(١٠٦) حديث: (الصبر مفتاح الفرج) .
(لا أصل له)
اشتهر هذا الكلام على ألسِنة كثير من الناس على أنه حديث نبوي، والصحيح أنه لا أصل له عن النبي ﷺ كما ذكر ذلك جمع من أهل العلم، منهم:
(١) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٣٠٩) رقم (٦١٦):
(٢) السيوطي في "الدرر المنتثرة" (ص: ١٣٦) رقم (٢٨١).
(٣) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ٩٦).
(٤) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٢٧) رقم (١٥٩٠).
(٥) الصالحي في "الشذرة " (١/ ٣٥٧) رقم (٥٠٣٥).
(٦) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ١٧٤) رقم (٨٣١).
قلت: وقد جاءت طائفة من الأحاديث الضعيفة في الصبر، منها:
• … (الصبر كنز من كنوز الجنة). قال العراقي في تخريج الإحياء: لم أجده. "كشف الخفاء" (١٥٨٩).
• … (الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد) ضعيف جداً. "ضعيف الجامع" (٣٥٣٥).
стр. 422
• … (الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله) ضعيف. "ضعيف الجامع" (٣٥٣٦).
• … (الصبر والاحتساب أفضل من عتق الرقاب ويدخل الله صاحبهن الجنة بغير حساب) ضعيف جداً. "ضعيف الجامع" (٣٥٣٧).
التعليق:
قلت: تبين لك أن هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ ، وإنما هو من الأمثال السائرة، لكن معناه صحيح فالصبر مفتاح الفرج، كما قيل، فثمرة الصبر الظفر، وعند اشتداد البلاء يأتي الرخاء.
وكان يُقال: تضايقي تنفرجي. ويُقال: إذا اشتد الخناق انقطع.
ويقال: ارج النفع، من موضع المنع، واحرص على الحياة، بطلب الموت، فكم من بقاء سببه استدعاء الفناء، ومن فناء سببه إيثار البقاء، وأكثر ما يأتي الأمن من قبل الفزع.
والعرب تقول: إن في الشر خياراً.
قال الأصمعي: معناه، أن بعض الشر أهون من بعض.
وقال أبو عبيدة: معناه، إذا أصابتك مصيبة، فاعلم أنه قد يكون أجل منها، فلتهن عليك مصيبتك.
стр. 423
قال بعض الحكماء: عواقب الأمور، تتشابه في الغيوب، فرب محبوب في مكروه، ومكروه في محبوب، وكم مغبوط بنعمة هي داؤه، ومرحوم من داء هو شفاؤه.
وكان يُقال: رُبَّ خير من شر، ونفع من ضر.
وقال وداعة السهمي في كلام له: اصبر على الشر إن قدحك، فربما أجلى عما يفرحك، وتحت الرغوة اللبن الصريح.
وقال شريح القاضي: إني لأصاب بالمصيبة، فأحمد الله عليها أربع مرات، أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع، لما أرجو فيه من الثواب، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني.
وكان يقال: من ساعة إلى ساعة فرج (١).
وقد أحسن من قال:
الصبر مثل اسمه مرٌ مذاقته … لكن عواقبه أحلى من العسلِ
وقال آخر:
اصبر قليلاً فبعد العسر تيسير … وكل شيء له وقت وتدبير
стр. 424
وقال آخر:
يا صاحب الهم إن الهم منفرج … ابشر بخير فإن الفارج الله
والله ما لك غير الله من أحد … فحسبك الله في كلٍ لك الله
وقال آخر:
إذا ضاقت بك الدنيا … ففكر في ألم نشرح
فعسر بين يُسرين … متى تذكرهما تفرح
وقال آخر:
إذا كنت في هم وضيق وفاقة … وأصبحت مكروباً وأمسيت في حرج
فصلِّ على المختار من آل هاشم … وسلم فإن الله يأتيك بالفرج
وقال آخر:
ثمانية لا بد منها على الفتى … . ولا بد أن تجري عليه الثمانيه
سرورُ وهمُ واجتماع وفرقة .. ويسر وعسر ثم سقم وعافيه
стр. 425
(١٠٧) حديث: (الصلاة عماد الدين) .
(ضعيف) …
هذا الحديث مشهور على ألسِنة كثير من الوعاظ، يلهجون به في المناسبات والخطب والمحاضرات وهم يتحدثون عن أهمية الصلاة ومنزلتها في الإسلام، والصحيح أن هذا الحديث لم يثبت البتة بهذا السياق (الصلاة عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين) وإنما أخرج البيهقي في "الشعب" (٣/ ٣٩) رقم (٢٨٠٧) الجزء الأول من هذا الحديث (الصلاة عماد الدين) من طريق عكرمة بن عمار عن عمر بن الخطاب ﵁ رفعه.
قال البيهقي عَقِبَه فيما نقله عن شيخه الحاكم: عكرمة لم يسمع من عمر ﵁.
قلت: وقد ضعَّف الحديث جمع من أهل العلم، منهم:
(١) العراقي. "الإحياء وبذيله المغني " (١/ ٢٠٠).
(٢) النووي في "التنقيح" كما نقل عنه الحافظ في "التلخيص".
(٣) الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١/ ١٧٣).
(٤) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٣١٦) رقم (٦٣٢).
(٥) السيوطي في "الدرر المنتثرة" (٢٨٠).
стр. 426
(٦) المناوي في "فيض القدير" (٤/ ٣٢٦) رقم (٥١٨٥).
(٧) الفيروز أبادي في "المختصر" كما نقل عنه الشوكاني في "الفوائد ".
(٨) الفتني الهندي في "تذكرة الموضوعات" (ص: ٣٨).
(٩) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٣٩ - ٤٠) رقم (١٦٢٦).
(١٠) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ١٧٦) رقم (٨٤٣).
(١١) السمهودي في "الغماز على اللماز" (ص: ١٣١) رقم (١٣٩).
(١٢) الصالحي في "الشذرات" (١/ ٣٦٦) رقم (٥٥١).
(١٣) الصعدي في "النوافح العطرة " (ص: ١٨٢) رقم (٩٧٨).
(١٤) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٣١) رقم (٤٩).
(١٥) الألباني في "الضعيفة " (٣٨٠٥) و"ضعيف الجامع" (٣٥٦٦).
(١٦) مشهور في "القول المبين" (ص: ٤٥٠).
التعليق:
قلت: نعم هذا الحديث بهذا اللفظ ضعيف، ويغني عنه حديث (١) معاذ ﵁ قال: (قلت يا رسول الله: أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار، قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسيرٌ على من يسره الله تعالى عليه، تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان،
стр. 427
وتحج البيت، ثم قال له: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ ﴿السجدة: ١٦﴾ حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾، ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه ثم قال: كف (عليك) هذا، قلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم).
стр. 428
(١٠٨) حديث: (الصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة) .
(ضعيف)
أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٣/ ٤٨٦) رقم (٤١٤٤)، والخطيب في "المتفق والمفترق" عن جابر ﵁.
وفيه إبراهيم بن أبي حية وهو واهٍ. كما قال السيوطي في "الجامع الكبير".
وقد ضعَّف هذا الحديث جمع من أهل العلم، منهم:
(١) الحافظ في "التلخيص الحبير" (٤/ ١٧٩) رقم (٢٠٦٩).
(٢) السيوطي في "الجامع الكبير".
(٣) الشوكاني في "نيل الأوطار" (٨/ ٢٩١).
(٤) العلامة الألباني في "الضعيفة" رقم (٥٣٥٥)(١).
(٥) مشهور في "أخطاء المصلين" (ص: ٢٦٢ - ٢٦٣).
فائدة: حديث: (إن الصلاة في بيت المقدس بمائة ألف صلاة) حديث منكر كما قاله الإمام الذهبي والعلامة الألباني. "تمام المنة" (ص: ٢٩٤).
стр. 429
وحديث: (وصلاة في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة) رواه ابن ماجه، قال العلامة الألباني في "الترغيب والترهيب" (٧٥٦) ضعيف جداً.
التعليق:
تبين لك أخي الكريم أن حديث: (الصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة) ليس بصحيح بل هو ضعيف كما رأيت، والصحيح المحفوظ هو أن الصلاة في المسجد الأقصى تعدل خمسين ومئتي صلاة فيما سواه إلا مسجد مكة والمدينة، فقد جاء في الحديث الصحيح (١) عن أبي الدرداء ﵁ قال: تذاكرنا ونحن عند رسول الله ﷺ أيهما أفضل أمسجد رسول الله ﷺ أم بيت المقدس فقال رسول الله ﷺ : (صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم المصلى هو، وليوشكن أن يكون للرجل مثل شطن فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعاً).
فملخص ما ثبت في فضل الصلاة في المساجد الثلاثة ما يلي:
(١) أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة.
(٢) الصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة.
(٣) الصلاة في المسجد الأقصى بمائتين وخمسين صلاة.
أسأل الله العظيم أن يحرره من اليهود المعتدين، وأن ينصر الاسلام والمسلمين آمين.
стр. 430
(١٠٩) حديث: (ضمَّ وسربل) أو (ضمَّ وأرسل) .
(لا أصل له) …
قال شيخنا الوادعي ﵀ في "رياض الجنة" (ص: ١٣٣): وأما الإرسال فلم يثبت عن رسول الله ﷺ ، جزم بذلك ابن عبد البر كما في "سبل السلام" (١/ ٣٤٨)، ومحمد بن إبراهيم الوزير كما في "الروض النضير".
فيخشى على القائل ذلك أن يتناوله ما رواه الإمام أحمد ﵀ عن أبي قتادة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إياكم وكثرة الحديث عني ومن قال عليَّ مالم أقل فليتبوأ مقعده من النار).
فالواجب هوالتثبت فيما يُعزى إلى رسول الله ﷺ ولا يحل لمسلم أن يعزو شيئاً حتى يعلم ثبوته عنه ﷺ . اهـ.
التعليق:
قلت: تبين لك أن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ، والذي صح وثبت عنه ﷺ : (أنه كان يضع اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد)، (وأمر بذلك أصحابه)، (وكان يضعهما على الصدر) (١).
стр. 431
قال الصنعاني ﵀: قال ابن عبد البر ﵀: لم يأتِ عن النبي ﷺ فيه خلاف أي في ضم اليدين في القيام حال الصلاة، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين (١).
قلت: وأما ما ينسب إلى الإمام مالك ﵀ من القول بالإرسال فليس بصحيح.
قال الشيخ بكر أبو زيد (٢) ﵀: شهرة النسبة إلى مذهب الإمام مالك ﵀ القول بالإرسال في الصلاة، وهذا غلط عليه في فهم عبارة "المُدَوَّنة" وخلاف منصوصه، المصرح به في "الموطأ" "القبض".
وقد كشف عن هذا جمع من المالكية وغيرهم من مؤلفات مفرده تقارب ثلاثين كتاباَ سوى الأبحاث التابعة في الشروح والمطولات. اهـ.
стр. 432
(١١٠) حديث: تسمية العام الذي ماتت فيه خديجة ﵂ وأبو طالب بـ (عام الحزن) .
(لا يصح) …
لقد اشتهر عند كثير من الناس أن النبي ﷺ بعد وفاة خديجة ﵂، ووفاة أبي طالب في العام العاشر من بعثته ﷺ ، أنه أطلق على هذا العام: (عام الحزن) لشدة ما كابد فيه من الشدائد في سبيل الدعوة.
وهذه التسمية لم تثبت عنه ﵊.
قال العلامة الألباني ﵀ في "دفاع عن الحديث النبوي والسيرة النبوية في الرد على جهالات الدكتور البوطي" في كتابه "فقه السيرة" (ص: ٢٦ - ٢٧): هذه التسمية لا تصح، ومما يدل على ذلك أن المصدر الوحيد الذي رأيته قد أورده إنما هو القسطلاني في "المواهب اللدنية" فلم يزد على قوله: فيما ذكره صاعد وصاعد هذا هو ابن عبيد البجلي كما قال الزرقاني في شرحه عليه (١/ ٢٤٤) فما حال صاعد هذا؟
إنه مجهول لا يعرف، ولم يوثقه أحد، بل أشار الحافظ إلى أنه لين الحديث إذا لم يتابع كما هو حاله في هذا الخبر، على أن قول القسطلاني: وذكره صاعد يشعر أنه ذكره معلقاً بدون إسناد فيكون معضلاً، فيكون الخبر ضعيفاً لا يصح، حتى ولو كان صاعداً معروفاً بالثقة والحفظ وهيهات هيهات. اهـ.
стр. 433
التعليق:
قلت: نعم عاش النبي ﷺ بعد هذه الأحداث الجسام المتتالية في عام واحد في حزن بالغ لا نختلف في ذلك، وإنما النقد موجه إلى تسمية النبي ﷺ هذا العام بعام الحزن، فإن هذه التسمية لا تصح، نعم لقد تراكمت الأحزان بعد موت خديجة ﵂ وأبي طالب، وقعت هاتان الحادثتان المؤلمتان خلال أيام معدودة، فاهتزت مشاعر الحزن والألم في قلب النبي ﷺ ، ثم لم تزل تتوالى عليه المصائب من قومه، فقد تجرأوا عليه، وكاشفوه بالنكال والأذى بعد موت أبي طالب، فازداد غماً على غم، حتى يئس منهم، وخرج إلى الطائف، رجاء أن يستجيبوا لدعوته أو يؤووه وينصروه على قومه، فلم ير مؤوياً ولم ير ناصراً، وآذوه مع ذلك أشد الأذى، ونال منهم مالم ينله من قومٍ آخرين، كما اشتدت وطأة أهل مكة على النبي ﷺ واشتدت على أصحابه، حتى لجأ رفيقه أبو بكر الصديق ﵁ إلى الهجرة من مكة فخرج حتى بلغ برك الغماد، يريد الحبشة، فأرجعه ابن الدغنة في جواره، قال ابن إسحاق كما في "السيرة" لابن هشام (٢/ ٥٧ - ٥٨): لما هلك أبو طالب نالت قريش من النبي ﷺ من الأذى ما لم تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه تراباً، ودخل بيته، والتراب على رأسه فقامت إحدى بناته، فجعلت تغسل عنه التراب وهى تبكي، ورسول الله ﷺ -
стр. 434
يقول لها لا تبكي يابنية، فإن الله مانع أباك. قال ويقول بين ذلك: (ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب).
قلت: ولك أخي الداعية قدوة حسنة في رسول ﷺ ، فقد وضع السلى على رأسه وأدميت قدماه، وشج رأسه، وحوصر في الشعب حتى أكل ورق الشجر، وطرد من مكة، وكسرت ثنيته، ورمي عرض زوجته الشريف، وقتل سبعون من أصحابه، وفقد ابنه وأكثر بناته في حياته، وربط الحجر على بطنه من الجوع، واتهم بأنه شاعر وساحر وكاهن ومجنون كذاب، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ ﴿الكهف: ٥﴾، وهذا بلاء لابد منه، وتمحيص عظيم جداً، وقد قتل قَبْلُ زكريا، وذبح يحيى، وهجر موسى، ووضع الخليل في النار، وسار الأئمة على هذا الطريق، فضُرِج عمر بدمه واغتيل عثمان، وقُتِلَ علي، وجُلدت ظهور الأئمة، وسُجِنَ الأخيار، ونُكِل بالأبرار ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ ﴿البقرة: ٢١٤﴾.
стр. 435
(١١١) حديث: - تسمية ملك الموت- (عزرائيل) .
(لا يصح) …
(١) قال الحافظ ابن حجر ﵀ في كتابه "الإمتاع بالأربعين المتباينة بشرط السماع" (ص: ١٠٨): وأما تسمية ملك الموت (بعزرائيل) فقد اشتهر ذلك بين الناس وقد راجعت مبهمات القرآن لأبي القاسم السهيلي فلم أجد ذلك فيه، ثم راجعت تفسير القرطبي فوجدته ذكر أن اسم ملك الموت "عزرائيل" ولم ينسبه لقائل ولا ذكر فيه أثراً، ثم راجعت تفسير الثعلبي فوجدته حكى أن اسمه عزرائيل وعزاه لتفسير مقاتل وتفسير الكلبي ثم تتبعت الأثار في ذلك فوجدت في كتاب "العظمة" لأبي الشيخ (ص: ١٦٠ - ١٦١) قال ثنا أحمد ابن محمد بن عمر ثنا عبد الله بن محمد بن عبيد وهو أبو بكر بن أبي الدنيا ثنا داود بن رشيد ثنا حكام وهو بن سالم الرازي عن عنبسة وهو ابن سعيد بن الضرير الرازي عن أشعث قال: (سأل إبراهيم ﵇ ملك الموت واسمه (عزرائيل)، وله عينان عين في وجهه وعين في قفاه، فقال: ياملك الموت ما تصنع إذا كانت نفس بالمشرق ونفس بالمغرب، ووقع الوباء بأرض، أو التقى الزحفان كيف تصنع؟ قال: أدعو الأرواح بإذن الله
стр. 436
فتكون بين اصبعي هاتين قال: ودحيت له الأرض فبركت مثل الطست يتناول منها حيث شاء). ضعيف ورجال هذا السند موثقون ولكن أشعث شيخ عنبسة هو ابن جابر الحراني تابعي صغير والحديث معضل. اهـ.
(٢) قال الحافظ ابن كثير ﵀ في "البداية والنهاية" (١/ ٤٢): وأما ملك الموت فليس بمصرح باسمه في القرآن ولا في الأحاديث الصحاح.
(٣) قال المناوي ﵀ في "فيض القدير" (٣/ ٣٠): لم أقف على تسميته بذلك في الخبر، أي تسمية ملك الموت (بعزرائيل).
(٤) قال الألباني ﵀ في "أحكام الجنائز" (ص: ١٩٩): وأما تسمية ملك الموت (بعزرائيل) فمما لا أصل له، خلافاً لما هو المشهور عند الناس ولعله من الإسرائيليات (١).
(٥) قال العلامة بكر أبو زيد ﵀ في كتابه العظيم "معجم المناهي اللفظية" (ص: ٣٩٠): خلاصة كلام أهل العلم في هذا أنه لا يصح في تسمية ملك الموت (بعزرائيل) ولا غيره حديث والله أعلم.
стр. 437
ثم أشار ﵀ أن هناك مؤلفاً في هذه المسألة اسمه "الاعتراضات والعراقيل لمن سمى ملك الموت بعزرائيل" لعبد الحي الكناني.
التعليق:
تبين لك أخي الكريم بعد هذا البحث أن تسمية ملك الموت (بعزرائيل) لا تصح وإنما يُقال له ملك الموت كما قال تعالى ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿السجدة: ١١﴾.
وقوله ﷺ في حديث البراء الطويل: ( … ثم يجلس ملك الموت عند رأسه).
стр. 438
(١١٢) حديث: (عشر خصال عملتها قوم لوط … ).
(موضوع)
رواه ابن عساكر في "تاريخه" عن الحسن مرفوعاً.
بلفظ: (عشر خصال عملتها قوم لوط بها أهلكوا وتزيدها أمتي بخلة: إتيان الرجال بعضهم بعضاً، ورميهم بالجلاهق، والخذف، ولعبهم بالحمام، وضرب الدفوف، وشرب الخمور، وقص اللحية، وطول الشارب، والصفير والتصفيق، ولباس الحرير، وتزيدها أمتي بخلة إتيان النساء بعضهن بعضاً).
وفي سنده: إسحاق بن بشر أبو حذيفة البخاري وهو كذَّاب.
"ميزان الاعتدال" (١/ ١٨٤ - ١٨٩) "ولسان الميزان" (١/ ٤٦٥).
وقد روي الحديث بلفظ آخر: (عشر من أخلاق قوم لوط: الخذف في النادي، ومضغ العلك، والسواك على ظهر الطريق، والصفير، والحمام، والجلاهق والعمامة التي لايتلحى بها، والسكينة، والطريف بالحناء، وحل أزرار الأقبية، والمشي في الأسواق والأفخاذ بادية) رواه الديلمي عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً. وهو موضوع.
في سنده: إسماعيل بن يزيد الشامي وهو كذَّاب.
وقد حكم العلامة الألباني ﵀ في "الضعيفة" (١٢٣٣) و"ضعيف الجامع" (٣٧١١) على الحديث بالوضع.
стр. 439
والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/ ٣٢٤)، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (٧/ ١٣/ ٣١٥)، والألوسي في "روح المعاني" (١٧/ ٩٥)، وذكره صاحب كتاب "الحكم المضبوط في تحريم فعل قوم لوط" (ص: ٩٩).
التعليق:
قلت: هذا الحديث الذي ذُكرت فيه صفات قوم لوط، حديث موضوع مكذوب على رسول الله ﷺ كما تبين لك.
وقد ورد في القرآن الكريم ذكر صفات قوم لوط منها:
(١) إتيان الرجال في أدبارهم دون تستر، قال الله تعالى عن قوم لوط ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿النمل: ٥٤ - ٥٥﴾
قال الحافظ ابن كثير (١): فمن قائل أنهم كانوا يأتون بعضهم بعضاً في الملأ، قاله مجاهد. …
ومن قائل: كانوا يتضارطون ويتضاحكون، قالته عائشة ﵂ والقاسم، ثم قال: وكل ذلك يصدر عنهم وكانوا شراً من ذلك.
(٢) ومن صفاتهم أنهم كانوا قطَّاع طريق، قال تعالى ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ … مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ
стр. 440
مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ ﴿العنكبوت: ٢٨ - ٢٩﴾.
أي: تقطعون الطريق على المارة بالقتل وأخذ المال.
قال ابن كثير: أي كانوا يقفون في طريق الناس يقتلونهم ويأخذون أموالهم.
(٣) أنهم كانوا يتعاطون أنواعاً من المنكر في مجالسهم، قال تعالى … ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ ﴿العنكبوت: ٢٩﴾.
قال بعض العلماء: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ أي: تفعلون في مجالسكم ونواديكم ما لا يليق من أنواع المنكرات علناً وجهاراً أمام الملأ، أما كفاكم قبح فعلكم حتى ضممتم إليه قبح الإظهار.
وقال ابن عباس ﵄: كانوا يخذفون بالحصى من مر بهم مع الفحش في المزاح، وحل الإزار والصفير وغير ذلك من القبائح.
(٤) ومن صفاتهم ميلهم الجنسي للرجال دون النساء، قال تعالى … ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ ﴿الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦﴾.
وقال تعالى عن لوط ﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)﴾ ﴿هود: ٧٨ - ٧٩﴾.
стр. 441
(٥) ومن صفاتهم الإسراف، قال تعالى عنهم ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ﴿الأعراف: ٨١﴾.
(٦) ومن صفاتهم الظلم، قال تعالى ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١)﴾ ﴿العنكبوت: ٣١﴾.
(٧) ومن صفاتهم الفساد، قال لوط ﵇ ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠)﴾ ﴿العنكبوت: ٣٠﴾.
(٨) ومن صفاتهم الفسوق، قال تعالى ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ ﴿الأنبياء: ٧٤﴾.
(٩) ومن صفاتهم العدوان، قال تعالى ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ﴿الشعراء: ١٦٦﴾.
(١٠) ومن صفاتهم الجهل، قال تعالى ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿النمل: ٥٥﴾.
(١١) ومن صفاتهم الإجرام، قال تعالى ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾ ﴿الأعراف: ٨٤﴾.
(١٢) ومن صفاتهم أنهم كانوا يعملون الخبائث قال تعالى ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ ﴿الأنبياء: ٧٤﴾ (١).
стр. 442
فائدة: العقاب الذي عوقب به قوم لوط كان أشد مما عوقب به غيرهم فقد جمع الله عليهم:
(١) الصيحة قال تعالى ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿الحجر: ٧٣﴾.
(٢) قلب الديار قال تعالى ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾
﴿هود: ٨٢﴾.
(٣) الحجارة قال تعالى ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ﴿هود: ٨٢ - ٨٣﴾.
وقال تعالى ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ ﴿الذاريات: ٣٣﴾.
стр. 443
(١١٣) حديث: (الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها) .
(ضعيف) …
قال العجلوني في"كشف الخفاء" (٢/ ١٠٨) رقم (١٨١٧): قال النجم: رواه الرافعي في "أماليه" عن أنس ﵁.
قلت: هذا الحديث على شهرته الواسعة في أوساط الناس إلا أنه لا يصح عن رسول الله ﷺ كما نصَّ على ذلك أهل هذا الشأن، منهم:
(١) السيوطي في "الجامع الصغير" (٥٩٧٥).
(٢) السخاوي كما نقل عنه البيروتي.
(٣) الصعدي في "النوافح العطرة" (ص: ٢١٨).
(٤) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ١٩٨).
(٥) الألباني في "الضعيفة" (٣٢٥٨) قال: منكر. ثم قال: وهذا إسناد ضعيف مظلم بمرة من دون أنس لم أعرفهم جميعاً. و"ضعيف الجامع" (٤٠٢٤)(٦) شيخنا الوادعي. …
(٧) اللجنة الدائمة (٢٩/ ٢٢٥) رقم (١٧٨٦٧).
стр. 444
التعليق:
قلت: تبين لك أخي الكريم أن هذا الحديث ضعيف لا تصح نسبته إلى رسول الله ﷺ ، ولكن اعلم أن السعي بالفتنة والفساد بين المؤمنين أمر محرم بالكتاب والسنة والإجماع، بل هو من صفات شياطين الإنس والجن قال الله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ ﴿الأنعام: ١١٢﴾.
وقال تعالى ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ ﴿الناس: ٤ - ٥﴾.
أما كون السعي بالفتنة بين المؤمنين من صفات شياطين الإنس بل ومن صفات منافقيهم فلقوله تعالى ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ ﴿التوبة: ٤٧﴾.
وأما كون السعي بالفتنة بين المؤمنين من صفات شياطين الجن فلقوله ﷺ : (إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن بالتحريش بينهم) رواه مسلم.
وقول النبي ﷺ : (إني خشيت أن يقذف الشيطان في قلوبكما شراً) متفق عليه عن صفية ﵂.
стр. 445
ولقوله تعالى ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾ ﴿الإسراء: ٥٣﴾. ولقوله تعالى … ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ ﴿الأعراف: ٢٢﴾ بل إن الذي يشعل الفتن ويؤجج نارها ويدق فتيلها بين المؤمنين فيه شبه ببعض فواسق الدواب، وهي الوزغ التي كانت تنفخ على نار إبراهيم ﵇ من بين سائر الدواب، فقد جاء في "البخاري" من حديث أم شريك ﵂: (إن الوزغ كان ينفخ النار على إبراهيم ﵇. وجاء عند أحمد وابن ماجه: (أن إبراهيم لما ألقي في النار، لم يكن في الأرض دابة إلا أطفأت عنه، إلا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه) (١).
فانظر رعاك الله لفعل هذه الدابة الفويسقة كيف تنفخ في النار لتزيدها اشتعالاً على النبي الكريم إبراهيم ﵇، وكم والله وبالله وتالله من الناس من يفعل فعلها ويقوم بدورها القبيح في إشعال نار الفتنة بين المؤمنين، فما أن تظهر فتنة بين المؤمنين من علماء ودعاة ومصلحين وغيرهم حتى يظهر هذا العاطل ليذكيها بحجة الدفاع عن السنة والدعوة، وهم في حقيقة الأمر لا في العير ولا في النفير، لا للإسلام نصروا ولا للبدعة كسروا، بل من السنة نفَّروا إن بينهم وبين العلم والدعوة بُعْدَ المشرقين، فهم بحق تلاميذ الفتن ومشائخ الفرقة والاختلاف. ومن أبرز صفات هذا الصنف، أنك تراه في الخير نائم، وفي الفتنة قائم، وبحبها هائم، والله المستعان.
стр. 446
(١١٤) حديث: (كان إذا استعاذ جعل ظاهر كفيه إليه) .
(ضعيف)
رواه أحمد في "المسند" (١٦٥٦٣) عن خلاد بن السائب الأنصاري مرفوعاً. (كان إذا سأل الله جعل باطن كفيه إليه، وإذا استعاذ جعل ظاهرهما إليه).
وفي سنده:
(١) خلاد مختلف في صحبته، قال الحافظ في "التقريب" (١٧٧٢) ثقة من الثالثة ووهم من زعم أنه صحابي. قال العلامة الألباني في "الضعيفة" (٤١٩٩): وهذا التوثيق من الحافظ اجتهاد منه، وكأن وجهه أنه تابعي روى عنه جماعة من الثقات، ولم يجرح، وإلا فهو لم يحك في "التهذيب" توثيقه عن أحد، بل نقل عن العجلي أنه قال: ما نعرفه. …
(٢) ابن لهيعة، سيء الحفظ.
وقد ضعَّف الحديث جمع من أهل العلم، منهم:
(١) الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٦٨).
(٢) ابن الملقن في "البدر المنير" (٥/ ١٧١).
стр. 447
(٣) ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٧٢٣).
(٤) الشوكاني في "نيل الأوطار" (٤/ ١٣).
(٥) الألباني في "الضعيفة" (٤١٩٩) و"ضعيف الجامع" (٤٤١٧).
(٦) الأرنؤوط في "تحقيق مسند أحمد" (٢٧/ ٩٧ - ٩٨).
التعليق:
قلت: تبين لك أخي الكريم أن هذه الصفة وهي قلب اليدين عند الاستعاذة في الدعاء ليست بصحيحة ولم تثبت عن النبي ﷺ هذا بالنسبة للشطر الأخير من الحديث لم يثبت وعلته ما تقدم.
أما الشطر الأول من الحديث فقد جاءت له شواهد تقويه، بل قد ثبت الأمر بذلك والنهي عن السؤال بظهور الأكف، قال ﷺ : (إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها) (١).
أماحديث: (استسقى ﷺ فأشار بظهر كفيه إلى السماء) رواه مسلم.
قال العلامة بكر أبو زيد (٢) ﵀: أي من شدة الرفع بيده كأن ظهور كفيه نحو السماء، وهذا هو الذي يلتقى مع جميع أحاديث الرفع التي فيها التصريح بجعل بطونهما إلى السماء، ومع حديث مالك
стр. 448
ابن يسار ﵁: (إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها) رواه أحمد وأبو داود.
ولم أجد من حلَّ هذا الإشكال على هذا الوجه إلا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فيما نقله عنه العلامة المرداوي رحمه الله تعالى في "الإنصاف" (٢/ ٣٢١) حينما ذكر المذهب بجعل ظهور يديه نحو السماء في الاستسقاء لأنه دعاء رهبة، وأن ظاهر كلام كثير من الأصحاب أن دعاء الاستسقاء كغيره في كونه يجعل بطون أصابعه نحو السماء. قال ما نصه: واختاره الشيخ تقي الدين، وقال: صار كفه نحو السماء لشدة الرفع لا قصداً له، وإنما كان يوجه بطونهما مع القصد وأنه لو كان قصده فغيره أولى وأشهر، قال: ولم يقل أحد ممن يرى رفعهما في القنوت إنه يرفع ظهورهما بل بطونهما. اهـ.
وهو نقل عزيز حَلَّ هذا الإشكال المتعارض ظاهراً، المتآلف باطناً، فيه تآلفت السنن ظاهراً وباطناً والحمد لله.
وقال الشقيري (١): وتقليب أيديهم في دعاء القنوت، وقولهم لا يَذِل من واليت؛ بدعة وحركة في الصلاة سيئة.
стр. 449
(١١٥) حديث: (كان إذا تغدى لم يتعشَّ وإذا تعشَّى لم يتغدَّ) .
(ضعيف) …
رواه ابن بشران في "الأمالي" (٤١٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٣٧١) رقم (٤٣٠٩) عن عطاء ابن أبي رباح قال دُعي أبو سعيد الخدري ﵁ إلى وليمة فرأى صفرة وخضرة فقال: (أما تعلمون أن رسول الله ﷺ كان إذا تغدى لم يتعشَّ، وإذا تعشَّى لم يتغدَّ).
وعلة الحديث:
(١) الوضين بن عطاء: سيء الحفظ. "تقريب التهذيب" (٧٤٥٨).
(٢) الإرسال، لأن عطاء لم يوصله عن أبي سعيد ﵁.
والحديث ضعَّفه:
(١) العراقي، قال: لم أجد له أصلاً في المرفوع. "إتحاف السادة (٧/ ٤٠٩).
(٢) المناوي في "التيسير شرح الجامع الصغير" (٢/ ٤٧٤).
(٣) السبكي في " أحاديث الأحياء التي لا أصل لها" (١/ ٣٥).
(٤) الصعدي في "النوافح العطرة" (ص: ٢٣٥) رقم (١٢٨٩).
(٥) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ١٤٣).
(٦) الألباني في "الضعيفة" (٢٥٠)، و"ضعيف الجامع" (٤٣٦٠).
стр. 450
التعليق:
تبين لك أخي الكريم أن هذا الحديث ضعيف لا تصح نسبته للنبي ﷺ ، لكن جاءت أحاديث صحيحة حذرنا فيها النبي ﷺ من الإفراط في الأكل والشرب، ومجاوزة حد الاعتدال فيهما، من ذلك ما جاء عن أبي جحيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لرجل في مجلسه: (أقصر عنا جشاءك -أي: أكففه وامنعه عنا- فإن أكثر الناس شبعاً في الدنيا أكثرهم جوعاً يوم القيامة) (١).
وقد بين لنا الرسول ﷺ الميزان المعتدل في الأكل والشرب فعن المقدام بن معد يكرب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محاله فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) (٢).
وقد ذم النبي ﷺ أقواماً اتخذوا السمنة هدفاً وغاية لهم وطلبوها وأحبوها وحرصوا عليها فعن عمران بن حصين ﵄ أن النبي ﷺ قال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم … ثم يأتي قوم يتسمنون، ويحبون السمن، ويعطون الشهادة قبل أن يسألوها) (٣).
стр. 451
(١١٦) حديث: (كان ﷺ يأخذ من لحيته من طولها وعرضها) .
(موضوع)
رواه الترمذي (٢٩٢٤)، والبيهقي في "الشعب" (٥/ ٢٢٠ - ٢٢١) رقم (٦٤٣٩)، وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٦١)، والعقيلي في "الضعفاء" (٣/ ١٩٤) رقم (١١٩٢) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وعلة الحديث: عمر بن هارون بن يزيد الثقفي.
قال الحافظ ابن حجر في "التقريب" (٥٠١٤): متروك.
وقال ابن معين: ليس بشيء.
وقال الذهبي في "الميزان" (٣/ ٢٢٨ - ٢٢٩) قال: ابن معين كذَّاب.
وقال صالح جزرة: كذَّاب ثم ذكر له هذا الحديث.
"تهذيب التهذيب" (٧/ ٤٢٥ - ٤٢٧).
وقد نصَّ جمع من أهل العلم على عدم ثبوت هذا الحديث، منهم:
(١) الترمذي، قال بعد أن ساق الحديث: حديث غريب، وسمعت محمد بن اسماعيل -يعني- البخاري يقول: عمر بن هارون
стр. 452
مقارب الحديث لا أعرف له حديثاً ليس له إسناد أصلاً، أو قال: يتفرد به إلا هذا الحديث.
(٢) ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/ ٦٨٦) رقم (١١٤٢).
(٣) السيوطي في "الجامع الصغير".
(٤) الشوكاني في "نيل الأوطار" (١/ ١٥٠).
(٥) الألباني في "الضعيفة" (٢٨٨) حكم عليه بالوضع (١).
(٦) شيخنا الوادعي في "إجابة السائل" (٢١٩) و"غارة الأشرطة" (٢/ ١٠٨ - ١٠٩) قال: لا يثبت لأنه عن عمر بن هارون البلخي وقد كذَّبه ابن معين.
(٧) العلامة ابن باز في "مجموع الفتاوى" (٤/ ٤٤٣) و"التحفة الكريمة" رقم (٥٤) قال: هذا الحديث باطل عند أهل العلم ولا يصح عن النبي ﷺ .
(٨) اللجنة الدائمة (٢/ ٤٠) رقم (٢١٩٦) قالت: باطل لا صحة له عن النبي ﷺ لأن في إسناده راوياً متهماً بالكذب.
стр. 453
قلت: وقد جاءت طائفة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة في مسألة التحقير من اللحى وجواز الأخذ منها، من ذلك:
(١) حديث: (خذ من لحيتك ورأسك) أخرجه البيهقي في "الشعب" (٥/ ٢٢١) رقم (٦٤٤٠) من حديث جابر بن عبد الله ﵄. قال العلامة الألباني في "الضعيفة" (٥/ ٣٧٥) رقم (٢٣٥٥): ضعيف جداً.
(٢) حديث: (من سعادة المرء خفة لحيته) رواه ابن عدي في "الكامل" عن ابن عباس وأبي هريرة، وهو حديث لا يصح. "الضعيفة" (١٩٣).
(٣) حديث: (ينبغي للرجل إذا خرج إلى أصحابه أن يُهيء من لحيته ومن رأسه، فإن الله جميل يحب الجمال). لا يصح، ذكره ابن الجوزي في "العلل المتناهية (١١١٤) عن عائشة ﵂.
(٤) حديث: (طول اللحية دليل على قلة العقل). لا أصل له؛ ذكره العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٦٠) رقم (١٦٧٧) بدون سند.
(٥) حديث: (لا يغرنك طول اللحى فإن التيس له لحية). لا أصل له؛ ذكره العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٦١) تحت حديث رقم (١٦٧٧)(١). قال الألباني في "الضعيفة" (٣/ ٣٧٥): واعلم أنه لم يثبت في حديث صحيح عن النبي ﷺ الأخذ من اللحية قولاً ولا فعلاً.
стр. 454
التعليق:
قلت: تبين لك أن حديث (كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها) لا يصح؛ والحق في هذه المسألة أنه لا يجوز الأخذ من اللحية ولا حلقها.
وقد نقل ابن حزم في "مراتب الإجماع" (١): الإجماع على أن حلق اللحية لا يجوز.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: يحرم حلق اللحية للأحاديث الصحيحة ولم يُبحه أحد.
وسئلت اللجنة الدائمة (٢) للبحوث العلمية والإفتاء زادها الله توفيقاً وسداداً: ما حكم حلق اللحية أو أخذ شيء منها؟
فأجابت: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وصحبه … وبعد: حلق اللحية حرام؛ لما ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة والأخبار، لعموم النصوص الناهية عن التشبه بالكفار.
فمن ذلك حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب).
وفي رواية: (أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى).
стр. 455
وفيه أحاديث أخرى بهذا المعنى، وإعفاء اللحية تركها على حالها، وتوفيرها إبقاءها وافرة من دون أن تحلق، أو تنتف، أو يُقص منها شيء.
حكى ابن حزم الإجماع على أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض واستدل بجملة من الأحاديث منها حديث ابن عمر السابق، وبحديث زيد بن أرقم أن النبي ﷺ قال: (من لم يأخذ من شاربه فليس منا) صححه الترمذي.
وقال ابن مفلح في "الفروع": وهذه الصيغة عند أصحابنا -يعني الحنابلة- تقتضي التحريم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم في الجملة؛ لأن مشابهتهم في الظاهر سبب لمشابهتهم في الأخلاق والأفعال المذمومة بل وفي نفس الاعتقادات، فهي تورث محبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر.
وروى الترمذي أن الرسول ﷺ قال: (ليس منا من تشبه بغيرنا، ولا تشبهوا باليهود ولا النصارى). وفي لفظ: (من تشبه بقوم فهو منهم) رواه أحمد.
وردَّ عمر بن الخطاب ﵁ شهادة من ينتف لحيته.
стр. 456
وقال ابن عبد البر ﵀: يحرم حلق اللحية ولا يفعله إلا المخنثون من الرجال، يعني بذلك المتشبهين بالنساء، (وكان النبي ﷺ كثير شعر اللحية) رواه مسلم عن جابر ﵁. وفي رواية: (كثيف اللحية) وفي أخرى: (كث اللحية) والمعنى واحد. ولا يجوز أخذ شيء منها، لعموم أدلة المنع.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
وقال الألباني (١) ﵀: مما لا ريب فيه عند من سلمت فطرته وحسنت طويته أن كلاً من الأدلة السابقة الذكر كافٍ لإثبات وجوب اللحية وحرمة حلقها فكيف بها مجتمعة.
وقال شيخنا الوادعي (٢) ﵀: إعفاء اللحية يعتبر واجباً، وحلقها حرام، وحالق اللحية يعتبر فاسقاً، لأن النبي ﷺ يقول: (أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى). ويقول ﷺ : (ارخوا اللحى).
وكانت لحية رسول الله ﷺ تملأ صدره، وقيل لبعض الصحابة ﵃ بمَ تعرفون النبي ﷺ يقرأ؟ قالوا: باضطراب لحيته.
وحلق اللحية يعتبر تشبهاً بالنساء، ويعتبر تشبهاً بالكفار، والأخذ من طولها وعرضها لم يثبت، اترك لحيتك وأعف كما أمرك رسول ﷺ .
стр. 457
وقال شيخنا ابن عثيمين ﵀: حلق اللحية حرام لأنه مشابهة للمشركين والمجوس، وقد قال النبي ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم)، ولأنه تغيير لخلق الله وهو من أمر الشيطان .. فحلقها خروج عن هدي عباد الله الصالحين من الأنبياء والمرسلين وغيرهم، وتقصيرها عصيان لأمر النبي ﷺ حيث قال: (أعفوا)، وقال: (وفروا)، وقال: (أرخوا اللحى). فإن هذا يدل على أن من قص منها شيئاً كان واقعاً في معصية النبي ﷺ ، ومن عصى النبي ﷺ فقد عصى الله لقوله تعالى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ﴿النساء: ٨٠﴾.
ولقوله ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ ﴿الأحزاب: ٣٦﴾ (١).
وقال الشيخ صالح الفوزان (٢) -حفظه الله-: وجاء في الأحاديث أن من خصال الفطرة: إعفاء اللحية وهو توفيرها … ومن الناس من يقص لحيته ولا يبقي منها إلا شئياً يسيراً، وهذا يخالف ما أمر به الرسول ﷺ من توفيرها وإعفائها، فإن معنى ذلك إبقاؤها كاملة من غير تعرض لها بقص أو نتف، ولكن الشيطان لما لم يدرك منه إزالتها بالكلية اكتفى منه بإزالة بعضها، لأنه يريد منه مخالفة السنة على أي وجه.
стр. 458
قلت: الخلاصة أن حلق اللحية محرم من خمسة أوجه:
الوجه الأول: أنها تغيير لخلق الله.
الوجه الثاني: أن الشرع أمر بإعفائها.
الوجه الثالث: حلقها تشبه بالنساء.
الوجه الرابع: حلقها تشبه بالكافرين.
الوجه الخامس: إجماع العلماء على حرمة حلقها.
والخلاف في التحريم حدث من بعض أهل البدع ثم سرى إلى بعض العلماء، وهذا الخلاف حادث بعد الإجماع فلا يُعتد به باتفاق.
стр. 459
(١١٧) حديث: (كان ﷺ يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها) .
(ضعيف) …
أخرجه أحمد في "المسند" (١١١٥٥) و (١١٣١٢)، والترمذي (٤٨٠)، وأبو يعلى في "المسند" (١٢٧٠).
وفي سنده: عطية العوفي وهو سيء الحفظ ومدلس.
والحديث ضعَّفه:
(١) العلامة الألباني في "الإرواء" (٤٦٠)(١).
(٢) وشعيب الأرنؤوط في تحقيق "المسند" (١١١٥٥) و (١١٣١٢) وتحقيق "زاد المعاد" (١/ ٣٤٩).
التعليق:
قلت: هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ ، وأما صلاة الضحى فقد اختلف العلماء في حكمها، وقد جمع ابن القيم ﵀ الأقوال في ذلك فبلغت ستة أقوال:
• أنها سنة مستحبة.
стр. 460
• لا تشرع إلا لسبب.
• لا تستحب أصلاً.
• يستحب فعلها تارة وتركها تارة فلا يواظب عليها.
• يستحب المواظبة عليها في البيوت.
• أنها بدعة.
قلت: وقد ذكر ﵀ هنالك مستند كل قول، وأرجح الأقوال أنها سُنَّة مستحبة كما قرره ابن دقيق العيد، وهو قول الجمهور ودلت عليه الأدلة الصحيحة الصريحة والله أعلم (١).