← Акыда

Акыда · id 8622

الصارم المنكي في الرد على السبكي

ابن عبد الهادي

Полный текст (343 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[الصَّارِمُ المُنْكِي في الرَّدِّ عَلَى السُّبْكِي]ـ المؤلف: شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي (المتوفى: ٧٤٤هـ) تحقيق: عقيل بن محمد بن زيد المقطري اليماني قدم له: فضيلة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي ﵀. الناشر: مؤسسة الريان، بيروت - لبنان. الطبعة: الأولى، ١٤٢٤هـ / ٢٠٠٣م عدد الأجزاء: ١ [الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

تقديم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد فيقول الله : وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً. ويقول : بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هما الكفيلان بزحزحة الباطل والقضاء عليه إذا وجد لهما من يبلغهما كما أتيا عن الله وعن رسوله ﷺ . طالما نصحت إخواني في الله باقتناء الصارم المنكى في الرد على السبكي منذ وقع في يدي وأنا طالب بمعهد الحرم بمكة ذلك لأنه كتاب قمع الله به أصحاب الباطل المبتدعة. فالمبتدعة من عصر السبكي إلى زمننا هذا وهو يفترقون من كتاب السبكي الذي جمع فيه بين نصر البدعة ومهاجمة السنة والصد عنها مع تجلد عجيب وقد كنا نقرأ في الصارم المنكي ونحن بدماج فأتعجب من جرأة السبكي ومن سعة اطلاعه ومن تلبيسه على القارئ فأقول: هذا كلام عالم فلا يسعني إلا الاعتراف بأنه عالم ولكنه ضل عن سواء السبيل وحمله الشيطان على نصرة الباطل فقيض الله لأباطيله ولتلبيساته ابن عبد الهادي ﵀ بنسفها نسفاً. وأني أنصح من يريد أن يرد على دعاة الضلال في زمننا هذا كمحمد بن علوي مالكي وأشياعه أن يكون أول مرجع لهم هو الصارم المنكي في الرد على السبكي. إن الصارم المنكى ليس كتاباً يرد على المبتدعة فحسب ولكنه أيضاً كتاب جرح وتعديل وتصحيح وتضعيف فيه فوائد تشد لها الرحال، ومما أذكره الآن أحاديث زيارة قبر الرسول ﷺ ، فقد بين ضعفها مما لا تجده في كتاب فيما أعلم.

стр. 3

وهكذا هل رواية من لا يروى إلا عن ثقة تعتبر توثيقاً لمن روى عنه لا أتعجل بالإجابة فهي موجودة في الكتاب مستوفاة. وهكذا توثيق ابن حبان للمجهولين. وهكذا تساهل الحاكم. وإن صاحبي الصحيح قد يرويان البعض من فهم كلام عن أناس مخصوصين وعلى كل فالكتاب يعتبر مرجعاً للباحثين ونشره في هذه الأيام من الأمور المهمة لحيث إنه قد قصر باع العلماء المعاصرين عن استيعاب الأدلة وأيضاً قد كثر الأعداء كما قيل: تكاثرت الضباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد وإني أنصح الأخوة الباحثين أن يحرصوا على إخراج مثل هذه الكتب فهي تقمع المبتدعة المعاصرين وتوفر على الأخ وقتاً يصرفه فيما هو أهم. فجزى الله أخانا في الله عقيلاً خيراً على ما قام به من الخدمة لهذا الكتاب العظيم وأسال الله أن يوفقه لمواصلة المسير في خدمة سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأن يعيذنا وإياه من فتنة المحيا والممات إنه على كل شيء قدير. أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي

стр. 4

مقدمة المحقق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فإن كتاب (الصارم المنكي في الرد على السبكي) للحافظ ابن عبد الهادي ﵀ من أحسن الكتب التي ترد على المبتدعين من القبوريين وغيرهم الغلاة في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهو مع هذا كتاب تصحيح وتضعيف وجرح وتعديل وبيان علل لأحاديث كثيرة، ولقد عهد إلى شيخي الجليل فضيلة العلامة أبو عبد الرحمن بن مقبل بن هادي الوادعي حفظه الله تعالى بتحقيق هذا الكتاب فلبيت طلبه نظراً لأهمية الكتاب ولاحتياجه إلى تحقيق وتوثيق وعزو الأحاديث إلى مخرجيها. ونظراً لأنه لا توجد في الأسواق سوى نسخة شعبية تحتوي على كثير من التحريف والسقط إلا أنني بفضل الله تعالى حاولت أن أعيد النصوص الساقطة إلى مواضعها وأصلحت ما حصل من تحريف في النصوص وذلك بالاستعانة بالكتب التي استقى منها الحافظ ابن عبد الهادي مثل كتاب السبكي وكتب ابن تيمية كالجواب الباهر واقتضاء الصراط المستقيم وغيرها وأخيراً حصلت على النسخة التي حقق نصوصها فضيلة الشيخ / إسماعيل الأنصاري ﵀ فاستفدت منها أيضاً ولله الحمد والمنة وذلك لأنه قابل الكتاب على بعض المخطوطات. هذا وقد جعلت النصوص التي كانت ساقطة بين قوسين هكذا () وذلك ليتضح الجهد الذي قمت به

стр. 5

وأسال الله أن يجعل عملي خالصاً لوجهه الكريم إنه سميع مجيب وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وكتب عقيل بن محمد بن زيد المقطري أبو عبد الرحمن السلفي

стр. 6

ترجمة مختصرة للحافظ ابن عبد الهادي اسمه: هو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة. ميلاده: ولد سنة خمس وسبعمائة. مشايخه: من جملة مشايخه: ١) شيخ الإسلام ابن تيمية. ٢) الحافظ أبو الحجاج المزي. ٣) القاضي تقي الدين سليمان. ٤) أبو بكر بن عبد الدائم. ٥) الحافظ الذهبي. ٦) عيسى المطغم. ٧) ابن مسلم. وغيرهم. ثناء أهل العلم عليه: ١) الحافظ المزي: قال: (ما التقيت به - يعني: ابن عبد الهادي - إلا استفدت منه) . ٢) الحافظ ابن كثير: قال: (.. الشيخ الإمام العالم العلامة الناقد البارع في فنون العلوم) .

стр. 7

وقال: (حصل من العلوم ما لا يبلغه الشيوخ الكبار وتفنن في الحديث والتعريف والفقه والتفسير والأصليين والتاريخ والقراءات وله مجامع وتعاليق مفيدة وكثيرة وكان حافظاً جيداً لأسماء الرجال وطرق الحديث وعارفاً بالجرح والتعديل وبصيراً بعلل الحديث، حسن الفهم له، جيد المذاكرة صحيح الذهن مستقيماً على طريقة السلف وأتباع الكتاب والسنة مثابراً على فعل الخيرات) أهـ الرد. ٣) الحافظ ابن رجب: قال فيه: (المقرئ الفقيه المحدث الحافظ الناقد النحوي المتقن.. درس الحديث وكتبه بخطه الحسن المتقن الكثير) . ٤) الحافظ أبو المحاسن: قال في ذيل تذكرة الحفاظ (الإمام العلامة شمس الدين.. اعتنى بالرجال والعلل وبرع وجمع وصنف وتصدر للإفادة والاشتغال في القراءات والحديث والفقه والأصلين والنحو واللغة وولي مشيخة الحديث بالضيائية والغيائية ودرس بالمدرسة المنصورية وغيرها وسمع منه طائفة وروى شيخنا الذهبي عن المزي عن السروجي عنه) ٥) الإمام الذهبي: قال: (سمعت من الإمام الحافظ ذي الفنون شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي.. إلى أن قال: اعتنى بالرجال والعلل وبرع وجمع وتصدى للإفادة والاشتغال في القراءات والحديث والفقه والأصول والنحو وله توسع في العلوم وذهن سيال. ٦) الحافظ ابن حجر: قال فيه: (مهر في الحديث والأصول والعربية وغيرها) . ٧) الإمام السيوطي: قال فيه: (الإمام الأوحد المحدث الحافظ الحاذق الفقيه الورع المقرئ النحوي اللغوي ذو الفنون شمس الدين أحد الأذكياء مهر في الفقه والأصول والعربية) . ٨) الصفدي: قال: (لوعاش كان آية، كنت إذا لقيته سألته عن مسال أدبية وفوائد عربية فيتحذر كالسيل وكنت أراه يوافق المزي في أسماء الرجال ويرد عليه فيقبل منه) .

стр. 8

مصنفاته: وأما مصنفاته فكثيرة جداً تزيد عن خمسين مؤلفاً من أشهرها: ١) الصارم المنكي في الرد على السبكي. ٢) المحرر في الأحكام. ٣) ترجمته ابن تيمية (العقود الدرية) . وفاته: توفي ﵀ في يوم الأربعاء عاشر جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وسبعمائة. مصادر ترجمته: البداية والنهاية، ذيل طبقات الحنابلة، الدرر الكامنة، البدر الطالع، تذكرة الحفاظ، طبقات الحفاظ. وكتب أبو عبد الرحمن السلفي عقيل بن محمد بن زيد المقطري اليماني

стр. 9

مقدمه المؤلف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الشيخ الإمام العلامة الحافظ المحقق أبو عبد الله بن محمد بن أحمد بن عبد الهادي بنت عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامه المقدسي الحنبلي ﵀ ورضي عنه، وأثابه الجنة بفضل رحمته وإيانا وسائر المسلمين أمين إنه على كل شيء قدير، وحسبنا الله ونعم الوكيل. الحمد لله الذي يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب السموات ورب الأرضين ورب العرش العظيم وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث بالآيات والذكر الحكيم، الذي حكم به بين الناس فيما اختلفوا فيه من الزمان القديم، الذي يهدي به من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط المستقيم، ﵌ أفضل صلاة وأفضل تسليم. أما بعد: فإني وقفت على الكتاب الذي ألفه بعض قضاة الشافعية في الرج على شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية في مسألة شد الرحال وإعمال المطي إلى القبور، وذكر أنه كان قد سماه شن الغارة على من أنكر سفر الزيارة ثم زعم أنه اختار أن يسميه شفاء السقام في زيارة خير الأنام فوجدت كتابه مشتملاً على تصحيح الأحاديث المضعفة والموضوعة، وتقوية الآثار الواهية والمكذوبة، وعلى تضعيف الأحاديث الصحيحة الثابتة والآثار القوية المقبولة، وتحريفها عن مواضعها وصرفها عن ظاهرها بالتأويلات المستنكرة المردودة. ورأيت مؤلف هذا الكتاب المذكور رجلاً ممارياً معجباً برأيه متبعاً لهواه ذاهباً في كثير مما يعتقده إلى الأقوال الشاذة والآراء الساقطة، صائراً في أشياء مما يعتمده إلى الشبه المخيلة والحجج الداحضة، وربما خرق الإجماع في مواضع لم يسبق إليها ولم يوافقه أحد من الأئمة عليها. وهو من الجملة لون عجيب وبناء غريب تارة يسلك فيما ينصره ويقويه مسلك

стр. 10

المجتهدين فيكون مخطئاً في ذلك الاجتهاد ومرة يزعم فيما يقول ويدعيه أنه من جملة المقلدين،فيكون من قلده مخطئاً في ذلك الاعتقاد، نسأل الله سبحانه أن يلهمنا رشدنا ويرزقنا الهداية والسداد. هذا ما أنه إن ذكر حديثاً مرفوعاً أو أثر موقوفاً وهو غير ثابت قبله إذا كان موافقاً لهواه، وإن كان ثابتاً رده إما بتأويل أو غيره إذا كان مخالفاً لهواه، وإن نقل عن بعض الأئمة الأعلام كمالك وغيره وما يوافق رأيه قبله، وإن كان مطعوناً فيه غير صحيح عنه، وإن كان مما يخالف رأيه رده ولم يقبله وإن كان صحيحاً ثابتاً عنه، وإن حكى شيئاً مما يتعلق بالكلام على الحديث وأحوال الرواة عن أحد من أئمة الجرح والتعديل كالإمام أحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي وأبي حاتم بن حبان البستي، وأبي جعفر العقيلي وأبي أحمد بن عدي، وأبي عبد الله الحاكم صاحب المستدرك، وأبي بكر البيهقي، وغيرهم من الحفاظ، وكان مخالفاً لما ذهب إليه، لم يقبل قوله ورده عليه وناقشه فيه. وإن كان ذلك الإمام قد أصاب في ذلك القول ووافقه غيره من الأئمة عليه، وإن كان موافقاً لما صار إليه تلقاه بالقبول واحتج به واعتمد عليه، وإن كان ذلك الإمام قد خولف في ذلك القول ولم يتابعه غيره من الأئمة عليه، وهذا هو عين الجور والظلم وعدم القيام بالقسط، نسأل الله التوفيق ونعوذ به من الخذلان واتباع الهوى. هذا مع أن حملة إعجابه برأيه، وغلبة اتباع هواه على أن نسب سوء الفهم والغلط في النقل إلى جماعة من العلماء الأعلام المعتمد عليهم في حكاية مذاهب الفقهاء وأخلاقهم وتحقيق معرفة الأحكام حتى زعم أن ما نقله الشيخ أبو زكريا النووي في شرح مسلم، عن الشيخ أبي محمد الجويني من النهي عن شد الرحال وإعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة كالذهاب إلى قبور الأنبياء والصالحين وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك هو مما غلط فيه الشيخ أبي محمد، وإن ذلك وقع منه على سبيل الهوى والغفلة، قال: ولو قاله هو - يعني الشيخ أبا محمد أو غيره - ممن يقبل كلامه الغلط لحكمنا بغلطه وأنه لم يفهم مقصود الحديث. فالنظر إلى كلام هذا المعترض المتضمن لرد النقل الصحيح بالرأي الفاسد، وأجمع بينه وبين ما حكاه عن شيخ الإسلام من الافتراء العظيم والإفك المبني والكذب الصراح، وهو ما نقله عنه من أنه جعل زيارة قبل النبي ﷺ وقبور سائر الأنبياء ﵈ معصية بالإجماع مقطوعاً بها، هكذا ذكر هذا المعترض عن بعض قضاة الشافعية عن الشيخ أنه قال هذا القول الذي لا يشك عاقل من أصحابه وغير أصحابه أنه كذب مفترى لم يقله

стр. 11

قط، ولا يوجد شيء من كتبه ولا دل كلامه عليه، بل كتبه كلها ومناسكه وفتاويه وأقواله وأفعاله تشد ببطلان هذا النقل عنه، ومن له أدنى علم وبصيرة يقطع بأن هذا مفتعل مختلق على الشيخ وأنه لم يقله قط، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات ٦) . وهذا المعترض يعلم أن ما نقله هذا القاضي المشهور بما لا أحب حكايته عنه في هذا المقام عن شيخ الإسلام من هذا الكلام كذب مفترى، لا يرتاب في ذلك ولكنه يطفف، ويداهن ويقول بلسانه ما ليس في قلبه. ولقد أخبرني الثقة أنه ألف هذا الكتاب لما كان بمصر قبل أن يلي القضاء بالشام بمدة كبيرة ليتقرب به إلى القاضي الذي حكى عنه هذا الكذب ويحظى لديه فخاب أمله ولم ينفق عنده، وقد كان هذا القاضي الذي جمع المعترض كتابه هذا لأجله من أعداء الشيخ المشهورين. وقد زعم هذا المعترض أيضاً مع هذا الأمر الفظيع الذي ارتكبه من التكذيب بالتصديق، والتصديق بالكذب أن الفتاوى المشهورة التي أجاب بها علماء أهل بغداد موافقة للشيخ، مختلفة موضوعة وضعها بعض الشياطين، هكذا زعم مع علم الخاص والعام بأن هذه الفتاوى مما شاع خبره وذاع واشتهر أمرها وانتشر، وهي صحيحة ثابتة متواترة عمن أفتى بها من العلماء. وقد رأيت أنا وغيري خطوطهم بها، فانظري إلى تكذيب هذا المعترض بما لم يحط به علماً، وجراءته على إنكار ما اشتهر وتواتر وكيف يحل لمن ينتسب إلى شيء من الدين أن ينسب أمراً مقطوعاً بكذبة إلى من لم يقله، ويقدح في أمر مشاهد مقطوع بصحته ويزعم أنه مختلق من بعض الشياطين هذه عثرة لا تقال، وله مثلها كثيراً، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (النور ٤٠) . فلما وقفت على هذا الكتاب المذكور أحببت أن أنبه على بعض ما وقع فيه من الأمور المنكرة والأشياء المردودة، وخلط الحق بالباطل لئلا يغتر بذلك بعض من يقف عليه ممن لا خبرة له بحقائق الدين، مع أن كثيراً مما فيه من الوهم والخطأ يعرفه خلق من المبتدئين في العلم بأدنى تأمل ولله الحمد، ولو نوقش مؤلف هذا الكتاب على جميع ما اشتمل عليه من الظلم والعدوان والخطأ والخبط والتخليط والغلو والتشنيع والتلبيس، لطال

стр. 12

الخطاب ولبلغ الجواب مجلدات ولكن التنبيه على القليل مرشد إلى معرفة الكثير لمن له أدنى فهم والله المستعان. وقد أطال مؤلف هذا الكتاب فيه بذكر الأسانيد وتكرارها منه إلى مؤلفي الكتب كالطبراني والدارقطني وغيرهما، وحشد فيه بتعداد الطرق إليهم والرواية بالإجازات المركب بعضها على بعض والرفع في أنساب خلق من المتأخرين، وذكر طباق السماع وأسماء السامعين ونحو ذلك مما يكبر به حجم الكتاب، وليس إلى ذكره كبير حاجة مع اختصاره ذكر الأسانيد وحذفها في أماكن لا يليق حذفها فيها، هذا مع سرده كلام الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة ونقل عنهم من مناسكهم وغير مناسكهم استحباب زيارة قبل النبي ﷺ وزعمه أن الشيخ يخالفهم فيما قالواه، مع العلم بأنه موافق لهم فيما نقل عنهم لا مخالف لهم، وإنما مقصود هذا المعترض تكثير الكلام، وجمع ما أمكن ليعظم حجم الكتاب. ثم أنه عقد باباً للكلام في التوسل والاستغاثة وزعم أن الشيخ قال في ذلك قولاً لم يقله عالم قبله، وصار به بين أهل الإسلام مثله، ثم أخذ يخبر عنه بما لا استحسن ذكره في هذا الموضع. والحاصل: أنه وقع في كلامه من التناقض وسوء الأدب والاحتجاج بما لا يصلح أن يكون حجة ما سننبه على بعضه إن شاء الله تعالى. ثم عقد لحياة الأنبياء في قبورهم باباً؛ وسرد الأحاديث المروية في ذلك من الجزء الذي جمعه البيهقي ومن غيره، ووقع في كلامه من التأويلات البعيدة والاحتمالات المرجوحة، ما يحتاج إلى نظر كثير. ثم ذكر الأحاديث الواردة في سماع الموتى وكلامهم وإدراكهم وعود الروح إلى البدن وما يتبع ذلك ثم أشار إلى اختلاف المتكلمين وغيرهم في ماهية الروح وحقيقتها وتكلم في ذلك بكلام لا تحقيق فيه ولا حاجة إليه. ثم ذكر أحاديث الشافعية وأنواعها وما ورد في بعض أحوال يوم القيامة وذكر جملة من كلام القاضي عياض فيما يتعلق بشرح ذلك. ثم ختم الكتاب بجمع الألفاظ الواردة في كيفية الصلاة على النبي ﷺ ، وكان قد ذكر قبل ذلك بعدة أوراق كلاماً يشير فيه إلى التشنيع على شيخ الإسلام وهو قوله: "لا

стр. 13

شك أن من قال: لا يزار، أولا يسافر لزيارته أولا يستغاث به بعيد عن الأدب معه نسأل الله العافية ". وليعلم: قبل الشروع في الكلام مع هذا المعترض أن شيخ الإسلام ﵀ لم يحرم زيارة القبور على الوجه المشروع في شيء من كتبه، ولم ينه عنها، ولم يكرها بل استحبها، وحض عليها. ومناسكه ومصنفاته طافحة بذكر استحباب زيارة قبر النبي ﷺ وسائر القبور. قال [شيخ الإسلام] رحمه الله تعالى في بعض مناسكه: باب زيارة قبل النبي ﷺ إذا أشرف على مدينة النبي ﷺ قبل الحج، أو بعده فليقل ما تقدم، فإذا دخل استحب له أن يغتسل (١) ، نص عليه الإمام أحمد، فإذا دخل المسجد بدأ برجه اليمنى (٢) ، وقال: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك (٣) ، ثم يأتي الروضة بين القبر والمنبر فيصلي بها ويدعو بما شاء، ثم يأتي قبل النبي ﷺ فيستقبل جدار القبر ولا يمسه، ولا يقبله، ويجعل القنديل الذي في القبة عند القبر على رأسه فيكون قائماً وجاه النبي ﷺ ، ويقف متباعداً كما يقف ل ظهر في حياته بخشوع وسكون منكس الرأس (٤) ، غائض الطرف، مستحضراً بقلبه جلالة موقفه ثم يقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا نبي الله وخيرته من خلقه، السلام عليك يا سيد المرسلين، وخاتم النبيين وقائد الغر المحجلين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله وأشهد أنك قد بلغت رسالات ربك ونصحت لأمتك ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين، فجزاك الله أفضل ما جزى نبياً ورسولاً عن أمته، اللهم أته الوسيلة والفضيلة وابعثه الله مقاماً محموداً الذي وعدته بغبطة به الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد

стр. 14

كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم احشرنا في زمرته، وتوفنا على سنته، وأوردنا حوضه وأسقنا بكأسه مشرباً روياً لا نظمأ بعده أبداً (١) . ثم يأتي أبا بكر وعمر ﵄ فيقول: السلام عليك يا أبا بكر الصديق، السلام عليك يا عمر الفاروق، السلام عليكما يا صاحبي رسول الله ﷺ وضجيعيه ورحمة الله وبركاته، جزاكما الله عن صحبة نبيكما وعن الإسلام خيراً، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (٢) . قال ويزور قبور أهل البقيع وقبور الشهداء إن أمكن. هذا كلام الشيخ ﵀ بحروفه، وكذلك سائر كتبه ذكر فيها استحباب زيارة قبر النبي ﷺ وسائر القبور، ولم ينكر زيارتها في موضع من المواضع، ولا ذكر في ذلك خلافاً إلا نقلاً عن غريباً ذكره في بعض كتبه عن بعض التابعين. وإنما تكلم عن مسألة شد الرحال وإعمال المطي إلى مجرد زيارة القبور، وذكر في ذلك قولين للعلماء المتقدمين والمتأخرين. أحدهما: القول بإباحة ذلك كما يقول بعض أصحاب الشافعي وأحمد. والثاني: إنه منهي عنه كما نقص عليه إمام دار الهجرة مالك بن أنس، ولم ينقل عن أحد من الأئمة الثلاثة خلاف، وإليه ذهب جماعة من أصحاب الشافعي وأحمد. وهكذا ذكر الشيخ الخلاف في شد الرحال وإعمال المطي إلى القبور، ولم يذكره في الزيارة الخالية عن شد رحل وإعمال مطي (٣) ، والسفر إلى زيارة القبور مسألة، وزيارتها من غير سفر مسألة أخرى، ومن خلط هذه المسألة بهذه المسألة جعلها مسألة واحدة وحكم عليهما بحكم واحد وأخذ في التشنيع على من فرق بينهما وبالغ في التغيير عنه فقد حرم التوفيق، وحاد عن سواء الطريق. واحتج الشيخ لمن قال بمنع شد الرحال وإعمال المطي إلى القبور بالحديث

стр. 15

المشهور المتفق على صحته من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى)) (١) ، هكذا خرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما بصيغة الخبر لا تشد الرحال، ومعنى الخبر في هذا معنى النهي، يبين ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى)) (٢) ، هكذا رواه مسلم بصيغة النهي، ورواه الإمام إسحاق بن راهويه في مسنده (٣) ، بصيغة الحصر: ((إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد مسجد إبراهيم ومسجد محمد ومسجد بيت المقدس)) . وقد روي عبد الله بن عمر ﵄ هذا الحديث أيضاً عن النبي ﷺ بصيغة الني: ((لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام ومسجد المدينة ومسجد بيت المقدس)) . هذا هو الذي فعل الشيخ: حكى الخلاف في مسألة بين العلماء واحتج لأحد القولين بحديث متفق على صحته، فأي عتب عليه في ذلك؟ ولكن نعوذ بالله من الحسد والبغي واتباع الهوى، والله سبحانه المسئول أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما يحبه ويرضاه من العمل الصالح والقول الجميل؛ فإنه يقول الحق وهو يهدي السبيل، وينفعنا وسائر المسلمين بما يستعملنا به من الأقوال والأفعال، ويجعله موافقاً لشرعته خالصاً لوجهه موصلاً إلى أفضل حال، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. وهذا حين الشروع في مناقشة هذا المعترض على شيخ الإسلام وبالله التوفيق قال في أول كتابه الذي جمعه: الحمد لله من علينا برسوله، وهدانا إلى سواء سبيله، وأمرنا بتعظيمه وتكريمه

стр. 16

وتبجيله، وفرض على كل مؤمن أن يكون أحب إليه من نفسه وأبويه وخليله، وجعل اتباعه سبباً لمحبة الله وتفضيله، ونصب طاعته عاصمة من كيد الشيطان وتضليله، ويغني عن جملة القول وتفصيله،رفع ذكره وأثنى عليه في محكم الكتاب وتنزيله ﷺ صلاة دائمة بدوام طلوع النجم وأفوله. أما بعد: فهذا كتاب سميته: شفاء السقام في زيارة خير الأنام ورتبته على عشرة أبواب: الأول: في الأحاديث الواردة في الزيارة. الثاني: في الأحاديث الدالة على ذلك وإن لم يكن فيها لفظ الزيارة. الثالث: فيما ورد في السفر إليها. الرابع: في نصوص العلماء على استحبابها. الخامس: في تقرير كونها قربة. السادس: في كون السفر إليها قربة. السابع: في دفع شبه الخصم وتتبع كلماته. الثامن: في التوسل والاستغاثة. التاسع: في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. العاشر: في الشفاعة لتعلقها بقوله من زار قبري وجبت له شفاعتي، وضمنت هذا الكتاب الرد على من زعم أن أحاديث الزيارة كلها موضوعة، وأن السفر إليها بدعة غير مشروعة؛ وهذه المقالة أظهر فساداً من أن يرد العلماء عليها، ولكن جعلت هذا الكتاب مستقلاً في الزيارة وما يتعلق بها مشتملاً من ذلك على جملة يعز جمعها على طالبها؛ وكنت سميت هذا الكتاب شن الغارة على من أنكر سفر الزيارة ثم اخترت التسمية المتقدمة واستعنت بالله تعالى وتوكلت عليه ثم قال: الباب الأول: في الأحاديث الواردة في الزيارة نصاً الحديث الأول: ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) رواه الدارقطني، والبيهقي وغيرهما (١) ، ثم ذكر من طريق موسى بن هلال العبدي، عن عبيد الله بن عمر.

стр. 17

وفي رواية عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) ثم زعم أن أقل درجات هذا الحديث أن يكون حسناً إن توزع في دعوى صحته؛ وذكر أن الراجح كونه من رواية عبيد الله المصفر الثقة لا من رواية عبد الله المكبر المضعف، وقال في أثناء كلامه: يحتمل أن يكون الحديث عن عبيد الله وعبد الله جميعاً ويكون موسى سمعه منهما فتارة حدث به عن هذا وتارة حدث به عن هذا، قال في آخر كلامه: وبهذا بل بأقل منه يتبين افتراء من ادعى أن جميع الأحاديث الواردة في الزيارة موضوعة؛ فسبحان الله أما استحي من الله ومن رسوله ﷺ في هذه المقالة التي لم يسبقه إليها عالم ولا جاهل، لا من أهل الحديث، ولا من غيرهم ولا ذكر أحد موسى بن هلال ولا غيره من رواة حديث هذا بالوضع، ولا اتهمه به فيما علمنا فكيف يستجير مسلم أن يطلق على كل الأحاديث التي هو واحد منها أنها موضوعة ولم ينقل إليه ذلك عن عالم قبله ولا ظهر على هذا الحديث شيء من الأسباب المقتضية للمحدثين للحكم بالوضع،ولا حكم متنه مما يخالف الشريعة، فمن أي وجه يحكم بالوضع عليه لو كان ضعيفاً فكيف وهو حسن، أو صحيح. هذا كله كلام المعترض، وهو متضمن للتحامل والهوى وسوء الأدب والكلام بلا علم. والجواب أن يقال: هذا الحديث الذي ابتدأ المعترض بذكره وزعم أنه حديث حسن أو صحيح هو أمثل حديث ذكره في هذا الباب، وهو مع هذا حديث غير صحيح ولا ثابت بل هو حديث منكر عند أئمة هذا الشأن ضعيف الإسناد عندهم لا يقوم بمثله حجة ولا يعتمد على مثله عند الاحتجاج إلا الضعفاء في هذا العلم، وقد بين أئمة هذا العلم والراسخون فيه والمعتمد على كلامهم والمرجوع إلى أقوالهم ضعف هذا الخبر ونكارته كما سنذكر بعض ما بلغنا عنهم في ذل إن شاء الله تعالى. وجميع الأحاديث التي ذكرها المعترض في هذا الباب وزعم إنها بضعة عشر حديثاً ليس فيها حديث صحيح، بل كلها ضعيفة واهية، وقد بلغ الضعف ببعضها إلى أن حكم عليه الأئمة الحفاظ بالوضع، كما أشار إليه شيخ الإسلام. ولو فرض أن هذا الحديث المذكور صحيح ثابت لم يكن فيه دليل على مقصود هذا المعترض، ولا حجة على مراده كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، فكيف وهو حديث منكر ضعيف الإسناد واهي الطريق، لا يصلح الاحتجاج بمثله، ولم يصححه أحد من

стр. 18

الحفاظ المشهورين ولا اعتمد عليه أحد من الأئمة المحققين، بل إنما رواه مثل الدارقطني الذي يجمع في كتابه غرائب السنن، ويكثر فيه من رواية الأحاديث الضعيفة بل والموضوعة وبين علة الحديث وسبب ضعفه وإنكاره في بعض المواضع أو رواه مثل أبي جعفر العقيلي،وأبي أحمد بن عدي في كتابهما في الضعفاء مع بينهما لضعفه ونكارته، أو مثل البيهقي مع بيانه أيضاً لإنكاره. قال البيهقي في كتاب شعب الإيمان: أخبرنا أبو سعيد الماليني، أنبأنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، حدثنا محمد بن موسى الحلواني، حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة، حدثنا موسى بن هلال عن عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) قال البيهقي:وقيل عن موسى بن هلال العبدي عن عبد الله بن عمر، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن زنجويه القشيري، حدثنا عبيد بن محمد بن القاسم بنأبي مريم الوراق وكان نيسابوري الأصل سكن بغداد، حدثنا موسى بن هلال العبدي فذكره، قال البيهقي، وسواء قال عبيد الله، وعبد الله فهو منكر عن نافع عن ابن عمر، لم يأت به غيره. وهكذا ذكر الإمام الحافظ البيهقي أن هذا الحديث منكر عن نافع عن ابن عمر سواء قال فيه موسى بن هلال عن عبيد الله أو عن عبد الله، والصحيح أنه عن عبد الله المكبر، كما ذكره أبو أحمد بنعدي وغيره. وهذا الذي قاله البيهقي في هذا الحديث به عليه قوله صحيح بين وحكم جلي واضح ولا شك فيه من له أدنى اشتغال بهذا الفن، ولا يرده إلا رجل جاهل بهذا العلم وكذلك أن تفرد مثل هذا العبدي المجهور الحال الذي لم يشتهر من أمره ما يوجب قبول أحاديثه وخبره عن عبد الله بن عمر العمري المشهور بسوء الحفظ وشدة الغفلة عن نافع عن ابن عمر بهذا الخبر من بين سائر أصحاب نافع الحفاظ الثقات الأثبات مثل يحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب السختياني، وعبد الله بن عون، وصالح بن كيسان وإسماعيل بن أمية القرشي، وابن جريح والأوزاعي، وموسى بن عقبة وابن أبي ذئب، ومالك بن أنس، والليث بن سعد وغيرهم من العالمين بحديثه الضابطين لرواياته المعتنين بأخباره الملازمين له، من أقوى الحجج وأبين الأدلة وأوضح البراهين على ضعف ما تفرد به وإنكاره ورده وعدم قبوله، وهل يشك في هذا من شم رائحة الحديث أو كان عنده أدنى بصر به.

стр. 19

هذا مع أن أعرف الناس بهذا الشأن في زمنه وأثبتهم في نافع وأعملهم بأخباره وأضبطهم لحديثه وأشدهم اعتناء بما رواه، مالك بن أنس إمام دار الهجرة قد نص على كراهية قول القائل زرت قبل النبي ﷺ ، ولو كان هذا اللفظ معروفاً عنده أو مشروعاً أو مأثوراً عن النبي ﷺ لم يكرهه، ولو كان هذا الحديث المذكور من أحاديث نافع التي رواها عن ابن عمر لم يخف على مالك الذي هو أعرف الناس بحديث نافع، ولرواه عن مالك بعض أصحابه الثقات، فلما لم يروه عنه ثقة يحتج به ويعتمد عليه علم أنه ليس من حديثه، وأنه لا أصل له، بل هو مما أدخل بعض الضعفاء المغفلين في طريقه فرواه وحدث به. وقد قال الحافظ أبو جعفر محمد بن عمر العقيلي في كتاب الضعفاء: موسى بن هلال البصري سكن الكوفة عن عبيد الله بن عمر. لا يصح حديثه ولا يتابع عليه. حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا جعفر بن محمد البزوري حدثنا موسى بن هلال البصري عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) قال أبو جعفر العقيلي والرواية في هذا الباب فيها لين (١) . هذا جميع ما ذكره العقيلي في كتابه، وقد حكم على الحديث المذكور بعدم الصحة، وإن رواية لم يتابع عليه، ولكن قال في روايته عن عبيد الله بالتصغير، والصحيح عن عبد الله بالتكبير. قال الحافظ أبو أحمد عبد الله بن عدي في كتاب الكامل في معرفة ضعفاء المحدثين وعلل الأحاديث: موسى بن هلال ثم ذكر هذا الحديث كما رواه البيهقي من طريقه فقال: حدثنا محمد بن موسى الحلواني. حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة حدثنا موسى بن هلال بن عبد الله العمري عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من زار قبلي وجبت له شفاعتي)) قال ابن عدي: وقد روي غير ابن سمرة هذا الحديث عن موسى بن هلال فقال: عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال ابن عدي: وعبد الله أصح (٢) . قلت: وهذا الذي صححه ابن عدي هو الصحيح، وهو أنه من رواية عبد الله بن

стр. 20

عمر العمري الصغير المكبر المضعف ليس من رواية أخيه عبيد الله العمري الكبير المصغر الثقة الثبت، فإن موسى بن هلال لم يلق عبيد الله فإنه مات قديماً سنة بضع وأربعين ومائة، بخلاف عبد الله فإنه تأخر دهراً بعد أخيه وبقي إلى سنة بضع وسبعين ومائة. ولو فرض أن الحديث من رواية عبيد الله لم يلزم أن يكون صحيحاً، فإن تفرد موسى بن هلال به عنه دون سائر أصحابه المشهورين بملازمته وحفظ حديثه وضبطه من أدل الأشياء على أنه منكر غير محفوظ، وأصحاب عبيد الله بن عمر المعروفين بالرواية عنه مثل يحيى بن سعيد القطان وعبد الله بن نمير، وابي أسامة حماد بن أسامة وعبد الوهاب الثقفي، وعبد الله بن المبارك ومعتمر بن سليمان وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعلي بن مسهر، وخالد بن الحارث وأبي ضمرة أنس بن عياض وبشر بن المفضل وأشباههم وأمثالهم من الثقات المشهورين. فإذا كان هذا الحديث لم يروه عن عبد الله أحمد من هؤلاء الأثبات، ولا رواه ثقة غيرهم علمنا أنه منكر غير مقبول، وجزمنا بخطأ من حسنه، أو صححه بغير علم. وقد ذكر الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي في كتاب " الجرح والتعديل " أن موسى بن هلال روى عن عبد الله العمري، ولم يذكر أنه يروي عن عبيد الله ثم قال: سألت أبي عنه فقال: مجهول (١) . وذكر الحافظ أبو الحسن بن القطان في كتاب " بيان الوهم والإبهام " الواقعين في كتاب " الأحكام " لعبد الحق الأشبيلي: أن هذا الحديث الذي رواه موسى بن هلال حديث لا يصح، وأنكر على عبد الحق سكوته عن تضعيفه، وقال: أراه تسامح فيه لأنه من الحث والترغيب على عمل، ثم ذكر كلام أبي حاتم الرازي والعقيلي في موسى ومال إلى قولهما وقال فأما أبو أحمد بن عدي فإنه ذكر هذا الرجل بهذا الحديث ثم قال: ولموسى غير هذا، وأرجو أنه لا بأس به وقال: وهذا من أبي أحمد قول صدر عن تصفح روايات هذا الرجل لا عن مباشرة لأحواله، فالحق فيه أنه لم تثبت عدالته، وإلى هذا فإن العمري قد عهد أبو محمد يعني عبد الحق يرد الأحاديث من أجله كما تقدم ذكره في هذا الباب. قال ابن القطان: وقد ضعف أبو محمد حديث: ((إنما النساء شقائق الرجال)) (٢) في

стр. 21

احتلام المرأة من أجل عبد الله بن عمر العمري، وذكر اختلاف المحدثين فيه، وكذلك فعل أيضاً في حديث: ((أول الوقت رضوان الله)) (١) فإنه رده من أجله، وترك في الإسناد متروكاً لا خلاف فيه لم يتعرض له؛ فكان ذلك عجباً من فعله. وكذلك فعل أيضاً في حديث نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: ((إذا نكح البعد بغير إذن سيده فنكاحه باطل)) (٢) فإنه اتبعه أن قال: فيه العمري وهو ضعيف وهذا الذي عمل به في هذا الأحاديث من تضعيفها من أجل العمري هو الأقرب إلى الصواب. ثم ذكر أنه سكت عن أحاديث من رواية العمري منها، هذا الحديث المروي عنه في الزيارة، وذكر أن سكوته عنها غير صواب.

стр. 22

وقد تكلم في عبد الله العمري جماعة من أئمة الجرح والتعديل، ونسبوه إلى سوء الحفظ والمخالطة للثقات في الروايات. قال أبو حاتم محمد بن حبان البستي في كتاب المجروحين من المحدثين: عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، أخو عبيد الله بن عمر من أهل المدينة يروي عن نافع، روى عنه العراقيون وأهل المدينة، كان ممن غلب عليه الصلاح والعبادة حتى غفل عن حفظ الأخبار وجودة الحفظ للآثار فوقع المناكير في رواته، فلما فحش خطوة استحق الترك ومات سنة ثلاث وسبعين ومائة. حدثنا الهمداني حدثنا عمرو بن علي قال: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عن عبد الله بن عمر، قال أبو حاتم وهو الذي روى عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا توضأ خلل لحيته، وروى عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: ((من أتى عرافاً فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يوماً)) (١) وروى عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ أسهم للفارس سهمين، وللراجل سهماً فيما يشبه هذا من المقلوبات، والملزوقات التي ينكرها من أمعن في العلم وطلبه من مظانه (٢) . وقال أبو عيسى الترمذي في جامعه: وعبد الله بن عمر ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه (٣) ، وقال البخاري في تاريخه: عبد الله بن عمر بن حفص العمري المدني قرشي كان يحيى بن سعيد يضعفه (٤) . وقال النسائي: في كتاب الكنى: أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر ضعيف، وقال العقيلي: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت يحيى بن معين عن عبد الله بن عمر العمري، فقال: ضعيف، حدثنا عبد الله قال: سألت أبي عن عبد الله بن عمر فقال: كذا وكذا. وقال أبو زرعة الدمشقي، قيل لأحمد بن حنبل كيف حديث عبد الله بن عمر، فقال كان يزيد في الأسانيد ويخالف وكان رجلاً صالحاً، وقد ذكر العقيلي هذا القول عن الإمام أحمد بن حنبل من رواية أبي بكر الأثرم عنه؛ وروى إسحاق بن منصور عن يحيى بن

стр. 23

معين، قال عبد الله بن عمر صويلح، وقال عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه ضعيف. وقال أبو حاتم الرازي يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال يعقوب بن شيبة: صدوق في حديثه اضطراب، وقال: صالح بن محمد البغدادي: لين مختلط الحديث، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. فإذا كانت هذه الحال عبد الله بن عمر العمري عند أهل هذا الشأن، والراوي عنه مثل موسى بن هلال المنكر الحديث، فهل يشك من له أدى علم في ضعف ما تفرد به ورده وهل يجوز أن يقال فيما روياه من حديث منفردين به أنه حسن أو صحيح؟ وهل يقول هذا إلا رجل لا يدري ما يقول. وقد ذكر هذا الحديث بعض الحفاظ المتأخرين في كتاب كبير له رأيت قطعة منه فقال: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني بالكوفة، أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن عيسى بن زيد الكوفي ببغداد، قالا: حدثنا أبو عمر أحمد بن حازم عن أبي عذرة الغفاري، أنبأنا موسى بن هلال البصري، حدثنا عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (من زار قبري وجبت له شفاعتي) لفظ الحديث وسياقه للشيباني. قال: وهذا الخبر قد رواه عن موسى بن هلال محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي، ومحمد بن جابر المحاربي ويوسف بن موسى القطان، وهارون بن سفيان المذكورين، قال في حديثه: عن عبد الله بن عمر قد ذكرناه بأسانيده في الكتاب الكبير، ولا نعلم رواه عن نافع إلا العمري، ولا عنه إلا موسى بن هلال العبدي، تفرد به والله أعلم، انتهى كلام هذا الحافظ، وهو في طبقة أبي عبد الله بن مندة، وأبي عبد الله الحاكم صاحب المستدرك. والكتاب الذي روي في هذا الحديث، ووقفت على بعضه يدل على سعة حفظه ورحلته، ولا يجوز أن يكون هو ابن مندة، لأن ابن مندة له شيوخ كثيرة وهو معروف بكثرة الرواية عنهم كالأصم، وابن الأعرابي، وغيرهما، ولم يرو مؤلف هذا الكتاب فيه عن واحد منهم فيما وقفت عليه، ولأن صاحب هذا الكتاب له شيوخ لا يعرف ابن مندة بالرواية عنهم، وروى في بلاد لم يدخلها ابن مندة كالبصرة وأنطاكية ونصيبين، ولا يجوز أن يكون

стр. 24

الحاكم أبا عبد الله، لأن رحلة هذا المؤلف أوسع من رحلة الحاكم، ولأنه دخل إلى بلدان كثيرة لم يدخلها الحاكم كالشام وغيرها، ولا يجوز أن يكون الحافظ أبا نعيم لتأخره عن هذا. وفي الجملة مؤلف هذا الكتاب حافظ كبير من بحور الأحاديث، وقد ذكر في هذا الكتاب من الأحاديث الغريبة والمنكرة والموضوعة شيئاً كثيراً، وذكر في هذا الباب الذي روي فيه هذا الحديث هو الباب الثلاثون بعد المائتين عدة أحاديث موضوعة لا أصل لها، وقد ذكر أن هذا الحديث تفرد به موسى بن هلال العمري وذكر أن بعض الرواة قال في حديثه عن: عبد الله وقد ذكرنا أن الأصح رواية من قال عن عبد الله، وكأن موسى بن هلال حدث به مرة عن عبيد الله فأخطأ، لأنه ليس من أهل الحديث ولا من المشهورين بنقله، وهو لم يدرك عبيد الله ولا لحقه فإن بعض الرواة عنه لا يروي عن رجل عن عبيد الله، وإنما يروي عن رجل عن آخر عن عبيد الله فإن عبيد الله متقدم الوفاة كما ذكرنا ذلك فيما تقدم بخلاف عبد الله فإنه عاش دهراً بعد أخيه عبيد الله، وكأن موسى بن هلال لم يكن يميز بين عبد الله وعبيد الله ولا يعرف أنهما رجلان فإن لم يكن من أهل العلم، ولا ممن يعتمد عليه في ضبط باب من أبوابه. فقد تبين أن هذا الحديث أن هذا الحديث الذي تفرد به موسى بن هلال لم يصححه أحد من الأئمة المعتمد على قولهم في هذا الشأن، ولا حسنه أحد منهم، بل تكلموا فيه وأنكروه حتى أن النووي ذكر في شرح المهذب إن إسناده ضعيف جداً (١) . وقد تفرد هذا المعترض على شيخ الإسلام بتحسينه أو تصحيحه وأخذ في التشنيع والكلام بما لا يليق الذي بقدر آحاد الناس على مقابلته بمثله وبما هو أبلغ منه،وجميع ما تفرد به هذا المعترض من الكلام على الحديث وغيره خطأ فاعلم ذلك والله الموفق. فإن قيل: قد روى الإمام أحمد بن حنبل عن موسى بن هلال، وهو لا يروي إلا عن ثقة فالجواب أن يقال: رواية الإمام أحمد عن الثقات هو الغالب من فعله، والأكثر من عمله كما هو المعروف من طريقة شعبة ومالك وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم وقد يروي الإمام أحمد قليلاً في بعض الأحيان عن جماعة نسبوا إلى الضعف وقلة الضبط على وجه الاعتبار والاستشهاد لا على طريق الاجتهاد والاعتماد

стр. 25

مثل روايته عن عامر بن صالح الزبيري (١) ، ومحمد بن القاسم الأسدي (٢) ، وعمر بن هارون البلخي (٣) ، وعلي بن عاصم الواسطي (٤) ، وإبراهيم بن الليث صاحب الأشجعي (٥) ، ويحيى بن يزيد بن عبد الملك النوفلي (٦) ، ونصر بن باب (٧) وتليد بن سليمان الكوفي (٨) ، وحسن بن حسن الأشقر (٩) ، وأبي سعيد الصاغاني (١٠) ، ومحمد بن ميسر

стр. 26

ونحوهم ممن اشتهر الكلام فيه، وهكذا روايته عن موسى بن هلال إن صحت روايته عنه. ولو فرض أن موسى بن هلال العبدي، وعبد الله بن عمر العمري من الرواة الثقات الإثبات المشهورين، والعدول الحفاظ المتقنين الضابطين، وقدر أن هذا الحديث المروي من طريقهما من الأحاديث الصحيحة المشهورة المتلقاة بالقبول، لم يكن فيه دليل إلا على الزيارة الشرعية؛ وتلك لا ينكرها شيخ الإسلام ولا يكرهها بل يندب إليها ويحض عليها ويستحبها وقد قال في الجواب الباهر لمن سأل من ولاة الأمر عما أفتى به في زيادة المقابر. قد ذكرت فيما كتبته من المناسبات أن السفر إلى مسجده وزيارة قبره كما يذكره أئمة المسلمين في مناسك الحج عمل صالح مستحب، وقد ذكرت في عدة مناسك الحج السنة في ذلك وكيف يسلم عليه وهل يستقبل الحجرة أو القبلة على قولين فالأكثرون يقولون يستقبل الحجرة كمالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة يقول: يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره في قول وخلفة في قول لأن الحجرة لما كانت خارجة المسجد، كان الصحابة يسلمون عليه لم يكن يمكن أحد أن يستقبل وجهه ويستدبر القبلة كما صار ذلك ممكناً بعد دخولها في المسجد - إلى أن قال: والصلاة تقصر في هذا السفر المستحب بإجماع المسلمين لم يقل أحد من أئمة المسلمين، إن هذا السفر لا تقصر فيه الصلاة ولا نهي أحد عن السفر إلى مسجده وإن كان المسافر إلى مسجده يزور قبره ﷺ ، بل هذا من أفضل الأعمال الصالحة. ولا في شيء من كلامي وكلام غيري نهي عن ذلك، ولا نهي عن المشروع في زيارة قبور الأنبياء والصالحين، ولا عن المشروع في زيارة سائر القبور، بل قد ذكرت في غير موضع استحباب زيارة القبور كما كان النبي ﷺ يزور أهل البقيع وشهداء أحد ويعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون (١) . ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم

стр. 27

والمستأخرين، ونسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتتنا بعدهم واغفر لنا ولهم. وإذا كانت زيارة قبور عموم المؤمنين مشروعة فزيارة قبور الأنبياء والصالحين أولى لكن رسول الله ﷺ له خاصة ليست لغيره من الأنبياء والصالحين وهو أنا أمرنا أن نصلي ونسلم عليه في كل صلاة (١) ، وشرع ذلك في الصلاة وعند الأذان (٢) وسائل الأدعية، وأن نصلي ونسلم عليه عند دخول المسجد ومسجده وغير مسجده، وعند الخروج (٣) منه وكل من دخل مسجده فلا بد أن يصلي فيه ويسلم عليه في الصلاة، والسفر إلى مسجده مشروع لكن العلماء فرقوا بينه وبين غيره حتى كره مالك أن يقال: زرت قبر النبي ﷺ لأن المقصود الشرعي بزيارة القبور السلام عليهم والدعاء لهم، وذلك السلام والدعاء فقد حصل على أكمل الوجوه في الصلاة في مسجده وغير مسجده وعند سماع الأذان وعند كل دعاء فشرع الصلاة عليه عند كل دعاء (٤) فإنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم. ولهذا يسلم المصلي عليه في الصلاة قبل أن يسلم على نفسه وعلى سائر عباد الله الصالحين فيقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (٥) ، ويصلي عليه فيدعو له قبل أن يدعو لنفسه، وأما غيره فليس عنده مسجد فيستحب السفر إليه كما يستحب السفر إلى مسجده، وإنما يشرع أن يزار قبره كما شرعت زيارة القبور، وأما هو فيشرع السفر إلى مسجده، وينهي عما يوهم أنه سفر إلى غير المساجد الثلاثة.

стр. 28

ويجب الفرق بين الزيارة الشرعية التي سنها رسول الله ﷺ وبين البدعية التي لم يشرعها، بل نهى عنها مثل اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، والصلاة إلى القبر واتخاذه وثناً (١) ، وقد ثبت في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى)) (٢) حتى إن أبا هريرة سافر إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى بن عمران ﵇ فقال له بصرة بن أبي بصرة الغفاري: لو أدركتك قبل أن تخرج لما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تعمل المطي إلا إلى ثلاث مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا، ومسجد بيت المقدس)) (٣) . فهذه المساجد شرع السفر إليها لعبادة الله فيها بالصلاة والقراءة والذكر والدعاء والاعتكاف والمسجد الحرام يختص بالطواف لا يطاف بغيره، وما سواه من المساجد إذا أتاها الإنسان وصلى فيها من غير سفر كان ذلك من أفضل الأعمال كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ((من تطهر في بيته ثم خرج إلى المسجد كانت خطواته إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة، والعبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة، والملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه، اللهم اغفر له اللهم أرحمه ما لم يحدث)) (٤) . ولو سافر من بلد إلى بلد مثل أن يسافر إلى دمشق من مصر لأجل مسجدها، أو بالعكس، أو يسافر إلى مسجد قباء من بلد بعيد لم يكن هذا مشروعاً باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، ولو نذر ذلك لم يف بنذره باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم إلا خلاف شاذ عن الليث بن سعد في المساجد.

стр. 29

وقاله ابن مسلمة من أصحاب مالك في مسجد قباء فقط، ولكن إذا أتى المدينة استحب له أن يأتي مسجد قباء ويصلي فيه، لأن ذلك ليس بسفر ولا بشد رحل فإن النبي ﷺ كان يأتي مسجد قباء راكباً وماشياً كل سبت ويصلي فيه ركعتين (١) وقال: ((من تظهر في بيته ثم أتى مسجد قباء كان له كعمرة)) (٢) رواه الترمذي وابن أبي شيبة، وقال سعد بن أبي وقاس، وابن عمر: صلاة فيه كعمرة، ولو نذر (٣) المشي إلى مكة للحج والعمرة لزمه باتفاق المسلمين، ولو نذر أن يذهب إلى مسجد المدينة أو بيت المقدس ففيه قولان: أحدهما ليس عليه الوفاء، وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، لأنه ليس من جنسة ما يجب بالشرع، والثاني عليه الوفاء بنذره، وهو مذهب مالك وأحمد بن حنبل والشافعي في قوله الآخر، لأن هذا طاعة لله، وقد ثبت في صحيح البخاري، عن عائشة، عن البني ﷺ أنه قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصيه)) (٤) . ولو نذر السفر إلى غير المساجد أو السفر إلى مجرد قبر نبي، أو صالح لم يلزمه الوفاء بنذر باتفاقهم، فإن هذا السفر لم يأمر به النبي ﷺ ، بل قد قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) (٥) وإنما يجب بالنذر ما كان طاعة، وقد صرح مالك وغيره بأن من

стр. 30

نذر السفر إلى المدينة النبوية إن كان مقصوده الصلاة في مسجد النبي ﷺ وفى بنذره، وإن كان مقصوده مجرد زيارة القبر من غير صلاة في المسجد لم يف بنذره، قال: لأن النبي ﷺ قال: ((لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد)) (١) . والمسألة ذكرها إسماعيل بن إسحاق في المبسوط، ومعناها في المدونة والجلاب وغيرهما من كتب أصحاب مالك يقول: إن من نذر إتيان مسجد النبي ﷺ لزمه الوفاء بنذره؛ لأن المسجد لا يؤتي إلا للصلاة، ومن نذر إتيان المدينة النبوية فإن كان قصده الصلاة في المسجد وفى بنذره، وإن قصد شيئاً آخر مثل زيارة من بالبقيع أو شهداء أحد لم يف بنذره؛ لأن السفر إنما يشر إلى المساجد الثلاثة. وهذا الذي قاله مالك وغيره ما علمت أحد من أئمة المسلمين قال بخلافه، بل كلامهم يدل على موافقته. وقد ذكر أصحاب الشافعي وأحمد في السفر لزيارة القبور قولين: التحريم والإباحة. وقدماؤهم وأئمتهم قالوا: إنه محرم وكذلك أصحاب مالك وغيرهم، وإنما وقع النزاع بين المتأخرين لأن قوله ﷺ : ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) (٢) صيغة خبر، ومعناه النهي فيكون حراماً. وقال بعضهم: ليس بنهي، وإنما معناه أنه لا يشرع وليس بواجب ولا مستحب، بل مباح كالسفر في التجارة وغيرها، فيقال: تلك الأسفار لا يقصد بها العبادة، بل يقصد بها مصلحة دنيوية، والسفر إلى القبور إنما يقصد به العبادة، والعبادة إنما تكون بواجب أو مستحب. فإذا حصل الاتفاق على أن السفر إلى القبور ليس بواجب ولا مستحب كان من فعله على وجه التعبد مبتدعاً مخالفاً للاجتماع، والتعبد بالبدعة ليس بمباح، لكن من لم يعلم أن ذلك بدعة، فإنه قد يعذر، فإذا تبينت له السنة لم يجز له مخالفة النبي ﷺ ولا التعبد بما نهى عنه، كما لا يجوز الصلاة عند طلوع الشمس ولا عند غروبها (٣) ، وكما لا يجوز

стр. 31

صوم يومي العيدين (١) ، وإن كانت الصلاة والصيام من أفضل العبادات، ولو فعل ذلك إنسان قبل العلم بالسنة لم يكن عليه إثم. فالطوائف متفقة على أنه ليس مستحباً، وما علمت أحد أحداً من أئمة المسلمين قال: إن السفر إليها مستحب، وإن كان قاله بعض الأتباع فهو ممكن، وأما الأئمة المجتهدون فما منهم من قال هذا، وإذا قيل هذا كان قولاً ثالثاً في المسألة، وحيئنذ فبين لصاحبه أن هذا القول خطأ مخالف للسنة ولإجماع الصحابة، فإن الصحابة في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وبعدهم إلى انقراض عصرهم لم يسافر أحد منهم إلى قبر نبي ولا رجل صالح، وقبر الخليل ﵇ بالشام لم يسافر إليه أحد منهم من الصاحبة وكانوا يأتون بيت المقدس ويصلون فيه ولا يذهبون إلى قبل الخليل ولم يكن ظاهراً، بل كان في البناء الذي بناه سليمان ﵇؛ ولا كان قبر يوسف يعرف، ولكن أظهر ذلك بعد أكثر من ثلاثمائة سنة من الهجرة، ولهذا وقع فيه نزاع فكثير من أهل العلم ينكره، ونقل ذلك عن مالك وغيره، لأن الصحابة لم يكونوا يزورنه فيعرف، ولما استولى النصارى على الشام نقبوا البناء الذي كان على الخليل واتخذوا المكان كنيسة، ثم لما فتح المسلمون البلد بقي مفتوحاً. وأما على عهد الصحابة فكان قبر الخليل ﵇ مثل قبر نبينا ﷺ ، ولم يكن أحد من الصحابة يسافر إلى المدينة لأجل قبر النبي ﷺ ، بل كانوا يأتون فيصلون في مسجده ويسلمون عليه في الصلاة ويسلم من يسلم عند دخول المسجد والخروج منه وهو مدفون في حجرة عائشة فلا يدخلون الحجرة ولا يقفون خارجاً عنها في المسجد عند السور (٢) ، وكان يقدم في خلافة أبي بكر وعمر امتداد اليمن الذين فتحوا الشام والعراق،

стр. 32

وهم الذين قال الله فيهم: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (المائدة ٠٥٤) ويصلون في مسجده كما ذكرنا (١) ، ولم يكن أحد يذهب إلى القبر ولا يدخل الحجرة ولا يقوم خارجها في المسجد، بل السلام عليه من خارج الحجرة؛ وعمدة مالك وغيره في علي فعل ابن عمر. وبكل حال فهذا القول لو قاله نصف المسلمين لكان له حكم أمثاله من الأقوال في مسائل النزاع، أما أن يجعل هو الذي الحق ويستحل عقوبة من خالفه أو يقال بكفره فهذا خلاف اجماع المسلمين،وخلاف ما جاء به الكتاب والسنة، فإن كان المخالف للرسول في هذه المسألة يكفر؛ فالذي خالف سنته وإجمال الصحابة وعلماء أمته فهو الكافر ونحن نكفر أحداً من المسلمين بالخطأ لا في هذه المسائل، ولا في غيرها لكن إن قدر تكفير المخطئ فمن خالف الكتاب والسنة واجماع الصحابة والعلماء أولى بالكفر ممن وافق الكتاب والسنة والصحابة وسلف الأمة وأئمتها. فأئمة المسلمين فرقوا بين ما أمر به النبي ﷺ وبين ما نهى عنه في هذا وغيره؛ فما أمر به هو عبادة وطاعة وقربة، وما نهى عنه بخلاف ذلك، بل قد يكون شركاً كما يفعله أهل الضلال من المشركين وأهل الكتاب من ضاهاهم حيث يتخذون المساجد على قبور الأنبياء والصالحين ويصلون إليها وينذرون لها ويحجون إليها، بل قد يجعلون الحج إلى بيت المخلوق أفضل من الحج إلى بيت الله الحرام، ويسمونه ذلك الحج الأكبر، وصنف لهم شيوخهم في ذلك مصنفات كما صنف المفيد بن النعمان كتاباً في مناسك المشاهد سماه مناسك حج المشاهد، وشبه بيت المخلوق ببيت الخالق. وأصل دين الإسلام أن نعبد الله وحده ولا نجعل له من خلقه نداً ولا كفواً ولا سمياً قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (مريم ٦٥) وقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد﴾ (الإخلاص ٠٠٤) وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى ١١) وقال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ (البقرة ٢٢) . وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قلت يا رسول الله: أي الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل لله نداً، وهو خلقك)) قلت: ثم أي؟ قال: ((أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك)) قلت: ثم أي؟ قال: ((أن تزني بحليلة جارك)) (٢) .

стр. 33

وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (البقرة ١٦٥) فمن سوى بين الخالق والمخلوق في الحب له والخوف منه والرجاء له فهو مشرك. والنبي ﷺ نهى أمته عن دقيق الشرك وجليله حتى قال ﷺ : ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) (١) رواه أبو داود وغيره، وقال له رجل ما شاء الله وشئت فقال: أجعلتني لله نداً، بل ما شاء الله وحده (٢) ، وقال: ((لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد)) (٣) . وجاء معاذ بن جبل مرة فسجد له فقال له: ((ما هذا يا معاذ؟)) فقال: يا رسول الله رأيتهم في الشام يسجدون لأساقفتهم فقال: ((يا معاذ إنه لا يصلح السجود إلا لله ولو كان آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها)) (٤) . فلهذا فرق النبي ﷺ بين زيارة أهل التوحيد وبين زيارة أهل الشرك: فزيارة أهل التوحيد لقبور المسلمين تتضمن السلام عليهم والدعاء لهم وهو مثل الصلاة على جنائزهم، وزيارة أهل الشرك تتضمن أنهم يشبهون المخلوق بالخالق: ينذرون له ويسجدون له ويدعونه ويحبونه مثل ما يحبون الخالق فيكونون قد جعلوه لله نداً وسووه برب العالمين. وقد نهى الله أن يشرك به الملائكة والأنبياء وغيرهم فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ

стр. 34

وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران ٠٧٩-٠٨٠) وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (الإسراء ٠٥٦-٠٥٧) قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الأنبياء كالمسيح وعزيز ويدعون الملائكة فأخبرهم الله تعالى أن هؤلاء عبيدة يرجون رحمة ويخافون عذابه ويتقربون إليه بالأعمال ونهى سبحانه أن يضرب له مثل بالمخلوق فلا يشبه بالمخلوق الذي يحتاج إلى الأعوان والحجاب ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة ١٨٦) وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (سبأ ٠٢٢-٠٢٣) وسيدنا محمد ﷺ سيد الشفعاء لديه، وشفاته أعظم الشفاعات (١) وجاهه عند الله أعظم الجاهات، ويوم القيامة إذا طلب الخلق الشفاعة من آدم، ثم من نوح، ثم من إبراهيم، ثم من موسى، ثم من عيسى كل واحد حيلهم على الآخر، فإذا جاءوا إلى المسيح يقول: اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال: ((فأذهب فإذا رأيت ربي خررت له ساجداً، وأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقال: أي محمد ارفع رأسك، قل يسمع سل تعطه، واشفع تشفع قال: فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة)) (٢) . فمن أنكر شفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر فهو مبتدع ضال كما ينكرها الخوارج والمعتزلة، ومن قال: إن مخلوقاً يشفع عند الله بغير إذنه فقد خالف إجماع المسلمين ونصوص القرآن، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة ٢٥٥) وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (الأنبياء ٠٢٨) وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ (النجم ٢٦)

стр. 35

وقال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ (طه ١٠٨-١٠٩) وقال تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ (يونس ٣) وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ (السجدة ٤) ومثل هذا في القرآن كثير. فالدين هو متابعة النبي ﷺ بأن يؤمر بما أمر به وينهي عما نهى عنه، ويحب ما أحبه الله ورسوله من الأعمال والأشخاص، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله من الأعمال والأشخاص، والله قد بعث رسوله محمداً ﷺ بالفرقان ففرق بين هذا وهذا فليس لأحد أن يجمع بين ما فرق الله بينه، فمن سافر إلى المسجد الحرام أو المسجد الأقصى أو مسجد الرسول ﷺ فصلى في مسجده، وصلى في مسجد قباء وزار القبور كما مضت به سنة رسول الله ﷺ ، فهذا هو الذي عمل العمل الصالح، ومن أنكر هذا السفر هو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وأما من قصد السفر لمجرد زيارة القبر، ولم يقصد الصلاة في مسجده وسافر إلى مدينته فلم يصل في مسجده ﷺ ولا سلم عليه في الصلاة، بل أتى القبر، ثم رجع فهذا مبتدع ضال مخالف لسنة رسول الله ﷺ ولإجماع أصحابه ولعلماء أمته، وهو الذي ذكر فيه القولان: أحدهما: أنه محرم، والثاني أنه لا شيء عليه ولا أجر له، والذي يفعله علماء المسلمين، وفي الصلاة، وهذا مشروع باتفاق المسلمين، قد ذكرت هذا في المناسك وفي الفتيا وذكرت أنه يسلم على النبي ﷺ وعلى صاحبيه، وهذا الذي لم أذكر فيه نزاعاً في الفتيا مطلقاً كما نقل ذلك عن إبراهيم النخعي والشعبي، ومحمد بن سرين، وهؤلاء من أجله التابعين، ونقل ذلك عن مالك (١) ، وعنه أنها مباحة ليست مستحبة، وأما إذا قدر من أتى المسجد فلم يصل فيه، ولكن أتى القبر، ثم رجع، فهذا هو الذي أنكر الأئمة كمالك وغيره، وليس هذا مستحباً عند أحد من العلماء، وهو محل النزاع هل هو حرام أو مباح، وما علمنا أحد من علماء المسلمين استحب مثل هذا والله أعلم. قال المعترض الحديث الثاني: ((من زرار قبلي حلت له شفاعتي)) رواه الإمام أبو بكر أحمد بن

стр. 36

عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده قال: حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الله بن إبراهيم، حدثنا عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: ((من زار قبري حلت له شفاعتي)) . قال وهذا هو الحديث الأول بعينه وكذلك عزاه عبد الحق إلى الدارقطني (١) والبزاز (٢) جميعاً، إلا أن في الحديث الأول (وجبت) وفي هذا (حلت) ، فلذلك أفردته بالذكر، هكذا قال المعترض. ثم ذكر كلاماً كثيراً لا حاجة إلى ذكره ليعظم حجم الكتاب (٣) فقال: وقد نقلته من نسخة معتمدة سمعها الحافظ القاضي أبو علي الحسين بن محمد الصدفي على الشيخ الفقيه صاحب الإحكام أبي محمد عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن فورتش في سنة ثمانين وأربعمائة بسرقسطة، وعليها خط أبي محمد عبد الله بن فورتش بسماع الصدفي عليه، وأنه حدث بها عن الشيخ أبي عمر أحمد بن عمر بن أحمد بن محمد المقري الطلمنكي إجازة، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يحي بن مفرج، حدثنا أبو الحسن محمد بن أيوب بن حبيب بن يحي الرقي الصموت، حدثنا أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار، وعلى هذه النسخة إنها قوبلت بأصل القاضي أبي عبد الله بن مفرج الذي فيه سماعه على الرقي محمد بن أيوب، وأكثر أصل ابن مفرج بخط الرقي، وقد حدث القاضي أبو علي الصدفي بهذه النسخة مرات، وعليها الطباق عليه، وممن قرأها على الصدفي محمد بن خلف بن سليمان بن فتحون في سنة ثلاث وخمسمائة، وقد حدث بهذه النسخة أيضاً الفقيه العالم المتقن أبو محمد بن حوط الله قرأها عليه محمد بن محمد بن سماعة في سنة ست وستمائة بمرسية، وفورتش بضم الفاء بعدها وأو ساكنة، ثم راء ساكنة، ثم تاء مثناة من فوق ثم شين معجمة. وهكذا أطال المعترض عقب الحديث المذكور بمثل هذا الحشو الذي لا يحتاج إلى ذكره في هذا الموضع وله مثل هذا الفعل في هذا الكتاب الذي جمعه كثير ولو ذكر بدل هذا الحشو ما يتعلق بعلة الحديث وتحرير القول في إسناده لكان أحسن وأولى، وإنما ذكرت مثل هذا عن هذا المعترض، وإن كان فيه تطويل للتنبيه على أنه يطول بمثله الكلام على الأحاديث في كثير من المواضع.

стр. 37

وأعلم أن هذا الحديث الذي ذكره من رواية البزار حديث ضعيف منكر ساقط الإسناد لا يجوز الاحتجاج بمثله عند أحد من أئمة الحديث وحفاظ الأثر كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى، وقتيبة شيخ البزار هو ابن المرزبان، روى عنه غير هذا الحديث، وأما عبد الله بن إبراهيم فهو ابن أبي عمرو الغفاري أبو محمد المدني يقال إنه من ولد أبي ذر الغفاري، وهو شيخ ضعيف الحديث جداً منكر الحديث وقد نسبه بعض الأئمة إلى الكذب ووضع الحديث (١) نعوذ بالله من الخذلان. قال أبو داود هو شيخ منكر الحديث، وقال الدارقطني: حديثه منكر، وقال الحاكم أبو عبد الله: يروي عن جماعة من الثقات أحاديث موضوعة لا يرويها عنهم غيره، وقال البزار عقب روايته حديثه هذا: وعبد الله بن إبراهيم حديث بأحاديث لا يتابع عليها (٢) ، وقال أبو حاتم بن حبان البستي: عبد الله بن أبي عمر الغفاري شيخ يروي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأهل المدينة واسم أبيه إبراهيم. روى عنه سلمة بن شبيب والناس كان ممن يأتي عن الثقات بالمقلوبات وعن الضعفاء بالملزوقات، روى عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: ما جزت ليلة أسري بي من سماء إلى سماء إلا رأيت اسمي مكتوباً محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، وهذا خبر باطل فليس أدري البلية فيه منه، أو من عبد الرحمن بن زيد بن أسلم على أن عبد الرحمن بن زيد، ليس هذا من حديثه بمشهور، فكأن القلب إلى أنه من عمل عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمرو أميل (٣) . وقد ذكر ابن عدي في كتاب الكامل، هذا الحديث الذي ذكره ابن حبان أنه باطل وجعله من مسند أبي هريرة فقال: حدثنا موسى بن هارون النوزي، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبد الله بن إبراهيم الغفاري، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((عرج بي إلى السماء فما مررت بسماء إلا وجدت فيها اسمي محمد رسول الله وأبو بكر الصديق خلفي)) قال ابن عدي: هذا الحديث عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لا يرويه عنه غير عبد الله بن إبراهيم. وذكر ابن عدي لعبد الله بن إبراهيم أحاديث كثيرة منكرة، بل موضوعة، ثم قال: وعامة ما يرويه لا يتابعه عليه الثقات (٤) .

стр. 38

وقال العقيلي: عبد الله إبراهيم الغفاري كان يغلب على حديثه الوهم. وأما عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فهو ضعيف غير محتج به عند أهل الحديث، قال الفلاس: لم أسمع عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه، وقال أبو طالب عن أحمد بن حنبل: ضعيف، وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين:ليس حديثه بشيء، وقال البخاري وأبو حاتم الرازي ضعفه علي بن المديني جداً؛ وقال أبو داود وأبو زرعة والنسائي والدارقطني: ضعيف، وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار؛ وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف فاستحق الترك (١) . وقال الحاكم أبو عبد الله: روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه، وقال ابن خزيمة: عبد الرحمن بن زيد ليس ممن يحتج أهل الحديث بحديثه؛ وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: حدث عن أبيه لا شيء، وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول: ذكر رجل لمالك حديثاً فقال: من حدثك عن أبيه نوح. وقال الربيع بن سليمان سمعت الشافعي يقول:؛ سأل رجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، حدثك أبوك عن أبيه عن جده أن سفينة نوح طافت بالبيت وصلت ركعتين؟ قال: نعم فقد تكلم في عبد الرحمن بن زيد جماعة آخرون غير من ذكرنا وسيأتي الكلام عليه مستوفي في موضع آخر إن شاء الله تعالى. وما ذكرناه في هذا المكان من كلام أئمة هذا الشأن في بيان حاله وحال عبد الله بن إبراهيم الغفاري فيه كفاية لمن له أدنى معرفة، فيكف يسوغ لأحد الاحتجاج بحديث فيه إسناده مثل هذين الضعيفين المشهورين بالضعف ومخالفة الثقات الذين لو كان أحدهم وجده في طريق الحديث لكان محكوماً عليه بالضعف وعدم الصحة، فكيف إذا كان مجتمعين في الإسناد. وقد علم أن المستدل بالحديث عليه أن يبين صحته، ويبين دلالته على مطلوبه، وهذا المعترض لم يجمع في حديث واحد بين هذا وهذا، بل إن ذكر صحيحاً لم يكن دالاً على محل النزاع، وإن أشار إلى ما يدل لم يكن ثابتاً عند أهل العلم بالحديث، وقد

стр. 39

صرح غير واحد من المتقدمين والمتأخرين من الشافعية وغيرهم بتضعيف الحديث المروي عن ابن عمر في هذا الباب، حتى أن الشيخ أبا ذكريا النووي في شرح المهذب لما ذكر قول أبي إسحاق: ويستحب زيارة قبر النبي ﷺ لما روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) قال النووي: أما حديث ابن عمر فرواه أبو بكر البزار والدارقطني (١) والبيهقي بإسنادين ضعيفين جداً يعني الإسناد الذي فيه عبد الله بن إبراهيم الغفاري والإسناد المتقدم الذي فيه موسى بن هلال العبدي. ولقد صدق الشيخ أبو زكريا فيما قاله في هذا الحديث، وأما هذا المعترض فإنه خالف من قبله من أهل العلم وأخذ يقوي حديث موسى بن هلال، ويرد على من وضعه، ثم أخذ يشير إلى تقوية حديث الغفاري وجملة شاهداً لحديث العبدي فقال: وعبد الله بن إبراهيم الغفاري، يقال إنه من ولد أبي ذر، روى له أبو داود والترمذي، ثم ذكر قول أبي داود وابن عدي والبزار فيه. ثم قال: وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى له الترمذي وابن ماجة وضعفه جماعة، وقال ابن عدي: إن له أحاديث حساناً وإنه ممن احتمله الناس وصدقه بعضهم، وإنه ممن يكتب حديثه وصحح الحاكم حديثاً من جهته سنذكره في التوسل بالنبي ﷺ . قال: وإذا كان المقصود من هذا الحديث تقوية الأول به وشهادته له لم يضر ما قيل في هذا الرجلين، إذ ليس راجعاً إلى تهمة كذب. ولا فسق، ومثل هذا يحتمل فيه المتابعات والشواهد. هذا كله كلام المعترض ولا يخفى ما فيه من الضعف والسقوط على أقل من له بصيرة؛ وإني لأتعجب منه كيف قلد الحاكم فيما صححه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الذي رواه في التوسل، وفيه قول الله لآدم: لولا محمد ما خلفتك مع أنه حديث غير صحيح ولا ثابت، بل هو حديث ضعيف الإسناد جداً، وقد حكم عليه بعض الأئمة بالوضع وليس إسناده من الحاكم إلى عبد الرحمن بن زيد بصحيح، بل هو مفتعل على عبد الرحمن كما سنبينه، ولو كان صحيحاً إلى عبد الرحمن لكان ضعيفاً غير محتج به، لأن عبد الرحمن في طريقه. وقد أخطأ الحاكم في تصحيحه وتناقض تناقضاً فاحشاً كما عرف له ذلك في مواضع فإنه قال في كتاب الضعفاء بعد أن ذكر عبد الرحمن منهم، وقال: ما حكيته عنه فيما تقدم

стр. 40

أنه روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه، قال في آخر هذا الكتاب: فهؤلاء الذين قدمت ذكرهم قد ظهر عندي جرحهم لأن الجرح لا يثبت إلا ببينة فهم الذين أبين جرحهم لمن طالبني به، فإن الجرح لا استحله تقليداً، والذي اختاره لطالب هذا الشأن أن لا يكتب حديث واحد من هؤلاء الذين سميتهم، فالراوي لحديثهم دخل في قوله ﷺ : ((من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين)) (١) . هذا كله كلام أبي عبد الله صاحب المستدرك، وهو متضمن أن عبد الرحمن بن زيد قد ظهر له جرحه بالدليل، وأن الراوي لحديثه داخل في قوله ﷺ : ((من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) . ثم أنه ﵀ لما جمع المستدرك على الشيخين ذكر فيه من الأحاديث الضعيفة والمنكرة بل والموضوعة جملة كثيرة، وروى فيه لجماعة من المجروحين الذين ذكرهم في كتابه في الضعفاء وذكر أنه تبين له جرحهم، وقد أنكر عليه غير واحد من الأئمة هذا الفعل، وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره فذلك وقع منه ما وقع وليس ذلك ببعيد، ومن جملة ما خرجه في المستدرك حديث لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في التوسل قال بعد روايته: هذا حديث صحيح الإسناد وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب (٢) ، فانظر إلى ما وقع للحاكم في هذا الموضوع من الخطأ العظيم والناقض الفاحش. ثم أن هذا المعترض المخذول (٣) عمد إلى هذا الذي أخطأ فيه الحاكم وتناقض فقلده فيه واعتمد عليه، وأخذ في التشنيع على من خالفه فقال: والحديث المذكور لم يقف ابن
следующие страницы →