التعليق:
قلت: هذا الحديث ضعيف كما تبين لك، ويغني عنه ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (إن من ورائكم أيام الصبر للمتمسك فيها أجر خمسين شهيداً منكم) (١).
وعن أبي أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ﴿المائدة: ١٠٥﴾ قال: أما والله لقد سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: (بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك -يعني بنفسك- ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيها مثل قبض الجمر، للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله) (٢).
وقد يقول قائل: كيف يكون أجر اللاحق أضعاف أجر السابق؟
قلت: دونك هذه الفائدة التي نقلها المقري (٣) في ترجمة أبي بكر بن العربي-﵀ قال: تذاكرت بالمسجد الأقصى مع شيخنا أبي بكر الفهري الطرطوشي في حديث أبي ثعلبة المرفوع: (إن من ورائكم أيام
стр. 597
الصبر للعامل فيها أجر خمسين منكم) فقالوا: بل منهم فقال: (بل منكم لأنكم تجدون على الخير أعواناً وهم لايجدون).
وتفاوضنا: كيف يكون أجر من يأتي من الأمة أضعاف أجر الصحابة مع أنهم قد أسسوا الإسلام، وعضدوا الدين، وأقاموا المنار، وافتتحوا الأمصار، وحموا البيضة، ومهدوا الملة، وقد قال ﷺ في الصحيح: (لو أنفق أحدكم كل يوم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) فتراجعنا القول، وتحصل ما أوضحناه في شرح الصحيح وخلاصته: أن الصحابة كانت لهم أعمال لا يلحقهم فيها أحد ولا يدانيهم فيها بشر، وأعمال سواها من فروع الدين يساويهم فيها من أخلص إخلاصهم، وخلصها من شوائب البدع والرياء بعدهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب عظيم هو ابتداء الإسلام، وهو أيضاً انتهاؤه، وقد كان قليلاً في ابتداء الإسلام، صعب المرام، لغلبة الكفار على الحق، وفي آخر الزمان أيضاً يعود كذلك لوعد الصادق ﷺ بفساد الزمان، وظهور الفتن، وغلبة الباطل، واستيلاء التبديل والتغيير على الحق من الخلق، وركوب من يأتي سنن من مضى من أهل الكتاب كما قال ﷺ : (لتركبن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتم، وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه) (١).
стр. 598
وقال ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ) رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة ﵁، فلا بد والله تعالى أعلم بحكم هذا الوعد الصادق، أن يرجع الإسلام إلى واحد كما بدأ من واحد، ويضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى إذا قام به قائم مع احتوائه بالمخاوف، وباع نفسه من الله تعالى في الدعاء إليه، كان له من الأجر أضعاف ما كان متمكناً منه، معاناً عليه بكثرة الدعاة إلى الله تعالى، وذلك قوله: (لأنكم تجدون على الخير أعواناً وهم لا يجدون).
حتى ينقطع ذلك انقطاعاً باتاً لضعف اليقين وقلة الدين كما قال ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله) أخرجه مسلم عن أنس ﵁، يروى برفع الهاء ونصبها، فالرفع على معنى لا يبقى يُذكر الله ، والنصب على معنى لا يبقى آمر بالمعروف ولا ناهٍ عن منكر يقول: أخاف الله، وحينئذٍ يتمنى العاقل الموت كما قال ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: ياليتني كنت مكانه) متفق عليه عن أبي هريرة ﵁. اهـ. (١).
قلت: ونحن في زمان قد غيرت الأمة وبدلت في كل جانب من جوانب الدين، إلا من رحم ربك جل وعلا، بدلت في جانب العقيدة، وفي جانب العبادة وفي جانب التشريع، وحكمت في الأعراض والأموال والفروج القوانين الوضعية، والمناهج الأرضية، التي هي من صنع المهازيل من البشر، من الملحدين،
стр. 599
والشيوعيين، والديمقراطيين، والعلمانيين، والساقطين، بل والتافهين، ممن قال عنهم المصطفى في حديثه الصحيح الذي رواه أحمد وغيره: (يأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة، قيل: ومن الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة) ووالله لقد تكلم التافهون لا في أمر العوام بل في أمر دين الله جل وعلا وشريعة النبي ﵊.
ولله در ابن القيم (١) ﵀ حين قال: لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، وعدلوا الى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ، عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم، وظلمة في قلوبهم، وكدر في أفهامهم، ومحق في عقولهم، وعمتهم هذه هذه الأمور وغلبت عليهم، حتى ربي فيها الصغير، وهرم عليها الكبير، فلم يروها منكراً. فجاءتهم دولة أخرى قامت فيها البدع مكان السنن، والنفس مقام العقل، والهوى مقام الرشد، والضلال مقام الهدى، والمنكر مقام المعروف، والجهل مقام العلم، والرياء مقام الإخلاص، والباطل مقام الحق، والكذب مقام الصدق، والمداهنة مقام النصيحة، والظلم مقام العدل. فصارت الدولة والغلبة لهذه الأمور، وأهلها هم المشار إليهم، وكانت قبل ذلك لأضدادها، وكان أهلها هم المشار إليهم، فإذا رأيت دولة هذه الأمور قد أقبلت، وراياته قد نصبت، وجيوشها قد ركبت، فبطن الأرض والله خير
стр. 600
من ظهرها، وقُلل الجبال خير من السهول، ومخالطة الوحش أسلم من مخالطة الناس. اقشعرّت الأرض وأظلمت السماء، وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة، وذهبت البركات، وقلّت الخيرات، وهزلت الوحوش، وتكدرت الحياة من فسق الظلمة، بكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال الفظيعة، وشكا الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم من كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والقبائح. وهذا والله منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه، ومؤذن بليل بلاء قد أدلهم ظلامه. فاعزلوا عن الطريق هذا السيل بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح. وكأنكم بالباب وقد أغلق، وبالرهن وقد غلق وبالجناح وقد علق ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ ﴿الشعراء: ٢٢٧﴾.
стр. 601
(١٥٧) حديث: (من تهاون بالصلاة عاقبه الله بخمسة عشرعقوبة … ).
(موضوع)
وتمام الحديث: (من تهاون بالصلاة عاقبه الله بخمسة عشر عقوبة، منها: ست في الدنيا، وثلاث عند الموت، وثلاث عند القبر، وثلاث عند خروجه من القبر، أما الستة التي تصيبه في الدنيا فهي:
(١) ينزع الله البركة من عمره.
(٢) يمسح الله سيما الصالحين من وجهه.
(٣) كل عمل لا يؤجر عليه من الله.
(٤) لا يرفع له دعاء إلى السماء.
(٥) تمقته الخلائق في الدنيا.
(٦) ليس له حظ في دعاء الصالحين.
أما الثلاث التي تصيبه عند الموت:
(١) أنه يموت ذليلاً.
(٢) أنه يموت خائفاً.
(٣) أنه يموت عطشاناً ولوسقي مياه بحار الدنيا ما روي من عطشه.
стр. 602
أما الثلاث التي تصيبه في قبره:
(١) يضيق عليه قبره حتى تختلف ضلوعه.
(٢) يوقد الله عليه ناراً في جمرها.
(٣) يسلط الله عليه ثعباناً يسمى الشجاع الأقرع، يضربه على ترك صلاة الصبح من الصبح إلى الظهر، وعلى تضيع صلاة الظهر إلى العصر، وهكذا كلما ضربه يغوص في الأرض سبعين ذراعاً.
أما التي تصيبه يوم القيامة:
(١) يسلط الله عليه من يسحبه إلى جهنم على جمر بوجهه.
(٢) ينظر الله إليه بعين الغضب وقت الحساب فيقع لحم وجهه.
(٣) يحاسبه الله تعالى حساباً شديداً ما عليه من مؤيد ويأخذ به إلى النار وبئس القرار.
قلت: وقد حكم أهل العلم على هذا الحديث بالبطلان:
(١) الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" (٥/ ٢٩٤) رقم (٧٨٥٣) قال: هو من تركيب محمد بن على بن العباس البغدادي العطار، زعم أن أبا بكر بن زياد النيسابوري أخذه عن الربيع عن الشافعي عن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة
стр. 603
-﵁ رفعه: (من تهاون بصلاته … ) وهو ظاهر البطلان من أحاديث الطريقة.
(٢) الذهبي في "الميزان" (٣/ ٦٥٣) رقم (٧٩٦٩).
(٣) السيوطي.
(٤) العراقي، في تصانيفهما في الموضوعات. "الخطب المنبرية" للسدحان (٣/ ١٢٧).
(٥) ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (٢/ ١١٣ - ١١٤) رقم (٩٤).
(٦) العلامة ابن باز في "التحفة الكريمة في بيان بعض الأحاديث الضعيفة والسقيمة" (١٤) قال: عقوبة تارك الصلاة … من الأحاديث الباطلة المكذوبة على النبي ﷺ ، كما بين ذلك الحفاظ من العلماء ﵏ كالحافظ الذهبي والحافظ ابن حجر وغيرهما. ثم قال ﵀: فكيف يرضى مؤمن لنفسه بترويج حديث موضوع، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (من روى عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذِبين) خرجه مسلم في صحيحه. وقال في "الفتاوى" (١/ ٩٧) و (٤/ ١٤٧): هذا الحديث مكذوب على النبي ﷺ لا أساس له من الصّحة، كما بيّن ذلك الحافظ الذهبي ﵀ في "الميزان" والحافظ ابن حجر في "لسان الميزان". ويقوم كثير من النّاس في كثير من البلدان بطبع هذا الحديث وتوزيعه على
стр. 604
النّاس، بغية بيان جرم تارك الصّلاة! وقال: ينبغي لمن وجد هذه الورقة التي عليها الحديث المشار إليه أن يحرقها، وينّبه مَنْ وجده يوزعها دفاعاً عن النبي ﷺ ، وحماية لسنته ﷺ من كذب الكذَّابين. وفيما ورد في القرآن العظيم والسنّة الصحيحة عن النبي ﷺ في تعظيم شأن الصّلاة، والتحذير عن التّهاون بها ووعيد مَنْ فعل ذلك ما يشفي ويكفي. ويغني عن كذب الكذّابين.
(٧) اللجنة الدائمة (٤/ ٤٦٨ - ٤٧٠) رقم الفتوى (٨٦٨٩) حكمت على هذا الحديث بالبطلان.
(٨) العلامة ابن عثيمين في "مجموع فتاواه" (١٢/ ٧٥ - ٧٦) قال: هذا الحديث موضوع مكذوب على رسول الله ﷺ فلا يحل لأحد نشره إلا مقروناً ببيان أنه موضوع حتى يكون الناس على بصيرة منه.
(٩) مشهور في "أخطاء المصلين" (ص: ٤٤٧) قال: حديث باطل.
التعليق:
قلت: وقد جاء في الكتاب والسنة في شأن عقوبة تارك الصلاة ما يكفي ويشفي عن هذا الحديث الباطل.
стр. 605
قال الله تعالى ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ ﴿مريم: ٥٩﴾.
وقال تعالى عن أهل النار ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ ﴿المدَّثر: ٤٢ - ٤٣﴾.
فذكر سبحانه من جرائمهم التي دخلوا بها النار ترك الصلاة، وقال تعالى في التحذير من ترك الصلاة ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ ﴿الماعون: ٤ - ٥﴾.
وأما الأحاديث فقوله ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) (١).
وقوله ﷺ : (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) رواه مسلم. إلى غير ذلك مما صح عن النبي ﷺ .
وهناك أحكام تترتب على تارك الصلاة ذكرها شيخنا العلامة ابن عثيمين ﵀ (٢): وإليك هذه الأحكام المخيفة والمرعبة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد:
стр. 606
(١) أنه يكون من المرتدين عن الإسلام، فيدعى إلى الإسلام فإن عاد وإلا وجب قتله لقوله ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه).
(٢) أنه لا يصح أن يزوج بمسلمة لقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ﴿الممتحنة: ١٠﴾.
(٣) أنه إذا ترك الصلاة بعد أن تزوج وهو يصلي فإن النكاح ينفسخ، وتكون المرأة حراماً عليه، ويكون منها بمنزلة الأجنبي مالم يعد إلى الإسلام ويصلي، وهذا يعبر عنه الفقهاء في باب نكاح الكفار بما إذا ارتد الزوجان أو أحدهما، فإنه إذا ارتد أحد الزوجين انفسخ نكاحه، ولا يحتاج إلى طلاق ولا يعاد العقد إذا تاب وصلى بخلاف الذي عقد له وهو لا يصلي، فإن العقد من أصله غير صحيح، وإذا صلى يعاد العقد.
(٤) أنه إذا مات لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه ويحرم أن يدعو له أحد بأن يرحمه الله، ويخرج به إلى مكان من الأرض، ويحفر له حفرة ويرمى فيها لئلا يتأذى الناس برائحته أو أهله بمشاهدته، لأنه لاحرمة له قال ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ
стр. 607
فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ ﴿التوبة: ٨٤﴾. والعلة بترك الصلاة عليه هي الكفر ولا ندعو له بالرحمة لأنه من باب الاعتداء في الدعاء وقد قال تعالى ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ ﴿الأعراف: ٥٥﴾ وكان الدعاء له بالرحمة من باب الاعتداء في الدعاء لأنه ليس أهلاً للرحمة، فأنت قد سألت الله تعالى مالا يكون وقد قال تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ ﴿التوبة: ١١٣﴾.
(٥) أن ذبيحته لا تحل، أي لو ذبح الذي لا يصلي حرام علينا أن نأكل ذبيحته ولو ذبح يهودي أو نصراني حل لنا أن نأكل ذبيحته وذلك لأنه لا تباح الذبيحة إلا إذا كان الذابح أهلاً للذكاة، والأهل للذكاة ثلاثة: المسلم، واليهودي والنصراني، فهؤلاء الثلاثة تحل ذبيحتهم ومن عداهم من المشركين والملحدين والمرتدين لا تحل ذبيحتهم.
(٦) أنه لو مات أحد من أقاربه فلا يرثه -أي الذي لا يصلي- فلومات رجل عن ابن له لا يصلي، وعن ابن عم له بعيد لكنه يصلي وترك هذا الميت مثلاً ألف مليون وكان الذي بعده من
стр. 608
أقاربه ابناً لا يصلي، وابن عم مسلم يصلي فالذي يرث هو ابن العم أما الابن فهو لايرث، وكذلك لو كان الابن الذي مات مات عن أب لا يصلي، وعن عم يصلي، فالذي يرثه هو عمه وليس أبوه ودليل ذلك قول النبي ﷺ : (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) بل هناك دليل من القرآن يشير إلى هذا قال نوح ﵇ داعياً ربه ﴿رَبِّ إِنَّ … ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾ ﴿هود: ٤٥﴾ قال الله له ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ ﴿هود: ٤٦﴾.
(٧) أنه لا يكون ولياً على أحد من بناته، فلا يملك أن يزوج ابنته فلو أن رجلاً له بنات وهو لا يصلي، فخطبهن أحد من الناس، فإنه لا يعقد النكاح لهن، لأنه لا ولاية لكافر على مسلم، وإنما يزوجهن أقرب الأولياء بعده، وعلى سبيل المثال لو أن امرأة لها أب لا يصلي، وعم يصلي، وخطبت هذه المرأة، فإن عمها هو الذي يزوجها، لأنه لا ولاية لهذا الذي لا يصلي عليها.
(٨) أنه لا حضانة له على أحد من أولاده، فلو كان هذا الرجل لا يصلي وله أولاد، وانفسخ نكاحه من زوجته فالذي يحضن هؤلاء الأولاد هي الأم وليس الأب، لأنه لا حضانة لكافر على مسلم. وهناك أحكام أخرى لكنها أقل شأناً مما ذكرنا،
стр. 609
مثل وجوب هجره، وألا يسلم عليه لأنه كافر، وإذا كان النبي ﷺ هجر كعب بن مالك وصاحبيه لتخلفهم عن غزوة تبوك وهذا العمل لا يؤدي إلى الكفر فكيف بمن كان كافراً؟
ثانياً: الأحكام الأخروية:
أما أحكامه الأخروية: فإنه يحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وأُبي ابن خلف، كما جاء بذلك الحديث (١) عن النبي ﷺ ، وإذا حشر مع هؤلاء الذين هم رؤوس الكفرة فإن مقره نار جهنم خالداً مخلداً فيها والعياذ بالله، فيا إخواني الأمر شديد وعظيم وشأن الصلاة كبير جداً. اهـ.
стр. 610
(١٥٨) حديث: (من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي) .
(موضوع) …
أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٣٤٩٧) و"الأوسط" (٣٤٠٠)، وابن عدي في "الكامل" (٣/ ٢٧٢)، والدارقطني في "سننه" (٢/ ٢٧٨)، والبيهقي في "الكبرى" (٥/ ٤٠٣) رقم (١٠٢٧٤) عن عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعاً به.
والحديث فيه علتان:
(١) ضعف ليث بن أبي سليم فإنه قد اختلط جداً ولم يتميز حديثة فترك. "التقريب" (٥٧٢١).
(٢) حفص بن سليمان وهو القارئ، ويُقال له: الغاضري.
قال ابن معين: كان كذَّاباً، كما قال ابن عدي في "الكامل" (٣/ ٢٦٨ - ٢٧٥).
وقال ابن خراش: كذَّاب يضع الحديث. "تهذيب التهذيب" (١٤٧٨).
وقال الحافظ ابن حجر في "التقريب" (١٤١٤): متروك الحديث.
وقد تفرد بهذا الحديث كما قال الطبراني وابن عدي والبيهقي.
قلت: وقد حكم على هذا الحديث بالوضع جمع من العلماء، منهم:
стр. 611
(١) شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢٧/ ٢١٧ - ٢١٨) و"الأحاديث الضعيفة والباطلة" رقم (٩٥).
(٢) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٢٦٨) رقم (١٣٨٦).
(٣) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ١١٠).
(٤) الألباني في "الضعيفة" (٤٧) و"الإرواء" (١١٢٨) و"ضعيف الجامع" (٥٥٥٣).
(٥) اللجنة الدائمة (٤/ ٤٥٤ - ٤٥٥).
وقد جاءت أحاديث أخرى بهذا المعنى لا يصح منها شيء، من ذلك:
(١) … (من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني).
(٢) … (من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شفيعاً شهيداً يوم القيامة).
(٣) … (من زار قبري فقد وجبت له شفاعتي).
(٤) … (من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة).
انظر "الموضوعات" لابن الجوزي (٢/ ٥٩٧) رقم (١١٦٨) و"فتاوى اللجنة الدائمة" (٤/ ٤٥٤ - ٤٥٥).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀ في "قاعدة جليلة" (ص: ١٣٣) رقم (٤٠٦): وأحاديث زيارة قبر النبي ﷺ كلها ضعيفة لا يعتمد على شيء منها في الدين.
стр. 612
وقال شيخنا الوادعي ﵀ في "إجابة السائل" (ص: ١٤٦): الأحاديث في شأن الزيارة لا يثبت منها حديث واحد.
التعليق:
قلت: قال شيخ الإسلام (١) ﵀ بعد ذكر هذا الحديث: فإن هذا كذبه ظاهر مخالف لدين المسلمين، فإن من زاره ﷺ في حياته وكان مؤمناً به كان من أصحابه لا سيما إن كان من المهاجرين إليه المجاهدين معه، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً مابلغ مد أحدهم ولا نصيفه) أخرجاه في الصحيحين، والواحد من بعد الصحابة لا يكون مثل الصحابة بأعمال مأمور بها كالحج والجهاد والصلوات الخمس والصلاة عليه ﷺ فكيف بعمل ليس بواجب باتفاق المسلمين -يعني زيارة قبره ﷺ بل ولا شرع السفر إليه بل هو منهي عنه، وأما السفر إلى مسجده للصلاة فيه فهو مستحب. اهـ.
وقال العلامة الألباني ﵀: يظن كثير من الناس أن شيخ الإسلام ومن نحى نحوه من السلفيين يمنع من زيارة قبر النبي ﷺ ، وهذا كذب وافتراء، وليست أول فرية على ابن تيمية ﵀، وكل من له اطلاع على كتب شيخ الإسلام يعلم أنه يقول بمشروعية زيارة قبر النبي ﷺ واستحبابها إذا لم يقترن بها شيء من المخالفات والبدع، مثل شد الرحال والسفر إليها لعموم قوله ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)،
стр. 613
والمستثنى منه في هذا الحديث ليس هو المساجد فقط كما يظن كثيرون بل هو كل مكان يقصد للتقرب إلى الله فيه سواء كان مسجداً أو غير ذلك، بدليل ما رواه أبو هريرة ﵁ قال في حديث له: (فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور، فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت، سمعت النبي ﷺ يقول: (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد) أخرجه أحمد وغيره بسند صحيح.
فهذا دليل صريح على أن الصحابة فهموا الحديث على عمومه، ويؤيده أنه لم ينقل عن أحد منهم أنه شد الرحل لزيارة قبر ما، فَهُمْ سَلَف ابن تيمية في هذه المسألة، فمن طعن فيه فإنما يطعن في السلف الصالح ﵃ ورحم من قال:
وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف (١)
تنبيه: الأماكن التي يشرع أن تزار في المدينة النبوية التي دل عليها الدليل خمسة لا سادس لها.
أولاً: المسجد النبوي:
قال ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) متفق عليه.
стр. 614
ثانياً: قبر النبي ﷺ ، وقبرا صاحبيه أبي بكر و عمر:
يشرع لمن زار المسجد النبوي أن يذهب إلى قبر النبي ﷺ ، وقبري صاحبيه أبي بكر و عمر ويسلم عليهم فيقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا عمر.
ثم ينصرف ولا يقف، كما كان يفعله ابن عمر ﵄.
ثالثاً: مقبرة البقيع:
كان النبي ﷺ إذا زار البقيع يقول: (يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) رواه مسلم.
وكان النبي ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية) أخرجه مسلم.
رابعاً: مسجد قباء:
لما في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: (كان النبي ﷺ يزور مسجد قباء راكباً وماشياً ويصلي فيه ركعتين).
وعن سهل بن حنيف ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة.
стр. 615
خامساً: شهداء أحد:
لأن النبي ﷺ كان يزورهم ويدعو لهم، فعن عقبة بن عامر ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع إلى المنبر فقال: (إني بين أيديكم فرط، وإني عليكم لشهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها) رواه البخاري.
قلت: هذه هي المواضع التي تزار في المدينة المنورة، أما المساجد السبعة ومسجد القبلتين، وغيرها من المواضع التي يذكر بعض المؤلفين في المناسك زيارتها فلا أصل لذلك ولا دليل عليه، والمشروع للمؤمن دائماً هو الاتباع دون الابتداع.
стр. 616
(١٥٩) حديث: (من حفر حفرة لأخيه وقع فيها) .
(لا أصل له)
هذا الكلام اشتهر على ألسِنة كثير من الناس، وبعضهم يظنه حديثاً نبوياً وليس كذلك، فلا أصل له في كتب السنة، وإنما هو مثل وحكمة كما قال ذلك الحافظ ابن حجر وتلميذه الحافظ السخاوي.
وقد جاء بألفاظ أخرى كلها لا أصل لها:
(١) … (من حفر لأخيه قليباً أوقعه الله فيه قريباً).
(٢) … (من حفر جباً أوقعه الله فيه منكباً).
(٣) … (من حفر لأخيه حفيراً أوقعه الله فيه قريباً).
(٤) … (من حفر بئراً لأخيه أوقعه الله فيه).
وانظر:
(١) "المقاصد الحسنة" (ص: ٤٨٠) رقم (١١١٤).
(٢) "التمييز" (ص: ١٦٦).
(٣) "كشف الخفاء" (٢/ ٣٢١) رقم (٢٤٦٤).
(٤) "تذكرة الموضوعات" (ص: ٢٠٤).
(٥) "المصنوع" (ص: ١٨٢) رقم (٣٣١).
(٦) "الجد الحثيث" (ص: ٢٢٨) رقم (٥٠٧).
стр. 617
(٧) " أسنى المطالب" (ص: ٢٦٨) رقم (١٣٨٨).
(٨) "الشذرة" (٢/ ١٦٦) رقم (٩٥١).
(٩) "النوافح العطرة" (ص: ٣٧٥) رقم (٢١٣٠).
(١٠) "تحذير المسلمين" (ص: ١٦٩) رقم (٦٢٦).
التعليق
قال بعض السلف: ثلاث من كُنْ فيه كُنْ عليه:
البغي: قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ﴿يونس: ٢٣﴾.
النكث: قال تعالى ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ ﴿الفتح: ١٠﴾.
المكر: قال تعالى ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ ﴿فاطر: ٤٣﴾.
وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (المكر والخديعة والخيانة في النار) (١).
قلت: وكم أوقعت هذه الأمور الفواقر أصحابها في المهالك والمخاطر، وضاقت عليه من موارد الهلكات فسيحات المصادر، وطوقته طوق خزي، فهو على فكها غير قادر، وأوقعته في خسف وورطة حتف، فما له من قوة ولا ناصر.
стр. 618
وقد أحسن من قال:
قضى الله أن البغي يَصرع أهله … وأن على الباغي تدور الدوائر
ومن يحتفر بئراً ليوقع غيره … سيوقع في البئر الذي هو حافر
وقال آخر:
ولا تَحفِرنْ بئراً تريد بها أخا فإنك فيها أنت من دونه تقع
كذاك الذي يبغي على الناس ظالما تُصيبه على رغمٍ عواقبُ ما صنع (١)
стр. 619
(١٦٠) حديث: (من حفظ على أمتي أربعين حديثاً في أمر دينها بعثه الله فقيهاً وكنت له يوم القيامة شافعاً وشهيداً) .
(موضوع) …
أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢/ ٢٧٠) رقم (١٧٢٦) عن أبي الدرداء ﵁.
وفي سنده: عبدالملك بن هارون بن عنترة.
قال ابن معين: كذَّاب.
وقال أحمد: ضعيف.
وقال أبو حاتم: متروك الحديث، ذاهب الحديث.
وقال صالح بن محمد: عامة حديثه كذب.
وقال السعدي: دجَّال كذَّاب.
وقال الحاكم في المدخل: روى عن أبيه أحاديث موضوعة.
"ميزان الاعتدال" (٢/ ٦٦٦) رقم (٥٢٥٩).
стр. 620
وقد نصَّ جمع من أهل العلم على عدم ثبوت هذا الحديث، منهم:
(١) ابن عساكر، قال: وقد روي هذا الحديث عن جمع من الصحابة بأسانيد فيها كلها مقال ليس منها للتصحيح مجال (١).
(٢) ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١٦١) و (١٨٤) وبين ضعف جميع طرقه.
(٣) الدارقطني قال: طرقه كلها ضعيفه. "كشف الخفاء" (٢٤٦٥).
(٤) ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله". كما نقل عنه الفتني.
(٥) العراقي في "تخريج الإحياء".
(٦) البيهقي. "شعب الإيمان" (٢/ ٢٧٠ - ٢٧١).
(٧) ابن عدي في "الكامل" (١/ ٥٣٧) و (٣/ ٤٣٦ - ٤٣٧).
(٨) المزي في "تهذيب الكمال"، قال: حديث باطل.
(٩) الذهبي في "ميزان الاعتدال"، قال: باطل.
(١٠) الحافظ ابن حجر في "الأربعين العوالي" (٤٥)، قال: جميع طرق هذا الحديث ضعيفة وبعضها أشد من بعض وأنه لا ينجبر بها بل هو ضعيف باتفاق الحفاظ. كما نقله النووي في مقدمة "الأربعين". وقال في "التلخيص الحبير" (٣/ ٩٣) رقم (١٣٧٥): حديث (من حفظ على أمتي أربعين … ): أفرد ابن المنذر
стр. 621
الكلام عليه في جزء مفرد، وقد لخصت القول فيه ثم جمعت طرقه في جزء ليس فيها طريق تسلم من علة قادحة.
(١١) المناوي في "فيض القدير" (١/ ٥٦) نقل الاتفاق على ضعف حديث: (من حفظ على أمتي أربعين حديثاً).
(١٢) السيوطي في "الدرر المنتثرة" (٣٨٨).
(١٣) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٤٨٠) رقم (١١١٥).
(١٤) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٦٦).
(١٥) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٣٢٢) رقم (٢٤٦٥).
(١٦) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ٢٧).
(١٧) الصعدي في "النوافح العطرة" (ص: ٣٧٥) رقم (٢١٣١).
(١٨) الصالحي في "الشذرة" (٢/ ١٦٦) رقم (٩٥٢).
(١٩) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٢٦٨) رقم (١٣٨٩).
(٢٠) السمهودي في "الغماز على اللماز" (ص: ٢٠٣) رقم (٢٥٨).
(٢١) الصنعاني في "توضيح الأفكار" (ص: ١٨٨).
(٢٢) صديق حسن خان في "أبجد العلوم" قال: هذا الحديث من جميع طرقه ضعيف عند محققي أهل الحديث لا يعتمد عليه ولا يصير إليه إلا من لم يرسخ في علم الحديث قدمه.
стр. 622
(٢٣) الألباني في "الضعيفة" (١٠/ ٩٧) رقم (٤٥٨٩)(١) قال: والحق أن الحديث عندي موضوع وإن اشتهرعند العلماء وعملوا من أجله كتب الأربعين، ولو كان صحيحاً لما قيض الله لروايته والتفرد به تلك الكثرة من الكذَّابين والوضاعين.
التعليق:
قلت: تبين لك أخي الكريم أن هذا الحديث قد اتفق الحفاظ على عدم ثبوته عن النبي ﷺ ، وقد ورد في السنة المطهرة طائفة من الآثار الصحيحة التي تبين فضل تعلم العلم النافع من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، منها: قوله ﷺ : (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله).
وقوله ﷺ : (رحم الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها .. ).
وقوله ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).
مسألة: لماذا ألَّف العلماء كتب الأربعينيات، كالنووي وغيره؟
الجواب: قال النووي ﵀: قد صنَّف العلماء ﵃ في هذا الباب ما لا يحصى من المصنفات فأول من علمته صنّف فيه هو عبد الله بن المبارك، ثم محمد بن أسلم الطوسي العالم الرباني، ثم الحسن
стр. 623
ابن سفيان النسائي وأبو بكر الآجرّي وأبو محمد بن إبراهيم الأصفهاني، والدارقطني، والحاكم، وأبو نعيم، وأبو عبد الرحمن السُّلمي، وأبو سعيد الماليني، وأبو عثمان الصابوني، وعبد الله بن محمد الأنصاري، وأبو بكر البيهقي، وخلائق لا يحصون من المتقدمين والمتأخرين، وقد استخرت الله تعالى في جمع أربعين حديثاً اقتداءً بهؤلاء الأئمة الأعلام وحفاظ الإسلام.
وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال.
ومع هذا فليس اعتمادي على هذا الحديث (من حفظ على أمتي … ) بل على قوله ﷺ في الأحاديث الصحيحة: (ليُبلغ الشاهد منكم الغائب).
وقوله ﷺ : (نضّر الله أمرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها).
ثم من العلماء من جمع الأربعين في أصول الدين، وبعضهم في الفروع، وبعضهم في الجهاد، وبعضهم في الزهد، وبعضهم في الآداب، وبعضهم في الخُطب، وكلها مقاصد صالحة رضي الله عن قاصديها. اهـ.
стр. 624
(١٦١) حديث: (من عاشر قوماً أربعين يوماً صار منهم) .
(ليس بحديث)
لقد اشتهرت هذا المقوله شهرة عظيمة في أوساط الناس، ويظن البعض أن هذا حديث قاله النبي ﷺ ، وليس كذالك وإنما هي حكمة ومقولة اشتهرت بين الناس قديماً وحديثاً. "البداية والنهاية" (١٢/ ١٧٢) و"المنتظم" (٩/ ١٢٦).
وقد سئل شيخنا ابن عثيمين ﵀ في "فتاوى نور على الدرب" ما مدى صواب هذه العبارة: (من عاشر قوما أربعين يوماً صار منهم)؟
فقال ﵀: ليست صحيحة هذه العبارة، وقد قال النبي ﷺ : (من أحب قوماً فهو منهم)، فمن أحب قوماً فهو منهم، ولو عاشرهم يوماً واحداً، ومن ليس بينه وبينهم صله في المحبة، فهو لو بقي عندهم أربعين شهراً، فهذه العبارة ليست صحيحة.
التعليق:
قلت: ويُغني عن هذا الكلام قوله ﷺ : (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) (١). وقوله ﷺ : (مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كمثل صاحب المسك وكير الحداد، لا يعدمك من صاحب المسك إما أن تشتريه أو تجد منه ريحاً، وكير الحداد يحرق بيتك أو ثوبك أو تجد منه ريحاً خبيثة) رواه البخاري عن أبي موسى ﵁.
стр. 625
والإنسان بطبعه يتأثر بالمجالسة والمخالطة، وكما قيل: الصاحب ساحب.
قال الشاعر:
عن المرء لا تسل وسل عن قرينه … فكل قرين بالمقارن يقتدي
إذا كنت في قومٍ فصاحب خيارهم … ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
وقد ذكر ابن القيم ﵀: أن الإنسان يتأثر بمصاحبة البهائم ويكتسب من طباعها واستدل بقوله ﷺ : ( … الفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁.
قال ﵀ (١): ومن الناس من طبعه طبع خنزير، يمر بالطيبات فلا يلوي عليها، فإذا قام الإنسان عن رجيعه قمه، وهكذا كثير من الناس يسمع منك ويرى من المحاسن أضعاف أضعاف المساوئ فلا يحفظها ولا ينقلها ولا تناسبه، فإذا رأى سقطة أو كلمة عوراء وجد بغيته وما يناسبها فجعلها فاكهته ونقله.
ومنهم: من هو على طبع الطاووس، ليس له إلا التطوس والتزين بالريش وليس وراء ذلك من شيء.
ومنهم: من هو على طبيعة الجمل، أحقد الحيوان، وأغلظه كبداً.
ومنهم: من هو على طبيعة الدب، أبكم خبيث، وعلى طبيعة القرد.
стр. 626
وأحمد طبائع الحيوانات: طبائع الخيل، التي هي أشرف الحيوانات نفوساً، وأكرمها طبعاً، وكذلك الغنم، وكل من ألف ضرباً من ضروب هذه الحيوانات اكتسب من طبعه وخلقه، فإن تغدى بلحمه كان الشبه أقوى، فإن الغاذي شبيه بالمغتذي، ولهذا حرم أكل لحوم السباع، وجوارح الطير، لما تورث آكلها من شبه نفوسها بها.
ومنهم: من نفسه كلبية، لوصادف جيفة تُشبع ألف كلب لوقع عليها وحماها من سائر الكلاب، ونبح كل كلب يدنو منها، فلا تقربها الكلاب إلا على كره منه وغلبة، ولا يسمح لكلب بشيء منها، وهمه شبع بطنه من أي طعام اتفق: ميتة أو مذكى، خبيث أو طيب، ولا يستحي من قبيح، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، إن أطعمته بصبص بذنبه ودار حولك، وإن منعته هرَّك ونبحك.
ومنهم: من نفسه حمارية، لم تُخلق إلا للكد والعلف، كلما زيد في علفه زيد في كده، أبكم الحيوانات وأقلها بصيرة، ولهذا مثل الله به من حمله كتابه فلم يحمله معرفة ولا فقهاً ولا عملاً.
ومنهم: من نفسه فأرية، فاسق بطبعه، مفسد لما جاوره، تسبيحه بلسان الحال: سبحان من خلقه للفساد.
ومنهم: من نفسه سبعية، غضبية همته العدوان على الناس وقهرهم بما وصلت إليه قدرته، طبيعته تتقاضى ذلك كتقاضي طبيعة السبع لما يصدر منه. اهـ.
стр. 627
(١٦٢) حديث: (من عشق فكتم وعف فمات فهو شهيد) .
(موضوع)
رواه ابن حبان في "المجروحين"، والخطيب في "تاريخ بغداد"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"، وغيرهم عن ابن عباس وعائشة ﵃.
وقد روي هذا الحديث من طرق عن سويد بن سعيد الحدثاني: ثنا علي ابن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً.
وهذا السند فيه علتان:
(١) أبو يحيى القتات، اسمه زاذان، وقيل: غير ذلك، ضعَّفه غير واحد.
"تهذيب التهذيب" (١٢/ ٢٤٨).
(٢) سويد بن سعيد.
قال أبو زرعة: قلنا لابن معين: إن سويداً يحدث بحديث (من قال برأيه فاقتلوه) فقال يحيى: ينبغي أنه يُبدأ بسويد فيقتل. وقال أيضاً: هو ساقط كذَّاب، لو أن لي فرساً ورمحاً لغزوت سويداً، لأنه تجرأ في رواية الأحاديث الضعيفة.
وقال الإمام أحمد في سويد بن سعيد: متروك الحديث.
стр. 628
وقال النسائي: ليس بثقة.
وقال البخاري: كان قد عمي فتلقن ماليس من حديثه.
"ميزان الاعتدال" (٢/ ٢٤٨ - ٢٥٠)، و"تهذيب التهذيب" (٤/ ٢٤٧) رقم (٢٧٨٥) و"الكامل" (٤/ ٤٩٦) رقم (٨٤٨).
وقد نصَّ جمع من أهل العلم على بطلان هذا الحديث، منهم:
(١) أبو بكر بن عدي.
(٢) البيهقي.
(٣) الحاكم.
(٤) ابن طاهر.
(٥) يحيى بن معين.
(٦) ابن حبان. كما نقل عنهم الحافظ في "التلخيص الحبير" (٢/ ١٤٢)
(٧) ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/ ٧٧١).
(٨) ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (١٤/ ٢٠٨) و (١٠/ ١٣٣).
(٩) ابن القيم في "المنار المنيف" (ص: ١٤٠) رقم (٣٢١).
(١٠) العراقي. "الإحياء وبذيله المغني عن حمل الأسفار" (٣/ ١٨١).
(١١) ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٢/ ١٤٢) و"التهذيب" (٤/ ٢٤٧).
(١٢) ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (٢/ ٣٦٤).
(١٣) السيوطي في "الدرر المنتثرة" (ص: ١٧٣) رقم (٣٩٥).
стр. 629
(١٤) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٤٩١) رقم (١١٥٣).
(١٥) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٧٠).
(١٦) المناوي في "فيض القدير" (٦/ ١٧٦).
(١٧) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٣٤٥) رقم (٢٥٣٨).
(١٨) الصالحي في "الشذرة" (٢/ ١٨١) رقم (٩٨٤).
(١٩) الصعدي في "النوافح العطرة" (ص: ٣٩٣) رقم (٢٢٣٥).
(٢٠) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٢٧٧) رقم (١٤٣٧).
(٢١) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ١٩٩).
(٢٢) السمهودي في "الغماز على اللماز" (ص: ٢١٦) رقم (٢٨٨).
(٢٣) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٣٢) رقم (١١٤).
(٢٤) الألباني في "الضعيفة" (٤٠٩) و"ضعيف الجامع" (٥٦٩٧)، (٥٦٩٨).
(٢٥) شيخنا الوادعي في "المقترح" (ص: ٩) و"غارة الأشرطة" (١/ ٧١).
(٢٦) اللجنة الدائمة (٤/ ٤٥٦ - ٤٥٨) فتوى رقم (٨٣٧).
التعليق:
قلت: تبين لك أخي الكريم أن هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ ، ولا يصح معناه كذلك، وقد أنكره العلامة ابن القيم ﵀ من حيث معناه فقال (١): ولا يُغتر بالحديث الموضوع على رسول الله ﷺ ، فإنه لا يصح عن
стр. 630
رسول الله ﷺ ، ولا يجوز أن يكون من كلامه، فإن الشهادة درجة عالية عند الله مقرونة بدرجة الصدِّيقيَّة، ولها أعمال وأحوال هي شروط في حصولها، وهي نوعان: خاصة وعامة، فالخاصة الشهادة في سبيل الله، والعامة خمس مذكورة في الحديث الصحيح ليس العشق واحداً منها، وكيف يكون العشق الذي هو شرك المحبة، وفراغ عن الله وتمليك القلب والروح والحب لغيره تنالُ به درجة الشهادة، هذا من المحال، فإن إفساد عشق الصور للقلب فوق كل إفساد بل هو خمر الروح الذي يسكرها ويصدها عن ذكر الله وحبه والتلذذ بمناجاته والأنس به، ويوجب عبودية القلب لغيره، فإن قلب العاشق متعبد لمعشوقه بل العشق لب العبودية، فإنها كمال الذل والحب والخضوع والتعظيم، فكيف يكون تعبد القلب لغير الله مما تنال به درجة أفاضل الموحدين، وساداتهم وخواص الأولياء، فلو كان إسناد هذا الحديث كالشمس كان غلطاً ووهما، ولا يحفظ عن رسول الله ﷺ لفظ العشق من حديث صحيح البتة، ثم إن العشق منه حلال ومنه حرام، فكيف يظن بالنبي ﷺ أنه يحكم على كل عاشق يكتم ويعف بأنه شهيد، أفَتَرى من يعشق امرأة غيره، أو يعشق المردان والبغايا ينال بعشقه درجة الشهداء، وهل هذا إلا خلاف المعلوم من دينه ﷺ بالضرورة، كيف والعشق مرض من الأمراض التي جعل الله سبحانه لها من الأدوية شرعاً وقدراً، والتداوي منه إما واجب إن كان عشقاً حراماً، وإما مستحب، وأنت إذا تاملت الأمراض والآفات التي حكم رسول الله ﷺ لأصحابها بالشهادة
стр. 631
وجدتها من الأمراض التي لا علاج لها، كالمطعون والمبطون والمجنون والحرق والغرق، ومنها المرأة يقتلها ولدها في بطنها، فإن هذه بلايا من الله لا صنع للعبد فيها، ولا علاج لها وليست أسبابها محرمة، ولا يترتب عليها من فساد القلب وتعبده لغير الله ما يترتب على العشق، فإن لم يكفِ هذا في إبطال نسبة هذا الحديث إلى رسول الله ﷺ فقلد أئمة الحديث العالمين به وبعلله، فإنه لا يحفظ عن إمام واحد منهم قط أنه شهد له بصحة بل ولا بحسن، كيف وقد أنكروا على سويد هذا الحديث ورموه لأجله بالعظائم واستحل بعضهم غزوه لأجله.
وقال العلامة الألباني (١) معلقاً على كلام ابن القيم: وخلاصة الكلام أن الحديث ضعيف الإسناد موضوع المتن كما جزم بذلك ابن القيم.
стр. 632
(١٦٣) حديث: (من علمني حرفاً كنت له عبداً) .
(ليس بحديث)
اشتهر هذا الكلام على ألسِنة كثير من الناس، على أنه حديث عن رسول الله ﷺ ، وليس كذلك، ولكنه مثلٌ من الأمثلة.
وقد جاء حديث بمعناه بلفظ: (من علم عبداً آية من كتاب الله فهو مولاه، لا ينبغي له أن يخذله، ولا يستأثر عليه، فإن هو فعل قصم عروة من عرى الإسلام).
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ١٢٨): رواه الطبراني في "الكبير" (٨/ ١١٢) رقم (٧٥٢٨).
وفي سنده: عبيد بن رزين اللاذقي ولم أرَ من ذكره. اهـ.
وأخرجه البيهقي في "الشعب" (٢/ ٤٠٦) رقم (٢٢١٣) و (٢٢١٤) وابن عدي في "الكامل" (١/ ٤٧٨).
وقد حكم جمع من أهل العلم على الحديث بالوضع، منهم:
(١) شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (١٨/ ٣٤٥).
(٢) ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (١/ ٢٨٤).
(٣) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٣٤٧) رقم (٢٥٤٣).
стр. 633
(٤) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ١٨).
(٥) القاري في "المصنوع" (ص: ١٩٠) رقم (٣٥١).
(٦) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٥٦).
(٧) السمهودي في "الغماز على اللماز" (ص: ٢٢١) رقم (٣٠١).
(٨) بكر أبو زيد في "معجم المناهي اللفظية" (ص: ٥٣٠).
وقد ذكر هذ الحديث السخاوي في "المقاصد الحسنة" (١١٥٥)، وابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٧١)، والبيروتي في "أسنى المطالب" (١٤٣٩)، والصعدي في "النوافح العطرة" (٢٢٤٠)، والصالحي في "الشذرة" (٩٨٧).
التعليق:
قلت: هذا الحديث الذي لا يصح مرفوعاً عن النبي ﷺ ، إذا حمل على ظاهره فهو باطل، عاطل، ساقط، لمخالفته إجماع المسلمين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀: ليس هذا في شيء من الكتب الستة ولا في غيرها، بل مخالف لإجماع المسلمين، فإن من علَّمَ غيره لا يصير به مالكاً له إن شاء باعه وإن شاء أعتقه، ومن اعتقد هذا فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، والحر المسلم لا يُستَرقّ، وسيد معلم الناس رسول الله ﷺ علمهم الكتاب والحكمة وهو أولى بهم من أنفسهم، ومع هذا فهم أحرار لم يسترقهم ولم يستعبدهم بل حكمه في أمته الأحرار خلاف حكمه فيما
стр. 634
ملكت يمينه، ولو كان المؤمنات ملكاً له لجاز أن يطأ كل مؤمنة بلا عقد نكاح، ولكان لمن علم امرأة من القرآن أن يطأها بلا نكاح، وهذا لا يقوله مسلم. اهـ.
قلت: وإذا أريد به المعنى الآخر وهو الاعتراف بالفضل والجميل للمعلم فهذا معنى طيب، قال ﷺ : (ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه) (١).
وقد قيل: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته، أي أصبح أسيراً لإحسانك وجميلك بعد الله.
قال في "الفقيه والمتفقه": إذا تعلم الإنسان من العالم واستفاد منه الفوائد فهو عبد قال الله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ ﴿الكهف: ٦٠﴾ وهو يوشع بن نون ولم يكن مملوكاً له وإنما كان تلميذاً له متبعاً له، فجعله الله فتاه لذلك، وكلمة فتاه لا تطلق إلا على العبد لكن المراد به هنا عبد الإحسان والفضل، قال شعبة بن الحجاج: كنت إذا سمعت من الرجل الحديث كنت له عبداً ما حيي (٢).
وقال ابن جماعة ﵀ (٣): على طالب العلم أن ينقاد لشيخه في أموره ولا يخرج عن رأيه وتدبيره، بل يكون معه كالمريض مع الطبيب
стр. 635
الماهر، فيشاوره فيما يقصده، ويتحرى رضاه فيما يتعمده، ويبالغ في حرمته، ويتقرب إلى الله تعالى بخدمته، ويعلم أن ذُلّه لشيخه عِزٌ، وخضوعه له فخر، وتواضعه له رفعة، وعلى طالب العلم أن ينظر شيخه بعين الإجلال فإن ذلك أقرب إلى نفعه به … وعليه أن يعرف للشيخ حقه، ولا ينسى فضله وأن يعظم حرمته ويرد غِيبَته، ويغضب، فإن عجز عن ذلك قام وفارق ذلك المجلس، وينبغي أن يدعو للشيخ مدة حياته، ويرعى ذريته وأقاربه وأوُدَّاءه -أهل وده- بعد وفاته، ويتعمد زيارة قبره والاستغفار له، والصدقة عنه، ويسلك في السمت والهدي مسلكه، ويراعي في العلم والدين عادته.
قلت: كل ذلك في حدود الشرع من غير إفراط ولا تفريط.
وقد أحسن من قال:
أقدم أستاذي على نفس والدي … وإن نالني من والدي الفضل والشرف
فذاك مربي الروح والروح جوهر … وهذا مربي الجسم والجسم كالصدف
وقال آخر:
رأيت أحق الحق حق المعلمِ … وأوجبه حفظاً على كل مسلم
له الحق أن يُهدى إليه كرامة … لتعليم حرف واحدٍ ألف درهم