وجدتها من الأمراض التي لا علاج لها، كالمطعون والمبطون والمجنون والحرق والغرق، ومنها المرأة يقتلها ولدها في بطنها، فإن هذه بلايا من الله لا صنع للعبد فيها، ولا علاج لها وليست أسبابها محرمة، ولا يترتب عليها من فساد القلب وتعبده لغير الله ما يترتب على العشق، فإن لم يكفِ هذا في إبطال نسبة هذا الحديث إلى رسول الله ﷺ فقلد أئمة الحديث العالمين به وبعلله، فإنه لا يحفظ عن إمام واحد منهم قط أنه شهد له بصحة بل ولا بحسن، كيف وقد أنكروا على سويد هذا الحديث ورموه لأجله بالعظائم واستحل بعضهم غزوه لأجله.
وقال العلامة الألباني (١) معلقاً على كلام ابن القيم: وخلاصة الكلام أن الحديث ضعيف الإسناد موضوع المتن كما جزم بذلك ابن القيم.
стр. 632
(١٦٣) حديث: (من علمني حرفاً كنت له عبداً) .
(ليس بحديث)
اشتهر هذا الكلام على ألسِنة كثير من الناس، على أنه حديث عن رسول الله ﷺ ، وليس كذلك، ولكنه مثلٌ من الأمثلة.
وقد جاء حديث بمعناه بلفظ: (من علم عبداً آية من كتاب الله فهو مولاه، لا ينبغي له أن يخذله، ولا يستأثر عليه، فإن هو فعل قصم عروة من عرى الإسلام).
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ١٢٨): رواه الطبراني في "الكبير" (٨/ ١١٢) رقم (٧٥٢٨).
وفي سنده: عبيد بن رزين اللاذقي ولم أرَ من ذكره. اهـ.
وأخرجه البيهقي في "الشعب" (٢/ ٤٠٦) رقم (٢٢١٣) و (٢٢١٤) وابن عدي في "الكامل" (١/ ٤٧٨).
وقد حكم جمع من أهل العلم على الحديث بالوضع، منهم:
(١) شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (١٨/ ٣٤٥).
(٢) ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (١/ ٢٨٤).
(٣) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٣٤٧) رقم (٢٥٤٣).
стр. 633
(٤) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ١٨).
(٥) القاري في "المصنوع" (ص: ١٩٠) رقم (٣٥١).
(٦) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٥٦).
(٧) السمهودي في "الغماز على اللماز" (ص: ٢٢١) رقم (٣٠١).
(٨) بكر أبو زيد في "معجم المناهي اللفظية" (ص: ٥٣٠).
وقد ذكر هذ الحديث السخاوي في "المقاصد الحسنة" (١١٥٥)، وابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٧١)، والبيروتي في "أسنى المطالب" (١٤٣٩)، والصعدي في "النوافح العطرة" (٢٢٤٠)، والصالحي في "الشذرة" (٩٨٧).
التعليق:
قلت: هذا الحديث الذي لا يصح مرفوعاً عن النبي ﷺ ، إذا حمل على ظاهره فهو باطل، عاطل، ساقط، لمخالفته إجماع المسلمين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀: ليس هذا في شيء من الكتب الستة ولا في غيرها، بل مخالف لإجماع المسلمين، فإن من علَّمَ غيره لا يصير به مالكاً له إن شاء باعه وإن شاء أعتقه، ومن اعتقد هذا فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، والحر المسلم لا يُستَرقّ، وسيد معلم الناس رسول الله ﷺ علمهم الكتاب والحكمة وهو أولى بهم من أنفسهم، ومع هذا فهم أحرار لم يسترقهم ولم يستعبدهم بل حكمه في أمته الأحرار خلاف حكمه فيما
стр. 634
ملكت يمينه، ولو كان المؤمنات ملكاً له لجاز أن يطأ كل مؤمنة بلا عقد نكاح، ولكان لمن علم امرأة من القرآن أن يطأها بلا نكاح، وهذا لا يقوله مسلم. اهـ.
قلت: وإذا أريد به المعنى الآخر وهو الاعتراف بالفضل والجميل للمعلم فهذا معنى طيب، قال ﷺ : (ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه) (١).
وقد قيل: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته، أي أصبح أسيراً لإحسانك وجميلك بعد الله.
قال في "الفقيه والمتفقه": إذا تعلم الإنسان من العالم واستفاد منه الفوائد فهو عبد قال الله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ ﴿الكهف: ٦٠﴾ وهو يوشع بن نون ولم يكن مملوكاً له وإنما كان تلميذاً له متبعاً له، فجعله الله فتاه لذلك، وكلمة فتاه لا تطلق إلا على العبد لكن المراد به هنا عبد الإحسان والفضل، قال شعبة بن الحجاج: كنت إذا سمعت من الرجل الحديث كنت له عبداً ما حيي (٢).
وقال ابن جماعة ﵀ (٣): على طالب العلم أن ينقاد لشيخه في أموره ولا يخرج عن رأيه وتدبيره، بل يكون معه كالمريض مع الطبيب
стр. 635
الماهر، فيشاوره فيما يقصده، ويتحرى رضاه فيما يتعمده، ويبالغ في حرمته، ويتقرب إلى الله تعالى بخدمته، ويعلم أن ذُلّه لشيخه عِزٌ، وخضوعه له فخر، وتواضعه له رفعة، وعلى طالب العلم أن ينظر شيخه بعين الإجلال فإن ذلك أقرب إلى نفعه به … وعليه أن يعرف للشيخ حقه، ولا ينسى فضله وأن يعظم حرمته ويرد غِيبَته، ويغضب، فإن عجز عن ذلك قام وفارق ذلك المجلس، وينبغي أن يدعو للشيخ مدة حياته، ويرعى ذريته وأقاربه وأوُدَّاءه -أهل وده- بعد وفاته، ويتعمد زيارة قبره والاستغفار له، والصدقة عنه، ويسلك في السمت والهدي مسلكه، ويراعي في العلم والدين عادته.
قلت: كل ذلك في حدود الشرع من غير إفراط ولا تفريط.
وقد أحسن من قال:
أقدم أستاذي على نفس والدي … وإن نالني من والدي الفضل والشرف
فذاك مربي الروح والروح جوهر … وهذا مربي الجسم والجسم كالصدف
وقال آخر:
رأيت أحق الحق حق المعلمِ … وأوجبه حفظاً على كل مسلم
له الحق أن يُهدى إليه كرامة … لتعليم حرف واحدٍ ألف درهم
стр. 636
(١٦٤) حديث: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بُعداً) .
(ضعيف) …
رواه الطبراني في "الكبير" (١١٠٢٥)، والقضاعي في "مسند الشهاب" فتح الوهاب" (١/ ٣٩٤) رقم (٣٤٢)، وابن أبي حاتم في "التفسير" (١٦٣٥٠) عن ابن عباس ﵄.
وفي سنده: ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. "تهذيب التهذيب" (٥٩١١).
وقد نصَّ جماعة من العلماء على ضعف هذا الحديث، منهم:
(١) العراقي، قال: إسناده لين. "الإحياء وبذيله المغني" (١/ ٢٠٥).
(٢) الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ٢٥٨).
(٣) ابن كثير في "تفسيره" تحت قوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ … ﴿العنكبوت: ٤٥﴾.
(٤) شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض فتاويه. قال: هذا الحديث ليس بثابت. كما نقل عنه العلامة الألباني.
(٥) نقل الذهبي في "الميزان" (٣/ ٢٩٣) عن ابن الجنيد أنه قال في هذا الحديث: كذب وزور.
стр. 637
(٦) العلامة الألباني (١) في "الضعيفة" (٢) و (٩٨٥)، قال: باطل وهو مع اشتهاره على الألسن لا يصح من قبل إسناده ولا من جهة متنه.
(٧) اللجنة الدائمة فتوى رقم (١٨٤٣) قالت: هذا الحديث روى من طرق عدة بألفاظ مختلفة عن النبي ﷺ ولم يثبت من طريق صحيح. وروي عن ابن مسعود وابن عباس والحسن وجماعة، والموقوف هو الصحيح.
(٨) مشهور في "أخطاء المصلين" (ص: ٤٤٦).
(٩) بكر أبو زيد في "تصحيح الدعاء" (ص: ٢٩) قال: وقفه على ابن مسعود ﵁ أصح.
والحديث ذكره السيوطي في"الدرر المنتثرة" (ص: ١٧٩) رقم (٤١٣) والعجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٣٦٤) رقم (٢٦٠٢) والصالحي في "الشذرة" (ص: ١٩٢) رقم (١٠٠٧).
التعليق:
قال العلامة الألباني (٢) ﵀: وأما متن الحديث فإنه لا يصح، لأن ظاهره يشمل من صلى صلاة بشروطها وأركانها، بحيث أن الشرع يحكم
стр. 638
عليها بالصحة، وإن كان هذا المصلي لا يزال يرتكب بعض المعاصي، فكيف يكون بسببها لا يزداد بهذه الصلاة إلا بعداً؟ هذا مما لا يعقل ولا تشهد له الشريعة، ولهذا تأوله شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (لم يزدد إلا بعداً) إذا كان ما ترك من الواجب منها أعظم مما فعله أبعده ترك الواجب الأكثر من الله أكثر مما قربه فعل الواجب الأقل. وهذا بعيد عندي لأن ترك الواجب الأعظم منها معناه ترك بعض ما لا تصح الصلاة إلا به كالشروط والأركان وحينئذ فليس له صلاة شرعاً، ولا يبدو أن هذه الصلاة هي المراد في الحديث المرفوع والموقوف، بل المراد الصلاة الصحيحة التي لم تثمر ثمرتها التي ذكرها الله في كتابه في قوله ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ﴿العنكبوت: ٤٥﴾.
وأكدها رسول الله ﷺ لما قيل له: (إن فلاناً يصلي الليل كله فإذا أصبح سرق) فقال: سينهاه ما تقول، أو قال: (ستمنعه صلاته) (١).
فأنت ترى أن النبي ﷺ أخبر أن هذا الرجل سينتهي عن السرقة بسبب صلاته -إذا كانت على الوجه الأكمل طبعاً كالخشوع فيها والتدبر في قراءتها- ولم يقل: (أنه لايزداد بها إلا بعداً) مع أنه لما ينته عن السرقة، فثبت بما تقدم ضعف الحديث سنداً ومتناً والله أعلم.
стр. 639
ثم رأيت الشيخ أحمد بن محمد عز الدين بن عبد السلام نقل أثر ابن عباس هذا في كتابه "النصيحة فيما أبدته القريحة" عن تفسير الجاربردي وقال: ومثل هذا ينبغي أن يحمل على التهديد لما تقرر أن ذلك ليس من الأركان والشرائط، ثم أستدل على ذلك بالحديث المتقدم: (ستمنعه صلاته)، واستصوب الشيخ أحمد كلام الجاربردي هذا، وقال: لا يصح حمله على ظاهره، لأن ظاهره معارض لما ثبت في الأحاديث الصحيحة المتقدمة من أن الصلاة مكفرة للذنوب، فكيف تكون مكفرة ويزداد بها بعداً هذا مما لا يعقل …
قلت: وحمل الحديث على المبالغة والتهديد ممكن على اعتبار أنه موقوف على ابن عباس أو غيره، وأما على اعتباره من كلامه ﷺ فهو بعيد عندي والله أعلم، قال: ويشهد لذلك ما ثبت في البخاري أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة فذكر ذلك للنبي ﷺ فأنزل الله ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ ﴿هود: ١١٤﴾.
ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية قال في بعض فتاويه: هذا الحديث ليس بثابت عن النبي ﷺ ، لكن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر كما ذكر الله في كتابه، وبكل حال فالصلاة لا تزيد صاحبها بعداً، بل الذي يصلي خير من الذي لا يصلي، وأقرب إلى الله منه وإن كان فاسقاً.
стр. 640
قلت: فكأنه يشير إلى تضعيف الحديث من حيث معناه أيضاً وهو الحق، وقد نقل الذهبي في "الميزان" عن ابن الجنيد أنه قال في هذا الحديث: كذب وزور. اهـ.
وقالت اللجنة الدائمة (١): ذكر بعض العلماء أن معنى هذا الحديث فاسد لمنافاته النصوص الصحيحة الدالة على أن الصلوات تمحو الذنوب وتذهب السيئات، وعلى هذا يتبين أن حلق المصلي لحيته لا يمنع من صحة صلاته ولا من قبولها بل له من ثواب صلاته بقدر ما أتى به منها على وجهه الشرعي، وعليه إثم حلق لحيته، ويكون مؤمنًا بما فيه من إيمان وعمل صالح وفاسقًا بما فيه من المعاصي، ويعلم من ذلك أن الصلاة إنما تنهى عن الفحشاء والمنكر إذا أقيمت كما شرع الله في الكتاب والسنة.
стр. 641
(١٦٥) حديث: (من لم يخف الله خف منه) .
(ليس بحديث) …
اشتهر هذا الكلام على ألسِنة كثير من الناس، وينسبونه إلى النبي ﷺ والصحيح أنه ليس بحديث، كما ذكر ذلك من ألَّف في الأحاديث المشتهرة، منهم:
(١) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٥٠٠) رقم (١١٧٦).
(٢) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٧٤).
(٣) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٣٦٣) رقم (٢٦٠٠).
(٤) العامري في "الجد الحثيث" (ص: ٢٣٦) رقم (٥٣٨).
(٥) القاري في "المصنوع" (ص: ١٩٣) رقم (٣٦٣).
(٦) الصعدي في "النوافح العطرة" (ص: ٤٠٥) رقم (٢٢٩٦).
(٧) الصالحي في "الشذرة" (٢/ ١٩٢) رقم (١٠٠٨).
(٨) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٢٨٧) رقم (١٤٨٩).
(٩) السمهودي في "الغماز" (ص: ٢١٣) رقم (٢٧٨).
(١٠) الأزهري في "تحذير المسلمين" (ص: ١٧٠) رقم (٦٣٨).
قلت: جاء في الباب حديث لا يصح أيضاً بلفظ: (من خاف الله خوف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله خوفه الله من كل شيء).
стр. 642
وقد ضعَّف هذا الحديث:
(١) العراقي. "الإحياء وبذيله المغني" (٢/ ٢٢١).
(٢) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ٢٠).
(٣) الألباني في "الضعيفة" (٤٨٥).
التعليق:
قلت: ذكر السخاوي والعجلوني وغيرهما أن معنى هذا الحديث صحيح، فإن عدم الخوف من الله، يوقع صاحبه في كل محظور ومكروه، فتخاف منه على نفسك، وعلى عرضك، ومالك، تخاف من مكره، وكيده، وغشه، وكذبه، وخيانته، لأنه لا يخشى الله فيك، ولا في غيرك.
ومن باب: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) قيل: إن الله أوحى إلى داود ﵇: (يا داود تخاف أحداً غيري؟ قال: نعم يا رب، أخاف من لا يخافك).
стр. 643
(١٦٦) حديث: (من لم يهتم بأمرالمسلمين فليس منهم) .
(ضعيف)
أخرجه الطبراني في"الأوسط" (٨/ ٢٣٠) رقم (٧٤٦٩)، و"الصغير" (٢/ ٥٠)، وعنه أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ٢٥٢) عن حذيفة بن اليمان ﵄ مرفوعاً.
وعلة الحديث: عبد الله بن أبي جعفر الرازي وأبيه فإنهما ضعيفان والأب أشد ضعفاً من الابن.
وقد ضعَّف هذا الحديث:
(١) الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٨٧).
(٢) السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (٢/ ٢٦٧).
(٣) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ٦٩).
(٤) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٨١) رقم (٦٠).
(٥) المعلمي في تحقيق "الفوائد المجموعة" (ص: ٨١).
(٦) الألباني في "الضعيفة" (٣١٢) و"ضعيف الجامع" (٥٤٢٩).
(٧) شيخنا الوادعي في "تعليقه على المستدرك" (٤/ ٤٥٩).
والحديث ذكره: السخاوي في "المقاصد الحسنة" رقم (١١٨٢)، وابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٧٤)، والعجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٣٦٨)
стр. 644
رقم (٢٦١٧)، والصالحي في"الشذرة" (٢/ ١٩٥) رقم (١٠١٤)، والبيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٢٨٨) رقم (١٤٩٩).
والحديث جاء من عدة طرق لا يصح منها شيء، من ذلك: (من أصبح وهمه غير الله فليس من الله، ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين فليس منهم) رواه الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٤٥٩) رقم (٧٩٧٠) عن ابن مسعود ﵁ والبيهقي في "الشعب" (٧/ ٣٦١) رقم (١٠٥٨٦) عن أنس ﵁.
قلت: وهذا اللفظ ضعيف أيضاً، ضعَّفه:
(١) البيهقي في "الشعب" (٧/ ٣٦١).
(٢) ابن الجوزي. كما نقل عنه المناوي.
(٣) الذهبي في "تلخيص المستدرك" (٤/ ٤٥٩).
(٤) المناوي في "فيض القدير" (٦/ ٨٧) رقم (٨٤٥٣).
(٥) الألباني في "الضعيفة" (٣٠٩) و (٣١٠) و (٣١١) و (٣١٢).
التعليق:
تبين لك أخي الكريم المنصف أن هذا الحديث قد جاء من طرق لايصح منها شيء كما رأيت حُكم الأئمة من علماء هذا الشأن عليها، وعلى هذا فلا يصح نسبته إلى رسول الله ﷺ ، ولكن معناه صحيح، والشريعة تدعو للاهتمام بأمرالمسلمين وقد قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
стр. 645
إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ ﴿الحجرات: ١٠﴾ وقال تعالى ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ﴿الفتح: ٢٩﴾.
وثبت عنه ﷺ أنه قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) متفق عليه عن أبي موسى ﵁.
وقال ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) رواه مسلم عن النعمان بن بشير.
وقال ﷺ : (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه .. ) متفق عليه عن ابن عمر ﵄.
وقال ﷺ : (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) رواه البخاري عن أنس ﵁.
وقال ﷺ : (أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله) رواه الطبراني وغيره عن ابن عباس ﵄ وغيره وصححه الألباني.
وقال ﷺ : (أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد -يعني مسجد المدينة- شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كضم غيظاً ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضاً
стр. 646
يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل) (١).
قال العلامة ابن القيم (٢) ﵀: المواساة للمؤمنين أنواع:
(١) مواساة بالمال.
(٢) ومواساة بالجاه.
(٣) ومواساة بالبدن والخدمة.
(٤) ومواساة بالنصيحة والإرشاد.
(٥) ومواساة بالدعاء والاستغفار لهم.
(٦) ومواساة بالتوجع لهم، وعلى قدر الإيمان تكون هذه المواساة، فكلما ضعف الإيمان ضعفت المواساة، وكلما قوي قويت، وكان ﷺ أعظم الناس مواساة لأصحابه بذلك كله، فلأتباعه من المواساة بحسب اتباعهم له.
стр. 647
(١٦٧) حديث: (من مات فقد قامت قيامته) .
(ضعيف) …
قال الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء": رواه ابن أبي الدنيا في كتابه "الموت" من حديث أنس ﵁ بسند ضعيف.
ومن حديثه رواه العسكري والديلمي كما في "المقاصد الحسنة" (١١٨٣) بلفظ: (إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته).
وضعَّف هذا الحديث:
(١) العراقي في "تخريج الإحياء" (٣٦٨٠).
(٢) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ٢١٥).
(٣) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٤٢) رقم (١٨٩).
(٤) العلامة الألباني في "الضعيفة" (٣/ ٣٠٩) رقم (١١٦٦).
(٥) شيخنا عبد المحسن العباد في " شرح سنن أبي داود".
والحديث ذكره العجلوني في"كشف الخفاء" (٢٦١٨)، والزبيدي في "إتحاف السادة المتقين" (٩/ ١١)، والصعدي في "النوافح العطرة" (ص: ٤٠٧) رقم (٢٣١١)، والصالحي في "الشذرة" (٢/ ١٩٥) رقم (١٠١٥)، والبيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٢٨٩) رقم (١٥٠١).
التعليق:
стр. 648
قلت: الحديث ضعيف كما تبين لك، لكن سمى بعض العلماء الموت
القيامة الصغرى، فكل من مات فقد قامت قيامته، وحان حينه، ففي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة قالت: (كان رجال من الأعراب جفاة يأتون النبي ﷺ فيسألونه متى الساعة، فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: إن يعش هذا، لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم).
قال ابن كثير ﵀ (١): والمراد انخرام قرنهم، ودخولهم في عالم الآخرة، فإن من مات فقد دخل في حكم الآخرة، وبعض الناس يقول: من مات فقد قامت قيامته، وهذا الكلام بهذا المعنى صحيح، وقد يقول هذا بعض الملاحدة، ويشيرون به إلى شيء آخر من الباطل، فأمّا الساعة العظمى، وهي وقت اجتماع الأولين والآخرين في صعيد واحد، فهذا ما استأثر الله بعلم وقته. اهـ.
وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: يقولون: القيامة وإنما قيامة الرجل موته، وكذلك قال علقمة وسعيد بن جبير عن ميت أما هذا فقد قامت قيامته، أي صار الى الجنة أو النار (٢).
стр. 649
قال ابن القيم-﵀ في كلامه عن سورة (ق): ثم أخبر سبحانه عن القيامة الصغرى وهي سكرة الموت بقوله ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾ ﴿ق: ١٩﴾.
وأنها تجيء بالحق وهو لقاؤه سبحانه والقدوم عليه وعرض الروح عليه، والثواب والعقاب الذي عجل لها قبل القيامة الكبرى (١).
وقال شيخنا العلامة ابن عثيمين (٢) ﵀: القيامة (صغرى) كالموت فكل من مات فقد قامت قيامته.
و (كبرى) وهي قيام الناس بعد البعث للحساب والجزاء، وسميت بذلك لقيام الناس فيها وقيام العدل وقيام الأشهاد.
стр. 650
(١٦٨) حديث: (من مسح على رأس يتيم لم يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة تمر عليها يده حسنات) .
(ضعيف)
رواه أحمد في "المسند" (٢٢٢١٥) و (٢٢٣٤٧)، والطبراني في "الأوسط" (٤/ ١٢١) رقم (٣١٩٠) عن أبي أمامة ﵁.
وفي سنده: علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف. "التقريب" (٤٨٥٠).
وقد ضعَّف هذا الحديث:
(١) العراقي. "الإحياء وبذيله المغني " (٢/ ٢٩٢) و"إتحاف السادة " (٦/ ٢٩١).
(٢) الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ١٦٠).
(٣) الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١١/ ١٥٥).
(٤) العيني في "عمدة القاري" (٢٢/ ٤٧٥).
(٥) الألباني في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٩٦٢) رقم (١٥١٣).
(٦) الأرنؤوط في تحقيق "المسند" (٢٢١٥٣) و (٢٢٢٨٤).
التعليق:
قلت: هذا الحديث ضعيف كما تبين لك من كلام الأئمة الحفاظ، وهناك أحاديث صحيحة في كفالة اليتيم، ورحمته والعطف عليه منها:
стр. 651
حديث: (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة … ) رواه البخاري عن سهل ﵁.
وعن أبي الدراداء ﵁ قال: أتى النبي ﷺ رجل يشكو قسوة قلبه قال: (أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه وأطعمه من طعامك يلن قلبك، وتدرك حاجتك) (١).
وجاء عند أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً شكا إلى رسول الله ﷺ قسوة قلبه فقال: (امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين) (٢).
стр. 652
(١٦٩) حديث: (من نام بعد العصر فاختلس عقله فلا يلومن إلا نفسه) .
(ضعيف) …
أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٥/ ٢٣٩ - ٢٤٠).
وفيه ابن لهيعة: وهو ضعيف.
ورواه أبو يعلى (٤/ ٤٤١) رقم (٤٨٩٧) عن عائشة ﵂.
وفي سنده: عمرو بن الحصين وهو متروك.
قال الخطيب وغيره: عمرو بن الحصين هذا كذَّاب.
"تهذيب التهذيب" (٨/ ٥٢٠٢) و ٩/ ٢٣٤)
ورواه ابن حبان في "المجروحين" (١/ ٢٨٣) ومن طريقه ابن الجوزي في "الموضوعات".
وفيه: خالد بن القاسم وهو كذَّاب، قاله ابن راهويه والسعدي.
وقال البخاري والنسائي: متروك.
"الموضوعات" لابن الجوزي (٣/ ٢٥٢) رقم (١٤٨٠).
ورواه الطحاوي في "مشكل الآثار" (٣/ ٩٩) رقم (١٠٧٣).
стр. 653
وفيه انقطاع.
وقد ضعَّف هذا الحديث جمع من أهل العلم، منهم:
(١) الذهبي في "تلخيص الموضوعات" (ص: ٢٧٢) رقم (٧٢٥).
(٢) الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١/ ٢١).
(٣) الهيثمي في "المجمع" (٥/ ١١٦).
(٤) السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (٢/ ٢٣٦) و"الجامع الصغير". …
(٥) المناوي في "فيض القدير" (٦/ ٢٩٩).
(٦) ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (٢/ ٢٩٠).
(٧) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ١٦٧).
(٨) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ١٩٧).
(٩) المعلمي في تعليقه على "الفوائد المجموعة" (ص: ١٩٧).
(١٠) الألباني في "الضعيفة" (٣٩) و"ضعيف الجامع" (٥٨٦١).
(١١) الأرنؤوط في تحقيق "مشكل الأثار" (٣/ ٩٩ - ١٠٠).
التعليق:
قال ابن القيم ﵀: قيل أن نوم النهار ثلاثة: خُلقٌ وخُرقٌ وحُمقٌ.
فالخلق: نومة الهاجرة، وهي خلق رسول الله ﷺ .
والخرق: نومة الضحى، تشغل عن أمر الدنيا والآخرة.
والحمق: نومة العصر.
стр. 654
قال بعض السلف: من نام بعد العصر فاختُلس عقله فلا يلومن إلا نفسه.
قال الشاعر:
ألا إن نومات الضحى تورث الفتى … خبالاً ونومات العصير جُنونُ
ونوم الصبحة يمنع الرزق، لأن ذلك وقت تطلب فيه الخليقة أرزاقها وهو وقت قسمة الأرزاق، فنومه حرمان إلا لعارض أو ضرورة، وهو مضر جداً بالبدن لإرخائه البدن، وإفساده للفضلات التي ينبغي تحليلها بالرياضة، فيحدث تكسراً وعياً وضعفاً (١). اهـ.
قلت: ومن أهل العلم من يرى غير هذا، فقد قيل لليث بن سعد: يا أبا الحارث تنام بعد العصر وقد حدثنا ابن لهيعة عن عقيل عن مكحول عن النبي ﷺ : (من نام بعد العصر فاختلس عقله فلا يلومن إلا نفسه؟)
فقال: أدع ما ينفعني بحديث ابن لهيعة عن عقيل.
قال العلامة الألباني (٢) ﵀: ولقد أعجبني جواب الليث هذا فإنه يدل على فقه وعلم، ولا عجب فهو من أئمة المسلمين والفقهاء المعروفين، وإني لأعلم أن كثيراً من مشايخ اليوم يمتنعون من النوم بعد العصر ولو كانوا بحاجة إليه، فإذا قيل له الحديث فيه ضعيف أجابك على الفور يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، فتأمل الفرق بين فقه السلف وعلم الخلف.
стр. 655
(١٧٠) حديث: (من ولد له مولود، فأذَّن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى، لم تضره أم الصبيان) .
(ضعيف)
أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٦/ ١٨٠) رقم (٦٧٤٧)، وابن السني في"عمل اليوم والليلة" (ص: ٢٢٠) رقم (٦٢٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٦/ ٣٩٠) رقم (٨٦١٩)، وابن عدي في "الكامل" (٩/ ٢٤) عن الحسين ابن علي ﵄.
والحديث في سنده:
(١) جُبارة بن المغلس، وهو ضعيف. "التقريب" (٨٩٨).
(٢) يحيى بن العلاء الرازي، رمي بالوضع. "التقريب" (٧٦٦٨).
(٣) مروان بن سالم الغفاري، متروك. "التقريب" (٦٦١٤).
وقد ضعَّف هذا الحديث جمع من أهل العلم، منهم:
(١) البيهقي في "الشعب" (٦/ ٣٩٠).
(٢) ابن عدي في "الكامل" (٩/ ٢٤).
(٣) الحافظ العراقي. "الإحياء وبذيله المغني" (٢/ ٧٧).
(٤) الهيثمي في "مجمع الزوئد" (٤/ ٥٩).
(٥) أشار إلى تضعيفه شيخ الإسلام في "الكلم الطيب" (ص: ٦١).
стр. 656
(٦) ابن القيم في "تحفة المودود" (ص: ٢٢).
(٧) الحافظ في "التلخيص الحبير" (٤/ ١٤٩).
(٨) المناوي في "فيض القدير" (٦/ ٣٠٩).
(٩) العظيم آبادي في "عون المعبود" (١٤/ ٧ - ٨).
(١٠) العلامة الألباني في "الإرواء" (١١٧٤)، و"الضعيفة" (٣٢١) و (٦١٢١) قال: موضوع (١).
(١١) شيخنا الوادعي.
التعليق:
قلت: إن كان الأذان والإقامة في أذن المولود ضعيفاً، فهناك سنن ثبتت في السُّنَّة في حق المولود ينبغي الاهتمام بها منها:
• تحنيك المولود يوم ولادته.
• العقيقة عنه يوم سابعه.
• حلق رأس المولود والتصدق بزنة شعره.
• ختان المولود.
• تسمية المولود التسمية الحسنة.
стр. 657
(١٧١) حديث: (من لا يستحي من الناس لا يستحي من الله) .
(موضوع)
رواه الطبراني في "الأوسط" (٨/ ٧٨) رقم (٧١٥٥) عن أنس ﵁.
وفي سنده: عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمرو الغفاري أبو محمد المدني، وهو متروك.
قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٥/ ١٢٣) رقم (٣٣٠٨): متروك نسبه ابن حبان إلى الوضع.
وقال الحاكم: يروي عن جماعة من الضعفاء أحاديث موضوعة.
قال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢٧): فيه جماعة لم أعرفهم.
وقال الألباني في "الضعيفة" (٨/ ٢٩٤) رقم (٣٨٣٢): موضوع.
التعليق:
قلت: والحديث معناه صحيح، فالحياء خلق كريم وخير للفرد والمجتمع لما يحمل عليه من فعل الحسن وترك القبيح، والمراد من الحياء الذي مدحه الشرع الحياء الشرعي، وأما الحياء الذي ينشؤ عنه الإخلال بالحقوق والخوف من مواجهة من يرتكب المنكرات فليس حياءً شرعياً بل عجز
стр. 658
ومهانة وخور، وإن سُمي حياء لمشابهته للحياء الشرعي في الصورة الخارجية، ونبينا الكريم ﷺ حث على الحياء ورغب فيه حيث قال: (الحياء لا يأتي إلا بخير) متفق عليه عن عمران بن حصين ﵄.
وفي رواية لمسلم: (الحياء خيرٌ كله - أو قال - الحياء كله خير).
وقال ﷺ : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت) رواه البخاري عن أبي مسعود ﵁.
وقال ﷺ : (أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي من الرجل الصالح من قومك) (١).
قال ابن حبان (٢): الواجب على العاقل أن يعودّ نفسه لزوم الحياء من الناس، وإن من أعظم بركته تعويدَ النفس ركوبَ الخصالِ المحمودة ومجانبتَها الخلالَ المذمومة، كما أنَّ من أعظم بركة الحياء من الله الفوز من النار بلزوم الحياء عند مجانبة ما نهى الله عنه؛ لأن ابن آدم مطبوع على الكرم واللؤم معاً في المعاملة بينه وبين الله والعشرةَ بينه وبين المخلوقين، وإذا قوى حياؤه قوى كرمه، وضعف لؤمه، وإذا ضعف حياؤه قوى لؤمه وضعف كرمه، ولقد أنشدني عليّ بن محمد البسامي:
стр. 659
إذا رُزق الفتى وَجْهاً وَقَاحاً … تقلّب في الأمور كما يشاءُ
ولم يك للدواء ولا لشيء … يعالجه به فيه غَنَاء
فما لك في متابعة الذي لا … حياء لوجهه إلا العناء
قال أبو حاتم: إن المرء إذا أشتد حياؤه صان عِرضه، ودفن مساويَه، ونشر محاسنه، ومن ذهب حياؤه ذهب سروره، ومن ذهب سروره هان على الناس ومُقِتَ، ومن مُقِت أوذي، ومن أوذي حزن، ومن حزن فقد عقله، ومن أصيب في عقله كان أكثرُ قوله عليه لا له، ولا دواء لمن لا حياء له، ولا حياء لمن لا وفاء له، ولا وفاء لمن لا إخاء له، ومن قل حياؤه صنع ما شاء وقال ما أحب. اهـ.
وقال العلامة ابن القيم (١) ﵀: وخلق الحياء من أفضل الأخلاق، وأجلها وأعظمها قدراً وأكثرها نفعاً، بل هو خاصة الإنسانية، فمن لا حياء فيه ليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم وصورتهما الظاهرة، كما أنه ليس معه من الخير شيء، ولولا هذا الخلق لم يُقر الضيف، ولم يُوف بالوعد، ولم تُؤد أمانة، ولم يقض لأحد حاجة، ولا تَحرَّى الرجل الجميل فآثره، والقبيح فتجنبه، ولا ستر له عورة، ولا امتنع من فاحشة، وكثير من الناس لولا الحياء الذي فيه لم يؤد شيئاً من الأمور المفترضة عليه، ولم يرعَ لمخلوق حقاً، ولم يصل له رحماً، ولا بر له والداً، فإن الباعث على هذه
стр. 660
الأفعال إما ديني وهو رجاء عاقبتها الحميدة، وإما دنيوي علوي وهو حياء فاعلها من الخلق، فقد تبين أنه لولا الحياء إما من الخالق، أو من الخلائق لم يفعلها صاحبها.
ثم قال ﵀: إن للإنسان آمرين وزاجرين، آمر وزاجر من جهة الحياء، فإذا أطاعه امتنع من فعل كل ما يشتهي، وله آمر وزاجر من جهة الهوى والطبيعة، فمن لم يطع آمر الحياء وزاجره أطاع آمر الهوى والشهوة ولا بد. اهـ. بتصرف.
стр. 661
(١٧٢) حديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه) .
(ضعيف) …
أخرجه ابن ماجه (٥٢٧) والدارقطني (١/ ٢٩) والبيهقي (١/ ٢٥٩ - ٢٦٠) عن أبي أمامة الباهلي وثوبان ﵄.
وفي سنده: رشدين بن سعد وهو ضعيف.
وقد اتفق المحدثون على ضعف هذا الحديث، منهم:
(١) الشافعي في "الأم" (١/ ٥١).
(٢) الدارقطني في "السنن" (١/ ٢٩).
(٣) الزيلعي في "نصب الراية" (١/ ٩٤ - ٩٥) رقم (٣٩٨ - ٣٩٩).
(٤) البوصيري في "مصباح الزجاجة" (١/ ١٣١).
(٥) الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٢١٤).
(٦) ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١/ ١٤ - ١٦) رقم (٣).
(٧) الصنعاني في "سبل السلام" (١/ ٤٣ - ٤٤).
(٨) الحافظ أبو محمد الجزائري في "تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني" (ص: ٣٤).
стр. 662
(٩) العلامة الألباني في "الضعيفة" (٢٦٤٤)(١).
التعليق:
قلت: نعم هذا الحديث ضعيف كما هو موضح، وقد اتفق الأئمة على تضعيفه والمراد بالتضعيف رواية الاستثناء، لا أصل الحديث فإن الشطر الأول من الحديث صحيح (الماء طهور لا ينجسه شيء) ولكن الزيادة هي الضعيفة (إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه)، وقد أجمع العلماء على القول بحكمها.
قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له طعماً أو لوناً أو ريحاً فهو نجس.
فالإجماع هو الدليل على نجاسة ما تغير أحد أوصافه الثلاثة، لا هذه الزيادة الضعيفة في الحديث.
قال في البدر المنير: فتلخص أن الاستثناء المذكور ضعيف فتعين الاحتجاج بالإجماع كما قال الشافعي والبيهقي وغيرهما (٢).
стр. 663
(١٧٣) حديث: (المسلمون إخوة لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى) .
(موضوع) …
رواه الطبراني في "الكبير" (٤/ ٢٥) عن حبيب بن خراش العصري.
وفي سنده: عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة وهو متروك.
قال الذهبي: كذَّاب.
وقال أبو حاتم: كان يكذب فضرب على حديثه.
وقال الدارقطني: متروك يضع الحديث. "ميزان الإعتدال" رقم (٤٩٢٨).
وقد حكم ببطلان هذا الحديث:
(١) الحافظ في "الإصابة" (٢/ ١٦) رقم (١٥٨٢).
(٢) الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٨٤).
(٣) الألباني في "الضعيفة" (٤٦٧٧).
التعليق:
قلت: هذا الحديث ضعيف لكن معناه صحيح يقول الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ﴿الحجرات: ١٣﴾.
стр. 664
ويقول ﷺ : (المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يخذله ولا يكذبه كل المسلم على المسلم حرام عرضه وماله ودمه … ) (١).
وقال ﷺ : (انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى) (٢).
وقال ﷺ : (يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى أبلغت … ) (٣).
стр. 665
(١٧٤) حديث: (المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء) .
(لا أصل له)
لقد اشتهرت هذه المقولة على ألسِنة كثير من الناس على أنها حديث نبوي شريف، وليست كذلك بل هي من كلام بعض الأطباء كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀ وغيره من أهل العلم.
وقد جاء بألفاظ أخرى مرفوعة لا يصح منها شيء، كما ذكر ذلك أهل الاختصاص بهذا الفن:
(١) ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٩١) رقم (١٣٠٠).
(٢) ابن القيم في "زاد المعاد" (٤/ ١٠٤ - ١٠٥).
(٣) الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٥/ ٨٦).
(٤) العقيلي. كما نقل عنه الحافظ في "لسان الميزان".
(٥) الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" (١/ ١٣٩) رقم (٨٨).
(٦) الحافظ العراقي. "الإحياء وبذيله المغني" (٣/ ١١٧).
(٧) السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٤٥٥) رقم (١٠٣٥).
(٨) السيوطي في "الدرر المنتثرة" (ص: ١٦٨) رقم (٣٧٢).
(٩) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٥٦).
стр. 666
(١٠) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٢٧٩) رقم (٢٣٢٠).
(١١) العامري في "الجد الحثيث" (ص: ٢١٣) رقم (٤٦٢).
(١٢) القاري في "المصنوع" (ص: ١٧٢) رقم (٣٠٦).
(١٣) الصعدي في "النوافح العطرة" (ص: ٣٣٧) رقم (١٩٠٢).
(١٤) الصالحي في "الشذرة" (٢/ ١٣٦) رقم (٨٨٧).
(١٥) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٣٠٣) رقم (١٥٨٨).
(١٦) السمهودي في "الغماز على اللماز" (ص: ٢٠٥) رقم (٢٦٠).
(١٧) الأزهري في "تحذير المسلمين" (ص: ١٦٧) رقم (٦١٧).
(١٨) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٣٨) رقم (١٦٢).
(١٩) الألباني في "الضعيفة" (٤/ ١٨٧) رقم (١٦٩٢).
(٢٠) شيخنا ابن عثيمين في "شرح نزهة النظر" (ص: ٥١).
التعليق:
قلت: لكن أجمع أهل الطب على صحة معنى هذا الحديث، وإن كان لا يصح رفعه إلى النبي ﷺ .
قال ابن القيم (١) ﵀: المعدة عضو عصبي مجوف كالقَرْعَة في شكلها، مركب من ثلاث طبقات، مؤلفة من شظايا دقيقة عصبية تسمى الليف، ويحيط بها لحم وليف، إحدى الطبقات بالطول والأخرى بالعرض
стр. 667
والثالثة بالورب، وفم المعدة أكثر عصباً وقعرها أكثر لحماً، وفي باطنها خمل، وهي محصورة في وسط البطن وأميل إلى الجانب الأيمن قليلاً، خلقت على هذه الصفة لحكمة لطيفة من الخالق الحكيم سبحانه، وهي بيت الداء، وكانت محلاً للهضم الأول، وفيها ينضج الغذاء وينحدر منها بعد ذلك إلى الكبد والأمعاء، ويتخلف منه فيها فضلات قد عجزت القوة الهاضمة عن تمام هضمها، إما لكثرة الغذاء أو لرداءته أو لسوء ترتيب في استعماله أو لمجموع ذلك، وهذه الأشياء بعضها مما لا يتخلص الإنسان منه غالباً، فتكون المعدة بيت الداء، لذلك وكأنه يشير بذلك إلى الحث على تقليل الغذاء ومنع النفس من اتباع الشهوات، والتحرز عن الفضلات، وأما العادة فلأنها كالطبيعة للإنسان، ولذلك يقال العادة طبع ثان، وهي قوة عظيمة في البدن، حتى إن أمراً واحداً إذا قيس إلى أبدان مختلفة العادات كان مختلف النسبة إليها، وإن كانت تلك الأبدان متفقة في الوجوه الأخرى، مثال ذلك أبدان ثلاثة حارة المزاج في سن الشباب، أحدها عُوِّد تناول الأشياء الحارة، والثاني عوِّد تناول الأشياء الباردة، والثالث عوِّد تناول الأشياء المتوسطة، فإن الأول متى تناول عسلاً لم يضر به، والثاني متى تناوله أضر به، والثالث يضر به قليلاً، فالعادة ركن عظيم في حفظ الصحة ومعالجة الأمراض، ولذلك جاء العلاج النبوي بإجراء كل بدن على عادته في استعمال الأغذية والأدوية وغير ذلك.
стр. 668
(١٧٥) حديث: (المؤمن إذا قال صَدَق وإذا قيل له صَدَّق) .
(ليس بحديث)
لقد اشتهر هذا الكلام في أوساط الناس شهرة عظيمة حتى ظنه البعض أنه من كلام رسول الله ﷺ ، وليس كذلك كما ذكر ذلك علماء هذا الشأن الذين صنَّفوا في الأحاديث المشتهرة على ألسِنة الناس، منهم:
(١) الحافظ السخاوي في "المقاصد الحسنة" (١٢١٩).
(٢) ابن الديبع في "التمييز" (ص: ١٨٠).
(٣) العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ٣٨٥) رقم (٢٦٧٤).
(٤) القاري في "المصنوع" (٢٦٠).
(٥) العامري في "الجد الحثيث" (ص: ٢٤٠) رقم (٥٥٥).
(٦) البيروتي في "أسنى المطالب" (ص: ٢٩٦) رقم (١٥٤٥).
(٧) الصالحي في "الشذرة" (٢/ ٢٠٩) رقم (١٠٤٦).
(٨) الصعدي في "النوافح العطرة" (ص: ٤١٦) رقم (٢٣٦٢).
(٩) السمهودي في "الغماز على اللماز" (٢٦٩).
(١٠) الأزهري في "تحذير المسلمين" (ص: ١٧١) رقم (٦٤٢).
стр. 669
التعليق:
قلت: تبين لك أخي الكريم أن هذا الحديث ليس بثابت عن رسول الله ﷺ ، وفي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما يغني عنه.
لكن الشطر الأول من الحديث معناه صحيح، (أن المؤمن إذا قال صدق)، وأما الشطر الثاني من الحديث فمعناه غير صحيح، وهو (أن المؤمن إذا قيل له صدّق) فهذا ليس على إطلاقه ولا يقول به عاقل.
قال الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ﴿الحجرات: ٦﴾ ما قال: صدقوا.
قال العلامة السعدي (١) ﵀: فالمُخبر إما أن يكون:
(١) صادقاً فيقبل خبره.
(٢) أو كاذباً فيرد خبره.
(٣) أو فاسقاً فيتوقف فيه. اهـ.
لكن قد يقول قائل: فهذا عيسى بن مريم ﵊ رأى رجلاً يسرق فقال: له أسرقت؟ قال: كلا والذي لا إله إلا هو.
فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني. رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة ﵁.
стр. 670
فقد صدَّق الرجل وهو كذَّاب؟
فالجواب: ما نقله الحافظ ابن حجر (١) عن ابن القيم أنه قال: والحق أن الله كان في قلبه أجلَّ من أن يحلف به أحدهما كاذباً، فدار الأمر بين تهمة الحالف وتهمة بصره، فرد التهمة إلى بصره، كما ظن آدم صِدْق إبليس لما حلف له أنه ناصح.
وقال القرطبي ﵀: ظاهر قول عيسى له سرقت أنه خبر عما فعل من السرقة، وكأنه حقق السرقة عليه لكونه رآه أخذ مالاً لغيره، ويحتمل أنه استفهام حذفت همزته وحذفها قليل، وقول الرجل: كلا أي لا، نفي ثم أكده باليمين، وقول عيسى: آمنت بالله وكذبت نفسي، أي صدَّقتُ من حلف وكذَّبتُ ما ظهر من ظاهر السرقة، فيحتمل أن يكون أخذ ماله فيه من حق، أو يكون لصاحبه إذن، أو أخذه لتغلبه (٢).