مقدمة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللهم لك الحمد، أقمت الدليل، فأنرت السبيل، وأرسلت المرسلين، مبشرين ومنذرين، وقلت وقولك الحق: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ .
وهذه أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، جمعت فيها بين مذهب الإمام أبي حنيفة وما عليه العمل الآن بالمحاكم الشرعية المصرية من المذاهب الأخرى، وراعيت قدر استطاعتي أن أبسط عبارة الحكم وأقرنه بدليله وحكمة تشريعه، وأذكر مواد القوانين الموضوعية التي أخذت من المذاهب الأخرى والأسباب الباعثة على الأخذ بها، وما صدر بشأنها من المنشورات والمذكرات الإيضاحية.
وإني أعترف بالفضل للسابقين، وأسأل الله أن يجزيهم خير الجزاء، ويوفقني إلى ما أبتغيه من خدمة الفقه الإسلامي ونفع طالبيه،
عبد الوهاب خلاف
رجب سنة ١٣٥٥هـ "أكتوبر سنة ١٩٣٦م"
стр. 2
الموضوعات:
الزواج:
تعريفه، حكمة تشريعه ١٣
مقدمات الزواج:
الخطبة، ما يباح فيها١٦, من تباح خطبتها١٨, فسخ الخطبة وما يترتب عليه ٢٠.
أركان الزواج:
الإيجاب والقبول وما يشترط فيهما٢١
شروط الزواج:
شروط انعقاده أربعة ٢٣, شروط صحته اثنان ٢٥, شروط نفاذه اثنان ٢٧, شروط لزومه واحد ٢٨, شروط سماع الدعوى به اثنان ٢٩, شروط تسجيله في الوثيقة الرسمية واحد ٣٢.
صيغة الزواج:
تنجيزها وتعليقها وإضافتها إلى زمن مستقبل واقترانها بشرط ٣٦.
حكم الزواج:
إما فرض أو واجب أو سنة أو حرام أو مكروه ٣٨, حكم الزواج الباطل، حكم الزواج الفاسد ٣٩, حكم الزواج الموقوف، حكم الزواج الصحيح النافذ ٤٢.
المحرمات من النساء:
حكم تحريمهن ٤٤, المحرمات تحريما مؤبدا: بسبب النسب، بسبب المصاهرة ٤٦, بسبب الرضاع ٤٨, المحرمات تحريما مؤقتا: زوجة الغير ومعتدته ٥١, المحرم على المحرم ٥٢, الخامسة لمن في عصمته أربع ٥٣, المطلقة ثلاثا، من لا تدين بدين سماوي ٥٥, الأمة على الحرة ٥٧.
стр. 3
الولاية على الزواج:
من تثبت عليه ولاية التزويج، من تثبت له ولاية التزويج ٥٨, ترتيب الأولياء في حق التزويج ٥٩, شروط الولي، غيبة الولي وعضله ٦١, أحكام تزويج الأولياء ٦٢, أحكام تزوج الكبير أو الكبيرة بنفسه ٦٤.
الوكالة بالزواج:
من له حق التوكيل وسلطة الوكيل في إنابة غيره عنه ومهمته ٦٦, متى ينفذ تزويج الوكيل على موكله ومتى لا ينفذ ٦٧, متى ينفذ تزويج الوكيل على موكلته ومتى لا نيفذ ٦٨.
الكفاءة في الزواج:
التكافؤ للزواج معتبر في أمور ستة ٧٠, من له الحق في الكفاءة ٧٢, فيمن تعتبر الكفاءة ومتى تعتبر٧٤.
حقوق الزوجة على زوجها:
١- المهر: تعريفه وسبب وجوبه ودليل وجوبه ٧٦, أقل المهر شرعا وما يصح أن يكون مهرا ٧٧, من له الحق في المهر ٧٨, متى يكون المهر الواجب عشرة دراهم فقط ٧٩, متى يكون المهر الواجب مهر المثل ٨٠, متى يكون المهر الواجب هو المسمى في العقد، متى يكون المهر الواجب أقل هذين المهرين ٨١, زيادة المهر بعد العقد والحط منه ٨٢, متى يجب للزوجة مهرها بتمامه ٨٣, متى يجب للزوجة نصف مهرها ٨٦, متى يجب للزوجة المتعة ٨٩, متى لا يجب للزوجة شيء من المهر، اقتران المهر بشرط ٩٠, قبض المهر وحق التصرف فيه ٩٣, ضمان المهر ٩٥, هلاك المهر واستهلاكه واستحقاقه ٩٧, قضايا المهر ٩٨, الجهاز وأثاث البيت ١٠٢, قضايا الجهاز والأثاث١٠٤.
٢- نفقة الزوجية: تعريفها ودليل وجوبها وسبب استحقاقها ١٠٦, شروط استحقاقها ومن تستحقها ومن لا تستحقها ١٠٧, تقدير النفقة وأساس تقديرها ١١١, نفقة زوجة الغائب ١١٤, متى تكون نفقة الزوجة دينا على زوجها ١١٦.
٣- عدم الإضرار بالزوجة: دليله وما يترتب على الإضرار ١٢٠.
٤- العدل بين الزوجات: دليله والمراد به شرعا ١٢١.
стр. 4
حقوق الزوج على زوجته:
١- الطاعة: دليلها والمراد منها شرعا ١٢٢.
٢- ولاية التأديب: دليلها وحدودها شرعا ١٢٣.
الحقوق المشتركة بين الزوجين:
حسن المعاشرة وحرمة المصاهرة والتوارث وملك المتعة ١٢٣.
زواج المسلم بالكتابيات:
حكمه والفروق بينه وبين زواجه بالمسلمة ونظام عقده في مصر ١٢٤.
زواج غير المسلمين بعضهم ببعض:
حكمه ومتى يتعرض لهم فيه ومتى لا يتعرض ١٢٧.
الطلاق:
تعريفه ١٣١, حكمة تشريعه ١٣٢, لم استقل به الزوج دون الزوجة ولم شرع ثلاثا ١٣٣, من يقع منه الطلاق ١٣٤, من يقع عليها الطلاق ١٣٦, ما يقع به الطلاق ١٣٨, عدد الطلقات١٣٩.
صيغة الطلاق:
إما منجزة أو معلقة أو مضافة إلى زمن مستقبل أو يمين ١٤١.
أنواع الطلاق:
إما رجعي أو بائن بينونة صغرى أو بائن بينونة كبرى ١٤٣.
حكم الطلاق:
الأصل فيه الحظر وقد يكون واجبا ومندوبا وسنيا وبدعيا ١٤٦, الطلاق الرجعي وحكمه ١٤٨, الطلاق البائن بينونة صغرى وحكمه ١٥٠, الطلاق البائن بينونة كبرى وحكمه ١٥١. طلاق المريض مرض الموت:
تعريف مرض الموت وحكم الطلاق الواقع فيه ١٥٢.
стр. 5
تفويض الطلاق إلى الزوجة:
تكييف التفويض وصيغته وأحوالها ١٥٤.
الخلع:
تعريفه. شرطه. صفته. بدله. صيغته. حكمه ١٥٧.
الطلاق الذي يوقعه القاضي بناء على طلب الزوجة:
١- لعدم الانفاق ١٦٥.
٢- للعيب ١٦٨.
٣- للضرر ١٧٠.
٤- لغيبة الزوج سنة فأكثر بغير عذر ١٧١.
٥- لحبس الزوج ثلاث سنوات فأكثر ١٧٢.
فسخ الزواج:
الفرق بين الطلاق والفسخ، متى يتوقف الفسخ على القضاء١٧٢.
العدة:
تعريفها وسبب وجوبها ١٧٤, حكمة تشريعها ١٧٦, أنواعها: العدة بالقروء ١٧٦, العدة بالأشهر، العدة بوضع الحمل ١٧٧, تحول العدة من نوع إلى نوع ١٧٨, مبدأ العدة ١٨٠, واجب المعتدة ١٨١, نفقة المعتدة وشرط استحقاقها ومن تستحقها ومن لا تستحقها ١٨٢.
ثبوت النسب بالفراش:
المراد شرعا بالفراش ومتى تعتبر الزوجية فراشا ١٨٥, أقل مدة الحمل وثبوت النسب حال قيام الزواج الصحيح ١٨٧, ثبوت النسب حال قيام الزواج الفاسد، ثبوت النسب بعد الدخول بشبهة ١٨٩, أقصى مدة الحمل وثبوت النسب بعد الفرقة بالطلاق أو الوفاة ١٩٠, مقارنة بين مذهب أبي حنيفة وما عليه العمل بالمحاكم الشرعية المصرية في ثبوت النسب ١٩١.
ثبوت النسب بالإقرار:
الفرق بين الإقرار بالبنوة والأبوة وبين الإقرار بالأخوة والعمومة ١٩٤.
стр. 6
ثبوت النسب بالبينة:
الفرق بين الدعوى بالبنوة والأبوة والدعوى بغيرهما ١٩٧.
اللقيط:
التقاطه والولاية عليه والفرق بينه وبين الدعي ٢٠٠.
الرضاعة:
الرضاعة المحرمة للزواج ٢٠٢, الرضاعة الواجبة للطفل. متى تجب على أمه ٢٠٤, أجرة الرضاعة متى تستحق للأم ولغيرها ٢٠٥, إذا وجدت متبرعة بالرضاعة ٢٠٦.
الحضانة:
تعريفها ومستحقوها وترتيبهم ٢٠٧, شروط الحاضنة ٢٠٨, مدة الحضانة، أجرة الحضانة ومن تستحقها ومتى تستحق ٢١٠, الحضانة فيها حق للصغير والحاضنة ٢١١, التبرع بالحضانة ومقارنته بالتبرع بالرضاعة ٢١٢, سفر الحاضنة بالولد ٢١٣, بعد انتهاء مدة الحضانة ٢١٤.
نفقات الأقارب:
النفقة الواجبة للفرع على أصله في وجود الأب ٢١٧, النفقة الواجبة للفرع على أصله في عدم وجود الأب ٢٢١, النفقة الواجبة للأصل على فرعه ٢٢٢, نفقات ذوي الأرحام بعضهم على بعض ٢٢٤, تقسيم ابن عابدين لمن تجب عليهم النفقة ٢٢٥, زوجة المستحق للنفقة ٢٢٨.
مقارنة بين أنواع النفقات:
من جهة سبب الوجوب ٢٢٩, من جهة حكمة الإيجاب ٢٣٠, من جهة الشرط فيمن تجب عليه ٢٣١, من جهة صيرورتها دينا على من تجب عليه ٢٣١, من جهة الاختصاص القضائي ٢٣٢.
الحجر:
تعريفه ٢٣٤, دليله وحكمة تشريعه ٢٣٥, أسبابه ٢٣٦, أثره في الصغير غير المميز والمجنون ٢٣٧, أثره في الصغير المميز والمعتوه المميز ٢٣٨, أثره في السفيه وذي الغفلة ٢٣٨, متى يثبت الحجر ٢٣٩, الحجر على المدين ٢٤٠, رفع الحجر٢٤١.
стр. 7
الولاية على المال:
من تثبت له الولاية المالية ومن تثبت عليه، ولاية الأب ٢٤٣, ولاية وصي الأب ٢٤٥, ولاية الجد ووصيه ٢٥٠, ولاية القاضي ووصيه ٢٥١, مقارنة بين هذه الأحكام وما عليه العمل بالمجالس الحسبية المصرية ٢٥٣, محاسبة الوصي والولي ٢٥٦, أجرة الوصي٢٥٧, موت الأب أو وصيه مجهلا ٢٥٨.
المفقود:
تعريفه وإدارة شئونه والمختص بشئونه ٢٥٩, أحكامه: ما يعتبر حيا بالنسبة له وما لا يعتبر حيا ٢٦٠, متى يحكم بموته وما يترتب على هذا الحكم ٢٦١, ظهور حياته ٢٦٢.
المريض مرض الموت:
تعريف المرض وتصرفات المريض الإنشائية والإخبارية ٢٦٣, ديون الصحة وديون المرض ٢٦٦.
الهبة:
تعريفها وركنها ٢٦٧, شروطها: في الواهب ٢٦٩, في الموهوب له ٢٧٠, في صيغة الهبة ٢٧١, في الشيء الموهوب ٢٧٢, قبض الموهوب ٢٧٤, هبة المفرز المنفصل عن غيره، هبة المشاع ٢٧٥, هبة المتصل بغيره ٢٧٦, الهبة بشرط العوض ٢٧٧, حكم الهبة: موانع الرجوع فيها ٢٧٧, جهة الاختصاص بقضايا الهبة ٢٧٩.
الوصية:
تعريفها وركنها ٢٨١, شروطها: في الموصي وفي الموصى له ٢٨٣, في الموصى به ٢٨٦, نفاذ الوصية ٢٨٦, ما تنفذ فيه الوصية: الوصية بالمنفعة ٢٨٩, حكم الوصية ٢٩١, القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٠: ٢٩٣, القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩: ٢٩٦.
стр. 8
الزواج
مدخل
...
الزواج:
تعريفه:
الزواج في اللغة العربية هو الاقتران والازدواج، يقال: زوج الرجل إبله إذا قرن بعضها ببعض. ومنه قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ أي: وقرناءهم، والفعل يتعدى بنفسه وبالحرف، يقال: تزوجت فلانة وتزوجت بها، وزوجنيها وليها وزوجني بها.
وفي الشريعة الإسلامية هو عقد يفيد حل استمتاع كل واحد من الزوجين بالآخر على الوجه المشروع، ويجعل لكل منهما حقوقا قبل صاحبه وواجبات عليه.
فهو من عقود التمليك، والملك فيه وارد قصدا على متعة كل واحد من الزوجين بالآخر، ولذا عرفه بعض الفقهاء بقوله: هو عقد يرد على ملك المتعة قصدا.
وهو من عقود التمليك التي يترتب عليها أثرها في الحال غير محدود بزمن، ولذا لا يقبل إضافته إلى زمن مستقبل ولا توقيته بوقت ما طويل أو قصير.
فمتى تحققت أركان العقد وتوافرت شرائطه الشرعية حل استمتاع كل واحد من الزوجين بالآخر بعد ما كان حراما عليهما، واستحقت الزوجة على زوجها المهر والنفقة، والعدل بينها وبين ضرائرها إذا تعددت الزوجات. واستحق الزوج على زوجته الطاعة، وولاية التأديب المشروع، وعدم خروجها عن إذنه. واستحق كل منهما على الآخر حسن المعاشرة، وحرمة المصاهرة، والتوارث. وسنبين بالتفصيل حقوق الزوجية وواجباتها الخاصة المشتركة.
حكمة تشريعه, شرع الله الزواج وأحكامه لحِكَم عدة:
"أولها" بقاء النوع الإنساني على أكمل وجوه البقاء إلى الأجل الذي قدر الله أن ينتهي بقاء الإنسان إليه، وبيان ذلك أن مجرد بقاء النوع يتحقق بمجرد الاختلاط
стр. 9
بين ذكوره وإناثه وتوالدهما، كما بقيت أنواع الحيوانات بمجرد اجتماع ذكورها بإناثها، ولكن الله سبحانه تكريما للنوع الإنساني شرع الزواج وأحكامه نظاما لاجتماع أفراده ليكون بقاؤهم على أكمل وجوه البقاء؛ لأن موجب الزواج الشرعي الاختصاص وأن تكون الزوجة حلالا لزوجها وحده لا يملك غيره حق الاستمتاع بها، وهذا الاختصاص يجعل بقاء النوع الإنساني على أكمل وجوه البقاء من ناحيتين: إحداهما أنه يحول دون تزاحم عدة من الرجال على امرأة واحدة فيأمن الناس التظالم والتقاتل اللذين يؤدي إليهما ذاك التزاحم. والثانية أنه يحفظ الأنساب ويجعل لأولاد كل زوجة أبا معروفا يتكفل برعايتهم والمحافظة عليهم في طفولتهم وبعدها؛ حتى يبلغوا أشدهم فيأمنوا الضياع والفناء.
ففي سد الذريعة إلى التقاتل والتظالم، وفي قيام كل أب بالمحافظة على بنيه والعناية بهم، بقاء لأفراد النوع على أكمل وجوه البقاء.
ولا كذلك إذا كان الاجتماع على غير نظام الزواج الشرعي ولم يكن الاختصاص بل كان الشيوع والاشتراك فإن هذا يؤدي إلى التقاتل ولا يعرف معه نسب لمولود فينشأ الطفل لا يعرف له أب يدفع عنه غوائل الهلاك في طفولته ويرعاه فيما بعد ذلك حتى يبلغ أشده, فإن نجا من الفناء بقي بقاء الهمل.
فالتناسل، وتوزيع مسئولية المحافظة على النسل والقيام بشئونه بين الآباء وتأمين أفراد النوع من التظالم والتقاتل هي أولى الأغراض من تشريع الزواج وأحكامه.
ومن هذا تفهم الحكمة فيما رواه أبو داود عن معقل بن يسار أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب ومال إلا أنها لا تلد أفأتزوجها؟ فنهاه. ثم أتاه الثانية فقال له مثل ذلك. ثم أتاه الثالثة فقال: "تزوجو الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم".
стр. 10
"وثانيها" تحديد العلاقة بين الزوجين وبيان حقوق كل منهما قبل الآخر وواجباته عليه؛ لأنه ما دام اجتماع الذكور بالإناث من الضرورات التي اقتضتها الفطرة الجنسية لا بد من تشريع نظام يقوم على أساسه هذا الاجتماع حتى يأمن أحدهما عدوان صاحبه ويثمر الاجتماع ثمرته المقصودة من تعاون الزوجين, وقيام الزوج بأعباء الحياة الخارجية وقيام الزوجة بالشئون المنزلية, وسكون أحدهما إلى الآخر وأنسه به واطمئنانه إليه وتبادلهما المودة والرحمة التي أشار الله سبحانه إليها بقوله في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
"وثالثها" تحصين النفس وقضاء حاجاتها الجنسية من الطريق التي أحلها الله, والبعد بها عن انتهاك الحرمات. وفي هذا حفظ الأخلاق والأعراض ووقاية من الشحناء والبغضاء. قال الله تعالى في سورة النساء بعد بيان المحرمات: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ ، أي: إن الله سبحانه أحل لكم من النساء ما عدا هذه المحرمات التي بينها لتبتغوها بأموالكم ومهوركم حلائل لكم قاصدين تحصين أنفسكم من الوقوع في الحرام والزنا. وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج, فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء١".
وروى البيهقي أن النبي ﷺ قال: "إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين فليتق الله في النصف الباقي".
فالزواج نظام إلهي شرعه الله لمصلحة المجتمع الإنساني وسعادة أفراده وحفظ كيان الأسرة التي هي عماد الأمة، ولهذا حث عليه رسول الله ﷺ ورغب فيه بعدة أحاديث صحيحة.
стр. 11
منها ما رواه مسلم والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة".
وما رواه أبو داود والحاكم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أخبركم بخير ما يكنز المر: المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرته، وإذا غاب عنها حفظته، وإذا أمرها أطاعته".
وما رواه ابن ماجه عن أنس بن مالك أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر".
وما رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمة خرماء سوداء ذات دين أفضل".
وليس شيء أضر بالأمة وأدعى إلى فنائها وانتشار الفسق والفجور فيها من إعراض شبابها عن الزواج، وإذا رئي أن الزواج بين بعض الأزواج مصدر للخصومات والشقاء وتبادل الكيد والإضرار, فليس منشأ هذا أن الزواج نظام غير صالح، وإنما منشؤه أن هؤلا الأزواج أساءوا استعمال هذا النظام ولم يسيروا على سنن الدين لا في خطبة الزوجات ولا في العشرة الزوجية ولم يقفوا عند حدوده, فكانت زوجيتهم مصدر شقائهم، وكذلك كل قانون عادل أو نظام صالح إذا أسيء تطبيقه أنتج نقيض ما شرع لأجله، ولو أن الحياة الزوجية قامت على أساس ما شرعه الله من حسن الاختيار والمعاشرة بالمعروف وقيام كل واحد من الزوجين بواجبه ما كانت مصدر نزاع أو شقاء.
стр. 12
مقدمات الزواج:
ولما كان الغرض من الزواج العشرة الدائمة بين الزوجين للتوالد والتعاون على شئون الحياة وحاجات الإنسان كان لا بد لمن أرادا التزاوج أن يكون كل منهما على بينة من أمر الآخر قبل الارتباط بعقدة الزواج حتى لا يكون الاقتران على عمى. ولهذا شرع الله أحكام الخطبة وهي أن يطلب الرجل المرأة للزواج بها، ومع كون المخطوبة أجنبية من خاطبها ندب الشارع له أن يبصر وجهها وكفيها وقدميها، ويكرر هذا الإبصار إذا دعت الحال، ولكن لا يباح له أن يبصر مخطوبته مختليا بها, بل لا بد أن يكون معهما مَحْرم لها كأبيها أو أخيها أو عمها.
والأصل في هذا ما روي من أن المغيرة بن شعبة خطب امرأة فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسل: "أنظرت إليها"؟ قال لا: فقال ﵇: "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما".
والحكمة في إباحة إبصار الوجه أنه جماع محاسن الإنسان الخلقية، وملامحه وأسرته تنم عن جملة الحال النفسية فإذا تراءى الخاطب ومخطوبته تعرف منها مثل ما تتعرف منه ووقعت في قلب كل منهما للآخر إحدى المنزلتين من الميل أو النفور.
والحكمة في إباحة إبصار الكف والقدمين أنهما تنمان عن حال الجسم.
فبإبصار الوجه والكفين والقدمين وتكرير هذا الإبصار عند الاقتضاء يتعرف كل منهما جملة حال صاحبه. وأما تعرف الحال الخلقية بالتفصيل فهذا سبيله التحري ممن خالطوا الاثنين بالمعاشرة أو الجوار ولا يجدي في معرفته اجتماع مرة أو مرات في بضع ساعات قد يظهر كل واحد منهما فيها بغير نفسه الحقيقية، كما قيل في أمثال الناس "كل خاطب كاذب".
والحكمة في حظر خلوة الخاطب بمخطوبته, واشتراط أن يكون معهما محرم لها؛ هو سد الذرائع إلى الشر ومقاومة دواعي النفس الأمارة بالسوء.
وهذا السنن في الخطبة هو السنن المستقيم والوسط المعتدل بين إفراط من غلوا في الحجاب، ومنعوا أن يبصر الخاطب مخطوبته فيتم الزواج بين اثنين قد لا تأتلف
стр. 13
روحاهما ولا يؤدم بينهما وهذا مصدر للشقاء، وبين تفريط من أسرفوا في الخيال وأباحوا للخاطب الخلوة والخلطة فعرضوا الأعراض للأخطار ومقالة السوء وخاصة إذا عدل الخاطب عن خطبته، فالإفراط والتفريط غير محمودي العاقبة والخير في الاعتدال.
من تباح خطبتها, ولا يباح للخاطب أن يخطب امرأة للزواج بها إلا إذا توافر فيا أمران: "أولهما" أن تكون المخطوبة خالية من الموانع الشرعية التي تمنع زواجه بها في الحال. و"ثانيهما" ألا تكون مخطوبة لغيره خطبة شرعية.
فإن لم تكن خالية في الحال من الموانع الشرعية بأن كانت محرمة عليه بسبب من أسباب التحريم المؤبدة، كأخته نسبا أو رضاعا، أو المؤقتة كزوجة غيره أو معتدته؛ فلا تباح له خطبتها؛ لأن الخطبة وسيلة إلى العقد ومقدمة له، وإذا كانت النتيجة غير ممكنة الحصول في الحال فالاشتغال بالوسيلة عبث يصان العاقل عنه؛ ولأن في خطبة زوجة الغير أو معتدته إيذاء لهذا الغير واعتداء عليه والله لا يحب المعتدين. ولهذا لا تحل خطبة معتدة الغير سواء كانت معتدة من وفاة أو طلاق رجي أو بائن بينونة صغرى أو كبرى؛ لأنها ما دامت في العدة فحق زوجها متعلق بها, وفي خطبتها اعتداء عليه سواء كانت الخطبة بصريح العبارة أو بطريق التعريض.
واستثنى من هذا حال واحدة، وهي ما إذا كانت المعتدة معتدة وفاة فإنه تباح خطبتها بطريق التعريض فقد ولا تباح بالتصريح.
ودليل هذا الاستثناء قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ .
المراد بالنساء في هذه الآية معتدات الوفاة؛ لأن الآية التي قبلها في شأن الذين يتوفون ويذرون أزواجا, والله نفى الجناح والإثم في التعريض بخطبتهن, فخطبة المتوفى
стр. 14
عنها زوجها بطريق التعريض مباحة. والحكمة في هذا الاستثناء أن الوفاة قطعت رباط الزوجية لا إلى عودة، وهذا من شأنه أن يجعل الراغب في زواج المتوفى زوجها لا يتحرج من خطبتها في عدتها، وإلى هذا أشار الله بقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ . ولكن لمراعاة جانب ورثة المتوفى وعدم إيذائهم بخطبة زوجة مورثهم وهي لا تزال في عدته. ولحال الحزن والحداد التي تكون عليها المتوفى عنها زوجها وفاء له، حظر التصريح بخطبتها واكتفى بإباحة التعريض بها فقط.
والفرق بين التصريح والتعريض: أن التصريح هو أن تذكر كلاما صريحا تقصد ما يدل عليه، كأن يقول الخاطب: أرغب في زواجك أو أريد أن تكوني زوجة لي. وأما التعريض فهو أن تذكر كلاما لا تريد معناه الظاهر بل تريد به معنى آخر يفهم منه بالقرائن، كأن يقول الخاطب: أنت خير زوجة أو وددت لو يسرت لي زوجة صالحة، والقرائن تدل على ما يريد من خطبتها.
وإن كانت ممن تحل له ولكنها مخطوبة لغيره خطبة شرعية فلا تباح له خطبتها ما دامت خطبة غيره قائمة ولم يبت في أمرها؛ لأن هذا اعتداء على الغير. وقد قال رسول الله ﷺ : "المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه, ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر".
وإذا خطب خاطب امرأة لا تباح له خطبتها شرعا أثم ديانة، ولكن لا أثر لهذا الإثم قضاء، فلو خطب معتدة غيره ثم بعد انقضاء عدتها عقد زواجه بها صح العقد ما دام قد استوفى شرائطه الشرعية. وإثمه الذي ارتكبه بخطبتها خطبة غير مباحة لا أثر له في صحة العقد بعد أن صارت غير محرمة عليه.
ومن مقدمات الزواج التي اعتاد بعض الناس تقديمها عليه: قراءة الفاتحة للدلالة على التراضي به، وحصول الوعد به من الجانبين، وقبول كل منهما هدايا الآخر، وقبول الزوجة أو وليها المهر كله أو بعضه.
стр. 15
وهذه المقدمات من الخطبة أو قراءة الفاتحة أو التواعد أو التهادي أو قبول المهر أو بعضه لا تعتبر زواجا شرعا, ولا تربط أحدهما بالآخر برباط الزوجية، فللخاطب أن يعدل عن خطبته وللمخطوبة أن تعدل عن قبوله, ولكل منهما أن ينقض وعده١.
وإذا فسخت الخطبة سواء أكان بسبب عدول الخاطب أو المخطوبة أو عدولهما معا فإن ما قدمه الخاطب من المهر له الحق في استرداده، فإن كان قائما يجب رده إليه بعينه، وإن كان هالكا أو مستهلكا يجب رد مثله أو قيمته؛ لأنه دفع على أنه مما يجب بالزواج، وما دام الزواج لم يوجد فلم يستحق شيء من هذا الواجب وهو حق خالص للخاطب يجب رده إليه. وأما ما قدمه الخاطب من الهدايا فهو هبة وحكم الهبة أن الواهب له حق الرجوع فيها ما لم يوجد مانع من موانع الرجوع. وعلى هذا إذا كان ما أهداه الخاطب لمخطوبته قائما في يدها لم يطرأ عليه ما يمنع الرجوع فيه, كخاتم أو ساعة أو عقد لم يطرأ عليه طارئ, فللخاطب الحق في استرداده، وأما إذا كان ما أهداه الخاطب لمخطوبته ليس قائما عندها على حاله بأن هلك أو استهلك أو تغير بالزيادة أو باعته، كأن كان طعاما فأكل أو خاتما فضاع أو قماشا فخيط ثوبا، ففي كل هذا ليس للخاطب الحق في استرداد ما أهداه ولا استرداد بدل عنه؛ لأن هلاك الموهوب وخروجه من يد الموهوب له, والزيادة المتصلة فيه كلها من
موانع الرجوع في الهبة على ما سيبين في موضعه، وإذا اختلف الخاطب والمخطوبة في أن ما قدم مهر أو هدية فسيبين الحكم في هذا في قضايا المهر.
وإنما الذي يربط أحدهما بالآخر هو عقد الزواج الشرعي الذي تحققت أركانه واستوفى شرائطه.
стр. 16
أركان الزواج:
أركان كل عقد هي أجزاؤه التي يتركب منها, ويتحقق بها وجوده وانعقاده وهي العاقدان، والمعقود عليه، وصيغة العقد المكونة من الإيجاب والقبول. ولما كان وجود الصيغة يستلزم وجود العاقدين والمعقود عليه اقتصر أكثر الفقهاء في بيان أركان الزواج على قولهم: أركان الزواج الإيجاب والقبول.
فالإيجاب هو ما صدر أولا من أحد العاقدين تعبيرا عن إرادته في إيجاد الارتباط وإنشائه. والقبول هو ما صدر ثانيا من الآخر للدلالة على موافقته ورضاه بما أوجبه الأول، وقد يكون الموجب أي: البادئ هو الزوج أو وكيله أو وليه. والقابل هي الزوجة أو وكيلها أو وليها، وقد يكون العكس. وقد يتولى صيغة العقد اثنان وهو الكثير الغالب. وقد يتولاها واحد قائم مقام اثنين كأن يكون وليا على الزوجين١ أو وكيلا عنهما٢ أو أصيلا من جانب ووليا أو وكيلا من الجانب الآخر٣, فعبارة هذا الواحد بمنزلة عبارتين، وهو تارة ذو صفة واحدة، وتارة ذو صفتين مختلفتين.
ولا بد في الإيجاب والقبول من تحقق أمرين: أحدهما من حيث صورتهما اللفظية. والثاني من حيث مادتهما واشتقاقهما.
فأما من حيث صورتهما فلا بد أن يكونا بلفظين على صورة الفعل الماضي مثل زوجتك موكلتي، قبلت. أو وهبت لك نفسي، قبلت؛ لأن الغرض من
стр. 17
الصيغة التعبير عن حصول رضا من الطرفين وتوافق بين إرادتيهما، والذي يدل على حصول هذا فعلا وقت التعاقد هو ما كان على صيغة الماضي، وأما ما كان على صيغة الحال أو المستقبل فلا يدل قطعا على حصول الرضا فعلا، فلو قال أحدهما تزوجني موكلتك، فقال الآخر: أقبل. لا تتكون بهذين اللفظين صيغة عقد الزواج؛ لأنهما ما دلا قطعا على حصول رضا وقت التكلم؛ لأنه يحتمل أن يراد باللفظ الأول الاستيعاد وبالثاني الوعد. والوعد بالزواج مستقبلا ليس عقدا له في الحال، فما دامت الصيغة تحتمل معنى غير العقد لا ينعقد بها الزواج.
لهذا استعمل الشارع لإنشاء العقود الصيغة التي تدل على تحقق الرضا ووجوده فعلا وهي صيغة الماضي؛ لأنها قطعية في الدلالة على حصول الرضا من العاقدين بالارتباط ولا تحتمل معنى آخر.
ولو قال الخاطب لمخطوبته: زوجيني نفسك، فقالت: زوجتك نفسي انعقد الزواج، مع أن إحدى العبارتين على صيغة المستقبل لا الماضي، ولكن ليس في هذا مخالفة لما تقدم؛ لأن الحقيقة هي أن قوله: زوجيني نفسك ليس هو الإيجاب, وإنما هو توكيل لها في أن تزوجه نفسها, فقولها: زوجتك نفسي عبارة قائمة مقام العبارتين وهي تولت طرفي العقد بالإصالة من جانبها والوكالة عنه وعبارتها على صيغة الماضي. وهذا توجيه قول الفقهاء, وينعقد بإيجاب وقبول وضعا للمضي أو وضع أحدهما للمضي والآخر للاستقبال.
وأما من حيث مادتهما واشتقاقهما فالقبول لا يشترط اشتقاق لفظه من مادة خاصة بل يتحقق بأي لفظ يدل على الموافقة والرضا من أي مادة كانت، مثل: قبلت، رضيت، وافقت، أجزت، نفذت، أمضيت. وأما الايجاب فلا بد أن يكون بلفظ مشتق من الزواج أو النكاح، أو مشتق مما يدل على تمليك العين في الحال مثل: الهبة والتمليك والبيع, وما يرادف ذلك من أي لغة, أما ما لا يدل على التمليك أصلا كالإباحة والإحلال والإيداع, وما يدل على تمليك المنفعة لا العين كالإجارة والإعارة, وما يدل على تمليك العين لكن لا في الحال كالوصية فلا يتحقق
стр. 18
الايجاب بلفظ منها؛ لأن معانيها تنافي معنى الزواج الشرعي المقصود به ملك المتعة في الحال على سبيل التأييد والدوام.
وإذا كان العاقدان حاضرين تكو الصيغة منهما بالعبارة؛ لأنها أدل طرق الدلالة فحيث أمكنت لا يعدل عنها إلى غيرها، وإذا كان أحدهما غائبا عن الآخر تكون الصيغة بالكتابة لتعذر المشافهة، وإذا كان العاقد أخرس فإن كان يحسن الكتابة عقد بها, وإن كان لا يكتب عقد بإشارته المعهودة الدالة على قصده، فلا عقد بالكتابة إلا حيث تعذرت المشافهة بالعبارة. ولا عقد بالإشارة إلا حيث تعذرت الدلالة على القصد بالكتابة، وفي هذا جمع بين الاحتياط واليسر. ولذا قال في الدرر "لو كتب الحاضر على شيء لامرأة زوجيني نفسك فكتبت المرأة على ذلك الشيء عقبه زوجت نفسي منك لا ينعقد الزواج".
стр. 19
شروط الزواج:
للزواج شروط شرعية لانعقاده، ولصحته، ولنفاذه للزومه, وشروط وضعية لسماع الدعوى به قانونا في محاكمنا الشرعية المصرية، وتسجيله في الوثيقة الرسمية.
وهذا بيان الشروط جميعها:
شروط الانعقاد: شروط انعقاد الزواج هي التي تلزم لتحقق أركانه ويترتب على الإخلال بواحد منها إخلال بركن من أركان الزواج فلا ينعقد شرعا ولا تترتب عليه آثار الزواج الشرعي، وهي أربعة:
١- أهلية العاقدين بالتمييز، فإذا كان أحد العاقدين فاقد الأهلية للعقد بفقده التمييز بأن كان مجنونا أو صغيرا غير مميز فلا ينعقد الزواج بعبارته كما لا ينعقد منه أي عقد أو تصرف؛ لأن فاقد التمييز لا إرادة له ولا يتصور منه رضا يعتد به.
٢- اتحاد مجلس الايجاب والقبول والمراد باتحاد مجلسهما أنه إذا صدر الايجاب لا يوجد من العاقدين أو أحدهما ما يدل على الإعراض عنه, والاشتغال بغيره حتى يصدر القبول؛ لأنه إن وجد ذلك يعد منهيا للايجاب فلا يصادف القبول
стр. 20
محله ولا ترتبط العبارتان, وليس المراد باتحاد مجلسهما الفور, وأن يكون القبول أثر الإيجاب فورا؛ لأنه لو طال المجلس وتراخى القبول عن الإيجاب ولم يصدر بينهما ما يدل على الاشتغال والإعراض فمجلسها متحد.
وهذا إذا كان العقد بالمشافهة بين عاقدين حاضرين. أما إذا كان العقد بين غائبين بطريق الكتابة أو الرسول فإن مجلس الإيجاب هو مجلس قراءة الغائب للكتاب أما الشهود أو إسماعهم رسالة الرسول، فإذا كتب الرجل إلى امرأة زوجيني نفسك، أو أرسل إليها رسولا بذلك، فلما وصل إليها الكتاب أو الرسول أحضرت الشهود وقرأت عليهم الكتاب, أو عرفتهم مضمونه أو أبلغتهم رسالة الرسول, وأشهدتهم أنها زوجت نفسها منه انعقد الزواج، فلا بد من القبول في مجلس قراءة الكتاب أو بلاغ الرسول بحضرة الشهود ليتحد مجلس الإيجاب والقبول. ولا بد أن يسمع الشهود ما في الكتاب أو رسالة الرسول, ثم يسمعوا القبول ليكونوا سمعوا شطري العقد وشهدوا الإيجاب والقبول.
٣- موافقة القبول للايجاب ولو ضمنا حتى يتحقق اتفاق إرادتي العاقدين على شيء واحد, فإذا خالف القبول الايجاب كله أو بعضه لا ينعقد الزواج, إلا إذا كانت المخالفة إلى خير للموجب فإنها تكون موافقة ضمنية.
فإذا قال الموجب: زوجتك ابنتي فلانة على مهر قدره ستون جنيها فقال القابل: قبلت زواجها على المهر المسمى, انعقد الزواج للموافقة الصريحة, وكذا لو قال قبلت زواجها على ثمانين للموافقة الضمنية. أما لو قبل القابل زواج ابنته الأخرى أو على مهر أقل فلا ينعقد الزواج إلا إذا قبل الموجب الزيادة أو النقص في المجلس حينما تكون المخالفة في المهر.
٤- سماع كل من العاقدين كلام الآخر مع علم القابل أن قصد الموجب بعبارته إنشاء الزواج وإيجابه, وعلم الموجب أن قصد القابل الرضا به والموافقة عليه وإن لم يفهم كل واحد منهما معاني المفردات لعبارة الآخر؛ لأن العبرة للمقاصد.
стр. 21
وهذه الشروط الأربعة ترجع عند التحقيق إلى شيء واحد وهو تحقق رضا الطرفين وتوافق إرادتيهما؛ لأن الشرط الأول وهو تميز العاقدين؛ إنما شرط لأن الرضا لا يكون إلا ممن له إرادة وفاقد التمييز لا إرادة له فلا يتصور منه رضا. والشروط الثلاثة الباقية إنما شرطت ليتحقق ارتباط رضا كل من العاقدين برضا الآخر, وتتفق إرادتهما على شيء معين دلت عليه عبارتهما.
شروط الصحة:
شروط صحة الزواج هي ما يتوقف عليها صحته بعد انعقاده, وليست شروطا لتحقق أركانه وهي اثنان.
١- أن تكون الزوجة غير محرمة على من يريد التزوج بها بأي سبب من أسباب التحريم المؤبد أو المؤقت؛ لأن للشارع حكمة في تحريم بعض النساء على الرجل، فمن عقد على من لا تحل له فزواجه غير صحيح ولا يحل ما حرم الله.
٢- أن يحضر عقد الزواج شاهدان رجلان أو رجل وامرأتان؛ لأنه عقد له خطره وشأنه لما يترتب عليه من آثار وحقوق فلهذا امتاز شرعا عن سائر العقود بأن اشترط لصحته حضور الشهود؛ ولأنه يترتب على عدم إعلانه بحضور الشهود أن يرتاب الناس ويسيئوا الظن إذا رأوا رجلا يتردد على امرأة من غير أن يكون قد أعلن زواجه بها. ولذا ورد في الحديث: "لا نكاح إلا بشهود١".
ويشترط في الشاهدين أن يكونا عاقلين بالغين حرين؛ لأن هذا العقد الذي له خطره وشأنه لا يعلن إلا عن طريق العقلاء الأحرار البالغين، وأن يسمعا معا كلام العاقدين مع فهمهما أن الغرض منه إيجاب الزواج وقبوله، وإن لم يفهما مفرداته؛ لأنهما إن لم يسمعا معا الصيغة بتمامها فاهمين المراد منها لم يشهدا العقد, فالأصم والنائم والسكران الذي لا يعي ما يسمع لا يصح الزواج بحضورهم؛ لأنهم لا سماع ولا فهم.
стр. 22
ولأن الغرض من حضور الشاهدين مجرد إعلان الزواج وإشهاره لا يشترط فيهما العدالة ولا البصر ولا انتفاء التهمة. ولذا يصح الزواج بشهادة فاسقين أو أعميين أو ابني الزوجين أو أحدهما، كما يصح بشهادة رجل وامرأتين، ولا يصح بشهادة النساء وحدهن، وإذا كان الزوجان مسلمين يشترط إسلام الشاهدين. أما إذا كان الزوج مسلما والزوجة كتابية فيصح زواجهما بشهادة كتابيين.
وفي بعض الصور قد يصح عقد الزواج بحضور شاهد واحد في الظاهر كما إذا وكلت امرأة من يزوجها بزوج معين فزوجها الوكيل بمن عينته بحضور شاهد وحضورها صح العقد، وكما إذا وكل الولي من يزوج موليته من معين فزوجها وكيل الولي بحضور شاهد وحضور الولي صح العقد. والحقيقة أن الزواج صح في هاتين الصورتين بحضور شاهدين لا شاهد واحد؛ لأن الضابط العام أنه كلما أمكن اعتبار الموكل مباشرا للعقد بأن كان حاضرا وقت إجرائه يعتبر هو المباشر للعقد ويعتبر الوكيل مجرد سفير ومعبر وكأنه ليس أحد طرفي العقد فيقوم مقام شاهد ثان مع الشاهد الحاضر. ولذلك إذا كان الموكل غير حاضر، بحيث لا يمكن اعتباره هو المباشر للعقد لا يصح إلا بحضور شاهدين.
عقد الزواج رضائي أو شكلي: الباحثون في نطرية العقد عرفوا العقد الرضائي بأنه: ما يكفي في انعقاده اقتران القبول بالإيجاب, ويكون رضا الطرفين وحده موجدا ومكونا للعقد, كالإجارة والوكالة وأكثر العقود، وعرفوا العقد الشكلي بأنه: ما يجب لتكوينه اتباع شكل مخصوص يحدده القانون كالهبة لا توجد قانونا إلا إذا صدرت في ورقة رسمية أمام الموظف العمومي المختص، فبعد أن بينا شرائط انعقاد الزواج وصحته نبين هل هو رضائي أو شكلي.
إذا نظرنا في عقد الزواج نجد أن تكوينه وانعقاده يتم بتحقق ركنه وشرائط انعقاده، وهذه الشرائط مرجعها كما بينا إلى التحقق من تراضي الطرفين وتوافق
стр. 23
إرادتيهما على شيء واحد، وإذا كان انعقاد الزواج يكفي فيه تراضي الطرفين ولا يتوقف على شيء آخر غير رضاهما وتوافق إرادتيهما فهو من هذه الوجهة عقد رضائي؛ لأنه ينعقد بتحقق تراضي العاقدين.
لكن إذا نظرنا إلى أن مجرد انعقاده لا تترتب عليه كل آثاره الشرعية, بل لا بد لترتب آثاره الشرعية عليه من صحته بعد انعقاده، وأن من شرائط صحته شرطا زائدا عن رضا الطرفين وهو إعلانه بحضور الشهود ينتج أنه عقد شكلي؛ لأنه لا تترتب عليه كل آثاره الشرعية إلا بتوفر شيء خارج عن رضا الطرفين وهو حضور الشهود, فهو من هذه الوجهة عقد شكلي. ولكنه ليس شكليا بتمام المعنى الذي أرادوه؛ لأن الشهود المشروط حضورهم يرجع اختيارهم إلى محض إرادة الطرفين؛ ولأن حضور الشهود ليس شرطا متفقا عليه بل فيه خلاف الإمام مالك كما قدمنا.
شروط النفاذ:
شرط نفاذ الزواج هي التي تشترط لنفاذه وعدم توقفه على إجازة أحد بعد انعقاده وصحته وهي اثنان:
١- أن يكون كل من العاقدين كامل الأهلية بالعقل والبلوغ والحرية، فإن كان واحد منهما ناقص الأهلية بأن كان معتوها مميزا أو صغيرا مميزا أو عبدا فإن عقده الذي يعقده بنفسه إذا استوفى شروط الانعقاد والصحة ينعقد صحيحا موقوفا على إجازة الولي أو المالك، فإن أجازه نفذ وإن لم يجزه بطل. والمراد بالولي ولي النفس لا المال.
فلوجود أصل الأهلية في العاقد بوجود التمييز كان العقد منعقدا، ولنقصها بسبب العته أو الصغر أو الرق كان موقوفا ليتسنى للولي عليهم أن يتدارك منع الضرر عنهم.
٢- وأن يكون كل من العاقدين ذا صفة تخول له أن يتولى العقد وتجعل له الحق في مباشرته بأن يكون أحد الزوجين أو وكيلا عنه أو وليا عليه، فلو كان أحد العاقدين فضوليا باشر العقد لا بوكالته عن أحد الزوجين ولا بولاية عليهما, أو كان وكيلا ولكن خالف فيما وكل فيه، أو كان وليا ولكن يوجد ولي أقرب منه مقدم
стр. 24
عليه، كان عقد أي واحد من هؤلاء إذا استوفى شروط الانعقاد والصحة منعقدا صحيحا موقوفا على إجازة صاحب الشأن١.
شروط اللزوم:
شروط لزوم الزواج يجمعها شرط واحد وهو ألا يكون لأحد الزوجين ولا لغيرهما حق فسخ العقد بعد انعقاده وصحته ونفاذه، فلو كان لأحد حق فسخه كان عقدا صحيحا نافذا غير لازم.
وعلى هذا إذا تزوجت المرأة ووجدت بزوجها عيبا لا يمكنها أن تعاشره معه إلا بضرر فإن زواجها غير لازم؛ لأن لها الحق في طلب فسخه سواء أكان العيب قبل الزواج ولم تعلم به أم حدث بعده ولم ترض به.
وعلى مذهب أبي حنيفة لا يثبت لها هذا الحق إلا إذا كان العيب واحدا من ثلاثة: الجب والخصاء والعنة. وعلى ما عليه العمل الآن بالمحاكم الشرعية المصرية يثبت لها هذا الحق إذا كان العيب مستحكما, لا يمكن البرء منه, أو يمكن بعد زمن, ولا يمكنها المقام معه إلا بضرر أيا كان هذا العيب "مادة ٩ من القانون سنة ١٩٣٠" وسيفصل هذا في موضعه".
وإذا زوجت الكبيرة العاقلة نفسها من زوج كفء لها ولكن على مهر أقل من مهر مثلها بدون رضا أقرب عصبتها كان زواجها غير لازم؛ لأن لهذا العاصب حق طلب فسخ الزواج إن لم يتم الزوج مهر مثلها.
وإذا زوج الصغير أو الصغيرة أو من في حكمهما من الكبار غير المكلفين غير الأب والجد من الأولياء عند عدمهما وكان الزوج كفئا, والمهر مهر المثل كان الزواج غير لازم؛ لأن للصغير أو الصغيرة حق طلب فسخ الزواج إذا بلغ.
وسيبين كل هذا مفصلا في مواضعه.
стр. 25
شروط سماع الدعوى به قانونا:
لما أثبتت الحوادث أن الزواج كثيرا ما يدعى زورا، طمعا في المال أو رغبة في النكاية والتشهير، اشترط الشارع الوضعي في مصر لسماع الدعوى به وجود دليل كتابي يؤيدها على التفصيل الذي سنبينه. كذلك لما تبين أن في زواج صغار السن أضرارا صحية واجتماعية وأريد حمل الناس على عدم عقد الزواج قبل بلوغ الزوجين سنا معينة اشترط الشارع الوضعي في مصر لسماع دعوى الزوجية أن لا تقل سن الزوجة عن ١٦ سنة وسن الزوج عن ١٨ سنة وقت الدعوى، كما اشترط لمباشرة العقد لدى الموظف الرسمي المختص أن لا تقل سن الزوجين عن هذه السن وقت العقد.
فالشرط القانوني لسماع دعوى الزوجية في المحاكم الشرعية المصرية أمران: "الأول" وجود مسوغ كتابي على التفصيل الذي سنبينه. "والثاني" بلوغ الزوجين وقت الدعوى سنا حددها القانون، والشرط لمباشرة عقد الزواج لدى الموظف الرسمي المختص بإجرائه هو بلوغ الزوجين وقت العقد السن المحددة.
ونحن نفصل هذه الشروط ونبين مصدرها من لائحة الإجراءات الشرعية وبعض ما صدر بشأنها من المنشورات والمذكرات الإيضاحية.
المسوغ الكتابي لسماع دعوى الزواج: يختلف المسوغ الكتابي لسماع دعوى الزواج باختلاف الوقت المدعى حصول الزواج فيه؛ وذلك لأن لائحة إجراءات المحاكم الشرعية المصرية التي نصت على عدم سماع دعوى الزوجية في بعض الحالات إلا بمسوغ كتابي صدرت سنة ١٨٩٧م. ثم عدلت ثانيا في سنة ١٩١٠م. ثم عدلت ثالثا في سنة ١٩٣١م، وهو المعروف بالقانون رقم ٧٨ سنة ١٩٣١، وفي كل تعديل زيدت قيود جديدة في المسوغ رغبة في سد الذريعة إلى دعوى الزواج زورا. ومن هذا التدرج التشريعي اختلف المسوغ باختلاف الوقت المدعى أن الزواج وقع فيه.
стр. 26
فإذا كان الزواج مدعى حصوله قبل سنة ١٨٩٧م، والدعوى مقامة من أحد الزوجين والمدعى عليه ينكره فلا يشترط وجود دليل كتابي لسماع الدعوى به قانونا، بل يكتفي بشهادة الشهود بشرط أن تكون الزوجية معروفة بالشهرة العامة.
وهذا وارد بالفقرة ٢ من المادة ٩٩ من القانون رقم ٧٨ سنة ١٩٣١ ونصها:
ومع ذلك يجوز سماع دعوى الزوجية أو الإقرار بها المقامة من أحد الزوجين في الحوادث السابقة على سنة ١٨٩٧ فقط بشهادة الشهود وبشرط أن تكون الزوجية معروفة بالشهرة العامة.
وإذا كان الزواج مدعى حصوله في المدة من سنة ١٨٩٧ إلى سنة ١٩١١م والمدعى عليه ينكره, وأحد الزوجين متوفى، فلا تسمع الدعوى به إلا إذا كانت مؤيدة بأوراق خالية من شبهة التزوير تدل على صحتها سواء كانت الدعوى من أحد الزوجين أو من غيره، وهذا وارد بالفقرة ١ من المادة ٩٩ المذكورة ونصها:
لا تسمع عند الإنكار دعوى الزوجية أو الطلاق أو الإقرار بهما بعد وفاة أحد الزوجين في الحوادث السابقة على سنة ١٩١١م سواء كانت مقامة من أحد الزوجين أم من غيره، إلا إذا كانت مؤيدة بأوراق خالية من شبهة التزوير وتدل على صحتها.
وإذا كان الزواج مدعى حصوله في المدة من سنة ١٩١١ إلى غاية يوليو سنة ١٩٣١ والمدعى عليه ينكره، وأحد الزوجين متوفى فلا تسمع الدعوى إلا إذا كانت ثابتة بأوراق رسمية أو مكتوبة كلها بخط المتوفى وعليها إمضاؤه كذلك، سواء كانت الدعوى من أحد الزوجين أم من غيره, وهذا وارد بالفقرة ٣ من المادة ٩٩ ونصها:
ولا يجوز سماع دعوى ما ذكر كله من أحد الزوجين أو غيره في الحوادث الواقعة من سنة ١٩١١م إلا إذا كانت ثابتة بأوراق رسمية أو مكتوبة كلها بخط المتوفى وعليها إمضاؤه كذلك.
стр. 27
وإذا كان الزواج مدعى حصوله في المدة من أول أغسطس سنة ١٩٣١م والزوجية منكرة، فلا تسمع الدعوى به إلا إذا كان ثابتا بوثيقة زواج رسمية صادرة على يد الموظف المختص بمقتضى وظيفته بإصدارها سواء كانت الدعوى في حال حياة الزوجين أو بعد الوفاة. وهذا وارد بالفقرة ٤ من المادة ٩٩ ونصها:
ولا تسمع عند الإنكار دعوى الزوجية أو الإقرار بها إلا إذا كانت ثابتة بوثيقة زواج رسمية في الحوادث الواقعة من أول أغسطس سنة ١٩٣١.
ومن هذا يتبين أنه لا يشترط المسوغ الكتابي لسماع دعوى الزواج إلا عند إنكار الزوجية. أما إذا كان المدعى عليه مقرا بها فإن المقر يعامل بإقراره في أية مدة ادعى حصول الزواج فيها. ويتبين أن التدرج التشريعي بالمسوغ حصل في أمرين: "أحدهما" في نوع الدليل الكتابي فبعد أن كان يكفي أن يكون الدليل أية ورقة خالية من شبهة التزوير صار لا بد أن يكون ورقة رسمية أو مكتوبة وممضاة بخط المتوفى ثم صار لا بد أن يكون وثيقة زواج رسمية. "وثانيهما" في حال المتداعيين فبعد أن كان لا يشترط المسوغ الكتابي إلا إذا كانت الدعوى بعد وفاة أحد الزوجين صار ابتداء من أغسطس سنة ١٩٣١ يشترط المسوغ عند الإنكار مطلقا سواء كانت الدعوى في حياة الزوجين أو بعد وفاتهما أو وفاة أحدهما.
والحكمة في هذا كما قدمنا سد الطريق في وجه من يحاول ادعاء الزوجية زورا وبهتانا طمعا في المال أو رغبة في التشهير.
تحديد سن الزوجين لسماع دعوى الزواج: نصت الفقرة ٥ من المادة ٩٩ من لائحة الإجراءات الشرعية على أنه "لا تسمع دعوى الزوجية إذا كانت سن الزوجة تقل عن ست عشرة سنة أو سن الزوج تقل عن ثماني عشرة سنة إلا بأمر منا".
стр. 28
وعلى هذا إذا كانت سن أحد الزوجين وقت الدوى أقل من هذه السن المحددة فلا تسمع دعوى الزوجية بينهما. والغرض من هذا حمل الناس على الامتناع من إجراء زواج لمن لم يبلغوا هذه السن؛ لأنه إذا علم أن الزوجية التي تتم بين من لم يبلغوا هذه السن لا يمكن سماع الدعوى بها قانونا ولا المطالبة أمام القضاء بحق من حقوقها أو أي أثر من الآثار المترتبة عليها ما دامت سن الزوجين أو أحدهما أقل من السن المحددة، إذا علم ذلك كف الناس من تلقاء أنفسهم عن الزواج الذي لم يبلغ فيه الزوجان السن المعينة، فبهذا تتلاقى الأضرار الصحية والاجتماعية التي تنشأ من الزواج بين صغار السن.
وقد جاء في المذكرة الإيضاحية بشأن هذه الفقرة ما نصه:
كانت دعوى الزوجية لا تسمع إذا كانت سن الزوجين وقت العقد أقل من ١٦ سنة للزوجة و١٨ للزوج سواء كانت سنهما كذلك وقت الدعوى أم جاوزت هذا الحد، فرئي تيسيرا على الناس وصيانة للحقوق، واحتراما لآثار الزوجية أن يقصر المنع من السماع على حالة واحدة وهي ما إذا كانت سنهما أو سن أحدهما وقت الدعوى أقل من السن المحددة.
وقد توهم بعض القضاة أن هذه السن المحددة شرط لسماع الدعوى إذا كان النزاع في ذات الزوجية. أما إذا كان النزاع في الآثار المترتبة عليها فليست شرطا. ودفعا لهذا التوهم أصدرت وزارة الحقانية المنشور رقم ٢٩ لسنة ١٩٢١ تلفت نظر القضاة إلى العمل بإطلاق هذه الفقرة وعدم سماع دعوى الزوجية ممن لم يبلغ السن المحددة مطلقا، سواء أكان النزاع في ذات الزوجية أم فيما يترتب عليها من الآثار كالنفقة والطاعة.
تحديد سن الزوجين لمباشرة عقد الزواج رسميا: نصت الفقرة الثانية من المادة ٢٦٦ من لائحة الإجراءات على أنه لا يجوز مباشرة عقد الزواج،
стр. 29
ولا المصادقة على زواج مسند إلى ما قبل العمل بهذا القانون ما لم تكن سن الزوجة ست عشرة سنة وسن الزوج ثماني عشرة سنة وقت العقد.
فإذا كانت سن أحد الزوجين وقت العقد أقل من هذه السن المحددة فلا يجوز للموظف الرسمي المختص بمباشرة عقد الزواج أن يجريه رسميا بينهما.
ومما جاء في المذكرة الإيضاحية بشأن هذه الفقرة أن عقد الزواج له من الأهمية في الحالة الاجتماعية منزلة عظمى من جهة سعادة المعيشة المنزلية, أو شقائها والعناية بالنسل أو إهماله، وقد تطورت الحال بحيث أصبحت تتطلب المعيشة المنزلية استعدادا كبيرا لحسن القيام بها ولا تستأهل الزوجة والزوج لذلك غالبا قبل سن الرشد المالي١. غير أنه لما كانت بنية الأنثى تستحكم وتقوى قبل استحكام بنية الصبي. وما يلزم لتأهل البنت للمعيشة الزوجية يتدارك في زمن أقل مما يلزم للصبي كان من المناسب أن يكون سن الزواج للفتى ١٨ سنة وللفتاة ١٦سنة. فلهذه الأغراض الاجتماعية حدد الشارع المصري سن الزواج لمباشرة رسميا كما حدد سنا لسماع دعوى الزوجية قانونا.
غير أن تنفيذ هذا القانون لاقى صعوبات من جهة الطرق التي توصل إلى معرفة حقيقة سن الزوجين وقت العقد؛ لأن كثيرا من الأزواج لا يظهرون شهادات الميلاد الرسمية أو لا تكون لديهم شهادات ميلاد. ولذلك أصدرت وزارة الحقانية عدة منشورات بشأن ما يتبع لتعرف سن الزوجين وقت العقد من الاكتفاء بما يدل على السن من أوراق رسمية أو شهادات الأقارب أو من لهم معرفة تامة بحال الزوجين. ثم أصدرت منشورا بالاكتفاء بشهادة الطبيب. ثم أصدرت منشورا بأن للمأذون
стр. 30
أن يأخذ على مسئوليته بلوغ الزوجين السن القانونية عند عدم الاشتباه، وكان من نتائج ذلك أن هذا القانون قلل من مباشرة الزواج بين صغار السن ولم يمنعه بتاتا.
ومما زاد في صعوبة تنفيذ هذا القانون أن محكمة النقض والإبرام لم تعتبر ذكر الشهود سنا غير حقيقية مع علمهم بالسن الحقيقية جناية تزوير معنوي معاقب عليه بعقوبة التزوير، بناء على أن واقعة السن ليست ركنا أساسيا في عقد الزواج؛ لأن الزواج شرعا بدونها يصح وينفذ ويترتب عليه آثاره الشرعية.
وقد جاء في حكم محكمة النقض والإبرام الصادر في ٢٩ نوفمبر سنة ١٩٣٠ ما نصه:
"إن الزواج عقد قررته الأحكام الدينية أو المدنية تنظيما لأمر طبيعي لا محيص عنه البتة، وهو الضرورة الدافعة لتلاقي الذكر بالأنثى متى بلغ أيهما حد النضوج الجنسي".
وهذه الضرورة الدافعة يستحيل معها لأي شارع سياسي أن يمس أصل حلية الزواج لأي ذكر وأنثى غير محرمين. وكل ما في الأمر أن ما توجبه الضرورات الاجتماعية من مراعاة الأفراد المتزاوجين مراعاة صحية حميدة الأثر في الأمة تبيح لأولي الأمر من طريق السياسة الشرعية أن يتخذوا من التدابير ما به يقللون جهد الاستطاعة أن يحصل تزاوج بين فردين أحدهما, أو كلاهما لما يبلغ سنا خاصة, معها يغلب على الظن حيازته لدرجة كافية من الخبرة والاتزان العقلي اللازمين لحسن الحال في المعيشة الزوجية ويترجح معها أن الزواج غير مؤذ به.
ولكن مهما تكن تلك التدابير فلا يجوز قطعا أن تصل إلى تحريم الزواج على من لم يبلغ تلك السن، وإلا كان الشارع معاندا للطبيعة فلا تلبث أن تثأر لنفسها بإحباط عمله ومقابلته بفشو الزنا بين صغار السن، ويصبح وقد وقع فيما يريد اتقاءه, وزاد عليه كثرة النسل الضعيف من أولاده الغير الشرعيين.
стр. 31
ولقد أدرك الشارع الوضعي المصري هذه الحقيقة فلم يتعرض قط لحلية الزواج بين صغار السن، بل ترك الناس أحرارا يتزاوجون كما يشاءون في حدود الأوضاع الدينية في أية سن أرادوا، وسلك إلى تحقيق غرضه طريقا غير مباشر ذلك بأن حرم على عماله: قضاة شرعيين كانوا أو مأذونين أن يحرروا عقد زواج رسمي لمن لم تبلغ سن السادس عشرة أو لمن يبلغ الثامن عشرة، كما حرم على المحاكم الشرعية أن تسمع دعوى زوجية من لم يبلغوا هذه السن.
بهذه الطريقة السلبية غير المباشرة رجا الشارع أن يحمل الأفراد على ما يريد من تقليل الزواج بين الصغار جهد الاستطاعة، ولكن بقي مع ذلك دائما أن من يعقد عقدا مستوفيا شروطه الشرعية الأساسية مهما تكن سنه فعقده صحيح ديانة، بل وصحيح قانونا في غير ما نص على عدم اعتباره فيه وهو مجرد عدم سماع الدعوى به؛ لأنه لو لم يكن كذلك لاعتبرت مقاربة الزوج للزوجة الصغيرة هتك عرض يعاقب عليها بالمادة ٢٣٢ من قانون العقوبات، وهذا لا يستطيع أن يقول به أحد.
وصيانة القانون تحديد السن لمباشرة العقد من التلاعب به صدر أخيرا القانون رقم ٤٤ لسنة ١٩٣٣ ونص المادة ٢ منه ما يأتي:
مادة ٢- يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنتين أو بغرامة لا تزيد على مائة جنيه كل ما أبدى أمام السلطة المختصة بقصد إثبات بلوغ أحد الزوجين السن المحددة قانونا لضبط عقد الزواج أقوالا يعلم أنها غير صحيحة أو حرر أو قدم لها أوراقا كذلك متى ضبط عقد الزواج على أساس هذه الأقوال أو الأوراق.
ويعاقب بالحبس أو بغرامة لا تزيد على مائتي جنيه كل شخص خوله القانون سلطة ضبط عقد الزواج, وهو يعلم أن أحد طرفيه لم يبلغ السن المحددة في القانون.
стр. 32
صيغة الزواج من حيث إطلاقها وتقييدها:
إذا صدرت صيغة الزواج من العاقدين غير معلقة على شرط، ولا مضافة إلى زمن مستقبل، ولا مقترنة بشرط سمي العقد مطلقا ومنجزا. وحكم هذا العقد المنجز أنه متى استوفى شرائطه صح وترتبت عليه أحكامه في الحال.
وإذا صدرت الصيغة معلقة على شرط بأن جعل تحقق مضمون الإيجاب أو القبول أو مضمونهما معلقا على تحقق شيء آخر بأداة من أدوات التعليق سمي العقد معلقا. وحكم هذا العقد المعلق على التفصيل الآتي:
فإن كان العقد معلقا على أمر معدوم في الحال لا ينعقد الزواج سواء كان المعلق عليه المعدوم في الحال على خطر الوجود في المستقبل أو محقق الوجود في المستقبل، فلو قال لها: إن نجحت في امتحان آخر هذه السنة تزوجتك، فقالت: قبلت. أو قال، لا: إذا جاء فصل الربيع تزوجتك، فقالت: قبلت. لا ينعقد الزواج بصيغة منهما؛ لأن المعلق عليه وهو النجاح في المثال الأول ومجيء الربيع في المثال الثاني معدوم في الحال، والمعلق عل المعدوم في الحال معدوم في الحال فلا زواج؛ لأن الزواج عقد يفيد ملك المتعة في الحال ولا يتراخى حكمه عنه.
أما إذا كان التعليق على أمر محقق في الحال فإن الزواج ينعقد سواء كان محققا وقت التكلم بالصيغة أو تحقق في مجلس صدورها، فلو قالت له: إن كانت سني ست عشرة سنة تزوجتك، فقال: قبلت، وسنها في الواقع ١٦سنة. أو قالت له: إن رضي أبي تزوجتك، فقال: قبلت. وقال أبوها في المجلس رضيت. انعقد الزواج في الصورتين؛ لأنه ما دام المعلق عليه محققا في الحال فالتعليق صوري والصيغة في الحقيقة منجزة.
وإذا صدرت الصيغة مضافة إلى زمن مستقبل سمي العقد مضافا، كما لو قال لها: تزوجتك في أول الشهر المقبل، أو بعد شهرين، أو غدا، فقالت: قبلت. وحكم
стр. 33
هذا العقد المضاف إلى زمن مستقبل أنه لا ينعقد لا في الحال ولا عند حلول الزمن المضاف إليه؛ لأن موجب عقد الزواج تملك حق الاستمتاع في الحال، والإضافة إلى زمن مستقبل تنافي هذا ولذا لا ينعقد الزواج بلفظ الوصية.
وإذ صدرت الصيغة مطلقة عن التعليق والإضافة ثم قرنها أحد الزوجين باشتراط شرط له فيه مصلحة سمي الزواج مقترنا بالشرط، وحكم هذا العقد المقترن بالشرط على التفصيل الآتي:
فإن كان الشرط صحيحا صح الزواج وصح الشرط وعومل الزوجان بمقتضاه، وإن كان الشرط غير صحيح صح الزواج ولغا الشرط ولا اعتبار له، فلا يجب الوفاء به. والشرط الصحيح هو ما يقتضيه العقد كاشتراط الزوجة أن لها على زوجها النفقة، أو يلائمه كاشتراط الزوجة أن يكفل والد زوجها نفقتها أو مهرها، أو ورد به الشرع كاشتراط الزوج أن له أن يطلقها متى شاء، أو جرى به العرف كاشتراط تعجيل بعض المهر وتأجيل بعضه. وغير الصحيح هو ما لا يقتضيه العقد كاشتراط الزوجة أن تسكن في بيت أبيها, أو اشتراط الزوج أن نفقتها على نفسها، أو يأباه الشرع كاشتراط الزوجين المختلفين دينا أن يتوارثا، أو اشتراط الزوجة على زوجها ألا يتزوج عليها.
وإذا قرنت الصيغة بتوقيتها بوقت معين كأن قال لها: تزوجتك شهرا أو لمدة سنة أو ما دمت مقيما بهذا البلد، فقالت: قبلت، لا ينعقد الزواج؛ لأن اقتران الصيغة بالتوقيت يخرجها عن الدلالة على المعنى المقصود من الزواج وهو الازدواج والانضمام ودوام العشرة للتوالد والمحافظة على النسل. ولذا لا ينعقد بلفظ الإجارة. فالزواج المؤقت لا ينعقد، ولا فرق بين ما إذا طال الوقت أو قصر.
ومثله زواج المتعة، وهو الزواج الذي لا يراد به العشرة والقرار لتربية النسل بل يقصد منه مجرد الاستمتاع الوقتي، فإذا قال لامرأة: متعيني نفسك ما دمت مقيما ببلدك أو مدة معينة، فقالت: قبلت، لا ينعقد الزواج. فهو والزواج المؤقت سيان لا ينعقد واحد منهما، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه.
стр. 34
وقال زفر: الزواج المؤقت زواج صحيح اقترن به شرط غير صحيح, وهو التوقيت فيصح العقد ويلغو الشرط. وإنما كان التوقيت شرطا غير صحيح؛ لأنه لا يلائم مقتضى العقد لما بينا أن الزواج للعشرة والقرار لا للمتعة الوقتية. والصحيح مذهب الإمام وصحابيه؛ لأن الصيغة لما اقترنت بالتوقيت أو اشتقت من مادة تفيد التوقيت لم تكن مما ينعقد به الزواج فيبطل لوجود الخلل في ركنه.
ومن صور الزواج المقترن بشرط غير صحيح زواج الشغار، وهو أن يزوج رجل موليته من آخر على أن يزوجه الآخر موليته, بحيث تكون كل واحدة مهرا للأخرى، فاشتراط أن يكون المهر ما ذكر شرط غير صحيح؛ لأن المشروط لا يصلح مهرا؛ لأنه ليس بمال متقوم وعلى ذلك يصح الزواج ويلغو الشرط ويعتبر العقد خاليا من ذكر المهر؛ ولهذا سمي زواج الشغار أي: الخلو؛ لخلوه من تسمية مهر صحيح، ويجب فيه مهر المثل.
стр. 35
حكم الزواج:
حكم التصرف أو العقد تارة يراد به وصفه الشرعي من الفرضية أو الوجوب أو الحرمة أو الكراهة، كما يقال: حكم البيع وقت النداء لصلاة الجمعة الحرمة، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ . وتارة يراد به أثره المترتب عليه شرعا، كما يقال: حكم البيع نقل الملكية في البدلين.
فأما حكم الزواج بمعنى وصفه الشرعي فإنه يكون فرضا على المسلم إذا قدر على المهر والنفقة وسائر واجبات الزوجية، وتيقن من حال نفسه أنه لو لم يتزوج وقع في معصية الزنا. ويكون واجبا عليه إذا قدر على ما ذكر، وخشي أنه لو لم يتزوج وقع في معصية الزنا. ويكون سنة له إذا قدر على ما ذكر, وكان في حال اعتدال بحيث لا يتقين الوقوع في الزنا لو لم يتزوج ولا يخشاه. ويكون حراما عليه الزواج إذا تيقن أنه لو تزوج ظلم زوجته وجار عليها في المعاملة. ويكون مكروها تحريما إذا خاف هذا الجور.
стр. 36
والأصل الذي بنيت عليه هذه الأحكام أن ما لا يتوصل إلى ترك الحرام إلا به فهو فرض، وأنه إذا تعارض خوف الجور لو تزوج وخوف الوقوع في الزنا لو لم يتزوج قدم الأول وحظر الزواج؛ لأن الجور معصية متعلقة بالعباد والمنع من الزنا من حقوق الله، وحق العبد مقدم عند التعارض لاحتياجه وغنى المولى سبحانه١.
وأما حكم الزواج بمعنى أثره المترتب عليه شرعا فإنه يختلف باختلاف العقد من حيث استيفاؤه شرائطه الشرعية أو عدم استيفائها، وهذا البيان:
حكم الزواج الباطل:
إذا حصل خلل في صيغة العقد كأن صدرت الصيغة بلفظين يعبر بهما عن المستقبل أو بما لا يدل على تمليك المتعة لا حقيقة ولا مجازا، أو حصل خلل في أصل أهلية العاقد لفقده التمييز بسبب جنون أو صغر، أو فقد أي شرط من شرائط الانعقاد كان الزواج باطلا. ولا يترتب على هذا العقد أثر ويعتبر وجوده كعدمه، ويجب عليهما الافتراق وإن لم يفترقا فرق بينهما القضاء. وإذا دخل الرجل بمن عقد عليها عقدا باطلا كان هذا الدخول بمنزلة الزنا غير أن شبهة العقد تسقط الحد، ولا عدة على المدخول بها بعد المتاركة، ولا يثبت به نسب ولا توارث، ولا يجب به مهر ولا نفقة ولا طاعة ولا أي حق من حقوق الزوجية وواجباتها. وعلى قول من أثبت حرمة المصاهرة بالزنا ودواعيه تثبت بهذا الدخول حرمة المصاهرة. وسيتبين هذا في المحرمات.
حكم الزواج الفاسد: إذا اختل شرط من شروط صحة الزواج كما إذا عقد الزواج بغير حضور الشهود كان الزواج فاسدا. ويجب على الزوجين الافتراق وإن لم يفترقا فرق بينهما القضاء. ومجرد هذا العقد الفاسد لا يترتب عليه أثر، بمعنى أن المتزوجين زواجا فاسدا إذا افترقا قبل الدخول فلا عدة على الزوجة ولا مهر لها،
стр. 37
ولا تثبت بينهما حرمة المصاهرة ولا النسب، ولا يتوارثان لو مات أحدهما, ولا يترتب على مجرد هذا العقد أي أثر.
أما إذا دخل الزوج دخولا حقيقيا بمن تزوجها زواجا فاسدا فإنه يترتب على هذا الدخول أربعة آثار من آثار الزوجية وهي:
١- وجوب المهر على الزوج. إما مهر المثل إن لم يكن سمي في العقد مهر, أو الأقل من المسمى ومن مهر المثل إن سمي في العقد مهر؛ وذلك لأن الدخول الحقيقي بالمرأة لا بد أن يترتب عليه في الشريعة الإسلامية أحد أمرين: المهر أو الحد. وحيث انتفى هنا الحد لشبهة العقد فيجب المهر، وهذا معنى قول الفقهاء: الوطء شرعا لا يخلو من عُقر أو عَقر، أي: من حد أو مهر.
٢- ثبوت نسب الولد الذي تحمل به من الدخول في هذا الزواج الفاسد، وذلك احتياطا لإحياء الولد وعدم ضياعه.
٣- وجوب العدة على الزوجة بعد التفريق بينهما ومبدؤها من وقت التفريق. وحكمة وجوبها اتقاء اختلاط الأنساب.
٤- حرمة المصاهرة فيحرم على زوجها أصولها وفروعها وتحرم هي على أصوله وفروعه.
وما عدا هذا من آثار الزواج الشرعي لا يترتب على الدخول بعد العقد الفاسد، فلا تجب به نفقة ولا طاعة ولا يتوارث الزوجان ولا يحل استمتاع أحدهما بالآخر.
فعلى هذا يشترك كل من الزواج الباطل والفاسد في وجوب الافتراق على الزوجين رفعا لهذا البطلان أو الفساد, فإن افترق الزوجان من تلقاء أنفسهما فبها وإلا رفع الأمر إلى القضاء الشرعي ليحكم بالتفريق بينهما. وهذا من المواضع التي ترفع فيها الدعوى حسبة؛ لأنها من باب إزالة المنكر مع مراعاة ما نص عليه في المنشور
стр. 38
١رقم ٣٥ سنة ١٩٨١. ويشتركان أيضا في أن مجرد العقد فيهما لا يترتب عليه أثر، وفي أن العقد شبهة تسقط الحد -ويختلفان فيما إذا دخل الزوج بزوجته على ما بينا.
وقد قدمنا أن من شروط صحة الزواج كون الزوجة غير محرمة على زوجها بأي سبب من أسباب التحريم المؤبد أو المؤقت. ومقتضى هذا أن الزواج الذي فقد هذا الشرط يكون فاسدا ويكون حكمه كما ذكرنا من وجوب التفريق وعدم ترتب أثر ما على مجرد العقد, وترتب الآثار الأربعة على الدخول الحقيقي بعد العقد. ولكن يعترض هذا ما نص عليه فقهاء الحنفية من أنه إذا تزوج أحد إحدى محارمه نسبا أو رضاعا أو مصاهرة أو زوجة غيره أو معتدته, ودخل بها عالما بالحرمة فلا عدة على المرأة بعد التفريق، ولا يحرم وقاعها على الزوج الأول لو متزوجة، وإن دخل بها غير عالم بالحرمة تجب عليها العدة, ويحرم على زوجها الأول وقعاها قبل انقضائها. فمقتضى هذا أن زواج المحارم مع العلم بالحرمة يكون باطلا ولا عدة في الباطل.
وزواجهن مع عدم العلم بالحرمة، كما إذا تزوجها غير عالم أنها أخته رضاعا أو غير عالم أنها معتدة غيره، يكو فاسدا وتجب في الفاسد العدة بعد المتاركة والدخول.
فتكون الخلاصة من هذا أن الزواج الباطل هو ما حصل خلل في ركنه أو أهلية عاقديه أو فقد شرط من شروط انعقاده. ويلحق به في الحكم ما إذا حصل خلل في المعقود عليها بأن كانت محرمة على زوجها معلوما للعاقدين وقت العقد أنها حرام عليه.
стр. 39
وأن الزواج الفاسد هو ما لم تحضره شهود أو حصل خلل في المعقود عليها, ولكن لم يكن هذا الخلل معلوما للعاقدين وقت العقد، بأن جهل أنها محرمة. وبهذا يوفق بين الأحكام.
حكم الزواج الموقوف:
قال ابن عابدين: "وحكم الدخول في الزواج الموقوف كالدخول في الفاسد فيسقط الحد ويثبت النسب, ويجب الأقل من المسمى ومهر المثل"؛ وذلك لأن الزواج الموقوف استوفى شرائط انعقاده وصحته فما دام موقوفا، أي: لم يجزه الولي ولم يبطله، تترتب على الدخول الحقيقي فيه الآثار الأربعة التي تترتب على الدخول الحقيقي في الزواج الفاسد. فإذا زوج المعتوه مثلا نفسه وقبل أن يرد وليه هذا الزواج أو يجيزه دخل بزوجته ترتب على هذا الدخول وجوب العدة على الزوجة بعد المتاركة، ووجوب المهر على الزوج، وثبوت النسب، وحرمة المصاهرة. أما بعد أن يرد وليه هذا الزواج فإنه يصير باطلا، وبعد أن يجيزه يكون نافذا.
حكم الزواج الصحيح النافذ:
أما عقد الزواج الصحيح النافذ فبمجرد تمامه تترتب عليه آثار الزوجية من حقوق وواجبات بدون توقف على دخول الزوج بزوجته حقيقة أوحكما.
فنفس العقد الصحيح النافذ يوجب للزوجة على زوجها ما يأتي:
١- المهر إما المسمى إن سمي تسمية صحيحة وإما مهر المثل إن لم توجد تسمية صحيحة، فيكون المهر بمجرد العقد دينا واجبا لها في ذمته وجوبا على شرف التنصيف أو السقوط حتى يوجد ما يقرره، أي: إنه واجب بالعقد ولكنه عرضة؛ لأن يسقط أو ينصف، كما سيبين في أحكام المهر.
٢- والنفقة بجميع أنواعها من طعام وكسوة ومسكن، فتكون بالعقد حقا واجبا لها عليه ما لم تمتنع من طاعته بغير حق؛ لأن من لم يقم بالواجب عليه لا يستحق حقه.
стр. 40
٣- وعدم الإضرار بها بفعل أو قول أو أي معاملة.
٤- والعدل بينها وبين ضرائرها إذا تعددت الزوجات.
ويوجب للزوج على زوجته:
١- دخولها في طاعته في المسكن الشرعي الذي يهيئه لها متى أوفاها معجل صداقها وكان أمينا على نفسها ومالها.
٢- وثبوت نسب ولدها منه بالشروط الآتية في ثبوت النسب؛ لأنه بمجرد العقد الصحيح يتحقق الفراش.
٣- وقرارها في بيته وعدم خروجها منه بغير حق شرعي إلا بإذنه وامتثالها له فيما لا يمنع مانع شرعي من الامتثال فيه.
٤- وولاية تأديبها بالمعروف شرعا.
ويوجب لكل منهما:
١- التوارث، فإذا مات أحدهما بعد العقد ولو قبل الدخول ورثه الحي منهم, ما لم يمنع من إرثه مانع شرعي.
٢- وحرمة المصاهرة، فبالعقد تحرم الزوجة على أصول زوجها وفروعه, ويحرم على الزوج أصول زوجته، وأما فروعها فلا تحرم عليه إلا أن دخل بها.
٣- وحل استمتاع كل منهما بالآخر على الوجه المأذون به شرعا ما لم يمنع مانع شرعي من حيض أو نفاس أو غيرهما.
٤- وحسن معاشرة كل منهما لصاحبه.