النبي ﷺ استحب له أن يفعل فيه ما يشرع له من الصلاة والصلاة على الرسول والتسليم والثناء (عليه) ونشر فضائله ومناقبه وسننه وما يوجب محبته وتعظيمه والإيمان به وطاعته، وهذا هو المقصود من الزيارة الشرعية والسفر إلى مسجده للصلاة فيه، وما يتبع ذلك مستحب بالنص والإجماع، والسفر لمجرد زيارة القبر فيه نزاع. قال الشيخ في أثناء كلامه (١) : والقاضي عياض مع مالك وجمهور أصحابه يقولون: إن السفر إلى غير المساجد الثلاث محرم كقبور الأنبياء، فقول القاضي عياض: إن زيارة

стр. 251

قبره سنة مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها، المراد، به الزيارة الشرعية، كما ذكره مالك وأصحابه من أنه يسافر إلى مسجده، ثم يسلم عليه ويصلي عليه كما ذكره في كتبهم، ثم أطال الكلام وقال. والمقصود أمن ما حكى القاضي عياض فيه الاجتماع لم ينه عنه في الجواب، بل السفر إلى مسجده وزيارته على الوجه المشروع سنه مجمع عليها، كما ذكره القاضي عياض وبعضهم يسميها زيارة لقبره، وبعضهم يكره أن يسميها زيارة، ولا يدخل في ذلك السفر إلى غير المساجد الثلاث، كالسفر إلى قبور الأنبياء والصالحين ومن سافر لمجرد قبورهم فلم يزر زيارة شرعية بل بدعية، فلهذا يقول أحمد أنه مجمع على أنه سنة، ولكن هذا الموضع مما يشكل على كثير من الناس؛ فينبغي لمن أراد أن يعرف دين الإسلام أن يتأمل النصوص النبوية، ويعرف ما كان يفعله الصحابة والتابعون وما قاله أئمة المسلمين ليعرف المجتمع عليه من المتنازع فيه. فإن الزيارة فيها مسائل متعددة فيها، ولكن لم يتنازعوا فيها علمت في استحباب السفر إلى مسجده واستحباب الصلاة والسلام عليه فيه ونحو ذلك مما شرعه الله في مسجده ولم يتنازع الأئمة الأربعة والجمهور في أن السفر إلى غير الثلاثة ليس بمستحب لا لقبور الأنبياء والصالحين ولا غفير ذلك فإن قول النبي ﷺ : ((لا تشد الرحال)) حديث متفق على صحته وعلى العمل به عند الأئمة المشهورين، وعلى أن السفر إلى زيارة القبور داخل فيه، فإما أن يكون نهياً، وإما أن يكون نفياً للاستحباب، وقد جاء في الصحيح بصيغة النهي صريحاً فتعين أنه نهي. فهذان طرفان لا أعلم فيهما نزاعاً بين الأئمة الأربعة والجمهور، والأئمة الأربعة وسائر العلماء لا يوجبون الوفاء على نذر أن يسافر إلى أثر نبي من الأنبياء قبورهم، أو غير قبورهم، وما علمت أحداً أوجبه غير ابن حزمن فإنه أوجب الوفاء على ما نذر مشياً أو ركوباً، أو نهوضاً إلى مكة، أو المدينة، أو بيت المقدس. قال: وكذلك إلى أثر من آثار الأنبياء، قال: فإن نذر مشياً، أو نهوضاً أو ركوباً إلى مسجد من المساجد غير الثلاث لم يلزمه، وهذا عكس قول الليث بن سعد فإنه قال:من نذر المشي إلى مسجد من المساجد مشى إلى ذلك المسجد، وابن حزم فهم من قوله: ((لاتشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) أي لا تشد إلى مسد، وهو لا يقول بفحوى الخطاب وتنبيهه، فلا يجعل هذا نهياً عما هو دون المساجد في الفضيلة بطريق الأولى بل يقول في قول النبي ﷺ ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه)) إنه لو

стр. 252

بال، ثم صب البول فيه لم يكن منهياً عن الاغتسال فيه وداود الظاهري عنه في فحوى الخطاب، روايتان هذه إحداهما، وابن حزم ومن قال بإحدى روايتي داود الظاهري، يقولون: إن قوله: ((ولا تقل لهما أف)) لا يدل على تحريم الشتم والضرب، وهذا قول ضعيف جداً، في غاية الفساد عند عامة العلماء، فإنهم يقولون: إذا كان البائل الذي يحتاج إلى البول قد نهى أن يبول فيه، ثم يغتسل فيه، فالذي بال في إناء، ثم صبه فيه أولى بالنهي، كما أنه لما نهى عن الاستجمار بطعام الجن وطعام دوابهم العظام والروث كان ذلك تنبعاً على النهي، عن الاستجمار بطعام الإنس بطريق الأولى، وكل ما نهى عنه الاستجمار به فتلطيخه بالعذرة أولى بالنهي، فإنه لا حاجة إلى ذلك، ولهذا فهم الصحابة من نهيه أن يسافر إلى غير المساجد الثلاث، أن السفر إلى طور سيناء داخل في النهي وإن لم يكن مسجداً، كما جاء عن بصره بن أبي بصرة وأبي سعيد وابن عمر وغيرهم. وحديث بصرة معروف في السنن والموطأ قال لأبي هريرة، وقد أقبل من الطور لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تعمل المطي إلا إلى ثلاث مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) . وأما ابن عمر فروي أبو زيد شبه النميري في كتاب أخبار المدينة حدثنا ابن أبي الوزير حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن طلق عن قزعة قال: أتيت ابن عمر فقلت: إني أريد الطور؟ فقال: إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، فدع عنك الطور فلا تأته، رواه أحمد بن حنبل في مسنده، وهذا النهي من بصرة بن أبي بصرة، وابن عمر، ثم موافقة أبي هريرة يدل على أنهم فهموا من حديث النبي ﷺ النهي، فلذلك نهوا عنه لم يحملوه على مجرد نفي الفضيلة. وكذلك أبو سعيد الخدري وهو رواية أيضاً، وحديثه في الصحيحين، فروى أبو زيد حدثنا هشام بن عبد الملك، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر بن حوشب، قال سمعت أبا سعيد وذكر عنده الصلاة، في الطور، فقال: قال رسول الله ﷺ : ((لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها إلى مسجد تبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام، ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) (١) فأبو سعيد جعل الطور مما نهى عن شد الرحال إليه، مع أن اللفظ

стр. 253

الذي ذكره إنما فيه النهي عن شدها إلى المساجد، فدل على أنه علم أن غير المساجد أولى بالنهي. والطور إنما يسافر من يسافر إليه لفضيلة البقعة، وأن الله سماها الوادي المقدس والبقعة المباركة، وكلم الله موسى هناك، وما علمت المسلمين بنوا هناك مسجداً فإنه ليس هناك قرية للمسلمين، وأن كان هناك مسجد فإذا نهى الصحابة عن السفر إلى تلك البقعة وفيها مسجد، فإذا لم يكن فيها مسجد كان النهي عنها أقوى. وهذا ظاهر لا يخفى على أحد فالصحابة سمعوا الحديث من النبي ﷺ فهموا منه النهي، وفهموا منه تناوله لغير المساجد، وهم أعلم الناس بما سمعوه، وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود هنا ذكر ما تنازع فيهما الأئمة المشهورين، أو غيرهم، وما لم يتنازعوا فيه، فإن بين الطرفين الذين لم يتنازع فيهما الأئمة مسائل متعددة فيها نزاع، ولكن طائفة من المتأخرين يستحبون السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين ويفعلون ذلك ويعظمونه، لكن هل في هؤلاء أحد من المجتهدين الذين تحكى أقوالهم، وتجعل خلافاً على من قبلهم من أئمة المسلمين؟ هذا مما يجب النظر فيه، والله أعلم. قال المعترض وقال القاضي أبو الطيب: ويستحب أن يزور قبر النبي ﷺ بعد أن يحج ويعتمر، ثم حكى كلام جماعة من الشافعية في الزيارة كالمحاملي (١) والحليمي (٢) والماوردي (٣)

стр. 254

وصاحب المهذب (١) ، والقاضي حسن (٢) والروياني (٣) ، ثم قال: ولا حاجة إلى تتبع كلام الأصحاب في ذلك مع العلم بإجماعهم،وإجماع سائر العلماء عليه، ثم نقل كلام غير واحد من الحنفية في ذلك ثم قال: وكذلك نص عليه الحنابلة أيضاً، قال: أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني (٤) الحنبي في كتاب الهداية في آخر باب صفحة الحج. فإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي ﷺ ، وقبره صاحبيه ﵄. ثم ذكر كلام صاحب المستوعب، وقال بعد حكايته: وأنظر هذا المنصف من الحنابلة الذين الخصم متمذهب بمذهبهم،كيف نص على التوجيه بالنبي ﷺ ، ثم نقل كلام ص (٤) المغني، وابن حمدان، وذكر أن ابن الجوزي عقد لذلك باباً في كتاب مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن، ثم قال: وكذلك نص عليه المالكية، وقد تقدم حكاية القاضي عياض الإجماع، وفي كتاب: تهذيب الطالب (٥) ، لعبد الحق الصقلي عن

стр. 255

الشيخ أبي عمران المالكي، أن زيارة قبر النبي ﷺ واجبة، قال عبد الحق: يعني من السنن الواجبة. وهذا الذي نقله المعترض عن هؤلاء الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة بمعزل عما ذكر فيه الشيخ النزاع بين العلماء، فلا حاجة إلى التطويل باستقصاء ذكر كلامهم، وما نقله عبد الحق الصقلي عن الشيخ أبي عمران فيه نظر وإيهام، والوجوب لم يذهب إليه أحد من العلماء، ثم ذكر فرعاً فيمن استؤجر بمال وشرط عليه الزيارة،وحكى فيه بعض كلام المالكية والشافعية، ثم قال: وقد روى القاضي عياض في (الشفاء) . قال حدثنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الأشعري، وأبو القاسم أحمد بن بقي الحاكم وغير واحد فيما أجازونيه، قالوا: حدثنا أبو العباس أحمد بن عمر بن دلهاث، حدثنا أبو الحسن علي بن فهر، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرج، حدثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب، حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا ابن حميد (١) قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين ملكاً في مسجد رسول الله ﷺ فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله أدب قومه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ (الحجرات ٠٠٢) ومدح قوماً فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ (الحجرات ٠٠٣) وذم قوماً فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ﴾ (الحجرات ٠٠٤) وأن حرمته ميتاً كحرمته حياً، فاستكان لها أبو جعفر، وقال يا ابا عبد الله: استقبل القبلة وأدعو أم استدبر رسول الله ﷺ ، فقال ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ (إلى الله يوم القيامة) بل استقبله واستشفع به يشفعه الله فيك قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ (النساء ٠٦٤) قال المعترض فانظر هذا الكلام من مالك رحمه الله تعالى، وما اشتمل عليه من الزيارة والتوسل بالنبي ﷺ وحسن الأدب معه. قلت: المعروف عن مالك أنه لا يستقبل القبر عند الدعاء، وهذه الحكاية التي

стр. 256

ذكرها القاضي عياض ورواها بإسناد عن مالك ليست بصحيحة عنه، وقد ذكر المعترض في موضع من كتابه أن إسنادها إسناد جيد، وهو مخطئ في هذا القول خطأ فاحشاً، بل إسنادها إسناد ليس بجيد، بل هو إسناد مظلم منقطع، وهو مشتمل على من يتهم بالكذب وعلى من يجهل حاله وابن حميد هو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف كثير المناكير غير محتج بروايته، ولم يسمع من مالك شيئاً ولم يلقه،بل روايته عنه منطقة غير متصلة وقد ظن المعترض أنه أبو سفيان محمد بن حميد المعمري أحد الثقات المخرج لهم في صحيح مسلم قال:فإن الخطيب ذكره في الرواة عن مالك وقد أخطأ فيما ظنه خطأ فاحشاً ووهم وهماً قبيحاً. فإن ومحمد بن حميد المعمري رجل متقدم لم يدركه يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل راوي الحكاية عن ابن حميد، بل بينهما مفازة بعيدة، وقد روى المعمري عن هشام بن حسان ومعمر الثوري، وتوفي سنة اثنتي وثمانين ومائة قبل أن يولد يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل، وأما محمد بن حميد الرازي فإنه في طبقة الرواة عن المعمري كان خيثمة وابن نمير وعمرو والناقد وغيرهم، وكانت وفاته سنة ثمان وأربعين ومائتين فرواية يعقوب بن إسحاق عنه ممكنة بخلاف روايته عن المعمري، فإنها غير ممكنة، وقد تكلم في محمد بن حميد الرازي، وهو الذي رويت عنه هذه الحكاية من غير واحد من الأئمة ونسبه بعضهم إلى الكذب. قال يعقوب بن شيبة الدوسي (١) : محمد بن حميد الرازي كثير المناكير، وقال البخاري (٢) ، حديثه فيه نظر، وقال النسائي (٣) ليس بثقة، وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني (٤) : رديء المذهب غير ثقة، وقال فضلك الرازي (٥) عندي عن ابن حميد خمسون ألف حديث، لا أحدث عنه بحرف، وقال أبو العباس أحمد بن محمد الأزهري (٦) : سمعت إسحاق بن منصور يقول: أشهد على محمد بن حميد وعبيد بن إسحاق العطار بين يدي الله أنهما كذابان، وقال صالح بن محمد الحافظ (٧) : كان كل ما

стр. 257

بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران وما بلغه من حديث منصور يحيله على عمرو بن (أبي) قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء وعلى عنبسة، ثم قال: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه. وقال في موضع آخر: كانت أحاديثه تزيد وما رأيت أحد أجرأ على الله منه كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضها على بعض، وقال في موضع آخر: ما رأيت أحداً أحذق بالكذب من رجلين: سليمان الشاذكوني، ومحمد بن حميد الرازي كان يحفظ حديثه كله، وكان حديثه كل يوم يزيد، وقال أبو القاسم: عبد الله بن محمد بن عبد الكريم الرازي ابن أخي أبي زرعة: سألت أبا زرعة عن محمد بن حميد فأومأ بأصبعه إلى فمه فقلت له: كان يكذب؟ فقال: برأسه: نعم. فقلت له (كان) قد شاخ لعله يعمل عليه ويدلس عليه؟ فقال: لا، بني كان يتعمد وقال أبو حاتم (١) الرازي: حضرت محمد بن حميد وحضره عون بن جرير، فجعل ابن حميد يحدث بحديث عن جرير فيه شعر فقال عون: ليس هذا الشعر في الحديث، إنما هو من كلام أبي فتغافل ابن حميد فمر فيه. وقال أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي (٢) : سمعت أبا حاتم محمد بن إدريس الرازي في منزله، وعنده عبد الرحمن بن يوسف بن خراش، وجماعة من مشايخ أهل الرأي وحفاظهم للحديث، فذكروا ابن حميد فأجمعوا على أنه ضعيف في الحديث جداً وأنه يحدث بما لم يسمعه، وأنه يأخذ أحاديث لأهل البصرة والكوفة فيحدث بها عن الرازيين. وقال ابن عباس بن سعيد: سمعت داود بن يحي يقول: حدثنا عنه يعني محمد بن حميد أبو حاتم قديماً، ثم تركه بآخره، قال: سمعت عبد الرحمن بن يوسف بن خراش، يقول حدثنا ابن حميد، وكان والله يكذب. وقال أبو حاتم بن حبان البستي في كتاب الضعفاء (٣) : محمد بن حميد الرازي كنيته أبو عبد الله: يروي عن ابن المبارك وجرير، حدثنا عنه شيوخنا مات سنة ثمان وأربعين ومائتين، كان ممن ينفرد عن الثقات بالأشياء المقلوبات، ولا سيما إذا حدث عن شيوخ

стр. 258

بلده، سمعت إبراهيم بن عبد الواحد البغدادي، يقول: قال صالح بن أحمد بن حنبل كنت يوماً عند أبي إذ دق عليه الباب، فخرجت فإذا أبو زرعة ومحمد بن مسلم بن واره يستأذنان على الشيخ فدخلت وأخبرته فأذن لهم فدخلوا وسلموا عليه فأما ابن واره فباس يده فلم ينكر عليه ذلك، وأما أبو زرعة، فصافحة فتحدثوا ساعة فقال ابن واره: يا أبا عبد الله إن رأيت تذكر حديث أبي القاسم بن أبي الزناد فقال: نعم حدثنا أبو القاسم ابن أبو الزناد عن إسحاق بن حازم، عن ابن مقسم يعني عبيد الله، عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ سئل عن ماء البحر؟ فقال: ((الطهور ماؤه، الحلال ميتته)) وقام فقالوا: ما له قلنا شك في شيء ثم خرج والكتاب بيده فقال في كتابه ميته بتاء واحدة والناس يقولون ميتته، ثم تحدثوا ساة فقال له ابن واره: يا أبا عبد الله رأيت محمد بن حميد، قال نعم، قال: كيف رأيت حديثه؟ قال: إذا حدث عن العراقيين يأتي بأشياء مستقيمة، وإذا حدث عن أهل بلده مثل إبراهيم بن المختار وغيره أتى بأشياء لا تعرف لا يدري ما هي. قال: فقال أبو زرعة وابن واره: صح عندنا أنه يكذب، قال: فرأيت أبي بعد ذلك إذا ذكر ابن حميد نفض يده. وقال العقيلي في كتاب الضعفاء (١) : حدثني إبراهيم بن يوسف، قال: كتب أبو زرعة ومحمد بن مسلم، عن محمد بن حميد، حديثاً كثيراً، ثم تركا الرواية عنه، وقال الحاكم أبو أحمد في كتاب الكنى: أبو عبد الله محمد بن حميد الرازي ليس بالقوي عندهم تركه أبو عبد الله بن يحيى الذهلي، وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة. فإذا كانت هذه حال محمد بن حميد الرازي عند أئمة هذا الشأن، فكيف يقال في حكاية رواها منقطعة: إسنادها جيد مع أن في طريقها إليه من ليس بمعروف. وقد قال المعترض بعد أن ذكر هذه الحكاية، وتكلم على رواتها: فانظر هذه الحكاية وثقة رواتها وموافقتها، لما رواه ابن وهب عن مالك، هكذا قال، والذي حمله على ارتكاب هذه السقطة قلة علمه ومتابعته هواه، نسأل الله التوفيق. والذي ينبغي أن يقال: فانظر هذه الحكاية وضعفها وانقطاعها وتكارتها وجهالة بعض رواتها ونسبة بعضهم إلى الكذب ومخالفتها لما ثبت عن مالك وغيره من العلماء. وقد قال شيخ الإسلام في كتاب: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب

стр. 259

الجحيم (١) ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي أو غير نبي لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي ﷺ ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي ﷺ ،وعلى صاحبه واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي ﷺ ، لا يستقبل قبره وتنازعوا عند السلام عليه، فقال مالك وأحمد وغيرهما: يستقبل قبره ويسلم عليه وهو الذي ذكره أصحاب الشفاعي، وأظنه منصوباً عنه، وقال أبو حنيفة: بل يستقبل القبلة ويسلم عليه هكذا في كتب أصحابه. وقال مالك فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق في المبسوط، والقاضي عياض وغيرهما: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو ولكن يسلم ويمضي، وقال أيضاً في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج أن يقف على قبر النبي ﷺ ويدعو له ولأبي بكر وعمر (٢) ، فقيل له: فإن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة، أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة والمرتين، أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده. وقد تقدم في ذلك من الآثار عن السلف والأئمة ما يوافق هذا، ويؤيده من أنهم كانوا إنما يستحبون عند قبره ما هو من جنس الدعاء له والتحية كالصلاة والسلام ويكرهون قصده للدعاء والوقوف عنده للدعاء،ومن يرخص منهم في شيء من ذلك، فإنه إنما يرخص فيما إذا سلم عليه، ثم أراد الدعاء أن يدعو مستقبلاً القبلة، إما مستدبراً القبر، وإما منحرفاً عنه، وهو أن يستقبل القبلة ويدعوا ولا يدعو مستقبلاً القبر،وهكذا المنقول عن سائر الأئمة ليس في أئمة المسلمين من استحب للمرء أن يستقبل قبر النبي ﷺ ويدعو عنده. وهذا الذي ذكرناه عن مالك والسلف يبين حقيقة الحكاية المأثورة عنه، وهي الحكاية التي ذكرها القاضي عياض عن محمد بن حميد قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكاً في مسجد رسول الله ﷺ فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله أدب قوماً فقال ﴿أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ (الحجرات ٠٠٢)

стр. 260

الآية ... وذكر باقي الحكاية، ثم قال: فهذه الحكاية على هذا الوجه، إما أن تكون ضعيفة، أو مغيرة، وإما أن تفسر بما يوافق مذهبه، إذا قد يفهم منها ما هو خلاف مذهبه المعروف بنقل الثقات من أصحابه، فإنه لا يختلف مذهبه أنه لا يستقبل القبر عند الدعاء وقد نص على أنه لا يقف عند الدعاء مطلقاً، وذكر طائفة من أصحابه أنه يدنوا من القبر ويسلم على النبي ﷺ ثم يدعو مستقبلاً القبلة،ويوليه ظهره وقيل: لا يوليه ظهره. فاتفقوا في استقبال القبلة وتنازعوا في تولية القبر ظهره، وقت الدعاء ويشبه والله أعلم أن يكون مالك ﵀ سئل عن استقبال القبر عند السلام عليه،وهو يسمى ذلك دعاء، فإنه قد كان من فقهاء العراق من يرى أنه عند السلام عليه يستقبل القبلة أيضاً، ومالك يرى استقبال القبر في هذه الحال كما تقدم، وكما قال في رواية ابن وهب عنه: إذا سلك على النبي ﷺ يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنوا ويسلم ويدعو ولا يمس القبر بيده، وقد تقدم قوله أنه يصلي عليه ويدعو له. ومعلوم أن الصلاة عليه والدعاء له يوجب شفاعته للعبد يوم القيامة، كما قال في الحديث الصحيح: (٠ إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشراً ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا ينبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة (١) ، فقول مالك في هذه الحكاية: إن كان ثابتاً عنه معناه أنك إذا استقبلته وصليت عليه وسلمت عليه، وسألت الله له الوسيلة يشفع فيك يوم القيامة، فإن الأمم يوم القيامة يتوسلون بشفاعته واستشفاع العبد به في الدنيا هو فعلما يشفع به له يوم القيامة كسؤال الله تعالى له الوسيلة ونحو ذلك. وكذلك ما نقل عنه من رواية ابن وهب، إذا سلم على النبي ﷺ ودعا يقف ووجه إلى القبر لا إلى القبلة،ويدعوا ويسلم، يعني دعاء للنبي ﷺ وصاحبه، فهذا هو المشروع هناك كالدعاء عند زيارة قبور سائر المؤمنين وهو الدعاء لهم، فإنه أحق الناس أن يصلي عليه ويسلم عليه، ويدعي له بأبي هو وأمي ﷺ وبهذا تتفق أقوال مالك ويفرق بني الدعاء الذي أحبه، والدعاء الذي كرهه وذكر أنه بدعة، وأما الحكاية في تلاوة مالك هذه الآية: ((ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم)) الآية فهو والله أعلم باطل، فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة فيما أعلم، ولم يذكر أحد منهم أنه يستحب أن يسأل بعد الموت لا استغفاراً ولا

стр. 261

غيره وكلامه المنصوص عنه وعن أمثاله يتنافى هذا، وإنما يعرف مثل هذا في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء عن أعرابي أنه أتى قبر النبي ﷺ وتلا هذه الآية وأنشد بيتين: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طبيهن القاع والأكم نفس الغداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم ولهذا استحب طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد مثل ذلك واحتجوا بهذه الحكاية التي لا يثبت بها حكم شرعي لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعاً مندوباً، لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل به من غيرهم، بل قضاء الله حاجة مثل هذا الأعرابي وأمثاله ولها أسباب قد بسطت في غير هذا الموضع، وليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعاً مأموراً به، فقد كان رسول الله ﷺ يسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد سائلاً، وتكون المسألة محرمة في حق السائل حتى قال: ((إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها ناراً)) قالوا: يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: ((يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل)) (١) . وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحاً ولا يكون عالماً أنه منهي عنه فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه لعدم علمه،وهذا باب واسع وعامة العبادات المبتدعة المنهي عنها قد يفعلها بعض الناس يحصل له بها نوع من الفائدة، وذلك لا يدل على أنها مشروعة، ولو لم تكن مفسدتها أغلب من مصلحتها لما نهى عنها، ثم الفاعل قد يكون متأولاً،أو مختطئاً، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. والمقصود هنا أنه قد علم أن مالكاً من أعلم الناس بمثل هذه الأمور، فإنه مقيم بالمدينة يرى ما يفعله التابعون وتابعوهم ويسمع ما ينقلون عن الصحابة وأكابر التابعين، على عهد عمر بن الخطاب ﵁ فاستسقى بالعباس، ففي صحيح البخاري (٢) عن أنس أن عمر استسقى بالعباس، وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا

стр. 262

نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون فاستسقوا به، كما كانوا يستسقون بالنبي ﷺ في حياته. وهم إنما كانوا يتوسلون بدعائه وشفاعته لهم فيدعو لهم ويدون معه كالإمام والمأمومين من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق، كما ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق ولما مات ﷺ توسلوا بدعاء العباس واستسقوا به، ولهذا قال الفقهاء، يستحب الاستسقاء بأهل الخيل والدين والأفضل أن يكونوا من أهل بيت النبي ﷺ وقد استسقى معاوية بيزيد بن الأسود الجرشي، وقال اللهم إنا نستسقي إليك بيزيد بن الأسود، يا يزيد الرفع يديك فرفع يديه ودعا ودعا الناس حتى أمطروا، ولم يذهب أحد من الصحابة إلى قبر نبي ولا غيره يستسقي عنده، ولا به العلماء استحبوا السلام على النبي ﷺ للحديث الذي في سنن أبي داود، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇) (١) . هذا مع ما في النسائي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام)) (٢) وفي سنن أبي داود وغيره عنه ﷺ أنه قال: ((أكثروا علي من الصلاة وليلة الجمعة ويوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي)) فقالوا يا رسول الله: كيف تعرض صلاتنا وقد أرمت أي بليت، فقال: ((إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء)) (٣) . فالصلاة عليه بأبي وأمي والسلام عليه مما أمر الله به ورسوله: وقد ثبت في الصحيح أنه قال: ((من صلى علي مرة صلى الله عليه عشراً، والمشروع لنا عند زيارة الأنبياء والصالحين وسائر المؤمنين هو من جنس المشروع عند جنائزهم، فكما أن المقصود بالصلاة على الميت الدعاء له، فالمقصود بزيارة قبره الدعاء له كما ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح والسنن والمسند أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم: ((السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا

стр. 263

ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم (١) ، فهذا دعاء خاص للميت كما في دعاء الصلاة على الجنازة، الدعاء العام والخاص. وقال الشيخ: وقد قال الله تعالى في حق المنافقين: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ (التوبة ٠٨٤) الآية فلما نهى سبحانه نبيه عن الصلاة عليهم والقيام على قبورهم لأجل كفرهم، دل ذلك بطريق التعليل والمفهوم على أن المؤمن يصلي عليه، ويقام على قبره، ولهذا جاء في السنن أن النبي ﷺ كان إذا دفن الرجل من أصحابه يقوم على قبره ثم يقول: ((سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل)) (٢) . فأما أن يقصد بالزيارة سؤال الميت والإقسام به على الله أو استجابة الدعاء عند تلك البقعة، فهذا لم يكن من فعل أحد من سلف الأمة لا الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان وإنما حدث ذلك بعد ذلك، بل قد كره مالك وغيره من العلماء أن يقول القاتل زرنا قبر النبي ﷺ يم حكى ما ذكره القاضي عياض في تأويل قول مالك هذا وسيأتي. قال المعترض وقال القاضي عياض: قال أين حبيب: ويقول: إذا دخل مسجد الرسول ﷺ بسم الله وسلام على رسول الله، السلام علينا من ربنا وصلى الله وملائكته على محمد اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك وجنتك واحفظني من الشيطان الرجيم ثم أقصد إلى الروضة وهي ما بين القبر والمنبر فأركع فيها ركعتين قبل وقوفك بالقبر، ثم تقف بالقبر متواضعاً متوقراً فتصلي عليه وتثني عليه، بما يحضرك وتسلم على أبي بكر وعمر وتدعو لهما، ولا تدع أن تأتي مسجد قباء وقبور الشهداء. ثم ذكر ما تقدم ذكره غير مرة مما حكاه القاضي عياض في الشفا عن مالك وبعض أصحابه في الصلاة والسلام عليه، ثم قال فهذه نقول المذاهب الأربعة، وكذلك غيرهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فقد صح من وجوه كثيرة عن عبد الله بن عمر أنه كان يأتي القبر فيسلم على النبي ﷺ ثم روى بإسناده إلى دعلج قال: أنبأنا محمد بن علي بن

стр. 264

زيد الصائغ، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يأتي البر فيسلم على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر، قال دعلج: هذا الحديث في الموطأ عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر. قلت: وما ذكره المعترض من نقول المذاهب الأربعة وغيرهم هو في غير المحل الذي ذكر الشيخ فيه النزاع بين العلماء كما بيناه غير مرة، وما نقله عن ابن عمر ﵄ من التسليم وإتيان القبر، فهو عند القدوم من سفر، كما تقدم ذكره مراراً وقد روى عبد الرزاق في مصنفه (١) ، عن معمر، عن أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه. قال معمر: فذكرت ذلك لعبيد الله بن عمر فقال: ما نعلم أحداً من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر. وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتاب الصلاة على النبي ﷺ : حدثنا علي، حدثنا سفيان قال: حدثني عبد الله بن دينار قال: رأيت ابن عمر إذا قدم من سفر دخل المسجد فقال: السلام عليك يا رسول الله السلام على أبي بكر على أبي ويصلي ركعتين (٢) . حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان إذا قدم من سفر دخل المسجد، ثم أتى القبر فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه وهذا إنما يعرف عن ابن عمر وحده كما قاله عبيد الله بن عمر وغيره. قال شيخ الإسلام (٣) : وروى الشيخ الصالح شيخ العراق في زمنه عند الخاصة والعامة أبو الحسن علي بن عمر القزويني في أماليه عن عبد الله الزهري، عن أبيه عن عبد الله بن أحمد عن أبيه عن نوح بن يزيد قال: حدثنا أبو إسحاق، يعني إبراهيم بن سعد - قال: ما رأيت أبي قط يأتي قبر النبي ﷺ وكان يكره إتيانه، قال الشيخ نوح بن

стр. 265

يزيد بن يسار المؤدب: هذا الراوي عن إبراهيم بن سعد هو ثقة معروف بصحة إبراهيم وله اختصاص به، روى عنه أحمد بن حنبل (١) . قلت: وروى أبو داود عن محمد بن يحيى الذهلي عنه، قال أبو بكر الأثرم: ذكر لي أبو عبد الله نوح بن يزيد المؤدب فقال: هذا شيخ كيس أخرج إلى كتاب إبراهيم بن سعد فرأيت فيه ألفاظاً. قال أبو عبد الله: نوح لم يكن به بأس كان مستثبتاً، وقال محمد بن المثنى البزار: سألت أحمد بن حنبل عنه فقال: أكتب عنه فإنه ثقة حج مع إبراهيم بن سعد، وكان يؤدب ولده (٢) ، وقال محمد بن سعد (٣) ، كان ثقة فيه عسر، وقال النسائي (٤) : ثقة وذكر ابن حبان في كتاب الثقات (٥) ، قال: وأما إبراهيم بن سعد فإنه من أكابر علماء المدينة وأكثرهم علماً وأوثقهم، وكان قد خرج إلى بغداد روى عنه الشافعي وأحمد بن حنبل وطبقتها (٦) ، ومن سعة علمه روى عنه الليث بن سعد وهو أقدم وأجل منه. وأما أبوه سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري الذي ذكر عنه ابنه إبراهيم أنه قال: مارأيت أبي قط يأتي قبر النبي ﷺ ، وكان يكره إتيانه، فهو من أفضل أهل المدينة في زمن التابعين (٧) ومن أصلحهم وأعبدهم، وكان قاضي المدينة في زمن التابعين، وقد أدرك بناء الوليد بن عبد الملك للمسجد وإدخال الحجرة فيه، وأدرك ما كان عليه السلف قبل ذلك من الصحابة والتابعين قال أبو حاتم بن حبان البستي (٨) : هو من جلة أهل المدينة وقدماء شيوخهم، كان على القضاء بها، وقد ذكروا أنه رأى عبد الله بن عمر، وروى عن عبد الله بن حفر، وقد خرج من المدينة غير مرة، تارة إلى الحج، وتارة كان قد استعمل على الصدقات، ومرة

стр. 266

خرج على العراق، وروى عنه سفيان الثوري وشعبة والعراقيون، وقد أدرك المدينة جابر بن عبد الله، وسهل بن سعد وغيرهما من الصحابة، ورأى أكابر التابعين مثل سعيد بن المسيب، وسائر الفقهاء السبعة وغيرهم، ومعلوم أنه لم يكن ليخالفهم فيما اتفقوا عليه، بل لقد يخالف ابن عمر، فإن ما نقله عنه ابنه يقتضي أنه لا يأتيه لا عند السفر ولا غيره بل يكره إتيانه مطلقاً، كما كان جمهور الصحابة على ذلك لما فهموا من نهيه عن ذلك وأنه أمر بالصلاة عليه والسلام في كل زمان ومكان، وقال: ((لا تتخذوا قبري عيداً)) وقال: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)) كما قد بين هذا في مواضع والله أعلم. قال المعترض وقال عبد الرزاق في مصنفه (١) ، باب السلام على قبر النبي ﷺ وروى فيه آثار منها بإسناد صحيح أن ابن عمر كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فقال: ((السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه)) . هكذا ذكره المعترض من مصنف عبد الرزاق، ولم يذكر في آخره ما رواه عبد الرزاق بن محمد، عن عبيد الله بن عمر أنه قال: ما نعلم أحداً من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر، ولو ذكر قوله عبيد الله عقيب ذكر ما روى عن ابن عمر في ذلك، كما فعله عبد الرزاق، لكان أحسن وأتم فائدة، ولكن المعني الذي ترك ذكره لأجله مفهوم وعبيد الله بن عمر هو العمري الكبير، وكان من سادات أهل المدينة وأشراف قريش فضلاً وعلماً وعبادة، وشرفاً، وحفظاً، وإتقاناً، وكان في زمن التابعين. وروى عن خلق منهم كسالم بن عبد الله بن عمر والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ونافع مولى ابن عم ر وسعيد المقيري، وثابت البنائي وعبد الله بن دينار، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن المنكدر، وأبي الزبير المكي، ووهب بن كيسان وأبي حازم سلمة بن دينار الأعرج وعمرو بن دينار والزهري وغيرهم. وروى عنه مثل سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وابن جريح، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك، والليث بن سعد ومعمر بن راشد وزائدة بن قدامة وعبد الله بن إدريس، وعيسى بن يونس، وفضيل بن عياض، ويحيى بن سعيد القطان وأشباههم وأمثالهم من الأئمة الأعلام.

стр. 267

وقد قال جعفر بن محمد بن أبي عثمان الطيالسي (١) : سمعت يحيى بن معين يقول: عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة: الذهب المشبك بالدر، فلقت له هو أحب إليك أو الزهري عن عروة عن عائشة؟ فقال: هو أحب إلي. وقال أبو حاتم (٢) : سألت أحمد بن حنبل عن مالك وعبيد الله بن عمر وأيوب أيهم أثبت في نافع؟ فقال: عبد الله أثبتهم وأحفظهم وأكثرهم رواية، وقال علي بن الحسن الهسنجاني: سمعت أحمد بن صالح يقول: عبيد الله بن عمر أحب إلي من مالك في حديث نافع. وقال قطن بن إبراهيم النيسابوري، عن الحسين بن الوليد النيسابوري: كنا عند مالك بن أنس فقال: كنا عند الزهري ومعنا عبيد الله بن عمر ومحمد بن إسحاق، فأخذ الكتاب محمد بن إسحاق فقرأ فقال: أنتسب، فقال: أنا محمد بن إسحاق بن يسار، فقال: ضع الكتاب في يدك، قال فأخذه مالك، فقال: أنتسب؟ فقال: أنا مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الاصبحي، فقال: ضع الكتاب من يدك، قال: فأخذ عبيد الله بن عمر الكتاب، فقال: أنتسب، فقال: أنا عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، فقال له، اقرأ فجميع ما سمع أهل المدينة يومئذ قراءة عبيد الله بن عمر. وروى عن سفيان بن عيينة قال: علينا عبيد الله بن عمر الكوفة فاجتمعوا عليه فقال: شتم العلم وأذهبتم نوره، لو أدركنا عمر وإياكم، أوجعنا وإياكم ضرباً، وقال أبو حاتم بن حبان البستي (٣) : عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عثمان من أشراف قريش وأفاضل أهل المدينة ومتقنيهم، مات سنة أربع أو خمس وأربعين ومائة. فقد تبين أن عبيد الله بن عمر كان من كبار علماء أهل المدينة وقد أخذ العلم عن خلق من التابعين وأتباعهم، وقد أدرك جماعة من كبار التابعين، وأدرك ما كان عليه

стр. 268

السلف، وهو من أقارب عبد الله بن عمر، وقد قال فيما فعله ابن عمر: ما نعلم أحداً من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر، فلو كان ما فعله ابن عمر مأثوراً عن غيره أو منقولاً عن أحد من الصحابة والتابعين لم يخف على عبيد الله بن عمر وغيره من العلماء أهل المدينة الذين هم أعلم الناس بهذا الشأن والله أعلم. قال المعترض وروى عبد الرزاق في هذا الباب أيضاً أن سعيد بن المسيب رأى قوماً يسلمون على النبي ﷺ ، فقال: ما مكث نبي في الأرض أكثر من أربعين يوماً، ثم روى عبد الرزاق فيه قوله: ((مررت بموسى ليلة أسري بي وهو قائم يصلي في قبره)) كأنه قصد بذلك رد ما روي عن سعيد بن المسيب، وهو رد صحيح، وما ورد عن ابن المسيب ورد فيه حديث نذكره في باب حياة الأنبياء، وقد روي عثمان بن عفان أنه لما حصر أشار بعض الصحابة عليه بأن يلحق بالشام فقال:لن أفارق دار هجرتي، ومجاورة رسول الله ﷺ فيما وهو مخالف لما قال ابن المسيب وهو الصحيح، وكذلك ما ذكرناه عن ابن عمر ثم لو صح قول ابن المسيب لم يمنع من استحباب زيارة القبر لشرفه بحلوله فيه ونسبته إليه كما قال الشاعر: أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا قلت: هذا الذي رواه عبد الرزاق عن ابن المسيب لم يتابع عليه ابن المسيب، بل في صحته عنه نظر، وما بناه المعترض عليه على تقدير صحته عنه، ليس بمقبول منه، بل هو بناء ضعيف على ضعيف، ولم يذكر البيهقي في الجزء الذي جمعه في حياة الأنبياء بعد وفاتهم قول ابن المسيب هذا وإنما روى بإسناد ضعيف غير ثابت عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة، ولكنهم يصلون بين يدي الله حتى ينفخ في الصور، وسنذكر علة هذا الحديث وسبب ضعفه فيما بعد إن شاء الله تعالى وقد روى نحو هذا الحديث من وجه آخر بزيادة يختلف بها المعنى. قال: أبو حاتم بن حبان البستي في كتاب المجروحين (١) : أخبرنا الحسن بن سفيان

стр. 269

حدثنا هشام بن خالد الأزرق، حدثنا الحسن بن يحيى الخشني، عن سعيد بن عبد العزيز، عن يزيد بن أبي مالك، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحاً حتى ترد إليه روحه)) . هكذا رواه بهذه الزيادة، وقال هذا خبر باطل موضوع، والحسن بن يحيى الخشني منكر الحديث جداً؛ يروي عن الثقات ما لا أصل له، وعن المتقنين ما لا يتابع عليه، وقال النسائي (١) : الحسن بن يحيى الخشني ليس بثقة، وقال الدارقطني (٢) : متروك، وقال عبد الغني بن سعيد المصري (٣) : ليس بشيء، وذكر أبو الحسن بن الزاغوني في بعض كتبه حديثاً متنه: ((إن الله لا يترك نبياً في قبره أكثر من نصف يوم)) . وحكى عن بعضهم أنه قال: أراد به نصف يوم من أيام الدنيا، ثم يعيد أرواحهم إلى أجسادهم فيكونون أحياء في قبورهم،وعن بعضهم أن المراد به نصف يوم من أيام الآخرة، وهذا الحديث الذي ذكره الزاغوني حديث منكر غير صحيح، وسنذكر ما ورد في هذا الباب، والكلام عليه فيما بعد إن شاء الله تعالى. وسعيد بن المسيب ﵁، وإن كامن من سادات التابعين علماً وعملاً وزهداً وورعاً، فهذا الذي رواه عبد الرزاق عنه لا يعرف عن غيره من الصحابة والتابعين وأتباعهم، وعبد الرزاق يرويه عن الثوري عن أبي المقدام عنه، ولم يذكر الثوري السماع في روايته، وأبو المقدام هو ثابت بن هرمز (٤) الكوفي الحداد والد عمرو بن أبي المقدام، وهو شيخ صالح لكن ما تفرد به ولم يتابعه غير عليه لا ينبغي أن يقبل منه، والله أعلم. قال المعترض فإن قلت: قد كره مالك رحمه الله تعالى أن يقال: زرنا قبر النبي ﷺ ، قلت: قال القاضي عياض، وقد اختلف في معنى ذلك فقيل كراهية الاسم لما ورد من قوله ﷺ ((لعن اله زوارات القبور، وهذا يرده قوله ((كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزروها))

стр. 270

وقوله: ((من زار قبري)) فقد أطلق اسم الزيارة وقيل: لأن ذلك لما قيل: إن الزائر أفضل من المزور، وهذا أيضاً ليس بشيء إذ ليس كل زائر بهذه الصفة وليس عموماً. وقد ورد في حديث أهل الجنة زيارتهم لربهم ولم يمنع هذا الفظ في حقه والأولى عندي أن منعه وكراهة مالك له لإضافة إلى قبر النبي ﷺ وأنه لو قال: زرنا النبي ﷺ لم يكرهه لقوله ﷺ : ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (١) فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر والتشبيه بفعل أولئك قطعاً للذريعة، وحسماً للباب والله أعلم. قال المعترض: هذا كلام القاضي وما اختاره يشكل عليه قوله: ((من زار قبري)) فقد أضاف الزيارة إلى القبر إلا أن يكون هذا الحديث لم يبلغ مالكاً فحينئذ يحسن ما قاله القاضي في الاعتذار عنه، لا في إثبات هذا الحكم في نفس الأمر، ولعله يقول: إن ذلك من قول النبي ﷺ لا محذور فيه، والمحذور إنما هو ف يقول غيره . قلت: هذا الإشكال الذي ذكره المعترض على كلام القاضي ليس بشيء، وما ذكره من الخبر الذي فيه إضافة الزيارة إلى قبره ليس بثابت عند مالك ولا في نفس الأمر، بل هو حديث ضعيف غير ثابت عن أهل العلم بالحديث، كما قد بينا ذلك فيما تقدم،ولو كان ثابتاً لم يحسن من عالم أنيف رق في إطلاق لفظه بين كونه من قول النبي ﷺ ، أومن قول غيره كما ذكره. ثم قال: وقد قال عبد الحق الصقلي، عن أبي عمران المالكي أنه قال: إنما كره مالك أن يقال: زرنا قبر النبي ﷺ لأن الزيارة من شاء فعلها، ومن شاء تركها وزيارة قبره ﷺ واجبة. قال عبد الحق: يعني من السنن الواجبة ينبغي أن لا تذكر الزيارة فيه كما تذكر في زيارة الأحياء الذين من شاء زارهم ومن شاء ترك، والنبي ﷺ أشرف وأعلى من أن يسمى أنه يزار. قال المعترض: وهذا الجواب بينه وبين جواب القاضي بون في شيئين: أحدهما أنه يقتضي تأكيد نسبة معنى الزيارة إلى القبر، وأنه يجتنب لفظها، وجواب القاضي يقتضي عدم نسبتها إلى القبر .

стр. 271

والثاني أنه يقتضي التسوية في كراهية اللفظ بين قوله زرت القبر وقوله وزرت النبي ﷺ وجواب القاضي يقتضي الفرق بينهما. قلت: هذا الذي قال أبو عمران المالكي لم يتابع عليه، بل هو متضمن للغلو والكلام بغير حجة، ولم يذهب أحد من أهل العلم المتقدمين منهم والمتأخرين إلى القول بوجوب الزيارة، وإنما كره مالك والله أعلم إطلاق هذا اللفظ لأنه لم يثبت عنده فيه حديث، ولم يصح فيه عنده خبر بخصوص، وقد ذكرنا الأحاديث المروية في ذلك وبينا عللها وسبب ضعفها وعدم ثبوتها، ولأن هذا اللفظ قد صار يستعمل في عرف كثير من الناس في الزيارة الشرعية، ولأن زيارة قبره لا يتمكن منها أحد كما يتمكن من الزيارة المعروفة عند قبر غيره. قال الشيخ رحمه الله تعالى في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم (١) بعد أن ذكر قول مالك وما تأوله القاضي عياض به قلت: غلب في عرف كثير من الناس استعمال لفظ زرنا في زيارة قبور الأنبياء والصالحين على استعمال لفظ زيارة القبور في الزيارة البدعية الشركية، لا في الزيارة الشرعية، ولم يثبت عن النبي ﷺ حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ولا روى أحد في ذلك شيئاً لا أهل الصحاح، ولا أهل السنن، ولا الأئمة المصنفون في المسند كالإمام أحمد وغيره. وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره، وأجل حديث روي في ذلك حديث رواه الدارقطني (٢) وهو ضعيف باتفاق أهل العلم، بل الأحاديث المروية في زيارة قبره كقوله ((من زارني وزار أبي إبراهيم الخليل في عام واحد ضمنت له على الله الجنة)) و ((من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي، ومن حج ولم يزرني فقد جفاني)) (٣) ونحو هذه الأحاديث كلها مكذوبة وموضوعة، ولكن النبي ﷺ رخص في زيارة القبور مطلقاً بعد أن كان قد نهى عنها، كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)) (٤) وفي الصحيح عنه أنه قال: ((استأذنت ربي في أن استغفر لأمي، فلم يأذن

стр. 272

لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة)) (١) فهذه زيارة لأجل تذكرة الآخرة. ولهذا تجوز زيارة قبر الكافر لأجل ذلك،وكان النبي ﷺ يحرج إلى البقيع فيسلم على موتى المسلمين ويدعو لهم، فهذه زيارة مختصة بالمسلمين، كما أن الصلاة على الجنازة تختص بالمؤمنين. وقال أيضاً في أثناء كلامه في بعض مصنفاته المتأخرة (٢) : وذلك أن لفظ زيارة قبره ليس المراد بها نظير المراد بزيارة قبر غيره، فإن قبر غيره يوصل إليه ويجلس عنده ويتمكن الزائر مما يفعله الزائرون للقبور عندها من سنة ويدعه. وأما هو ﷺ فلا سبيل لأحد أن يصل إلا إلى مسجده لا يدخل أحد بيته ولا يصل إلى قبره، بل دفنوه في بيته بخلاف غيره، فإنهم دفنوه في الصحراء، كما في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: في مرض موته: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (٣) يحذر ما فعلوا قالت عائشة ولولا ذلك لأبرز قبره، لكن كره أن يتخذ مسجداً فدفن في بيته لئلا يتخذ قبره مسجداً ولا وثناً ولا عيداً، فإن في سنن أبي داود من حديث أحمد بن صالح عن عبد الله بن نافع أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري، عن أبي صالح عن عبد الله بن نافع أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال:قال رسول الله ﷺ : ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً ولا تجعلوا قبري عيداً وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) (٤) . وفي الموطأ وغيره عنه أنه قال: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (٥) . وفي صحيح مسلم عنه أنه قال: قبل أن يموت بخمس: ((أن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك)) فلما لعن من يتخذ القبور مساجد تحذيراً لأمته من ذلك ونهاهم أن يتخذوا قبره عيداً، دفن في حجرته

стр. 273

لئلا يتمكن أحد من ذلك، وكانت عائشة ساكنة فيها، فلم يكن في حياتها يدخل أحد لذلك، إنما يدخلون إليها هي، ولما توفيت لم يبق بها أحد، ثم لم أدخلت في المسجد سدت وبنى الجدار البراني عليها، فما بقي أحد يتمكن من زيارة قبره، كالزيارة المعروفة عند قبر غيره، سواء كان سنية أو بدعية، بل إنما يصل الناس إلى مسجده. ولم يكن السلف يطلقون على هذا زيارة لقبره، ولا يعرف عن أحد من الصحابة لفظ زيارة قبر البتة ولم يتكلموا بذلك، وكذلك عامة التابعين لا يعرف هذا في كلامهم فإن هذا المعنى ممتنع عندهم فلا يعبر عن وجوده، وهو قد نهى عن اتخاذ بيته وقبره عيداً، وسأل الله أن لا يجعله وثناً، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد بيته وقبره عيداً، وسأل الله أن لا يجعله وثناً، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد، فقال: ((اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (١) ، ولهذا كره مالك وغيره أن يقال: زرنا قبر النبي ﷺ ولو كان السلف ينطقون بهذا لم يكرهه مالك، وقد باشر التابعين بالمدينة،وهم أعلم الناس بمثل ذلك. ولو كان في هذا حديث معروف عن النبي ﷺ لعرفه هؤلاء، ولم يكره مالك وأمثاله من علماء المدينة الأخبار بلفظ تكلم به النبي ﷺ فقد كان ﵁ يتحرى ألفاظ الرسول في الحديث فيكف يكره النطق بلفظه؟ ولكن طائفة من العلماء سموا هذا زيارة لقبره، وهم لا يخالفون مالكاً ومن معه في المعنى، بل الذي يستحبه أولئك من الصلاة والسلام وطلب الوسيلة ونحو ذلك في مسجده يستحبه هؤلاء، لكن هؤلاء سموا هذه زيارة لقبره وأولئك كرهوا أن يسموا هذه زيارة، وقد ذكرنا كلام الشيخ هذا وأمثاله في هذا المعنى فيما تقدم، والله أعلم. قال المعترض وقد قال أبو الوليد محمد بن رشد في البيان والتحصيل قال مالك: أكره أن يقال الزيارة لزيارة البيت الحرام، وأكره ما يقول الناس: زرت التي وأعظم ذلك أن يكون ﷺ يزار، قال محمد بن رشد، ما كره مالك هذا والله أعلم إلا من جهة أن كلمة أعلى من كلمة، فلما كانت الزيارة تستعمل في الموتى، وقد وقع فيها من الكراهة ما وقع كره أن يذكر مثل هذه العبارة في النبي ﷺ كما كره أن يقال أيام التشريق، واستحب أن يقال

стр. 274

الأيام المعدودات كما قال الله تعالى، وكما كره أن يقال:العتمة ويقال: العشاء الآخرة ونحو هذا،وكذلك طواف الزيارة كأنه استحب أن يسمي بالإفاضة، كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ (البقرة ١٩٨) فاستحب أن يشتق له الاسم من هذا. وقيل إنه كره لفظ الزيارة في الطواف بالبيت والمضي إلى قبر النبي ﷺ ،لأن المضي إلى قبره ﵇ ليس ليصله بذلك، ولا لينفعه، وكذلك الطواف بالبيت، وإنما يفعل تأدية لما يلزمه من فعله ورغبة في الثواب على ذلك من عند الله ،وبالله التوفيق، انتهى كلامه ابن رشد. وقد وقع منه كراهة مالك قول الناس: زرت النبي ﷺ ،وهو يرد ما قاله القاضي عياض، فأما كراهة إسناده الزيارة إلى القبر، فيحتمل أن يكون العلة فيه ما قاله القاضي عياض، ويحتمل أن يكون العلة ما قاله أبو عمران وابن رشد، وأما إضافة الزيارة إلى النبي ﷺ إن ثبت ذلك عن مالك فيتعين أن يكون العلة فيه ما قاله أبو عمران وابن رشد والمختار في تأويل كلام مالك ﵀ ما قاله ابن رشد دون ما قاله القاضي عياض، لأن ابن المواز حكى في كتابه الحج في باب ما جاء في الوداع. قال أشهب: قيل لمالك فيمن قدم معتمراً، ثم أراد أن يخرج إلى رباط أعليه أن يودع؟ قال: هو من ذلك في سعة، ثم قال: إنه لا يعجبني أن يقول أحد الوداع، وليس هو من الصواب، إنما هو الطواف. قال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ الحج ٠٢٩) قال: وأكره ما يقال الزيارة، وأكره ما يقول الناس: زرت النبي ﷺ وأعظم ذلك أن يكون النبي ﷺ يزار وقال مالك في وداع البيت، ما يعرف في كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ الوداع، إنما هو الطواف بالبيت، قلت لمالك، افترى هذا الطواف بالبيت، قيل لمالك: الذي يلتزم أترى له أن يتعلق بأستار الكعبة عند الوداع؟ قال: لا ولكن يقف ويدعو، قيل له: وكذلك عند قبر النبي ﷺ ؟ قال: نعم. انتهى ما أردت نقله من المؤازنة، وهي من أجل كتب المالكية القديمة المعتمد عليها. وسياقه حكاية أشهب عن مالكم ترشد إلى المراد، وأن مالكاً ﵀ إنما كره اللفظ كما كره في طواف الوداع، أفترى يتوهم مسلم،أو عاقل أن مالكاً كره طواف الوداع.

стр. 275

وانظر في آخر كلام مالك كيف اقتضى أنه يقف ويدعو عند قبر النبي ﷺ ، كما يقف ويدعو عند الكعبة في طواف الوداع، فأي دليل أبين من هذا في أن إتيان قبر النبي ﷺ والوقوف والدعاء عنده من الأمور المعلومة التي نزل قبل مالك وبعده، لو عرف مالك ﵀ أن أحداً يتوهم عليه ذلك من هذا اللفظ لما نطق به، ولا لوم على مالك،فإن لفظه لا إيهام فيه وإنما يلتبس على جاهل أو متجاهل. والمختار عندنا أنه لا يكره إطلاق هذا اللفظ أيضاً، لقوله: من زار قبري وقد تقدم الاعتذار عن مالك فيه، ولا يرد عليه قوله، زوروا القبور، لأن زيارة قبور غير الأنبياء لينفعهم ويصلهم بها وبالدعاء والاستغفار، ولهذا قال: أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن عمر المالكي المعروف بالشارمساحي في كتاب تلخيص محصول المدونة من الأحكام الملقب بنظم الدر في كتاب الجامع في الباب الحادي عشر في السفر: إن قصد الانتفاع بالميت بدعة إلا في زيارة قبر المصطفى ﷺ وقبور المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين. وهذا الذي ذكره في الانتفاع بقبور المرسلين صحيح،وكذلك سائر الأنبياء وأما ما ذكره في غير الأنبياء فستكلم عليه إن شاء الله تعالى في زيارة قبور غير الأنبياء. وأما زيارة أهل الجنة لله تعالى، فإن صح الحديث فيها فلا يرد على شيء من المعاني التي قالها عبد الحق، وابن رشد، لأنها ليست واجبة، فإن الآخرة ليست دار تكليف، وقد انقطع الالحاق بزيارة الموتى في توهم الكراهة. فقد بان لك بهذا وجه كلام مالك ﵀ وإنه على جواب القاضي عياض، إنما كره زيارة القبر لا زيارة النبي ﷺ وعلى جواب غيره، إنما كره اللفظ فيها دون المعنى، وكذلك أكثر ما حكيناه من كلام أصحابه أتوا فيه بمعنى الزيارة دون لفظها، فمن نقل عن مالك أن الحضور عند قبر النبي ﷺ لزيارة المصطفى والسلام عليه والدعاء عنده ليس بقربة، فقد كذب عليه ومن فهم عنه ذلك فقد أخطأ في فهمه وضل، وحاشى مالكاً وسائر علماء الإسلام، بل وعوامهم ممن وقر الإيمان في قلبه. انتهى ما ذكره المعترض من النقل والتصرف فيه، ولا يخفى ما في كلامه وتصرفه في كلام غيره من الخطأ والتلبيس، والقصور في الفهم، والتقصير في النظر كفهمه من كلام العلماء ما لم يريدوه، ومخالفته لهم فيما قصدوه، وإلزامه لهم لم يعتقدوه،وحكمه عليهم بالظن الكاذب، وقد قال النبي ﷺ ((إياكم والظن فإن الظن أكذب

стр. 276

الحديث)) (١) ، بل دأب هذا المعترض التمسك بالأمور المتشابهة الخفية والإعراض عن الأشياء المحكمة الواضحة، كما عادته الاعتماد على حديث ضعيف أو مكذوب، وأو خبر متشابه لا يدل على المطلوب، وليس هذا طريق العلماء القاصدين لإيضاع الدين وإرشاد المسلمين: نعوذ بالله من أتباع الهوى. ولا ريب أن زيارة القبور منقسمة، فمنها شرعي ومنها بدعي، ولم ينقل أحد من العلماء لا شيخ الإسلام ولا غيره عن مالك أنه كره معنى الزيارة الشرعية لا لقبر النبي ﷺ ، ولا غيره من القبور، وإنما الذي نقل عنه أشياء منها كراهية قول القائل: زرنا قبر النبي ﷺ وإنما كره ذلك لشدة تمسكه بالأحاديث والآثار، فإنه لم يكن عنده في إطلاق حديث صحيح، ولا أثر ثابت، ولا له فيه سلف، ولا غير ذلك من المعاني التي سبق ذكرها. وأما قول المعترض: ((والمختار عندنا أنه لا يكره إطلاق هذا اللفظ لقوله من زار قبري، وقد تقدم الاعتذار عن مالك فيه)) فجواب قوله عندنا معروف، وأما دليله الذي ذكره وهو غاية عمدته فقد بين ضعفه ووهاءه، وعدم صحته فيما تقدم بالأدلة الواضحة والحجيج البينة. وأما اعتذاره عن مالك فتركه أولى من ذكره، ومن الأمور المنقولة عن مالك ما تقدم ذكره غير مرة، وهو ما ذكره القاضي عياض في الشفاء قال: وقال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويمضي،فلأي معنى أعرض المعترض عن هذا النقل الصحيح الواضع عن إمام دار الهجرة، وتعلق بلفظ متشابه مذكور في الموازنة قائلاً بعد حكايته، وانظر في آخر كلام مالك كيف يقتضي أنه يقف ويدعو عند قبر النبي ﷺ كما يقف ويدعو عند الكعبة في طواف الوداع، فأي دليل أبين من هذا في أن إتيان قبر النبي ﷺ ، والوقوف والدعاء عنده من الأمور المعلومة التي لم تزل قبل مالك وبعده. فالنظر أيها المنصف في قول هذا المعترض ودعواه ما لم يكن وإلزامه قول مالك ما لم يلزمه وإضافته إليه ما لم يقله بل كرهه ونهى عنه، وليس ذلك ببدع من صنعه، فإني سمعته يقول بحضرة بعض ولاة الأمر في شيء ثبت وصح عن مالك: هذا كذب على مالك،وسنذكر فيما بعد إن شاء الله تعالى ونبين خطأه في قوله: ((إنه كذب)) هذا مع

стр. 277

تصحيحه الحكاية المتقدمة عن مالك وهي باطلة عنه كما بينا ذلك، وهذا دأبه يصحح الضعيف، ويضعف الصحيح بلا حجة (١) ، ومن الأشياء المأثورة عن مالك ما تقدم ذكره مراراً وذكره القاضي عياض أيضاً فقال: وقال مالك في المبسوط: وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر وإنما ذلك للغرباء وقال فيه أيضاً: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر، فقيل له: إن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر وربما وقفوا في الجمعة، وفي الأيام المرة والمرتين، أو أكثر عنده فيسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده. فانظر إلى قول مالك ﵀ لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا ومخالفته لقول المعترض،فأي دليل أبين من هذا في إتيان قبر النبي ﷺ والوقوف والدعاء عنده من الأمور المعلومة التي لم تزل قبل مالك وبعده. فهذا المعترض يزعم أن قول مالك يقتضي أن هذا الأمر من الأمور المعلومة التي لم تنزل قبل مالك وبعده، ومالك يقول لم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك. فأي حجة أوضح من هذه؟ وأي دليل أبين من هذا في إبطال قول المعترض ودعواه والتزامه أقوال الأئمة نقيض مرادهم، وما أحسن قول مالك ﵁: ((ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها)) ، وأما قوله:ويكره إلا لمن جاء من سفر، أو أراده، فهذا إنما ذهب إليه اتباعاً لابن عمر، فإنه قد صح عنه إنه كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول، السلام يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه، ثم ينصرف.

стр. 278

وقد قال عبيد الله بن عمر العمري: ما نعلم أحد من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر، فهذا قاله عبيد الله فيما كان ابن عمر يفعله من السلام إذا قدم من سفر، وأما هذا الذي زعم المعترض أنه من الأمور المعلومة التي لم نزل قبل مالك وبعده فإنه لم ينقل عن أحد من السلف لا من الصحابة ﵃، ولا من التابعين لهم بإحسان، بل نحن نطالب هذا المعترض بالنقل، فنقول له: من روى هذا من الأئمة، وأين إسناده وفي أي كتاب هو، وعمن تأثره من الصحابة والتابعين، وهل وقفت عليه في ديوان، أو أنت تقوله برأيك وتلزمه بكلام من لم يلزمه. وما أحسن قول سفيان الثوري: الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن له سلاح فبأي شيء يقاتل وقول عبد الله بن المبارك، الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال: من شاء ما شاء، ولكن إذا قيل من حدثك نفي , وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم في أثناء كلامه، وأما ما ذكر في المناسك أنه يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره، وذلك بعد تحيته والصلاة والسلام، وثم يدعو لنفسه. وذكروا أنه إذا حياه وصلى عليه يستقبله بوجهه بأبي هو وأمي ﷺ ، فإذا أراد الدعاء جعل الحجرة عن يساره واستقبل القبلة ودعا، وهذا مراعاة منهم، لذلك فإن الدعاء عند القبر لا يكره مطلقاً بل، يؤمر به للميت،كما جاءت به السنة فيما تقدم ضمناً وتبعاً، وإنما المكروه أن يتحرى المجيء للقبر للدعاء عنده. وكذلك ذكر أصحاب مالك قالوا: يدنوا من القبر فيسلم على النبي ﷺ ، ثم يدعو مستقبل القبلة يوليه ظهره وقيل / لا يوليه ظهره، فإنما اختلفوا لما فيه من استدباره، فأما إذا جعل الحجرة عن يساره فقد زال المحذور بلا خوف، وصار في الروضة، أو أمامها. ولعل هذا الذي ذكره الأئمة أخذوه من كراهة الصلاة إلى القبر، فإن ذلك قد ثبت النهي فيه عن النبي ﷺ كما تقدم (١) ، فلما نهى أن يتخذ القبر مسجداً أو قبلة أمروا بأن لا يتحرى الدعاء إليه، كما لا يصلي إليه، ولهذا والله أعلم حرفت الحجرة وثلثت لما بنيت فلم يجعل حائكها الشمالي على سمت القبلة، ولا جعل مسطحا، وكذلك قصدوا قبل أن تدخل الحجرة في المسجد، فروى ابن بطة بإسناده معروف عن هشام بن عروة، حدثني

стр. 279

أبي قال: كان الناس يصلون إلى القبر، فأمر عمر بن عبد العزيز فرفع حتى لا يصلى إليه الناس، فلما هدم بدت قدم بساق وربكة قال: ففزع من ذلك عمر بن عبد العزيز فأتاه عروة فقال: هذه ساق عمر بن الخطاب رضي الله عه وركبته، فسرى عن عمر بن عبد العزيز وهذا أصل مستمر فإنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه. ألا ترى أن الرجل (١) لما نهى عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيرها فإنه ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء، ومن الناس من يتحرى وقت دعائه واستقبال الجهة التي يكون فيها الرجل الصالح سواء كانت المشرق أو غيره، وهذا ضلال بين وشرك واضح، وكما أن بعض الناس يمتنع من استدبار الجهة التي فيها الصالحون وهو يستدبر الجهة التي فيها بيت الله وقبر رسوله، وكل هذه الأشياء من البدع التي تضارع دين النصارى. ومما يبين لك ذلك أن نفي السلام على النبي ﷺ قد راعوا فيه السنة حتى لا يخرج إلى الوجه المكروه الذي قد يجر إلى إطراء النصارى عملاً بقوله ﷺ : ((لا تتخذوا قبري عيداً)) (٢) وبقوله: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم)) فإنما أنا عبد،فقولوا عبد الله ورسوله)) (٣) وكان بعضهم يسأل عن السلام على القبر خشية أن يكون من هذا الباب حتى قيل له: إن ابن عمر كان يفعل ذلك ولهذا كره مالك ﵁ وغيره من أهل العلم لأهل المدينة كلما دخل أحدهم المسجد أن يجيء فيسلم على قبر النبي ﷺ وصاحبه. قال: وإنما يكون ذلك لأحدهم إذا قدم من سفر، أو أراد سفر، أو نحو ذلك، ورخص بعضهم في السلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها،وأما قصده دائماً للصلاة والسلام فما علمت أحداً رخص فيه، لأن ذلك نوع من اتخاذه عيداً، مع أنا قد شرع لنا إذا دخلنا المسجد أن نقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته (٤) ، كما نقول ذلك في آخر صلاتنا، بل قد استحب ذلك لكل من دخل مكاناً ليس فيه أحد أن يسلم على النبي ﷺ فيسلم، لما تقدم من أن السلام عليه يبلغه في كل موضع،فخاف مالك وغيره أن يكون فعل ذلك عند القبر كل ساعة نوعاً من اتخاذ القبر عيداً.

стр. 280

وأيضاً فإن ذلك بدعة فقد كان المهاجرون والأنصار على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ يجيئون إلى المسجد كل يوم خميس مرات يصلون، ولم يكونوا يأتون مع ذلك إلى القبر يسلمون عليه لعلمهم ﵃ بما كان النبي ﷺ يكرهه من ذلك وما نهاهم عنه وأنهم يسلمون عليه حين دخول المسجد والخروج منه، وفي التشهد كما كانوا يسلمون عليه كذلك في حياته، والمأثور عن ابن عمر يدل على ذلك. وقال سعيد في سننه: حدثنا عبد الرحمن بن زيد (١) ، حدثني أبي عن ابن عمر أنه كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فسلم، وصلى عليه، وقال: السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه، وعبد الرحمن بن زيد وإن كان يضعف، لكن الحديث المتقدم عن نافع الصحيح يدل على أن ابن عمر ما كان يفعل ذلك دائماً ولا غالباً، وما أحسن ما قال مالك: لن يصلح هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم ونقص إيمانهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوا من البدع والشرك وغيره انتهى ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. ومن الأشياء المنقولة عن مالك ما ذكره إسماعيل بن إسحاق القاضي، وهو من أجل علماء المسلمين في كتابه المبسوط لما ذكر قول محمد بن مسلمة، أن من نذر أن يأتي مسجد قباء، فعليه أن يأتيه، قال: إنما هذا فيمن كان من أهل المدينة وقربها ممن لا يعمل المطي إلى مسجد قباء، لأن أعمال المطي اسم للسفر، ولا يسافر إلا إلى المساجد الثلاثة على ما جاء عن النبي في نذر ولا غيره، قال وقد روي عن مالك أنه سئل عمن نذر أن يأتي قبر النبي ﷺ فقال: إن كان أراد المسجد فليأته، وليصل فيه، وإن كان إنما أراد القبر، فلا يفعل للحديث الذي جاء: ((ولا تعمل المطي إلا إلى ثلاث مساجد)) الحديث (٢) . وهذا الذي نقله في المبسوط عن مالك لا يعرف عن أحد من الأئمة الثلاثة خلافة ولم يذكر المعترض في موضع من كتابه، فإما أنه لم يقف عليه، وإما أنه وقف عليه وتركه عمداً (٣) .

стр. 281

وقد سمعت أخا شيخ الإسلام يذكر هذا النقص الذي حكاه القاضي إسماعيل في المبسوط عن مالك لهذا المعترض يحضره بعض ولاة الأمر، فغضب المعترض غضباً شديداً، ولم يجبه بأكثر من قوله: هذا كذب على مالك، فانظر إلى جراءة هذا المعترض وإقدامه على تكذيب ما لم يحط بعلمه بغير برهان ولا حجة، بمجرد الهوى والتخرص، وليس هذا ببدع منه، فإنه قد عرف منه مثل ذلك في غير موضع، وهو من أشد الناس مخالفة لمالك في هذا المواضع التي لا يعرف لأحد من كبار الأئمة أنه خالف مالكاً فيها، بل قد حمله فرط غلوه ومتابعته هواه على نسبة أمور عظيمة لا أحب ذكرها إلى من قال يقول مالك في هذه المواضع التي لا يعرف عن إمام متبوع مخالفته فيها نعوذ بالله من الخذلان. ومن العجب أن هذا المعترض صحح الحكاية المنقولة عن مالك مع أبي جعفر المنصور، لأن فيها ما يتابع هواه مع أنها غير صحيحة، بل هي باطلة موضوعة، وكذب هذا النقل الثابت الذي ذكره القاضي إسماعيل في المبسوط لشدة مخالفته لهواه، وما ذهب إليه، وأعرض عما ذكره أيضاً في المبسوط من قول مالك: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويمضي، لأنه مخالف لهواه، وتمسك بما تقدم ذكره في الموازنة لمتابعته هواء في ظنه، وهكذا عادته ودأبه يكذب النصوص الثابتة أو يعرض عنها، ويقبل الأشياء الواهية التي لم تثبت والأمور المجملة الخفية ويتمسك بها بكلتا يديه، وليس هذا شأن من يقصد الحق وإيضاح الدين للخلق نسأل الله التوفيق. وأما ما ذكره عن أبي محمد الشارمساحي المالكي من قوله.. إن قصد الانتفاع بالميت بدعة إلا في زيارة قبر المصطفى وقبور المرسلين، فهذا القول يحتاج إلى نظر كما سنذكر، وقد وافق المعترض الشارمساحي المالكي في الجملة الثانية، وأما في الأولى فقال: وهذا الذي ذكره في الانتفاع بقبور المرسلين صحيح، وكذلك سائر الأنبياء، وأما ما ذكره في غير الأنبياء، فسأتكلم عليه إن شاء الله تعالى في زيارة قبور غير الأنبياء. ثم قال في موضع آخر: وهذا الذي استثناه من قبور الأنبياء والمرسلين صحيح، وأما حكمه في غيرهم بالبدعة ففيه نظر، ولا ضرورة بنا هنا في تحقيق الكلام فيه، هذا هو الذي وعد بذكره، ولم يأت بشيء غير قوله: وأما حكمه في غيرهم بالبدعة ففيه نظر، وكأنه يميل إلى أن قصد الانتفاع بالميت ليس ببدعة مطلقاً، ولكنه لم يجسر على التفوه بذلك، مع أنه قد جسر على ما هو أشد من ذلك. وأعلم أن قول الشارمساحي إن قصد الانتفاع بالميت بدعة صحيح، وهو سر الفرق

стр. 282

بين الزيارة المشروعة وغيرها، فإن الزيارة التي شرعها الله ورسوله مقصودها نفع الميت والإحسان إليه، وأن يفعل عند قبره من جنس ما يفعل على نعشه من الدعاء والاستغفار له والترحم عليه، فإن عمله قد انقطع وصار محتاجاً إلى ما يصل إليه من نفع الأحياء له، ولهذا يقال عند زيارته: ما علمه النبي ﷺ لأمته أن يقولوه إذا زاروا القبور ولو كان أهلها سادات أولياء الله وخيار عباده: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المتقدمين منا ومنكم والمتسأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم وأغفر لنا ولهم)) (١) . فهذا من جنس الدعاء له عند الصلاة عليه، وهذا غير الدعاء به والدعاء عنده، فالمراتب ثلاثة، فالذي شرعه الله عزوجل ورسوله للأمة الدعاء للميت عند الصلاة عليه، وعند زيارة قبره، دون الدعاء به والدعاء عنده،وهذه سنته بحمد الله إليها التحاكم والتخاصم، ولا التفات إلى تحكيم غيرها البتة كائناً ما كان، وأما انتفاع الزائر فليس بالميت، بل بعمله هو وزيارته ودعائه له والترحم عليه، والإحسان إليه كما ينتفع المحسن بإحسانه (٢) ، يوضحه أن الميت قد انقطع عمله الذي ينتفع به نفسه، ولم يبق عليه منه إلا ما تسبب في حياته في شيء يبقى نفعه كالصدقة وتعليم العلم النافع، ودعاء الولد الصالح، فكيف يبقى نفعه للحي وهو عمل يعمله له، وهل هذا إلا باطل شرعاً وقدراً، ومن جعل زيارة الميت من جنس زيارة الفقير للغني لينال من بره وإحسانه فقد أتى بما هو أعظم الباطل المتضمن لقب الحقيقة والشريعة، ولو كان ذلك مقصود الزيارة لشرع من دعاء الميت والتضرع إليه وسؤال ما يناسب هذا المطلوب،ولكن هذا يناقض ما دعا)) إليه الرسول ﷺ من التوحيد وتجريده مناقضة ظاهرة، ولا ينبغي الاقتصار على ذلك بأنه بدعة، بل فتح لباب الشرك وتوسل إليه بأقرب وسيلة وهل أصل عبادة الأصنام إلا ذلك كما قال ابن عباس (٣) في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (نوح ٠٢٣) قال: هؤلاء كانواً قوماً صالحين في قومهم، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، فلما طال عليهم الأمد عبدوهم فهؤلاء لما قصدوا الانتفاع بالموتى قادهم ذلك إلى عبادة الأصنام. يوضحه أن الذين تكلموا في زيارة الموتى من أهل الشرك صرحوا بأن القصد هو

стр. 283

انتفاع الزائر بالمزور، وقالوا من تمام الزيارة أن يعلق همته وروحه بالميت وقبره، فإذا فاض على روح الميت من العلويات الأنوار فاض منها على روح الزائر بواسطة ذلك التعليق والتوجه إلى الميت، كما ينعكس النور على الجسم المقابل للجسم الشفاف بواسطة مقابلته، وهذا المعنى يعنيه ذكره عباد الأصنام في زيارة القبور وتلقاه عنهم من تلقه ممن لم يحط علماً بالشرك وأسبابه ووسائله. ومن ههنا يظهر سر مقصود النبي ﷺ بنهيه عن تعظيم القبور واتخاذ المساجد عليها والسرج، ولعنه فاعل ذلك وأخباره بشدة غضب الله عليه ونهيه عن الصلاة إليها ونهيه عن اتخاذ قبره عيداً، وسؤاله ربه تعالى أن لا يجعل قبره وثناً يعبد،فهذا نهيه عن تعظيم القبور، وذلك تعليمه وإرشاده للزائر أن يقصد نفع الميت والدعاء له والإحسان إليه، ولا الدعاء به، ولا الدعاء عنده. وأما استثناؤه قبور المرسلين من ذلك فيقال أولاً: قد ذكرنا الدليل على مقصود الشارع من زيارة القبور، وأنها تتضمن نفع المزور وانتفاع الزائر بعمله لا غير، فما الدليل على تخصيص زيارة قبور الأنبياء والمرسلين بأنها شرعت لانتفاع الزائر بهم وتوسله بزيارتهم إلى جلب المنافع له ودفع المضار عنه وجعلهم وسائط بين الزائر وبين الله في النفع والضر، وهل دل على ذلك دليل شرعي، وأو قاله أحد من سلف الأمة وخيار القرون. ويقال ثانياً: بل الأدلة الشرعية مصرحة بخلاف ذلك، وإن نفع الأنبياء والرسل لأممهم هو بالهداية والإرشاد والتعليم، وما يعين على ذلك، وأما النفع والضر بغير ذلك فقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ (الجن ٠٢١) فإذا كان هذا قوله لهم في حياته فكيف بعد وفاته؟ وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ حين أنزل عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء ٢١٤) ((يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئاً يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئاً يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً (١) ، يا فاطمة بنت رسول الله ساليني ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً)) (٢) .

стр. 284

فدعوى المدعي أن الأنبياء والرسل يملكون لمن زارهم ودعا بهم أو دعاهم وأشرك بهم من الضر والنفع ما لم يملكوه في حياتهم من أبين الباطل المتضمن للكذب على الشرع والقدر. ويقال ثالثاً: دعوى ذلك مناقضة صريحة لما قصده الرسول، فإن ذها يوجب من تعظيم قبورهم وقصد انتيابها في الحاجات والرغبات، وجعلها من أجل الأعياد واتخاذ المساجد والسرج عليها ما يكون أدعى إلى هذا المطلوب، وهذا ضد مقصود الرسول من كل وجه ودعاء إلى ما حذر منه،وترغيب تام فيما نهى عنه فليتدبر اللبيب هذا الموضع، فإنه سر الفرق بين التوحيد ووسائله، والشرك ووسائله، ومن ظن أن ذلك تعظيم لهم فهو غالط جاهل، فإن تعظيمهم إنما هو بطاعتهم واتباع أمرهم ومحبتهم وإحلالهم، فمن عظمهم بما هو عاص لهم به لم يكن ذلك تعظيماً، بل هو ضد التعظيم فإنه متضمن مخالفتهم ومعصيتهم، فلو سجد العبد لهم أو دعاهم من دون الله، أو سبحهم، أوطاف بقبورهم واتخذ عليها المساجد والسرج، أو أثبت لهم خصائص الربوبية ونزهمم عن لوازم العبودية، وادعى أن ذلك تعظيم لهم، كان من أجهل الناس وأضلهم، وهو من جنس تعظيم النصارى للمسيح حتى أخرجوه عن العبودية. وكل من عظم مخلوقاً بما يكرهه ذلك المعظم ويبغضه ويمقت فاعله، فلم يعظمه في الحقيقة، بل عامله بضد تعظيمه، فتعظيم الرسول ﷺ أن تطاع أوامره وتصدق أخباره، ولا يقدم على ما جاء به غيره. فالتعظيم نوعان: أحدهما: ما يحبه المعظم ويرضاه ويأمره ويثني على فاعله، فهذا هو التعظيم في الحقيقة. والثاني: ما يكره ويبغضه ويذم فاعله، فهذا ليس بتعظيم، بل هو غلو مناف للتعظيم، ولهذا لم يكن الرافضة معظمين لعلي بدعواهم فيه الإلهية والنبوة، أو العصمة ونحو ذلك، ولم يكن النصارى معظمين للمسيح بدعواهم فيه ما ادعوا، والنبي ﷺ قد أنكر على من عظمه بما لم يشرعه، فأنكر على معاذ سجوده له (١) ، وهو محض التعظيم. وفي المسند بإسناد صحيح على شرط مسلم عن أنس بن مالك أن رجلاً قال: يا محمد، يا سيدنا، وابن سيدنا وخيرنا، وابن خيرنا فقال رسول الله ﷺ : ((عليكم بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، مأ (٤) أن ترفعوني

стр. 285

فوق منزلتي التي أنزلني الله ) (١) ، وقال ﷺ : ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)) (٢) وكان يكره من أصحابه أن يقوموا له إذا رأوه، ونهاهم أن يصلوا خلفه قياماً، وقال: ((إن كنتم آنفاً لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم)) (٣) وكل هذا من التعظيم الذي يبغضه ويكرهه. ولقد غلا بعض الناس في تعظيم القبور حتى قال: إن البلاء يندفع عن أهل البلد أو الإقليم بمن هو مدفون عندهم من الأنبياء والصالحين، قال شيخ الإسلام في أثناء كلامه في الجواب الباهر: وأما ما يظنه بعض الناس (٤) ، أنه يدفع البلاء عن أهل بغداد بقبور ثلاثة: أحمد بن حنبل وبشر الحافي ومنصور بن عمار، ويظن بعضهم أنه يندفع البلاء عن أهل الشام بمن عندهم من قبور الأنبياء الخليل، وغيره ﵈، وبعضهم يظن أن يندفع البلاء عن أهل مصر بنفسية، أو غيرها، أو يندفع البلاء عن أهل الحجاز بقبر النبي ﷺ ، وأهل البقيع أو غيرهم، فكل هذا غلط مخالف لدين المسلمين مخالف للكتاب والسنة والإجماع، فالبيت المقدس كان عنده من قبور الأنبياء والصالحين ما شاء الله، فلما عصوا الأنبياء وخالفوا ما أمر الله به ورسله سلط عليهم منن انتقم منهم، والرسل الموتى ما عليهم إلا البلاغ المبين وقد بلغوهم رسالة ربهم. وكذلك نبينا قال الله تعالى في حقه: أن عليك إلا البلاغ، وقال: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (النور ٠٥٤) وقد ضمن الله لكل من أطاع الرسول أن يهديه وينصره، فمن خالف أمر الرسول استحق العذاب ولم يغن عنه أحد من الله شيئاً كما قال النبي ﷺ : ((يا عباس عمر رسول اله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً)) (٥) وقال لمن والاه من أصحابه
следующие страницы →