عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده قال: حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الله بن إبراهيم، حدثنا عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: ((من زار قبري حلت له شفاعتي)) . قال وهذا هو الحديث الأول بعينه وكذلك عزاه عبد الحق إلى الدارقطني (١) والبزاز (٢) جميعاً، إلا أن في الحديث الأول (وجبت) وفي هذا (حلت) ، فلذلك أفردته بالذكر، هكذا قال المعترض.
ثم ذكر كلاماً كثيراً لا حاجة إلى ذكره ليعظم حجم الكتاب (٣) فقال: وقد نقلته من نسخة معتمدة سمعها الحافظ القاضي أبو علي الحسين بن محمد الصدفي على الشيخ الفقيه صاحب الإحكام أبي محمد عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن فورتش في سنة ثمانين وأربعمائة بسرقسطة، وعليها خط أبي محمد عبد الله بن فورتش بسماع الصدفي عليه، وأنه حدث بها عن الشيخ أبي عمر أحمد بن عمر بن أحمد بن محمد المقري الطلمنكي إجازة، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يحي بن مفرج، حدثنا أبو الحسن محمد بن أيوب بن حبيب بن يحي الرقي الصموت، حدثنا أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار، وعلى هذه النسخة إنها قوبلت بأصل القاضي أبي عبد الله بن مفرج الذي فيه سماعه على الرقي محمد بن أيوب، وأكثر أصل ابن مفرج بخط الرقي، وقد حدث القاضي أبو علي الصدفي بهذه النسخة مرات، وعليها الطباق عليه، وممن قرأها على الصدفي محمد بن خلف بن سليمان بن فتحون في سنة ثلاث وخمسمائة، وقد حدث بهذه النسخة أيضاً الفقيه العالم المتقن أبو محمد بن حوط الله قرأها عليه محمد بن محمد بن سماعة في سنة ست وستمائة بمرسية، وفورتش بضم الفاء بعدها وأو ساكنة، ثم راء ساكنة، ثم تاء مثناة من فوق ثم شين معجمة.
وهكذا أطال المعترض عقب الحديث المذكور بمثل هذا الحشو الذي لا يحتاج إلى ذكره في هذا الموضع وله مثل هذا الفعل في هذا الكتاب الذي جمعه كثير ولو ذكر بدل هذا الحشو ما يتعلق بعلة الحديث وتحرير القول في إسناده لكان أحسن وأولى، وإنما ذكرت مثل هذا عن هذا المعترض، وإن كان فيه تطويل للتنبيه على أنه يطول بمثله الكلام على الأحاديث في كثير من المواضع.
стр. 37
وأعلم أن هذا الحديث الذي ذكره من رواية البزار حديث ضعيف منكر ساقط الإسناد لا يجوز الاحتجاج بمثله عند أحد من أئمة الحديث وحفاظ الأثر كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى، وقتيبة شيخ البزار هو ابن المرزبان، روى عنه غير هذا الحديث، وأما عبد الله بن إبراهيم فهو ابن أبي عمرو الغفاري أبو محمد المدني يقال إنه من ولد أبي ذر الغفاري، وهو شيخ ضعيف الحديث جداً منكر الحديث وقد نسبه بعض الأئمة إلى الكذب ووضع الحديث (١) نعوذ بالله من الخذلان.
قال أبو داود هو شيخ منكر الحديث، وقال الدارقطني: حديثه منكر، وقال الحاكم أبو عبد الله: يروي عن جماعة من الثقات أحاديث موضوعة لا يرويها عنهم غيره، وقال البزار عقب روايته حديثه هذا: وعبد الله بن إبراهيم حديث بأحاديث لا يتابع عليها (٢) ، وقال أبو حاتم بن حبان البستي: عبد الله بن أبي عمر الغفاري شيخ يروي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأهل المدينة واسم أبيه إبراهيم.
روى عنه سلمة بن شبيب والناس كان ممن يأتي عن الثقات بالمقلوبات وعن الضعفاء بالملزوقات، روى عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: ما جزت ليلة أسري بي من سماء إلى سماء إلا رأيت اسمي مكتوباً محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، وهذا خبر باطل فليس أدري البلية فيه منه، أو من عبد الرحمن بن زيد بن أسلم على أن عبد الرحمن بن زيد، ليس هذا من حديثه بمشهور، فكأن القلب إلى أنه من عمل عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمرو أميل (٣) .
وقد ذكر ابن عدي في كتاب الكامل، هذا الحديث الذي ذكره ابن حبان أنه باطل وجعله من مسند أبي هريرة فقال: حدثنا موسى بن هارون النوزي، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبد الله بن إبراهيم الغفاري، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((عرج بي إلى السماء فما مررت بسماء إلا وجدت فيها اسمي محمد رسول الله وأبو بكر الصديق خلفي)) قال ابن عدي: هذا الحديث عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لا يرويه عنه غير عبد الله بن إبراهيم.
وذكر ابن عدي لعبد الله بن إبراهيم أحاديث كثيرة منكرة، بل موضوعة، ثم قال: وعامة ما يرويه لا يتابعه عليه الثقات (٤) .
стр. 38
وقال العقيلي: عبد الله إبراهيم الغفاري كان يغلب على حديثه الوهم.
وأما عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فهو ضعيف غير محتج به عند أهل الحديث، قال الفلاس: لم أسمع عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه، وقال أبو طالب عن أحمد بن حنبل: ضعيف، وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين:ليس حديثه بشيء، وقال البخاري وأبو حاتم الرازي ضعفه علي بن المديني جداً؛ وقال أبو داود وأبو زرعة والنسائي والدارقطني: ضعيف، وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار؛ وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف فاستحق الترك (١) .
وقال الحاكم أبو عبد الله: روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه، وقال ابن خزيمة: عبد الرحمن بن زيد ليس ممن يحتج أهل الحديث بحديثه؛ وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: حدث عن أبيه لا شيء، وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول: ذكر رجل لمالك حديثاً فقال: من حدثك عن أبيه نوح.
وقال الربيع بن سليمان سمعت الشافعي يقول:؛ سأل رجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، حدثك أبوك عن أبيه عن جده أن سفينة نوح طافت بالبيت وصلت ركعتين؟ قال: نعم فقد تكلم في عبد الرحمن بن زيد جماعة آخرون غير من ذكرنا وسيأتي الكلام عليه مستوفي في موضع آخر إن شاء الله تعالى.
وما ذكرناه في هذا المكان من كلام أئمة هذا الشأن في بيان حاله وحال عبد الله بن إبراهيم الغفاري فيه كفاية لمن له أدنى معرفة، فيكف يسوغ لأحد الاحتجاج بحديث فيه إسناده مثل هذين الضعيفين المشهورين بالضعف ومخالفة الثقات الذين لو كان أحدهم وجده في طريق الحديث لكان محكوماً عليه بالضعف وعدم الصحة، فكيف إذا كان مجتمعين في الإسناد.
وقد علم أن المستدل بالحديث عليه أن يبين صحته، ويبين دلالته على مطلوبه، وهذا المعترض لم يجمع في حديث واحد بين هذا وهذا، بل إن ذكر صحيحاً لم يكن دالاً على محل النزاع، وإن أشار إلى ما يدل لم يكن ثابتاً عند أهل العلم بالحديث، وقد
стр. 39
صرح غير واحد من المتقدمين والمتأخرين من الشافعية وغيرهم بتضعيف الحديث المروي عن ابن عمر في هذا الباب، حتى أن الشيخ أبا ذكريا النووي في شرح المهذب لما ذكر قول أبي إسحاق: ويستحب زيارة قبر النبي ﷺ لما روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) قال النووي: أما حديث ابن عمر فرواه أبو بكر البزار والدارقطني (١) والبيهقي بإسنادين ضعيفين جداً يعني الإسناد الذي فيه عبد الله بن إبراهيم الغفاري والإسناد المتقدم الذي فيه موسى بن هلال العبدي.
ولقد صدق الشيخ أبو زكريا فيما قاله في هذا الحديث، وأما هذا المعترض فإنه خالف من قبله من أهل العلم وأخذ يقوي حديث موسى بن هلال، ويرد على من وضعه، ثم أخذ يشير إلى تقوية حديث الغفاري وجملة شاهداً لحديث العبدي فقال: وعبد الله بن إبراهيم الغفاري، يقال إنه من ولد أبي ذر، روى له أبو داود والترمذي، ثم ذكر قول أبي داود وابن عدي والبزار فيه.
ثم قال: وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى له الترمذي وابن ماجة وضعفه جماعة، وقال ابن عدي: إن له أحاديث حساناً وإنه ممن احتمله الناس وصدقه بعضهم، وإنه ممن يكتب حديثه وصحح الحاكم حديثاً من جهته سنذكره في التوسل بالنبي ﷺ .
قال: وإذا كان المقصود من هذا الحديث تقوية الأول به وشهادته له لم يضر ما قيل في هذا الرجلين، إذ ليس راجعاً إلى تهمة كذب. ولا فسق، ومثل هذا يحتمل فيه المتابعات والشواهد.
هذا كله كلام المعترض ولا يخفى ما فيه من الضعف والسقوط على أقل من له بصيرة؛ وإني لأتعجب منه كيف قلد الحاكم فيما صححه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الذي رواه في التوسل، وفيه قول الله لآدم: لولا محمد ما خلفتك مع أنه حديث غير صحيح ولا ثابت، بل هو حديث ضعيف الإسناد جداً، وقد حكم عليه بعض الأئمة بالوضع وليس إسناده من الحاكم إلى عبد الرحمن بن زيد بصحيح، بل هو مفتعل على عبد الرحمن كما سنبينه، ولو كان صحيحاً إلى عبد الرحمن لكان ضعيفاً غير محتج به، لأن عبد الرحمن في طريقه.
وقد أخطأ الحاكم في تصحيحه وتناقض تناقضاً فاحشاً كما عرف له ذلك في مواضع فإنه قال في كتاب الضعفاء بعد أن ذكر عبد الرحمن منهم، وقال: ما حكيته عنه فيما تقدم
стр. 40
أنه روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه، قال في آخر هذا الكتاب: فهؤلاء الذين قدمت ذكرهم قد ظهر عندي جرحهم لأن الجرح لا يثبت إلا ببينة فهم الذين أبين جرحهم لمن طالبني به، فإن الجرح لا استحله تقليداً، والذي اختاره لطالب هذا الشأن أن لا يكتب حديث واحد من هؤلاء الذين سميتهم، فالراوي لحديثهم دخل في قوله ﷺ : ((من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين)) (١) .
هذا كله كلام أبي عبد الله صاحب المستدرك، وهو متضمن أن عبد الرحمن بن زيد قد ظهر له جرحه بالدليل، وأن الراوي لحديثه داخل في قوله ﷺ : ((من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) .
ثم أنه ﵀ لما جمع المستدرك على الشيخين ذكر فيه من الأحاديث الضعيفة والمنكرة بل والموضوعة جملة كثيرة، وروى فيه لجماعة من المجروحين الذين ذكرهم في كتابه في الضعفاء وذكر أنه تبين له جرحهم، وقد أنكر عليه غير واحد من الأئمة هذا الفعل، وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره فذلك وقع منه ما وقع وليس ذلك ببعيد، ومن جملة ما خرجه في المستدرك حديث لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في التوسل قال بعد روايته: هذا حديث صحيح الإسناد وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب (٢) ، فانظر إلى ما وقع للحاكم في هذا الموضوع من الخطأ العظيم والناقض الفاحش.
ثم أن هذا المعترض المخذول (٣) عمد إلى هذا الذي أخطأ فيه الحاكم وتناقض فقلده فيه واعتمد عليه، وأخذ في التشنيع على من خالفه فقال: والحديث المذكور لم يقف ابن
стр. 41
تيمية عليه بهذا الإسناد، ولا بلغه أن الحاكم صححه، ولو بلغه أن الحاكم صححه لما قال ذلك، يعني أنه كذب ولتعرض للجواب عنه قال: وكأني به إن بلغه بعد ذلك يطعن في عبد الرحمن بن زيد بن أسلم رواي الحديث، ونحن قد اعتمدنا في تصحيحه على الحاكم، وذكر قبل ذلك بقليل أنه مما تبين له صحته.
فانظر رحمك الله إلى هذا الخذلان البين والخطأ الفاحش، كيف جاء هذا المعترض إلى حديث غير صحيح ولا ثابت، بل هو حديث موضوع فصححه واعتمد عليه وقلد في ذلك الحاكم مع ظهور خطئه وتناقضه ومع معرفة هذا المعترض بضعف رواية وجرحه واطلاعه على الكلام المشهور فيه، وأخذ مع هذا يشنع على من رد هذا الحديث المنكر ولم يقبله؛ ويبالغ في تخطئته وتضليله.
وليس المقصود هنا الكلام على هذا الحديث ومناقشة المعترض على ما وقع منه من الكلام عليه بغير علم؛ وإنما أشرنا إلى ذلك إشارة لما أخذ المعترض يقوي أمر عبد الرحمن بن زيد عند ذكر الحديث المروي عنه في الزيادة ويذكر أن الحاكم صحح له حديثاً في التوسل.
ولو فرض أن هذا الحديث المروي عن عبد الرحمن بن زيد في الزيارة من الأحاديث الصحيحة المشهورة لم يكن فيه دليل على غير الزيارة على الوجه المشروع، وقد علم أن الزيارة نوعان: شرعية وغير شرعية، فالشرعية لم يمنع منها شيخ الإسلام ولم ينه عنها في شيء من فتاويه ومؤلفاته ومناسكه، بل كتبه مشحونة بذكرها، ومن نسب إليه أنه منع منها أو نهى عنها، أو قال هي معصية بالإجماع مقطوع بها فقد كذب عليه وافترى وقال عنه ما لم يقله قط.
وقد قال الشيخ رحمه الله تعالى في منسك له صنفه في أواخر عمره:
فصل
وإذ دخل المدينة قبل الحج أو بعده فإنه يأتي مسجد النبي ﷺ ويصلي فيه الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ولا تشد الرحال إلا إليه، وإلى المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، هكذا ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد (١) ، وهو مروي من طرق أخرى، ومسجده كان أصغر مما هو اليوم؛ وكذلك
стр. 42
المسجد الحرام لكن زادفيهما الخلفاء الراشدون ومن بعدهم، وحكم الزيادة حكم المزيد في جميع الأحكام، ثم يسلم على النبي ﷺ وصاحبه فإنه قد قال: ((ما من رجل يسلم علي إلا رد الله عليه روحي حتى أرد ﵇) (١) رواه أبو داود وغيره، وكان عبد الله بن عمر إذا دخل المسجد قال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف (٢) .
وهكذا كان الصحابة يسلمون عليه.
وإذا قال في سلامه السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خيرة الله من خلقه، السلام عليك يا أكرم الخلق على ربه، السلام عليك يا إمام المتقين، فهذا كله من صفاته بأبي هو وأمي، وإذا صلى عليه مع السلام عليه، فهذا مما أمر الله به، ويسلم عليه مستقبل الحجرة مستدبر القبلة فمن أصحابه من قال: يستدبر الحجرة، ومنهم من قال: يجعلها عن يساره.
واتفقوا على أنه لا يستلم الحجرة ولا يقبلها ولا يطوف بها ولا يصلي إليها ولا يدعو وهناك مستقبلاً للحجرة؛ فإن هذا كله منهي عنه باتفاق الأئمة، ومالك من أعظم الأئمة كراهية لذلك والحكاية المروية عنه: أنه أمر المنصور أن يستقبل القبر وقت الدعاء كذب على مالك، بل ولا يقف عند القبر للدعاء لنفسه، فإن هذا بدعة ولم يكن أحد من الصحابة يقف عنده يدعو لنفسه، ولكن كان يستقبلون القبلة ويدعون في مسجده فإنه قال ﷺ : ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)) وقال: ((لا تجعلوا قبري عيداً ولا تجعلوا
стр. 43
بيوتكم قبوراً وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني)) (١) .
وقال: ((أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي)) قالوا: كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت أي بليت قال: ((إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء)) (٢) فأخبر أنه يسمع الصلاة من القريب وأنه يبلغ ذلك من البعيد.
وقال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) يحذر ما فعلوا قالت عائشة ﵂: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً أخرجاه في الصحيحين (٣) ، فدفنته الصحابة في موضعه الذي مات فيه من حجرة عائشة وكانت هي وسائر الحجر خارج المسجد من قبلية وشرقية لكن لما كان في زمن الوليد بن عبد الملك عمر هذا المسجد وغيره وكان نائبه على المدينة عمر بن عبد العزيز فأمر أن تشتري الحجرة وتزاد في المسجد، فدخل الحجرة في المسجد من ذلك الزمان وبنيت منحرفة عن القبلة مسنمة لئلا يصلي أحد إليها فإنه قال ﷺ : ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)) رواه مسلم عن أبي مرثد الغنوي (٤) .
وزيارة القبور على وجهين زيارة شرعية، وزيارة بدعية.
فالشرعية: المقصود بها السلام على الميت والدعاء له كما يقصد بالصلاة على جنازته، فزيارته بعد موته من جنس الصلاة عليه،فالسنة فيها أن يسلم على الميت ويدعي
стр. 44
له سواء كان نبياً أو غير نبي، كما كان النبي ﷺ يأمر أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم)) (١) . وهكذا يقول إذا زار أهل البقيع، ومن به من الصحابة وغيرهم أو زار شهداء أحدوغيرهم.
وليس الصلاة عند قبورهم غير مستحبة عند أحمد من أئمة المسلمين بل الصلاة في المساجد التي ليس فيها قبل أحد من الأنبياء والصالحين وغيرهم أفضل من الصلاة في المساجد التي فيها ذلك باتفاق أئمة المسلمين، بل الصلاة في المساجد التي على القبور، إما محرمة (٢) ، وإما مكروهة.
وأما الزيارة البدعية: فهي أن يكون مقصود الزائر أن يطلب حوائجه من ذلك الميت أو يقصد الدعاء عند قبره، أو يقصد الدعاء به فهذا ليس من سنة النبي ﷺ ، ولا استحبه أحد من سلف الأمة، بل هو من البدع المنهي عنها باتفاق سلف الأمة وأئمتها، وقد كره مالك وغيره أن يقول القائل: زرت قبر النبي ﷺ وهذا اللفظ لم ينقل عن النبي ﷺ بل الأحاديث المذكورة في هذا الباب مثل قوله: ((من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة)) وقوله ((من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي ومن زارني بعد مماتي حلت عليه شفاعتي)) ونحو ذلك كلها أحاديث ضعيفة بل موضوعة ليس في شيء من دواوين المسلمين التي يعتمد عليها ولا نقلها إمام من أئمة المسلمين لا الأئمة الأربعة ولا نحوهم، ولكن روى بعضها البزار والدارقطني (٣) ، ونحوها بإسناد ضعيف لأن من عادة الدارقطني وأمثاله أن يذكروا هذا في السنن ليعرف، وهو وغيره يبينون ضعف الضعيف من ذلك والله أعلم.
стр. 45
قال المعترض
الحديث الثالث: ((من جاءني زائراً لا تعمله حاجة إلا زيارتي كان حقاً علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة)) . ذكر من حديث عبد الله بن محمد العبادي البصري عن مسلمة بن سالم الجهني عن عبيد الله بن عمر، عن نافع بن سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من جاءني زائراً لا تعمله حاجة إلا زيارتي كان حقاً علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة)) (١) عن عبدان بن أحمد عن عبد الله بن محمد العبادي.
وقال الخلعي: أخبرنا أبو النعمان تراب بن عمر بن عبيد العسقلاني حدثنا أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني إملاء بمصر، حدثنا يحي بن محمد بن صاعد، حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد العبادي من بني عباد بن ربيعة في بني مرة بالبصرة سنة خمسين ومائتين، حدثنا مسلمة بن سالم الجهني إمام مسجد بني حرام ومؤذنهم، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن سالم، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : ((من جاءني زائراً لم تنزعه حاجة إلا زيارتي كان حقاً علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة)) .
قلت: هذا الحديث ليس في ذكر زيارة القبر، ولا ذكر الزيارة بعد الموت مع أنه حديث ضعيف الإسناد لا يصلح الاحتجاج به، ولا يجوز الاعتماد على مثله، ولم يخرجه أحمد من أصحاب الكتب الستة، ولا رواه الإمام أحمد في مسنده ولا أحد من الأئمة المعتمد على ما أطلقوه في روايتهم، ولا صححه إمام يعتمد على تصحيحه، وقد تفره به هذا الشيخ الذي لم يعرف ينقل العلم ولم يشتهر بحمله ولم يعرف من حاله ما يوجب قبول خبرة وهو مسلمة بن سالم الجهني (٢) الذي لم يشتهر إلا برواية هذا الحديث المنكر، وحديث آخر موضوع ذكره الطبراني بالإسناد المتقدم ومتنه ((الحجامة في الرأس أمان من الجنون والجذام والبرص والنعاس والضرس)) (٣) وروي عنه حديث آخر منكر من رواية غير العبادي.
وإذا تفرد مثل هذا الشيخ المجهول الحال القليل الرواية بمثل هذين الحديثين المنكرين عن عبيد الله بن عمر أثبتت آل عمر بن الخطاب في زمانه وأحفظهم عن نافع عن
стр. 46
سالم عن أبيه عن عبد الله بن عمر من بين سائر أصحاب عبيد الله الثقاب المشهورين والأثبات المتقين، علم أنه شيخ لا يحل الاحتجاج بخبره، ولا يجوز الاعتماد على روايته، هذا مع أن الراوي عنه وهو عبد الله بن محمد العبادي (١) أحد الشيوخ الذين لا يحتج بما تفردوا به قد اختلف عليه في إسناد الحديث فقيل عنه عن نافع عن سالم كما تقدم، وقيل عنه نافع وسالم.
وقد خالفه من هو أمثل منه وهو مسلم بن حاتم الأنصاري (٢) ، وهو شيخ صدوق فرواه عن مسلمة بن سالم عن عبد الله، يعني العمري، عن نافع، عن سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله: ((من جاءني زائراً لم تنزعه حاجة إلا زيارتي كان حقاً علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة)) هكذا رواه الحافظ أبو نعيم عن أبي محمد بن حيان عن محمد بن أحمد بن سليمان الهروي عن مسلم بن حاتم الأنصاري.
وهذه الرواية رواية مسلم بن حاتم التي قال فيها عن عبد الله وهو العمري الصغير المكبر الضعيف أولى من رواية العبادي التي اضطرب فيها، وقال عن عبيد الله يعني العمري الكبير المصغر الثقة الثبت، وكلا الروايتين لا يجوز الاعتماد عليهما لمدارهما على شيخ واحد غير مقبول الرواية، وهو مسلمة بن سالم وهو شبية بموسى بن هلال صاحب الحديث المتقدم الذي يرويه عن عبد الله العمري، أو عن أخيه عبيد الله، وقد اختلف عليه في ذلك كما اختلف على مسلمة.
والأقرب أن الحديثين في هذا الحديث واحد برواية الصغير المتكلم فيه، وقد اختلف عليه شيخان غير معروفين بالنقل ولا مشهورين بالضبط في إسناد الحديث ومتنه فقال: أحدهما في روايته عن نافع عن سالم عن ابن عمر، وقيل: عنه عن نافع وسالم، عن ابن عمر، وقال الآخر: عن نافع عن ابن عمر ولم يذكر سالماً.
وذكر أحدهما في روايته زيارة قبره، ولم يذكر الأعمال إلى زيارته وذكر الآخر الأعمال إلى زيارته من خير ذكر القبر في روايته، ومثل هذا الحديث إذا تفرد به شيخان مجهولان الحال قليلاً الرواية عن شيخ سيئ الحفظ مضرب الحديث، واختلفا عليه واضطربا مثل هذا الاضطراب المشعر بالضعف وعدم الضبط لم يجز الاحتجاج به على
стр. 47
حكم من الأحكام الشرعية ولا الاعتماد عليه في شيء من المسائل الدينية، وكم من حديث له طرق كثيرة أمثل من طريق هذا الحديث وقد نص أئمة هذا الشأن على ضعفه وعدم الاحتجاج به واتفقوا على رده وعدم قبوله.
والمحفوظ عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ ما رواه عنه أيوب السختياني، وعبيد الله بن عمر، وربيعة بن عثمان وغيرهم، وليس في ذكر الأعمال ولا ذكر زيارة القبل بل لفظ بعضهم: ((من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت فإنه من مات بها منت له شفيعاً أو شهيداً)) وفي لفظ من زارني إلى المدينة كنت له شفيعاً أو شهيداً، وهذا اللفظ غير محفوظ، ولفظ بعضهم ((لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة)) (١) .
قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا علي بن عبد الله؛ حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أن نبي الله ﷺ قال: ((من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل، فإني أشفع لمن مات بها)) (٢) . وقال أبو عيسى الترمذي في جامعه حدثنا بندار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن أيوب، عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ : ((من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن يموت بها)) (٣) .
قال: وفي الباب عن سبيعة بنت الحارث الأسلمية، هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث أيوب، حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان قال سمعت عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن مولاة له أتته فقالت: اشتد علي الزمان وإني أريد أن أخرج إلى العراق فقال: فهلا إلى الشام أرض المنشر واصبري لكاع فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من صبر على شداها ولأوائها كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة)) قال الترمذي وفي الباب عن أبي سعيد وسفيان بن أبي زهير وسبيعة الأسلمية هذا حديث حسن صحيح غريب (٤) .
وقال أبو القاسم البغوي حدثنا صلت بن مسعود الجحدري حدثنا سفيان بن موسى
стр. 48
حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت فإن من مات بالمدينة شفعت له يوم القيامة)) وقال الهيثم بن كلب الشاشي حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا محمد ابن عبد الله الرقاشي حدثنا سيفان بن موسى عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليفعل فإنه من مات بالمدينة شفعت له يوم القيامة)) .
وقد سئل الدارقطني في كتاب العلل عن حديث نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل فإني أشفع لمن مات بها فقال يرويه أيوب السختياني وأبو بكر بننافع وربيعة بن عثمان وعبيد الله بن عمر عن نافع واختلف عن أيوب وعن عبيد الله، فأما أيوب فرواه عنه سفيان بن موسى وهشام الدستوائي والحسن بن أبي جعفر فقالوا عن نافع عن ابن عمر، وخالفهم ابن علية فقال عن أيوب نيئت عن نافع قال: قال رسول الله ﷺ حدثنا جعفر بن محمد الواسطي حدثنا موسى بن هارون حدثنا شجاع من مخلد عنه، وأما عبيد الله بن عمر فإن معتمر بن سليمان وسالم بن نوح والمفضل بن صدقة أبا حماد رووه عن عبيد الله عن قطن بن وهب بن عويمر بن محفوظين، حديث نافع وحديث قطن بن وهب لأن حديث نافع له أصل عنه رواه عنه أيوب وأبو بكر بن نافع وربيعة بن عثمان، وحديث قطن بن وهب محفوظ أيضاً حدث به عبيد الله بن عمر وقيل عن أبي ضمرة عن يحي بن سعيد الأنصاري عن قطن، وذلك وهم من قائله.
ورواه عبد الله بن عمر أخو عبيد الله ومالك بن أنس والضحاك بن عثمان والوليد بن كثير عن قطن بن وهب عن يحنس أبي موسى عن ابن عمر، حدثنا عبد الله بن محمد البغوي حدثنا الصلت بن مسعود حدثنا سفيان بن موسى حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت فإنه من مات بها شفعت له يوم القيامة)) .
حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد الجمال حدثنا محمد بن إسحاق أبو إسماعيل حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي حدثنا سفيان بن موسى عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت فإنه من مات بها كنت له شفيعاً أو شهيداً)) .
стр. 49
حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل السيوطي حدثني أبو زيد عمر بن شيبة حدثنا السيوطي أنبأنا أحمد بن زياد بن عبد الله الحداد قال حدثنا عفان بن مسلم حدثنا الحسن بن أبي جعفر حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت فإني أشفع لمن مات بها قال ابن شيبة عن أيوب وقال منكم أن يموت وقال لمن يموت بها)) .
حدثنا جعفر بن محمد الواسطي حدثنا موسى بن هارون حدثنا محمد بن الحسن الختلي حدثنا عبد الرحمن بن المبارك حدثنا عون بن موسى عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من زارني إلى المدينة كنت له شفيعاً وشهيداً)) قيل للختلي إنما هو سفيان بن موسى؛ فقال اجعلوه عن ابن موسى قال موسى بن هارون ورواه إبراهيم بن الحجاج عن وهيب عن أيوب عن نافع مرسلاً عن النبي فلا أدري سمعته من إبراهيم بن الحجاج أم لا ووهيب وابن علية أثبت من الدستوائي ومن الجفري ومن سفيان بن موسى.
حدثنا أبو بكر أحمد بن عبد الله بن محمد الوكيل حدثنا زيد بن أخزم حدثنا سالم بن نوح حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يصبير على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة)) .
حدثنا أبو محمد بن بزداذ بن عبد الرحمن الكاتب حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى حدثنا سالم بن نوع العطار، حدثنا عبيد الله عن نافع أن مولاة لا بن عمر استأذنته أن تأتي العراق وجزعت من شدة عيش المدينة، فقال لها: اصبري يالكاع فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من صبر على شدة المدينة ولأوائها كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة)) .
حدثنا يحي بن محمد بن صاعد، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا أبو ضمرة عن عبيد الله عن قطن بن وهب عن مولاة لعبد الله بن عمر أنها أرادت الجلاء في الفتنة واشتد عليها الزمان فاستأذنت عبد الله بن عمر، فقال أين؟ فقالت: العراق، قال: فهلا إلى الشام إلى المحشر، اصبري لكاع فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة)) .
حدثنا ابن صاعد، حدثنا ابن محمد بن منصور بن سلمة الخزاعي،أنبأنا أبي حدثنا عبد الله بن عمر عن قطن بن وهب أن مولاة لابن عمر أتته تسلم عليه لتخرج من
стр. 50
المدينة وقالت: أخرج إلى الريف فقد اشتد علينا الزمان، فقال ابن عمر: اجلسي لكاع فإني سمعت رسول الله يقول: ((من صبر على لأوئها وشدتها كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة)) .
حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن قطن بن وهب بن عويمر بن الأجدع، عن يحنس مولى الزبير أخبره أنه كان جالساً مع عبد الله بن عمر في الفتنة فأنته مولاة له تسلم عليه فقالت: إني أردت الخروج يا أبا عبد الرحمن اشتد علينا الزمان فقال
стр. 51
لها عبد الله: اقعدي لكاع فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يصبر علي لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة)) .
وحدثنا ابن رافع حدثنا ابن أبي فديك أخبرنا الضحاك عن قطن الخزاعي، عن يحنس مولى مصعب عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من صبر على لأوائها وشدتها كنت له شهيداً أو شفيعاً (١) . يعني المدينة.
وهذه الألفاظ التي رواها أصحاب الصحيح والسنن والمسانيد من رواية نافع وغيره عن عبد الله بن عمر بن الخطاب هي الصحيحة المشهورة المحفوظة عنه، وفيها البحث على الإقامة بالمدينة وترك الخرج منها والصبر على لأوئها وشدتها وأن من استطاع أن يموت بها فليفعل لتحصل له شفاعة المصطفى ﷺ . وهذا الذي ثبت عن ابن عمر، قد روى نحوه أبو سعيد الخدري أيضاً عن النبي ﷺ .
قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا حجاج،حدثنا ليث وثناه الخزاعي أنبأ ليث قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي سعيد مولى المهري أنه جاء أبا سعيد الخدري ليالي الحرة فاستشاره في الجلاء من المدينة، وشكا إليه أسعارها وكثرة عاليه، وأخبره أنه لا صبر له على جهد المدينة، فقال له: ويحك لا آمرك بذلك، إني سمعت رسول الله يقول: ((لا يصبر أحد على جهد المدينة ولأوائها فيموت إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة إذ كان مسلماً (٢) .
هذا حديث صحيح رواه مسلم في صحيحة (٣) عن قتيبة، عن ليث بن سعد، وروى مسلم (٤) والترمذي (٥) نحوه من حديث أبي هريرة، وقد روى أيضاً من حديث سعد بن أبي وقاص وجابر وأسماء بنت عميس وغيره، وقد كان المهاجرون إلى المدينة يكوهون أن يموتوا بغيرها ويسألون الله تعالى أن توافهم بها.
وقد روى البخاري في صحيحه من حديث زيد بن أسلم، عن أبيه عن عمر بن
стр. 52
الخطاب ﵁ أنه كان يقول: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك (١) .
وقد ثبت في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: جاء النبي ﷺ يعودني وأنا بمكة وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، وفي رواية عن سعد قال: مرضت فعادني النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله ادع الله أنلا يردني على عقبي، فقال: ((اللهم اشف سعداً وأتمم له هجرته)) وفي لفظ فقال ((اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم)) لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة (٢) . وفي رواية لمسلم أن النبي ﷺ دخل على سعد يعوده بمكة فبكى فقال: ما يبكيك فقال: قد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن خولة فقال رسول الله ﷺ ((اللهم اشف سعداً، ثلاث مرات)) (٣) .
وليس في شيء من هذه الروايات الصحيحة التي تقدم ذكرها عن نافع وغيره، عن ابن عمر ذكر زيارة القبر ولا قوله من جاءني زائراً لا ينزعه حاجة إلا زيارتي، فعلم أن ما رواه مسلمة بن سالم الجهني وموسى بن هلال العبدي من ذلك شاذ غير محفوظ وكأن هذين الشيخين سمعا شيئاً أو بلغهما أمر فلم يحفظاه ولم يضبطاه لكونهما ليسا من أهل الحديث ولا من المشهورين بحمل العلم ونقله، ولو كان ما روياه محفوظاً عن نافع لبادر إلى روايته عنه أيوب السختياني، ومالك بن أنس وغيرهما من أعيان أصحابه المعتمد على حفظهم وضبطهم وأتقانهم، فلما لم يتابعهما على ما نقلاه مختلفين فيه ثقة يحتج به بل خالفهما فيما روياه الثقات المشهورين والعدول الحفاظ المتقنون، علم خطؤهما فيما حملاه ولم يجز الرجوع إليهما ولا الاعتماد عليهما فيما روياه والله الموفق.
فإن قيل: وقد ورد معنى الخبر الذي رواه مسلمة بن سالم الجهني من وجه آخر لم يذكره المعترض، قال بعض الحفاظ في زمن ابن مندة والحاكم في كتاب كبير له وقفت على بعضه، حدثنا أبو الحسن حامد بن حماد بن المبارك السر من رائي بنصيبين، حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن سيار بن محمد النصيبي، حدثنا أسيد بن زيد، حدثنا عيسى بن
стр. 53
بشير عن محمد بن عمرو عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حج إلى مكة ثم قصدني في مسجدي كتبت له حجتان مبروتان)) .
فالجواب أن هذا الخبر ليس فيه ذكر زيارة القبر ولا قوله: من جاءني زائراً لا تعمله حاجة إلا زيارتي مع أن خبر موضوع، وحديث مصنوع لا يحسن الاحتجاج به، ولا يجوز الاعتماد على مثله، وفي إسناده ممن لا يحتج بحديثه ولا يعتمد على روايته غير واحد من الرواة منهم أسيد بن زيد الجمال الكوفي (١) قال: إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد: سألت يحيى بن معين عنه، فقال: كذاب أتيته ببغداد في الحذائين فسمعته يحدث بأحاديث كذب، وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: وأسيد كذاب ذهبت إليه إلى الكرة، ونزل في دار الحذائين فأردت أن أقول له: يا كذاب ففرقت من شفار الحذائين وقال أبو حاتم الرازي (٢) : (قدم الكوفة من بعض أسفاره فأتاه أصحاب الحديث ولم آته وكانوا يتكلمون فيه) وقال النسائي (٣) : (متروك الحديث) وقال ابن حبان (٤) : (يروي عن شريك والليث بن سعد وغيرهما من الثقات المناكير، ويسوق الحديث ويحدث به) ، وقال ابن عدي (٥) : (يتبين على روايته الضعف، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه) ، وقال الدارقطني: ضعيف الحديث، وقال أبو نصر بن ماكولا (٦) : (ضعفوه) وقال الخطيب (٧) : (قدم بغداد وحدث بها وكان غير مرضي في الرواية) ولو فرض صحة هذا اللفظ الذي رواه أسيد بن زيد الجمال وقدر ثبوت ما رواه مسلمة بن سالم الجهني، وما رواه موسى بن هلال العبدي، لم يكن في شيء من ذلك دلالة على الزيارة على غير الوجه المشروع، وشيخ الإسلام لا ينهي عن الزيارة الشرعية ولا ينكرها.
وقد قال في أثناء كلامه في الجواب عما اعترض به عليه بعض قضاة المالكية في مسألة أعمال المطي إلى القبور بعد أن ذكر النزاع في السفر إلى مجرد زيارة القبور (٨)
стр. 54
قال: وهذا النزاع لم يتناول المعنى الذي أراده العلماء بقولهم: يستحب زيارة قبر النبي ﷺ ولا إطلاق القول بأنه يستحب السفر لزيارة قبره كما هو موجود في كلام كثير منهم، فإنهم يذكرون الحج ويقولون: يستحب للحاج أن يزور قبر النبي ﷺ ومعلوم أن هذا إنما يمكن مع السفر، لم يريدوا بذلك زيارة القريب، بل أرادوا زيارة البعيد فعلم أنهم قالوا: يستحب السفر إلى زيارة قبرة، لكن مرادهم بذلك هو السفر إلى مسجده إذا كان المسافرون والزوار لا يصلون إلا إلى مسجده ولا يصل أحد إلى قبره ولا يدخل إلى حجرته، ولكن قد يقال هذا في الحقيقة ليس زيارة لقبره ولهذا كره من كره من العلماء أن يقول: زرت قبره،ومنهم من لم يكرهه، والطائفتان متفقون على أنه لا يزار قبره كما تزار القبور، بل إنما يدخل إلى مسجده.
وأيضاً فالنية في السفر إلى مسجده وزيارة قبره مختلفة، فمن قصد السفر إلى مسجدة للصلاة فيه، فهذا مشروع بالنص والإجماع وإن كان لم يقصد إلا القبر ولم يقصد المسجد فهذا مورد النزاع، وأما من كان قصده السفر إلى مسجده وقبره معاً فهذا قد قصد مستحباً مشروعاً بالإجماع، ولهذا لم يكن في الجواب تعرض لهذا، وقال الشيخ أيضاً (١) السفر المسمى زيارة له إنما هو سفر إلى مسجده، وقد ثبت بالنص والإجماع أن المسافر ينبغي له أن يقصد السفر إلى مسجده والصلاة فيه.
وعلى هذا فقد يقال: نهيه عن شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة لا يتناول شدها إلى قبره، فإن ذلك غير ممكن، لم يبق إلا شدها إلى مسجده وذلك مشروع بخلاف غيره فإنه يمكن زيارته فيمكن شد الرحل إليه، لكن يبقى قصد المسافر ونيته ومسمى الزيارة في لغته هل قصد مجرد القبر، أو المسجد، أو كلاهما، كما قال مالك لمن سأله عمن نذر أن يأتي إلى قبر النبي ﷺ قال: إن كان أراد مسجد النبي ﷺ فليأته وليصل فيه، وإن كان أراد القبر فلا يفعل للحديث الذي جاء لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد.
فهذا السائل من عرفة أن زيارة قبر النبي ﷺ تناول من أتى المسجد وكان قصده القبر، ومن أتاه وقصده المسجد؛ وهذا عرف عامة الناس المتأخرين يسمون هذا كله زيارة واحدة، ولم يكن هذا لغة السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، بل تغير الاصطلاح في مسمى اللفظ والمقصود به وهو ﷺ لا يشرع للقريب من زيارته ما ينهي عنه المسافر
стр. 55
الذي يشد الرحل بخلاف غيره، فلا يقال إن زيارته بلا شد رحل مشروعة، ومع شد الرحل منهي عنها كما يقال في سائر المشاهد، وفي قبور الشهداء وغيرهم من أموات المسلمين، إذ لم يشرع للمقيمين بالمدينة من زيارته ما نهى عنه المسافرون بل جميع الأمة مشتركون فيما يؤمرون به من حقوق حيث كانوا، بل قد قيل: أن الأمر بالعكس، وأنه يستحب للمسافر م السلام عليه والوقوف على قبره ما لا يستحب لأهل البلد، وإذا كان لا يمكن إلا العبادة في مسجده، فهذا مشروع لمن شد الرحل ومن لم يشده.
تبقى النية كما ذكره، وهذه النية التي يقصد صاحبها القبر دون المسجد، وقد نص مالك وغيره على أنها مكروهة لأهل المدينة قصداً وفعلاً، فيكره لهم كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه أن يأتوا القبر، وقد ذكر مالك أن هذا بدعة لم تبلغه عن أحد من السلف، ونهي عنها وقال: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.
فالذي يقصد مجرد القبر، ولا يقصد المسجد مخالف للحديث، فإنه قد ثبت عنه في الصحيح أن السفر إلى مسجد مستحب، وأن الصلاة فيه يألف صلاة (١) ، وتفق المسلمون علي ذلك، وعلى أن مسجد أفضل المساجد بعد المسجد الحرام، قال بعضهم: إن أفضل من المسجد الحرام، ومسجده يستحب السفر إليه والصلاة فيه مفصله لخصوص كونه مسجد الرسول ﷺ بناه هو وأصحابه، وكان يصلي فيه هو وأصحابه، فهذه الفضيلة للمسجد في حياة الرسول ﷺ قبل أن يدفن في حجرة عائشة، وكذلك هي ثابتة بعد موته، ليست فضيلة المسجد لأجل مجاورة القبر، كما أن المسجد الحرام مفصل لا لأجل قبر، وكذلك المسجد الأقصى مفضل لا لأجل قبر، فكيف لا يكون مسجد النبي مفضلاً لا لأجل قبره، فمن ظن أن فضيلته لأجل القبر وأنه إنما يستحب السفر إليه لأجل القبر فهو جاهل مفرط في الجهل مخالف لإجمال المسلمين ولما علم من سنة سيد المرسلين ﷺ .
وقال الشيخ أيضاً في موضع آخر من الجواب: ومما يوضح هذا أنه لم يعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم باسم زيارة قبره لا ترغيباً في ذلك، ولا غير ترغيب، فعلم مسمى هذا الاسم لم يكن له حقيقة عندهم، ولهذا كره من مره من العلماء إطلاق هذا
стр. 56
الاسم، والذين أطلقوا هذا الاسم من العلماء إنما أرادوا به اتيان مسجده والصلاة فيه والسلام عليه فيه، إما قريباً من الحجرة الاسم، والذين أطلقوا هذا الاسم من العلماء إنما أرادوا به إتيان مسجده والصلاة والسلام عليه فيه إما قريباً من الحجرة وإما بعيداً عنها وإما مستقبلاً القبرة وإما مستقبلاً للحجرة وليس في أئمة المسلمين لا الأربعة ولا غيرهم من احتج على ذلك بلفظ روي في زيارة قبره، إنما يحتجون بفعل ابن عمر مثلاً وهو أنه كان يسلم أو بما يروي عنه من قوله ﷺ : ((ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇) (١) وذلك احتاج بلفظ اللام، لا بلفظ الزيادة؛ وليس في شيء من مصنفات المسلمين التي يعتمدون عليها في الحديث والفقه أصل عن الرسول ولا عن أصحابه في زيارة القبر.
أما أكثر مصنفات جمهور العلماء فليس فيها استحباب شيء من ذلك بل يذكرون المدينة وفضائلها وإنما حرم، ويذكرون مسجده وفضله وفضل الصلاة فيه والسفر إليه وإلى المسجد الحرام ونذر ذلك نحو ذلك من المسائل، ولا يذكرون استحباب زيارة قبره لا بهذا اللفظ ولا بغيره، فليس في الصحيحين وأمثالها شيء من ذلك ولا في عامة السنن مثل النسائي والترمذي وغيرهما ولا في مسند الشافعي، وأحمد وإسحاق ونحوهم من الأئمة.
وطائفة أخرى ذكروا ما يتعلق بالقبر لكن بغير لفظ زيارة قبره كما روى مالك في الموطأ عن ابن عمر (٢) أنه كان يسلم على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر، كما قال أبو داود في سننه (باب ما جاء في زيارة قبره) وذكر قوله ﷺ : (ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇) (٣) ولهذا أكثر كتب الفقه المختصرة التي تحفظ
стр. 57
ليس فيها استحباب زيارة قبره مع ما يذكرون من أحكام المدينة، وإنما يذكر ذلك قليل منهم، والذين يذكرون ذلك يفسرون بإتيان المسجد كما تقدم.
ومعلوم أنه لو كان هذا من سنته المعروفة عند أمته المعمول بها من زمن الصحابة والتابعين لكان ذكر ذلك مشهوراً عند علماء الإسلام في كل زمان كما اشتهر ذكر الصلاة عليه والسلام عليه، وكما اشتهر عندهم ذكر مسجده وفضل الصلاة فيه، فلا يكاد يعرف مصنف للمسلمين في الحديث والفقه إلا وفيه ذكر الصلاة والسلام عليه، وذكر فضل مدينته والصلاة في مسجده.
ولهذا لما احتاج المنازعون في هذه المسألة إلى ذكر سنة الرسول ﷺ وسنة خلفائه وما كان عليه أصحابه لم يقدر أحد منهم على أن يستدل في ذلك بحديث منقول عنه إلا وهو حديث ضعيف بل موضوع مكذوب، وليس معهم بذلك نقل عن الصحابة ولا عن أئمة المسلمين فلا يقدر أحد أن ينقل عن إمام من أئمة المسلمين أنه قال: يستحب السفر إلى مجرد زيادة القبور ولا السفر إلى مجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، ولا السفر لمجرد زيارة قبره ﷺ بدون الصلاة في مسجده.
بل كثير من المصنفات ليس فيها إلا ذكر المسجد والصلاة فيه، وهي الأمهات كالصحيحين ومساند الأئمة وغيرها وفيما ذكر السلام عند الحجرة كما جاء عن ابن عمر، وكما فهموه من قوله، وفيها ما يذكر فيه لفظ زيارة قبره والصلاة في مسجده، وفيها ما يطلق فيه زيادة قبره ويفسر ذلك بإتيان مسجده والصلاة فيه والسلام عليه فيه.
وأما التصريح بالسفر لاستحباب زيارة قبره دون مسجده، فهذا لم أره عن أحد من أئمة المسلمين ولا رأيت أحداً من علمائهم صرح به، وإنما غاية الذي يدعي ذلك أنه يأخذه من لفظ مجمل قاله بعض المتأخرين، مع أن صاحب ذلك اللفظ قد يكون صرح بأنه لا يسافر إلا إلى المساجد الثلاثة، أو أن السفر إلى غيرها منهي عنه، فإذا جمع كلامه علم أن الذي استحبه ليس هو السفر لمجرد القبر بل للمسجد.
ولكن قد يقال إن كلام بعضهم ظاهر في استحباب السفر لمجرد الزيارة فيقال، هذا الظهور إنما كان لما فهم المستمع من زيارة قبره ما يفهم من زيارة سائر القبور، فمن قال
стр. 58
إنه يستحب زيارة قبره، كما يستحب زيارة سائر القبور، وأطلق هذا كان ذلك متضمناً لاستحباب السفر لمجرد القبر، فإن الحجاج وغيرهم لا يمكنهم زيارة قبره إلا بالسفر إليه لمن قد علم أن الزيارة المعهودة من القبور ممتنعة في قبره، فليست من العمل المقدور ولا المأمور، فامتنع أن يكون أحد من العلماء يقصد بزيارة قبره هذه الزيارة، وإنما أرادوا السفر إلى مسجده والصلاة والسلام عليه والثناء عليه هناك، لكن سموا هذا زيارة لقبره كما اعتادوه.
ولو سلكوا مسلك التحقيق الذي سلكه الصحابة ومن اتبعهم لم يسموا هذا زيارة لقبره، وإنما هو زيارة لمسجده وصلاة وسلام عليه ودعاء له، وثناء عليه في مسجده، سواء كان القبر هنالك أولم يكن.
ثم كثير من المتأخرين لما رويت أحاديث في زيارة قبره ظن أنها أو بعضها صحيح فتركب من إجمال اللفظ ورواية هذه الأحاديث الموضوعة غلط من غلط في استحباب السفر لمجرد زيارة القبر، وإلا فليس هذا قولاً منقولاً عن إمام من أئمة المسلمين، وإن قدر أنه قاله بعض العلماء كان هذا قولاً ثالثاً في المسألة.
فإن الناس في السفر لمجرد زيارة القبور لهم قولان: النهي والإباحة، فإذا كان قولاً من عالم مجتهد ممن يعتد به في الإجماع أن ذلك مستحب صارت الأقوال ثلاثة ثم ترجع إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (النساء٥٩)
قال المعترض
الحديث الرابع: ((من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي)) رواه الدارقطني في سننه وغيرها ورواه غيره أيضاً، ثم ذكره من حديث أبي الربيع الزهراني عن حفص بن أبي داود، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: ((من حج فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي)) وفي لفظ ((من حج فزارني بعد وفاتي كان كمن زارني وصحبتي)) هكذا في هذه الرواية بزيادة صحبتي.
وأعلم أنه هذا الحديث لا يجوز الاحتجاج به، ولا يصلح الاعتماد على مثله، فإنه حديث منكر المتن، ساقط الإسناد، لم يصححه أحد من الحفاظ ولا احتج به أحد من
стр. 59
الأئمة، بل وضعفوه وطعنوا فيه، وذكر بعضهم أنه من الأحاديث الموضوعة والأخبار المكذوبة، ولا ريب في كذب هذه الزيادة فيه.
وأما الحديث بدونها فهو منكر جداً ورواية حفص بن أبي داود وهو حفص ابن سليمان أبو عمر الأسدي الكوفي البزارز القارئ الغاضري؛ وهو صاحب عاصم بن أبي النجود في القراءة وابن امرأته، وكان مشهوراً بمعرفة القراءة ونقلها، وأما الحديث فإنه لم يكن من أهله، ولا ممن يعتمد عليه في نقله، ولهذا جرحه الأئمة وضعفوه وتركوه واتهمه بعضهم.
قال عثمان بن سعيد الدارمي وغيره عن يحي بن معين: ليس بثقة، وذكر العقيلي عن يحي أنه سئل عنه فقال ليس بشيء، وقال عبد الله بن الإمام أحمد: سمعت أبي يقول: حفص بن سليمان أبو عمر القارئ متروك الحديث.
وقال البخاري (١) : (تركوه) وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزياني (٢) : قد فرغ منه من دهر، وقال مسلم بن الحجاج: متروك، وقال علي بن المديني: ضعيف الحديث، وتركته على عمد، وقال النسائي (٣) : ((ليس بثقة ولا يكتب حديثه، وقال مرة: متروك الحديث)) وقال صالح بن محمد البغدادي: لا يكتب حديثه وأحاديثه كلها مناكير، وقال زكريا الساجي: يحدث عن سماك وعلقمة بن مرثد وقيس بن مسلم وعاصم أحاديث بواطيل، وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، وقال ابن أبي حاتم (٤) : ((سألت أبي عنه فقال: لا يكتب حديث هو ضعيف الحديث لا يصدق متروك الحديث، قلت: ما حاله في الحروف؟ قال أبو بكر بن عياش: أثبت منه وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش: كذاب متروك، بضع الحديث.
وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث، وقال الدارقطني (٥) : ضعيف، وقال أبو حاتم بن حيان (٦) : كان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، وكان يأخذ كتب الناس فينسخها ويرويها من غير سماع، وقال ابن عدي (٧) : أخبرنا الساجي حدثنا أحمد بن محمد
стр. 60
البغدادي، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: كان حفص بن سليمان وأبو بكر بن عياش من أعلم الناس بقراءة عاصم، وكان حفص أقرأ من أبي بكر، وكان أبو بكر صدوقاً، وكان حفص كذاباً، وروى ابن عدي لحفص أحاديث منكرة غير محفوظة منها هذا الحديث الذي رواه في الزيارة ثم قال: وهذه الأحاديث يرويها حفص بن سليمان، ولحفص غير ما ذكرت من الحديث وعامة حديثه عمن روى عنهم غير محفوظ.
وقال العقيلي (١) : حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني ابي،قال: حدثنا يحيى القطان قال: ذكر شعبة حفص بن سليمان فقال: كان يأخذ كتب الناس وينسخها، وقال شعبة: أخذ مني حفص بن سليمان كتاباً فلم يرده، وقال العقيلي:أيضاً حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحسن بن علي، حدثنا شبابة قال: قلت لأبي بكر بن عياش: أبو عمر رأيته عند عاصم، قال: قد سألتني عن هذا غير واحد ولم يقرأ على عاصم أحد إلا وأنا أعرفه ولم أر هذا عند عاصم قط؛ وقال أبو بشر الدولابي في كتاب الضعفاء والمتروكين حفص بن سليمان متروك الحديث.
وقد روى البيهقي (٢) في كتاب السنن الكبير حديث حفص الذي رواه في الزيارة وقال تفرد به حفص وهو ضعيف، وقال في كتاب (شعب الإيمان) وروى حفص بن أبي داود وهو ضعيف عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عمر مرفوعاً ((من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن في حياتي)) أخبرناه أبو سعد الماليني أنبأنا أبو أحمد بن عدي، حدثنا عبد الله بن أحمد البغوي، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حفص بهذا الحديث.
وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان،أنبأنا أحمد بن عبيد حدثني محمد بن إسحاق الصفار، حدثنا ابن بكار، حدثنا حفص بن سليمان فذكره وقال: قال رسول الله ﷺ ، قال البيهقي: تفرد به حفص وهو ضعيف في رواية الحديث.
هكذا ضعف البيهقي حفصاً في كتاب السنن الكبير، وفي كتاب (شعب الإيمان) وذكر أنه تفرد برواية هذا الحديث، فإذا كانت هذه حال حفص عند أئمة هذا الشأن فيكف يحتج بحديث رواه، أو يعتمد على خبر نقله، مع أنه قد اختلف عليه في رواية هذا
стр. 61
الحديث، فقيل عنه عن ليث بن أبي سليم، كما تقدم، مع أن ليثاً مضطرب عندهم، وقيل عنه عن كثير من شظير عن ليس.
قال أبو يعلي: أحمد بن علي بن المثنى الموصلي، حدثنا يحي بن أيوب المقابري، حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا حفص بن سليمان عن كثير بن شنظير عن ليس بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حج فزارني بعد وفاتي عند قبري فكأنما زارني في حياتي)) .
واعلم أن هذا المعترض على شيخ الإسلام قد ارتكب من الكلام على هذا الحديث الذي رواه حفص أمراً يدل على جهله، أو على أنه رجل متبع لهواه، وهو أنه توقف في كون حفص بن أبي داود راوي هذا الحديث هو حفص بن سليمان القاري، بل يحتمل أن يكون حفصاً آخر عنده ويكون قد تابع حفصاً على رواية هذا الحديث، ويكون الحفصان قد اتفقا في اسم الأب وكنيته وجعل ذلك من مواضيع النظر، فقال: قد ذكر ابن حبان في كتاب الثقات ما يقتضي التوقف في ذلك فإنه قال: حفص بن سليمان البصري المنقري يروي عن الحسن مات سنة ثلاثين ومائة، وليس هذا بحفص بن سليمان البزاز أبي عمر القاري ذاك ضعيف وهذا ثبت (١) .
ثم قال في الطبقة التي بعدها هذه: حفص بن أبي داود يروي عن الهيثم بن حبيب عن عون بن أبي جحيفة، روى عنه أبو الربيع الزهراني.
هذا كلام ابن حبان ومقتضاه أن حفص بن أبي داود المذكور في الطبقة الأخيرة ثقة وأنه غير القاري الضعيف المذكور في الطبقة التي قبله على سبلي التمييز بينه وبين المتقري البصري، ولعل أبا الربيع الزهراني روى عنهما جميعاً، أعني حفص بن سليمان المقري، وحفص بن أبي داود، وإن اختلفت طبقتهما: وقد ذكر ابن حبان (٢) حفص بن سليمان المقري في كتاب المجروحين وذكر ضعفه، وقال: إنه ابن أبي داود، ويبعد القول بأن اشتبه عليه ويجعلهما اثنين أحدهما ثقة والآخر ضعيف.
على أن هذا الاستبعاد مقابل بأن ابن عدي (٣) ذكر في ترجمة حفص القاري حديثاً
стр. 62
من رواية أبي الربيع الزهراني، عن حفص بن أبي داود، عن الهيثم بن حبيب، عن عون بن أبي حجيفة عن أبيه قال: مر النبي ﷺ برجل يصلي قد سدل ثوبه فعطفه عليه.
ويبعد أيضاً أن يكونا اثنين ويشتبه على ابن عدي فيجعلهما واحداص، والموضع موضع نظر، فإن صح مقتضى كلام ابن حبان زال الضعف فيه، ولا ينافي هذا كونه جاء مسمى في رواية هذا الحديث لجواز أن يكون قد وافق حفصاً القاري في اسم أبيه وكنيته وإن كان هو القارئ كما حكم به ابن عدي وغيره وهو ابن امرأة عاصم فقد أكثر الناس الكلام فيه وبالغوا في تضعيفه حتى قيل عن عبد الرحمن بن يوسف بن خراش: أنه كذاب متروك يضح الحديث.
وعندي أن هذا القول سرف، فإن هذا الرجل إمام قراءة، وكيف يعتقد أنه يقدم على وضع الحديث والكذب، ويتفق الناس على الأخذ بقراءته، وإنما غايته أنه ليس من أهل الحديث (١) ، فذلك وقعت المنكرات والغلط الكثير في روايته.
هذا كله كلام المعترض وهذا الذي ذكره هو خلاصة نظره ونهاية تحقيقه وغاية بحثه وتدقيقه، وهو كما ترى مشتمل على الوهم والإبهام والخبط والتخطيط والتلبيس، لإن راوي هذا الحديث هو حفص بن سليمان القاري الضعيف وهو حفص بن أبي داود بلا شك ولا ريب (٢) ، وإن أدنى من يعد من طلبة علم الحديث بعرف ذلك ولا بجهله ولا يشك فيه، ومن ادعى أن هذا الحديث رواه رجلان كل منهما يقال له حفص بن أبي داود وحفص بن سليمان وأحدهما ثقة والآخر ضعيف، فهو جاهل مخطئ بالإجماع أو معاند صاحب هوى متبع لهواه مقصود الترويج والتلبيس، وخلط الحق بالباطل ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ (النور ٠٤٠)
ومن نظر من آحاد الناس في كتب الحديث واطلع على كلام أئمة الجرح والتعديل، وعنى بذلك بعض العناية تبين له أن راوي هذا الحديث هو حفص بن سليمان القارئ وأنه حفص بن أبي داود وأنه لم يتابعه على روايته حفص آخر غيره قد وافقه في اسمه
стр. 63
واسم أبيه وكنيته، وهو مع هذا من جملة الثقات، وها أنا أسوق هذا الحديث من كتب بعض من ذكره من الأئمة وأشير إلى ما يتبين به من كلامهم من رواية حفص بن سليمان القاري الذي يقول فيه بعض الرواة: حفص بن أبي داود.
قال البيهقي: في كتاب السنن الكبير حدثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف أملاء، أنبأنا أبو الحسن محمد بن نافع بن إسحاق الخزاعي بمكة، حدثنا المفضل بن محمد الجندي حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا حفص بن سليمان أبو عمر عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حج فزار قبري بعد موتي كأن كمن زارني في حياتي)) .
قال البيهقي: وأخبرنا أبو سعد الماليني، أنبأنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا علي بن حجر، حدثنا حفص بن سليمان، وأنبأنا أبو أحمد بن عدي، حدثنا عبد الله بن محمد البغوي، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حفص بن أبي داود فذكره، قال البيهقي: تفرد به حفص وهو ضعيف (١) .
فهذا البيهقي قد نص على أن حفصاً تفرد به وحكم عليه بالضعف، وسماه في رواية حفص بن سليمان، وفي أخرى حفص بن أبي داود، فدل على أن راوي هذا الحديث المسمى بحفص عنده رجل واحد وهو ضعيف.
وقال الحافظ أبو أحمد بن عدي في كتاب الكامل (٢) الذي روى البيهقي هذا الحديث منه ولم يسبق متنه أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا علي بن حجر، وحدثنا عبد الله بن محمد البغوي، حدثنا أبو الربيع الزهراني، قال علي: حدثنا حفص بن سليمان، وقال أبو الربيع: حدثنا حفص بن أبي داود وقالا: عن ليث عن مجاهد عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حج فزار قبري بعد موتي كأن كمن زارني في حياتي وصحبتي)) . والفظ لابن سفيان قال ابن عدي: وهذا الحديث عن ليس لا يرويه عنه غير حفص، قال وحفص بن سليمان، هو حفص بن أبي داود، وقال: كذا يسميه أبو الربيع الزهراني لضعفه.
стр. 64
وما نقله هذا المعترض عن كتاب الثقات لابن حبان وأنه ذكر فيه حفص بن أبي داود، يروي عن الهيثم بن حبيب، ويروي عنه أبو الربيع الزهراني لم أره في النسخة التي عندي (١) بكتاب الثقات لابن حبان، ولعل المعترض رآه حاشية في كتاب فظن أنها من الأصل، فإن صح أن ابن حبان ذكر حفص بن أبي داود في كتاب الثقات، وزعم أنه غير القاري الضعيف، بل هو من جملة الثقات فقد أخطأ في ظنه ووهم في زعمه، فإن حفص بن أبي داود الذي يروي عن الهيثم، ويروي عنه أبو الربيع هو حفص بن سليمان القاري بلا شك، ولكن كان أبو الربيع يسميه حفص بن أبي داود لما اشتهر من ضعفه وعرف من جرحه.
وقد قال ابن عدي في كتاب الكامل (٢) ، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا سليمان بن نافع، حدثنا أبو معشر الدارمي البصري أنا سألته، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حفص بن أبي داود الأسدي، حدثنا الهيثم بن حبيب الصراف، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري: قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أهل الجنة ليتراؤن أهل عليين كما ترون الكوكب الدري في السماء، وإنا أبا بكر وعمر منهم وأنعما)) .
قال ابن عدي عقب روايته هذا الحديث، وهذا الحديث عن الهيثم الصراف لا يرويه غير حفص بن سليمان بن أبي داود الأسدي، كذا يسميه أبو الربيع الزهراني لضعفه وهو حفص بن سليمان.
وقال ابن عدي أيضاً (٣) حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حفص بن أبي داود عن الهيثم بن حبيب، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: مر النبي برجل يصلي قد سدل ثوبه فعطفه عليه، قال ابن عدي، وهذا الحديث أيضاً لا يريوه عن الهيثم بن حبيب غير حفص هذا.
فهذا ابن عدي قد نص على أن حفص بن أبي داود الذي زعم المعترض أن ابن حبان ذكره في الثقات هو حفص بن سليمان القاري وهذا لا شك فيه.
стр. 65
وقد قال ابن حبان في كتاب (المجروحين) (١) حفص بن سليمان الأسدي القاري أبو عمر البزاز، وهو الذي يقال له حفص بن أبي داود الكوفي، وكان من أهل الكوفة، سكن بغداد يروي عن علقمة بن مرثد وكثير بن شظير، روى عنه هشام بن عمار ومحمد بن بكار كان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، وكان يأخذ كتب الناس فينسخها ويرويها من غير سماع.
سمعت محمد بن محمود يقول: سمعت الدارمي يقول: سألت يحيى بن معين عن حفص بن سليمان الأسدي فقال: ليس بثقة، هكذا ذكر.
وذكر ابن حبان: (حفص بن سليمان في كتاب الضعفاء وقال: إنه هو الذي يقال له حفص بن أبي داود) وهذا الذي قاله صحيح لا شك فيه، وهو الذي قاله غيره من الأئمة الحفاظ، فإن صح عنه مع هذا أنه ذكر حفص بن أبي داود في كتاب الثقات، فقد تناقض تناقضاً بيناً وأخطأ خطاً ظاهراً؛ ووهم وهماً فاحشاً، وقد وقع له مثل هذا التناقض والوهم في مواضع كثيرة.
وقد ذكر الشيخ أبو عمر بن الصلاح أنه غلط الغلط الفاحش في تصرفه، ولو أخذنا في ذكر ما أخطأ فيه وتناقض من ذكره الرجل الواحد في طبقتين متوهماً كونه رجلين، وجمعه بين ذكر الرجل في الكتابين، كتاب الثقات وكتاب المجروحين ونحو ذلك من الوهم والإيهام لطال الخطاب.
وليس ببدع من هذا الرجل المعترض على شيخ الإسلام المتبع لهواه أن يأخذ يقول أخطأ فيه قائله، ولم يوافق عليه، ويدع قولاً أصاب قائله وتويع عليه والله الموفق.
وقال أبو القاسم الطبراني (٢) : حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حفص بن أبي داود، عن ليس، عن مجاهد، عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: ((من حج فزار قبري بعد وفاتي كمن زارني في حياتي)) .
وقال أبو الحسن الدارقطني (٣) : حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، حدثنا أبو الربيع، حدثنا حفص بن أبي داود، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد قال: قال رسول الله: ((من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي)) رواه أبو يعلي الموصلي عن أبي الربيع.
стр. 66
وقال بعض الحفاظ في زمن أبي عبد الله بن منده،حدثنا أبو الحسن حامد بن حماد بن المبارك السر من رائي بنصبيين، حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن سيار بن محمد النصيبي، حدثنا عامر بن سيار بمصر، حدثنا حفص بن سليمان عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حج فزارني في مسجدي بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي)) .
هكذا رواه بهذا اللفظ وقال: وقد روى هذا الخبر عن حفص بن سليمان محمد بن بكار وسعيد بن منصور، وقد ذكرناه بأسانيده في الكتاب الكبير، وقد رواه أيضاً حفص بن سليمان عن كثير من شظير عن ليس، ثم ذكره كما تقدم من رواية أبي يعلي الموصلي.
وقال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي: أخبرنا أبو الفضل الحافظ عن أبي علي الفقه قال: أنبأنا أبو القاسم الأزهري أنبأنا القاسم بن الحسن، حدثنا الحسن بن الطيب حدثنا علي بن حجر، حدثنا حفص بن سليمان، عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ : ((من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي وصبحتي)) . هكذا رواه بهذه الزيادة وقد تقدمت من وجه آخر.
والحديث من أصله ليس بصحيح، وهذه الزيادة فيه منكرة جداً وقال البخاري في (كتاب الضعفاء) (١) له: حفص بنت سليمان الأسدي أبو عمر القاري عن علقمة بن مرشد وعاصم تركوه وهو ابن أبي داود الكوفي، ثم قال ابن أبي القاضي حدثنا سعيد بن منصور،حدثنا حفص بن سليمان، عن ليث،عن مجاهد، عن ابن عمر قال:قال رسول الله ﷺ : ((من حج وزارني بعد موتي كان كمن زارني في حياتي)) هكذا ذكره البخاري تعليقاً في مناكير حفص.
وقال في كتاب التاريخ (٢) : حفص بن سليمان الأسدي أبو عمر القارئ تركوه وهو حفص بن أبي داود، وقال ابن أبي حاتم في كتاب (الجرح والتعديل) (٣) حفص بن سليمان الأسدي أبو عمر المقري، وهو البزاز، وهو ابن أبي داود صاحب عاصم في القراءات سمعت أبي يقول ذلك؛ ثم قال: سئل أبو زرعة عن حفص بن أبي داود فقال: هو حفص بن سليمان وهو ضعيف الحديث، وقال الحاكم أبو أحمد في كتاب (الكنى) : أبو
стр. 67
عمر حفص بن سليمان الأسدي المقري الكوفي، وسليمان الأسدي المقري الكوفي، وسليمان يكنى أبا دود، ذاهب الحديث.
فقد تبين بما ذكرناه من هذه الروايات وكلام أئمة الجرح والتعديل أن حفص بن سليمان راوي هذا الحديث هو حفص بن أبي داود وهو حفص القاري صاحب عاصم، وأنه لا يصلح الاحتجاج به ولا الاعتماد على روايته، وإن من توهم أن هذا الحديث رواه رجلان مشتركان في الاسم، واسم الأب وكنيته أحدهما ثقة والآخر ضعيف، فقد أخطأ بيناً، وارتكب أمراً منكراً لم يتابعه أحد عليه ولم يسبقه أحد إلى توهمه.
وإني لأتعجب من هذا الرجل المعترض كيف يرتكب مثل هذا التخليط في الكلام والتلبيس في القول بعد التعب العظيم والكدح الكثير، ثم يزعم مع هذا أن كلام شيخ الإسلام مشتمل على التخليط وعدم البيان وتبعيد المعنى عن الأفهام، فإنه قال في أثناء كلامه في كتابه الذي ألفه في الرد على الشيخ، وقد وقفت له على كلام طويل في ذلك يعني في التوسل والاستغاثة رأيت في الرأي القويم، أن أميل عنه إلى الصراط المستقيم ولا أتبعه بالنقض والإبطال، فإن دأب العلماء القاصدين لإيضاح الدين وإرشاد المسلمين، تقريب المعنى إلى أفهامهم، وتحقيق مرادهم وبيان حكمه، ورأيت كلام هذا الشخص بالضد من ذلك فالوجه الإضرار عنه.
هذا كله قول المعترض على شيخ الإسلام في كلامه المتضمن لتجريد التوحيد وسد ذرائع الشرك دقيقة وجليلة وقد علم الخاص والعام أن كلام شيخ الإسلام في سائر أنواع علوم الإسلام فيه من التحرير والتحقيق وغاية البيان والإيضاح وتقريب المعاني إلى الأفهام وحسن التعليم والإرشاد إلى الطريق القويم ما يضيق هذا الموضع من ذكره.
ويمكن الإنسان أن يقابل هذا المعترض على ما في كلامه من الكذب وسوء الأدب بأضعاف ما قاله ويكون صادقاً في قوله مصيباً في عمله، وليس المقصود هنا مقابلته على ما في كلامه هذا من الجور والعدوان والظلم، وإنما المراد تبين خطئه في الكلام على حديث حفص بن سليمان المذكور، وما وقع منه من التخليط والتلبيس وقد حصل ذلك ولله الحمد.
فإن قيل: قد روي هذا الحديث من وجه آخر عن ليث بن أبي سليم.
قال أبو بكر محمد بن خلف بن زنبور الكاعدي: أخبرنا أبو بكر محمد بن السري بن
стр. 68
عثمان التمار، حدثنا نصر بن شعيب مولى العبدين، حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن سليمان الضيعي، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله: ((من حج بعد وفاتي وزار قبري كان كمن زارني في حياتي)) والجواب أن يقال هكذا وقع في هذه الرواية جعفر بن سليمان الضبعي، وذلك خطأ قبيح ووهم فاحش، والصواب حفص بن سليمان، وهو حفص بن أبي داود القاري، والحديث حديثه وبه يعرف ومن أجله يضعف ولم يتابعه عليه ثقة ويحتج به، وهذا التصحيف الذي وقع في هذا الإسناد هو من بعض هؤلاء الشيوخ الذين لا يعتمد على نقلهم ولا يحتج بروايتهم.
وابن زنبور هو محمد بن عمر بن علي بن خلف بن محمد بن زنبور أبو بكر الوراق وهو شيخ تكلم فيه الحافظ أبو بكر الخطيب، وقال: كان ضعيفاً جداً (١) . وقال العتيقي كان فيه تساهل، وشيخ ابن زنبور هو أبو بكر محمد بن السري التمار صاحب الجزء وهو معروف برواية المناكير والموضوعات، ونصر بن شعيب وأبوه ليسا ممن يحتج بخبرهما ولا يعتمد علي حديثهما، ولا يحتج بمثل هذا الإسناد من عقل شيئاً من علم الحديث والله أعلم.
فإذا قيل: قد روي هذا الحديث من غير رواية حفص بن سليمان عن ليس بن أبي سليم قال المعترض: ولو ثبت ضعفه يعني حفص بن سليمان، فإنه لم ينفرد بهذا الحديث، وقول البيهقي: أنه تفرد به بحسب ما أطلع عليه، وقد جاء في معجم الطبراني الكبير والأوسط متابعته، ثم ذكر عن طريق الطبراني (٢) قال: حدثنا أحمد بن رشدين، حدثنا علي بن الحسن بن هارون الأنصاري، حدثنا الليث ابن بنت الليث بن أبي سليم قال: حدثتني جدتي عائشة بنت يونس امرأة الليث، عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله: ((من زار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي)) .
فالجواب أن يقال ليس هذا الإسناد بشيء يعتمد عليه، ولا هو مما يرجع إليه، بل هو إسناد مظلم ضعيف جداً، لأنه مشتمل على ضعيف لا يجوز الاحتجاج به، ومجهول
стр. 69
لم يعرف من حاله ما يوجب قبول خبرة، وابن رشدين (١) ، شيخ الطبراني قد تكلموا فيه، وعلي بن الحسن الأنصاري (٢) ليس هو ممن يحتج بحديثه والليث ابن بنت الليث بن أبي سليم (٣) ، وجدته عائشة (٤) مجهولان لم يشتهر من حالهما عند أهل العلم ما يوجب قبول روايتهما، ولا يعرف لهما ذكر في غير هذا الحديث، وليث بن أبي سليم (٥) مضطرب الحديث، قاله الإمام أحمد بن حنبل.
قال ابو معمر القطيعي: كان ابن عيينة يضعف ليث بن أبي سليم، وقال يحي بن معين والنسائي (٦) : ضعيف، وقال السعدي: يضعف حديث وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: حدثنا يحي بن معين عن يحي بن سعيد القطان أنه كان لا يحدث عن ليس بن أبي سليم.
وقال أحمد بن سليمان الرهاوي، عن مؤمل بن الفضل، قلنا لعيسى بن يونس ألم تسمع من ليث بن أبي سليم؟ قال: قد رايته، وكان قد اختلط وكان يصعد المنارة بارتفاع النهار فيؤذن، وقال ابن أبي حاتم (٧) سمعت أبي، وأبا زرعة يقولان: ليث لا يشتغل به هو مطرب الحديث، وقال أيضاً: سمعت أبا زرعة يقول: ليث بن أبي سليم لين الحديث لا تقوم به الحجة عند أهل العلم بالحديث.
والحاصل أن هذا المتابع الذي ذكره المعترض من رواية الطبراني لا يرتفع به الحديث عن درجة الضعف والسقوط، ولا ينهض إلى رتبة تقتضي الاعتبار والاستشهاد لظلمة اسناده وجهالة رواته، وضعف بعضهم واختلاطه، واضطراب حديثه، ولو كان الإسناد صحيحاً إلى ليث بن أبي سليم لكان فيه ما فيه، فكيف والطريق إليه ظلمات بعضها فوق بعض والله أعلم؟
стр. 70
فإذا قيل قد روي هذا الخبر من وجه آخر غير طريق ليث بن أبي سليم قال بعض الحفاظ المتأخرين، حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن بكار بن كرمون بإنطاكية حدثناأبو عمر وعثمان بن عبد الله بن خرزاذ البغدادي، حدثنا النعمان بن شبل، حدثنا محمد بن الفضل، عن جابر، عن محمد بن علي، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : ((من زار قبري بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ومن حج ولم يزر قبري فقط جفاني))
فالجواب أن يقال: هذا خبر منكر جداً، ليس له أصل، بل هو حديث مفتعل موضوع وخبر مختلق مصنوع لا يجوز الاحتجاج به، ولا يحسن الاعتماد عليه لوجوه:
إحداهما: أنه من رواية النعمان بن شبل وقد اتهمه موسى بن هارون الحمال وقال أبو حاتم بن حبان البستي (١) : يأتي عن الثقات بالطامات، وعن الأثبات بالمقلوبات.
والثاني: أن في إسناده محمد بن الفضل بن عطية (٢) ، وكان كذاباً قاله يحي بن معين، وقال الإمام أحمد بن حنبل: ليس بشيء، حديثه حديث أهل الكذب، وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني (٣) ، كان كذاباً سألت ابن حنبل عنه فقال: ذاك عجب يجيئك بالطامات وقال الفلاس: متروك الحديث كذاب، وقال أبو حاتم (٤) الرازي: ذاهب الحديث ترك حديثه.
وقال مسلم بن الحجاج وابن خراش والنسائي (٥) : متروك الحديث، وقال النسائي في موضع آخر: كذاب، وقال ابن عدي (٦) : عامة حديثه مما لا يتابعه الثقات عليه، وقال صالح بن محمد الحافظ، كان يضع الحديث، وقال ابن حبان (٧) : كان ممن يروي
стр. 71
الموضوعات عن الإثبات، لا يحل كتب حديثه إلا على سبيل الاعتبار، كان أبو بكر بن أبي شيبة شديد الحمل عليه.
الثالث: أن في طريقة جابر وهو الجعفي لم يكن بثقة، قال أبو حاتم الرازي (١) عن أحمد بن حنبل: تركه يحيى وعبد الرحمن، وقال أبو حنيفة (٢) : ما رأيت أحداً أكذب من جابر الجعفي.
وقال يحيى بن معين: كان جابر الجعفي كذاباً لا يكتب حديثه ولا كرامة ليس بشيء، وقال السعدي: كذاب، سألت عنه أحمد بن حنبل: فقال: تركه ابن مهدي فاستراح،وقال النسائي (٣) : متروك الحديث، وقال في موضع آخر ليس بثقة، ولا يكتب حديث، وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث، وقال ابن حبان (٤) : كان سبئياً من أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان يقول أن علياً يرجع إلى الدنيا، ثم روى عن سفيان بن عيينة أنه قال: كان جابر الجعفي يؤمن بالرجعية، وقال زائدة: أما جابر الجعفي، فكان والله كذاباً يؤمن بالرجعة.
الرابع: أن محمد بن علي (٥) الذي روى عنه جابر هو أبو جعفر الباقر، ولم يدرك جد أبيه علي بن أبي طالب ﵁.
وفي الجملة ليس هذا الخبر مما يصلح الاستشهاد به ولا الاعتبار ولا يحتج به إلا من هو أجهل الناس بالعلم.
وقد قال شيخ الإسلام في أثناء كلامه على حديث حفص بن سليمان بعد أن ذكر ضعف حفص وكلام أئمة الجرح والتعديل فيه قال: ونفس المتن باطل فإن الأعمال التي فرضها الله تعالى ورسوله لا يكون الرجل بها مثل الواحد من الصحابة، بل في الصحيحين
стр. 72
عنه ﷺ أنه قال: ((لو اتفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) (١) فالجهاد والحج ونحوهما أفضل من زيارة قبره باتفاق المسلمين ولا يكون الرجل بهما كمن سافر إليه في حياته ورآه.
وكان الشيخ قد بحث قبل هذا مع بعض من اعترض عليه من المالكية، واحتج في زيارة قبره بالقياس على زيارة الحي بعد أن ذكر الشيخ ما استدل به فقال: قال المعترض المناقض: وروى مسلم في صحيحه في الذي سافر لزيارة أخ له في الله، ولفظ الحديث: أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى فأرصد الله على مدرجته ملكاً، فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في تلك القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا إلا أني أحببته في الله، فقال: إن رسول الله إليك بأن الله أحبك كما أحببته فيه (٢) ، وفي موطأ مالك عن معاذ بن جبل في حديث ذكر فيه سمعت رسول الل ﷺ هـ يقول: أي عن الله ((ووجبت محبتي للمتحابين في، والمتجلسين في والمتزاورين في والمتباذلين في)) (٣) .
قال: فقد علمت أيها الأخ بهذا فضيلة زيارة الإخوان وما أعد الله بها للزائرين من الفضل والإحسان، فكيف بزيارة منهو حي الدارين وإمام الثقلين الذي جعل الله حرمته في حال مماته كحرمته في حال حياته، ومن شرفه الحق بما أعطاه من جميع صفاته ومن هدانا ببركته إلى الصراط المستقيم وعصمنا به من الشيطان الرجيم، ومن هو آخذ بحجرنا أن تقتحم في نار الجحيم ومن هو بالمؤمنين رؤوف رحيم؟
قال الشيخ: والجواب أما زيارة الأخ الحي في الله كما في الحديث فهذا نظير زيارته في حياته يكون الإنسان بذلك من أصحابه وهم خير القرون، وأما جعل زيارة القبل كزيارته حياً كما قاسه هذا المعترض، فهذا قياس ما علمت أحداً من علماء المسلمين قاسه، ولا علمت أحداً منهم احتج في زيارة قبره بالقياس على زيارة الحي المحبوب
стр. 73
في الله، وهذا من أفسد القياس، فإنه من المعلوم أن من زار الحي حصل له بمشاهدته وسماع كلامه ومخاطبته وسؤاله وجوابه وغير ذلك مما لا يحصل لمن لم يشاهده ولم يسمع كلامه.
وليس رؤية قبره أوريؤة الجدار الذي بنى على بيته بمنزلة رؤيته ومشاهدته ومجالسته وسماع كلامه، ولو كان هذا مثل هذا لكان كل من زار قبره مثل واحد من أصحابه ومعلوم أن هذا من أباطل الباطل.
وأيضاً فالسفر إليه في حياته إما أن يكون لما كانت الهجرة إليه واجبة كالسفر قبل الفتح فيكون المسافر إليه مسافراً للمقام عنده بالمدينة مهاجراً من المهاجرين إليه، وهذا السفر انقطع بفتح مكة، فقال: ((لا هجرة بعد الفتح ولمن جهاد ونية)) (١) ولهذا لما جاء صفوان بن أمية مهاجراً امره أن يرجع إلى مكة، وكذلك سائر الطلقاء كانوا بمكة لم يهاجروا.
وإما أن يكون المسافر إليه وافداً إليه ليسلم ويتعلم منه ما يبلغه قومه كالوفود الذين كانوا يفيدون عليه، لا سيما سنة تسع وعشر سنة الوفود، وقد أوصى في مرضه بثلاث فقال: ((أخرجوا النصارى من جزيرة العرب وأجيزوا الوفود بنحو ما كنت أجيزهم)) (٢) ومن الوفود وفقد عبد القيس لما قدموا عليه ورجعوا إلى قومهم بالبحرين (٣) ، لكن هؤلاء أسلموا قديماً قبل فتح مكة وقالوا: لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام لأن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وهم أهل نجد كأسد وغطفان وتميم وغيرهم فإنهم لم يكونوا قد أسلموا بعد.
وكان السفر إليه في حياته لتعلم الإسلام والدين ولمشاهدته، وسماع كلامه، وكان خير محضاً، ولم يكن أحد من الأنبياء والصالحين عبد في حياته بحضرته، فإنه كان ينهى
стр. 74
من يفعل ما هو دون ذلك من المعاصي، فكيف بالشرك، كما نهى الذين سجدوا (١) له، ونهى الذين صلوا خلفه قياماً، وقال: ((إن كدتم تفعلون فعل فارس والروم فلا تفعلوا)) (٢) رواه مسلم.
وفي المسند بإسناد صحيح عن أنس قال: ((لم يكن شخص أحب إليهم من (٣) رسول الله ﷺ وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك)) وفي الصحيح أن جارية قالت عنده ((وفينا نبي يعلم ما في غده)) فقال ﷺ : ((هذا وقولي الذي كنت تقولين)) (٤) ، ومثل هذا كثير من نهيه عن المنكر بحضرته، فكل من رآه في حياته لم يتمكن أن يفعل بحضرته منكراً يقر عليه.
إلى أن قال: ومعلوم أنه لو كان حياً في المسجد من أفضل العبادات وقصد القبر الذي اتخذ مسجداً مما نهى عنه، ولعن أهل الكتاب على فعله (٥) : وأيضاً فليس عند قبره مصلحة من مصالح الدين، وقربة إلى رب العالمين إلا وهي مشروعة في جميع البقاع (٦) ، فلا ينبغي أن يكون صاحبها غير معظم للرسول ﷺ التعظيم التام والمحبة والتامة إلا عند قبره، بل هو مأمور بهذا في كل مكان.
وزيارته في حياته مصلحة راجحة لا مفسدة فيها، والسفر إلى القبر بمجردة بالعكس مفسدة راجحة، وهناك بفعل من حقوقه ما يشرع في سائر المساجد، وهذا مما يتبين به كذب الحديث الذي يقال فيه: ((من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي)) وهذا الحديث هو معروف من رواية حفص بن سليمان الغاضري صاحب عاصم، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن
стр. 75
ابن عمر قال: قال رسول الله: ((من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي)) (١) وقد رواه عنه غير واحد وعندهم معروف من طريقة وهو عندهم ضعيف في الحديث إلى الغاية، حجة في القرآن قال يحيى بن معين: حفص ليس بثقة، وقال البخاري: تركوه.
ثم سرد الشيخ كلام الأئمة فيه، وقال (٢) : وقد رواه الطبراني في المعجم من حديث الليث بن بنت ليث بن أبي سليم عن زوجة جده عائشة عن ليس، وهذا الليث وزوجه جده مجهولان، ونفس المتن باطل، فإن الأعمال التي فرضها الله ورسوله لا يكون الرجل بها مثل الواحد من الصحابة، بل في الصحيحين (٣) عنه أنه قال: ((لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) فالجهاد والحج ونحوهما أفضل من زيارة قبره باتفاق المسلمين، ولا يكون الرجل بهما كمن سافر إليه في حياته ورآه، كيف وذاك إما أن يكون مهاجراً إليه كما كانت الهجرة قبل الفتح، أو من الوفود الذين كانوا يفدون إليه يتعلمون الإسلام ويبلغونه عنهم إلى قومهم، وهذا عمل لا يمكن أحداً بعدهم أن يفعل مثله.
ومن شبه من زار قبر شخص بمن كان يزوره في حياته فهو مصاب في عقله ودينه، والزيارة الشرعية لقبر الميت مقصودها الدعاء له والاستغفار كالصلاة على جنازته والدعاء المشروع المأمور به في حق نبينا كالصلاة عليه والسلام عليه، وطلب الوسيلة له مشروع في جميع الأمكنة لا يختص بقبره عمل صالح تمتاز به تلك البقعة، بل كل عمل صالح يمكن فعله هناك يمكن فعله في سائر البقاع.
لكن مسجده أفضل من غيره فالعبادة فيه فضيلة يكونها في مسجده كما قال: صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)) (٤) والعبادات المشروعة فيه بعد دفنه، مشروعة فيه قبل أن يدفن النبي ﷺ في حجرته، وقبل أن تدخل حجرته في المسجد، ولم يتحدد بعد ذلك فيه عبادة غير العبادات التي كانت على عهد النبي ﷺ وغير ما شرعه هو لأمته، ورغبهم فيه ودعاهم إليه، وما يشرع للزائر من صلاة وسلام ودعاء له وثناء عليه، كل ذلك مشروع في مسجده في حياته، وهي مشروعة في