← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 862

إسعاف الأخيار بما اشتهر ولم يصح من الأحاديث والآثار والقصص والأشعار

محمد بن عبد الله باموسى

Полный текст (1 026 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وفلاناً دعاه أو دعا به في حاجة فقضيت له، وفلاناً نزل به ضر فاسترجى صاحب ذلك القبر فكشف ضره، وعند السدنة والمقابرية من ذلك شيء كثير يطول ذكره، وهم من أكذب خلق الله تعالى على الأحياء والأموات، والنفوس مولعة بقضاء حوائجها، وإزالة ضروراتها ويسمع بأن قبر فلان ترياق مجرب، والشيطان له تلطف في الدعوة فيدعوه أولاً إلى الدعاء عنده فيدعوه العبد عنده بحرقة وانكسار وذلة، فيجيب الله دعوته لما قام بقلبه لا لأجل القبر، فإنه لو دعاه كذلك في الحانة والخمارة والحمام والسوق أجابه، فيظن الجاهل أن للقبر تأثيراً في إجابة تلك الدعوة، والله سبحانه يجيب المضطر ولو كان كافراً، وقد قال الله تعالى ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ … عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ﴿الإسراء: ٢٠﴾. وقد قال الخليل ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ﴿البقرة: ١٢٦﴾. فقال الله ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ … الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ ﴿البقرة: ١٢٦﴾. فليس كل من أجاب الله دعاءه يكون راضياً عنه، ولا محباً له بفعله، فإنه يجيب البر والفاجر، والمؤمن والكافر، وكثير من الناس يدعو دعاء يعتدي فيه، أو يشترط في دعائه، أو يكون مما لايجوز أن يسأل، فيحصل له ذلك أو بعضه، فيظن أن عمله صالح مرضي لله ويكون بمنزلة من أملي له وأمد بالمال

стр. 527

والبنين، وهو يظن أن الله تعالى يسارع له في الخيرات وقد قال تعالى ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿الأنعام: ٤٤﴾، فالدعاء يكون عبادة فيثاب عليه الداعي، وقد يكون مسألة تنقضي به حاجته ويكون مضرة عليه إما أن يعاقب بما يحصل له، أو تنقص به درجته، فيقضي حاجته ويعاقب على ماجرى عليه من إضاعته حقوقه وإعتداء حدوده، والمقصود: أن الشيطان بلطف كيده يحسن الدعاء عند القبر، وأنه أرجح منه في بيته ومسجده وأوقات الأسحار، فإن تقرر ذلك عنده نقله درجة أخرى من الدعاء عنده إلى الدعاء به، والإقسام على الله به، وهذا أعظم من الذي قبله، فإن شأن الله أعظم أن يقسم عليه أو يسأل بأحد من خلقه وقد أنكر أئمة الإسلام ذلك.

стр. 528

(١٤٠) حديث: (لو اغتسل اللوطي بماء البحر لم يجئ يوم القيامة إلا جنباً) . (موضوع) أخرجه الديلمي في "الفردوس" (٥١٧٦). وفيه: محمد بن العباس بن سهيل وهو كذَّاب. (١) قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٣٣٠) رقم (١٥٦٧): قال الخطيب: الرجال المذكورون في إسناد هذا الحديث كلهم ثقات غير ابن سهيل وهو الذي وضعه. (٢) قال الذهبي في "تلخيص الموضوعات" (ص: ٢٩١) رقم (٧٨٨): فيه محمد ابن العباس بن سهيل كذاب. (٣) قال السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (٢/ ١٦٨): ابن سهيل هو الذي وضع هذا الحديث. (٤) قال ابن عراق في "تنزيه الشريعة " (٢/ ٢٢٠): ابن سهيل هو الذي وضع هذا الحديث. (٥) قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (٨٨٧): باطل. (٦) قال ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٣٣ - ١٣٤): باطل.

стр. 529

(٧) قال القاري في "المصنوع" (٢٤٩): باطل لا أصل له. (٨) قال البيروتي في "أسنى المطالب" (١١٦٧): باطل لا أصل له. (٩) قال الصالحي في "الشذرة" (٧٥٥): باطل لا أصل له. (١٠) قال الأزهري في "تحذير المسلمين" (ص: ١٦١): باطل لا أصل له. (١١) قال الصعدي في "النوافح العطرة" (١٥٣٨): ضعيف. (١٢) قال شيخنا الوادعي في "إجابة السائل" (ص: ٣٦٣): وما جاء أن اللوطي لو اغتسل بماء البحر لما طهر: فهو حديث مكذوب لا يصح عن النبي ﷺ والله أعلم. قلت: وأخرج البيهقي في"شعب الإيمان" (٤/ ٣٥٩) رقم (٥٤٠٣) نحو الحديث المتقدم ولا يصح أيضاً. قال السخاوي في "المقاصد" (ص: ٤٠٣): وكل ما في معناه باطل. التعليق: قلت: هذا الحديث لا يصح كما تبين لك، لكن الغسل من الجنابة ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، سواء كانت جنابة لواط أو زنا … وقد سئل شيخ الإسلام (١) ﵀ عن الفاعل والمفعول به بعد إدراكهما ما يجب عليهما، وما يطهرهما، وما ينويان عند الطهاره؟

стр. 530

فأجاب: … عليهما الاغتسال من الجنابة وترتفع الجنابة من الاغتسال لكن لا يطهران من نجاسة الذنب إلا بالتوبة … الخ. وأما حكم جريمة فعل قوم لوط، فهي من أقبح الجرائم وأشنعها: قال الذهبي (١) ﵀: وأجمع المسلمون من أهل الملل أن التلوط من الكبائر قال تعالى ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ ﴿الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦﴾. قال ﷺ : (ملعون من عمل بعمل قوم لوط) (٢)، وقال ﷺ : (اقتلوا الفاعل والمفعول به) (٣). قال الشوكاني ﵀: وما أحق مرتكب هذه الجريمة، ومقارفي هذه الرذيلة الذميمة بأن يُعاقب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين، ويُعذب تعذيباً يكسر شهوة الفسقة المتمردين، فحقيق بمن أتى بفاحشة قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين، أن يصلى من العقوبة بما يكون من الشدة والشناعة مشابها لعقوبتهم، وقد خسف الله تعالى بهم، واستأصل بذلك العذاب بكرهم وثيبهم. وإنما شدد الاسلام في عقوبة هذه الجريمة لآثارها السيئة وأضرارها في الفرد والجماعة.

стр. 531

وهذه الأضرار نذكرها ملخصة من كتاب: الاسلام والطب" فيما يلي: • الرغبة عن المرأة: من شأن اللواطة أن تصرف الرجل عن المرأة، وقد يبلغ به الأمر إلى حد العجز عن مباشرتها، وبذلك تتعطل أهم وظيفة من وظائف الزواج، وهي إيجاد النسل. ولو قدر لمثل هذا الرجل أن يتزوج، فإن زوجته تكون ضحية من الضحايا، فلا تظفر بالسكن، ولا بالمودة، ولا بالرحمة التي هي دستور الحياة الزوجية، فتقضي حياتها معذبة معلقة، لاهي متزوجة ولا مطلقة. • التأثير في الأعصاب: وإن هذه العادة تغزو النفس، وتؤثر في الأعصاب تأثيراً خاصاً، أحد نتائجه الإصابة بالانعكاس النفسي في خلق الفرد، فيشعر في صميم فؤاده بأنه ما خلق ليكون رجلاً، وينقلب الشعور إلى شذوذ، به ينعكس شعور اللائط انعكاساً غريباً، فيشعر بميل إلى بني جنسه، وتتجه أفكاره الخبيثة إلى أعضائهم التناسلية. ومن هذا تستطيع أن تتبين العلة الحقيقية في إسراف بعض الشبان الساقطين في التزين وتقليدهم النساء في وضع المساحيق المختلفة على وجوههم، ومحاولتهم الظهور بمظهر الجمال بتحمير أصداغهم، وتزجيج حواجبهم، وتثنيهم في مشيتهم، إلى غير ذلك مما نشاهده جميعاً في كل مكان، وتقع عليه أبصارنا في كثير من الاحيان. ولقد أثبتت كتب الطب كثيراً من الوقائع الغريبة التي تتعلق بهذا الشذوذ أضرب صفحاً عن ذكرها. ولا يقتصر الأمر على إصابة اللائط بالانعكاس النفسي، بل هنالك ما تسببه هذه الفاحشة من إضعاف القوى النفسية الطبيعية في الشخص كذلك، وما

стр. 532

تحدثه من جعله عرضة للإصابة بأمراض عصبية شاذة وعلل نفسية شائنة، تفقده لذة الحياة، وتسلبه صفة الإنسانية والرجولة، فتحيي فيه لوثات وراثية خاصة، وتظهر عليه آفات عصبية كامنة تبديها هذه الفاحشة، وتدعو إلى تسلطها عليه. • التأثير على المخ: واللواط بجانب ذلك يسبب اختلالاً كبيراً في توازن عقل المرء، وارتباكاً عاماً في تفكيره، وركوداً غريباً في تصوراته، وبلاهة واضحة في عقله، وضعفاً شديداً في إرادته. وإن ذلك ليرجع إلى قلة الإفرازات الداخلية التي تفرزها الغدة الدرقية، والغدد فوق الكلى، وغيرها مما يتأثر باللواط تأثراً مباشراً، فيضطرب عملها وتختل وظائفها. وإنك لتجد هنالك علاقة وثيقة بين (النيورستانيا) واللواط، وارتباطاً غريباً بينهما، فيصاب اللائط بالبله والعبط وشرود الفكر وضياع العقل والرشاد. • السويداء: واللواط إما أن يكون سبباً في ظهور مرض السويداء أو يغدو عاملاً قوياً على إظهاره وبعثه. ولقد وجد أن هذه الفاحشة وسيلة شديدة التأثير على هذا الداء من حيث مضاعفتها له، وزيادة تعقيدها لأعراضه، ويرجع ذلك للشذوذ الوظيفي لهذه الفاحشة المنكرة وسوء تأثيرها على أعصاب الجسم. • عدم كفاية اللواط: واللواط علة شاذة، وطريقة غير كافية لإشباع العاطفة الجنسية، وذلك لأنها بعيدة الأصل عن الملامسة الطبيعية، لا تقوم

стр. 533

بإرضاء المجموع العصبي، شديدة الوطأة على الجهاز العضلي، سيئة التأتير على سائر أجزاء البدن. • وإذا نظرنا إلى فسيولوجيا الجماع والوظيفة الطبيعية التي تؤديها الأعضاء التناسلية وقت المباشرة، ثم قارنا ذلك بما يحدث في اللواط، وجدنا الفرق بعيداً والبون بين الحالتين شاسعاً، ناهيك بعدم صلاحية الموضع وفقد ملاءمته للوضع الشاذ. • ارتخاء عضلات المستقيم وتمزقه: وإنك إذا نظرت إلى اللواط من ناحية أخرى وجدته سبباً في تمزق المستقيم وهتك أنسجته وارتخاء عضلاته وسقوط بعض أجزائه، وفقد السيطرة على المواد البرازية وعدم استطاعة القبض عليها، ولذلك تجد الفاسقين دائمي التلوث بهذه المواد المتعفنة بحيث تخرج منهم بغير إرادة أو شعور. • علاقة اللواط بالاخلاق: واللواط لوثة أخلاقية ومرض نفسي خطير، فتجد جميع من يتصفون به سيئي الخلق فاسدي الطباع، لا يكادون يميزون بين الفضائل والرذائل، ضعيفي الإرادة ليس لهم وجدان يؤنبهم ولا ضمير يردعهم، لا يتحرج أحدهم، ولا يردعه رادع نفسي، عن السطو على الأطفال والصغار واستعمال العنف والشدة لاشباع عاطفته الفاسدة والتجرؤ على ارتكاب الجرائم التي نسمع عنها كثيراً، ونطالع أخبارها في الجرائد السيارة وفي غيرها، ونجد تفاصيل حوادثها في المحاكم وفي كتب الطب.

стр. 534

• اللواط وعلاقته بالصحة العامة: واللواط فوق ما ذكرت يصيب مقترفيه بضيق الصدر ويرزؤهم بخفقان القلب. ويتركهم بحال من الضعف العام يعرضهم للإصابة بشتى الأمراض ويجعلهم نهبة لمختلف العلل والأوصاب. • التأثير على أعضاء التناسل: ويضعف اللواط كذلك مراكز الإنزال الرئيسية في الجسم ويعمل على القضاء على الحيوية المنوية فيه، ويؤثر على تركيب مواد المني ثم ينتهي الأمر بعد قليل من الزمن بعدم القدرة على إيجاد النسل، والإصابة بالعقم مما يحكم على اللائطين بالانقراض والزوال. • التيفود والدوسنتاريا: ونستطيع أن نقول: إن اللواط يسبب بجانب ذلك العدوى بالحمى التيفودية والدوسنتاريا، وغيرهما من الأمراض الخبيثة التي تنتقل بطريق التلوث بالمواد البرازية المزودة بمختلف الجراثيم، المملوءة بشتى أسباب العلل والامراض. • أمراض الزنا: ولا يخفى أن الأمراض التي تنتشر بالزنا يمكن أن تنتشر كذلك بطريق اللواط، وتصيب أصحابه فتفتك بهم فتكاً ذريعاً، فتبلي أجسامهم، وتحصد أرواحهم. مما تقدم نتبين حكمة التشريع الإسلامي في تحريم اللواط، وتظهر دقة أحكامه في التنكيل بمقترفيه، والأمر بالقضاء عليهم وتخليص العالم من شرورهم (١).

стр. 535

(١٤١) حديث: (لوخشع قلب هذا لخشعت جوارحه) . (موضوع) قال السيوطي في "الجامع الصغير" أخرجه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول" (ص: ١٨٤، ٣١٧، ٣٥٢). وفي سنده: سليمان بن عمرو بن عبد الله بن وهب أبو داود النخعي. قال ابن عدي في "الكامل" (٤/ ٢١٩): اجتمعوا على أنه يضع الحديث. والحديث ضعَّفه جماعة من العلماء، منهم: (١) العراقي في "تخريج الإحياء". "إتحاف السادة المتقين" (٣/ ٢٣). (٢) ابن رجب في "الخشوع في الصلاة" (ص: ١٢). (٣) السيوطي في "الجامع الصغير". (٤) المناوى في "فيض القدير" (٥/ ٤٠٦) رقم (٧٤٤٧). (٥) زكريا الأنصاري في تعليقه على "تفسير البيضاوي"، كما نقل عنه الألباني في "الضعيفة". (٦) الألباني في "الضعيفة" (١/ ٢٢٧) رقم (١١٠) (١) وقال: موضوع. (٧) شيخنا الوادعي في "غارة الأشرطة" (١/ ١٣٨) (٢) قال: لا يثبت.

стр. 536

(٨) شيخنا ابن عثيمين في "الشرح الممتع" (٣/ ٢٣٣) قال: هذا الحديث ضعيف لا يحتج به. قلت: وقد روي هذا الحديث موقوفاً على حذيفة بن اليمان وعمر ابن الخطاب ﵃. فقد أخرج ابن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (١/ ١٩٤) رقم (١٥٠): حدثنا إسحاق ثنا الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد قال: رأى حذيفة بن اليمان رجلاً يصلي يعبث بلحيته فقال: (لو خشع قلب هذا لسكنت جوارحه). وهذا الأثر إسناده واهٍ فيه علتان: الأولى: الوليد بن مسلم يدلس تدليس التسوية ولم يصرح بالتحديث. الثانية: الانقطاع بين ثور بن يزيد وحذيفة بن اليمان ﵄. وأما أثر عمر بن الخطاب ﵁ فذكره ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (١٨/ ٢٧٣) ولم ينسبه. وروي مقطوعاً على سعيد بن المسيب أخرجه ابن المبارك في "الزهد" رقم (١١٨٨)، وابن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (١/ ١٩٤) رقم (١٥١). وفي سنده راوٍ لم يُسَم فالإسناد ضعيف. قال شيخنا الوادعي ﵀: أثر سعيد لم يثبت.

стр. 537

وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (٢/ ٢٦٦) رقم (٣٣٠٨) عن معمر به ولكنه سمى الرجل أبان. وأبان هو ابن أبي عياش متروك فالإسناد ضعيف جداً. وأخرجه عبد الرزاق أيضاً رقم (٣٣٠٩) عن الثوري عن رجل قال: رآني ابن المسيب أعبث بالحصى في الصلاة فقال: (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه). وإسناده ضعيف فيه رجل لم يسم. وبهذ التخريج يتبين لك أن هذا الحديث لا يصح مرفوعاً ولا موقوفاً ولا مقطوعاً. قال الألباني ﵀: والحديث لا يصح مرفوعاً ولا موقوفاً (١). التعليق: قلت: وإن لم يصح الحديث المرفوع، أو الأثر الموقوف، أو الخبر المقطوع، فإن المعنى صحيح لأن البدن تابع للقلب قال ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد). قال ابن القيم (٢) ﵀: الفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق:

стр. 538

أن خشوع الإيمان: هو خشوع القلب لله بالتعظيم، والإجلال، والوقار، والمهابة، والحياء، فينكسر القلب لله كسرة ملتئمة من الوجل والخجل والحب والحياء، وشهود نعم الله، وجناياته هو، فيخشع القلب لا محالة فيتبعه خشوع الجوارح. وأما خشوع النفاق: فيبدو على الجوارح تصنعاً وتكلفاً والقلب غير خاشع، وكان بعض الصحابة يقول: أعوذ بالله من خشوع النفاق، قيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يرى الجسد خاشعاً والقلب غير خاشع، فالخاشع لله عبد قد خمدت نيران شهوته، وسكن دخانها عن صدره، فانجلى الصدر، وأشرق فيه نور العظمة، فماتت شهوات النفس للخوف والوقار الذي حشي به، وخمدت الجوارح، وتوقر القلب واطمأن إلى الله، وذكره بالسكينة التي نزلت عليه من ربه، فصار مخبتاً له، (والمخبت: المطمئن)، فإن الخبت من الأرض ما اطمأن فاستنقع فيه الماء، فكذلك القلب المخبت قد خشع واطمأن كالبقعة المطمئنة من الأرض التي يجري إليها الماء فيستقر فيها، وعلامته أن يسجد بين يدي ربه إجلالاً وذلاً وانكساراً بين يديه، سجدة لا يرفع رأسه عنها حتى يلقاه، وأما القلب المتكبر فإنه قد اهتز بتكبره وربا فهو كبقعة رابية من الأرض لا يستقر عليها الماء، فهذا خشوع الإيمان وأما التماوت وخشوع النفاق فهو حال عند تكلف إسكان الجوارح تصنعاً ومراءاة، ونفسه في الباطن شابة طرية ذات شهوات وإرادات، فهو يخشع في الظاهر وحية الوادي وأسد الغابة رابض بين جنبيه ينتظر الفريسة.

стр. 539

(١٤٢) حديث: (ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها) . (لا يصح مرفوعاً) … أورده الغزالي في "الإحياء" (١/ ٢١٧). وقال العراقي: لم أجده مرفوعاً. وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب "الصلاة" من رواية عثمان بن أبي دهرش مرسلاً: (لا يقبل الله من عبدٍ عملاً حتى يحضر قلبه مع بدنه). ورواه أبو منصور الديلمي في "مسند الفردوس" من حديث أبي بن كعب ﵁. ولابن المبارك في "الزهد" موقوفاً على عمار: (لا يكتب للرجل من صلاته ما سها عنه). اهـ. "الإحياء مع المغني" (١/ ٢١٧). وقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٦١٢)، وابن القيم في "مدارج السالكين" (١/ ٥٢١) موقوفاً على ابن عباس ﵄.

стр. 540

التعليق: قلت: الحديث لا يصح لكن معناه صحيح ويغني عنه قوله ﷺ : (رب صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر) (١). وقوله ﷺ : (إن الرجل لينصرف من صلاته وما كتب له إلا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها) (٢). قال العلامة ابن القيم ﵀: فإذا لم يعقل من صلاته إلا جزءاً واحداً كان له الأجر بقدر ذلك الجزء وإن برئت ذمته من الصلاة. وقال الغزالي (٣): قال عبد الواحد بن زيد أجمعت العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها، فجعله إجماعاً، وما نقل من هذا الجنس عن الفقهاء المتورعين وعن علماء الآخرة أكثر من أن يحصى.

стр. 541

(١٤٣) حديث: (ليس من امبر امصيام في امسفر) . (شاذ بهذا اللفظ) أخرجه أحمد في "مسنده" (٢٣٦٧٩)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ٢٤٢)، والطحاوي في "شرح معاني الأثار" (٢/ ٦٣) وغيرهم عن كعب بن عاصم الأشعري ﵁. قال شيخنا الوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (٢/ ١٧٩): وعند الإمام أحمد (ليس من امبر امصيام في امسفر)، ومن طريقين آخرين (ليس من البر الصيام في السفر). ومدار الحديث على الزهري ﵀. ورواية: (ليس من امبر) تصحيف كما في "الكفاية" للخطيب و"التلخيص الحبير" لابن حجر. بل قال الزهري: لم أسمعه أنا (ليس من امبر امصيام في امسفر) كما عند الحميدي في "مسنده" (٢/ ٣٨١) فعلم من هذا أن الحديث لم يثبت. اهـ. وقد حكم الألباني ﵀ في "الإرواء" (٤/ ٥٨) و"الضعيفة" (٣/ ٢٦٤) رقم (١١٣٠) على هذا الحديث بهذا اللفظ بالشذوذ.

стр. 542

التعليق: قلت: تبين لك أخي الكريم أن هذا الحديث بهذا اللفظ (ليس من امبر امصيام في امسفر) لا يصح. واللفظ الصحيح ما جاء في الصحيحين عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس من البر الصيام في السفر). وأما الصيام في السفر فإنه يدور على الأحكام التكليفية الخمسة. وقد سئل ﷺ أصوم في السفر؟ فقال ﷺ : (إن شئت فصم وإن شئت فافطر) رواه البخاري ومسلم عن عائشة ﵂. … والجمهور على جواز الصيام والفطر في السفر (١).

стр. 543

(١٤٤) حديث: (ما بين كل سماءٍ وسماء مسيرة خمسمائة سنة) . (ضعيف) أخرجه أحمد في "المسند" (١٧٧٠)، والحاكم في "المستدرك" (٣٤٨٦)، وأبو يعلى في "مسنده" (٦/ ١٤٩) رقم (٦٦٨٢) عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قال: قلنا الله ورسوله أعلم، قال: بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماءٍ إلى سماءٍ خمسمائة سنة، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله فوق ذلك ليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء). وفي سنده: (١) يحيى بن العلاء. وهو الرازي البجلي. قال عمرو بن علي الفلاس، والنسائي، والدارقطني: متروك الحديث. وقال أحمد: كذَّاب يضع الحديث. وقال أبو داود: ضعفوه. (٢) عبد الله بن عميرة، مجهول لم يوثقه غير ابن حبان على عادته في توثيق المجاهيل. وذكره العقيلي وابن عدي في جملة الضعفاء. وقال الذهبي: لا يعرف.

стр. 544

(٣) الانقطاع: عبد الله بن عميرة لم يسمع من الأحنف. قال البخاري: عبد الله بن عميرة لا نعلم له سماعاً من الأحنف. قلت: والحديث له طرق أخرى عن أبي هريرة وأبي ذر ﵄ لا يصح منها شيء (١). وقد نصَّ على ضعفه غير واحد من أهل العلم، منهم: (١) ابن عدي في "الكامل" (٩/ ٢٧). (٢) ابن العربي في شرحه "للترمذي" قال: أمور تلقفت من أهل الكتاب ليس لها أصل من الصحة. (٣) الجوزقاني في "الأباطيل" (١/ ٢٠٩ - ٢١٠). (٤) ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/ ٢٤ - ٢٥). (٥) الذهبي في "التذكرة" قال: والخبر منكر. (٦) ابن كثير في "التفسير" (٤/ ٣٨٩) قال: في إسناده نظر، وفي متنه غرابة ونكارة. (٧) أحمد شاكر في تحقيق "المسند".

стр. 545

(٨) العلامة الألباني في "الضعيفة" (٣/ ٣٩٨) رقم (١٢٤٧) (١). (٩) شيخنا الوادعي في "تعليقه على المستدرك" (٣٤٨٦)، و"الجمع بين الصلاتين في السفر" (ص: ١١١) قال-﵀: ولم يثبت شيء عن النبي ﷺ في تقدير ما بين السماء والأرض، ولا ما بين كل سماءين. (١٠) الأرنؤوط في تعليقه على "الطحاوية" (ص: ٣٦٥)، وتحقيق "المسند" (٣/ ٢٩٢) رقم (١٧٧٠). التعليق: قلت: تبين لك أخي الكريم ضعف هذا الحديث، وفي القرآن الكريم والسنة الصحيحة ما يبين عظمة الله ﷻ وتقدست أسماؤه، فهو العظيم جلت عظمته عن الوصف، ولا طريق لمعرفة الله والإقرار بعظمته وجلاله إلا بالنظر في آيات الله المتلوة، والتدبر في معاني هذه الآيات، أو النظر في آيات الله الكونية، والتأمل في عظيم صنع الله تعالى، وقد حثنا القرآن الكريم على الأمرين، فقال المولى ﵎ في تدبر آيات القرآن العظيم: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ … ﴿محمد: ٢٤﴾.

стр. 546

وقال سبحانه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ … لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ ﴿ق: ٣٧﴾. وقال سبحانه في الحث على التفكر في آيات الكون ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ … (١٩١)﴾ ﴿آل عمران: ١٩٠ - ١٩١﴾. … وقال سبحانه ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ ﴿الذاريات: ٢٠ - ٢١﴾. ففي الأرض من الآيات الدالة على عظمة الخالق وقدرته الباهرة، مما قد ذرأ فيها من صنوف النبات والحيوان والجبال والقفار والأنهار والبحار، وما دق وما عظم من المخلوقات، ما يدل على عظيم قدرة الله تعالى وبديع صنعه الذي تحار فيه العقول. وما في السماء من آيات أعظم مما في الأرض، فقد بناها الخلاق العظيم بقوة وأوسع خلقها، وبغير عمد رفعها وأقامها، وزينها بالنجوم والكواكب، حتى إن الناظر إليها بأعظم وسائل التقنية من تلسكوب أو

стр. 547

أقمار صناعية ليحارمن عظمتها وسعتها ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾ ﴿الذاريات: ٤٧﴾. وإذا كان العلماء قد استطاعوا تقدير المسافة بين الأرض وبين القمر، وبين الأرض وبين الشمس، مستخدمين في ذلك سرعة الضوء كوحدة للقياس، فإنهم لا يزالون يعلنون عن عجزهم عن مجرد رؤية أبعاد السماء أو تصور سعتها، ولهذا يعبرون عنها بأنها فضاء لا نهائي. وقد اهتم أهل السنة بما يثير في النفوس كوامن التعظيم لله ، فكتبوا في ذلك وصنفوا، ويندر أن تجد كتابًا من كتب الاعتقاد على طريقة السلف الصالح إلا وتجد فيه أبوابًا في عظمة الله تعالى، وعظمة بعض مخلوقاته الدالة على عظمته سبحانه كالحديث عن الملائكة ومنهم حملة العرش ومن حوله، والحديث عن الكرسي والعرش وعظم خلقهما. ومن علماء السلف من صنَّف في موضوع العظمة ذاته، فكتبوا في دلائل عظمة الله تعالى في آياته المنظورة وآياته المتلوة المسموعة، ومن أشهر من كتب في موضوع "العظمة" أبو محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني المعروف بأبي الشيخ المتوفى سنة ٣٦٩ هـ، ومن قبله أبو أحمد العسال المتوفى سنة ٣٤٩ هـ.

стр. 548

(١٤٥) حديث: (ما خاب من استخار ولا ندم من استشار) . (موضوع) أخرجه الطبراني في"الصغير" (٢/ ٧٨)، و"الأوسط" (٦٦٢٣)، والقضاعي في "مسند الشهاب " من طريق الطبراني من رواية عبد القدوس، كما في "فتح الوهاب" (٢/ ٥٠) رقم (٥٠٦). وفي سنده: عبد القدوس بن حبيب، كذَّاب. وقد نصَّ على ضعف هذا الحديث: (١) الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١١/ ١٨٨) حيث قال: وسنده واهٍ جداً. … "موسوعة الحافظ الحديثية" (٣/ ١١٤). (٢) الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ٢٨٠). (٣) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٢٤٢) رقم (٢٢٠٥). (٤) الألباني في "الضعيفة" (٢/ ٧٨) رقم (٦١١)، و"ضعيف الجامع" (٥٠٥٦) قال: موضوع. والحديث ذكره الزبيدي في "إتحاف السادة المتقين" (٨/ ١٦٤)، والسخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٤٣٠) رقم (٩٥٤)، وابن الديبع في "التمييز"

стр. 549

(ص: ٤٥)، والسيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٩٠)، والصالحي في "الشذرة" (٢/ ١٠٧) رقم (٨١٩)، والصعدي في "النوافح العطرة" (ص: ٣٠٨) رقم (١٢٥٣)، والبيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٢٤٧) رقم (١٢٥٣). التعليق: قلت: الحديث لا يصح لكن معناه صحيح. قال المناوي (١) ﵀: ما خاب من استخار الله تعالى، والاستخارة طلب الخيرة في الأمور منه تعالى، وحقيقتها تفويض الاختيار إليه سبحانه فإنه الأعلم بخيرها للعبد والقادر على ما هو خير لمستخيره إذا دعاه أن يخير له فلا يخيب أمله، والخائب من لم يظفر بمطلوبه. (ولا ندم من استشار): أي أدار الكلام مع من له تبصرة ونصيحة. قال الحرالي: والمشورة أن يستخلص من حلاوة الرأي وخالصه من خبايا الصدور كما يشور العسل جانبه، وفي بعض الأثار نقحوا عقولكم بالمذاكرة واستعينوا على أموركم بالمشاورة. وقال الحكماء: من كمال عقلك استظهارك على عقلك، وقالوا: إذا أشكلت عليك الأمور وتغير لك الجمهور فارجع إلى رأي العقلاء وافزع إلى استشارة الفضلاء ولا تأنف من الاسترشاد ولا الاستمداد.

стр. 550

وقال بعض العارفين: الاستشارة بمنزلة تنبيه النائم أو الغافل فإنه يكون جازماً بشيء يعتقد أنه صواب وهو بخلافه. وقال بعضهم: إذا عزّ أمر فاستشر فيه صاحباً … وإن كنت ذا رأي تشير على الصحب فإني رأيت العين تجهل نفسها … وتدرك ماقد حل في موضع الشهب وقال الأرجاني: شاور سواك إذا نابتك نائبة … يوماً وإن كنت من أهل المشورات فالعين تلقى كفاحاً من نأى ودنى ولا ترى نفسها إلا بمرآة قال شيخنا ابن عثيمين (١): والاستخارة مع الله، والمشاورة مع أهل الرأى والصلاح، وذلك أن الإنسان عنده قصور أو تقصير، والإنسان خلق ضعيفاً، فقد تشكل عليه الأمور، وقد يتردد فيها، فماذا يصنع؟ فمثلاً همَّ أن يشتري سيارة، أو بيتاً، أو أن يصاهر رجلاً، أو ما أشبه ذلك ولكنه متردد فماذا يصنع؟ نقول له طريقان: الطريق الأول: استخارة رب العالمين الذي يعلم ما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. الطريق الثاني: استشارة أهل الرأي والصلاح والأمانة، قال تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾.

стр. 551

وهذا خطاب للنبي ﷺ قال الله تعالى ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى﴾ ﴿آل عمران: ١٥٩﴾. وكان النبي ﷺ وهو أسَدُّ الناس رأياً، وأصوبهم صواباً يستشير أصحابه في بعض الأمور التي تشكل عليه، كذلك خلفاؤه من بعده كانوا يستشيرون أهل الرأي والصلاح، ولا بد من هذين الشرطين فيمن تستشيره: أن يكون ذا رأي وخبرة في الأمور وتأن وتجربة وعدم تسرع. وأن يكون صالحاً في دينه. لأن من ليس بصالح في دينه ليس بأمين، حتى وإن كان ذكياً وعاقلاً ومحنكاً في الأمور، إذا لم يكن صالحاً في دينه فلا خير فيه، وليس أهلاً لأن يكون من أهل المشورة، لأنه إذا كان غير صالح في دينه فإنه ربما يخون -والعياذ بالله- ويشير بما فيه الضرر، أو يشير بما لا خير فيه فيحصل بذلك من الشر والفساد ما الله به عليم، ولنفرض أنه رجل من أهل الفسق والمجون والفجور فلا يجوز أن تستشيره لأن هذا يوقعك في الهلاك كذلك لو كان رجلاً صالحاً ديناً أميناً لكنه مغفل، ما يعرف الأمور أو متسرعاً لا خبرة له، فهذا أيضاً لا تحرص على استشارته، لأنه ربما إذا كان مغفلاً لا يدري عن الأمور يأخذ الأمور بظواهرها، ولا يعرف شيئاً مما وراء الظواهر، كذلك إذا كان متسرعاً فإنه ربما يحمله التسرع على أن يشير عليك بما لا خير فيه فلا بد أن يكون ذا خبرة وذا رأي وصلاح في الدين.

стр. 552

وقال الله ﵎ ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ﴿الشُّورى: ٣٨﴾. يعني أمرهم المشترك الذي هو للجميع، كالجهاد مثلاً فإنه شورى بينهم، فإذا أراد ولي الأمر أن يجاهد أو أن يفعل شيئاً عاماً للمسلمين فإنه يشاروهم ولكن كيف تكون المشورة؟ المشورة تكون إذا حدث له أمر يتردد فيه، جمع الإمام من يرى أنهم أهل للمشورة برأيهم وصلاحهم واستشارهم. أما الاستخارة: فهي مع الله ، يستخير الإنسان ربه إذا هم بأمر وهو لا يدري عاقبته ولا يدري مستقبله، فعليه بالاستخارة، والاستخارة: معناها طلب خير الأمرين. وقد أرشد النبي ﷺ إلى ذلك بأن يصلي الإنسان ركعتين من غير الفريضة في غير وقت النهي، إلا في أمر يخشى فواته قبل خروج وقت النهي فلا بأس أن يستخير ولو في وقت النهي. أما ما كان فيه الأمر واسعاً فلا يجوز أن يستخير في وقت النهي، فلا يستخير بعد صلاة العصر وكذلك بعد صلاة الفجر حتى ترتفع الشمس مقدار رمح، كذلك عند زوالها حتى تزول لا يستخير، إلا في أمر قد يفوت عليه، يصلي ركعتين من غير الفريضة ثم يسلم وإذا سلم قال: (اللهم إني استخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك

стр. 553

العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كان هذا الأمر ويسميه، خيراً لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله -يعني إما أن تقول هذا أو هذا- فاقدره لي ويسره لي، وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به) وينتهي. ثم بعد ذلك إن انشرح صدره بأحد الأمرين بالإقدام أو الإحجام، فهذا المطلوب، يأخذ بما ينشرح به صدره، فإن لم ينشرح صدره لشيء وبقي متردداً أعاد الإستخارة مرة ثانية وثالثة، ثم بعد ذلك المشورة إذا لم يتبين له شيء بعد الإستخارة، فإنه يشاور أهل الرأي والصلاح، ثم ما أشير به عليه فهو الخير إن شاء الله، لأن الله تعالى قد لا يجعل في قلبه بالاستخارة ميلاً إلى شيء معين حتى يستشير، فيجعل الله تعالى ميل قلبه بعد المشورة. وقد اختلف العلماء هل المقدم المشورة أو الإستخارة؟ والصحيح أن المقدم الاستخارة، فقدم أولاً الاستخارة لقوله ﷺ : (إذا هم أحدكم بالأمر فليصل ركعتين) ثم إذا كررتها ثلاث مرات ولم يتبين لك الأمر فاستشر، ثم ما أشير عليك به فخذ به، وإنما قلنا: إنه يستخير ثلاث مرات لأن من عادة النبي ﷺ أنه إذا دعا دعا ثلاثاً،

стр. 554

والاستخارة دعاء، وقد لا يتبين للإنسان خير الأمرين من أول مرة، بل قد يتبين في أول مرة، أو في الثانية، أو في الثالثة وإذا لم يتبين فليستشر. … فائدة: لا يُستخار في فعل الواجبات والمستحبات، ولا في ترك المحرمات والمكروهات، وإنما تكون الاستخارة في الواجب والمستحب المخير، وفيما كان زمنه موسعاً (١).

стр. 555

(١٤٦) حديث: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن) . (لا أصل له مرفوعاً) أخرجه أحمد (٣٦٠٠)، والطيالسي في "مسنده" (ص: ٣٣)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (١) عن أنس ﵁. (١) قال ابن القيم في "الفروسية" (ص: ١٦٧): إن هذا الأثر ليس من كلام رسول الله ﷺ ، وإنما يضيفه إليه من لا علم له بالحديث، وإنما هو ثابت عن ابن مسعود من قوله. (٢) قال ابن عبد الهادي: روي مرفوعاً عن أنس بإسناد ساقط، والأصح وقفه على ابن مسعود ﵁. "كشف الخفاء" (٢/ ٢٤٥). (٣) قال الزيلعي في "نصب الراية" (٤/ ١٣٣) رقم (٦٨٠٤): غريب مرفوع ولم أجده إلا موقوفاً على ابن مسعود ﵁. (٤) قال ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/ ٢٨١) رقم (٤٥٢): تفرد به النخعي. قال أحمد بن حنبل: كان يضع الحديث، ثم قال: وهذا الحديث إنما يعرف من كلام ابن مسعود ﵁.

стр. 556

(٥) قال العلامة الألباني في "الضعيفة" (٢/ ١٧) رقم (٥٣٣): لا أصل له مرفوعاً وإنما ورد موقوفاً على ابن مسعود ﵁. (٦) قال شيخنا الوادعي في "مجموع فتاوى" الوادعي (١/ ٤٠٢): لم يثبت عن رسول الله ﷺ ، ولكنه جاء عن ابن مسعود ﵁ كما في "مسند" أحمد بسند حسن. (٧) وضعَّف الحديث الأرنؤوط في تحقيق "المسند" (٣٦٠٠)، وتحقيق "الزاد" (٥/ ٧٩٥)، وحسَّن الأثر الموقوف على ابن مسعود ﵁، وصحح الموقوف أحمد شاكر في تحقيق "المسند" (٣٧٠٠). والحديث ذكره: السيوطي في "الدرر المنتثرة" (٤٠٢)، والسخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٤٣١) رقم (٩٥٩)، والصالحي في "الشذرة" (٢/ ١٠٩) رقم (٨٢٤)، والصعدي في "النوافح العطرة" (ص: ٣١٠) رقم (١٧٣٦)، والعامري في "الجد الحثيث" (٤٢٣)، والبيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٢٤٧) رقم (١٢٥٧). التعليق: قلت: هذا الحديث يستدل به كثير من أهل البدع والأهواء على تحسين ما ابتدعوه بحجة أنه حسن، وأن ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن. والجواب على هذا من أوجه:

стр. 557

أولاً: الحديث لا يثبت كما تبين لك. ثانياً: لا يجوز أن يُعارض كلام رسول الله ﷺ بكلام أحد من الناس كائناً من كان. ثالثاً: أن (ال) في قوله (المسلمون) للعهد وهو راجع إلى الصحابة فهم المقصودون هنا كما يدل له سياق الأثر حيث قال: (إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئاً فهو عند الله سيء). وقد جاء في بعض الروايات زيادة وهي: (وقد رأى الصحابة جميعاً أن يستخلفوا أبا بكر) ففي هذا دلالة على أن المراد بالمسلمين في هذا الأثر الصحابة. ومما يدل على هذا كذلك إخراج الأئمة المصنفين للحديث هذا الأثر في كتاب الصحابة كما فعل الحاكم في "المستدرك" فقد أخرجه في معرفة الصحابة ولم يورد أوله بل ذكره من قوله (ما رأى المسلمون حسناً … ) فهذا يدل على أن أبا عبد الله فهم أن المقصود بالمسلمين الصحابة، وإذا كان الأمر كذلك فقد علم أن الصحابة رضوان الله عليهم مجمعون على ذم البدع كلها وتقبيحها، ولم يروَ عن أحد منهم تحسين شيء من البدع.

стр. 558

رابعاً: على القول أن (ال) هنا ليست للعهد وإنما هي للاستغراق يكون المراد به الإجماع، والإجماع حجة. قال العز بن عبد السلام (١): إن صح الحديث فالمراد بالمسلمين أهل الإجماع. وهنا نقول لمن استدل بهذا الأثر على أن في الدين بدعة حسنة: هل تستطيع أن تأتي ببدعة واحدة أجمع المسلمون على حسنها؟ إن هذا من المستحيل ولا شك، فليس هناك بدعة أجمع المسلمون على حسنها، بل انعقد الإجماع في القرون الأولى أن كل بدعة ضلالة، ولا زال الأمر على ذلك ولله الحمد. خامساً: كيف يستدل بكلام هذا الصحابي الجليل على تحسين شيء من البدع مع أنه كان من أشد الصحابة نهياً عن البدع وتحذيراً منها، وقد سبق النقل عنه أنه قال: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، وكل بدعة ضلالة) وكلامه ﵁ في النهي عن البدع كثير جداً) (٢).

стр. 559

(١٤٧) حديث: (ما زال يقنت حتى فارق الدنيا) . (منكر) … أخرجه أحمد في "المسند" (١٢٦٥٧)، وعبد الرزاق في "المصنف" (٣/ ١١٠) رقم (٤٩٦٤)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٢/ ٢١١)، والدارقطني في "السنن" (٢/ ٤١) رقم (٢٠)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢/ ٢٠١)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٤٤)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/ ٤٤١) رقم (٧٥٣)، والبغوي في "شرح السنة" (٢/ ٢٤٤) رقم (٦٤٠) عن أنس ﵁. وفي سنده: أبو جعفر الرازي عيسى بن ماهان، وهو سيء الحفظ. قال ابن المديني: كان يخلط. وقال أبو زرعة: كان يهم كثيراً. وقال ابن حبان: كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير. "زاد المعاد" (١/ ٢٧٥ - ٢٧٦)، و"ميزان الاعتدال" (٣/ ٣٢٠) رقم (٦٥٩٥)، و"تاريخ بغداد" (١١/ ١٤٦)، و"تهذيب التهذيب" (١٢/ ٤٩). والحديث ضعَّفه جمع من أهل العلم، منهم: (١) ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/ ٤٤١)، و"التحقيق في أحاديث الخلاف" (١/ ٤٦٢ - ٤٦٤) رقم. (٢) ابن القيم في "زاد المعاد" (١/ ٢٧٥ - ٢٧٦).

стр. 560

(٣) الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١/ ٢٤٥). (٤) الزيلعي في "نصب الراية" (٢/ ١٣٦) رقم (٢٤٢٢ - ٢٤٢٣). (٥) الشوكاني في "نيل الأوطار" (٢/ ٤٠٠ - ٤٠١). (٦) المباركفوري في "تحفة الأحوذي" (٢/ ٤٣٣). (٧) العلامة الألباني في "الضعيفة" (٣/ ٣٨٤) رقم (١٢٣٨). (٨) شيخنا العلامة الوادعي في "رياض الجنة" (ص: ٧٢). (٩) شعيب الأرنؤوط في "تحقيق المسند" (١٢٦٥٧). (١٠) شيخنا العلامة ابن عثيمين في "مجموع الفتاوى" (١٤/ ١٧٨). (١١) شيخنا العلامة الفوزان في "تسهيل الإلمام " (٢/ ٢٦٥). (١٢) اللجنة الدائمة (٧/ ٤٢ - ٤٥). (١٣) الشقيري في "السنن والمبتدعات" (ص: ٦٢). (١٤) مشهور بن حسن في "أخطاء المصلين" (ص: ١٢٦). التعليق: قلت: هذه المسألة من المسائل التي طال فيها النزاع واشتد فيها الخلاف بين المسلمين، والحكم عند الخلاف والنزاع الرجوع إلى الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ﴿النساء: ٦٥﴾.

стр. 561

وقوله ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي). والذي ترجح في هذه المسألة هو ضعف حديث أنس ﵁ الذي لو صح لكان فيصلاً في محل النزاع، ومُحَال أن يواظب عليه النبي ﷺ طوال حياته يدعو وهم يُؤمِّنون على دعائه كل فجر ثم لا يتواتر ذلك عنه، بل يأتينا من طرق ضعيفة واهية، بل يقول بعض الصحابة: إنه محدث وبدعة، بل قال بعض العلماء: لو فرضنا صحة هذا الحديث: (لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا) لم يكن فيه دليل على هذا القنوت المعين البته، فإنه ليس فيه أن القنوت هذا الدعاء، فإن القنوت يطلق على القيام والسكوت ودوام العبادة والدعاء والتسبيح والخشوع كما قال تعالى ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦)﴾ ﴿الرُّوم: ٢٦﴾ وقال تعالى ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ﴾ ﴿الزُّمر: ٩﴾. وقال تعالى ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ ﴿التَّحريم: ١٢﴾. وقال زيد بن أرقم: لما نزل قوله تعالى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ ﴿البقرة: ٢٣٨﴾ أمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. وأنس ﵁ لم يقل لم يزل يقنت بعد الركوع رافعاً صوته (اللهم اهدني فيمن هديت … ) ويُؤَمِّن من خلفه، ولا ريب أن قوله: (ربنا ولك

стр. 562

الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد … ) الدعاء والثناء الذي كان يقوله قنوت وتطويل هذا الركن قنوت، وهذا الدعاء المعين قنوت، فمن أين لكم أن أنساً إنما أراد هذا الدعاء المعين دون سائر أقسام القنوت، ولا يقال: تخصيصه القنوت بالفجر دون غيرها من الصلوات دليل على إرادة الدعاء المعين إذ سائر ما ذكرتم من أقسام القنوت مشترك بين الفجر وغيرها، وأنس خص الفجر دون سائر الصلوت بالقنوت ولا يمكن أن يقال: إنه الدعاء على الكفار لا الدعاء للمستضعفين من المؤمنين لأن أنساً أخبر أنه كان قنت شهراً ثم تركه فتعين أن يكون هذا الدعاء الذي داوم عليه هو القنوت المعروف؟ والجواب من وجوه: أحدها: أن أنساً قد أخبر أنه ﷺ كان يقنت في الفجر والمغرب كما ذكره البخاري، فلم يخصص القنوت بالفجر، وكذلك ذكر البراء بن عازب سواء. فما بال القنوت اختص بالفجر، فإن قلتم المغرب كان قنوتاً للنوازل لا قنوتاً راتباً؟ قال منازعوكم من أهل الحديث: نعم كذلك هو قنوت، وقنوت الفجر سواء وما الفرق؟ قالوا: ويدل على أن قنوت الفجر كان قنوت نازلة لا قنوتاً راتباً أن أنساً أخبر بذلك، وعمدتكم في القنوت الراتب إنما هو أنس، وأنس أخبر أنه كان قنوت نازلة ثم تركه ففي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: (قنت النبي ﷺ شهراً يدعوا على حي من أحياء العرب ثم تركه).

стр. 563

الثاني: أن أنساً أخبر أنهم لم يكونوا يقنتون وإن بدء القنوت هو قنوت النبي ﷺ يدعو على رعل وذكوان، ففي الصحيحين من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس ﵁ قال: (بعث رسول الله ﷺ سبعين رجلاً لحاجة يقال لهم القراء فعرض لهم حَيَّان من بني سليم رعل وذكوان عند بئر يقال له: بئر معونة فقال القوم والله ما إياكم أردنا وإنما نحن مجتازون في حاجة لرسول الله ﷺ فقتلوهم فدعا عليهم رسول الله شهراً في صلاة الغداة) فذلك بدء القنوت وما كنا نقنت فهذا يدل على أنه لم يكن من هديه ﷺ القنوت دائماً، وقول أنس: (فذاك بدء القنوت) مع قوله: (قنت شهراً ثم تركه) دليل على أنه أراد بما أثبته من القنوت قنوت النوازل، وهو الذي وقته بشهر، وهذا كما قنت في صلاة العتمة شهراً كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : (قنت في صلاة العتمة شهراً يقول في قنوته، اللهم أنجِ الوليد بن الوليد، اللهم أنجِ سلمة بن هشام، اللهم أنجِ عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) قال أبو هريرة: وأصبح ذات يوم فلم يدعُ لهم فذكرت ذلك له فقال: أوما تراهم قد قدموا (١).

стр. 564

قلت: وممن قال بعدم شرعية القنوت في صلاة الفجر من علمائنا المعاصرين ﵏: • اللجنة الدائمة في "الفتاوى" (٧/ ٤٢ - ٤٥). • العلامة الألباني في "تمام المنة" (ص: ٢٤٣ - ٢٤٤). • شيخنا العلامة الوادعي في "رياض الجنة" (٧٢). • شيخنا ابن عثيمين في "مجموع الفتاوى" (١٤/ ١٧٨).

стр. 565

(١٤٨) حديث: (ما وسعني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن) . (لا أصل له) ذكره الغزالي في "الإحياء" (٣/ ١٩) وهو حديث باطل لا أصل له مرفوعاً، بل هو من الإسرائيليات كما ذكر ذلك جمع من أهل العلم، منهم: (١) العراقي. "اتحاف السادة المتقين" (٧/ ٢٣٤). (٢) شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى" (٥/ ٨٧)، و"الصغرى" (١٨/ ١٢٢)، و"الأحاديث الضعيفة والباطلة" (١). (٣) الزركشي في "التذكرة" (١٧). (٤) ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (ص: ٣٦٤). (٥) ابن حجر في "الفتاوى الحديثية" (١/ ٢٠٦). (٦) السخاوي في "المقاصد" (ص: ٤٣٨) رقم (٩٩٠) (٧) ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (١/ ١٤٨) رقم (٤٥). (٨) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ٣٠). (٩) السيوطي في "الدرر المنتثرة" (ص: ١٦٥) رقم (٣٦٣). (١٠) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٥٠).
следующие страницы →