← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 862

إسعاف الأخيار بما اشتهر ولم يصح من الأحاديث والآثار والقصص والأشعار

محمد بن عبد الله باموسى

Полный текст (1 026 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

(٢) البيهقي. (٣) العراقي. (٤) الدارقطني. (٥) ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٣٤٢) رقم (١٥٨٣، ١٥٨٤). (٦) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٣٧٥) رقم (٨٠٤). (٧) السيوطي في "اللآلئ المصنوعة " (٢/ ٢٥٦). (٨) ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (٢/ ٢٢٩) رقم (٥٧). (٩) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٢١). (١٠) السمهودي في "الغماز على اللماز" (١٩٣). (١١) الصالحي في "الشذرة" (٦٨٧). (١٢) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ١٦٩). (١٣) البيروتي في "أسنى المطالب" (١٠٧٦). (١٤) الصعدي في "النوافح العطرة" (١٣٩٧). (١٥) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢١٢). (١٦) العلامة الألباني في "الضعيفة" (١٥١٨) و (١٥١٩) و (١٥٢٠).

стр. 72

التعليق: قلت: الغِيبة محرمة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب العزيز: فقوله تعالى ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ ﴿الحجرات: ١٢﴾. وأما السنة المطهرة: فقوله ﷺ : (الربا اثنان وسبعون باباً أدناها مثل إتيان الرجل أمه، وإن أربا الربا استطالة الرجل في عرض أخيه) (١). وأما الإجماع: فقد قال القرطبي ﵀: والإجماع على أنها من الكبائر وأنه يجب التوبة منها. وقال ابن كثير ﵀: في تفسير سورة الحجرات: الغيبة محرمة بالإجماع. أما مسألة كفارة من اغتبته فإليك كلام الإمام النووي (٢) ﵀: فيها حيث قال: (باب كفارة الغيبة والتوبة منها):

стр. 73

اعلم أن كل من ارتكب معصية لزمه المبادرة إلى التوبة منها، والتوبة من حقوق الله تعالى يُشترط فيها ثلاثة أشياء: أن يقلع عن المعصية في الحال، وأن يندم على فعلها، وأن يعزم ألا يعود إليها. والتوبة من حقوق الآدميين يُشترط فيها هذه الثلاثة، ورابع: وهو رد الظلامة إلى صاحبها أو طلب عفوه عنها والإبراء منها، فيجب على المغتاب التوبة بهذه الأمور الأربعة، لأن الغيبة حق آدمي، ولا بد من استحلاله من اغتابه، وهل يكفيه أن يقول: قد اغتبتك فاجعلني في حل، أم لا بد أن يبين ما اغتابه به؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي ﵏: أحدهما: يشترط بيانه، فإن أبرأه من غير بيانه لم يصح، كما لو أبرأه عن مال مجهول. والثاني: لا يشترط لأن هذا مما يتسامح فيه، فلا يشترط علمه بخلاف المال. والأول أظهر، لأن الإنسان قد يسمح بالعفو عن غيبة دون غيبة، فإن كان صاحب الغيبة ميتاً أو غائباً فقد تعذر تحصيل البراءة منها. لكن قال العلماء: ينبغي أن يكثر من الاستغفار له والدعاء ويكثر من الحسنات.

стр. 74

اعلم أنه يستحب لصاحب الغيبة أن يبرئه منها ولا يجب عليه ذلك لأنه تبرع وإسقاط حق، فكان إلى خيرته، ولكن يستحب له استحباباً متأكداً الإبراء ليخلص أخاه المسلم من وبال هذه المعصية، ويفوز هو بعظيم ثواب الله تعالى في العفو ومحبة الله ، قال الله تعالى ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ ﴿آل عمران: ١٣٤﴾ وطريقه في تطبيب نفسه بالعفو أن يذكِّر نفسه أن هذا الأمر قد وقع، ولا سبيل إلى رفعه، فلا ينبغي أن أفوت ثوابه وخلاص أخي المسلم، وقد قال الله تعالى ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ ﴿الشورى: ٤٣﴾ وقال تعالى ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ ﴿الأعراف: ١٩٩﴾. والآيات بنحو ما ذكرنا كثيرة. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) (١). وقد قال الشافعي ﵀: من استرضي فلم يرضَ فهو شيطان. وقد أنشد المتقدمون: قِيلَ لي: قد أساء إليك فلان … ومقام الفتى على الذل عار قلت: قد جاءنا وأحدث عذرا … دية الذنب عندنا الاعتذار

стр. 75

فهذا الذي ذكرناه من الحث على الإبراء عن الغيبة هو الصواب. وأما ما جاء عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا أحلل من ظلمني. وعن ابن سيرين: لم أحرمها عليه فأحللها له، لأن الله تعالى حرم الغيبة عليه، وما كنت لاحلل ما حرمه الله تعالى أبداً، فهو ضعيف أو غلط، فإن المبرئ لا يحلل محرماً، وإنما يسقط حقاً ثبت له، وقد تظاهرت نصوص الكتاب والسنة على استحباب العفو وإسقاط الحقوق المختصة بالمسقط، أو يحمل كلام ابن سيرين على أني لا أبيح غيبتي أبداً، وهذا صحيح فإن الإنسان لو قال: أبحت عرضي لمن اغتابني لم يصر مباحاً، بل يحرم على كل أحد غيبة غيره. وأما الحديث: (أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته قال إني تصدقت بعرضي على الناس) (١). فمعناه: لا أطلب مظلمتي ممن ظلمني لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا ينفع في إسقاط مظلمة كانت موجودة قبل الإبراء. فأما ما يحدث بعده، فلا بد من إبراء جديد بعدها، وبالله التوفيق. اهـ. قلت: وقد ذكر العلماء أنه يُستثنى من الغيبة ما يلي:

стр. 76

• التظلم، كالتظلم للسلطان والقاضي. • الاستفتاء، كأن يقول للمفتي ظلمني فلان. • الاستعانة على تغيير منكر أو رفع بلاء عن مسلم. • تحذير المسلمين ونصحهم من أصحاب الشر، وممن يضر بالمسلمين. • ذكر المجاهر بما فيه، أو صاحب البدعة ببدعته ليعرفه الناس ويحذروه. • التعريف إن كان الإنسان معروفاً بلقب معين كالأعرج والأصم والأعمى. قال النووي ﵀: وأكثر هذه الأسباب مجمع على جواز الغيبة بها (١). وقد جاءت هذه الأمور في بيتين من الشعر: القدحُ ليس بغيبة في ستةٍ … متظلمٍ ومعرِّفٍ ومحذرِ ولمظهرٍ فسقاً ومستفتٍ ومن … طلب الإعانة في إزالة منكر (٢) تنبيه: لكن تجد الكثير من الناس يتكلم في أعراض المسلمين، بدون روية، أو ضوابط شرعية، بحجة النصيحة، أو الجرح والتعديل، أو الأمر بالمعروف

стр. 77

والنهي عن المنكر، أو الغيرة على الدين، وفي حقيقة الأمر الكلام يكون لأمراض نفسية، وقضايا شخصية، وشهوة خفية، لا يعلم بها إلا رب البرية، فبالهوى والإعجاب يقدح، وبالهوى والإعجاب يمدح، فمن تأمل كثيراً من أَلْسِنَة هؤلاء وجدها ناراً محرقةً، وأفاعي تلدغ وتدمر، ولا تُعَمِّر، ويالها من ألسنة تزرع الهموم، وتثمر الغموم، وتحصد الشرور، فنعوذ بالله من الهوى والغرور. فالجرح أمر صعب، يحتاج فيه إلى أقصى درجة من التدين والورع والتقوى والاحتياط، كما قال المباركفوري ﵀. ألا فليتق الله المرء، وليراقب الذي يعلم السر وأخفى، وليعلم أنه محاسب على كل كلمة ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ ﴿ق: ١٨﴾ وليدع هذا الباب لأهله وفرسانه، من العلماء الأتقياء أهل الورع والدين، وليشغل نفسه بأولويات العلم، وأبجديات الطلب، وإصلاح نفسه فالقيام بهذا الأمر أمر كفائي إذا قام به ما يكفي سقط عن الآخرين، كما قرر ذلك علماء الإسلام.

стр. 78

(١٥) حديث: (إذا بليتم فاستتروا) . (ليس بحديث بهذا اللفظ) وانظر: (١) "المقاصد الحسنة" (ص: ٥٦) رقم (٥٦). (٢) "التمييز" (ص: ١٤). (٣) "كشف الخفاء" (١/ ٨٧) رقم (٥٦). التعليق: قلت: يُغني عنه حديث: (اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألمَّ فليستتر بستر الله ، فإنه من يبدِ لنا صفحته نقم عليه كتاب الله) (١) قالها ﷺ بعد رجم ماعز ﵁. وقال ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل عملاً بالليل ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملتُ البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه) متفق عليه. فالواجب على المسلم: أنه إذا ابتلي بشيء من المعاصي والذنوب أن يستتر ويتوب إلى الله علام الغيوب فيما بينه وبين الله، فإن المجاهرة بالمعصية معصية أخرى، نسأل الله العظيم العفو والعافية والستر في الدنيا والآخرة.

стр. 79

(١٦) حديث: (إذا حضر العَشاء والعِشاء فابدأوا بالعَشاء) . (لا أصل له) هذا الحديث لا أصل له بهذا اللفظ كما نصَّ على ذلك أهل العلم منهم: (١) الحافظ العراقي في "شرحه على سنن الترمذي"، قال: لا أصل له بهذا اللفظ (١). (٢) تلميذه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٢/ ١٩٠). (٣) تلميذ ابن حجر السخاوي في "المقاصد الحسنة" (٦١). (٤) تلميذ السخاوي ابن الديبع في "التمييز" (ص: ٢٥). (٥) السيوطي في "الدرر المنتثرة" (٦٩). (٦) الفتني الهندي في "تذكرة الموضوعات" (ص: ١٤٢). (٧) القاري في "الأسرار المرفوعة " (٢٥)، و"المصنوع" (١٨). (٨) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٩٠ - ٩١) رقم (٢٢٥).

стр. 80

(٩) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ١٤٦) رقم (١٠) كتاب الأطعمة والأشربة. (١٠) البيروتي في "أسنى المطالب" (١١٥). التعليق: قلت: ويغني عنه قوله ﷺ : (إذا حضر العَشاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعَشاء) (١). فقوله ﷺ : (وأقيمت الصلاة) أعم من أن تكون صلاة العِشاء الواردة في الحديث المشهور على الألسن، أو أن تكون صلاة المغرب، فقد جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (لا صلاة بحضرة طعام … ) فلفظ (صلاة) هاهنا نكرة في سياق النفي تفيد العموم عند علماء الأصول، فتعم كل صلاة من الصلوات الخمس، وغيرها كما أن النفي هاهنا بمعنى النهي، أي: لا يُصَلِّ أحد بحضرة طعام يتوق إليه سواء كانت الصلاة ظهراً أو عصراً أو مغرباً أو عشاءً، فإن صلى ونفسه تتوق إلى الطعام فقد ذهب جمهور العلماء إلى صحة الصلاة مع كراهتها على هذا الحال، وقالوا: إن نفي الصلاة في هذا الحديث نفي لكمالها لا لصحتها.

стр. 81

وقالت الظاهرية وشيخ الإسلام ابن تيمية بالبطلان فلم يصححوا الصلاة مع وجود الطعام ولا مدافعة أحد الأخبثين، وعدوا الصلاة باطلة إلا أن شيخ الإسلام لم يُصِحَّها مع الحاجة إلى الطعام، والظاهرية شذوا فلم يصححوها مطلقاً (١).

стр. 82

(١٧) حديث: (إذا حضرت الملائكة هربت الشياطين) . (ليس بحديث) لقد اشتهر هذا الكلام على ألسنة كثير من الناس على أنه حديث نبوي، والصحيح أنه ليس بحديث، كما ذكر ذلك: (١) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٩١) رقم (٢٢٦) قال: كلام يجري على ألسِنة الناس وليس بحديث. (٢) العامري في "الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث" (١٧). (٣) الأزهري في "تحذير المسلمين" (١٦). (٤) الألباني في "الضعيفة" تحت حديث (١٨٤٠). التعليق: قلت: لكن في الحديث الصحيح ما يدل على أن الشيطان لا يجتمع مع الملك، وهو ما صح عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً سبَّ أبا بكر ﵁ والنبي ﷺ جالس لا يقول شيئاً، فلما سكت ذهب أبو بكر يتكلم فقام ﷺ واتَّبعه أبو بكر فقال: يا رسول الله كان يسبني وأنت جالس فلما ذهبتُ أتكلم قمتَ، قال: (إن الملك كان يرد عنك فلما تكلمت ذهب الملك ووقع الشيطان فكرهت أن أجلس) (١).

стр. 83

ففي الحديث إشارة إلى أن الملك والشيطان لا يجتمعان. وكذلك قصة هروب الشيطان يوم بدر عندما رأى الملائكة، وكذلك عدم دخول الملائكة بيتاً فيه كلب أو صورة، ولا تصحب الملائكة رفقة معهم كلب أو جرس (١) … إلخ. قال العلامة الألباني (٢) ﵀: فالبيت المسلم لا يجوز أن يكون فيه صور ظاهرة -هذا أقل ما يُقال- مهما كانت هذه الصور، فيجب أن نحرص كل الحرص أن نُجنب إظهار الصور في بيوتنا؛ لأن هذا الظهور يمنعُ دخول الملائكة، ومعنى هذا خطير جداً؛ لأن العامة يقولون: (إذا حضرت الملائكة هربت الشياطين) فهذا شيء كأنه مستنبط من هذا الحديث، إذا كانت الملائكة لا تدخل البيت فمن يدخله إذن؟ إذا خلا الجو لهؤلاء الشياطين سارعوا إلى هذه البيوت، فالقضية متعاكسة تماماً، فإذا اتخذت الوسائل الشرعية لاستجلاب ملائكة الله إلى دارك؛ فقد اتخذت سبباً قوياً جداً في إبعاد الشياطين عن بيتك، والعكس بالعكس تماماً؛ إذا تساهلت فخالفت الشرع واتخذت الأسباب لعدم دخول الملائكة إلى بيتك؛ فقد أفسحت المجال لدخول الشياطين إليه.

стр. 84

(١٨) حديث: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان) . (ضعيف) رواه أحمد (١١٦٥١)، والترمذي (٢٧٥٠)، وابن ماجه (٨٠٢) والدارمي (١/ ٢٧٨)، وابن خزيمة (١٥٠٢)، والحاكم (٧٧٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁. والحديث ضعيف في سنده: درَّاج بن سمعان أبو السمح. قال عنه الذهبي: درَّاج كثير المناكير. وقال الإمام أحمد وغيره: أحاديثه مناكير. وقال ابن حجر في "التقريب" (١٨٢٤): صدوق في روايته عن أبي الهيثم ضعف. قلت: وهذا الحديث منها. "تهذيب التهذيب" (٣/ ١٨٦) و"الميزان" (٢/ ٢٤) و"المستدرك" بتعليق شيخنا الوادعي (١/ ٣١٩) رقم (٧٧٣) و"المغني في الضعفاء" (١/ ٢٢٣).

стр. 85

وممن نصَّ على ضعف هذا الحديث: (١) العلامة الألباني في "المشكاة" (٧٢٣) (١). (٢) شيخنا العلامة الوادعي في "غارة الأشرطة" (١/ ١٤١) وتعليقه على "المستدرك" (٧٧٣). (٣) اللجنة الدائمة (٤/ ٤٤٣). (٤) العلامة ابن عثيمين في "المجموع الثمين" (٢/ ٤٨). والحديث ذكره السخاوي في "المقاصد" (ص: ٦٠) رقم (٦٤) وابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٦) والعجلوني في"كشف الخفاء" رقم (٢٣٥). التعليق: قلت: الحديث ضعيف لكن معناه صحيح، وقد سئل شيخنا ابن عثيمين (٢) ﵀: هل يُشهد للرجل بالإيمان بمجرد اعتياده المساجد؟ فأجاب بقوله: نعم لاشك أن الذي يحضر الصلوات في المساجد، حضوره لذلك دليل على إيمانه، لأنه ما حمله على أن يخرج من بيته ويتكلف المشي إلى المسجد إلا الإيمان بالله . اهـ.

стр. 86

قلت: ومما يدل على أن الحديث معناه صحيح قوله تعالى ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ﴿التوبة: ١٨﴾. قال العلامة الشنقيطي (١) ﵀: العمارة المعنوية: بالعبادات وذكر اسم الله فيها. والعمارة الحسية: من بنائها وترميمها هذا كله من شأن المؤمنين لا من شأن الكفار، وهذا قوله تعالى ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الذي آمن بالله هو الذي يعمر مساجد الله، لا الكافر الذي عمله ضد لما بُنيت له المساجد، فهذا تناقض، لا يمكن أن يكون عامراً للمساجد وعمله ضد ما بنيت له المساجد. وقال أبو بكر بن العربي: اشهدوا له شهادة ظاهرة، (أي من يعتاد المساجد) لأن فعله يدل عليها وتعاهد المساجد يدل على إيمانه ظاهراً، أما حقيقة الباطن فهي عند الله جلَّ وعلا. قلت: وقد قال ﷺ : ( … إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم) متفق عليه من حديث أبي سعيد ﵁.

стр. 87

(١٩) حديث: (إذا طنَّت أذن أحدكم فليذكرني وليصلِ عليَّ) . (موضوع) … أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (ص: ٦٣) رقم (١٦٦)، وابن عدي في "الكامل" (٧/ ٢٧١)، (٨/ ٢٠٨)، والعقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٢٦١)، والطبراني في "الصغير" (٢/ ١٢٠) و"الكبير" (١/ ٣٢٢) رقم (٩٥٨) و"الأوسط" (١٠/ ١٠٤) رقم (٩٢١٨). وغيرهم عن أبي رافع. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٣٨). والحافظ ابن حجر في "المطالب العالية" (٣/ ٢٣٦) رقم (٣٣٦٤). وفي سنده: محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، متهم بالوضع. ورواية ابنه معمر عنه قال ابن عدي: منكرة. قلت: وقد نصَّ جمع من أهل العلم على بطلان هذا الحديث، منهم: (١) ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٢٦٦) رقم (١٥٠٠). (٢) ابن القيم في "المنار المنيف" (ص: ٦٥) رقم (١١٩) قال: كل حديث في طنين الأذن فهو كذب. (٣) ابن كثير في "التفسير" (٣/ ٦٢٢)،

стр. 88

(٤) العقيلي، كما نقل عنه السخاوي. (٥) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٦٢) رقم (٧٠). (٦) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٧). (٧) السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (٢/ ٢٤٢). (٨) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ١١٠) رقم (٢٩٢). (٩) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ١٦٦). (١٠) الصالحي في "الشذرة" (١/ ٥٦) رقم (٦٥). (١١) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٤٣) رقم (١٣٠). (١٢) ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (٢/ ٢٩٣). (١٣) السمهودي في "الغماز على اللماز" (ص: ٣٤) رقم (١٦) (١٤) الصعدي اليمني في "النوافح العطرة" (ص: ٣٥) رقم (١٣٨). (١٥) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٠٤) رقم (٢٠). (١٦) المعلمي في تحقيق "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٠٤) رقم (٢٠). (١٧) العلامة الألباني في "الضعيفة" (٢٦٣١): موضوع (١).

стр. 89

(١٨) العلامة ابن باز في "التحفة الكريمة" (٤٤). (١٩) شيخنا الوادعي في "غارة الأشرطة" (٢/ ٦١). (٢٠) اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٤/ ٤٥٠). التعليق: تبين لك أخي الكريم أن هذا الحديث لايصح عن رسول الله ﷺ ، وكم من الأحاديث والأقوال والأفعال تنسب إلى رسول الله ﷺ وهو منها براء، وكم من خرافات وتراهات وظنون وأوهام ما أنزل الله بها من سلطان، تُنسب إلى سيد ولد عدنان ﷺ والله المستعان، فمن ذلك على سبيل المثال: • هذا الكلام الذي بين يديك: (إذا طنت أذن أحدكم … ). • … (إذا رمشت العين اليمنى أنه سيرى رجلاً يحبه وإذا رمشت عينه اليسرى يرى رجلاً لا يحبه) لا أصل له. • … (إذا حكت اليد يقولون سوف يأتينا مال أو غيره). • … (إذا كانت الحذاء مقلوبة يعدلونها) (١). وغير ذلك من الخرافات التي لا أصل لها في الشريعة الإسلامية.

стр. 90

(٢٠) حديث: (إذا كبر ولدك واخيه) . (ليس بحديث) … اشتهر هذا الكلام على ألسنة كثير من الناس على أنه حديث نبوي، وليس كذلك إنما هو من كلام العامة كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم، منهم: (١) العامري في "الجد الحثيث" (٢١) قال: هو من كلام العامة، وقولهم: (واخيه) لحن وصوابه (آخِه). (٢) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٦٤) رقم (٧٣). (٣) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٨). (٤) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٩٩) رقم (٢٥٥) قال: قال النجم: هو من كلام العامة. التعليق: قلت: وقد جاء في معنى هذا الكلام حديث ضعيف عن أبي جبيرة ابن الضحاك عند الطبراني وغيره بسند ضعيف: (الولد سبع سنين سيد وأمير، وسبع سنين عبد وأسير، وسبع سنين أخ ووزير) (١).

стр. 91

وتقدير مراحل العمر للأولاد هذا مما يجدر بالوالدين أن يراعوه، فالولد يكبر وينمو تفكيره فلا بدَّ أن تكون معاملته ملائمة لسنِّه وتفكيره واستعداده، وأن لايعامل على أنه صغير دائماً.

стр. 92

(٢١) حديث: (إذا كثرت الفتن فعليكم باليمن) . (موضوع) (١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (١٨/ ٣٨٤): هذا اللفظ لايعرف. (٢) قال ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (٢/ ٣٥١): قال ابن تيمية: موضوع. (٣) قال شيخنا الوادعي في "إجابة السائل" (ص: ٤٧٠): حديث (إذا جاءتكم الفتن فعليكم باليمن) موضوع ليس له سند. … وقال في تحفة المجيب (ص: ٤١٨): وأما حديث: (إذا هاجت الفتن فعليكم باليمن) فهو حديث موضوع مكذوب لا يثبت عن رسول الله ﷺ . التعليق: قلت: تبين لك أخي الكريم عدم صحة هذا الحديث، ومعناه كذلك ليس بصحيح، فاليمن كغيرها من البلدان مليئة بالفتن، فالواجب عند حصول الفتن العمل بأسباب النجاة منها.

стр. 93

وأسباب النجاة من الفتن كثيرة، منها: الهجرة، فإذا لم تستطع أن تعبد الله في أرض فهاجر إلى أرض تستطيع تعبد الله فيها. ونستطيع أن نلخص أنواع الهجرة -سواء ما بقي منها مفروضاً أو نسخ، وما هو غير ذلك- في النقاط التالية: • الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام: وكانت فرضاً في أيام النبي ﷺ ، وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، والتي انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبي ﷺ حيث كان، فمن أسلم في دار الحرب وجب عليه الخروج إلى دار الإسلام. • الخروج من أرض البدعة إلى أرض السنة: قال الإمام مالك: لا يحل لأحد أن يقيم ببلد سب فيها السلف. • الخروج عن أرض غلب عليها الحرام: فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم. وفي هذا الشأن يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: أحوال البلاد كأحوال العباد فيكون الرجل تارة مسلماً، وتارة كافراً، وتارة مؤمناً، وتارة منافقاً، وتارة براً تقياً، وتارة فاجراً شقياً. وهكذا المساكن بحسب سكانها، فهجرة الإنسان من مكان الكفر والمعاصي إلى مكان الإيمان والطاعة كتوبته، وانتقاله من

стр. 94

الكفر والمعصية إلى الإيمان والطاعة، وهذا أمر باق إلى يوم القيامة. • الفرار من الأذية في البدن: وذلك فضل من الله أرخص فيه، فإذا خشي المرء على نفسه في موضع فقد أذن الله سبحانه له في الخروج عنه، والفرار بنفسه ليخلصها من ذلك المحذور، وأول من فعل ذلك إبراهيم ﵇ لما خاف من قومه قال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ ﴿العنكبوت: ٢٦﴾. ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾ ﴿الصافات: ٩٩﴾. وموسى ﵇ قال الله فيه ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١)﴾ ﴿القصص: ٢١﴾. • خوف المرض في البلاد الوخمة، والخروج منها إلى الأرض النزهة: وقد أذن النبي ﷺ للعرنيين في ذلك حين استوخموا المدينة أن يخرجوا إلى المرج، فيكونوا فيه حتى يصحوا، وقد استثني من ذلك الخروج من الطاعون كما قرر ذلك الحديث الصحيح. • الفرار خوف الأذية في المال: فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه، والأهل مثله أو آكد (١).

стр. 95

(٢٢) حديث: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) . (ضعيف) … قال العلامة الألباني: رواه ابن إسحاق في "السير" (٤/ ٣١ - ٣٢) وعنه الطبري في "التاريخ" (٣/ ١٢٠). ثم قال: هذا الحديث على شهرته ليس له إسناد ثابت، وهو عند ابن هشام معضل، وقد ضعَّفه الحافظ العراقي، كما بينته في "تخريج فقه السيرة" (ص: ٤١٥) حاشية. وقال في "الضعيفة" (١١٦٣): وهذا سند ضعيف مرسل، لأن شيخ ابن إسحاق لم يُسمَّ، وقد قال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم، فهو مجهول ثم هو ليس صحابياً، لأن ابن إسحاق لم يدرك أحداً من الصحابة، بل هو يروي عن التابعين وأقرانهم، وهو مرسل أو معضل. "دفاع عن الحديث النبوي والسيرة" (ص: ٤١). قلت: وقد ذكر هذا الحديث جمع من أهل العلم (١) ولم يتكلموا عليه صحة أوضعفاً، والحجة كما قال العلامة الألباني في الرد على البوطي

стр. 96

(ص: ٤١ - ٤٢): إن كان يرى -أي البوطي- أن هذا الحديث صحيح فليثبت لنا ذلك نكن له من الشاكرين، أم هو يجري على القول المشهور: (الخطأ المشهور خير من الصواب المهجور). التعليق: قلت: وإن كان هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ ، إلا أنه ﷺ صاحب الخلق العظيم والقلب الرحيم، والعفو العميم، والصفح الجميل، وحسبك صبره وعفوه ﷺ عن الكافرين به المقاتلين المحاربين له، في أشد ما نالوه به من الجراح والجهد، بحيث كُسِرَت رباعيته وشُجَ وجهه يوم أحد حتى صار الدم يسيل على وجهه الشريف، حتى شق ذلك على أصحابه شديداً وقالوا: لو دعوت عليهم، فقال: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون) (١). وههنا دقيقة وهي أنه ﷺ لما شج وجهه عفا وقال: (اللهم اهد قومي) وحين شغلوه عن الصلاة يوم الخندق قال: (اللهم املأ بطونهم ناراً) فتحمل الشجة الحاصلة في وجه جسده الشريف، وما تحمل الشجة الحاصلة في دينه، فإن وجه الدين هو الصلاة فرجَّح حق خالقه على حقه، واعلم أن الصبر على الأذى جهاد النفس، وقد جبل الله تعالى النفس على التألم بما يفعل بها، لهذا شق عليه ﷺ نسبتهم له إلى الجور في

стр. 97

القسمة لكنه ﵊ حَلُمَ على القائل وصبر لما علم جزيل ثواب الصابر، وأن الله يأجره بغير حساب، وصبره ﷺ على الأذى إنما هو فيما كان من حق نفسه، وأما إذا كان لله فإنه يمتثل فيه أمر الله تعالى من الشدة كما قال له تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿التحريم: ٩﴾. وقد وقع له عليه الصلاة السلام أنه غضب لأسباب مختلفة مرجعها إلى أن ذلك كان في أمر الله، وأظهر الغضب فيها ليكون أوكد في الزجر، فصبره وعفوه إنما كان فيما يتعلق بنفسه الشريفة ﷺ (١).

стр. 98

(٢٣) حديث: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) . (موضوع) أخرجه ابن عبد البر في"جامع بيان العلم" (٢/ ٩١)، وابن حزم في "الإحكام" (٢/ ٢٥١ - ٢٥٢) عن جابر ﵄ مرفوعاً. في سنده: سلام بن سليمان مجمع على ضعفه. بل قال ابن خراش: كذَّاب. وقال ابن حبان: روى أحاديث موضوعة. قلت: وقد نصَّ جمع من أهل العلم على بطلان هذا الحديث، منهم: (١) ابن عبد البر، قال: هذا إسناد لا تقوم به حجة. (٢) ابن حزم في "الإحكام" (٢/ ٢٥١ - ٢٥٢) قال: هذه رواية ساقطة وسلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة وهذا منها بلا شك. (٣) ابن الملقن في الخلاصة. (٤) البيهقي، كما نقل عنه الحافظ في "التلخيص". (٥) شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة" (٧/ ١٤٢ - ١٤٣).

стр. 99

(٦) ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٤/ ١٩٠) رقم (٢٠٩٨). (٧) ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/ ٢٨٣). (٨) العلامة الألباني في"الضعيفة" (٥٨). (٩) اللجنة الدائمة (٢٩/ ٢١٦) رقم الفتوى (١٢٤٦٤). التعليق: قال العلامة الألباني (١): قال ابن حزم: فقد ظهر أن هذه الرواية لا تثبت أصلا، بل لا شك أنها مكذوبة، لأن الله تعالى يقول في صفة نبيه ﷺ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ ﴿النجم: ٣ - ٤﴾. فإذا كان كلامه ﵊ في الشريعة حقاً كله وواجباً فهو من الله تعالى بلا شك، وما كان من الله تعالى فلا يختلف فيه، لقوله تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ ﴿النساء: ٨٢﴾، وقد نهى تعالى عن التفرق والاختلاف بقوله ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ﴿الأنفال: ٤٦﴾، فمن المحال أن يأمر رسوله ﷺ باتباع كل قائل من الصحابة ﵃، وفيهم من يحلل الشيء وغيره يحرمه، ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالاً اقتداءً بسمرة بن جندب ﵁، ولكان أكل البرد للصائم حلالاً اقتداءً بأبي طلحة ﵁، وحراماً اقتداءً بغيره منهم،

стр. 100

ولكان ترك الغسل من الإكسال واجباً بعلي وعثمان وطلحة وأبي أيوب و أبي بن كعب، وحراماً اقتداءً بعائشة وابن عمر وكل هذا مروى عندنا بالأسانيد الصحيحة. ثم أطال في بيان بعض الآراء التي صدرت من الصحابة وأخطأوا فيها السنة، وذلك في حياته ﷺ وبعد مماته. ثم قال: فكيف يجوز تقليد قوم يخطئون ويصيبون؟!. وقال قبل ذلك تحت باب (ذم الاختلاف): وإنما الفرض علينا اتباع ما جاء به القرآن عن الله تعالى، الذي شرع لنا دين الإسلام، و ما صح عن رسول الله ﷺ ، الذي أمره الله تعالى ببيان الدين … فصح أن الاختلاف لا يجب أن يراعى أصلاً، و قد غلط قوم فقالوا: (الاختلاف رحمة)، واحتجوا بما روي عن النبي ﷺ : (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم). قال: وهذا الحديث باطل مكذوب من توليد أهل الفسق لوجوه ضرورية. أحدها: أنه لم يصح من طريق النقل. والثاني: أنه ﷺ لم يجز أن يأمر بما نهى عنه، و هو ﵇ قد أخبر أن أبا بكر قد أخطأ في تفسير فسره، و كذَّب -أي خطأ- عمر في تأويل تأوله في الهجرة، وخطأ أبا السنابل في فتيا أفتى بها في العدة،

стр. 101

فمن المحال الممتنع الذي لا يجوز البتة أن يكون ﵇ يأمر باتباع ما قد أخبر أنه خطأ. فيكون حينئذ أمر بالخطأ، تعالى الله عن ذلك، وحاشا له ﷺ من هذه الصفة، وهو ﵊ قد أخبر أنهم يخطئون، فلا يجوز أن يأمرنا باتباع من يخطيء، إلا أن يكون ﵇ أراد نقلهم لما رووا عنه، فهذا صحيح لأنهم ﵃ كلهم ثقات، فمن أيهم نقل، فقد اهتدى الناقل. والثالث: أن النبي ﷺ لا يقول الباطل، بل قوله الحق، وتشبيه المشبه للمصيبين بالنجوم تشبيه فاسد وكذب ظاهر، لأنه من أراد جهة مطلع الجدي، فأم -اتجه- جهة مطلع السرطان لم يهتد، بل قد ضل ضلالاً بعيداً وأخطأ خطأ فاحشاً، وليس كل النجوم يهتدى بها في كل طريق، فبطل التشبيه المذكور، ووضح كذب ذلك الحديث وسقوطه وضوحاً ضرورياً. ونقل خلاصته ابن الملقن في "الخلاصة" وأقره، وبه ختم كلامه على الحديث، فقال: وقال ابن حزم: خبر مكذوب موضوع باطل لم يصح قط. اهـ. قلت: تبين لك أخي الكريم عدم صحة الحديث، وعدم صحة معناه، لكن لا يشك مسلم في فضل الصحابة ﵃، وأن من سار على نهجهم واقتفى أثرهم اهتدى، فإن الله قد بعث محمداً ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، هادياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، واختار له أصحاباً

стр. 102

كانوا نجوم الاهتداء وأئمة الاقتداء، وهم الواسطة بيننا وبين رسول الله ﷺ ، حفظوا كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ونقلوها إلى كل من جاء بعدهم، وبلغوها وأدوها ناصحين محتسبين، فهم خير القرون وخير أمة أخرجت للناس، ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عليهم وثناء رسول الله ﷺ ، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه ﷺ ونصرتة، ولا تزكية أفضل من ذلك ولا تعديل أكمل منها، وهم أولى الناس بأن تُعرف أحوالهم، وما اتصفوا به من أخلاق عالية وصفات نبيلة، إذ في معرفة ذلك إضاءة الطريق أمام المؤمن الذي أحب أن يسير إلى الله على بصيرة، استناداً إلى ما جاء في الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح، ومن هنا كان لزاماً على كل مسلم ومسلمة معرفة أخبارهم وأحوالهم على وجه الدقة، حتى يقتدى بهم على بصيرة وينشرها بين المسلمين (١). … ومن فضائل أصحاب رسول الله ﷺ ما أخرجه البخاري ومسلم (٢) عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (خير الناس قرني (٣) ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).

стр. 103

وأخرج مسلم (١) في صحيحه عن أبي بردة عن أبيه ﵄ قال: (صلينا المغرب مع رسول الله ﷺ ، ثم قلنا: لوجلسنا حتى نصلي معه العشاء، قال: فجلسنا، فخرج علينا فقال: (ما زلتم ها هنا؟) قلنا: يارسول الله، صلينا معك المغرب ثم قلنا نصلي معك العشاء، قال: (أحسنتم، أو أصبتم) قال: فرفع رأسه إلى السماء، وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون). وروى البخاري (٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقولون: فيكم من صاحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: فيكم من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم). وجاء عند ابن أبي شيبة عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تزالون بخير مادام فيكم من رآني وصاحبني، والله لا تزالون بخير مادام فيكم من رأى من رآني وصاحب من صاحبني) وهو حديث حسن.

стр. 104

(٢٤) حديث: (اطلبو العلم ولو بالصين) . (باطل) رواه ابن عدي في "الكامل" (٥/ ١٨٨)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (ص: ١٢) رقم (١٧)، والبيهقي في "الشعب" (٢/ ٢٥٤) رقم (١٦٦٣)، والعقيلي في "الضعفاء" (٢/ ٢٣٠) رقم (٧٧٧)، والخطيب في "التاريخ" (٩/ ٣٦٤) عن أنس ﵁ مرفوعاً. وفي سنده: الحسن بن عطية ضعَّفه أبوحاتم الرازي. وفيه: طريف بن سليمان، قال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث. وقال النسائي: ليس بثقه. وقال الدارقطني وغيره: ضعيف. وقد حكم ببطلان هذا الحديث جمع من العلماء، منهم: (١) ابن حبان في "المجروحين" قال: هذا الحديث باطل لا أصل له. (٢) … ابن الجوزي في"الموضوعات" (١/ ٣٤٧) رقم (٤٢٧) و (٤٢٨) و (٤٢٩) قال: هذا حديث لايصح. (٣) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٨٦) رقم (١٢٥).

стр. 105

(٤) السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (١/ ١٧٥). (٥) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ٢٤). (٦) ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (١/ ٢٥٨) رقم (٢٨). (٧) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ١٥٤) رقم (٣٩٧). (٨) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٤٧) رقم (١). (٩) الألباني في "الضعيفة" (١/ ٤١٣) رقم (٤١٦) (١). التعليق: قلت: لاشك أن الرحلة في طلب الحديث من أبرز صفات هذه الأمة، فقد بذل السلف الصالح غاية الوسع والطاقة في الرحلة لطلب الحديث، فكان الواحد منهم يرحل المسافات الشاسعة، ويتجاوز الفيافي والقفار، يأتدم الخبز اليابس، ويكتفي بالطعام الجلف، ويلبس خلْق الثياب ويعاني الأهوال للفوز بطلب العلم، بل طلب مسألة من العلم أولسماع حديث واحد. وقد جمع الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب أخباراً عجيبة، وتحفاً نادرةً، من أخبار رحلاتهم، فهذا شعبة بن الحجاج يرحل شهراً في طلب حديث

стр. 106

سمعه من طريق لم يمر عليه، كما ذكر الخطيب في "الرحلة"، وهذا جابر ابن عبد الله ﵄ صحابي جليل، يقول: بلغني عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ حديث سمعه من رسول الله ﷺ لم أسمعه منه، قال: فابتعت بعيراً فشددت عليَّ رحلي فسرت إليه شهراً حتى أتيت الشام، فإذا هو عبد الله بن أنيس الأنصاري قال: فأرسلتُ إليه أن جابراً على الباب، قال: فرجع إليَّ الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم. قال: فرجع الرسول إليه فخرج إليَّ فاعتنقني واعتنقته، قال: قلت: حديثاً بلغني أنك سمعته من رسول الله ﷺ في المظالم فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه. وهذا أبو زرعة ومحمد بن نصر وغيرهم يقطعون الفيافي على الأقدام كل هذا في سبيل تحصيل العلم، فهم يقطعون المسافات الشاسعة التي تنقطع دونها رقاب المطي مع ما يصاحب ذلك من التعب وعناء الطريق، ومع ذلك فإن لذة العلم التي وضعها الله في قلوبهم أنستهم عناء الطريق وبعد الشقة. فكم قد حدثنا التاريخ أن بعض الرحَّالة في طلب العلم اشتد به الجوع والظمأ، وضاع في الصحاري والقفار، وخشي على نفسه الهلاك وانقطعت به السبل، فمنهم من شرب بوله، ومنهم من بال دماً، ومنهم من أنفق كل أمواله في الرحلة في طلب العلم، ومنهم من ترك أهله وأولاده

стр. 107

حتى قال أحدهم: خلفتُ عرسي يوم السير باكية … يا ابن المبارك تبكيني برنات خلفتها سحراً في النوم لم أرها … وفي فؤادي منها شبه كيات أهلي وعرسي وصبياني تركتهمُ … وسرت نحوك في تلك المفازات أخاف والله قطاع الطريق بها … وما أمنت بها من لدغ حيات مستوفزات بها رقط مشوهة … أخاف صولتها في كل ساعات اجلس لنا كل يوم ساعة بكراً … إن خفَّ ذاك وإلا بالعشيات يا أهل مرو أعينونا بكفكم … عنا وإلا رميناكم بأبيات لا تضجرونا فإنا معشر صبر … وليس نرجو سوى رب السماوات وقال بعضهم: تغرب عن الأوطان في طلب العلى … وسافر ففي الأسفار خمس فوائد تفريج هم واكتساب معيشة … وعلم وآداب وصحبة ماجد وقال آخر: ارحل بنفسك من أرض تضام بها … ولا تكن من فراق الأهل في حرق فالعنبر الخام روث في مواطنه … وفي التغرب محمول على العنق والكحل نوع من الأحجار تنظره … في أرضه وهو مرمي على الطرق لما تغرَّب حاز الفضل أجمعه … فصار يحمل بين الجفن والحدق

стр. 108

(٢٥) حديث: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً) . (لا أصل له) (١) قال العلامة الألباني ﵀-في "الضعيفة" (٨): هذا الحديث لا أصل له وإن اشتهر على الألسنة في الأزمنة المتأخرة (١). … (٢) قالت اللجنة الدائمة في "الفتاوى" (٢٩/ ٢٦٩) رقم (١٣٧٩٣): ذلك ليس بحديث مرفوع عن الرسول ﷺ . (٣) قال شيخنا ابن عثيمين في "شرح الأربعين النووية" (ص: ٣٩١): وهذا يروى حديثاً عن النبي ﷺ ولكنه ليس بحديث. وقال أيضاً في "فتاوى نورعلى الدرب" (٢/ ٢٣٤): هذا القول المشهور لا يصح عن النبي ﷺ فهو من الأحاديث الموضوعة. قلت: وقد أفرد هذا الحديث برسالة مستقلة أحد المعاصرين بعنوان: (إياك أن تغتر بحديث اعمل لدنياك) قرر في هذه الرسالة عدم وجود أصل لهذا الحديث بهذا النص إلى رسول الله ﷺ .

стр. 109

التعليق: قلت: قال العلامة الألباني ﵀ معلقاً على هذا الحديث (١): ثم إن هذا السياق ليس نصاً في أن العمل المذكور فيه هو العمل للدنيا، بل الظاهر منه أنه يعني العمل للآخرة، والغرض منه الحض على الاستمرار برفق في العمل الصالح وعدم الانقطاع عنه، فهو كقوله ﷺ : (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) متفق عليه. وقال شيخنا العلامة ابن عثيمين (٢) ﵀: هذا القول المشهور لا يصح عن النبي ﷺ فهو من الأحاديث الموضوعة، ثم إن معناه ليس هو المتبادر إلى أذهان كثير من الناس، من العناية بأمور الدنيا والتهاون بأمور الآخرة، بل معناه على العكس، وهو المبادرة والمسارعة في إنجاز أعمال الآخرة، والتباطؤ في إنجاز أمور الدنيا، لأن قوله: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً) يعني أن الشيء الذي لا ينقضي اليوم ينقضي غداً، والذي لا ينقضي غداً ينقضي بعد غدٍ، فاعمل بتمهل وعدم تسرع، لو فات اليوم فما يفوت اليوم يأتي غداً وهكذا، أما الآخرة (فاعمل لآخرتك كأنك تموت غداً) أي بادر بالعمل ولا تتهاون، وقدركأنك تموت غداً بل أقول قدركأنك تموت قبل غد، لأن الإنسان لا يدري متى يأتيه الموت، وقد

стр. 110

قال ابن عمر ﵄: (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) هذا هو معنى هذا القول المشهور، إذن فالجواب أن هذا لا يصح عن رسول الله ﷺ ، وأن معناه ليس كما يفهمه كثير من الناس من إحكام عمل الدنيا، وعدم إحكام عمل الآخرة، بل معناه المبادرة في أعمال الآخرة، وعدم التأخير والتساهل فيها، وأما أعمال الدنيا فالأمر فيها واسع ما لا ينقضي اليوم ينقضي غداً وهكذا. قلت: الشطر الثاني من الحديث يدعو إلى قصر الأمل في هذه الدنيا وهذا تدعمه الأدلة الصحيحة منها، حديث ابن عمر ﵄ في البخاري (١)، قال: أخذ رسول الله ﷺ بمكنبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك. قال العلامة ابن عثيمين (٢) ﵀: قال النبي ﷺ لابن عمر: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) سبحان الله أعطى الله نبيه جوامع الكلم هاتان الكلمتان، يمكن أن تكونا نبراساً يسير الإنسان عليه في
следующие страницы →