وقال النبي ﷺ للأعرابي الذي بال في المسجد: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن) رواه مسلم عن أنس ﵁.
وقال النبي ﷺ : (البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها) أخرجه البخاري ومسلم عن أنس ﵁.
وورد عن النبي ﷺ أنه قال: (عرضت عليَّ أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن) رواه مسلم عن أبي ذر ﵁.
وأمر النبي ﷺ : (ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب) (١).
стр. 492
(١٣٠) حديث: (الكبر على أهل الكبر صدقة) .
(ليس بحديث)
هذا الكلام اشتهر على ألسِنة كثير من الناس، ويظنه بعضهم حديثاً عن رسول الله ﷺ وليس كذلك، إنما هو من كلام الناس.
وجاء بلفظ: (التكبر على المتكبر صدقة).
قال الرازي: هو من كلام الناس، وليس بحديث.
وانظر:
(١) "كشف الخفاء" (١/ ٣٧٤) رقم (١٠١١).
(٢) "أسنى المطالب" (ص: ١١٦) رقم (٥١٩).
(٣) "الأسرار المرفوعة" (١٦٣).
التعليق:
قلت: تبين لك أخي الكريم أن هذه المقولة التي يلوكها كثير من الناس بألسنتهم ليست بحديث نبوي شريف مأثور عن النبي ﷺ ، وإنما هي من كلام الناس، وكلام الناس يوزن بميزان الشرع، فما وافق الشرع قبلناه وما خالف الشرع تركناه، وهذه المقولة التي تدعو إلى الكبر على أهل الكبر لا شك أنها مقولة مصادمة لنصوص الوحيين. لكن ثبت عن
стр. 493
النبي ﷺ أنه جوَّز الخيلاء في موضعين فعن جابر بن عتيك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن من الغيرة ما يحبُّ الله، ومنها ما يُبغِضُ الله، وإن من الخيلاء ما يحب الله، ومنها ما يُبغِضُ الله، فأما الغيرة التي يحبها الله فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يُبغِضُ الله فالغيرة في غير الريبة، وأما الخيلاء التي يحبها الله فاختيال الرجل في القتال، واختياله عند الصدقة، وأما الخيلاء التي يُبغِضُ الله فاختيال الرجل في البغي والفخر) (١).
فائدة:
يخلط كثير من الناس بين المهابة والكبر، وبين الصيانة والتكبر، والتواضع والمهانة.
وإليك هذا الكلام القيم من الإمام ابن القيم ﵀ وهو يفرق لك بين ما تشابه عليك:
أولاً: الفرق بين المهابة والكبر.
المهابة: أثر من آثار امتلاء القلب بعظمة الله ومحبته وإجلاله، فإذا امتلأ القلب بذلك حلَّ فيه النور، ونزلت عليه السكينة، وألبس رداء الهيبة، فاكتسى
стр. 494
وجهه الحلاوة والمهابة، فأخذ بمجامع القلوب محبة ومهابة، فحنت إليه الأفئدة، وقرت به العيون، وأنست به القلوب، فكلامه نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، وعمله نور، وإن سكت علاه الوقار، وإن تكلم أخذ بالقلوب والأسماع. …
وأما الكبر: فأثر من آثار العجب والبغي من قلب قد امتلأ بالجهل والظلم، ترحلت منه العبودية، ونزل عليه المقت، فنظره إلى الناس شزر، ومشيه بينهم تبختر، ومعاملته لهم معاملة الاستئثار، لا الإيثار ولا الإنصاف، ذاهب بنفسه تيهاً، لا يبدأ من لقيه بالسلام، وإن رد عليه رأى أنه قد بالغ في الإنعام عليه، لا ينطلق لهم وجهه، ولا يسعهم خلقه، ولا يرى لأحد عليه حقاً، ويرى حقوقه على الناس، ولا يرى فضلهم عليه، ويرى فضله، لا يزداد من الله إلا بعداً، ومن الناس إلا صغاراً أو بغضاً. …
ثانياً: الفرق بين الصيانة والتكبر. …
أن الصائن لنفسه بمنزلة رجل قد لبس ثوباً جديداً نقي البياض ذا ثمن، فهو يدخل به على الملوك فمن دونهم، فهو يصونه عن الوسخ والغبار، والطبوع وأنواع الآثار إبقاء على بياضه ونقائه، فتراه صاحب تعزز وهروب من المواضع التي يخشى منها عليه التلوث، فلا يسمح بأثر ولا طبع ولا لوث يعلو ثوبه، وإن أصابه شيء من ذلك على غرة بادر إلى قلعة وإزالته ومحو أثره، وهكذا الصائن لقلبه ودينه تراه يجتنب طبوع الذنوب وآثارها، فإن لها في القلب طبوعاً وآثاراً أعظم من الطبوع الفاحشة في الثوب النقي للبياض، ولكن على العيون غشاوة أن تدرك تلك الطبوع، فتراه يهرب من مظان التلوث، ويحترس من الخلق، ويتباعد من تخالطهم مخافة أن يحصل لقلبه ما يحصل للثوب الذي يخالط الدباغين
стр. 495
والذباحين والطباخين ونحوهم، بخلاف صاحب العلو فإنه وإن شابه، هذا في تحرزه وتجنبه، فهويقصد أن يعلو رقابهم ويجعلهم تحت قدمه، فهذا لون وذاك لون.
ثالثًا: الفرق بين التواضع والمهانة.
أن التواضع يتولد من بين العلم بالله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله وتعظيمه ومحبته وإجلاله، ومن معرفته بنفسه وتفاصيلها وعيوب عملها وآفاتها، فيتولد من بين ذلك كله خلق هو التواضع، وهو انكسار القلب لله، وخفض جناح الذل والرحمة بعباده، فلا يرى له على أحد فضلاً، ولا يرى له عند أحد حقاً، بل يرى الفضل للناس عليه، والحقوق لهم قبله، وهذا خلق إنما يعطيه الله من يحبه ويكرمه ويقربه. …
وأما المهانة: فهي الدناءة والخسة وبذل النفس وابتذالها في نيل حظوظها وشهواتها، كتواضع السفلة في نيل شهواتهم، وتواضع المفعول به للفاعل، وتواضع طالب كل حظ لمن يرجو نيل حظه منه، فهذا كله ضعة لا تواضع والله سبحانه، يحب التواضع ويبغض الضعة والمهانة وفي الصحيح عنه: (وأوحي إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد).
والتواضع المحمود على نوعين:
النوع الأول: تواضع العبد عند أمر الله امتثالاً، وعند نهيه اجتناباً، فإن النفس لطلب الراحة تتلكأ في أمره، فيبدو منها نوع إباء وشراد، هرباً من العبودية، وتثبت عند نهيه! طلبا للظفر بما منع منه، فإذا وضع العبد نفسه لأمر الله ونهيه فقد تواضع للعبودية.
стр. 496
والنوع الثاني: تواضعه لعظمة الرب وجلاله وخضوعه لعزته وكبريائه، فكلما شمخت نفسه ذكر عظمة الرب تعالى وتفرده بذلك، وغضبه الشديد على من نازعه ذلك، فتواضعت إليه نفسه، وانكسر لعظمة الله قلبه، واطمأن لهيبته، وأخبت لسلطانه، فهذا غاية التواضع، وهو يستلزم الأول من غير عكس، والمتواضع حقيقة من رزق الأمرين والله المستعان (١).
стр. 497
(١٣١) حديث: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني) .
(ضعيف)
أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (١٧١) ومن طريقه أخرجه الطيالسي (ص: ١٥٣) رقم (١١٢٢)، والترمذي (٢٥٧٧) مع "التحفة"، وابن ماجه (٤٢٦٠)، وأحمد في "المسند" (١٧١٢٣)، والطبراني في "الكبير" (٧١٤٣)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣٨٢) رقم (٧٧٢٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٣٣٥) رقم (٨٩٦) و (٨/ ١٨٥) رقم (١١٨٣٢)، والقضاعي في "مسند الشهاب"، والبيهقي في "السنن" (٣/ ٣٦٩) و"الشعب" (٧/ ٣٥٠) رقم (١٠٥٤٦) والخطيب في "التاريخ" (١٢/ ٥٠)، والبغوي في "السنة" (٧/ ٣٣٣) رقم (٤٠١١، ٤٠١٢) و"التفسير" (٣/ ٣٠٥)، وابن عدي في "الكامل" (٢/ ٢١٢) عن شداد بن أوس ﵄.
وفي سنده: أبو بكر بن أبي مريم الغساني، وهو ضعيف.
وقد نصَّ جمع من أهل العلم على ضعف هذا الحديث، منهم:
(١) الذهبي حيث تعقب الحاكم عندما قال إنه على شرط البخاري. قال الذهبي: لا والله إن في سنده أبا بكر بن أبي مريم وهو واه.
(٢) الحافظ ابن حجر. … "موسوعة الحافظ الحديثية" (٦/ ١٨٠).
стр. 498
(٣) العلامة الألباني في "الضعيفة" (٥٣١٩)(١).
(٤) شيخنا الوادعي في تعليقه على "المستدرك" (٤/ ٣٨٢) (٢).
(٥) شعيب الأرنؤوط في تحقيق "المسند" (٢٨/ ٣٥٠) رقم (١٧١٢٣).
والحديث ذكره: السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٣٨٩) رقم (٨٥٠)، والسيوطي في "الدرر المنتثرة" (ص: ١٥٥) رقم (٣٣٢)، والعجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ١٧٨) رقم (٢٠٢٩)، وابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٢٧)، والبيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٢٢٥) رقم (١١٣٢)، والصعدي في "النوافح العطرة" (ص: ٢٦٥) رقم (١٤٧٦) والصالحي في "الشذرة" (٢/ ٥٤) رقم (٧٢٦).
التعليق:
قلت: وهذا الحديث مع ضعفه إلا أن معناه صحيح كما قال شيخنا الوادعي وغيره من أهل العلم ﵏.
قال المناوي (٣): (الكيس) أي العاقل، وهو حسن التأني في الأمور.
(من دان نفسه) أي حاسبها وأذلها واستعبدها وقهرها، يعني جعل نفسه مطيعة منقادة لأوامر ربها.
стр. 499
(وعمل لما بعد الموت) أي قبل نزوله ليصير على نور من ربه، فالموت عاقبة أمور الدنيا، فالكيس من أبصر العاقبة، والأحمق من عمي عنها، وحجبته الشهوات والغفلات.
(والعاجز) المقصر في الأمور.
(من أتبع نفسه هواها) فلم يكفها عن الشهوات، ولم يمنعها عن مقارفة المحرمات واللذات.
(وتمنى على الله) أي فهو مع تقصيره في طاعة ربه واتباع شهوات نفسه، لا يستعد ولا يعتذر ولا يرجع، بل يتمنى على الله العفو والعافية والجنة مع الإصرار وترك التوبة والاستغفار.
قال الحسن: إن قوماً ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة.
ويقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي، وكذب لو أحسن الظن لأحسن العمل ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ ﴿فصِّلت: ٢٣﴾.
قد أفاد الخبر أن التمني مذموم، وأما الرجاء فمحمود لأن التمني يفضي بصاحبه إلى الكسل، بخلاف الرجاء فإنه تعليق القلب بمحبوب يحصل حالاً.
стр. 500
وقال بعضهم: والرجاء يكون على أصل، والتمني لا يكون على أصل، فالعبد إذا اجتهد في الطاعات يقول: أرجو أن يتقبل الله مني هذا اليسير، ويتم هذا التقصير، ويعفو وأحسن الظن فهذا رجاء، وأما إذا غفل وترك الطاعة وارتكب المعاصي، ولم يبال بوعد الله ولا وعيده، ثم أخذ يقول: أرجو منه الجنة والنجاة من النار، فهذه أمنية لا طائل تحتها، سماها رجاء وحسن ظن وذلك خطأ وضلال.
стр. 501
(١٣٢) حديث: (لتُفْتَحَنَّ القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش) .
(ضعيف) …
رواه أحمد (١٨٩٧٩)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٥٨٤) رقم (٨٣٦٩)، الطبراني في "الكبير" (١٢١٦)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٢/ ٨١) رقم (١٧٦٠) عن بشر الغنوي.
والحديث إسناده ضعيف: لجهالة عبد الله بن بشر الغنوي، فقد انفرد بالرواية عنه الوليد بن المغيرة المعافري، ولم يؤثر توثيقه عن غير ابن حبان.
والحديث ضعَّفه:
(١) العلامة الألباني في "الضعيفة" (٢/ ٢٦٨) رقم (٨٧٨)(١) قال: وجملة القول أن الحديث لم يصح عندي لعدم الاطمئنان إلى توثيق ابن حبان للغنوي، هذا وهو غير عبد الله بن بشر الخثعمي الثقة الذي أخرج له الترمذي والنسائي كما مال إليه العسقلاني كما في تعجيل المنفعة. اهـ. بتصرف يسير.
(٢) شيخنا الوادعي في تعليقه على "المستدرك" (٤/ ٥٨٤).
стр. 502
(٣) شعيب الأرنؤوط في تحقيق "المسند" (١٨٩٥٧).
التعليق:
قلت: ويُغني عن هذا الحديث الضعيف ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق فإذا جاؤوها نزلوا، فلم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها -قال ثور أحد رواة الحديث: لا أعلمه إلا قال الذي في البحر-، ثم يقولوا الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولوا: لا إله إلا الله والله أكبر فيفرج لهم، فيدخلوها، فيغنموا، فبينما هم يقتسمون الغنائم، إذ جاءهم الصريخ، فقال: إن الدجال قد خرج فيتركون كل شيء ويرجعون).
والذي يدل عليه هذا الحديث أن هذا الفتح يكون بعد قتال الروم في الملحمة الكبرى، وانتصار المسلمين عليهم، فعندئذ يتوجهون إلى مدينة القسطنطينة، فيفتحها الله للمسلمين بدون قتال، سلاحهم التكبير والتهليل.
стр. 503
(١٣٣) حديث: (لعن الله الشارب قبل الطالب) .
(ليس بحديث)
لقد اشتهر هذا الكلام شهرة عظيمة على ألسِنة كثير من الناس، وهو أنك إذا بدأت بإعطاء الشراب لشخص غير الطالب له تسمع مباشرة هذه المقولة تصك أذنك من أحد الجالسين يقول: قال رسول الله ﷺ : (لعن الله الشارب قبل الطالب) وهذا الكلام ليس بحديث صحيح، ولا حسن، ولا ضعيف، بل هو كلام لا أصل له، وقد بحثت عنه في الكتب التي تحدثت عن الأحاديث المشتهرة على ألسنة الناس، فلم أجده ولعله من خصائص بلادنا اليمنية، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
وقد سئل شيخنا ابن عثيمين ﵀ في "فتاوى إسلامية" (٤/ ١٣٨) عن هذا الحديث (لعن الله الشارب قبل الطالب) هل هذا حديث صحيح خاصة وأنه يتردد على ألسنة كثير من الناس؟
فقال: هذا الحديث لم يصح عن النبي ﷺ ، ولكنه من الأحاديث التي اشتهرت على ألسنة الناس وليس لها أصل … والواجب على الإنسان أن يتحرى عما ينسبه إلى الرسول ﷺ من قول أو فعل لأن الكذب عليه ﷺ ليس بالكذب على أحد منا، لأنه كذب على شريعة الله .
وقال في لقاء الباب المفتوح، اللقاء (١٦٨): هذا حديث كذب … هذا لا صحة له. لكنه ليس من الأدب إذا طلب الإنسان ماءً أن يتقدم أحدٌ عليه، بل يعطى الطالب ثم الطالب يعطي الذي عن يمينه.
стр. 504
التعليق:
قلت: تبين لك أخي الكريم أن هذه المقولة ليست بحديث. نعم نبدأ بسقيا من طلب الشراب قبل غيره هذه هي السنة، لكن إذا بدأت بغير الطالب هل أنت ملعون؟
الجواب: لا، لكن ليس من الأدب إذا طلب الإنسان ماءً أن يتقدم أحدٌ عليه، بل يعطى الطالب ثم الطالب يعطي الذي عن يمينه. وهذه المسألة قد بينها النبي ﷺ ، فقد جاء في الصحيحين عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ : أتي بلبن قد شيب بالماء وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر فشرب ثم أعطى الأعرابي، فقال: (الأيمن فالأيمن).
قال العلامة الالباني: إن بدء الساقي بالنبي ﷺ إنما كان لأنه ﷺ كان طلب السقيا، فلا يصح الاستدلال به على أن السنة البدء بكبير القوم مطلقاً كما هوالشائع اليوم، كيف وهو ﷺ لم يفعل ذلك بل أعطى الأعرابي الذي كان عن يمينه دون أبي بكر الذي كان عن يساره، ثم بين ذلك بقوله: (الأيمن فالأيمن) (١).
وقال العلامة ابن عثيمين: بمن يبدأ في إعطاء الإناء إذا أراد أن يعطي الشراب أحداً؟ نقول: إذا كان أحد من الناس قد طلب الشراب، فقال: هات الماء مثلاً، فإنه يبدأ به الأول، وإذا لم يكن أحد طلبه، فإنه يبدأ بالأكبر، ثم الأكبر، يناوله من على يمينه (٢).
стр. 505
(١٣٤) حديث: (لعن الله الناظر إلى عورة المؤمن والمنظور إليه) .
(موضوع) …
رواه ابن عدي في "الكامل" (١/ ٥٣٩) عن عمران بن حصين ﵄ مرفوعاً.
وفي سنده: إسحاق بن نجيح.
قال ابن معين: وهو من المعروفين بالكذب ووضع الحديث.
وقد نصَّ على بطلان هذا الحديث جمع من أهل العلم، منهم:
(١) ابن عدي في "الكامل".
(٢) القاري في "المصنوع" (ص: ٢٥٠) رقم (٤٥١).
(٣) الذهبي في" الميزان" (١/ ٢٠٠ - ٢٠٢).
(٤) السيوطي في "ذيل الأحاديث الموضوعة" (ص: ١٤٩).
(٥) العلامة الألباني في "الضعيفة" (١/ ٤٧٦ - ٤٧٧) رقم (٣٠٦) و"المشكاة" (٢/ ٩٣٦) رقم (٣١٢٥).
(٦) العلامة ابن باز في "التحفة الكريمة " (٥).
стр. 506
التعليق:
قلت: هذا الحديث موضوع لا تصح نسبته إلى النبي ﷺ ، وأما النظر إلى العورات فقد قال ﷺ : (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يُفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد) رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁.
قال النووي ﵀:
• فيه تحريم نظر الرجل إلى عورة الرجل.
• والمرأة إلى عورة المرأة. وهذا لا خلاف فيه.
• وكذلك نظر الرجل إلى عورة المرأة.
• والمرأة إلى عورة الرجل. حرام بالإجماع.
وهذا التحريم في حق غير الأزواج مع أزواجهم والسادة مع إمائهم، لقوله ﷺ : (احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك) (١).
стр. 507
(١٣٥) حديث: (لعن رسول الله ﷺ من جلس وسط الحلقة) .
(ضعيف) …
رواه أحمد في "المسند" (٢٣٣٢٣) و (٢٣٤٣٦)، وأبو داود (٤٨٢٦)، والترمذي (٢٩١٣)، والحاكم (٤/ ٤١٨) رقم (٧٨٣٥) عن حذيفة ﵁.
وعلة الحديث الانقطاع: بين أبي مجلز وحذيفة ﵁، فإن أبا مجلز لم يدرك حذيفة ﵁.
فقد ذكر الحافظ في "تهذيب التهذيب" (١١/ ١٥١) رقم (٧٨١٢) في ترجمة أبي مجلز لاحق بن حميد، قال: وأرسل عن عمر وحذيفة، وفيه قال الدوري عن ابن معين: لم يسمع من حذيفة.
قال الحافظ العلائي في "جامع التحصيل" (ص: ٢٩٦) في ترجمة لاحق بن حميد: قال شعبة بن الحجاج: لم يدرك حذيفة، أي لاحق بن حميد.
وضعَّف الحديث:
(١) ابن مفلح في "الآداب الشرعية" (١/ ٤٠٥).
(٢) العلامة الألباني في "الضعيفة" (٢/ ٩٧) رقم (٦٣٨)(١).
стр. 508
(٣) شيخنا العلامة الوادعي في "تعليقه على المستدرك" (٤/ ٤١٨) رقم (٧٨٣٥) و"أحاديث معلة ظاهرها الصحة" (ص: ١١٨).
(٤) شيخنا العلامة عبد المحسن العباد في "شرح سنن أبي داود".
والحديث ذكره:
السيوطي في "الدرر المنتثرة" (١٨٢)، والسخاوي في "المقاصد الحسنة" (٢٦٣)، وابن الديبع في "التمييز" (ص: ٦٤)، والعجلوني في "كشف الخفاء" (١٠٦١)، والفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ١٦٤)، والصالحي في "الشذرة" (٣٢٢)، والبيروتي في "أسنى المطالب" (٥٣٧).
التعليق:
قال شيخنا عبد المحسن العباد -حفظه الله- في "شرح سنن أبي داود" في شرح هذا الحديث: إذا كان الناس في حلقة مستديرين، ثم جاء واحد وجلس بينهم، فإن هذا قد حصل منه شيء لا ينبغي، وذلك أنه أولاً تخطى الرقاب، وأساء إلى الناس، ثم أيضاً يحجب من جاءوا قبله عن رؤية من أمامهم ممن سبقوا إلى الحلقة، فكون الإنسان يأتي ويجلس وسطهم فيه إساءة إلى الحاضرين بالتخطي أولاً، وبكونه يحجب الذين يكون أمامهم في جهة أخرى. والحديث ضعيف، … ولكن المعنى صحيح من جهة أنه عندما يكون الناس حلقة، ثم يتخطى إنسان هذه الحلقة ويجلس في وسطهم، لا شك أن هذا فيه شيء من عدم المعاملة الحسنة للناس، وإنما عليه أن يجلس في حلقة
стр. 509
ثانية تكون وراء هذه الحلقة، اللهم إلا أن يكون ليس وراءهم إلا جدران، وأن هذه الحلقة ليس فيها مجلس إلا في الوسط، فإنه يمكن أن يكونوا حلقاً أخرى في الوسط، وإذا كان الأمر يستدعي جلوسهم ومجيئهم ودخولهم، فإن ذلك لا يتم إلا بهذه الطريقة، وهذا حيث يكونون عدداً فالأولون إما أن يتقدموا أو يتركوا الذين دخلوا يجلسون أمامهم؛ لأن مثل هذه الحالة لا يمكن فيها إلا مثل هذا، فإما أن يتقدم الأولون حتى يصيروا قريباً ممن يحدثهم، إذا كانوا بين يدي من يحدثهم، أو أنهم يبقون ولكن يتحلق الناس حلقاً أخرى في داخل تلك الحلقة، وهذا لا بأس به حيث يكون المكان لا يتسع للناس، وهم محتاجون إلى أن يدخلوا وأن يكونوا في هذا المكان، والمكان مفتوح لمن يدخل، فإذا زاد العدد على ما في المجلس فيمكن أن يجلس الناس في الوسط، وإذا أراد الذين سبقوا أن يتقدموا يتقدمون، وإن أرادوا أن يبقوا في أماكنهم ويتكئون على الجدران، فليتركوا الفرصة لمن جاء بعدهم فيجلس أمامهم. اهـ.
قلت: هناك آداب نفائس في آداب المجالس ذكرها العلماء في كتبهم منها:
(١) تعميرها بذكر الله تعالى، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان ذلك المجلس عليهم حسرة يوم القيامة) رواه أبو داود والحاكم وصححه الألباني.
стр. 510
(٢) اختيار الرفيق الصالح، عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: (مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحاً خبيثة) متفق عليه.
(٣) النهي عن إقامة الرجل من مجلسه، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ : (نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر ولكن تفسحوا وتوسعوا)، وكان ابن عمر يكره أن يقوم الرجل من مجلسه ثم يجلس مكانه. رواه البخاري.
(٤) إذا رجع إلى مجلسه فهو أحق به، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به) رواه مسلم.
(٥) رفع الأذية عن الجلساء، عن جابر ﵄ قال: مر رجل في المسجد بسهام فقال له رسول الله ﷺ : (أمسك بنصالها) رواه البخاري ومسلم.
(٦) السلام في القدوم والذهاب، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم فإن بدا له أن يجلس فليجلس، ثم إذا قام فليسلم، فليست الأولى أحق من الآخرة) رواه أحمد الترمذي وأبو داود وغيرهم وصححه الألباني.
стр. 511
(٧) أن يجلس حيث ينتهي به المجلس، عن شيبة بن عثمان ﵁ قال: قال ﷺ : (إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فإن وسع له فليجلس، وإلا فلينظر إلى أوسع مكان يراه فليجلس فيه) رواه البغوي والطبراني والبيهقي في "الشعب" وحسنه الألباني.
(٨) لا يفرق بين اثنين، عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل للرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما) رواه أحمد والترمذي وأبوا داود وصححه الألباني.
(٩) دعاء كفارة المجلس، عن أبي هريرة ﵁ عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك) رواه الترمذي وابن حبان والحاكم وصححه الألباني.
(١٠) النهي عن الجلوس بين الظل والشمس، عن علي بن بريدة عن أبيه أن النبي ﷺ : (نهى أن يقعد الرجل بين الظل والشمس) رواه ابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة ﵁ وصححه الألباني.
(١١) التحول من المجلس عند النعاس، عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا نعس أحدكم في المسجد فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره) رواه الترمذي وأبو داود وصححه الألباني.
стр. 512
(١٢) النهي عن التسمع على الآخرين، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: ( .. من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون أو يفرون منه صب في أذنه الآنك يوم القيامة .. ) رواه البخاري.
(١٣) النهي عن تناجي اثنين إذا كانوا ثلاثة بدون إذن الثالث، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس فإن ذلك يحزنه) رواه البخاري ومسلم.
(١٤) التفسح في المجلس، قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ﴿المجادلة: ١١﴾. وعن عبد الله بن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر ولكن تفسحوا وتوسعوا) رواه البخاري ومسلم.
(١٥) عدم مقاطعة المتحدث، عن أبي هريرة ﵁ قال: (بينما النبي ﷺ في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله، قال: فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) رواه البخاري.
стр. 513
(١٦) الجلوس في وسط الحلقة، الحديث ضعيف، لكن بعض السلف كان يكره ذلك.
(١٧) النهي عن الاتكاء على إلية اليد اليسرى خلف الظهر، عن الشريد ابن سويد قال: (مر بي رسول الله ﷺ وأنا جالس هكذا، أي وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري، واتكأت على إلية يدي فقال: لا تقعد قعدة المغضوب عليهم) رواه أبو داود وصححه الألباني.
(١٨) تجنب طرق الناس، عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إياكم والجلوس في الطرقات، قالوا يا رسول الله: لابد من مجالسنا نتحدث فيها، فقال رسول الله ﷺ : فإذا أبيتم إلا المجالس فاعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) رواه البخاري ومسلم.
стр. 514
(١٣٦) حديث: (لكل شيء عروس وعروس القرآن الرحمن) .
(منكر)
رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢/ ٤٩٠) رقم (٢٤٩٤) عن علي ﵁.
وفي سنده: علي بن الحسن "دُبَيْس" عده الذهبي في الضعفاء والمتروكين.
وقال الدارقطني: ليس بثقة. وقال الخطيب: منكر الحديث.
والحديث ضعَّفه:
(١) السيوطي في "الجامع الصغير".
(٢) المناوي في "فيض القدير" (٥/ ٣٦٤ - ٣٦٥).
(٣) العلامة الألباني في "الضعيفة" (١٣٥٠)(١).
التعليق:
قلت: تبين لك أخي الكريم أن هذا الحديث في فضل سورة الرحمن لا يصح نسبته إلى النبي ﷺ لضعفه (٢).
стр. 515
والذي صح في سورة الرحمن ما جاء عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: ما لي أراكم سكوتاً لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردوداً منكم، كنت كلما أتيت على قوله ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد) (١).
وعن ابن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ قرأ سورة الرحمن على أصحابه فسكتوا، فقال: ما لي أسمع الجن أحسن جواباً لربها منكم؟ ما أتيت على قول الله ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلا قالوا: لا شيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد) (٢).
стр. 516
(١٣٧) حديث: (لكل مجتهد نصيب) .
(ليس بحديث)
اشتهر هذا الكلام على ألسِنة كثير من الناس، ويظنه بعضهم حديثاً عن رسول الله ﷺ ، والصحيح أنه ليس بحديث كما ذكر ذلك غير واحد من العلماء، منهم:
(١) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٣١).
(٢) القاري في "المصنوع في معرفة الحديث الموضوع" (٢٤٤).
(٣) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ١٩١) رقم (٢٠٦٥).
(٤) الصالحي في "الشذرة في الأحاديث المشتهرة" (٧٤٤).
(٥) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٢٢٩) رقم (١١٥٤).
(٦) العامري في "الجد الحثيث في بيان ماليس بحديث" (٣٨٢).
التعليق:
هذ المقولة معناها صحيح وهي أن كل من اجتهد في شيء لا بد أن يحصل على شيء منه، وقد يكون هذا النصيب من الخير وقد يكون من الشر فتأمل.
قال القاري: وفي معناه: من جد وجد، ومن لجَّ ولجَ.
قال ابن الغرس: ويؤيده قول بعض العارفين: الصدق ضامن لحصول المطلوب.
стр. 517
فائدة: قاعدة (كل مجتهد مصيب).
اشتهرت هذه المقولة، وهذه القاعدة عند كثير من الناس، أن كل مجتهد مصيب فإذا كانت من الإصابة فهي باطلة بأدلة الكتاب والسنة.
فمن الكتاب قوله تعالى ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ ﴿الأنبياء: ٧٨ - ٧٩﴾.
فهذه الآية فيها دلالة على بطلان هذه القاعدة، إذ أن داود وسليمان اجتهدا في الحكم فكان الصواب مع سليمان دون داود لقوله تعالى … ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾. ومن السنة قول النبي ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر).
وقال أبو إسحاق الاسفرائيني (١): القول بأن كل مجتهد مصيب، أوله سفسطة وآخره زندقة. اهـ.
قلت: ولو قلنا بصحة هذه القاعدة للزم منها لوازم باطلة.
قال ابن حزم في "المحلى" (١/ ٧٠): ومن ادعى أن الأقوال كلها حق وأن كل مجتهد مصيب فقد قال قولاً لم يأت به قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا معقول وما كان هكذا فهو باطل.
стр. 518
ويبطله أيضاً قول رسول الله ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر) فنصَّ ﵊ أن المجتهد قد يخطئ.
وقد ردَّ هذه القاعدة:
• شيخ الاسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢٠/ ١٩ - ٢٦).
• ابن القيم في "أحكام أهل الذمة" (١/ ١١٧ - ١١٨).
• ابن حزم في "المحلى" (١/ ٧٠).
• الشوكاني في "الفتح الرباني" (١/ ١٥٧).
• الألباني في "صفة الصلاة" (ص: ٦٣).
• بكر أبو زيد في "معجم المناهي اللفظية" (ص: ٤٥٩ - ٤٦٤).
وغيرهم من أهل العلم.
стр. 519
(١٣٨) حديث: (لن يغلب عسر يسرين)
(ضعيف) …
رواه الحاكم (٢/ ٦٢١) رقم (٤٠٠٨)، والبيهقي في "الشعب" (٧/ ٢٠٦) رقم (١٠٠١٣)، والطبري في "التفسير" (١٢/ ٦٢٧ - ٦٢٨) عن الحسن البصري.
في قول الله ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال: خرج النبي ﷺ ذات يوم وهو يضحك ويقول: (لن يغلب عسر يسرين، إن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً).
قلت: هذا الحديث ضعيف علته الإرسال، فإن الحسن البصري رفعه إلى النبي ﷺ دون ذكر الواسطة.
وقد نصَّ جمع من أهل العلم على عدم ثبوت هذا الحديث، منهم:
(١) الحاكم. قال: مرسل.
(٢) الذهبي. قال: مرسل.
(٣) ابن كثير في "التفسير" (٤/ ٦٧٩). قال: جاء عن الحسن مرسلاً.
(٤) الحافظ في "الفتح" (٨/ ٥٨٢). قال: إسناده ضعيف، ولم يصح في سورة (ألم نشرح) حديث مرفوع.
(٥) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (٨٧٧). قال: ضعيف.
стр. 520
(٦) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٣٢).
(٧) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢٠٧٩) قال: ضعيف.
(٨) البيروتي في "أسنى المطالب" رقم (١١٦٢). قال: رُوي عن الحسن مرسلاً، وله طرق ضعيفة. قال العراقي: مراسيل الحسن عندهم مثل الريح.
(٩) الألباني في "الضعيفة" (٤٣٤٢) و"ضعيف الجامع" (٤٧٨٤) قال: ضعيف وعلة الحديث الإرسال.
(١٠) شعيب الأرنؤوط في تحقيق "الزاد" (٣/ ٩). قال: رجاله ثقات لكنه مرسل.
قلت: وقد جاء الحديث بعِدِّة ألفاظ لا يصح منها شيء مرفوعاً، وقد بسط القول فيها السخاوي في "المقاصد الحسنة". …
التعليق:
قلت: تبين لك ضعف هذا الحديث، ولا شك أن معناه صحيح لقوله ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ … يُسْرًا … (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ … يُسْرًا﴾ ﴿الشرح: ٥ - ٦﴾.
قال شيخنا ابن عثيمين في تفسير "جزء عم" (ص: ٢٤٩): فإن اليسر تكرر مرتين والعسر مرة، لأن القاعدة أنه إذا كرر الاسم مرتين بصيغة التعريف فالثاني هو الأول إلا ماندر، وإذا كرر الاسم مرتين بصيغة التنكير
стр. 521
فالثاني غير الأول لأن الثاني نكرة، فهو غير الأول، إذاً في الآيتين الكريمتين يسران وفيهما عسر واحد. اهـ.
وقد أحسن الشاعر حين قال:
إذا ضاقت بك الدنيا … ففكر في ألم نشرح
فعسر بين يسرين … متى تذكرهما تفرح
وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ ﴿الطَّلاق: ٢ - ٣﴾.
وقال سبحانه ﴿وَمَنْ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾ ﴿الطَّلاق: ٤﴾.
وقال سبحانه ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ ﴿الطَّلاق: ٧﴾.
وقال سبحانه ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ ﴿المائدة: ٥٢﴾.
فيا أخي الحبيب: أبشر فإن العسر أسير بين يسرين، ومهما ضاقت فإن الفرج قريب، ومهما اشتدت فإن بشائر الفرج قد لاحت بالفرج والمخرج، فهذا الخليل إبراهيم ﵇ رُمي في النار فقال الله لها ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ ﴿الأنبياء: ٦٩﴾.
стр. 522
وأحاط المشركون بالنبي ﷺ في الغار فقال الله ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ﴿التوبة: ٤٠﴾.
ونجَّى الله يونس من ظلمات ثلاث، وأحاط أهل الكفر بموسى ومن معه من المؤمنين فاصطدم بالبحر أمامه وبالعدو خلفه ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ … الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦)﴾ ﴿الشعراء: ٦١ - ٦٦﴾.
ولقوله سبحانه ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ … (١١٠)﴾ ﴿يوسف: ١١٠﴾.
وقال سبحانه ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ ﴿آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤﴾.
قال الشاعر:
عسى ما ترى أن لا يدوم وأن ترى
عسى فرجاً يأتي به الله إنه
إذا لاح عسر فارج يسراً فإنه … له فرجاً مما ألح به الدهر
له كل يوم في خليقته أمر
قضى الله إن العسر يتبعه يسر
стр. 523
وقال آخر:
أيا فارج الهم عن نوح وأسرته … وصاحب الحوت مولى كل مكروبِ
وفالق البحر عن موسى وشيعته … ومذهب الحزن عن ذي البيت يعقوبِ
وجاعل النار لإبراهيم باردة … ورافع السقم عن أوصال أيوبِ
إن الأطباء لا يغنون عن وصب … أنت الطبيب طبيب غير مغلوبِ
وقال آخر:
ثمانية لابد منها على الفتى … ولا بد أن تجري عليه الثمانيه
سرور وهم واجتماع وفرقة … وعسر ويسر ثم سقم وعافيه
فأبشر يا من تعسرت عليه الأمور فإن الأمر بيد الله من قبل ومن بعد، إن هناك فتحاً مبيناً، ونصراً قريباً، وفرجاً بعد شدة، ويسراً بعد عسر، وأن هناك لطفاً خفياً من بين يديك ومن خلفك، وهناك أملاً مُشرقاً، ومُستقبلاً حافلاً، ووعداً صادقاً ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ ﴿الرُّوم: ٦﴾.
أبشر أخي الحبيب: فبعد الجوع شبع، وبعد الظمأ ريٌّ، وبعد السهر نوم هنيئ، وبعد المرض عافية، سوف ينقشع الظلام ويأتي الضياء، ويزول الظلم، ويسود العدل، بشِّر الليل بصبح صادق يطارده على رؤوس الجبال ومسارب الأودية، بشِّر الهموم بفرج مفاجئ وكف حانية، واعلم أن الحبل إذا اشتد سينقطع، واعلم أن بعد الدمعة بسمة، وبعد الخوف أمناً، وبعد الفزع سكينة.
стр. 524
(١٣٩) حديث: (لو اعتقد أحدكم بحجر لنفعه) .
(موضوع)
هذا الكلام مشتهر على ألسِنة العوام المغرر بهم، وهو كلام باطل عاطل ساقط يدعو إلى الكفر والوثنية.
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (١١/ ٥١٣): هو من كلام أهل الشرك والبهتان. وقال (٢٤/ ٣٣٥): هو من المكذوبات. وقال (١٩/ ١٤٦): إنما هذا قول بعض جهال الكفار.
(٢) قال ابن القيم ﵀ في "المنار المنيف" (ص: ١٣٩) رقم (٣١٩)، وإغاثة اللهفان (١/ ٢٤٣): هو من وضع المشركين عباد الأوثان.
(٣) قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٤٠٢) رقم (٨٨٣): قال ابن تيمية: إنه كذب، ونحوه قول شيخنا ابن حجر: إنه لا أصل له.
قلت: وقد نقل كلام الحافظ في الحكم على الحديث كذلك:
(٤) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٣٣).
стр. 525
(٥) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ١٩٨) رقم (٢٠٨٧).
(٦) الصالحي في "الشذرة" (٢/ ٧٠) رقم (٧٥٤).
(٧) القاري في "المصنوع" (ص: ١٤٧) رقم (٢٤٨).
(٨) الأزهري في "تحذير المسلمين" (ص: ١٦٢) رقم (٥٨١).
(٩) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٢٣١) رقم (١١٦٥).
(١٠) قال الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ٢٨): كذب.
(١١) قال الألباني في "الضعيفة" (١/ ٦٤٦) رقم (٤٥٠) و"التوسل" (ص: ٢٢ - ٢٣): موضوع.
التعليق:
قال ابن القيم (١) ﵀: وحديث (لواعتقد أحدكم ظنه بحجر لنفعه) وأمثال هذه الأحاديث التي هى مناقضة لدين الإسلام، وضعها المشركون وراجت على أشباههم من الجهال الضلال، والله بعث رسوله ﷺ بقتل من حسن ظنه بالأحجار، وجنب أمته الفتنة بالقبور بكل طريق كما تقدم.
ومنه حكايات حكيت لهم عن تلك القبور: أن فلاناً استغاث بالقبر الفلاني في شدة فخلص منها.
стр. 526
وفلاناً دعاه أو دعا به في حاجة فقضيت له، وفلاناً نزل به ضر فاسترجى صاحب ذلك القبر فكشف ضره، وعند السدنة والمقابرية من ذلك شيء كثير يطول ذكره، وهم من أكذب خلق الله تعالى على الأحياء والأموات، والنفوس مولعة بقضاء حوائجها، وإزالة ضروراتها ويسمع بأن قبر فلان ترياق مجرب، والشيطان له تلطف في الدعوة فيدعوه أولاً إلى الدعاء عنده فيدعوه العبد عنده بحرقة وانكسار وذلة، فيجيب الله دعوته لما قام بقلبه لا لأجل القبر، فإنه لو دعاه كذلك في الحانة والخمارة والحمام والسوق أجابه، فيظن الجاهل أن للقبر تأثيراً في إجابة تلك الدعوة، والله سبحانه يجيب المضطر ولو كان كافراً، وقد قال الله تعالى ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ … عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ﴿الإسراء: ٢٠﴾.
وقد قال الخليل ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾
﴿البقرة: ١٢٦﴾.
فقال الله ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ … الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ ﴿البقرة: ١٢٦﴾.
فليس كل من أجاب الله دعاءه يكون راضياً عنه، ولا محباً له بفعله، فإنه يجيب البر والفاجر، والمؤمن والكافر، وكثير من الناس يدعو دعاء يعتدي فيه، أو يشترط في دعائه، أو يكون مما لايجوز أن يسأل، فيحصل له ذلك أو بعضه، فيظن أن عمله صالح مرضي لله ويكون بمنزلة من أملي له وأمد بالمال
стр. 527
والبنين، وهو يظن أن الله تعالى يسارع له في الخيرات وقد قال تعالى ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿الأنعام: ٤٤﴾، فالدعاء يكون عبادة فيثاب عليه الداعي، وقد يكون مسألة تنقضي به حاجته ويكون مضرة عليه إما أن يعاقب بما يحصل له، أو تنقص به درجته، فيقضي حاجته ويعاقب على ماجرى عليه من إضاعته حقوقه وإعتداء حدوده، والمقصود: أن الشيطان بلطف كيده يحسن الدعاء عند القبر، وأنه أرجح منه في بيته ومسجده وأوقات الأسحار، فإن تقرر ذلك عنده نقله درجة أخرى من الدعاء عنده إلى الدعاء به، والإقسام على الله به، وهذا أعظم من الذي قبله، فإن شأن الله أعظم أن يقسم عليه أو يسأل بأحد من خلقه وقد أنكر أئمة الإسلام ذلك.
стр. 528
(١٤٠) حديث: (لو اغتسل اللوطي بماء البحر لم يجئ يوم القيامة إلا جنباً) .
(موضوع)
أخرجه الديلمي في "الفردوس" (٥١٧٦).
وفيه: محمد بن العباس بن سهيل وهو كذَّاب.
(١) قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٣٣٠) رقم (١٥٦٧): قال الخطيب: الرجال المذكورون في إسناد هذا الحديث كلهم ثقات غير ابن سهيل وهو الذي وضعه.
(٢) قال الذهبي في "تلخيص الموضوعات" (ص: ٢٩١) رقم (٧٨٨): فيه محمد ابن العباس بن سهيل كذاب.
(٣) قال السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (٢/ ١٦٨): ابن سهيل هو الذي وضع هذا الحديث.
(٤) قال ابن عراق في "تنزيه الشريعة " (٢/ ٢٢٠): ابن سهيل هو الذي وضع هذا الحديث.
(٥) قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (٨٨٧): باطل.
(٦) قال ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٣٣ - ١٣٤): باطل.
стр. 529
(٧) قال القاري في "المصنوع" (٢٤٩): باطل لا أصل له.
(٨) قال البيروتي في "أسنى المطالب" (١١٦٧): باطل لا أصل له.
(٩) قال الصالحي في "الشذرة" (٧٥٥): باطل لا أصل له.
(١٠) قال الأزهري في "تحذير المسلمين" (ص: ١٦١): باطل لا أصل له.
(١١) قال الصعدي في "النوافح العطرة" (١٥٣٨): ضعيف.
(١٢) قال شيخنا الوادعي في "إجابة السائل" (ص: ٣٦٣): وما جاء أن اللوطي لو اغتسل بماء البحر لما طهر: فهو حديث مكذوب لا يصح عن النبي ﷺ والله أعلم.
قلت: وأخرج البيهقي في"شعب الإيمان" (٤/ ٣٥٩) رقم (٥٤٠٣) نحو الحديث المتقدم ولا يصح أيضاً.
قال السخاوي في "المقاصد" (ص: ٤٠٣): وكل ما في معناه باطل.
التعليق:
قلت: هذا الحديث لا يصح كما تبين لك، لكن الغسل من الجنابة ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، سواء كانت جنابة لواط أو زنا …
وقد سئل شيخ الإسلام (١) ﵀ عن الفاعل والمفعول به بعد إدراكهما ما يجب عليهما، وما يطهرهما، وما ينويان عند الطهاره؟
стр. 530
فأجاب: … عليهما الاغتسال من الجنابة وترتفع الجنابة من الاغتسال لكن لا يطهران من نجاسة الذنب إلا بالتوبة … الخ.
وأما حكم جريمة فعل قوم لوط، فهي من أقبح الجرائم وأشنعها:
قال الذهبي (١) ﵀: وأجمع المسلمون من أهل الملل أن التلوط من الكبائر قال تعالى ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ ﴿الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦﴾.
قال ﷺ : (ملعون من عمل بعمل قوم لوط) (٢)، وقال ﷺ : (اقتلوا الفاعل والمفعول به) (٣).
قال الشوكاني ﵀: وما أحق مرتكب هذه الجريمة، ومقارفي هذه الرذيلة الذميمة بأن يُعاقب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين، ويُعذب تعذيباً يكسر شهوة الفسقة المتمردين، فحقيق بمن أتى بفاحشة قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين، أن يصلى من العقوبة بما يكون من الشدة والشناعة مشابها لعقوبتهم، وقد خسف الله تعالى بهم، واستأصل بذلك العذاب بكرهم وثيبهم.
وإنما شدد الاسلام في عقوبة هذه الجريمة لآثارها السيئة وأضرارها في الفرد والجماعة.