وقد نصَّ على ضعف هذا الحديث:
(١) الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/ ١٣٠) حيث قال: حديث (سلمان منا أهل البيت) رواه الطبراني. وفيه كثير بن عبد الله المزني، ضعَّفه الجمهور. وقال أيضاً (٩/ ١١٨): حديث (سلمان منا أهل البيت) فيه النضر بن حميد الكندي، متروك.
(٢) ابن كثير في "البداية والنهاية" (٤/ ١٠١ - ١٠٢) قال: هذا حديث غريب.
(٣) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ١٦٠) رقم (٧٥٦) قال: ضعيف ولم يذكر أحد أنه موضوع.
(٤) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٥٥٨) رقم (١٥٠٥) قال: ضعيف.
(٥) العلامة الألباني في "الضعيفة" (٣٧٠٤) و"ضعيف الجامع" (٣٢٧٢) قال: ضعيف جداً.
(٦) شيخنا الوادعي في تعليقه على "المستدرك" (٤/ ٢٥) رقم (٦٦١٨) قال: معضل. وقال في "رياض الجنة " (ص: ٥٨) حاشية: لا يثبت.
стр. 387
التعليق:
قال العلامة الألباني ﵀ في "الضعيفة": قد صح الحديث موقوفاً على علي ﵁ كما عند ابن أبي شيبة وابن سعد وأبي نعيم في "الحلية" وابن عساكر أنه: سُئل علي عن سلمان الفارسي؟ فقال: ذاك أمير منا أهل البيت، من لكم بمثل لقمان الحكيم عَلِمَ العلم الأول وأدرك العلم الآخر، وقرأ الكتاب الأول والكتاب الآخر وكان بحراً لا ينزف. …
وقال ﷺ : (لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من فارس) متفق عليه.
عن أبي هريرة ﵁ وقال ﷺ : (لو كان الإيمان عند الثريا لذهب به رجل من فارس حتى يتناوله) رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁.
وقال ﷺ : (إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة علي وعمار وسلمان) (١).
ومناقب سلمان كثيرة جداً تغنينا عن هذا الحديث الضعيف.
стр. 388
(٩٨) حديث: (الساكت عن الحق شيطان أخرس) .
(ليس بحديث)
لقد اشتهرت هذه المقولة على ألسنة كثير من الناس، بل تناقلتها وسائل الإعلام وهي: (الساكت عن الحق شيطان أخرس) وبعضهم ينسبها إلى النبي ﷺ على أنها حديث نبوي، وهذا ليس بصحيح وإنما هي مجرد مقولة تناقلها الناس وليس لها في كتب السنة أساس.
قال محمد عمرو عبد اللطيف في كتابه "تبييض الصحيفة بأصول الأحاديث الضعيفة" (٢/ ٧١): لم أقف له على أصل صحيح ولا ضعيف عن النبي ﷺ ، ولا موقوفاً على أحد من الصحابة أو التابعين ومتقدمي السلف رضوان الله عليهم، ولا رأيت أحداً من المصنفين في "الأحاديث المشهورة" تعرض له بنفي أو إثبات، على الرغم من اشتهاره جداً في أيامنا هذه. ومن طالع الصحف الجادة بانتظام وجد كثيراً من المقالات قد صُدِّر بها هذا الكلام، وألصق بالنبي ﷺ إلصاقاً بصيغة الجزم … إلخ.
التعليق:
قلت: هذه العبارة وهي (الساكت عن الحق شيطان أخرس) معناها صحيح وإن لم تكن من كلام رسول الله ﷺ .
وقد ذكرها النووي في "شرح صحيح مسلم" تحت حديث (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً … ).
стр. 389
وابن العماد في "شذرات الذهب" (٣/ ٣٢٤)، والعلامة بكر أبو زيد في "هجر المبتدع" على أنها من كلام أبي علي الدقاق.
وبالمناسبة أذكر لك هنا كلاماً نفيساً للإمام ابن القيم (١) ﵀ حول حفظ اللسان من قول الباطل أو السكوت عن الحق.
قال ﵀ حكاية عن الشيطان أعاذنا الله منه: ثم يقول -أي الشيطان وهو يخطب في أتباعه وجنوده ويوصيهم بوصايا- قوموا على ثغر اللسان، فإنه الثغر الأعظم وهو قبالة الملك، فأجروا عليه من الكلام ما يضره ولا ينفعه، وامنعوه أن يجري عليه شيء مما ينفعه من ذكر الله، واستغفاره، وتلاوة كتابه، ونصيحته عباده، أو التكلم بالعلم النافع، ويكون لكم في هذا الثغر أثران عظيمان لا تبالون بأيهما ظفرتم:
أحدهما: التكلم بالباطل، فإنما المتكلم بالباطل أخ من إخوانكم ومن أكبر جندكم وأعوانكم.
الثاني: السكوت عن الحق، فإن الساكت عن الحق أخ لكم أخرس، كما أن الأول أخ لكم ناطق، وربما كان الأخ الثاني أنفع إخوانكم لكم، أما سمعتم قول الناصح: المتكلم بالباطل شيطان ناطق، والساكت عن الحق شيطان أخرس، فالرباط الرباط على هذا الثغر أن
стр. 390
يتكلم بحق أو يمسك عن باطل، وزينوا له التكلم بالباطل بكل طريق، وخوفوه من التكلم بالحق بكل طريق، واعلموا يا بنيَّ أن ثغر اللسان هو الذي أُهلِكَ منه بني آدم وأكبهم منه على مناخرهم في النار، فكم لي من قتيل وأسير وجريح أخذته من هذا الثغر، وأوصيكم بوصية فاحفظوا لينطق أحدكم على لسان أخيه من الإنس بالكلمة، ويكون الآخر على لسان السامع فينطق باستحسانها وتعظيمها والتعجب منها، ويطلب من أخيه إعادتها، وكونوا أعواناً على الإنس بكل طريق، وادخلوا عليهم من كل باب واقعدوا لهم كل مرصد.
стр. 391
(٩٩) حديث: (شاوروهنَّ وخالفوهنَّ) .
(لا أصل له)
لقد اشتهر هذا الحديث في أوساط كثير من الناس على أنه من كلام رسول الله ﷺ ، والصحيح أنه باطل لا أصل له عن النبي ﷺ كما نصَّ على ذلك جمع من العلماء، منهم:
(١) ابن حجر كما نقل عنه في "التمييز".
(٢) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٢٩٧) رقم (٥٨٥).
(٣) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ٩٢).
(٤) السيوطي في "الدرر المنتثرة" (ص: ١٣١) رقم (٢٦٧).
(٥) المناوي في "فيض القدير" (٤/ ٣٤٧).
(٦) القاري في "المصنوع" (ص: ١١٣).
(٧) السمهودي في "الغماز على اللماز" (ص: ١٢١).
(٨) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٤) رقم (١٩٢٩).
(٩) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ١٦٥) رقم (٧٨٤).
(١٠) ابن طاهر في "تذكرة الموضوعات" (ص: ١٢٨).
стр. 392
(١١) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ١٢٢).
(١٢) الصعدي في "النوافح العطرة" (ص: ١٦٩) رقم (٨٩٩).
(١٣) الألباني في "الضعيفة" (١/ ٤٢٩) رقم (٤٣٠).
التعليق:
قلت: لا شك أن هذا القول: (شاوروهنَّ وخالفوهنَّ) من الإجحاف في حق النساء، ففي كثير من الأحيان إذا أصاب الرجل الهمُّ لجأ -بعد الله تعالى- إلى أمِه طالباً منها المشورة والدعاء؛ أو ربما لجأ إلى حليلته يبثها شكواه فتخفف عنه من همه.
تأملوا حال رسول الله ﷺ لما رجع من الغار بعد أن جاءه الملك رجع ﷺ ترجف بوادره حتى دخل على خديجة ﵂ فقال: (زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، ثم قال: (أي خديجة مالي؟ قال: لقد خشيت على نفسي. قالت له خديجة: كلا. أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً، والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة ﵂ حتى أتت به ورقة ابن نوفل … ) رواه البخاري ومسلم.
فمن آزر الرسول ﷺ وهدَّأ من روعه وطمأنه إلا خديجة ﵂ صاحبة العقل والرأي السديد، ولذا كان رسول الله ﷺ يعرف لها حقها وقدرها حتى بعد موتها.
стр. 393
كيف لا تُستشار المرأة إذا كانت أهلا للمشورة، وقد استشار ﷺ المرأة وأخذ بمشورتها في قضية تهم المسلمين بل قد أهمت رسول الله ﷺ في يوم مشهود من أيامه ﷺ .
أما سمعتم -رعاكم الله-: عن إحجام الصحابة عن حلق رؤوسهم يوم الحديبية، فلما قال رسول الله ﷺ لهم: قوموا فانحروا ثم احلقوا.
قال الراوي: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات؛ فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة ﵂ فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فأخذ بمشورتها، فخرج ولم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك: نحر بُدنَه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً. كما عند البخاري في الصحيح.
فمن الذي أشار على رسول الله ﷺ بأمرٍ فيه الرأي الرشيد؟ ومن الذي أزاح الهم عن نفس رسول الله ﷺ ؟ وليست هذه حادثة فريدة، فقد استشار رسول الله ﷺ امرأة أخرى في قضية تُعد من أخطر القضايا، فقد سأل زينب بنت جحش عن عائشة ﵂ بعد حادثة الإفك، وما جرى فيها لرسول الله ﷺ من الهم. قالت عائشة: وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ عن أمري،
стр. 394
فقال: ما علمتِ أو ما رأيتِ؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيراً، قالت عائشة وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ فعصمها الله بالورع. متفق عليه.
بل وثبت في البخاري عن عمر ﵁ أنه قال: والله ما كنا في الجاهلية نعد النساء شيئاً حتى أنزل الله تعالى فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم وبينما أنا في أمر أأتمره فقالت لي امرأتي لو صنعت كذا وكذا فقلت لها مالكِ أنت ولِمَا هاهنا وتكلفك في أمر أريده، فقالت لي: عجباً يا ابن الخطاب ما تريد أن تُراجَع أنت وإن ابنتك لتراجع رسول الله ﷺ حتى يظل يومه غضبان، فأخذت ردائي ثم انطلقت أدخل على حفصة فقلت لها يا بنيه … إنك لتراجعين رسول الله ﷺ حتى يظل يومه غضبان؟ فقالت: إنا والله لنراجعه. رواه البخاري.
وقبل ذلك ابنت الرجل الصالح أشارت على أبيها بالرشد في أمر موسى ﵇ فقالت ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ … (٢٦)﴾ ﴿القصص: ٢٦﴾ فأصابت وأخذ برأيها.
وكل هذا إذا كانت المرأة صاحبة رأي وعقل ودين وفهم فيما استشيرت فيه، فلا بأس أن تستشار، وإلا فقد أخبر النبي ﷺ أن النساء ناقصات عقل ودين كما في الصحيحين، وقال ﷺ : (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) رواه البخاري.
стр. 395
(١٠٠) حديث: (شراركم عزابكم) .
(ضعيف)
رواه أبو يعلى في "مسنده" (٢/ ٣٩٧) رقم (٢٠٣٨)، والطبراني في "الأوسط" (٤٤٧٣)، وابن عدي في "الكامل" (٣/ ٤٧٨) عن أبي هريرة ﵁.
وفيه: خالد بن إسماعيل المخزومي وهو متروك.
قال ابن عدي: خالد بن إسماعيل يضع الحديث على ثقات المسلمين، وعامة أحاديثه موضوعة.
ورواه أحمد في "مسنده" (٢١٤٥٠) وعبد الرزاق في "المصنف" (٦/ ١٧١) رقم (١٠٣٨٧) من حديث أبي ذر ﵁.
وهو ضعيف لجهالة الرجل الراوي عن أبي ذر ﵁.
ورواه البيهقي في "الشعب" (٥٤٨٠) عن عطية بن بسر المازني. …
وفيه: معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف. وبقية بن الوليد وقد عنعن.
وقد نصَّ على ضعف هذا الحديث جمع من العلماء منهم:
(١) ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٤٣) رقم (١٢٥٠) و"العلل المتناهية" (٢/ ٦٠٨) رقم (٩٩٩).
(٢) ابن حجر في "المطالب العالية" (٢/ ٣٠ - ٣٦) رقم (١٥٨٥).
(٣) الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٢٥٠ - ٢٥١).
стр. 396
(٤) البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة " (٤/ ٩) رقم (٣٠٧٥).
(٥) السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (٢/ ١٣٦) و"الدرر المنتثرة" (٢٦٨).
(٦) المناوي في "فيض القدير" (٤/ ٢٠٧).
(٧) السخاوي في "المقاصد الحسنة " (ص: ٢٩٩) رقم (٥٨٩).
(٨) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ٩٣).
(٩) العجلوني في "كشف الخفاء" (١٩٣٨).
(١٠) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ١٢٥).
(١١) السمهودي في "الغماز على اللماز" (ص: ١٢٢) رقم (١٢٥).
(١٢) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ١١٣) رقم (٥).
(١٣) المباركفوري في "تحفة الأحوذي" (٤/ ١٦٨).
(١٤) العلامة الألباني في "الضعيفة" (٢٥١١) و"ضعيف الجامع" (٣٣٨٧) و (٣٣٨٨).
التعليق:
قلت: لاشك أن هذا الحديث باطل لا يصح عن النبي ﷺ ، وقد جاءت جملة من الأحاديث في هذا الموضوع وهي باطلة ولا تصح أيضاً، منها:
• حديث: (ركعتان من المتزوج خير من سبعين ركعة من الأعزب) ذكره ابن الجوزي في "الموضوعات".
стр. 397
• حديث: (فراش الأعزب من النار) قال ابن تيمية: موضوع.
• حديث: (خير أمتي أولها المتزوجون وآخرها العزاب … ) وفي إسناده كذَّاب.
• حديث: (خيركم في رأس المأتين الخفيفُ الحاذّ، قيل: يا رسول الله، ما خفة الحاذ؟ قال: (من لا أهل له ولا مال) لا أصل له. …
"حاشية شرح المجموع" (ص: ١٣٣) لابن عثيمين.
قال ابن القيم ﵀ في "المنار المنيف" (٢٨٦): أحاديث مدح العزوبة كلها باطل.
فائدة:
من الطريف أنه وجد من أهل العلم والفضل وغيرهم ممن يُرَغِب عن الزواج حتى قال أحدهم في الترغيب عن الزواج:
قالوا تزوج فلا دنيا بلا امرأة … وراقب الله واقرأ آي ياسينا
لما تزوجت طاب العيش لي وحلا … وصرت بعد وجود الخير مسكينا
جاء البنون وجاء الهم يتبعهم … ثم التفت فلا دنيا ولا دينا
هذا الزمان الذي قال الرسول لنا … خفوا الرجال فقد فاز المخفون
وقال الإمام النووي في مقدمة "المجموع": قال الخطيب البغدادي في كتابه "الجامع لآداب الرواي والسامع": يُستحب للطالب أن يكون عزباً ما أمكنه لئلا يقطعه الاشتغال بحقوق الزوجة والاهتمام بالمعيشة عن إكمال طلب العلم.
стр. 398
وعن إبراهيم بن أدهم: من تعود أفخاذ النساء لم يفلح.
وعن سفيان: إذا تزوج الفقيه فقد ركب البحر، فإن ولد له فقد كسر به.
وقال سفيان لرجل: تزوجت؟ قال: لا. قال: ما تدري ما أنت فيه من العافية.
قال العلامة ابن عثيمين (١) ﵀: هذا لا نوافق عليه اطلاقاً كيف والرسول ﷺ يحث الشباب على الزواج: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج) ونحن نقول: يا معشر الطلاب لا تتزوجوا، هذا قول بعيد عن الصواب، بل يُقال تزوج وربما تكون الزوجة خير معين له على علمه، لكن مطلق الفردية لا نوافق عليه اطلاقاً.
ثم قال: أنا أعجب أن تخرج هذه الكلمات من هؤلاء الأجلة، مع أن الرسول ﷺ يحث على الزواج وأن نتزوج، وقال: (خيركم خيركم لأهله) وإذا كان أعزب فأين الأهل … اهـ.
قلت: وهذا ابن عباس ﵁ يقول لسعيد بن جبير: هل تزوجت؟ قال: لا. قال: فتزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساءً.
وهذا ابن مسعود ﵁ يقول: لو لم يبق من الدهر إلا ليلة لأحببت أن يكون لي في تلك الليلة امراة.
стр. 399
فائدة:
ذكر العلامة بكر أبو زيد (١) ﵀ جملة من الأعلام الذين لم يتزوجوا، منهم: مالك بن دينار، وعبد الله ابن أبي نجيح، وإبراهيم بن أدهم، ويونس بن حبيب أبو عبد الرحمن الضبي مولاهم، وحسين بن علي الجعفي مولاهم، وبشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء، وهنَّاد بن السري التميمي، وأبو الجنيد الختلي، وبكار بن قتيبة بن عبد الله الثقفي، وحمد بن أبي جعفر بن علي بن عبد الله الوراق، وسعدون بن إسماعيل الأندلسي، وإسحاق بن سليمان الطبيب المعروف بالإسرائيلي، وأبو جعفر الطبري، وابن الأنباري أبو بكر محمد بن القاسم، وعلي بن عبد الرحمن بن صيف، وإبراهيم بن أحمد بن محمد بن رجاء النيسابوري، وابن أبي ديلم، وأبو علي الفارسي الحسن بن أحمد الفارسي، ومحمد بن يزيد البطليوسي، و أبو عمرو معوذ بن داود الأزدي التاكرتي، وعبد الرحيم بن عبد ربه الربعي المعروف بالزاهد، وأبو نصر السجزي عبيد بن سعيد الوائلي من أعلام أهل السنة الحفاظ، وأبو سعد السمعاني، وأبو الحسين بن علي
الفاسي، والشيرزاي، والزمخشري، والنووي، وابن تيمية، والسخاوي، وغير هؤلاء كثير.
стр. 400
(١٠١) حديث: ( … شهر رمضان أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار) .
(ضعيف)
رواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٣/ ١٩٢) رقم (١٨٨٧)، والمحاملي في "أماليه" (٢٩٣) عن سلمان ﵁.
وهو حديث طويل، لفظه: (يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعاً، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه رزق المؤمن، من فطر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء، قالوا: ليس كلنا نجد ما يفطر الصائم، فقال: يعطي الله هذا الثواب من فطر صائماً على تمرة أو شربة ماء، أو مذقة لبن، ومن أشبع صائماً سقاه الله من الحوض شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة، وهو شهر أوله رحمة، ووسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتان ترضون بها ربكم وخصلتان لا غنى بكم عنها، أما الخصلتان اللتان
стр. 401
ترضون بها ربكم شهادة ألا إله إلا الله، وتستغفرونه، وأما الخصلتان التي لا غنى بكم عنهما تسألونه الجنة وتتعوذون من النار).
وفي سنده: علي بن زيد بن جدعان، ضعيف.
قال ابن سعد: فيه ضعف ولا يحتج به.
وقال أحمد: ليس بالقوي.
وقال ابن معين: ضعيف.
وقال ابن أبي خيثمة: ضعيف في كل شيء.
وقال ابن خزيمة: لا يحتج به لسوء حفظه.
"تهذيب التهذيب" (٧/ ٢٧٤ - ٢٧٦).
وقد ضعَّف هذا الحديث جمع من أهل العلم، منهم:
(١) ابن خزيمة.
(٢) ابن حجر كما نقل عنه السيوطي في "جمع الجوامع" ..
(٣) السيوطي في "جمع الجوامع" (٤/ ٢٣٧).
(٤) نقل ابن أبي حاتم عن أبيه في "علل الحديث" (١/ ٢٤٩): أنه حديث منكر.
стр. 402
(٥) العلامة الألباني في "الضعيفة" (١) (٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣) رقم (٨٧١).
(٦) سليم الهلالي.
(٧) علي الحلبي. في "صفة صوم النبي ﷺ في رمضان" (ص: ١١٠ - ١١١).
وجاء بلفظ: (أول شهر رمضان رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار) أخرجه العقيلي في "الضعفاء" (٢/ ١٦٢)، وابن عدي في "الكامل" (٤/ ٣٢٥) والخطيب في "الموضح" (٢/ ١٤٩)، وغيرهم عن سلام بن سوار عن مسلمة بن الصلت عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁.
قال ابن عدي: سلام بن سليمان بن سوار هو عندي منكر الحديث، ومسلمة ليس بمعروف، وكذا قال الذهبي.
وقال ابن أبي حاتم: مسلمة متروك الحديث.
وقال العقيلي: لا أصل له من حديث الزهري.
والحديث ضعَّفه:
(١) السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ١٨٤).
(٢) الألباني في"الضعيفة" (١٥٦٩)، و"ضعيف الجامع" (٢١٣٥).
стр. 403
التعليق:
قلت: لا شك أن شهر رمضان من أوله إلى أخره رحمة، ومغفرة، وعتق من النار، خلافاً لهذا الحديث الضعيف الذي قيد المغفرة في أوله، والرحمة في وسطه، والعتق من النار في آخره.
أما الرحمة: فقوله ﷺ : (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة) متفق عليه، وفي رواية لمسلم: (فتحت أبواب الرحمة).
وأما المغفرة: فقوله ﷺ : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه عن أبي هريرة ﵁.
أما العتق: فقوله ﷺ : (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة) (١).
стр. 404
(١٠٢) حديث: (شهر رمضان معلق بين السماء والأرض ولا يرفع إلى الله إلا بزكاة الفطر) .
(ضعيف)
رواه ابن شاهين في "ترغيبه"، والضياء عن جرير ﵁.
وفي سنده: محمد بن عبيد وهو مجهول.
وقد ضعَّف هذا الحديث جمع من أهل العلم، منهم:
(١) ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/ ٤٩٩) رقم (٤٢٨).
(٢) ابن حجر في "لسان الميزان" (٥/ ٢٧٧) رقم (٧٧٩٧).
(٣) السيوطي في "الجامع الصغير".
(٤) المناوي في "فيض القدير" (٢/ ٥٧٨) رقم (٢٢٨٧) و (٤/ ٢١٩) رقم (٤٩٠٥).
(٥) البيروتي في "أسنى المطالب" (٧٩٥).
(٦) الألباني في "الضعيفة" (١/ ٥٩) رقم (٤٣)(١).
(٧) ابن عثيمين في "دروس وفتاوى الحرم المكي" (٨٧٥).
стр. 405
التعليق:
قال العلامة الألباني (١) ﵀: ثم إن هذا الحديث لو صح لكان ظاهر الدلالة على أن قبول صوم رمضان متوقف على إخراج صدقة الفطر، فمن لم يخرجها لم يقبل صومه، ولا أعلم أحداً من أهل العلم يقول به.
أقول هذا وأنا أعلم أن بعض المفتين ينشر هذا الحديث على الناس كلما أتى شهر رمضان، وذلك من التساهل الذي كنا نطمع في أن يحذروا الناس منه فضلاً عن أن يقعوا فيه هم أنفسهم. اهـ.
قلت: أما حكم زكاة الفطر فواجبة بالسنة والإجماع. …
أما السنة: فعن ابن عمر ﵄ قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صَاعًا من تَمر، أَوْ صَاعًا من شعيرٍ، على العبد والحر والذَّكَرِ والأنثَى والصغِيرِ والكَبير من المسلمين وأَمَرَ بها أَنْ تُؤدَّى قبل خروج النَّاس إلى الصلاة) متفق عليه.
وأما الإجماع: فقد نقله غير واحد من أهل العلم، كابن عبد البر وابن المنذر وغيرهما.
فائدة: ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز إخراج زكاة الفطر من غير هذه الأجناس المذكورة في الحديث، فقالوا: يجوز إخراجها من قوت أهل البلد كالأرز والدقيق والدخن والحنطة وغير ذلك.
стр. 406
(١٠٣) حديث: (صلوا خلف كل برٍ وفاجر) .
(ضعيف)
رواه أبو داود (٥٩٤) و (٢٥٣٣)، وعنه البيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ٢٩) رقم (٦٨٣٢)، والدارقطني في "السنن" (٢/ ٥٦ - ٥٧) عن مكحول عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً.
وعلة الحديث: الإنقطاع بين مكحول وأبي هريرة ﵁.
وقد ضعَّف الحديث جمع من أهل العلم، منهم:
(١) الإمام أحمد كما نقل عنه الحافظ في "التلخيص".
(٢) الدارقطني في "السنن" (٢/ ٥٦ - ٥٧).
(٣) البيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ٢٩).
(٤) قال الزيلعي في "نصب الراية " (٢/ ٢٦ - ٢٧).
(٥) ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/ ٤١٨ - ٤٢٥).
(٦) ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٢/ ٣٥) رقم (٥٧٧).
(٧) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٣١٨).
(٨) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٣٧) رقم (١٦١١).
стр. 407
(٩) العلامة الألباني في "الإرواء" (٥٢٧)(١).
(١٠) العلامة ابن باز في "مجموع فتاوى ابن باز" (٤/ ٣٠٣).
(١١) … مشهور في "أخطاء المصلين" (ص: ٤٤٩).
التعليق:
قلت: هذا الحديث لم يصح عن النبي ﷺ فلا تجوز نسبته إليه، ولا يتوهمن متوهم أن الصلاة خلف الفاجر لا تجوز بمجرد تضعيف هذا الحديث، فقد أخرج البخاري عن ابن عمر ﵁: أنه كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف الثقفي.
وأخرج مسلم وأهل السنن: أن أبا سعيد الخدري ﵁ صلى خلف مروان صلاة العيد في قصة تقديمه الخطبة على الصلاة وإخراجه منبر النبي ﷺ .
قال الإمام الشوكاني (٢) ﵀: ثبت إجماع أهل العصر الأول من الصحابة ومن معهم من التابعين إجماعاً فعلياً، ولا يبعد أن يكون قولياً على الصلاة خلف الجائرين، لأن الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات الخمس، فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم في كل بلدة فيها أمير، وكانت الدولة إذ ذاك لبني أمية، وحالهم وحال أمرائهم لا يخفى.
стр. 408
وقال ابن أبي العز (١) ﵀: اعلم رحمك الله وإيانا، أنه يجوز للرجل أن يصلي خلف من لم يعلم منه بدعه ولا فسقاً باتفاق الأئمة، وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه، ولا أن يمتحنه، فيقول ماذا تعتقد؟ بل يصلي خلف المستور الحال، ولو صلى خلف مبتدع يدعو إلى بدعته، أو فاسق ظاهر الفسق وهو الإمام الراتب الذي لا يمكنه الصلاة إلا خلفه كإمام الجمعة والعيدين والإمام في صلاة الحج بعرفة، ونحو ذلك فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف، ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر فهو مبتدع عند أكثر العلماء.
والصحيح: أنه يصليها ولا يعيدها، فإن الصحابة ﵃ كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار، ولا يعيدون كما كان عبد الله بن عمر ﵄ يصلي خلف الحجاج بن يوسف، وكذلك أنس ﵁، كما تقدم، وكذلك عبد الله بن مسعود ﵁، وغيره يصلون خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان يشرب الخمر، حتى إنه صلى بهم الصبح مرة أربعاً ثم قال أزيدكم؟ فقال له ابن مسعود: ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة.
وفي الصحيح أن عثمان بن عفان ﵁ لما حُصر صلى بالناس شخص، فسأل سائل عثمان إنك إمام عامة وهذا الذي صلى بالناس إمام فتنة؟ فقال يا ابن أخي إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس فإذا أحسنوا فأحسن معهم وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم، والفاسق والمبتدع صلاته في نفسها صحيحة، فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته، لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه لأن
стр. 409
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، ومن ذلك أن من أظهر بدعة وفجوراً لا يترتب إماماً للمسلمين فإنه يستحق التعزير حتى يتوب، فإن أمكن هجره حتى يتوب كان حسناً، وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره أثَّر ذلك في إنكار المنكر حتى يتوب، أو يعزل، أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه، فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان في ذلك مصلحة شرعية، ولم تفت المأموم جمعة ولا جماعة، وأما إذا كان ترك الصلاة خلفه يفوت المأموم الجمعة والجماعة فهنا لا يترك الصلاة خلفه إلا مبتدع مخالف للصحابة ﵃، وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور ليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية، فهنا لا يترك الصلاة خلفه بل الصلاة خلفه أفضل، فإذا أمكن الإنسان أن لا يُقَدِّم مظهراً للمنكر في الإمامة وجب عليه ذلك، لكن إذا ولاه غيره ولم يمكنه صرفه عن الإمامة أو كان لا يتمكن من صرفه عن الإمامة إلا بشرٍّ أعظم ضرراً من ضرر ما أظهر من المنكر فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بحصول أعظمهما، فإن الشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، بقدر الإمكان، فتفويت الجمع والجماعات أعظم فساداً من الاقتداء فيهما بالإمام الفاجر، لا سيما إذا كان التخلف عنها لا يدفع فجوراً، فيبقى تعطيل المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة.
стр. 410
(١٠٤) حديث: (صنفان من أمتي إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد النَّاس: العلماء والأمراء) .
(موضوع) …
رواه أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ١٠٠)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (١/ ١٨٤) عن ابن عباس ﵄.
وفي سنده: محمد بن زياد اليشكري.
قال الإمام أحمد: كذَّاب أعور يضع الحديث.
وقال ابن معين والدارقطني: مثله.
"تهذيب التهذيب" (٩/ ١٤٥ - ١٤٦) رقم (٦١٤٥).
وقد حكم جمع من العلماء على عدم ثبوت هذا الحديث، منهم:
(١) الحافظ العراقي، كما نقل عنه الزبيدي والمناوي.
(٢) السيوطي، كما نقل عنه المناوي.
(٣) المناوي في "فيض القدير" (٤/ ٢٧٦).
(٤) الزبيدي في "إتحاف السادة المتقين" (١/ ٧٨).
(٥) الألباني في "الضعيفة" (١٦) و"ضعيف الجامع" (٣٤٩٥).
стр. 411
(٦) شيخنا العلامة الوادعي في "المقترح" (ص: ١٣).
(٧) اللجنة الدائمة (٤/ ٤٢٧).
التعليق:
قلت: الحديث معناه صحيح.
قال المناوي (١): فبصلاح العلماء والأمراء صلاح الناس، وبفساد العلماء والأمراء فساد الناس، فالعالم يقتدي به الناس في أفعاله وأقواله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، والأمير يحمل الناس على ما يفسدهم أو يصلحهم، ولا يمكن مخالفته. اهـ.
ولله در ابن المبارك حين قال:
وهل أفسد الدين إلا الملوك … وأحبار سوء ورهبانها
وقال محمد بن محمد ابن عبد الكريم الموصلي الشافعي (٢): تصلح البلاد والعباد بالسلطان العادل، وكما أنه ليس فوق رتبة السلطان العادل رتبة فكذلك ليس فوق رتبة السلطان الشرير رتبة لأن شره يعم، وكما أن بالسلطان العادل تصلح البلاد والعباد، كذلك بالسلطان الجائرتفسد البلاد والعباد وتقترف المعاصي والآثام، وكذلك السلطان إذا
стр. 412
عدل انتشر العدل في الرعية، فأقاموا الوزن بالقسط، وتعاطوا الحق فيما بينهم ولزموا قوانين العدل، فمات الباطل، وذهب رسوم الجور، فأرسلت السماء غيثها، وأخرجت الأرض بركتها، ونمت تجاراتهم، وزكت زروعهم، وتناسلت أنعامهم، ودرت أرزاقهم، ورخصت أسعارهم، فواسى البخيل، وأفضل الكريم، وقضيت الحقوق، وأعيرت المواعين، وتهادوا فضول الأطعمة والتحف، فهان كل الحطام لكثرته، وذل بعد عزته فتماسكت على الناس مروءاتهم، وحفظت عليهم أديانهم.
وبهذا يتبين لك أن الوالي مأجورعلى ما يتعاطاه من إقامة العدل، وعلى مايتعاطاه الناس بسببه.
وإذا جار السلطان انتشر الجور في البلاد، وعم العباد، فَرَقَّتْ أديانهم، واضمحلت مروءاتهم، وقست قلوبهم، وفشت فيهم المعاصي وذهبت أماناتهم، فضعفت النفوس، وقنطت القلوب، فضعفوا عن إقامة الحق فتعاطوا الباطل، وبخسوا الكيل والميزان، وروجوا البهرج، فرفعت منهم البركة، وأمسكت السماء غيثها ولم تخرج الأرض زرعها ونباتها، فقل في أيديهم الحطام، فقنطوا وأمسكوا الفضل الموجود، وتناجزوا على المفقود، فمنعوا الزكوات المفروضة، وبخلوا بالمواساة المسنونة، وقبضوا أيديهم عن المكارم، وفشت فيهم الأيمان الكاذبة، والختل في البيع والشراء، والمكر والحيل في القضاء والاقتضاء، فيظل أحدهم عارياَ من محاسن دينه، متجرداً من جلباب مروءته، ومن عاش كذلك فبطن الأرض خير له من ظهرها.
стр. 413
قال وهب بن منبه: إذا عمل الوالي بالجور أوْ هَمَّ به، أدخل الله النقص في أهل مملكته من الزرع والضرع وكل شيء، وكذلك إذا هَمَّ بالعدل أوعمل به أدخل الله البركة في أهل مملكته.
قال عمر بن عبد العزيز: تهلك العامة بذنب الخاصة، وتهلك الخاصة بعمل العامة.
والخاصة هم الولاة وفي هذا المعنى قال الله تعالى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ ﴿الأنفال: ٢٥﴾.
وقال سفيان الثوري لأبي جعفر المنصور: إني لأعلم رجلاً إن صلح صلحت الأمة؟ قال: ومن هو؟ قال: أنت.
قال ابن عباس ﵄: إن ملكاً من الملوك خرج يسير في مملكته مستخفياً، فنزل على رجل له بقرة، فراحت فحلبت له وزن ثلاثين بقرة (والله على كل شيء قدير)، فعجب الملك من ذلك وحدث نفسه بأخذها، فلما راحت عليه من الغد حلبت على النصف، فقال الملك: ما بال حلابها انتقص، أرعيت في غير مرعاها بالأمس؟ فقال: لا. ولكن أظن أن مَلِكَنا هم بأخذها فنقص لبنها، فإن الملك إذا ظلم أو هم بظلم ذهبت البركة، فعاهد الله سبحانه في نفسه ألا يأخذها، وراحت من الغد فحلبت حلاب ثلاثين بقرة، فتاب الملك وعاهد ربه ليعدلنًّ ما بقي.
стр. 414
ومن المشهور في أرض المغرب أن السلطان بلغه أن امرأة لها حديقة فيها القصب الحلو، وأن القصبة الواحدة منها تعصر قدحاً، فعزم على أخذها منها، ثم أتاها وسألها عن ذلك فقالت: نعم، ثم إنها عصرت قصبة فلم تعصر نصف قدح. فقال لها: أين الذي كان يُقال؟ فقالت: هو الذي بلغك، إلا أن يكون السلطان عزم على أخذها مني فارتفعت البركة منها، فتاب السلطان وأخلص نيته لله تعالى ألا يأخذها أبداً، ثم أمرها فعصرت قصبة فجاءت ملء قدح.
قال صاحب سراج الملوك: وشهدت أنا بالإسكندرية، والصيد بالخليج مطلق للرعية، والسمك فيه يغلب الماء كثرة، ويصيده الأطفال بالخرق، ثم حجره الوالي ومنع الناس من صيده، فذهب السمك حتى لا تكاد توجد منه إلا الواحده بعد الواحده إلى يومنا هذا.
قال: وهكذا تتعدى سرائر الملوك وعزائمهم ومكنون ضمائرهم إلى الرعية، إن خير فخير، وإن شر فشر.
قال: وروى أصحاب التواريخ في كتبهم أن الناس كانوا إذا أصبحوا في أيام الحجاج يتساءلون من قتل البارحة؟ ومن صلب؟ ومن جلد؟ ومن قطع؟ وأمثال ذلك.
وكان الوليد صاحب ضياع واتخذ مصانع، فكان الناس يتساءلون في زمانه عن البنيان، والمصانع، والضياع، وشق الأنهار، وغرس الأشجار.
стр. 415
ولما ولي سليمان بن عبد الملك وكان صاحب نكاح وطعام، فكان الناس يتحدثون في الأطعمة الرفيعة ويتخذونها، ويتوسعون في الأنكحة والسراري، ويعمرون مجالسهم بذكر ذلك.
ولما ولي عمر بن عبد العزيز كان الناس يتساءلون في زمانه: كم تحفظ من القرآن؟ وكم وردك؟ وكم يحفظ فلان؟ وكم يصوم؟ وأمثال ذلك. اهـ. …
وأما الصنف الثاني وهم العلماء: فبصلاحهم صلاح العباد والبلاد، وبفسادهم فساد العباد والبلاد.
قال بعض العلماء: احذر من الاغترار بعلماء السوء، فإن شرهم أعظم على الدين من شر الشياطين، إذ الشياطين بواسطتهم يتصيدون إلى انتزاع الدين من قلوب المؤمنين.
قال ابن عباس ﵄: ويل للعالم من الأتباع، يزل زلة فيرجع عنها ويتحملها الناس فيذهبون في الآفاق.
وفي منثورالحكم: زلة العالم كانكسارالسفينة تغرق ويغرق معها خلق كثير. قيل: لعيسى ﵇: من أشد الناس فتنة؟ قال: زلة عالم.
وفي الإسرائيليات أن عالماً كان يضل الناس ببدعته ثم تاب وعمل صالحاً، فأوحى الله تعالى إلى نبيهم قل له: لو كان ذنبك فيما بيني وبينك لغفرته لك، لكن كيف بمن أضللته من عبادي فأدخلتهم النار؟
стр. 416
فأمر العلماء خطر، وعليهم وظيفتان، ترك الذنب، ثم إخفاؤه إن وقع، وكما يتضاعف ثوابهم على الحسنات فيضاعف عقابهم على الذنوب والسيئات إذا اتُّبِعوا، والعالم إذا ترك الميل إلى الدنيا قنع منها بالقليل ومن الطعام بالقوت ومن الكسوة بالخَلِق، اقتدى به العامة فكان له مثل ثوابهم، بنص خبر (من سن سنة حسنة) وإن مال إلى التوسع في الدنيا مالت طباع من دونه إلى التشبه به، ولا يقدرون على ذلك إلا بخدمة الظلمة، وجمع الحطام الحرام، فيكون هو السبب في ذلك، فحركات العلماء في طوري الزيادة والنقصان تتضاعف آثارها إما بربح أو خسران.
стр. 417
(١٠٥) حديث: (صوموا تصحوا) .
(ضعيف) …
رواه الطبراني في "الأوسط" وأبو نعيم في "الطب النبوي" عن أبي هريرة ﵁. …
وفي سنده: زهير بن محمد أبو المنذر الخرساني. وهو ضعيف في رواية الشاميين عنه.
قال أبو بكر الأثرم: سمعت أحمد ذكر رواية الشاميين عن زهير بن محمد، قال: يروون عنه أحاديث مناكير هؤلاء.
وقال أبو حاتم: في حفظه سوء، وكان حديثه بالشام أنكر من حديثه بالعراق لسوء حفظه.
وقال العجلي: وهذه الأحاديث التي يرويها أهل الشام عنه ليست تعجبني.
"تهذيب الكمال" (٩/ ٤١٤ - ٤١٨) و"تهذيب التهذيب" (٣/ ٣٠٨).
والذي روى عنه هذا الحديث محمد بن سليمان وهو شامي، فروايته عن زهير كما نصَّ الأئمة منكرة وهذا منها (١).
стр. 418
وقد ضعَّف هذا الحديث جمع من أهل العلم، منهم:
(١) العراقي. "الإحياء وبذيله المغني" (٣/ ١١٧).
(٢) الصاغاني في "الموضوعات" (٧٢).
(٣) ابن عدي في "الضعفاء" (٣/ ٢٢٧).
(٤) المناوي في "فيض القدير" (٥٠٦٠)(٥) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ٧٠).
(٦) البيروتي في "أسنى المطالب" (٨٢٩).
(٧) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٨٦) رقم (١٠).
(٨) الشقيري في "السنن والمبتدعات" (ص: ٢٩٤).
(٩) الألباني في "الضعيفة" (٢٥٣) و"ضعيف الجامع" (٣٥٠٤).
(١٠) شيخنا ابن عثيمين في "فتاوى نور على الدرب".
(١١) سليم الهلالي.
(١٢) علي الحلبي. "صفة صوم النبي ﷺ " (ص: ١١١ - ١١٢).
والحديث ذكره السخاوي في "المقاصد" (ص: ٢٨٢) رقم (٥٤٩)، وابن الديبع في "التمييز" (ص: ٨٨)، والعجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٥٣٩) رقم (١٤٥٥). والصالحي في "الشذرة" (٤٧٩).
стр. 419
التعليق:
قلت: الحديث معناه صحيح، وإن كان ضعيفاً، فإن في الصوم صحة عظيمة بجميع معانيها صحة بدنية حسية وصحة روحية معنوية، فالصوم يجدد حياة الإنسان بتجدد الخلايا وطرح ما شاخ منها، وإراحة المعدة وجهاز الهضم وحمية الجسد والتخلص من الفضلات المترسبة، والأطعمة غير المهضومة والعفونات أو الرطوبات التي تتركها الأطعمة والأشربة، ولقد أكثر الأطباء من ذكر فوائد الصوم، ومما قالوه: أنه يحفظ الرطوبات الطارئة، ويطهر الأمعاء من فساد السموم التي تحدثها البطنة، ويحول دون كثرة الشحم في الجوف، وهي شديدة الخطر على القلب، فهو كتضمير الخيل الذي يزيدها قوة على الكر والفر
وأما الصحة المعنوية الروحية: فهي ما يورثه الصوم من توجيه الصائمين إلى الله ، وحسن مراقبته، ومعرفة الغاية من خلقهم، وإعدادهم للأخذ بجميع وسائل التقوى التي تقيهم من الخزي والذل والخسران في الدنيا والآخرة، فتصح قلوبهم، وتشفى من مرض الشبهات، ومرض الشهوات الذي ابتلى به كثير من الناس.
يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: وفي الصيام فوائد كثيرة وحكم عظيمة منها: تطهير النفس وتهذيبها وتزكيتها من الأخلاق السيئة والصفات الذميمة، كالأشر والبطر والبخل، وتعويدها الأخلاق
стр. 420
الكريمة، كالصبر والحلم والجود والكرم ومجاهدة النفس فيما يرضي الله ويقرب إليه.
ومن فوائد الصوم أنه يعرف العبد نفسه وحاجته، وضعفه وفقره لربه، ويذكره بعظيم نعم الله عليه، ويذكره أيضاً بحاجة إخوانه الفقراء، فيوجب له ذلك شكر الله سبحانه، والاستعانة بنعمه على طاعته، ومواساة إخوانه الفقراء والإحسان إليهم. ومن فوائد الصوم أيضاً أنه يطهر البدن من الأخلاط الرديئة ويكسبه صحة وقوة، اعترف بذلك الكثير من الأطباء وعالجوا به كثيراً من الأمراض (١). اهـ.
стр. 421
(١٠٦) حديث: (الصبر مفتاح الفرج) .
(لا أصل له)
اشتهر هذا الكلام على ألسِنة كثير من الناس على أنه حديث نبوي، والصحيح أنه لا أصل له عن النبي ﷺ كما ذكر ذلك جمع من أهل العلم، منهم:
(١) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٣٠٩) رقم (٦١٦):
(٢) السيوطي في "الدرر المنتثرة" (ص: ١٣٦) رقم (٢٨١).
(٣) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ٩٦).
(٤) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٢٧) رقم (١٥٩٠).
(٥) الصالحي في "الشذرة " (١/ ٣٥٧) رقم (٥٠٣٥).
(٦) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ١٧٤) رقم (٨٣١).
قلت: وقد جاءت طائفة من الأحاديث الضعيفة في الصبر، منها:
• … (الصبر كنز من كنوز الجنة). قال العراقي في تخريج الإحياء: لم أجده. "كشف الخفاء" (١٥٨٩).
• … (الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد) ضعيف جداً. "ضعيف الجامع" (٣٥٣٥).
стр. 422
• … (الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله) ضعيف. "ضعيف الجامع" (٣٥٣٦).
• … (الصبر والاحتساب أفضل من عتق الرقاب ويدخل الله صاحبهن الجنة بغير حساب) ضعيف جداً. "ضعيف الجامع" (٣٥٣٧).
التعليق:
قلت: تبين لك أن هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ ، وإنما هو من الأمثال السائرة، لكن معناه صحيح فالصبر مفتاح الفرج، كما قيل، فثمرة الصبر الظفر، وعند اشتداد البلاء يأتي الرخاء.
وكان يُقال: تضايقي تنفرجي. ويُقال: إذا اشتد الخناق انقطع.
ويقال: ارج النفع، من موضع المنع، واحرص على الحياة، بطلب الموت، فكم من بقاء سببه استدعاء الفناء، ومن فناء سببه إيثار البقاء، وأكثر ما يأتي الأمن من قبل الفزع.
والعرب تقول: إن في الشر خياراً.
قال الأصمعي: معناه، أن بعض الشر أهون من بعض.
وقال أبو عبيدة: معناه، إذا أصابتك مصيبة، فاعلم أنه قد يكون أجل منها، فلتهن عليك مصيبتك.
стр. 423
قال بعض الحكماء: عواقب الأمور، تتشابه في الغيوب، فرب محبوب في مكروه، ومكروه في محبوب، وكم مغبوط بنعمة هي داؤه، ومرحوم من داء هو شفاؤه.
وكان يُقال: رُبَّ خير من شر، ونفع من ضر.
وقال وداعة السهمي في كلام له: اصبر على الشر إن قدحك، فربما أجلى عما يفرحك، وتحت الرغوة اللبن الصريح.
وقال شريح القاضي: إني لأصاب بالمصيبة، فأحمد الله عليها أربع مرات، أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع، لما أرجو فيه من الثواب، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني.
وكان يقال: من ساعة إلى ساعة فرج (١).
وقد أحسن من قال:
الصبر مثل اسمه مرٌ مذاقته … لكن عواقبه أحلى من العسلِ
وقال آخر:
اصبر قليلاً فبعد العسر تيسير … وكل شيء له وقت وتدبير
стр. 424
وقال آخر:
يا صاحب الهم إن الهم منفرج … ابشر بخير فإن الفارج الله
والله ما لك غير الله من أحد … فحسبك الله في كلٍ لك الله
وقال آخر:
إذا ضاقت بك الدنيا … ففكر في ألم نشرح
فعسر بين يُسرين … متى تذكرهما تفرح
وقال آخر:
إذا كنت في هم وضيق وفاقة … وأصبحت مكروباً وأمسيت في حرج
فصلِّ على المختار من آل هاشم … وسلم فإن الله يأتيك بالفرج
وقال آخر:
ثمانية لا بد منها على الفتى … . ولا بد أن تجري عليه الثمانيه
سرورُ وهمُ واجتماع وفرقة .. ويسر وعسر ثم سقم وعافيه
стр. 425
(١٠٧) حديث: (الصلاة عماد الدين) .
(ضعيف) …
هذا الحديث مشهور على ألسِنة كثير من الوعاظ، يلهجون به في المناسبات والخطب والمحاضرات وهم يتحدثون عن أهمية الصلاة ومنزلتها في الإسلام، والصحيح أن هذا الحديث لم يثبت البتة بهذا السياق (الصلاة عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين) وإنما أخرج البيهقي في "الشعب" (٣/ ٣٩) رقم (٢٨٠٧) الجزء الأول من هذا الحديث (الصلاة عماد الدين) من طريق عكرمة بن عمار عن عمر بن الخطاب ﵁ رفعه.
قال البيهقي عَقِبَه فيما نقله عن شيخه الحاكم: عكرمة لم يسمع من عمر ﵁.
قلت: وقد ضعَّف الحديث جمع من أهل العلم، منهم:
(١) العراقي. "الإحياء وبذيله المغني " (١/ ٢٠٠).
(٢) النووي في "التنقيح" كما نقل عنه الحافظ في "التلخيص".
(٣) الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١/ ١٧٣).
(٤) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٣١٦) رقم (٦٣٢).
(٥) السيوطي في "الدرر المنتثرة" (٢٨٠).