صلاة كتب الله له بها عشر حسنات وكفر بها عنه عشر سيئات ورفع له بها عشر درجات ورد الله عليه مثل قوله وعرضت علي يوم القيامة)) . رواه ابن عساكر، وقال: ولا تنافي بين هذه الأحاديث، فقد يكون العرض عليه مرات وقت الصلاة، ويوم القيامة.
وحديث أبي هريرة وحديث ابن مسعود مصرحان بأنه يبلغه سلام كل من سلم عليه، وهم اصحيحان إن شاء الله تعالى: وحديث أوس بن أوس، وما في معناه يدل على أن الموت غير مانع من ذلك، وكان مقصودنا يجمع هذه الأحاديث بيان العرض على النبي ﷺ وأن مراد التبليغ من الملائكة له ﷺ كما تمضنه حديث أبي هرير وحديث ابن مسعود، وهذا في حق الغائب بلا إشكال وأما في حق الحاضر عند القبر، فهل يكون كذلك، أو يسمعه ﷺ بغير واسطة؟ ورد في ذلك حديثان: أحدهما: ((من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي ناباً بلغته، وفي رواية نائباً منه ابلغته، وفي رواية نائباً من قبري وفي رواية عن قبري)) .
والحديث الثاني: ((ما من عبد يسلم علي عند قبري إلا وكل بها ملك يبلغني وكفى أمر آخرته ودنياه وكنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة)) وفي رواية ((من صلى علي عند قبري وكل الله به ملكاً يبلغني وكفى أمر دنياه وآخرته وكنت له شهيداً وشفيعاً)) وفي رواية: ((ما من عبد صلى علي عند قبري إلا وكل الله به، وفيها شفيعاً وشهيداً)) وهذان الحديثان كلاهما من رواية محمد بن مروان السدي الصغير، وهو ضعيف عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
قلت: هذا الحديث موضوع على رسول الله ليس له أصل ولم يحدث به أبو هريرة، ولا أبو صالح، ولا الأعمش، ومحمد بن مروان السدي: متهم بالكذب والوضع ولفظ هذا الحديث الذي تفرد به مختلف، فإن اللفظ الأول يدل على إثبات السماع عند القبر، واللفظ الثاني يدل على نفي السماع عند القبر، واللفظ الأول هو المشهور عن محمد بن مروان، رواه عن العلاء بن عمرو الحنفي، ورواه عن العلاء جماعة، قال أحمد بن إبراهيم بن ملحان: حدثنا العلاء بن عمرو، حدثنا محمد بن مروان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى علي عند قبري سمعته ومن صلى علي نائياً من قبري أبلغته)) . رواه العقيلي (١) عن شيخ له عن
стр. 212
العلاء بن عمرو: وقال: لا أصل له من حديث الأعمش، وليس بمحفوظ، ورواه الطبراني من رواية العلاء أيضاً ولفظه: ((من صلى علي من قريب سمعته، ومن صلى علي من بعيد أبلغت)) وقد تكلم أبو حاتم بن حيان وأبو الفتح الأزدي في العلاء بن عمرو فقال ابن حبان (١) يجوز الاحتجاج به بحال، وقال الأزدي لا يكتب عنه بحال.
وقد روى بعضهم هذا الحديث من رواية أبي معاوية عن الأعمش وهو خطأ فاحش، وإنما هو حديث محمد بن مروان تفرد به وهو متروك الحديث متهم بالكذب.
قال ابن أبي حاتم (٢) حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا عبد السلام بن عاصم الهشنجاني، قال سمعت جريراً يقول: محمد بن مروان كذاب، يعني صاحب الكلي وقال العقيلي (٣) ، حدثنا الحسن بن عليب، حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي، قال: سمعت ابن نمير يقول: محمد بن مروان الكلي: كذاب، وما سمعته وقع في أحد غيره.
وقال عباس الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول (٤) : السدي الصغير محمد بن مروان صاحب الكلي، ليس بثقة، وقال ابن أبي حاتم (٥) : سمعت أبي يقول: هو ذاهب الحديث متروك الحديث لا يكتب حديثه البتة.
وقال النسائي (٦) والدولابي والأزدي: متروك الحديث، وقال السعدي (٧) : ذاهب الحديث، وقال صالح جزرة: كان يضع الحديث.
وقال ابن حبان (٨) : كان ممن يروي الموضوعات عن الإثبات، لا يحل كتب حديثه
стр. 213
إلا على سبيل الاعتبار، ولا الاحتجاج به بحال من الأحوال، وقال ابن عدي (١) : عامة ما يرويه غير محفوظ، والضعف على رواياته بين، وقال الحاكم: هو ساقط في أكثر روايته.
وأما اللفظ الثاني الذي يدل على عدم السماع عند القبر فرواه البيهقي في كتاب شعب الإيمان.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله الصفار إملاء، حدثنا محمد بن موسى البصري، حدثنا عبد الملك بن قريب، ثنا محمد بن مروان، وهو يتيم لبني السدي لقيته ببغداد عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من عبد يسلم علي عند قبري إلا وكل الله بها ملكاً يبلغني وكفى أمر آخرته ودنياه وكنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة)) .
وقال أبو الحسين بن سمعون: حدثنا عثمان بن أحمد بن يزيد، ثنا محمد بن موسى، حدثنا عبد الملك بن قريب الأصمعي، حدثنا محمد بن مروان السدي، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى علي عند قبري وكل الله به ملكاً يبلغني وكفى أمر دنياه وآخرته وكنت له يوم القيامة شهيداً، أو شفيعاً.
هذا اللفظ تفرد به محمد بن موسى، عن الأصمعي، عن محمد بن مروان ومحمد بن موسى هو محمد بن يونس بن موسى بن سليمان بن عبيد بن ربيعة بن كديم القرشي الشامي الكديمي، أبو العباس البصري، وهو متهم بالكذب، ووضع الحديث.
قال ابن عدي (٢) : اتهم بوضع الحديث وسرقته، وادعى رؤية قوم لم يرهم، ورواية عن قوم لا يعرفون، وترك عامة مشايخنا الرواية عنه، ومن حديث عنه ينسبه إلى جده موسى لئلا يعرف، وقال ابن حبان (٣) : كان يضع على الثقات الحديث وضعاً، ولعله قد وضع أكثر من ألف حديث.
стр. 214
وقال أبو عبيد الأجري (١) : سمعت أبا داود يتكلم في محمد بن سنان، يعني القزاز وفي محمد بن يونس يطلق فيهما الكذب، وقال أبو بكر:محمد بن وهب البصري المعروف بابن التمار الوراق ما أظهر أبو داود تكذيب أحد إلا رجلين الكديمي وغلام خليل.
وقال الدارقطني (٢) : قال لي أبو بكر: أحمد بن المطلب بن عبد الله بن الواثق الهاشمي كنا يوماً عند القاسم المطرز، وكان يقرأ علينا مسند أبي هريرة فمر به في كتابه حديث عن الكديمي، فامتنع من قراءته، فقام إليه محمد بن عبد الجبار، وكان قد أكثر عن الكديمي، فقال: أيها الشيخ (٤) أن تقرأ فأبي، وقال: أنا أجاثية بين يدي الله تعالى يوم القيامة وأقول: إن هذا كان يكذب على رسول الله ﷺ وعلي، وقال موسى بن هارون الحمال (٣) : تقرب إلى الكديمي بالكذب.
وقال الأزدي متروك الحديث، وقال حمزة بن يوسف السهمي سمعت الدارقطني يقول كان الكديمي يتهم بوضع الحديث (٤) ، وقال ابن عدي (٥) والكديمي: أظهر أمراً من أن يحتاج إلى تبين ضعفه،وكان مع وضعه للحديث وادعائه مشايخ لم يكتب عنهم يختلق لنفسه شيوخاً حتى كان يقول: حدثنا شاصونة بن عبيد منصرفاً عن عدن أبين فذكر عنه حديثاً قال ولو ذكرت ما أنكر عليه وادعائه ووضعه لطال ذلك.
وقال أبو بكر الخطيب (٦) : وكان مما تكلم موسى بن هارون به في الكديمي حديث شاسونة بن عبيد الذي أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، أنبأنا ابو بكر محمد بن جعفر بن محمد الأدمي القاري، حدثنا محمد بن يونس القرشي، ح قال الخطيب: وأخبرنا القاضي أبوالفرج محمد بن أحمد بن الحسن الشافعي، أنبأنا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاد، حدثنا محمد بن يونس الكديمي ح، وقال: وأخبرنيه علي بن أحمد الرزاز وسياق الحديث له، حدثنا أبو عمر محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم إملاء، حدثنا محمد بن
стр. 215
يونس بن موسى إملاء، حدثنا شاصونة بن عبيد أبو محمد اليماني منصرفاً من عدن سنة عشر ومائتين بقرية يقال لها: الحردة.
قال: حدثني معرض بن عبد الله بن معرض بن معيقيب اليماني عن أبيه، عن جده قال: حججت حجة الوداع فدخلت داراً بمكة، فرأيت فيها رسول الله ﷺ وجهه مثل دارة القمر، وسمعت منه عجباً جاءه رجل من أهل اليمامة بغلام يوم ولد وقد لفه في خرقة فقال له رسول الله ﷺ (يا غلام من أنا)) قال أنت رسول الله، قال: ((صدقت بار الله فيك)) قال: ثم إن الغلام لم يتكلم بعدها حتى شب قال: قال أبي فكنا نسميه مبارك اليمامة.
هذا آخر حديث الأدمي وابن خلاد وزاد أبو عمر قال. قال شاصونة سمعت هذا الحديث منذ ثمانين سنة، وكنت أمر بصنعاء على معمر،فأراه يحدث، فلم أسمع منه قال: ولم أسمع إلا هذا الحديث،وقال الخطيب:أخبرنا أبوعلي عبد الرحمن بن محمد بن فضالة النيسابوري بالري، قال:سمعت أبا الربيع محمد بن الفضل البلخي قال: سمعت محمد بن قريش بن سليمان بن قريش المروزي بها يقول: دخلت على موسى بن هارون الحمال منصرفي من مجلس الكديمي فقال لي: ما الذي حدثكم الكديمي اليوم؟ فقلت: حدثنا عن شاصونة بن عبيد اليمامي بحديث، وذكرته له وهو حديث مبارك اليمامة.
فقال موسى بن هارون: أشهد أنه حديث عمن لم يخلق بعد، فنقل هذا الكلام إلى الكديمي، فلما كان من الغد خرج فجلس على الكرسي، وقال بلغني أن هذا الشيخ يعني موسى بن هارون تكلم في ونسبني إلى أنني حدثت عمن لم يخلق بعد وقد عقدت بيني وبينه عقدة لا نحلها إلا بين يدي الملك الجبار، ثم أملي علينا فقال: حدثنا جبل من جبال البصرة أبو عامر العقيدي، حدثنا زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن طاوس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من الشعر لحكمة)) .
وحدثنا جبل من جبال الكوفة أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود، عن عائشة قالت: أهدي رسول الله ﷺ مرة غنماً قال وأملي علينا في ذلك المجلس كل حديث فرد، وانتهى الخبر إلى موسى بن هارون فما سمعته بعد ذلك يذكر الكديمي إلا بخير أو كما قال:
قال الخطيب: وأخبرنا أحمد بن محمد العتيقي، حدثنا أبو عبد الله عثمان بن جعفر
стр. 216
العجلي مستملي ابن شاهين بحديث عن الكديمي، عن شاصونة بن عبيد، قال سمعت بعض شيوخنا يقول: لما أملي الكديمي هذا الحديث استعظمه الناس، وقالوا هذا كذاب،من هو شاصونة، فلما كان بعد وفاته جاء قوم من الرحالة ممن جاءوا من عدن، فقالوا وصلنا إلى قرية يقال لها: الحردة، فلقينا شيخنا فسألناه عندك شيء من الحديث، فقال: نعم فكتبنا عنه، وقلنا: ما اسمك قال: محمد بن شاصونة بن عبيد وأملي علينا هذا الحديث فيما أملي عن أبية.
قال الخطيب: وقد وقع إلينا حديث شاصوته من غير طريق الكديمي،أخبرناه أبو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله الصوري ببغداد، وأبو محمد عبد الله بن علي بن عياض بنأبي عقيل القاضي بصورة، وابو نصر علي بن الحسين بن أحمد بن أبي سلمة الوراق بصيدا، قالوا: أنبأنا محمد بن أحمد بن جميع الغساني، حدثنا العباس بن محبوب بن عثمان بن شاصونة بن عبيد بمكة، قال: حدثنا أبي قال: حدثني جدي شاصونة بن عبيد، قال: حدثني معرض ابن عبد الله بن معيقب اليماني، عن أبيه، عن جده قال: حججت حجة الوداع، فدخلت دار بمكة، فرأيت فيها رسول الله ﷺ وجهه كداره القمر، فسمعت منه عجباً أتاه رجل من أهل اليمامة بغلام يوم ولد، وقد لفه في خرفة، فقال له رسول الله ﷺ : ((يا غلام من أنا؟)) فقال: أنت رسول الله، قال: فقال له بارك الله فيك ثم إن العلام لم يتكلم بعد.
قلت: وقد روى من وجهة أخرى لا أصل له أنه ﷺ يرد على من صلى عليه عند قبره، وأنه يبلغ صلاة من صلى عليه في مكان آخر، قال أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن المرزيان الجلان: حدثنا أبو العباس عن أبي البختري، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى علي عند قبري رددت عليه ومن صلى في مكان آخر بلغونيه)) ، هذا حديث موضوع لا أصل له من حديث عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر،وأبو البختري هو: وهب بن وهب القاضي،وهو كذاب يضع الحديث باتفاق أهل المعرفة بالحديث.
قال أبو طالب (١) : سمعت أحمد بن حنبل يقول: كان أبو البختري يضع الحديث
стр. 217
وضعاً فيما نرى وأشياء لم يروها عن أحد؛ قلت: الذي كان قاضياً، قال:نعم، وكنت عند أبي عبد الله،وجاء رجل فسلم عليه، وقال:أنا من أهل المدينة، وقال: يا أبا عبد الله كيف كان حديث البختري؟ فقال: كان كذاباً يضع الحديث، قال: أنا ابن عمه نحابية قال أبو عبد الله: الله المستعان ولكن ليس في الحديث محاباة، وقال محمد بن عوف الحمصي: سألت أحمد بن حنبل، عن أبي البختري، فقال:مطروح الحديث.
وقال إسحاق بن منصور، قال أحمد بن حنبل: أبو البختري أكذب الناس، قال إسحاق بن راهوية كما قال: كان كذاباً، وقال عباس الدوري (١) : سمعت يحيى بن معين يقول: ابن البختري كذاب خبيث يضع الأحاديث.
قلت ليحيى: ﵀ قال: لا رحم أبا البختري، وقال الفلاس: كان يكذب ويحدث بما ليس له أصل (٢) ، وقال السعدي (٣) ،: كان يكذب ويجسر، وقال ابن أبي حاتم سألت أبي عنه فقال: كان كذاباً (٤) .
وسمعت أبا زرعة وذكر له شيئاً من حديث أبي البختري، فقال: لا تجعل في حوصلتك شيئاً من حديثه، وقال عثمان بن أبي شيبة أرى أنه يبعث يوم القيامة دجالاً، وقال العقيلي (٥) : لا أعلم لأبي البختري حديثاً مستقيماً كلها بواطيل، وقال ابن حبان (٦) : كان ممن يضع الحديث على الثقات، كان إذا جنه الليل سهر عامة الليلة يتذكر الحديث ويضع ثم يكتبه، لا يجوز الرواية عنه، ولا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب.
وقال ابن عدي (٧) : وأبو البختري جسور من جملة الكذابين الذين يضعون الحديث، وقال الحاكم روى عن الصادق جعفر بن محمد وهشام بن عروة وعبيد الله بن عمر ومحمد بن عجلان وغيرهم من أهل المدينة أحاديث موضوعة لا ينبغي أن يكتب
стр. 218
حديثه، وذكر الخطيب (١) في تاريخه أن الرشيد لما قدم المدينة أعظم أن يرقى منبر النبي ﷺ في قباء أسود ومنطقة فقال أبو البختري: حدثني جعفر بن محمد عن أبيه قال: نزل جبريل على النبي ﷺ وعليه قباء ومنطقة مخنجراً بخنجر فقال المعافي التيمي:
عول وويل لأبي البختري ... إذا توافى الناس للمحشر
من قوله الزور وإعلانه ... بالكذب في الناس على جعفر
والله ما جالسة ساعة ... للفقه في بدو ولا محضر
ولا رآه الناس في دهره ... يمر بين القبر والمنبر
يا قاتل الله ابن وهب لقد ... أعلن بالزور وبالمنكر
يزعم أن المصطفى أحمداً ... أنا جبريل التقي البرى
وعليه خف وقبا أسود ... خنجراً في الحقوا بالخنجر
قال المعترض
فإن قيل: ما معنى قوله إلا رد الله علي روحي؟
قلت: فيه جوابان.
أحدهما: ما ذكره الحافظ أبو بكر البيهقي أن المعنى إلا وقد رد الله علي روحي يعني أن النبي ﷺ بعدما مات ودفن رد الله عليه روجه لأجل سلام من يسلم عليه واستمرت في جسده ﷺ .
والثاني: يحتمل أن يكون رداً معنوياً، وأن تكون روجه الشريفة مشتغلة بشهود الحضرة الإلهية والملأ الأعلى عن هذا العالم، فإذا سلم عليه أقبلت روحه الشريفة على هذا العالم لتدرك سلام من يسلم عليه ويرد عليه.
قلت: هذان الجوابان المذكوران في كل واحد منهما نظر، أما الأول وهو الذي ذكره البيهقي في الجزء اذلي جمعه في حياة الأنبياء ﵈ بعد وفاتهم فمضمونه رد روحه ﷺ بعد موته إلى جسده واستمرارها فيه قبل سلام من يسلم عليه، وليس هذا المعنى المذكور في الحديث، ولا هو ظاهره، بل هو مخالف لظاهره، فإن قوله: ((إلا رد الله علي روحي)) بعد قوله: ((ما من أحد يسلم علي يقتضي رد الروح بعد السلام، ولا يقتضي استمرارها في الجسد)) .
стр. 219
وليعلم أن رد الروح (إلى البدن) (١) وعودها إلى الجسد بعد الموت لا يقتضي استمرارها فيه، ولا يستلزم حياة أخرى قبل يوم النشور نظير الحياة المعهودة، بل إعادة الروح إلى الجسد في البرزخ إعادة برزخية، لا تزيل عن الميت اسم الموت.
وقد ثبت في حديث البراء بن عازب الطويل المشهور في عذاب القبر ونعيمه في شأن الميت وحاله أن روحه تعاد إلى جسده، مع العلم بأنها غير مستمرة فيه وأن هذه الإعادة ليس مستلزمة لإثبات حياة مزيلة لاسم الموت، بل هي أنواع حياة برزخية، الموت كالحياة البرزخية وإثبات بعض أنواع) (٢) الموت لا ينافي الحياة كما في الحديث الصحيح، عن النبي ﷺ أنه كان إذا استيقظ من النوم قال: ((الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)) (٣) وتعلك الروح بالبدن واتصالها به بنوع أنواعاً.
أحدهما: تعلقها به في هذا العالم يقظة ومناماً.
الثاني: تعلقها به في البرزخ والأموات متفاوتون في ذلك فالذي للرسل والأنبياء أكمل مما للشهداء، ولهذا لا تبلى أجسادهم، والذي للشهداء أكمل مما لغيرهم من المؤمنين الذين ليسوا بشهداء.
والثالث: تعلقها به يوم البعث الآخر ورد الروح إلى البدن في البرزخ لا يستلزم الحياة المعهودة، ومن زعم استلزامه لها لزمه ارتكاب أمور باطلة مخالفة للحس والشرع والعقل، وهذا المعنى المذكور في حديث أبي هريرة من رده ﷺ على من يسلم عليه قد ورد نحوه في الرجل يمر بقبر أخيه.
قال الشيخ تقي الدين في كتاب: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم (٤) وقد روى حديث صححه ابن عبد البر أنه قال: ما من رجل يمر بقر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلك عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇، ولم يقل أحد أن هذا الرد يقتضي استمرار الروح في الجسد، ولا قالب أنه يستلزم إثبات حياة نظير الحياة المعهودة، وقال الحافظ، أبو محمد عبد الحق الإشبيلي في كتاب العاقبة، ذكر أبو عمر بن
стр. 220
عبد البر من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد ﵇) (١) وهو صحيح الإسناد قال عبد الحق: ويروى من حديث أبي هريرة موقوفاً، فإن لم يعرفه وسلم رد ﵇ ويروى من حديث عائشة:ما من رجل يزور قبر أخيه فيجلس عنده إلا استأنس بهحتى يقوم، انتهى ما ذكره.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن قدامه الجوهري: حدثنا معن بن عيسى القزاز، حدثنا هشام بن سعد، حدثنا زيد بن أسلم، عن أبي هريرة أه قال: إذا مر الرجل بقبر يعرفه فسل عليه رد ﵇ وعرفه، وإذا مر بقبر لا يعرفه فسلم عليه رد ﵇، هكذا رواه موقوفاً على أبي هريرة، ورواية زيد بن أسلم، عن أبي هريرة قد قيل: إنها مرسلة، وهي مذكورة في جامع الترمذي (٢) ، وقد روى عباس الدوري عن يحيى بن معين أنه قال: زيد بن أسلم لم يسمع من أبي هريرة (٣) .
وقال ابن أبي حاتم (٤) سمعت علي بن الحسين بن الجنيد يقول: زيد بن أسلك عن أبي هريرة مرسل أدخل بينه وبينه عطاء بن يسار، وقال عبد الرزاق في مصنفه: أنبأنا يحيى بن العلاء، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلك قال: مر أبو هريرة وصاحب له على قبر، فقال أبو هريرة: سلك فقال الرجل: أسلك على قبر، فقال أبو هريرة: إذا كان رآك في الدنيا يوماً قط إنه ليعرفك الآن، ويحيى بن العلاء الرازي شيخ عبد الرزاق لا يحتج بروايته (٥) .
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا محرز بنعون، حدثنا يحيى بن يمان بن عبد الله زياد بن سمعان، عن زيد بن أسلك، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : ((ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا استأنس ورد عليه حتى يقوم، هذا إسناد ضعيف جداً وابن سمعان أحد المتروكين)) (٦) .
стр. 221
وقال أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، حدثني اليسع بن أحمد بن اليسع الدمياطي، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا بشر بن بكر، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلك، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله ﷺ ((ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد ﵇) ، هكذا روي مرفوعاً وهو ضعيف، والمحفوظ موقوف وعبد الرحمن بن زيد بن أسلك لا يحتج به (١) ، وقد سقط ذكر أبيه بينه وبين عطاء بن يسار.
وقال أبو أحمد بن عدي في الكامل (٢) : حدثنا محمد بن أبان بن ميمون السراج وأحمد بن محمد بن خالد الرائي (٣) قال: حدثنا يحيى الحماني (٤) ، حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : ((سلموا علي إخوانكم هؤلاء الشهداء، فإنهم يردون عليكم)) وهذا لا يثبت وعبد الرحمن بن زيد في طريقه.
وقد روى في هذا الباب آثار كثيرة ولذكرها موضع آخر.
وفي الجملة: رد الروح على الميت في البرزخ، ورد السلام على من يسلم عليه لا يستلزم الحياة التي يظنها بعض الغالطين، وإن كان نوع حياة برزخية وقول من زعم أها نظير الحياة المعهودة مخالف للمنقول والمعقول، ويلزم منه مفارقة الروح للرفيق الأعلى وحصولها تحت التراب قرناً بعد قرن، والبدن حي مدرك سميع بصير تحت أطبقا التراب والحجارة ولوازم هذا الباطلة مما لا يخفى على العقلاء.
وبهذا يعلم بطلان تأويل قوله: إلا رد الله علي روحي، بأن معناه إلا وقد رد الله علي روحي، وإن ذلك الرد مستمر وأحياءه الله قبل يوم النشور وأقره تحت التراب واللبن، فيا ليت شعري هل فارقت روحه الكريمة الرفيق الأعلى؟ واتخذت بيت تحت الأرض مع البدن، أم في الحال الواحد هي في المكانين؟
وهذا التأويل المنقول عن البيهقي في هذا الحديث قد تلقاه عنه جماعة المتأخرين والتزموا لأجل اعتقادهم له أمور ظاهرة البطلان، والله الموافق للصواب.
стр. 222
وأما الجواب الثاني: وهو أن هذا رد معنوي، فإن الروح مشتغلة بالحضرة الشريفة، والملأ الأعلى عن هذا العالم، فإذا سلم المسلم عليه التفتت إليه لرد سلامه، فهذا الجواب فيه نوع من الحق، لكن صاحبه قصر فيه غاية التقصير مع أنه لا يصح على أصل شيوخه ومتبوعيه في علم الكلام.
فإن الروح ليست عندهم ذاتاً قائمة بنفسها منفصلة عن البدن حتى تكون في الملأ الأعلى والبدن في القبر، بل هي عندهم عرض من أعراض البدن كحياته وقدرته وسمعه وبصره وسائر صفاته وحياة البدن مشروطة بها وموته قطع هذه الصفة عنه، ورغم كثير منهم أن العرض لا يبقى زمانين، فعلى هذا لا تزال الأرواح متجددة فتنعدم روح وتحدث أخرى بدلها، وهذا قول باينوا به سائر العقلاء، كما خالفوا به المعلوم يقيناً من أدلة الشرع، وإنما يجيء هذا على قول جمهور العقلاء سواهم.
وقول أهل السنة من الفقهاء المحدثين وغيرهم أن الروح ذات قائمة بنفسها لها صفات تقوم بها، وإنها تفارق البدن وتصعد وتنزل وتقبض وتنعم وتعذب وتدخل وتخرج وتذهب وتجيء وتسأل وتحاسب ويقبضها الملك ويعرج بها إلى السماء ويشبعها ملائكة السموات إن كانت طيبة، وإن كانت خبيثة طرحت طرحاً، وأنها تحس وتدرك وتأكل وتشرب في البرزخ من الجنة، كما دلت عليه السنة الصحيحة في أرواح الشهداء خصوصاً، والمؤمنين عموماً، ومع هذا فلها شأن آخر غير شأن البدن فإنها تكون في الملأ الأعلى فوق السموات، وقد تعلقت بالبدن تعلقاً يقتضي رد السلام على من سلم عليه وهي مستقرها في عليين مع الرفيق الأعلى.
وقد مر النبي ﷺ ليلة الإسراء على موسى قائماً يصلي في قبره، ثم رآه في السماء السادسة ولا ريب ا، موسى لم يرفع من قبره تلك الليلة لا هو ولا غيره من الأنبياء الذين رآهم في السموات، بل لم تنزل تلك منازلهم من السموات، وإنما رآهم النبي ﷺ ليلة الإسراء في منازلهم التي كانوا فيها من حين رفعهم الله سبحانه إليها، ولم تكن صلاة موسى في قبره بموجبه مفارقة روحه للسماء السادسة وحلولها في القبر، بل هي في مستقرها، ولها تعلق بالبدن قوي حتى حمله على الصلاة.
وإذا كان النائم تقوى نفسه وفعلها في حال النوم حتى تحرم البدن وتقيمه وتؤثر فيه فما الظن بأرواح الأنبياء؟ وقد ثبت في الصحيح: ((أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنة وتشرب من أنهارها وتسرح فيها حيث شاءت، ثم تأوي إلى
стр. 223
قناديل معلقة تحت العرش)) (١) . وهذا شأنها حتى يبعثها الله سبحانه إلى أجسادها، ومع هذا فإذا زارهم المسلم وسلم عليهم عرفوا به وردوا ﵇، بل ونسمه المؤمن كذلك مع كونها طائراً تعلق في شجر الجنة ترد على صاحبها وتشعر بها إذا سلم عليه المسلم.
وقد قال أبو الدرداء: إذا نام العبد عرج بروحه حتى يؤتي بها إلى العرش، فإن كان طاهراً أذن لها بالسجود (٢) ،ـ ذكره الحافظ أبو عبد الله بن مندة في كتاب الروح، وروى ابن المبارك في كتاب الزهد والرقائق عن ابن لهيعة، حدثني عثمان بن نعيم الرعيني عن أبي عثمان الأصبحي، عن أبي الدرداء قال: إذا نام الإنسان عرج بنفسه (٣) ، حتى يؤتي بها إلى العرش فإن كان طاهراً أذن لها بالسجود، وإن كان جنباً لم يؤذن لها بالسجود (٤) .
وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد (٥) عن الحسن البصري أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا نام العبد وهو ساجد يباهي الله به الملائكة يقول انظروا إلى عبدي روحه عند ي وهو ساجد لي)) وهذا مرسل.
وقال أبو الطيب: محمد بن حميد الحوراني في جزئه الذي رواه تمام عنه: حدثنا أحمد بن محمد بن نصر الأنطاكي، حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي حماد القطان، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء عن الأزهري بن عبد الله الأودي، عن محمد بن عجلان، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من عبد ولا أمة ينام فيستثقل نوماً إلا عرج بروحه إلى العرش، فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق، والذي يستيقظ دون العرش فهي التي تكذب)) هكذا روى مرفوعاً وليس بمحفوظ والمعروف وقفه على علي.
قال ابن مردويه في تفسيره: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا جعفر بن محمد، ثنا عمرو بن عثمان، ثنا بقية، قال: حدثني صفوان بن عمرو قال: حدثني سليم بن عامر أن
стр. 224
عمر بن الخطاب قال: أتعجب من رؤيا الرجل إنه يبيت فيرى الشيء لم يخطر له على بال فتكون رؤيا كأخذ باليد، ويرى الرجل رؤيا فلا تكون رؤيا شيئاً.
قال فقال علي: أفلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين لأن الله يقول: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (الزمر ٠٤٢) فالله ﵎ يتوفى الأنفس كلها، فما رأت وهي عنده في السماء فهي الرؤيا الصادقة، وما رأت إذا أرسلت في أجسادها تلفتها الشياطين في الهواء فكذبتها وأخبرتها بالأباطيل فكذبت فيها، فعجب عمر من قوله.
وقد رواه ابن منده أيضاً في كتاب الروح والنفس من رواية بقية بن الوليد، حدثنا صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر الحضرمي قال: قال عمر بن الخطاب: عجبت لرؤيا الرجل يرى الشيء لم يخطر له على بال فيكون كأخذه باليد، ويرى الشي ءفلا يكون شيئاً، فقال علي بن أبي طالب ﵁: يا أمير المؤمنين يقول الله : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (الزمر ٠٤٢)
قال: والأرواح يعرج بها في منامها فما رأت وهي في السماء فهو الحق، وإذا ردت إلى أجسادها نقلتها الشياطين في الهواء وكذبتها، فما رأت في ذلك فهو الباطل، قال فجعل عمر يتعجب من قول علي: قال ابن منده: وهذا خبر مشهور عن صفوان بن عمرو وغيره، وروي عن أبي الدرداء.
فهذه روح النائم متعلقة ببدنه وهي في السماء تحت العرش، وترد إلى البدن في أقصر وقت، فروح النائم مستقرها البلد تصعد حتى تبلغ السماء، وترى ما هنالك ولم تفارق البدن فراقاً كلياً وعكسه أرواح الأنبياء والصديقين والشهداء مستقرها في عليين وترد إلى البدن أحياناً، ولم تفارق مستقرها، ومن لم ينشرح صدره لفهم هذا والتصديق به فلا يبادر إلى رده وإنكاره بغير علم، فإن للأرواح شأناً آخر غير شأن الأبدان، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد (١) ، وهذا قرب الروح نفسها من الرب ولم تفارق البدن، والرب تعالى فوق سمواته على عرشه)) .
ولا يتلفت إلى كثافة طبع الجهمي وغلظ قلبه، ورقة إيمانه ومبادرته على تكذيب ما
стр. 225
لم يحط بعلمه، فالروح تقرب حقيقة بنفسها في حال السجود من ربها ﵎ لا سيما في النصف الأخير من الليل حين يجتمع القرباء، إذا أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وأقرب ما يكون (الرب) من عبده في جوف الليل حين ينزل إلى السماء الدنيا ويدنو من عبادة، فتحس الروح بقربها حقيقة من ربها سبحانه.
ومع هذا فهي بدنها وهو (سبحانه) فوق سمواته على عرشه، وقد دنا من عباده ونزل إلى السماء الدنيا، فإن علوه سبحانه وعلى خلقه أمر ذاتي، له معلوم بالعقل والفطرة وإجماع الرسل، فلا يكون فوقه شيء البتة، ومع هذا فيدنوا عشية عرفة من أهل الموقف وينزل إلى سماء الدنيا (١) ، وهذا الذي ذكرناه من دنو الرب ﵎ من عباده مع كونه عالياً على خلقه هو قول كثير من المحققين من أهل السنة.
قالوا: وإذا كان شأن الأرواح ما ذكرنا وهي مخلوقة محصورة متحيزة، فكيف بالخالق الذي يحيط ولا يحاط به؟
وأعلم أن السلف الصالح ومن سلك سبيلهم من الخلف متفقون على إثبات نزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا وكذلك هم مجمعون على إثبات الإتيان والمجيء، وسائر ما ورد من الصفات في الكتاب والسنة من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، ولم يثبت عن أحد من السلف أنه تأول شيئاً من ذلك.
وأما المعتزلة " الجهمية فإنهم يردون ذلك ولا يقبلونه، وحديث النزول متواتر عن رسول الله ﷺ : قال عثمان بن سعيد الدارمي: هو أغيظ حديث للجهمية، وقال أبو عمر بن عبد البر: هو حديث ثابت من جهة النقل الصحيح الإسناد لا يختلف أهل الحديث في صحته.
وقال سليمان بن حرب سأل بشر بن السري حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل الحديث الذي جاء: ينزل الله إلى السماء الدنيا يتحول من مكان إلى مكان، فسكت حماد، ثم قال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف يشاء.
وقال إسحاق بن راهوية: جمعني وهذا المبتدجع - يعني إبراهيم بن صالح - مجلس الأمير عبد الله بن طاهر، فسألني الأمير عن أخبار النزول فسردتها، فقال إبراهيم: كفرت
стр. 226
برب ينزل من سماء إلى سماء، فقلت: آمنت برب يفعل ما يشاء، قال:فرضي عبد الله كلامي، وأنكر على إبراهيم.
وسأل رجل عبد الله بن المبارك عن النزول فقال: يا أبا عبد الرحمن كيف ينزل؟ فقال عبد الله: " كدخداي خويش كد " ينزل كيف يشاء، وقال أبو الطيب أحمد بن عثمان حضرت عند أبي جعفر الترمذي فسأله سائل عن حديث النبي ﷺ : ((إن الله ينزل إلى سماء الدنيا)) فالنزول كيف يكون يبقى فوقه علو؟ فقال أبو جعفر الترمذي: البنزول معقول، والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.
وأبو جعفر هذا اسمه محمد بن أحمد بن نصر (١) ، وكان من كبار فقهاء الشافعية ومن أهل العلم والفضل والزهد في الدنيا أثنى عليه الدارقطني وغيره، وقد قال في النزول كما قال مالك ﵀ في الاستواء، وهكذا القول في سائر الصفات.
وقد اختلف المثبتون للنزول هل يلزم منه خلو العرش منه أم لا، ونحن نشير إلى ذلك إشارة مختصرة فنقول: قالت طائفة: لا يلزم منه خلو العرش، بل ينزل إلى سماء الدنيا وهو فوق العرش، قالوا وكذلك كلم موسى من الشجرة وهو فوق عرشه وكذلك يحاسب الناس يوم القيامة، ويجيء ويأتي وينطلق وهو فوق العرش، لأنه سبحانه أكبر من كل شيء، كما دل عليه السمع والعقل،وهو العلي العظيم،فلا يزال سبحانه علياً على المخلوقات كلها العرش وغيره في كل وقت، وفي كل حال من نزول وإتيان وقرب وغير ذلك، فلو خلا منه العرش حال نزوله لكان فوقه شيء، وكان غير عال وهذا ممتنع في حقه سبحانه، لأن علوه من لوازم ذاته فلا يكون غير عال أبداً، ولا يكون فوقه شيء أصلاً.
وقالت طائفة أخرى: بل خلوا العرش منه من لوازم نزوله، فتقول: ينزل إلى سماء الدنيا ويخلو منه العشر إذا نزل، لأن النزول الحقيقي يستلزم ذلك،
стр. 227
والقول بإثبات النزول معكونه فوق العرش غير معقول، وكذلك القول بأنه يحاسب الناس يوم القيامة في الأرض، وأنه يجيء ويقبل ويأتي وينطلق ويتبعونه، وأنه يمر أمامهم، وأنه يطوف في الأرض ويهبط عن عرضه إلى كرسيه، أو غيره، ثم يرتفع إلى عرشه كما ورد هذا كله في الحديث، وأنه كلم موسى ﵇ من الشجرة حقيقة (١) ، وهو مع ذلك كله فوق عرشه أملا يتصوره العقل، ولم يدل عليه النقل فيجب القول به والانقياد له، بل هو شيء لا يخطر ببال من سمع الأحاديث في ذلك وكان سليم الفطرة إلا أنه يوافقه عليه من يعتقد فيقرره في ذهنه.
وقد علم أن نزول الرب ﵎ أمر معلوم معقول كاستوائه وباقي صفاته، وأن كانت الكيفية مجهولة غير معقولة، وهو ثابت حتى حقيقة لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة، وما لزم الحق فهو عين الحق.
قال هؤلاء: ونحن أقرب إلى الحق وأولى بالصواب ممن خالفنا، لأننا قلنا بالنصوص كلها، ولم نرد منها شيئاً ولم نتأوله، بل أثبتنا نزول الرب ﵎ حقيقة مع إقرارنا بأنه العلي العظيم الكبير المتعال، فلا شيء أعلى منه، ولا أعظم منه ولا إله غيره ولا رب سواه هو الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، وكونه علياً عظيماً لا ينافي نزوله حقيقة عند من عقل معنى النصين وفهم معنى الخبرين، قالوا: فنحن قلنا بموجب النصين العلو والنزول.
وأما مخالفتنا القائل بأنه ينزل ولا يخلو منه العرش فحقيقة قوله إما نفي معنى النزول بالكلية، وإثبات مجرد لفظه، وإما حمله له على أمر لا يعقل أصلاً، وأما تفسيره بما يخالف ظاهر اللفظ وحقيقته وهو القول بنزول بعض الذات.
ثم إنه يرد على قائل هذا ما أورده علينا من أنه يبقى شيء من المخلوقات فوق بعض الذات، وذلك ينافي العلو المطلق الذي هو من لوازم ذاته، فمخالفتنا يلزمه أمران:
أحدهما: ما أورده علينا.
стр. 228
والآخر: مخالفته اللفظ وحمله (له) على المجاز دون الحقيقة من غير دليل، ونحن لا يلزمنا محذور أصلاً، فإنا جمعنا بين نصوص الكتاب والسنة وقلنا بها كلها وحملناها على الحقيقة دون المجاز لم نتأول منها شيئاً برأينا ولا صرفنا منها شيئاً عن ظاهر بعقلنا.
قالت الطائفة الأولى القائلة بعدم الخلو: بل نحن أولى بالحق منكم، فإنا نحن القائلون بالنصوص كلها الجامعون بين الأدلة العقلية والسمعية.
وأما أنتم فيلزمكم مخالفة ما ورد من نصوص العظمة، وأن يكون المخلوق محيطاً بالخالق، وما ذكرتموه من استلزم النزول بخلو العرش هو عين الجهل، وإنما ذلك لازم في نزول المخلوق والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته،ولا في أفعاله، وهو العالي في دنوه، القريب في علو، ليس فوقه شيء ولا دونه شيء بل هو العالي على جميع خلقه في حال نزوله، وفي غير حال نزوله، وهو الواسع العليم، أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء،وهو المحيط بكل شيء ولا يحيط به شيء ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يده إلا كخردلة في يد أحدكم، وهو الموصوف بالعلو المطلق، ولم يزل عالياً ولا يكون إلا عالياً .
وفي هذا كله ما يبطل قولكم إنه إذا نزل يخلوا منه العرش، فإن ذلك يلزم منه أمور ممتنعة، منها إحاطة المخلوق بالخالق، وأن لا يكون الخالق أكبر من كل شيء ولا أعظم من كل شيء وكل ذلك محال.
وقالوا: وأما نحن فنقول لا يخلو منه العرش إذا نزل، بل هو فوق عرشه يقرب من خلقه كيف شاء وإن كنا قد نقول إنه غير موصوف بالاستواء حال النزول، فإن الاستواء علو خاص،وهو أمر معلوم بالسمع.
وأما مطلق العلو فإنه معلوم بالعقل، وهو من لوازم ذاته، فقربه إلى خلقه حال نزوله لا ينافي مطلق علوه على عرشه، قالوا: وما ذكره مخالفنا من أنا ننفي معنى النزول بالكلية أو نفسره بأمر لا يعقل، باطل، بل النزول عندنا أمر معلوم معقول غير مجهول، وهو قرب الرب ﵎ من خلقه كيف يشاء، وقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه ((ينزل ربنا)) (١) كقوله تعالى ﴿فََلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (الأعراف ١٤٣)
стр. 229
وقد ثبت أن الذي تجلى منه مثل الخنصر، أو مثل طرف الخنصر مع إضافة التجلي إليه، فكذلك النزول من غير فوق، ولا يلزمنا على هذا ما لزمكم من إحاطة المخلوق بالخالق وكونه غير علي عظيم.
وقد ثبت أن جبريل ﵇ كان يأتي النبي ﷺ في صورة دحية، مع العلم بأن صورته التي خلق عليها لم تزل ولم تعدم في تلك الحال، بل تمثل له بعضها في صورة دحية، فخاطبه، ولبس في الشرع ولا في العقل ما ينافي ذلك.
قالت الطائفة الأخرى القائلة بالخلو: الواجب علينا كلنا اتباع النصوص كلها والجمع بينها وأن لا نضرب بعضها ببعض، ولا يخفى أن جميع ما ورد من نصوص العظمة نحن به مصدقون، وإليه منقادون وبه موقنون، وما ذكرتموه من العلو والعظمة لا ينافي حقيقة النزول، ونحن لا نمثل نزول الرب ﵎ بنزول المخلوق ولا استواءه باستوائه، وكذلك سائر الصفات نعوذ بالله من التمثيل والتعطيل.
لكن إثبات القدر المشترك لا بد منه كما في الوجود، وباقي الصفات، وإلا لزم التعطيل المحض، فنحن نثبت النزول على وجه يليق بجلال الله وعظمته، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ونقول قد أخبر (به) الصادق وما أخبر به فهو عين الحق، وما لزم الحق فهو حق، ونقول: أن النزول الحقيقي يستلزم ما ذكرناه وما استروح إليه مخالفتنا من أن المراد نزول بعض الذات كما في قوله ﴿فََلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (الأعراف ١٤٣) والمراد تجلي البعض أمر غير معقول منه، والفرق بين الموضوعين ظاهر والدليل هناك دل على إرادة البعض فلا يلزم من الحمل على إرادة البعض في مكان بديل الحمل على إرادة البعض في مكان آخر من غير دليل.
وما ذكر من أمر جبير وتمثل بعضه للنبي ﷺ في صورة دحية، أمر لم يدل على عقل ولا شرع، فلا يجوز المصير إليه بمجرد الرأي،ـ بل الذي كان يأتي النبي ﷺ في صورة دحية هو جبريل حقيقة، ولعظيم مرتبته وعلو منزلته أقدره الله تعالى على أن يتحول من صورة إلى صورة، ومن حال إلى حال، فيرى مرة كبيراً، ومرة صغيراً كما رآه النبي ﷺ ولله المثل الأعلى في السموات والأرض.
وقد دل العقل والنقل على قيام الأفعال الاختيارية به فهو الفاعل المختار بفعل ما يشاء ويختار، ذو القدرة التامة والحكمة البالغة والكمال المطلق، وقد ثبت في الصحيح أنه يتحول من صورة إلى صورة وثبت أنه يتبدى لهم في صورة غير الصورة التي رأوه فيها
стр. 230
أول مرة ثم يعود في الصورة التي رأوه فيها أول مرة.
وهذا كله حق لأن الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى قد أخبر به،وليس في العقل ما ينفيه، بل جميع ما أمر به صاحب الشرع يوافقه العقل الصحيح ويؤيده وينصره ولا يخالفه أصلاً.
وإذا عرف هذا فقد يقال ما ورد من الأدلة الدالة على العظمة وكبر الذات، ليس بينها وبين ما قيل إنه يعارضها منافاة ولا معارضة، بل جميع ذلك حق والجمع بين ذلك كله سهل يسير بعد العلم بإثبات الأفعال الاختيارية،وأن الله هو الفعال لما يريد وهو الفاعل المختار يفعل ما يشاء ويختار لا إله غيره ولا رب سواه.
وقالت طائفة ثالثة: نحن لا نوافق الطائفة الأولى ولا الثانية، بل نقول:ينزل كيف يشاء غير مثبتين للخلو ولا نافعين له بل مقتصرين على ما جاء في الحديث سالكين في ذلك طريق السلف الصالح.
وقد روى (أبو) الشيخ عن إسحاق بن راهويه، قال: سألني ابن طاهر عن حديث النبي ﷺ يعني في النزول، فقلت له: النزول بلا كيف، وروى الأوزاعي عن الزهري ومكحول أنهما قالا: امضوا الأحاديث على ما جاءت، وقال الأوزاعي ومالك والثوري والليث بن سعد وغيرهم من الأئمة: أمروا الأحاديث كما جاءت بلا كيف، ولبسط الكلام في هذا موضع آخر والله أعلم.
стр. 231
الباب الثالث: فيما ورد في السفر إلى زيارته ﷺ صريحاً وبيان أن ذلك لم يزل قديماً وحديثاً
قال المعترض
وممن روي ذلك عنه من الصحابة، بلال بن رباح مؤذن رسول الله ﷺ سافر من الشام إلى المدينة لزيارة قبره ﷺ روينا ذلك بإسناد جيد إليه وهو نص في الباب، وممن ذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر بالإسناد الذي سنذكره، وذكر الحافظ أبو محمد عبد الغني المقدسي في الكمال في ترجمة بلال فقال: ولم يؤذن لأحد بعد النبي ﷺ فيما روي إلا مرة واحدة في قدمة قدمها المدينة لزيارة قبر النبي ﷺ طلب إليه الصحابة ذلك فأذن ولم يتم الأذان، وقيل: أنه أذن لأبي بكر الصديق ﵁ في خلافته، وممن ذكر ذلك أيضاً الحافظ أبو الحجاج المزي، وها أنا أذكر إسناد ابن عساكر في ذلك: أنبأنا عبد المؤمن بن خلف وعلي بن محمد بن هارون وغيرهما قال: أنبأنا القاضي أبو نصر محمد بن هبة الله بن محمد بن مميل الشيرازي إذناً، أنبأنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي قراءة عليه، وأنا أسمع قال: أنبأنا أبو القاسم زهران بن طاهر، أنبأنا أبو سعيد محمد بن عبد الرحمن، أنبأنا أبو أحمد محمد بمن محمد أنبأنا أبو الحسن محمد بن الفيض الغسائي بدمشق، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء، حدثني أبي محمد بن سليمان عن ابيه سليمان بن بلال، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: لما دخل (١) عمر بن الخطاب ﵁ فتح بيت المقدس وصار إلى الجابية سأله بلال أن يقره بالشام ففعل ذلك، فقال: وأخي أبو رويحه الذي آخى بيني وبينه رسول الله ﷺ ،فنزل (دارياً) في خولان فأقبل هو وأخوه إلى قوم من خولان فقال لهم: قد أتيناكم خاطبين، وقد كنا كافرين
стр. 232
فهدانا الله، ومملوكين فأعتقنا الله، وفقيرين فأغننا الله، فإن تزوجونا فالحمد لله وإن ت ردونا فلا حول ولا قوة إلا بالله فزوجهما.
ثم إن بلالاً رأى في منامه النبي ﷺ وهو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال أما آن لك أن تزورني يا بلال، فأنتبه حزناً وجلاً خائفاً فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي ﷺ فجعل يبكي عنده ويمزغ وجه عليه، فأقبل الحسن والحسن فجعل يضمهما ويقبلهما، فقالا له: يا بلال نشتهي نسمع أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول الله ﷺ في المسجد، ففعل، فعلا سطح المسجد فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلما أن قال: الله أكبر الله أكبر ارتجت المدينة، فلما أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله ازداد رجتها، فلما أن قال: أشهد أن محمداً رسول الله خرجن العوائق من خدورهن، وقالوا: بعث رسول الله، فلما رؤي يوماً أكثر باكياً ولا باكية بالمدينة بعد رسول الله ﷺ من ذلك اليوم، كذا ذكره ابن عساكر في ترجمة بلال.
وذكره أيضاً في ترجمة إبراهيم بسند آخر إلى محمد بن الفيض، أنبأنا جماعة عن جماعة، عن ابن عساكر قال:: أنبأنا أبو محمد بن الأكفاني، حدثنا عبد العزيز بن أحمد حدثنا تمام بن محمد، حدثنا محمد بن سليمان، حدثنا محمد بن الفيض فذكره سواء إلا أنه أسقط منه من فتح بيت المقدس، وقال: آخي بيني وبينه ولم يقل خاطبين، أبو رويحة أسمه عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي، وفي الطبقات (١) أن مؤاخاته لبلال لم يثبتها محمد بن عمرو أثبتها ابن إسحاق وغيره واختار أنس أن يجعل ديوانه معه فضمه عمر إليه وضم ديوان الحبشة إلى خثعم لمكان بلال منهم، وسليمان بن بلال بن أبي الدرداء، روى عن جدته وأبيه بلال روى عنه ابنه محمد، وأيوب بن مدرك الحنفي، وذكر له ابن عساكر حديثاً، ولم يذكر فيه تخريجاً وابنه محمد بن سليمان بن بلال، ذكره مسلم في الكنى وأبو بشر الدولابي، والحاكم أبو أحمد، وابن عساكر كنيته أبو سليمان.
قال ابن أبي حاتم سألت أبي عنه فقال: ما يحديثه بأس، وأبنه إبراهيم بن محمد بن سليمان أبو إسحاق ذكره الحاكم أبو أحمد، وقال: كنا لنا محمد بن الفيض.
وذكر ابن عساكر وذكر حديثه، ثم قال: ابن الفيض: توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ومحمد بن الفيض بن محمد بن الفيض: أبو الحسن الغساني الدمشقي روى عن خلائق، وروى عنه جماعة منهم أبو أحمد بن عدي وأبو أحمد الحاكم، وابو بكر بن
стр. 233
المقري في معجمه وذكره ابن زبر، وابن عساكر في التاريخ توفي سنة خمس عشرة وثلاثمائة ومولده سنة تسع عشر ومائتين،ومدار هذا الإسناد عليه، فلا حاجة إلى النظر في الإسنادين اللذين رواهما ابن عساكر بهما، وإن كان رجالهما معروفين مشهورين وليس اعتمادنا في الاستدلال بهذا الحديث على رؤيا المنام فقط، بل على فعل بلال وهو صحابي لا سيما في خلافة عمر ﵁ والصحابة متوافرون.
ولا يخفى عنهم هذه القصة، ومنام بلال ورؤياه للنبي الذي لا يتمثل به الشيطان، وليس فيه ما يخالف ما ثبت في اليقظة فيتأكد به فعل الصحابي، انتهى ما ذكره المعترض.
والجواب أن يقال: هذا الأثر المذكور عن بلال ليس بصحيح عنه ولو كان صحيحاً عنه لم يكن فيه دليل على محل النزاع، وقول (المعترض) أن إسناده جيد خطأ منه، وكذلك قوله: إنه نص في الباب، وقد ذكر هذا الأثر الحاكم أبو أحمد محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري الحافظ في الجزء الخامس من فوائده، ومن طريقة ذكره ابن عساكر في ترجمة بلال، وهو أثر غريب منكر وإسناده مجهول وفيه انقطاع، وقد انفرد به محمد بن الفيض الغساني (١) ، عن إبراهيم بنمحمد بن سليمان بن بلال (٢) عن أبيه (٣) ، عن جده وإبراهيم بن محمد هذا شيخ لم يعرف بثقة وأمانة ولا ضبط وعدالة، بل هو مجهول غير معروف بالنقل ولا مشهور بالرواية، ولم يرو عنه غير محمد بن الفيض روى عنه هذا الأثر المنكر، ولما ذكره الحاكم أبو أحمد في الكنى قال: كناه لنا أبو الحسن محمد بن الفيض الغسائي الدمشقي، وأخبرنا عنه بحديث ولم يذكره، وأشار إلى هذا الخبر الذي رواه (بكماله) من طريقة في غير الكنى، وروى بعضه في الكنى في ترجمة أبي رويحة، وقد (رحل) أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان ومحمد بن مسلم بن وارة ويعقوب بن سفيان الفسوي
стр. 234
وغيرهم من الحفاظ إلى دمشق، وكان هذا الشيخ موجوداً في ذلك الوقت ولم يرو عنه أحد منهم،وهو من ولد أبي الدرداء.
فلو كان من أهل الحديث أو كان عنده علم، أو له رواية لرووا عنه وسمعوا منه، وقد كان أبو حاتم الرازي من أحرص الناس على لقاء الشيوخ، كما ذكر قد ذلك عن نفسه، وقد كتب بعضهم عن إبراهيم بن هشام بن يحيى (بن يحيى) الغساني الدمشقي، كما روى عنه يعقوب الفسوي، والحسن بن سفيان، وجماعة من أهل الحديث وإبراهيم بن هشام في طبقة إبراهيم بن محمد بن سليمان كانا جميعاً في وقت واحد ووفاتهما متقاربة، وقد علم أن إبراهيم بن هشام شيخ متهم بالكذب لا يعرف الحديث ولا يدريه ولا يحتج بروايته (١) ، وقد روى عنه غير واحد من أهل الحديث من الرحالة وغيرهم ولم يرو أحد منهم عن إبراهيم بن محمد.
فلو كان من أهل النقل والرواية، أو عنده علم أو حديث لأخذوا عنه وسمعوا منه كما أخذوا عن إبراهيم بن هشام، فلما لم يرووا عنه بل تركوه وأعرضوا عنه مع حرصهم على لقاء الشيوخ وشدة اعتنائهم بالرواية، دل على أنه عندهم أسوأ حالاً من إبراهيم بن هشام.
وقد ذكر أبو حاتم الرازي وغيره عن إبراهيم بن هشام ما يدل على أنه لا يعي الحديث،وقال ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل (٢) : سمعت أبي يقول: قلت لأبي زرعة: لم لا تحدث عن إبراهيم بن هشام بن يحيى (بن يحيى) قال:ذهبت إلي قريته، وأخرج إلي كتاباً زعم أنه سمعه من سعيد بن عبد العزيز، فنظرت فيه، فإذا فيه أحاديث ضمرة عن رجاء بن أبي سلمة، وعن ابن شوذب، وعن يحيى بن أبي عمرو الشيباني، فنظر إلى حديث فاستحسنته من حديث ليس بن سعيد عن عقيل فقلت له اذكر هذا فقال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ليس بن سعد عن قيل بالكسر.
ورأيت في كتابه أحاديث، عن سويد بن عبد العزيز، عن مغيرة وحصين، وقد قلبها على سعيد بن عبد العزيز، وأظنه لم يطلب العلم وهو كذاب.
قال: فقلت هذه أحاديث سويد بن عبد العزيز، قال: فقال: صدقت نعم، حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن سويد قال ابن أبي حاتم: ذكرت لعلي بن الحسين بن الجنيد
стр. 235
بعض هذا الكلام عن أبي، فقال: صدق أبو حاتم ينبغي أن لا يحدث عنه.
قلت وإبراهيم بن هشام هذا هو صاحب حديث أبي ذر (١) الطويل تفرد به
стр. 236
عن أبيه عن جده، وقد رواه أبو القاسم الطبراني، وابو حاتم بن حبان البستي في كتاب الأنواع والتقاسيم من حديث مجموع من أحاديث كثيرة بعضها في الصحاح وبعضها في المساند والسنن، وبعضها لا أصل له.
وقد ذكر ابن أبي حاتم إبراهيم بن هشام في كتاب الجرح والتعديل (١) ، وذكر عنه ما
стр. 237
حكيناه، ولم يذكر إبراهيم بن محمد بن سليمان فيه ولم يرو عنه أحد ممن رحل من الحفاظ وأهل الحديث، ولم يأخذ عنه من أهل بلده غير محمد بن الفيض، وروى عنه هذا الخبر الذي لم يتابع عليه، فعلم أنه ليس بمحل للرواية عنه.
ونحن نطالب هذا المعترض الذي يتكلم بلا علم، فنقول له: لم قلت أن هذا الأثر الذي تفرد به إبراهيم بن محمد إسناده جيد، ومن قال هذا قبلك، ومن وثق إبراهيم بن محمد هذا، أو احتج بروايته، أو أنثى عليه من أهل العلم والحديث؟ والمجتمع بالحديث عليه أن يبين صحة إسناده ودلالته على مطلوبة، وأنت لم تذكر في إبراهيم المتفرد بهذا الخبر شيئاً يقتضي الاحتجاج بروايته والرجوع إلى قبول خبره، فقولك فيما تفرد به ولم يتابع عليه " إن إسناده جيد " دعوى مجردة مقابلة بالمنع والرد وعدمن القبول والله أعلم. .
وأما محمد بن سليمان بن بلال والد إبراهيم، فإنه شيخ قليل الحديث لم يشتهر من حاله ما يوجب قبول أخباره، وقد ذكره البخاري في تاريخه (١) ، وذكر له حديثاً يرويه عن أمه، عن جدتها، رواه عن هشام بن عمار، وهو الذي أشار إليه أبو حاتم، وأما أبو سليمان بن بلال فإنه رجل غير معروف، بل هو مجهول الحال قليل الرواية، لم يشتهر بحمل العلم ونقله، ولم يوثقه أحد من الأئمة فيما علمناه ولم يذكر له البخاري ترجمة في كتابه، وكذلك ابن أبي حاتم، ولا يعرف له سماع من أم الدرداء.
ونحن نطالب المستدل برواية والمحتج بخبره فنقول له: من وثقه من الأئمة واحتج بحديثه من الحفاظ،أو أثنى عليه من العلماء حتى يصار إلى روايته ويحتج بخبره ويعتمد على نقله؟
والحاصل أن مثل هذا الإسناد لا يصلح الاعتماد عليه ولا يرجع عند التنازع إليه عند أحد من أئمة هذا الشأن، مع أن المعترض لم يذكر شيئاً في محل النزاع أمثل منه ولا أعتمد على شيء في المسألة أقرب منه، ولهذا زعم أنه نص في الباب، وهو مع هذا ليس بثابت ولا صحيح، ولو كان ثابتاً لم يكن فيه حجة على محل النزاع فإن الذي فيه أن يلالا ركب راحلته وقصد المدينة، وقاصد المدينة قد يقصد المسجد وحده وقد يقصد القبر وحده، وقد يقصدهما جميعاً، وليس في الخبر أنه قصد مجرد القبر.
وشيخ الإسلام إنما ذكر الخلاف بين العلماء في جواب السؤال الذي سئل عنه فيمن
стр. 238
قصد مجرد القبر، ولهذا قال في رده على بعض من اعترض عليه من المالكية فيقال لفظ الجواب: أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، فهل يجوز له قصر الصلاة على قولين، معروفين، وقوله: من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء احتراز عن السفر المشروع كالسفر إلى زيارة قر النبي ﷺ إذا سافر السفر المشروع، فسافر إلى مسجده، وصلى فيه، وصلى عليه وسلم (عليه) ودعا وأثنى كما يحبه الله ورسوله، فهذا سفر مشروع مستحب باتفاق المسلمين وليس فيه نزاع فإن هذا لم يسافر لمجرد زيارة القبور.
وقال أيضاً: الناس أقسام منهم من يقصد السفر الشرعي إلى مسجده ثم قال إذا صار في مسجده فعل في مسجده المجاور لبيته الذي فيه قبره ما هو مشروع، فهذا سفر مجمع على استحبابه وقصر الصلاة فيه ومنهم من لا يقصد إلا مجرد القبر ولا يقصد الصلاة في المسجد، ولا يصلي فيه ن فهذا لا ريب أنه ليس بمشروع، ومنهم من يقصد هذا وهذا فهذا لم يذكر في الجواب إنما ذكر في الجواب من لم يسافر إلا لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين.
ومن الناس من لا يقصد إلا القبر لكن إذا أتى المسجد صلى فيه، فهذا أيضاً يثاب على (ما) فعله من المشروع كالصلاة في المسجد والصلاة على النبي والسلام عليه ونحو ذلك من الدعاء والثناء عليه ومحبته وموالاته والشهادة له بالرسالة والبلاغ وسؤال الله الوسيلة له ونحو ذلك مما هو من حقوقه المشروعة في مسجده بأبي هو وأمي ﷺ .
ومن الناس من لا يتصور ما هو الممكن المشروع من الزيارة حتى يرى المسجد والحجرة بل يسمع لفظ زيارة قبره فيظن ذلك كما هو المعروف المعهود من زيارة القبور إنه يصل إلى القبر ويجلس عنده ويفعل ما يفعل من زيارة شرعية، أو بدعية، فإذا رأى المسجد والحجرة تبين له إن لا سبيل لأحد أن يزور قبره كالزيارة المعهودة عند قبر غيره، وإنما يمكن الوصول إلى مسجده والصلاة فيه، وفعل ما يشرع للزائر في المسجد،لا في الحجرة عند القبر بخلاف قبر غيره، انتهى كلامه.
فقد تبين أن شيخ الإسلام إنما ذكر الخلاف في الجواب فيمن قصد مجرد القبر، فأما من قصد الزيارة وغيرها كالصلاة في المسجد، فلم يذكر فيه نزاعاً، فليس فيما روى عن بلال حجة عليه، فإنه يحتمل أن يكون قصد الصلاة في المسجد وزيارة القبر معاً ولا يعلم أنه قصد مجرد القبر، ولم يقصد المسجد إلا بإخباره عن نفسه بذلك، فإن القصد، محله القلب، ولا سبيل لنا (إلى) الإطلاع عليه إلا بخبر من قام به، وبلال لم يخبر عن نفسه بأنه قصد مجرد زيارة القبر.
стр. 239
وإنما في الأثر المروي عنه أنه ركب راحلته وقصد المدينة، وليس في ذلك دليل على أنه جرد النية للقبر (فقط) ولو فرض أنه لم يقصد إلا القبر فقط، ولم يقصد الصلاة والسلام في المسجد كان ذلك على سبيل الاجتهاد منه، وكان ممن يحتج لفعله، وقد علم أن النبي ﷺ قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) ولم ينقل عن أحد من أصحاب النبي ﷺ لا من الخلفاء الراشدين ولا من غيرهم، مثل هذا الذي روي عن بلال، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (النساء ٠٥٩)
والذي يظهر أن ما نقل عن بلال في هذا ليس بصحيح عنه، بل بعض ألفاظه الخبر يشهد ببطلانه عنه، وقد ثبت عن عبد الله بن عمر ﵄ إنه كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فقال: ((السلام عليك يا رسول الله السلام عليكم يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه)) وهذا صحيح ثابت عن ابن عمر، بل هو مجمع على حصته عنه، وليس فيه شد رحل ولا إعمال مطي،ومع هذا فقد قال ابن ابن أخيه الإمام الحافظ الفقيه أحد الأعلام أبو عثمان عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني: ما نعلم أحد من أصحاب النبي ﷺ (فعل) ذلك إلا ابن عمر، هكذا ذكره عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن عبيد الله بن عمر.
وقد كان عبيد الله من سادات أهل المدينة وأشراف قريش فضلاً وعلماً وعبادة وحفظاً وإتقاناً، بل هو أحفظ آل عمر في زمانه وأثبتهم وأعلمهم، وقد قال ما قال فيما كان ابن عمر يفعله، مع أن مالكاً وغيره من العلماء صاروا إلى ما روي عن ابن عمر في ذلك.
فإذا كان هذا قول عبيد الله بن عمر فيما روي عن ابن عمر في ذلك، مع أنه أقرب بكثير مما روي عن بلال، فإن الذي فيه مجرد السلام عند القدوم من السفر، وليس فيه شد رحل، ولا إعمال مطي، ولا غير ذلك مما روي عن بلال، فكيف يقال فيما روي عن بلال من فعله المتضمن شد الرحال، وإعمال المطي، وغير ذلك مما ينقل عن غيره عن أصحاب النبي ﷺ والتابعين لهم بإحسان والله أعلم.
стр. 240
قال المعترض
وقد استفاض عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يبرد البرد من الشام يقول له: سلم (لي) على رسول الله ﷺ وممن ذكر ذلك ابن الجوزي، ونقلته من خطة في كتاب: مثير العزم الساكن، وقد ضبطه بإسكان الياء الموحدة وكسر الراء المخففة، وهو كذلك يقال: أبرد فهو مبرد.
وذكر (أيضاً) الإمام أبو بكر أحمد بن عمر بن أبي عاصم (النبيل) ووفاته سنة سبع وثمانين ومائتين في مناسك له لطيفة جردها من الأسانيد ملتزماً فيها الثبوت قال فيها: وكان عمر بن عبد العزيز يبعث بالرسول قاصداً من الشام إلى المدينة ليقرئ النبي ﷺ السلام ثم يرجع، وهذه المناسك رواية شيخنا الدمياطي.
ثم ذكر إسناد شيخه (إلى) ابن أبي عاصم وقال: فسفر بلال في زمن صدر الصحابة ورسول عمر بن عبد العزيز في زمن صدر التابعين من الشام إلى المدينة لم يكن إلا للزيارة والسلام على النبي ﷺ ولم يكن الباعث على السفر غير ذلك، لا من أمر الدنيا ولا من أمر الدين، لا من قصد المسجد، ولا من غيره، انتهى ملام المعترض.
وللجواب: من وجوه:
أحدهما: المطالبة بصحة الإسناد إلى عمربن عبد العزيز، ولم يذكر المعترض الإسناد في ذلك إلى عمر لينظر فيه، هل هو صحيح أم لا؟ وكأنه لم يظفر به، فإنه لو ظفر به ووقف عليه لبادر إلى ذكره، ولو كان إسناداً ضعيفاً كما هي عادته، وكما ذكر إسناد الأثر المروي عن بلال، وإن كان غير صحيح.
الوجه الثاني: إن ما نقل عن عمر بن عبد العزيز من إيراده البريد من الشام قاصداً إلى المدينة لمجرد الزيارة، ليس بصحيح عنه، بل في إسناده عنه ضعيف وانقطاع وأمثل ما روي عنه في ذلك ما ذكره البيهقي في كتاب: شعب الإيمان فقال: حدثنا أبو سعيد بن ابي عمرو، أنبأنا أبو عبد الله الصفار، حدثنا ابن أبي الدنيا حدثنا إسحاق بن أبي حاتم
стр. 241
المدائني، حدثنا ابن أبي فديك، عن رباح بن أبي بشير، عن يزيد بن أبي سعيد مولى المهري، قال: قدمت على عمر بن عبد العزيز إذا كان خليفة بالشام، فلما ودعته قال: إن لي إليك حاجة إذا أتيت المدينة سترى قبر النبي ﷺ فأقرئه مني السلام.
هذا أجود ما روي عن عمر بن عبد العزيز في هذا الباب مع أن في ثبوته عنه نظراً فإن رباح بن أبي بشير شيخ مجهول (١) لم يرو عنه غير ابن أبي فيدك، ولو فرض أنه شيخ معروف ثقة، فليس في روايته ذكر إيراد البريد لمجرد الزيارة، وإنما فيها إرسال السلام مع بعض من قدم على عمر من أهل المدينة، فإن يزيد بن أبي سعيد مولى المهري، هو من أهل المدينة، وكان قدم منها إلى الشام على عمر بن عبد العزيز، فلما ودعه وأرد الرجوع إلى بلده، قال له عمر: سترى قبر النبي ﷺ فاقرئه مني السلام، وقد عرف أن شيخ الإسلام لم يذكر نزاعاً في الجواب فيمن سافر إلى المدينة لحاجة، وزار عند قدومه، أو اجتمع في سفره قصد الزيارة مع قصد آخر.
وإنما ذكر الخلاف فيمن قصد مجرد القبر، ويزيد بن أبي سعيد قصد الرجوع إلى بلده المدينة، وانضم إلى ذلك قصد آخر، وليس هذا محل النزاع، وإنما الخلاف في شد الرحل وأعمال المطي إلى مجرد زيارة القبور.
وقول المعترض: فسفر بلال في زمن صدر الصحابة ورسول عمر بن العبد العزيز في زمن صدر التابعين من الشام إلى المدينة لم يكن إلا للزيارة هو مجرد دعوى عرية عن الدليل فتقابل بالمنع والرد (وعدم القبول) بل إنما كان لها ولغيرها كما قد بينا ذلك والله أعلم.
فإن قيل: ذكر البيهقي في آخر الأثر المذكور أن (عمر) كان يرد البريد، فإن فيه بعد قوله: فأقرئه مني السلام، قال محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، فحدث به عبد الله بن جعفر، فقال: أخبرني فلان أن عمر كان يبرد إليه البريد من الشام.
فالجواب: أن هذا ليس بصحيح بل (هو) ضعيف منقطع، وعبد الله بن جعفر محدث أبي فديك هو والد ابن المديني، وهو ضعيف غير محتج بخبره، قال يحيى بن معين
стр. 242
ليس بشيء (١) ، وقال النسائي (٢) ، متروك الحديث، والمخبر لعبد الله بن جعفر رجل مبهم وهو أسوأ حالاً من المجهول.
فإن قيل: قد روى البيهقي، نحو هذا من وجه آخر، فقال: حدثنا عبد الله بن يوسف الأصبهاني، أنبأنا إبراهيم بن فراس بمكة، حدثني محمد بن صالح الرازي، حدثنا زياد بن يحيى، عن حاتم بن وردان، قال: كان عمر بن عبد العزيز يوجه بالبريد قاصداً إلى المدينة ليقرئ عنه النبي ﷺ السلام. كذا رواه في شعب الإيمان وهذه الرواية هي التي ذكرها المعترض من المناسك لابن أبي عاصم بلا سند.
والجواب: أن يقال هذه روية منقطعة غير ثابتة وحاتم بن وردان (٣) شيخ من أهل البصرة لم يلق عمر بن عبد العزيز،ولم يدركه فروايته عنه مرسلة غير متصلة،ـ وقد توفي عمر بن عبد العزيز سنة إحدى ومائة، وكانت وفاة حاتم بن وردان سنة أربع وثمانين ومائة وأكبر شيخ لحاتم، أيوب السختياني،وكانت وفاة أيوب سنة إحدى وثلاثين ومائة.
الوجه الثالث: إنه لو ثبت عن عمر بن عبد العزيز ﵁، أنه كان يبرد البريد من الشام قاصداً إلى المدينة لمجرد الزيارة والسلام، كان في فعله ذلك من جملة المجتهدين، ومن المعلوم أنه ﵁ أحد الخلفاء الراشدين ومن كبار الأئمة المجتهدين، فإذا قال قولاً باجتهاده وفعل فعلاً برأيه: فإن قام دليله وظهرت حجته تعين المصير إليه والاعتماد عليه، وإلا فهو ممن يحتج لقوله: ويستدل لفهعله، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (النساء ٠٥٩) وقد ذكر فيما تقدم عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يأتي إلى القبر للسلام عند القدوم من سفر، ومع هذا فقد قال
стр. 243
عبيد الله بن عمر العمري الكبير الثقة (الثبت) ما نعلم أحداً من أصحاب النبي ﷺ فعل ذل إلا ابن عمر.
وقال شيخ الإسلام في أثناء كلامه في الصلاة والسلام على النبي ﷺ في كل مكان: وأما السلام عليه عند القبر، فقد عرف أن الصحابة والتابعين المقيمين بالمدينة لم يكونوا يفعلونه، إذا دخلوا المسجد وخرجوا منه - إلى أن قال ولهذا كان أكثر السلف لا يفرقون بين الغرباء وأهل المدينة، ولا بين حال السفر وغيره، فإن استحباب هذا لهؤلاء، وكراهته لهؤلاء، حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي، ولا يمكن أحداً أن ينقل عن النبي ﷺ أنه شرع لأهل المدينة الاتيان عند الوداع للقبر، وشرع لهم ولغيرهم ذلك عند القدوم من سفر وشرع للغرباء تكرير ذلك كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه.
ولم يشرع ذلك لأهل المدينة، فمثل هذه الشريعة ليس منقولاً عن النبي ﷺ ،ولا عن خلفائه ولا هو معروف من عمل الصحابة، وإنما نقل عن ابن عمر السلام عند القدوم من السفر، وليس هذا من عمل الخلفاء وأكابر الصحابة ن كما كان ابن عمر يتحرى الصلاة والنزول والمرور حيث حل ونزل وعبر في السفر، وجمهور الصحابة لم يكونوا يصنعون ذلك، بل (أبوه) عمر كان ينهي عن مثل ذلك، والله أعلم.
قال المعترض
وفي فتوح الشام أنه لما كان أبو عبيدة منازلاً بيت المقدس أرسل كتاباً إلى عمر مع ميسرة بن مسروق يستدعيه الحضور، فلما قدم ميسرة مدينة رسول الله ﷺ دخلها ليلاً، ودخل المسجد وسلم على قبر النبي ﷺ ، وعلى قبر أبي بكر الصديق، وفيه أيضاً أن عمر لما صالح أهل بيت المقدس،وقدم عليه كعب الأحبار وأسلم وفرح عمر بإسلامه، قال عمر (له) هل لك أن تسير معي إلى المدينة،وتزور قبر النبي ﷺ وتتمتع بزيارته؟ فقال:نعم يا أمير المؤمنين، أنا أفعل ذلك، ولما قدم عمر المدينة أول ما بدأ بالمسجد وسلم على رسول الله ﷺ انتهى ما ذكره.,
وهو مطالب:أولاً بيان صحته، وثانياً: بيان دلالته على مطلوبه، ولا سبيل له إلى واحد من الأمرين.
ومن المعلوم أن هذا من الأكاذيب والموضوعات على عمر بن الخطاب ﵁، وفتوح الشام فيه كذب كثير، وهذا لا يخفى على آحاد طلبة العلم، ولكن شأن هذا
стр. 244
المعترض الاحتجاج دائماً بما يظنه موافقاً لهواه،ولو كان من المنخنقة والموقوذة والمتردية، وليس هذا شأن العلماء،بل المستدل بحديث أو أثر عليه أن يبين صحته ودلالته على مطلوبه،وهذا المنقول عن عمر ﵁ لو كان ثابتاً عنه، لم يكنفيه دليل على محل النزاع،وقد عرف أن شيخ الإسلام لا ينكر الزيارة على الوجده المشروع ولا يكرهها، (بل يحض عليها) ويندب إلى فعلها، والله الموفق للصواب.
ثم قال المعترض
وقد ذكر المؤرخون والمحدثون منهم أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب، وأحمد بن يحيى البلاذري في تاريخ الأشراف، وابن عبد ربه في العقد أن زياد بن أبيه أراد الحج فأتاه أبو بكرة، وهو لا يكلمه فأخذ ابنه فأجلسه في حجرة ليخاطبه ويسمع زياداً فقال:إن أباك فعل وفعل وأنه يريد الحج، وأم حبيبة زوج النبي ﷺ هناك (فإن) أذنت له فأعظم بها مصيبة وخيانة لرسول الله، وإن هي حجته فأعظم بها حجة عليه، فقال زياد: ما تدع النصيحة لأخيك، وترك الحج في تلك السنة، هكذا حكاها البلاذري.
وحكى ابن عبد البر ثلاثة أقوال.
أحدهما: أنه حج ولم يزر من أجل قول أبي بكرة.
والثاني: أنه دخل المدينة وأراد الدخول على أم حبيبة، فذكر قوله أبي بكرة فانصرف عن ذلك.
والثالث: أن أم حبيبة حجته ولم تأذن له، والقصة على كل تقدير تشهد، لأن زيارة الحاج كانت معهودة من ذلك الوقت، وإلا فكان زياد يمكنه أن يحج من غير طريق المدينة، بل هي أقرب إليه لأنه كان بالعراق، والإتيان من العراق إلى مكة أقرب، ولكن كان إتيان المدينة عندهم أمراً لا يترك، انتهى ما ذكره.
فالجواب: أن يقال: هذا من نمط ما قبله في الاحتجاج بما ليس بثابت عند العلماء وليس فيه دليل على المطلوب، بل هو على نقيض مراد المعترض أدل منه على مطلوبة، وهذه القصة المروية في أمر أبي بكرة وزياد، مختلف فيها، وعلى كل تقدير فزياد بن أبيه،ليس ممن يحتج بقوله، ولا يعرج على فعله، وزياد الحاج لم ينكرها الشيخ ولا كرهها، بل استحبها كغيره من العلماء، وذكرها في مناسكه ومصنفاته وفتاويه وقد قال في بعض مناسكه.
стр. 245
باب زيارة قبر النبي ﷺ
ثم ذكر ما يقوله إذا دخل (المسجد) وقال: ثم يأتي قبر النبي ﷺ فيستقبل جدار القبر ولا يمسه، ولا يقبله، ثم يقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا نبي الله وخيرته من خلقه، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبين وقائد الغر المحجلين، ثم ذكر الكلام إلى آخره، وذكر السلام على أبي بكر وعمر ﵄ فقد تبين أن الشيخ ﵀ لم ينكر زيارة الحاج قبر النبي ﷺ حتى يشنع عليه بما لم يقله، أو يضاف إليه ما لم يعتقده، وإنما ذكر نزاع العلماء في شد الرحال وأعمال المطي إلى مجرد زيارة القبور، ومال إلى النهي عن ذلك محتجاً بما ثبت عن المصطفى ﷺ أنه قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) (١) والله أعلم.
ثم قال المعترض: واختلف السلف في أن الأفضل البداءة بالمدينة قبل مكة، أو بمكة قبل المدينة، قال: وممن نص على هذه المسألة وذكر الخلاف فيها الإمام أحمد في كتاب المناسك الكبير من تأليفه، ثم ذكر أن ابن ناصر رواها بإسناد له ذكره إلى عبد الله بن أحمد عن أبيه، وقال في هذه المناسك، سئل عمن يبدأ بالمدينة قبل مكة، فذكر بإسناده عن عبد الرحمن بن يزيد وعطاء ومجاهد، قالوا: إذا أردت مكة فلا تبدأ بالمدينة وابدأ بمكة، فإذا قضيت حجتك فأمرر بالمدينة إن شئت.
قال: وذكر بإسناده عن الأسود قال: أحب أن يكون نفقتي وجهادي وسفري أن أبدأ بمكة وعن إبراهيم النخي إذا أردت مكة فاجعل كل شيء لها تبعاً، وعن مجاهد إذا أردت الحج أوالعمرة فبدأ بمكة واجعل كل شيء لها تبعاً، وعن إبراهيم قال: إذا حججت فابدأ بمكة ثم مر بالمدينة بعد.
وذكر الإمام أحمد أيضاً بإسناده عن عدي بن ثابت أن نفراً من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يبدأون بالمدينة إذا حجوا يقولون: نهل من حيث أحرم رسول الله ﷺ وذكر ابن أبي شيبة في مصنفه هذا الأثر أيضاً، وذكر بإسناده عن علقمة والأسود، وعمر بن ميمون أنهم بدأوا بالمدينة قبل مكة، ثم قال: وقال الموفق ابن قدامة: قال: - يعني أحمد -: إذا حج الذي لم يحج فقط يعني من غير طريق الشام، لا يأخذ على طريق المدينة لأني أخاف أن يحدث به حدث فينبغي أن يقصد مكة من أقصد الطرق ولا
стр. 246
يتشاغل بغيره، قال: وهذا في العمرة متجه، لأنه يمكنه فعلها متى وصل إلى مكة، وأما الحج فله وقت مخصوص، فإذا كان الوقت متسعاً لم يفت عليه بمروره بالمدينة شيء، وممن نص على هذه المسألة من الأئمة أبو حنيفة، وقال: الأحسن أن يبدأ بمكة، روى ذلك الحسن بن زياد عنه (١) ، فيما حكاه أبو الليث السمرقندي، انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره في البداية بمكة ليس فيه ما يحصل مراده ومطلوب ثم قال: فانظر كلام السلف والخلف في إتيان المدينة، إما قبل مكة، وإما بعدها، ومن أعظم ما تؤتي له المدينة الزيارة، ثم أخذ في الاستدلال على هذه الدعوى المجردة بما لا يصلح أن يكون شبه فقال: ألا ترى أن بيت المقدس لا يأتيه إلا القليل من الناس، وأن كان مشهوداً له بالفضل والصلاة فيه مضاعفة فتوفر الهمم خلفاً عن سلف على إتيان المدينة، إنما هو لأجل الزيارة، وإن اتفق معها قصد عبادات أخرى فهو مغمور بالنسبة إليها.
ولا يخفى على من له أدنى فهم ومعرفة بالمعلم أن ما زعمه المعترض من الحكم ودليله في هذا المحل دعوي مجردة عن دليل، فتقابل بالمنع وعدم القبول، وقد ذكر قريباً عن النفر عن أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا إذا حجوا يبدأون بالمدينة وأنهم عللوا ذلك بما زعمه وادعاه.
ثم ذكر المعترض في هذا المكان كلاماً عليه فيه مؤاخذات ومناقشات يطول الكتاب بذكرها، ثم ذكر كلام الأجري في الشريعة، وابن بطة في الإبانة المتضمن للرد على بعض الملحدة في إنكاره دفن أبي بكر وعمر مع النبي ﷺ واشتمل كلامهما على ذكر زيارة قبر النبي ﷺ فزعم المعترض أنه استفيد منه السفر للزيارة، وأن ذلك لم يزل في السلف والخلف.
وهذا الذي زعمه غير مقبول منه، وليس في كلامهما ذكر السفر للزيارة، وإنما فيه ذكر الزيارة فقط والسلام على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر ﵄، وهذا المعترض لا يفرق بين السفر لزيارة القبور، وبين زيارتها بلا سفر، بل كل منهما مندوب مستحب، والعلماء قد فرقوا بين الحكمين وميزوا بين المسألتين.
стр. 247
وابن بطه الذي ألزم المعترض كلامه مالا يلزمه، قد ذكر الزيارة وصفتها فيما حكاه عنه من العلم بأنه أحد القائلين بالنهي عن السفر إلى القبور.
وقد ذكر ذلك في الإبانة الصغرى التي يذكر فيها جمل أقوال أهل السنة وما خالفها من البدع فقال: ومن البدع البناء على القبور وتحصينها، وشد الرحال إلى زيارتها، فأبن بطه (١) يستحب الزيارة مع نهيه عن شد الرحل لمجردها، فعلم أنه يفرق بين السفر، وبين الزيارة بلا سفر لا كما زعمه المعترض.
ثم قال: قال القاضي عياض: قال إسحاق بن إبراهيم الفقيه، مما لم يزل من شأن من حج المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ والتربك برؤية روضته ومنبره ومجلسه وملامس يديه ومواطئ قدميه والعمود الذي كان يستند إليه، وينزل جبريل بالوحي فيه عليه،وبمن عمره وقصده من الصحابة وأئمة المسلمين والاعتبار بذلك كله، ثم قال: وسنذكر في الباب الرابع من كلام العبدي المالكي في شرح الرسالة أن المشي إلى المدينة لزيارة قبر النبي ﷺ أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس.
وقال في الباب الرابع: وقال العبدي في شرح الرسالة: وأما النذر بالمشي إلى المسجد الحرام،والمشي إلى مكة فله اصل في الشرع وهو الحج والعمرة وإلى المدينة لزيارة قبر النبي ﷺ أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس، وليس عنده حج ولا عمره، فإذا نذر المشي إلى هذه الثلاث لزمه فالكعبة متفق عليها، ويختلف أصحابنا وغيرهم في المسجدين الآخرين.
قال المعترض: قلت: الخلاف الذي أشار إليه في نذر إتيان المسجدين لا في الزيارة انتهى كلامه .
وهذا الذي حكاه عن هذا العبدي المالكي مكرراً له في غير موضع من الكتاب راضياً به ومقرراً له ومتبعاً له بيان موضع الخلاف، وأنه في إتيان المسجدين لا في الزيارة شيء لم يسق قائله إليه، ولم يتابعه أحد من العلماء عليه، بل قول القائل: إن المشي
стр. 248
إلى المدينة لمجرد زيارة القبر أفضل من الكعبة قول محدث في الإسلام،مخالف لإجماع جميع العلماء الأعلام من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين المتقدمين منهم والمتأخرين، وذلك كاف في رده وظهور بطلانه والله أعلم.
ثم قال المعترض: وأكثر عبارات الفقهاء أصحاب المذاهب ممن حكينا كلامهم في باب الزيارة يقتضي استحباب السفر، هكذا قال، وذلك خطأ منه، فإن القول باستحباب الزيارة لا يقتضي استحباب السفر لها كما سيأتي بيان ذلك (مستوفي) إن شاء الله تعالى، والفقهاء الذي حكينا كلامهم، في الزيارة متفقون على استحبابها، مع أنه مختلفون في السفر لمجردها، فلو كان استحباب الزيارة مقتضياً لاستحباب السفر لم يقع بينهم فراغ في السفر لها.
قال: وحكاية الأعرابي المشهورة التي ذكرها المصنفون في مناسكهم وفي بعض طرقها أن الأعرابي ركب راحلته وانصرف وذلك يدل أنه كان مسافراً، والحكاية المذكورة ذكرها جماعة من الأئمة عن العتبي، وأسمه محمد بن عبد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان: صخر بن حرب كان من أفصح الناس صاحب أخبار ورواية للأدب، وحدث عن أبيه وسفيان بن عيينة، توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين، يكنى أبا عبد الرحمن.
وذكرها ابن عساكر في تاريخه وابن الجوزي في مثير العزم الساكن وغيرهما بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي قال: دخلت المدينة فأتيت قبر النبي ﷺ فزرته فجلست حذاءه فجاء إعرابي فزاره ثم قال: يا خير الرسل إن الله أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ (النساء ٠٦٤) وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم بكى وأنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم استغفر وانصرف، فرقدت فرأيت النبي ﷺ في نومي وهو يقول: إلحق الرجل فبشره أن الله قد غفر له بشفاعتي، فاستيقظت فخرجت أطلبه فلم اجده، قال وقد نظم أبو الطيب أحمد بن عبد العزيز بن محمد المقدسي، وسأله بعضهم الزيارة على هذين البيتين وتضمينهما فقال: ورواه ابن عساكر عنه:
стр. 249
أقول والدمع من عيني منسجم ... لما رأيت جدار القبر يستسلم
والناس يغشونه ياك ومنقطع ... من المهابة أو ذاع فملتزم
فما تمالكت أن نأديت من حرق ... في الصدر كادت لها الأحشاء تضطرم
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طبيهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
وفيه شمس التقى والدين قد غربت
... من بعد ما أشرقت من نوره الظلم
حاشى لوجهك أن يبلى وقد هديت ... في الشرق والغرب من أنواره الأمم
وإن تمسك أيدي الترب لامسة ... وأنت بين السموات العلى علم
لقيت ربك والإسلام صارمه ... ماض وقد كان يحر الكفر يلتطم
فقمت فيه مقام المرسلين إلى ... إن عز فهو على الأديان يحتكم
لئن رأيناه قبراً إن باطنه ... لروضه من رياض الخلد يبتسم
طافت به من نواحيه ملائكة
... تغشاه في كل ما يوم وتزدحم
لو كنت أبصرت حباً لقلت له ... لا تمش إلا على خدي لك القدم
هدي به الله قوماً قال قائلهم ... بطن حكه لما ضمه الرحم
إن مات أحمد فالرحمن خالقه ... حين ونعبده ما أروق السلم
قال الجوهري: الرجم بالتحريك القبر، هذا آخر ما أو رده المعترض في الباب الثالث، وهذه الحكاية التي ذكرها بعضهم يرويها عن العتبي، بلا إسناد، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني، عن الأعرابي، وقد ذكرها البيهقي في كتاب شعب الإيمان بإسناد مظلم عن محمد بن روح بن يزيد بن البصري، حدثني أبو حرب الهلالي قال: حج أعرابي فلما جاء إلى باب مسجد رسول الله ﷺ أناخ راحلته فعقلها، ثم دخل المسجد حتى أتى القبر، ثم ذكر نحو ما تقدم، وقد وضع لها بعض الكذابين إسناداً إلى علي بن أبي طالب ﵁ كما سيأتي ذكره.
وفي الجملة: ليست هذه الحكاية المنكورة عن الأعرابي مما يقوم به حجة وإسنادها مظلم مختلف ولفظها مختلف أيضاً،ولو كانت ثابتة لم يكن فيها حجة على مطلوب المعترض، ولا يصلح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية، ولا الاعتماد على مثلها عند أهل العلم وبالله التوفيق.
стр. 250
الباب الرابع: في نصوص العلماء على استحباب زيارة قبر سيدنا رسول الله ﷺ وبيان أن ذلك مجمع عليه بين المسلمين
قال المعترض
قال القاضي عياض ﵀ زيارة قبره ﷺ سنة بين المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها.
قلت: هذا الإجماع الذي حكاه القاضي عياض رحمه الله تعالى حكاه شيخ الإسلام أيضاً، في غير موضع، وقد قدمناه غير مرة ذكر في مصنفاته وفتاويه ومناسكه استحباب زيارة قبر النبي ﷺ على الوجه المشروع، ولم يذكر في ذلك نزاعاً بين العلماء، وإنما ذكر الخلاف بينهم في السفر لمجرد زيارة القبور، واختار المنع من ذلك كما هو مذهب مالك وغيره من أهل العلم، وهو الذي اختاره القاضي عياض مع حكايته هذا الاجماع.
ومقصوده المعترض الاحتجاج على الشيخ بهذا الإجماع الذي ذكره القاضي عياض، والشيخ لا يخالف هذا الإجماع، بل يوافقه ويذهب إليه ويحكيه في مواضع مع قوله بالنهي عن السفر لزيارة القبور، كما ذهب إليه القاضي عياض ناقل هذا الإجماع، وينبغي للمعترض وأمثاله أن يعرفوا الفرق بين مواقع الاجتماع ومحال النزاع ولا يخلطوا بعضها ببعض.
ولا ريب أن الإنسان إذا أتى مسجد النبي ﷺ استحب له أن يفعل فيه ما يشرع له من الصلاة والصلاة على الرسول والتسليم والثناء (عليه) ونشر فضائله ومناقبه وسننه وما يوجب محبته وتعظيمه والإيمان به وطاعته، وهذا هو المقصود من الزيارة الشرعية والسفر إلى مسجده للصلاة فيه، وما يتبع ذلك مستحب بالنص والإجماع، والسفر لمجرد زيارة القبر فيه نزاع.
قال الشيخ في أثناء كلامه (١) : والقاضي عياض مع مالك وجمهور أصحابه يقولون: إن السفر إلى غير المساجد الثلاث محرم كقبور الأنبياء، فقول القاضي عياض: إن زيارة