بشبهة لا يجعل للزوج حق احتباس زوجته، بل الواجب على الزوجين الافتراق رفعا للفساد، وإذا لم يثبت حق الاحتباس للزوج لا تستحق الزوجة النفقة لعدم توفر سبب استحقاقها، حتى لو حكم بنفقة للزوجة زواجا فاسدا قبل ظهور الفساد, ثم أداها الزوج تنفيذا للحكم كان له بعد ظهور فساد العقد أن يسترد ما أداه. وأما لو أنفق عليها بغير حكم فهو متبرع وليس له استرداد ما أنفق.
"الثاني" أن تكون الزوجة صالحة لمتعة الزوج ولو بالمؤانسة فقط, ولتحقيق أغراض الزوجية وواجباتها بأن تكون الزوجة كبيرة أو صغيرة تشتهي للأزواج، فإن كانت صغيرة دون سبع سنين لا تشتهي للأزواج بأي حال فلا نفقة لها؛ لأن احتباسها كعدمه حيث لا يوصل إلى الغرض المقصود من الزواج.
وقال أبو يوسف: إذا استبقى الزوج هذه الصغيرة في بيته وأمسكها للاستئناس بها, وجبت لها النفقة لرضاه هو بهذا الاحتباس الناقص، وإن لم يمسكها في بيته فلا نفقة لها، وهذا القول هو المفتى به.
واختلف في الزوجة المريضة مرضا يمنعها من مباشرة الزوج لها, هل تستحق معه النفقة على زوجها أو لا تستحقها؟ والقول المفتى به أنها تستحق النفقة عليه مطلقا سواء مرضت عنده بعد زفافها إليه, أو مرضت في بيت أبيها ولم تمتنع من الانتقال إليه؛ لأن المرض طارئ وقتي كالحيض والنفاس, وليس من حسن المعاشرة الزوجية أن يكون طروء هذا الطارئ مفوتا ما يجب لها من النفقة فلا فرق بين الصحيحة والمريضة, على المفتى به الجاري عليه العمل.
وروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا مرضت قبل زفافها وانتقالها إلى منزل زوجها فلا نفقة لها ما دامت مريضة, ولم تنتقل إلى منزله، وإن زفت إليه وهي مريضة فحكمها حكم الصغيرة التي لا تشتهى, إن أمسكها في بيته فلها النفقة وإن لم يمسكها فلا نفقة لها، وإن زفت إليه سليمة ثم مرضت في بيته فلها النفقة سواء بقيت مدة مرضها في بيته أو عادت إلى بيت أهلها بإذنه.
стр. 107
ومثل المريضة المعيبة بعيب نسائي يمنع من مباشرة الزوج لها فالقول المفتى به لها النفقة مطلقا. وعلى ما روي عن أبي يوسف هي على التفصيل في المريضة؛ لأن هذا العيب ليس إلا نوعا من المرض.
"الثالث" أن لا يفوت على زوجها حقه في احتباسها بغير مبرر شرعي, وبسبب ليس من قبله.
فالزوجة الناشزة لا نفقة لها، والناشزة هي التي خرجت من بيت زوجها بلا إذنه بغير وجه شرعي، أو امتنعت عن الانتقال إليه بغير حق، أو منعته من الدخول عليها في بيتها المقيم معها فيه, ولم تكن سألته النقلة فأبى.
ففي كل حالة من هذه الحالات الثلاث تكون الزوجة ناشزة, أي: مستعصية عليه وخارجة عن طاعته ومفوتة حقه في الاحتباس فلا تستحق النفقة؛ لأنها واجب في مقابلة حق, وما دامت ناشزة فلا حق لها في النفقة، فإن أقلعت عن نشوزها استحقت النفقة من حين إقلاعها عن نشوزها.
وكذلك الزوجة المحبوسة في جريمة أو دين أو ظلما لا تستحق النفقة مدة حبسها؛ لأنها فوتت عليه حقه فيفوت عليها واجبها إلا إذا كان هو الذي حبسها في دين له؛ لأنه هو الذي فوت حقه.
وكذلك الزوجة التي غصبها غاصب وحال بينها وبين زوجها لا تستحق النفقة عليه مدة غصبها؛ لأن الغصب سبب ليس من قبله, وقد فوت عليه حقه في الاحتباس كحبسها ظلما.
وكذلك الزوجة المسافرة ولو لأداء فريضة الحج مع محرم لها لا تستحق نفقة مدة سفرها. لكن إذا حجت مع زوجها نفسه استحقت نفقة الحضر لا نفقة السفر.
وكذلك الزوجة المحترفة التي تخرج نهارا لحرفتها إذا منعها زوجها فلم تمتنع لا تستحق نفقة.
стр. 108
والعلة في هذا كله أن نشوزها وحبسها وغصبها وسفرها واحترافها فيه تفويت لحق زوجها في احتباسها بغير وجه شرعي، فلو كان تفويتها حقه لوجه شرعي, كما إذا خرجت من طاعته؛ لأن المسكن ليس شرعيا، أو لأن الزوج غير أمين على نفسها أو مالها، أو امتنعت من الانتقال إلى منزله؛ لأنه لم يوفها عاجل صداقها ولو بعد الدخول بها، فلا تعد في هذه الأحوال ناشزة وتجب لها النفقة. وقال الصاحبان إذا سلمت الزوجة نفسها إلى زوجها برضاها قبل أن تأخذ معجل صداقها أو ما بقي منه فليس لها بعد ذلك أن تمتنع عن تسليم نفسها إليه لاستيفائه، وإذا امتنعت تكون ناشزة ولا نفقة لها١، وتجب لها النفقة أيضا إذا كان فوات حقه في احتباسها بسبب من قبله هو, بأن كان مريضا مرضا يمنعه من مباشرة النساء، أو معيبا بعيب كذلك كعنة وجبّ وخصاء أو محبوسا في جريمة ارتكبها أو دين ماطل في أدائه، ففي هذه الأحوال هو الذي فوّت حقه على نفسه, فتبقى نفقتها واجبة عليه.
فالخلاصة أن الزوجة بعقد صحيح إذا فات على زوجها حقه في احتباسها بغير وجه شرعي لا تجب لها عليه نفقة ما دامت كذلك، وإن لم يفت عليه حقه أصلا، أو فوتته هي عليه بمبرر شرعي، أو فوته هو على نفسه بسبب من قبله فنفقتها واجبة عليه.
واختلف في سفر الزوج بزوجته إلى بلد غير البلد الذي كانت تقيم معه فيه, هل هو حق للزوج بحيث إذا أبت أن تسافر معه تعد مفوتة حقه في احتباسها بغير حق, فلا تجب لها النفقة أو ليس حقا له إذا كان السفر بعيدا, بحيث إذا امتنعت لا تكون ناشزة، وأصح الأقوال أن للزوج أن ينقل زوجته إلى أي بلد قريبة أو بعيدة متى كان مأمونا على نفسها ومالها، وأوفاها معجل صداقها ولم يقصد بنقلها الكيد لها والإضرار بها، فإذا أبت أن تسافر مع زوج هذه حاله فهي ناشزة ولا نفقة لها ما دامت
стр. 109
كذلك فإن كان غير مأمون على نفسها أو مالها أو كان قاصدا المضارة بنقلها, أو لم يوفها معجل صداقها, فلا يعد امتناعها عن السفر معه في هذه الحال نشوزا وتجب لها النفقة، وهذا هو ما عليه عمل المحاكم الشرعية المصرية الآن.
تقدير النفقة:
نفقة الزوجة تشمل طعامها وكسوتها ومسكنها وخدمتها وكل ما يلزم لمعيشتها حسب المعروف كما قدمنا.
وما دامت الزوجية قائمة والزوج معاشر زوجته فهو الذي يتولى الإنفاق عليها, ويجيئها بما فيه كفايتها من طعام وكسوة وغيرهما، وما دام متوليا هذا الإنفاق وقائما بالواجب فليس للزوجة طلب فرض نفقة.
فإذا شكت مطله في الإنفاق, وأنه تاركها بلا نفقة بغير حق وطلبت فرض نفقة لها بأنواعها الثلاثة: الطعام والكسوة والمسكن وثبت ذلك, فرض لها القاضي النفقة بأنواعها, وأمر الزوج بأداء ما فرض لها, ويصح أن تكون النفقة المفروضة أصنافا بأن يفرض على الزوج أن يرتب لطعامها مقادير معينة من خبز ولحم وخضر وما يستلزمه طعامها. ويرتب لكسوتها شتاء ثيابا معينة وصيفا كذلك. ويصح أن يفرض لها بدل طعامها وكسوتها نقودا, وهي تشتري بها ما يلزمها.
أساس تقدير النفقة: يراعى في تقدير النفقة بأنواعها أمران:
"أولهما" حال الزوج المالية حين فرضها, فإن كان موسرا فرضت لها نفقة اليسار, ولو كانت هي معدمة، وإن كان معسرا فرضت لها نفقة الإعسار, ولو كانت هي ثرية، وإن كان متوسط الحال فنفقة الوسط، وهذا هو الجاري به العمل الآن في المحاكم الشرعية المصرية تطبيقا للمادة ١٦ من القانون رقم ٢٥ سنة ١٩٢٩، ونصها: "تقدر نفقة الزوجة على زوجها بحسب حال الزوج يسرا وعسرا مهما كانت حال الزوجة". وهو مذهب الشافعي, وقول صحيح في مذهب الحنفية. وأما القول الآخر في مذهب الحنفية وهو الذي كان عليه العمل قبل سنة ١٩٢٩ فهو أن النفقة
стр. 110
تقدر بحسب حال الزوجين معا، فإن كانا موسرين فنفقة اليسار، وإن كانا معسرين فنفقة الإعسار، وإن كانا مختلفين فنفقة الوسط، ويؤمر الزوج المعسر بأداء ما في وسعه، والزائد دين عليه إلى الميسرة.
ولكن ما عليه العمل الآن هو صريح القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ وقوله عز شأنه: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ .
"وثانيهما" غلاء الأسعار ورخصها حين الفرض؛ لأن المفروض إنما هو ثمن لشراء حاجيات، والأثمان تختلف باختلاف الأسعار.
فإذا تغيرت الأسعار عن وقت الفرض إلى زيادة، أو تحسنت حال الزوج المالية عما كانت عليه حين الفرض كان للزوجة أن تطلب زيادة نفقتها.
وإذا تغيرت حال الأسعار إلى نقص، أو حال الزوج المالية إلى أسوأ كان للزوج أن يطلب تخفيض النفقة.
ولا يلزم أن تفرض النفقة شهرية بل يصح أن تفرض يومية إذا كان الزوج من العمال الذين يقتضون أجرتهم يوما فيوما وطلب ذلك، وأن تفرض أسبوعية أو سنوية على حسب ما هو ميسر للزوج. وتعطى نفقة أية مدة مقدما حتى تستطيع الزوجة قضاء حاجاتها منها.
والجاري عليه العمل الآن في المحاكم الشرعية المصرية فرض بدل طعامها شهريا وبدل كسوتها عن ستة شهور, على اعتبار أنها تحتاج في السنة إلى كسوتين واحدة للصيف وأخرى للشتاء. وبعض القضاة يفرض مبلغا شهريا لطعامها وكسوتها وسكنها بدون تفصيل, مراعيا أن فيما يفرضه كفاية لها في الأنواع الثلاثة حسب حال زوجها.
стр. 111
وإذا تبين بعد فرض النفقة أن التقدير كان خطأ لا يقوم بكفاية الزوجة حسب حال زوجها؛ لأن ما فرض لطعامها لا يسد حاجتها, وما فرض لكسوتها كذلك مع أنها لم تستعمل ثيابها غير الاستعمال المعتاد, عدّل القاضي المفروض لطعامها وكسوتها تعديلا يتفق وكفايتها مع رعاية حال الزوج.
والمسكن الذي يهيئه الزوج لزوجته ويجب عليها أن تطيعه فيه, بحيث إذا امتنعت من الطاعة فيه تعتبر ناشزة هو المسكن اللائق لحالة الزوج المالية, سواء كان منزلا مستقلا أو شقة في منزل أو حجرة من شقة حسب ميسرة الزوج, بشرط أن يكون خاليا من أهله وأهلها, وفيه المرافق الشرعية, وبين جيران صالحين تأمن فيه على نفسها ومالها، فإذا أعد لها مسكنا مستكملا هذه الشروط فقد قام بما يجب عليه.
وليس له أن يجبرها على إسكان أحد معها في مسكنها من أهله وأولاده من غيرها, سوى ولده الصغير غير المميز، كما أنها ليس لها أن تسكن معها أحدا من أهلها وأولادها من غيره, ولا ولدها الصغير غير المميز، والغرض من هذا منع إضرار واحد منهما بصاحبه وتوفير أسباب الراحة لهما.
وإذا كان في منزل شقق متعددة أو في دار بيوت متعددة والزوجة تسكن في إحداها، وللزوج قريبات كأمه وأخته وبنته تسكن في الأخرى, فليس لها أن تطلب النقلة إلى مسكن آخر, إلا إذا آذينها بفعل أو قول. وأما إذا كان في الشقة الأخرى من المنزل أو في البيت الآخر من الدار ضرتها فلها أن تطلب النقلة إلى مسكن آخر بعيد عنها مطلقا؛ لأن مجرد وجود الضرة إيذاء لها١.
وإذا لم يهيئ الزوج هذا المسكن الشرعي فرض القاضي عليه بدل سكناها, مراعيا حاله وأجور المساكن وأمره بأدائه لها.
стр. 112
وإذا كان الزوج معسرا فلا تجب عليه نفقة خادم؛ لأن الواجب على المعسر نفقة الكفاية, وهي تكتفي بخدمة نفسها، وإذا كان موسرا وجبت عليه نفقة ما تحتاج إليه من خادم أو أكثر, حسب يساره وحاجتها متى كان هذا الخادم مملوكا لها ومتفرغا لخدمتها، وفلو لم يكن لها خادم مملوك لا يلزمه إحضار خادم يخدمها بل يلزمه أن يحضر لها ما تحتاجه.
نفقة زوجة الغائب:
إذا طلبت الزوجة فرض نفقة لها على زوجها الغائب فرض لها ولا تمنع غيبة الزوج من القضاء عليه بنفقة زوجته.
وإذا كان لهذا الغائب مال من جنس النفقة كالغلال والنقود, وكان هذا المال في يد الزوجة فرض القاضي لها النفقة, وأمرها بأخذ المفروض لها مما في يدها من ماله.
وإن كان مال الزوج الغائب الذي هو من جنس النفقة وديعة عند أحد أو دينا في ذمة أحد, وطلبت الزوجة فرض نفقة لها على زوجها وأمر المودع أو المدين بأداء المفروض لها, فإن كان كل من المودع أو المدين معترفا بالزوجية وبالوديعة أو الدين فرض القاضي النفقة, وأمر المودع أو المدين بأداء المفروض لها؛ لأنه معترف بأن لها حقا فيما عنده للغائب. وإن كانا غير معترفين بهما أو بأحدهما والقاضي يعلم ما أنكره فرض وأمر بالأداء أيضا إعانة لصاحبة الحق على وصلها إلى حقها. وإن كان كل منهما غير معترف بالزوجية ولا بالوديعة أو الدين ولا علم للقاضي بهما تسمع الدعوى من الزوجة وتطلب منها البينة على ما أنكر، فإذا أقامتها قضي لها بالنفقة وأمر المنكر بالأداء. وهذا قول زفر المفتى به, ووجهه أن القضاء هنا هو بمجرد النفقة سدا لحاجة الزوجة ولا ضرر فيه على الزوج؛ لأنه يحتاط لحقه بأخذ كفيل منها بما أخذت، وتحليفها اليمين على أنها تستحقه. وله المعارضة بعد عودته ودفع دعواها بما يبطلها.
وقال الإمام وصاحباه لا تسمع دعواها على المودع أو المدين عند إنكارهما الزوجية والوديعة أو الدين؛ لأنه ليس واحد منهما خصما لها في إثبات ما أنكره؛ لأن
стр. 113
إثبات الوديعة أو الدين يكون من المودع أو الدائن. وإثباتها الزوجية يكون في مواجهة الزوج، وإذا لم تكن خصومة فلا تسمع الدعوى.
وفي كل موضع يقضى على الغائب بنفقة لزوجته يحتاط القاضي لحقه, بأخذ كفيل من الزوجة يكون ضامنا لما أخذته إن تبين أنها لا تستحقه، وبتحليفها اليمين على أنها تستحق نفقة عليه.
وللغائب بعد عودته أن يعارض في الحكم, ويدفع دعواها بما يبطلها, كأن يدفعها بأنها مطلقة انقضت عدتها أو ناشزة, أو أنه ترك لها قبل غيبته ما تنفق منه على نفسها. وإذا أثبت ما دفع به بالبينة, وتقرر قبول الدفع ونقض الحكم المعارض فيه, فله الرجوع على زوجته أو كفيلها بما أخذت من ماله بغير حق.
هذا إذا ترك الغائب مالا من جنس النفقة. أما إذا ترك ما لا ليس من جنس النفقة, بأن كان ماله عقارات مثلا فلا يباع شيء من عقاراته تنفيذا لنفقتها، بل تكون نفقتها في أجرة ما يؤجر منها؛ لأن مال المدين لا يباع في دينه عند الإمام مطلقا، ولا يباع عند الصاحبين إلا إذا امتنع من أدائه، ومع الغيبة لم يثبت امتناع.
وإذا لم يترك مالا أصلا لا من جنس النفقة ولا من غيره قضى القاضي لها بالنفقة وأمرها أن تستدينها, وتجب الإدانة على من تجب عليه نفقتها من أقاربها لو لم تكن متزوجة. ولو طلبت تطليقها منه لإعساره لا تجاب إلى طلبها؛ لأن إعسار الزوج سواء كان غائبا أو حاضرا ليس مسوغا لتطليق زوجته منه؛ لأن اليسر عرض يزول والمال غاد ورائح.
هذا هو مذهب الحنفية وهو ما كان عليه عمل المحاكم الشرعية المصرية قبل صدور القانون ٢٥ سنة ١٩٢٠ أم بعد صدرو هذا القانون فقد قضت المادة الخامسة منه بأن الغائب إذا كان له مال ظاهر يمكن التنفيذ فيه بالطرق المعتادة نفذ حكم النفقة فيه سواء كان هذا المال من جنس النفقة أو من غير جنسها. والمراد بالطرق المعتادة
стр. 114
في التنفيذ ما ورد في لائحة التنفيذ من البدء بالتنفيذ على النقود الموجودة عينا, ثم على المنقولات, ثم على العقار في حالة عدم وجود منقولات, أو عدم كفاية ثمنها، ولا يجوز بيع منزل السكنى، وإن لم يكن له مال ظاهر يمكنها أن تنفذ حكم نفقتها فيه, وطلبت تطليقها منه طلقها القاضي مه في الحال، أو بعد إعذاره ومضي الأجل المضروب له على التفصيل بين الغائب غيبة بعيدة والغائب غيبة قريبة, الذي يتبين في فرق الزواج كما سيتبين أن لزوجة الغائب إذا غاب سنة فأكثر بلا عذر أن تطلب تطليقها منه ولو كان له مال ظاهر كما نص على هذا في القانون رقم ٢٥ سنة ١٩٢٩.
متى تكون النفقة دينا على الزوج: نفقة الزوجة واجبة على زوجها بالعقد الصحيح عليها, ولكنها في مذهب الحنفية لا تصير دينا في ذمة الزوج بمجرد امتناعه عن الإنفاق, مع وجوبه بل هي على التفصيل الآتي:
النفقة المستحقة للزوجة إذا لم يصدر حكم بها, أو لم يتراض الزوجان عليها, وأنفقتها الزوجة على نفسها من مالها أو مما استدانته من غيرها في مدة شهر أو أكثر, لا تكون دينا على الزوج بحيث إذا طلبت الحكم لها بنفقتها عن مدة ماضية سابقة على وقت التقاضي أو التراضي شهر فأكثر لا تجاب إلى طلبها؛ لأن ما أنفقته على نفسها من غير قضاء أو رضا لا ترجع به على زوجها، غير أنه يجاب طلبها عن مدة سابقة على الحكم أقل من شهر؛ لأن هذه المدة تعتبر فترة التقاضي, ولا بد أن يمضي مثلها على المدعية قبل القضاء لها.
أما نفقة الزوجة التي صدر بها حكم أو تراضى الزوجان عليها, ولكن لم يقرن الحكم أو التراضي بإذن الزوجة باستدانتها فإنها تكون دينا للزوجة على زوجها, تطالبه بما تجمد لها منه سواء أنفقت على نفسها من مالها أو مما استدانته من غيرها. ومثله ما أنفقته على نفسها من غير قضاء أو تراض ولكن في مدة أقل من شهر. ولكنه دين ليس صحيحا من كل وجه بل هو دين ضعيف ولهذا يسقط بما يسقط به الدين
стр. 115
الصحيح وهو الأداء أو الإبراء ويسقط أيضا بواحد من ثلاثة، بنشوز الزوجة فإذا خرجت الزوجة عن طاعة زوجها بغير حق شرعي, وكان لها متجمد من هذا الدين سقط بنشوزها، وبموت أحد الزوجين فإذا مات أحدهما وفي ذمة الزوج متجمد من هذا الدين سقط عنه, فلو كان هو الذي مات ليس لها أن تأخذه من تركته, ولو كانت هي التي ماتت ليس لورثتها أن يطالبوا زوجها به، وبطلاقها الذي بني على سبب من قبلها كسوء خلقها، فإذا طلقها سقط المتجمد لها عليه من هذا الدين, إذا ثبت أنه كان له العذر في تطليقها؛ لأنها هي التي اضطرته إليه لسوء معاشرتها أو سوء سمعتها مثلا. وقيل إن الطلاق أيا كان سببه لا يسقط هذا الدين. وقيل إن الطلاق أيا كان سببه يسقط هذا الدين والمختار هو التفصيل المتقدم.
وأما نفقة الزوجة التي صدر حكم بها أو تراضى الزوجان عليها، وأذنت الزوجة من القاضي أو من زوجها باستدانتها واستدانتها الزوجة فعلا للإنفاق على نفسها, فهي دين صحيح لا يسقطه إلا الأداء أو الإبراء, ولا يسقطه واحد من النشوز أو الموت أو الطلاق.
ففي مذهب الحنفية النفقة الواجبة للزوجة إذا لم يؤدها الزوج لها مع وجوبها قد لا تكون دينا عليه أصلا، وقد تكون دينا ضعيفا، وقد تكون دينا صحيحا.
وكان عمل المحاكم الشرعية على هذا إلى أن صدر القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٠ ونص في المادة الأولى منه على أن نفقة الزوجة المستحقة لها شرعا تعتبر دينا صحيحا لها في ذمة زوجها, من وقت امتناعه عن الإنفاق مع وجوبه بلا توقف على قضاء أو تراض منهما, ولا يسقط هذا الدين إلا بالأداء أو الإبراء. ونص في المادة الثانية منه على أن المطلقة التي تستحق نفقة العدة تعتبر نفقتها كذلك دينا صحيحا من تاريخ طلاقها. وهذا مأخوذ من مذهب الشافعي.
стр. 116
وهذا نص المادتين المشار إليهما وتعليمات وزارة الحقانية بشأنهما:
مادة ١- تعتبر نفقة الزوجة التي سلمت نفسها لزوجها ولو حكما دينا في ذمته من وقت امتناع الزوج عن الإنفاق, مع وجوبه بلا توقف على قضاء أو تراض منهما ولا يسقط دينها إلا بالأداء أو الإبراء.
مادة ٢- المطلقة التي تستحق النفقة تعتبر نفقتها دينا كما في المادة السابقة من تاريخ الطلاق.
التعليمات: اشتملت هاتان المادتان على حكمين مخالفين لما كان العمل جاريا عليه قبل صدور هذا القانون وهما:
١-أن نفقة الزوجة أو المطلقة لا يشترط في اعتبارها دينا في ذمة الزوج القضاء أو الرضا، بل تعتبر دينا من وقت امتناع الزوج عن الإنفاق مع وجوبه.
٢- أن دين النفقة من الديون الصحيحة, وهي التي لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء.
ويترتب على هذين الحكمين:
١- أن للزوجة أو المطلقة أن تطلب الحكم لها بالنفقة على زوجها من مدة سابقة على الترافع, ولو كانت أكثر من شهر إذا ادعت أن زوجها تركها من غير نفقة, مع وجوب الإنفاق عليها في هذه المدة طالت أو قصرت, ومتى أثبتت ذلك بطريق من طرق الإثبات ولو كان شهادة الاستكشاف المنصوص عليها في المادة ١٧٧ من اللائحة حكم لها بما طلبت.
٢- أن دين النفقة لا يسقط بموت أحد الزوجين ولا بالطلاق ولو خلعا، فللمطلقة مُطْلقا الحق فيما تجمد لها من النفقة حال قيام الزوجية ما لم يكن عوضا لها عن الطلاق أو الخلع.
стр. 117
٣- أن النشوز الطارئ لا يسقط متجمد النفقة, وإنما يمنع النشوز مطلقا من وجوبها ما دامت الزوجة أو المعتدة ناشزة.
وظاهر أن هذين الحكمين هما المنصوص عليهما في هاتين المادتين, وأما ما عداهما من أحكام النفقة فالمرجع فيه إلى الأرجح من مذهب أبي حنيفة طبقا لما نص عليه في اللائحة, وعلى هذا يكون المرجع فيمن تجب لها النفقة ومن لا تجب هو مذهب أبي حنيفة.
ومن المقارنة يتبين أن ما كان عليه العمل قبل سنة ١٩٢٠ وهو مذهب الحنفية كان يفوت على الزوجات نفقتهن عن كل مدة سابقة على وقت الحكم شهر فأكثر، ولذلك ما كانت تصدر أحكام النفقات مستندة إلى تاريخ سابق على الحكم بأكثر من شهر، وما صار عليه العمل بعد سنة ١٩٢٠ وهو مذهب الشافعية جعل للزوجة الحق في أن تطلب الحكم لها بالنفقة عن كل مدة سابقة طالت أو قصرت.
وقد تبين أن بعض الزوجات استغلت هذا التعديل لإرهاق الأزواج بمبلغ باهظ متجمد عن عدة سنين فيتركن المطالبة بالنفقة حتى تمضي مدة طويلة ويتجمد فيها مبلغ باهظ يرهق الزوج، ولهذا تدورك الأمر ونص في الفقرة ٦ من المادة ٩٩ من القانون رقم ٧٨ لسنة ١٩٣١ "اللائحة" على ما يأتي: "ولا تسمع دعوى النفقة عن مدة ماضية لأكثر من ثلاث سنوات ميلادية نهايتها تاريخ رفع الدعوى".
وجاء في المذكرة الإيضاحية بشأن هذه الفقرة ما نصه:
"أما النفقة عن المدة الماضية فقد رئي أخذا بقاعدة جواز تخصيص القضاء ألا تسمع الدعوى بها لأكثر من ثلاث سنوات ميلادية نهايتها تاريخ قيد الدعوى. ولما كان في إطلاق إجازة المطالبة بالنفقة المتجمدة عن مدة سابقة على رفع الدعوى احتمال المطالبة بنفقة سنين عديدة, ترهق الشخص الملزم بها, رئي من العدل دفع صاحب الحق في النفقة إلى المطالبة بها أولا فأولا بحيث لا يتأخر أكثر من ثلاث
стр. 118
سنين، وجعل ذلك من طريق منع سماع الدعوى وليس في ذلك الحكم ضرر على صاحب الحق في النفقة إذ يمكنه أن يطالب به قبل مضي الثلاث سنين١".
وبما أن نفقة الزوجة التي تستحقها على زوجها تعتبر دينا في ذمته من وقت امتناعه عن الإنفاق, يصح أن تبرئه الزوجة من دين نفقتها كله أو بعضه متى صادف الإبراء دينا في ذمته. وبما أنها تعتبر دينا صحيحا لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء, فإذا كان للزوج دين في ذمتها وطلب أحدهما مقاصة الدينين أجيب إلى طلبه لاستواء الدينين في القوة.
وإذا عجل الزوج لزوجته نفقة مدة مستقبلة كشهر مثلا, ثم طرأ في أثناء المدة ما يجعلها لا تستحق النفقة بأن نشزت في نصف الشهر أو مات أحد الزوجين، قال الشيخان: لا يسترد شيء مما عجل من النفقة؛ لأنها وإن كانت جزاء احتباس فيها شبهة الصلة، والصلة بين الزوجين لا رجوع فيها. وقال محمد والشافعي: يسترد من المعجل نفقة المدة التي لا تستحق نفقة عنها؛ لأنها إنما أخذته جزاء احتباسها، ومتى فات الاحتباس فلا حق لها فيه، فعليها أن ترده.
ومقتضى الأخذ بمذهب الشافعي في اعتبارها دينا صحيحا من حين وجوبها أن يؤخذ بهذا فيكون له استرداد ما عجله مما تبين عدم وجوبه عليه.
стр. 119
٣- عدم الإضرار بالزوجة:
من حق الزوجة على زوجها أن لا يضرها بقول أو فعل أو خلق قال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ فإذا لم يوفها زوجها هذا الحق وأضر بها كأن كان
يضربها أو يؤذيها بأقواله أو أفعاله، ففي مذهب الحنفية ليس لها أن تطلب تطليقها منه لهذا, وإنما ترفع أمرها للقاضي ليزجره ويعزره ليرتدع عن الإضرار بها١.
ولكن لما كانت أحكام مذهب الحنفية في هذا الباب ليس فيها مخلص من شقاء الزوجية وإضرار الزوج بزوجته, أخذت المحاكم الشرعية في مصر بمذهب مالك دفعا للضرر، فكان لها أن تتخلص من زوجيته وتطلب تطليقها منه، كما شرع لها أن تطلب التطليق لغيبة زوجها عنها سنة فأكثر بلا عذر، ولحبسه، ولإعساره عن نفقتها ولامتناعه عن الإنفاق عليها مع قدرته، ولوجوب عيب أو داء مستحكم به. والغرض من هذا تمكينها من دفع الضرر عن نفسها, وحمل زوجها على عدم الإضرار بها. وسترى كل هذا مفصلا في كتاب الطلاق.
стр. 120
٤- العدل بين الزوجات:
من حق الزوجات على زوجهن أن يعدل بينهن؛ لأن الله تعالى أمر بالاقتصار على زوجة واحدة عند خوف الجور، وهذا يقتضي وجوب العدل بينهن إذا تعددن قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك".
والواجب أن يعدل الزوج بينهن فيما يملك فيسوي بينهن في الإنفاق عليهن؛ لأن النفقة حسب حاله هو على ما عليه العمل الآن. ويسوي بينهن في المبيت عندهن بحيث يؤنس كل واحدة بالمبيت عندها عددا من الليالي مثل عدد ليالي الأخرى. أما ما لا يملك وهو ميل القلب فلا يكلف المساواة فيه؛ لأنه لا تكلف نفس إلا وسعها وهو المراد بقوله : ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ .
стр. 121
فالعدل المشروط لإباحة التعدد هو القدر المستطاع من المساواة. والذي نفيت استطاعته هو المثل الأعلى من العدل والمساواة في كل شيء بغاية الدقة, بلا نقص أو زيادة فيه حتى في الود القلبي.
ومدة الإقامة عند كل واحدة يقدرها هو وينبغي أن لا تكون طويلة والرأي له فيمن يبدأ بها، وإذا كان ممن يشتغلون ليلا تكون المناوبة نهارا، ولا ينبغي أن يقيم عند واحدة أكثر من الأخرى إلا إذا رضيت إحداهن بذلك، ولا يدخل على غير صاحبة الدور إلا لعذر كعيادتها إن مرضت. ولا فرق في هذا كله بين الجديدة والقديمة، والبكر والثيب، والمسلمة والكتابية، والمريضة والصحيحة. وإذا سافر فله أن يسافر بمن يشاء؛ لأن السفر يحتاج إلى معونة قد تكون إحداهن أقدر عليها من الأخرى والأولى أن يعمل قرعة بينهن تطييبا لقلوبهن.
والغرض من هذا أن لا يؤذي واحدة بإيثار الأخرى, وأن يعمل ما في وسعه ليرضين جميعا، وإذا كان العدل المطلق لا يستطاع فالعدل الممكن في استطاعته. وإذا جار بينهن في المعاملة فلمن يلحقها الضرر بهذا الجور أن تطلب طلاقها منه دفعا للضرر عن نفسها، على ما عليه عمل المحاكم الشرعية المصرية الآن. وأما على مذهب الحنفية فلها أن تطلب من القاضي تعزيره زجرا له.
стр. 122
حقوق الزوج على زوجته
مدخل
...
حقوق الزوج على زوجته:
الأصل الذي بنيت عليه حقوق الزوج على زوجته هو قوله تعالى في سورة النساء: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ . فقوله سبحانه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ أثبت للأزواج حق الطاعة؛ لأن القيّم لا يكون قيّما إلا إذا نفذت كلمته ووجبت طاعته. وقوله سبحانه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ الآية أثبتت للأزواج ولاية التأديب.
стр. 123
١- الطاعة:
إذا أعد الزوج لزوجته المسكن الشرعي المستكمل لحاجات معيشتها الخالي من أهلهما, الذي تأمن فيه على نفسها ومالها, وكان هو أمينا عليها وأوفاها معجل صداقها يجب عليها أن تقيم معه في هذا المسكن، وإذا خرجت منه تعد ناشزة. وكذلك يجب عليها أيضا أن تمتثل أمره إلا فيما نهى الله عنه. وأن تقر في المسكن الذي أعده لها ولا تخرج منه بغير إذنه إلا لضرورة، كزيارة أبويها في كل أسبوع مرة، ومحارمها في كل سنة مرة، ولا تبيت عند أحد منهم إلا بإذن زوجها، كما لا تزور أي أحد آخر إلا بإذنه، ولا تسمح بدخول أحد في بيته إلا بإذنه، وإذا كان أبوها مريضا واحتاج إليها, وليس له من يقوم بشأنه غيرها, وأبى الزوج أن يأذنها بالذهاب إليه فلها أن تذهب إلى أبيها المريض بغير إذنه، ولا يعد هذا خروجا عن الطاعة الواجبة عليها؛ لأن حق الوالدين مقدم على حق الزوج عند التعارض.
стр. 124
٢- ولاية التأديب:
قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ فإن خالفت الزوجة فيما تجب عليها الطاعة فيه، فلزوجها أن يؤدبها بادئا بالموعظة الحسنة، ثم بالهجر في المضجع بأن لا يبيت معها في فراش واحد، ثم بالضرب غير المبرح. وليس له أن يضربها ضربا أليما مبرحا لأي سبب, فإن فعل فهو إضرار بها يستحق عليه التعزير على مذهب الحنفية. ويخول لها أن تطلب التفرقة على ما عليه العمل الآن. وليس له أي ولاية على مالها، فهو ملك خالص لها تتصرف فيه كما تشاء لا فرق بين مال زفت إليه به ومال تملكته بعد زفافها.
стр. 125
الحقوق المشتركة بين الزوجين:
أما الحقوق المتبادلة بينهما فهي حرمة المصاهرة، والتوارث، وحل الاستمتاع، وحسن المعاشرة، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . وقال رسول الله ﷺ في خطبته يوم حجة الوداع: "ألا واستوصوا بالنساء خيرا, فإنما هن عوار عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك, إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا. ألا أن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا, فحقكم عليهن أن لا يوطئن فراشكم من تكرهون, ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون, وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن".
وقال ﷺ : "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائهم".
стр. 126
زوج المسلم بالكتابيات
...
زواج المسلم بالكتابيات:
بينا أنه يحل للمسلم أن يتزوج الكتابية التي تدين بدين إلهي, وتؤمن برسول وكتاب منزل. وهذا الزواج مع إباحته مكروه كراهة التنزيه؛ لأن الأصل أن تبادل المودة والرحمة والمعونة والمواساة على وجه الازدواج, إنما يكون بين الزوجين المتحدين في الدين، ولذا قال في الفتح: "ويجوز للمسلم تزوج الكتابيات, والأولى أن لا يفعل إلا للضرورة". وكل الشروط التي تشترط لانعقاد الزواج وصحته ونفاذه, كما يجب توافرها في عقد زواج المسلم بالمسلمة يجب توافرها في عقد زواج المسلم بالكتابية. وجميع الأحكام والحقوق والواجبات التي تترتب على عقد زواج المسلم بالمسلمة تترتب على عقد زواج المسلم بالكتابية. فالكتابيتان المحرمان لا يجوز للمسلم أن يجمع بينهما كالمسلمتين المحرمين. والكتابية إن كانت كبيرة مكلفة تباشر عقد زواجها بنفسها كالمسلمة، وإن كانت صغيرة أو في حكمها لجنون أو عته يباشر عقد زواجها وليها المتحد معها في الدين. وإذا تم عقد زواجها بالمسلم سواء أكانت بمباشرتها أم بمباشرة وليها وجب لها من المهر، والنفقة, وعدم الإضرار بها، والعدل بينها وبين
ضرائرها ما يجب للزوجة المسلمة. ووجب لزوجها المسلم عليها من الحقوق والواجبات ما يجب له على الزوجة المسلمة، فعليها طاعته وله ولاية تأديبها بالمعروف ومنعها عن الخروج من بيته إلا بإذنه، وله أن يطلقها متى شاء وأن يتزوج عليها
стр. 127
واحدة أو اثنتين أو ثلاثا، وتثبت بينهما حرمة المصاهرة, ويجب لكل منهما على الآخر حسن المعاشرة. ولا فرق بين المسلمة والكتابية إلا في أمور:
١- أن الزوجة المسلمة يشترط في الشاهدين اللذين يحضران عقد زواجها أن يكونا مسلمين، ولكن الزوجة الكتابية لا يشترط في شاهدي عقد زواجها أن يكونا مسلمين، بل يصح زواجها بشهادة المسلمين وبشهادة الكتابيين, ولو كانا مخالفين لها دينا كما إذا كانت يهودية وشاهدا عقدها مسيحيين.
٢- أن من أحكام زواج المسلم بالمسلمة ثبوت التوارث بينهما إذا مات أحدهما والزوجية باقية، ولكن زواج المسلم بالكتابية لا يثبت به التوارث إذا مات أحدهما وكل على دينه, فلا يرث الزوج المسلم زوجته الكتابية إذا ماتت قبله، ولا ترث الزوجة الكتابية زوجها المسلم إذا مات قبلها؛ لأن اختلاف الدين من موانع الإرث على ما هو مبين في موضعه.
٣- الأولاد الذين يولدون للمسلم من زوجته الكتابية يكونون مسلمين تبعا لدين أبيهم لا فرق بين ذكورهم وإناثهم، ولا يتبع أحد منهم أمه في دينها، ويترتب على هذا أنهم يرثون أباهم ويرثهم أبوهم لاتحادهم وإياه في الدين، ولا يرثون أمهم ولا ترثهم أمهم لاختلافهم معا في الدين، وأما أولاد المسلم من المسلمة فيتوارثون مع أبويهم لاتحادهم جميعا في الدين.
وإذا تزوج المسلم كتابية ثم انتقلت بعد الزواج من دينها السماوي إلى دين سماوي آخر كما إذا كانت يهودية فتنصرت استمر زواجها على صحته؛ لأن دينها الذي انتقلت إليه يصح زواجها عليه ابتداء فيصح بقاء؛ لأن القاعدة أن ما لا يمنع ابتداء العقد لا يمنع بقاءه. لكن إذا ارتدت عن دينها السماوي, ولم تعتنق دينا سماويا آخر فهي لا دين لها, ولا يحل زواجها بالمسلم ابتداء, فلا يحل أن تبقى زوجة للمسلم فيبطل العقد ويجب التفريق بينهما إن لم يفترقا من تلقاء أنفسهما.
стр. 128
وزواج المسلم بالكتابيات في مصر ليس للمأذون الشرعي أن يباشره، وإنما يباشره القاضي الشرعي بعد تحريات وإجراءات خاصة، وقد وضعت لهذا الزواج وثيقة خاصة دون فيها أكثر حقوق الزوجية التي تقضي بها الشريعة الإسلامية. وعلى القاضي ألا يباشر العقد إلا بعد أن يفهم الطرفين أن الشريعة الإسلامية تقضي بهذه الأحكام, وبعد تلاوتها عليهما وفهم كل منهما جميع ما اشتملت عليه, وقبولهما المعاملة بمقتضاها وبمقتضى باقي أحكام الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالزوجية وحقوقها يجري عقد الزواج بينهما.
وهذه هي الأحكام التي دونت في الوثيقة المذكورة:
١- أنه يجوز للزوج أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع في آن واحد رغم معارضة الزوجة التي تكون في عصمته إذا لم يكن هناك مانع شرعي.
٢- وله أن يطلق زوجته متى شاء قبلت الزوجة ذلك أم لم تقبل، وله أن يمنعها عن الخروج من منزله إلا بإذنه، وله أن يطلبها إلى مسكنه الشرعي, ويلزمها طاعته جبرا على الوجه الشرعي.
٣- طلاق الزوج لزوجته إن كان رجعيا فله الحق في مراجعته إياها بدون رضاها ما دامت في عدته. أما إذا كان الطلاق بائنا فليس له مراجعتها إلا برضاها وبعقد ومهر جديدين، وإذا كان الطلاق ثلاثا فلا تجوز له حتى تنكح زوجا غيره, ثم يطلقها أو يموت عنها.
٤- إذا طلق الزوج زوجته, فإن كان سمى لها مهرا وكان الطلاق قبل الدخول بها فلا تستحق إلا نصف المهر المسمى، وإن كان الطلاق من بعد الدخول بها تستحق مهرها بتمامه، فإذا كان عجل لها منه شيئا طالبته بباقيه، وإن لم يكن سمى لها مهرا وطلقها قبل الدخول بها فلا تستحق عليه سوى كسوة مبينة في الشرع، وإن كان الطلاق بعد الدخول تستحق على الزوج مهر مثلها بحسب
стр. 129
تقدير القاضي أو اتفاق الطرفين، كذلك تستحق نفقة العدة إن كان الطلاق بعد الدخول ولا تستحقها إن كان قبله, وتقدير قيمتها يكون بمعرفة القاضي أو تراضي الطرفين.
٥- إذا كان للزوجة من زوجها أولاد يكونون تابعين في الدين لمذهب الزوج المسلم، فإذا طلقها بائنا يكون لها الحق في إرضاع أولادها بأجرة على والدهم، وكذلك حضانة أولادها تكون من حقها بالقيمة التي يقررها القاضي الشرعي أو يتفق عليها الطرفان, وتكون مدة الحضانة سبع سنين للابن وتسع سنين للبنت ما لم ير القاضي خلاف ذلك لمانع.
٦- اختلاف الدين مانع من موانع الميراث فلا يرث أحد الزوجين الآخر إذا مات.
стр. 130
زواج غير المسلمين بعضهم ببعض:
المراد بغير المسلمين ما يشمل أهل الكتاب والمشركين وكل من لا يدينون بالإسلام، والأساس الذي بني عليه الإسلام معاملة المسلمين لمن في بلادهم من غير المسلمين أننا أمرنا بتركهم وما يدينون وعدم التعرض لهم فيما يعتقدون.
وعلى هذا الأساس كل زواج تم بين اثنين منهم صحيحا حسب دينهم, لا يجوز للمسلم الاعتراض عليه ولا للقضاء الإسلامي التعرض له, سواء أكانا من أهل الكتاب أم من المشركين أم من غيرهم، وسواء أكان هذا الزواج صحيحا في حكم الإسلام أم غير صحيح في حكمه لفقده أي شرط من شروطه.
فلو تزوج اليهودي إحدى محارمه نسبا أو رضاعا أو مصاهرة، أو تزوج المسيحي بغير حضور شهود، أو تزوج المجوسي معتدة مجوسي آخر, وكان ذلك كله جائزا في دينهم فهم وما يدينون ولا يجوز التعرض لهم في زوجيتهم١ حتى لو اختصما
стр. 131
إلينا في بعض آثار هذه الزوجية كأن طلبت زجة المسيحي من القاضي الشرعي الحكم لها على زوجها المسيحي بنفقة، أو طلب هو الحكم له عليها بالطاعة تسمع الدعوى ويقضى بالنفقة أو الطاعة, ولو كانت الزوجية غير صحيحة في حكم الإسلام ما دامت صحيحة في دينهم ولم يختصما إلينا فيها؛ لأنا أمرنا بتركهم وما يدينون.
ولكننا نتعرض لهم ونمضي حكم الإسلام في زوجيتهم في حالات ثلاث:
"الأولى" أن يختصما في الزوجية ويترافعا إلينا طالبين حكم الإسلام فيها١ فحينئذ يفصل في هذه الزوجية بما تقضي به الشريعة الإسلامية عملا بقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ولأنهما بالترافع إلينا رضيا حكم شريعتنا وطلبا إمضاءه في زواجهما.
فإذا ثبت أن الزواج المتنازع فيه بينهما كان حين عقده مستوفيا الشرائط الشرعية وصحيحا في حكم الإسلام قضى القاضي بصحته؛ لأن كل زواج صحيح بين المسلمين فهو صحيح بين غيرهم.
وإذا ثبت أنه كان حين عقده غير صحيح في الإسلام لعدم حضور شهود؛ أو لأن الزوجة حين العقد عليها كانت في عدة كتابي كان زوجا لها من قبل، قضى القاضي أيضا بصحته ما دام ذلك جائزا في دينهم؛ لأنهما لما رضيا بحكم الإسلام لم يلتزما بمذهب معين من مذاهب أئمة المسلمين، وما دام الزواج بغير حضور شهود صحيحا في بعض المذاهب الإسلامية, وهو مذهب مالك؛ لأن الشرط عنده إعلانه ولو بغير الشهود, فإنه يقضى بصحته بينهم ما دام متفقا ودينهم.
وأما إذا ثبت أنه كان حين عقده غير صحيح في الإسلام لكون الزوجة إحدى محارم الزوج بنسب أو رضاع أو مصاهرة، أو لكونها كانت حين العقد عليها معتدة
стр. 132
لمسلم فإنه يقضى ببطلانه وبالتفريق بينهما؛ لأنه بإجماع أئمة المسلمين زواج غير صحيح في حكم الإسلام فلا يقرهما عليه القضاء الشرعي١.
"الثانية" أن يكون في زوجيتهما اعتداء على حق مسلم كما إذا كانت كتابية متزوجة بمسلم فطلقها فتزوجها كتابي وهي في عدة المسلم، فإن القاضي يفرق بينهما ولو لم يترافعا إلينا محافظة على حق المسلم.
"الثالثة" أن يسلم الزوجان أو أحدهما، فإن أسلما معا وكانت زوجيتهما مما يقرها الإسلام بأن كانت صحيحة في حكمه لاستيفائها شروطه، أو غير صحيحة لعدم حضور شهود؛ أو لأن الزوجة حين العقد عليها كانت معتدة لغير مسلم يقران على زوجيتهما ولا يتعرض لهما، وإن كانت زوجيتهما مما لا يقرها الإسلام بأن كانت غير صحيحة؛ لأن الزوجة إحدى محارم الزوج؛ أو لأنها حين العقد عليها كانت معتدة لمسلم فلا يقران على زوجيتهما. وإن لم يفترقا من تلقاء أنفسهما يقضى بالتفريق بينهما ولم لم يترافعا إلينا؛ لأنهما بإسلامهما التزما إمضاء حكم الإسلام فيهما وهذه زوجية لا يقرها الإسلام فيجب عليهما الافتراق وألا فرق بينهما القضاء شأن كل مسلمين تعاشرا بزواج غير صحيح شرعا.
وإذا أسلم الزوج وحده وكانت زوجته كتابية فزواجها باق على حاله ما دامت زوجيتهما مما يقرها الإسلام؛ لأن زواج المسلم بالكتابية يحل ابتداء فيحل بقاء. وأما إذا أسلم وكانت زوجته غير كتابية بأن كانت مشركة فإنه يعرض عليها الإسلام، فإن أبت أن تسلم أو تدين بأي دين إلهي فرق بينهما؛ لأن زواج المسلم بغير الكتابية
стр. 133
لا يصح ابتداء فلا يصح بقاء، وإن أسلمت أو اعتنقت أي دين سماوي فزواجهما باق على حاله ما دام مما يقره الإسلام.
وإذا أسلمت الزوجة وحدها فسواء أكان الزوج كتابيا أم غير كتابي يعرض عليه الإسلام إن كان أهلا لعرض الإسلام عليه, بأن كان بالغا عاقلا أو صبيا مميزا أو معتوها مميزا، فإن أبى أن يسلم فرق بينهما القضاء؛ لأن المسلمة لا يصح أن تكون زوجة لغير مسلم، وإن أسلم فزواجهما باق على حاله ما دام مما يقره الإسلام١.
وإن كان غير أهل لعرض الإسلام عليه بأن كان صغيرا غير مميز أو مجنونا ففي الصغير غير المميز ينتظر حتى يبلغ سن التمييز، فإن صار مميزا عرض عليه الإسلام كما تقدم. وفي المجنون يعرض الإسلام على أبويه, فإن أسلم أحدهما تبعه ابنه, واستمرت زوجيتهما ما دامت مما يقرها الإسلام، وإذا أبى كل من أبويه الإسلام فرق القاضي بين الزوجين. وكذلك يفرق بينهما إذا لم يكن للمجنون أب ولا أم بعد أن يقيم وصيا للخصومة عن المجنون يكون حكم التفريق في مواجهته.
وإنما فرق في الحكم بين الصغير غير المميز وبين المجنون؛ لأن بلوغ الصغير سن التمييز له أمد معلوم يمكن انتظاره، ولكن شفاء المجنون ليس له وقت معلوم، وربما طال سنين عديدة فتتضرر الزوجة التي أسلمت فمنعا للضرر عنها يعرض الإسلام على أبوي زوجها المجنون فربما يكونان حريصين على بقاء الزوجية, وتبعثهما أو أحدهما الشفقة الأبوية على الإسلام, فيتبعه المجنون ويبقى الزواج.
стр. 134
الطلاق
مدخل
...
الطلاق:
تعريفه:
الطلاق في اللغة العربية رفع القيد الحسي أو المعنوي، فكما يطلق على فك عقال البعير يطلق على إباحة إبداء الرأي ومثله الإطلاق، فالطلاق والإطلاق في اللغة يستعملان لحل القيد حسيا كان أو معنويا، غير أن العرف قصر الإطلاق على رفع القيد الحسي, وقصر الطلاق على رفع القيد الزوجي، ففي العرف يقال: السجين مطلق سراحه، ولا يقال طالق سراحه، ويقال: طلق الرجل زوجته ولا يقال أطلقها؛ ولهذا كان الإطلاق وما اشتق منه من الكنايات عن الطلاق, لا من الصريح بحكم العرف وسيتبين هذا.
وأما الطلاق شرعا فهو حل رباط الزوجية الصحيحة في الحال أو المآل، بعبارة تفيد ذلك صراحة أو دلالة، تصدر من الزوج أو نائبه أو من القاضي بناء على طلب الزوجة. أم الزوجية غير الصحيحة فلا تثبت بها رابطة شرعية تحل بالطلاق، والفرقة فيها فسخ لعقد لم يصح لا رفع لقيد ثبت بالزواج، ولذلك لا طلاق من زواج غير صحيح.
فإذا أراد أحد الزوجين التخلص من رابطة الزوجية لأسباب تحمله على ذلك، فإن كان هو الزوج فله أن يستقل بحل هذه العقدة بعبارة تصدر منه مسندة إلى زوجته تدل على طلاقها منه, ورفع القيد الذي يربطهما كأن يقول لها أنت طالق أو زوجتي فلانة طالق، وإن كانت الزوجة فلها أن ترفع أمرها إلى القضاء طالبة تطليقها من زوجها للسبب الذي تستند إليه في طلبها، ومتى أثبتت سببا مسوغا شرعا لتطليقها حكم لها القاضي بما طلبت وطلقها من زوجها.
وإذا كان الطلاق الذي صدر من الزوج أو حكم به القاضي رجعيا لا تحل به عقدة الزواج في الحال, وإنما تحل به في المآل, أي: إذا انقضت عدة المطلقة من غير
стр. 135
أن يراجعها مطلقها في أثنائها، وإذا كان بائنا حلت به عقدة الزوجية في الحال, أي: من حين صدوره بحيث لا تحل له بعقد ومهر جديدين وبتراضيهما.
وقد تكون العبارة التي تصدر من المطلق صريحة في دلالتها على معنى التطليق بحيث لا تحتمل معنى آخر مثل أنت طالق، وقد تكون كناية عن الطلاق بحيث تحتمله وغيره, ولا تتعين له إلا بالنية أو القرينة مثل أنت بائن أو أنت مطلقة.
حكمة تشريعه:
شرع الطلاق في الإسلام١ ليستطيع الزوجان التخلص من رابطة الزوجية إذا تبين أنها مصدر الشقاء وأنه لا يمكن أن يتعاشر الزوجان بالمعروف, ولا أن يقوم كل منهما بحقوق الزوجية وواجباتها وذلك لأسباب عدة.
منها أن الزوجين قد يتبين لهما بعد المعاشرة الزوجية أن بينهما تباينا في الأخلاق وتنافرا في الطباع, وأن ما بذلاه من البحث والتحري في وقت الخطبة لم يظهر الحقيقة التي أظهرتها المعاشرة الزوجية, وأنهما مع هذا التباين والتنافر لا يتبادلان مودة ولا رحمة, ولا يقوم واحد منهما بحقوق الزوجية وواجباتها. فلرفع الحرج عنهما فتح الله لهما بابا للخلاص من هذا الشقاء والتباغض ليستبدل كل منهما زوجا آخر قد يأتلف به ويتبادل معه المودة والرحمة. ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ .
ومنها أنه قد يتحقق الزوجان أن أهم مقاصد الزواج وهو التوالد والاستمتاع الجنسي لا توصل إليه هذه الزوجية؛ لأن بعض النساء قد تكون عقيما مع زوج وولودا مع آخر، وكذلك بعض الأزواج قد يولد له من زوجة ولا يولد له من أخرى, وكم زوجين عاشا عقيمين فلما افترقا ولد له من زوجته الأخرى وولد لها من زوجها الآخر، وكذلك الشهوة الجنسية قد تكون مفقودة لبعض النساء وغير مفقودة
стр. 136
لأخرى. فمن الحكمة أن شرع الله سبيلا لتخلص مثل هذين الزوجين من زوجية لا تحقق أغراضها.
ومنها أن الزوج قد يرتاب في زوجته أو يجد فيها من العيوب الخلقية أو الخلقية ما لا يستطيع معه المعاشرة بالمعروف والقيام بحقوق الزوجية.
ومنها أن الزوجة قد تجد من زوجها ما يحملها على حل العقدة التي تربطهما, كأن يمرض بداء عضال لا يمكن البرء منه ولا معاشرته معه، أو يضارها بأقواله أو أفعاله أو أخلاقه، أو يكيدها بعدم الإنفاق عليها, أو يعسر عن نفقتها، أو يغيب عنها المدة الطويلة بلا عذر.
فلا ريب في أنه قد تدعو الحاجة القاهرة إلى حل عقدة الزواج، وأن الحاجة قد تبعثهما معا على الرغبة في الطلاق وقد تحمل أحدهما، فلو لم يشرع الله سبيلا لحل عقدة الزواج عند الحاجة القاهرة لنال بعض الأزواج حرج, وكانت بعض الزوجيات مصدر شقاء دائم، مع أن الله شرع الزواج ليكون مصدر معونة متبادلة ورحمة ومودة.
وإنما أباح الله لكل واحد من الزوجين أن يحل عقدة الزواج وحده ولم يلزم تراضيهما وتوافق إرادتهما عليه, كما لزم تراضيهما على عقده؛ لأن الحاجة الملجئة إلى الطلاق قد تدعو أحدهما إلى الخلاص ويتعنت الآخر ولا يوافقه، فزوجة المسلول أو المجذوم تريد الخلاص من زوجيته وهو لا يرضى، وزوج المريبة يريد الخلاص من زوجيتها وهي لا ترضى. فلهذا لا يشترط تراضيهما على إيقاع الطلاق, بل لكل منهما الانفراد به دفعا للضرر عن نفسه.
وإنما شرع للزوج أن يستقل بحل رباط الزوجية ويطلق بنفسه, ولم يكن للزوجة أن تحل رباط زوجيتها إلا بواسطة القضاء لسببين:
"الأول" أن المرأة في الغالب سريعة الانفعال شديدة التأثر تدفعها انفعالاتها إلى أبعد مدى، فلو كان حل العقدة الزوجية بيدها كانت هذه الرابطة مهددة بالحل
стр. 137
وعرضة للخطر بأوهى الأسباب، ولا ينقض هذا أن من النساء من هن ذوات عقل وأناة وقدرة على ضبط أنفسهن حين الغضب, وأن من الرجال من يغلب عليهم الحمق, ويخضعون لسلطان الغضب؛ لأن التشريع يبنى على الغالب وما هو الشأن في الرجال والنساء, ولا يبنى على الآحاد والجزئيات.
السبب الثاني: أن الطلاق يلزم الأزواج حقوقا مالية؛ لأنه يحل به المؤجل من الصداق وتلزمه نفقة العدة, ويضيع عليه ما أنفقه من مهر ونفقة في الزوجية التي يحلها, ويحتاج إلى بذل مال جديد لإيجاد زوجية جديدة، وهذه التبعات المالية التي تترتب على الطلاق من شأنها أن تحمل الرجل على التروي في إيقاعه، وأما الزوجة فلا يستحق عليها بالطلاق حق مالي يحملها على التروي في إيقاعه.
وإنما شرع على ثلاث دفعات لتكون الأولى والثانية بمثابة إنذارين لتنبيه الزوج إلى أن يجرب نفسه ويروضها على الصبر والاحتمال، وتنبيه الزوجة إلى أن تحسن العشرة وتجنب ما يدعو إلى الفرقة، حتى إذا لم يفد الإنذار بعد الإنذار ووقعت الطلقة الثالثة علم أنه ليس في زوجيتهما خير وأن الانفصال البات بينهما أحق وأولى.
فالحقيقة أن الإسلام شرع الطلاق ليكون وسيلة إلى الخلاص من زوجية لا خير في بقائها، ولا يمكن معها أداء حقوق ولا واجبات، وشرع إيقاعه على سنن يكفل تدارك الخطأ فيه. ولو أن الناس ساروا على سنن الشرع, ولم يتعدوا حدود الله وراعوا أن الطلاق أبغض الحلال إلى الله, ولم يلجئوا إليه إلا للضرورة وأوقعوه على سننه المشروع ما كان هذا النظام موضع شكاية ولا مبعث شقاء للأسرة الإسلامية؛ لأن الأصل فيه الحظر وإباحته للضرورة والواجب أن تقدر الضرورة بقدرها.
من يقع منه الطلاق:
الذي يقع طلاقه هو الزوج العاقل البالغ المختار اختيارا صحيحا، الذي يعي ما يقول، سواء كان صحيحا أو مريضا، رشيدا أو سفيها، فإذا توافرت في الزوج هذه الشروط فهو أهل لإيقاع الطلاق، وإذا صدر الطلاق منه أو من رسوله أو وكيله وصادف محله وقع وانحل به رباط الزوجية.
стр. 138
أما غير الزوج أو رسوله أو وكيله فلا يملك إيقاع الطلاق، فليس للولي أن يطلق زوجة موليه, وليس للسيد أن يطلق زوجة عبده؛ لأن الطلاق حق شخصي للزوج لا يملكه غيره إلا بتوكيل منه أو تفويض.
وأما غير العاقل وهو المجنون والمعتوه ومن اختل عقله لكبر أو مرض أو مصيبة فاجأته فلا يقع طلاق واحد منهم لعدم أهليتهم لإيقاعه؛ لأنه تصرف لا يصح شرعا إلا من كامل العقل الذي يقدر المصلحة من إيقاعه.
وأما غير البالغ وهو الصبي مميزا أو غير مميز، فلا يقع طلاقه؛ لأنه من التصرفات الضارة التي لا يكون الصبي أهلا لها حتى يبلغ الحلم ويتم ببلوغه عقله.
وأما غير المختار وهو المكره على الطلاق فلا يقع طلاقه؛ لأنه ما صدر منه عن إرادته والعبرة للقصد لا اللفظ؛ لأن المكره لم يكن الباعث له على إيقاع الطلاق إرادته ورأيه، وإنما حمل عليه بإرادة المكره ورأيه, فهو خضوع لهذا الباعث الخارجي وتوقيا من الخطر المهدد به أوقع طلاقا لا يريده، فاختياره أهون الشرين اختيار غير صحيح وهو كعدمه.
وكذلك من لا يعي ما يقول وهو السكران, والنائم لا يقع طلاق واحد منهما؛ لأنه لا إرادة له.
وكان العمل جاريا على وقوع طلاق المكره والسكران, إذا سكر بشرب محرم باختياره. طبقا لمذهب الحنفية، حتى صدر القانون رقم ٢٥ سنة ١٩٢٩، ونص في المادة رقم "١" منه على أنه لا يقع طلاق السكران والمكره. وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وعليه عمل المحاكم الشرعية المصرية.
ولا فرق في الأهلية لإيقاع الطلاق بين الزوج الصحيح والزوج المريض؛ لأن المرض ما دام لم يؤثر في العقل لا يعدم الأهلية ولا ينقصها.
стр. 139
ولا بين الرشيد والمحجور عليه للسفه، ولا بين الجاد والهازل، ولا بين القاصد والمخطئ والغافل والساهي؛ لأن كل واحد من هؤلاء عاقل بالغ مختار يعي ما يقول، والسفه والهزل والخطأ والغفلة والسهو لا يعدم الأهلية ولا ينقصها١.
ولأن الوقوف على الحقيقة متعذر, فربما لم يكن هازلا ولا خاطئا ولا غافلا ولا ساهيا, وبعد أن وقع الطلاق ادعى ذلك والقضاء يبني على الظاهر.
ولهذا نص علماؤنا على أن من نطق بالطلاق خطأ أي: أراد التكلم بغير الطلاق فسبق لسانه إلى الطلاق لا يقع عليه الطلاق ديانة أي: فيما بينه وبين ربه، وتبقى زوجته حلالا له، لكن إذا تنازعا أمام القضاء، فالقاضي يحكم بوقوع الطلاق لصدور صيغته ممن هو أهل لإيقاعه.
من يقع عليها الطلاق:
بما أن الطلاق حل رباط الزوجية الصحيحة فهو لا يقع إلى على الزوجة القائمة زوجيتها الصحيحة حقيقة، والمعتدة من طلاق رجعي، والمعتدة من طلاق بائن بينونة صغرى، والمعتدة من فرقة هي طلاق، والمعتدة من فسخ الزواج بسبب إباء الزوجة المشركة الإسلام إذا أسلم زوجها. وبسبب ردة أحد الزوجين عن الإسلام؛ وذلك لأن الزوجة حال قيام الزوجية الصحيحة قبل وقوع أي فرقة الرابطة بينها وبين زوجها متحققة بثبوت الملك والحل معا, فهي محل لوقوع الطلاق عليها، ومثلها المعتدة من طلاق رجعي. والمعتدة من طلاق بائن بينونة صغرى ملكها زال ولكن حلها باق، وأثر الزوجية وهو العدة باق فهي محل لوقوع الطلاق عليها ومثلها المعتدة من فرقة هي طلاق.
أما الأجنبية التي لم يربطها بالرجل عقد الزواج أصلا، والتي ارتبطت به بعقد زواج غير صحيح شرعا، والتي طلقت وزال أثر زوجيتها بانقضاء عدتها. والمعتدة من طلاق بائن بينونة كبرى، والمعتدة من فسخ الزواج بسبب غير السببين السابقين
стр. 140
كالفسخ بخيار البلوغ، أو لنقصان المهر عن مهر المثل١، فليست واحدة منهن محلا لوقوع الطلاق عليها، فلو قال الرجل لواحدة منهن أنت طالق فهو قول لغوو بحيث لو عقد عليها ملك ثلاث طلقات.
وبما أن المطلقة قبل الدخول تبين ولا عدة عليهاو فتكون أجنبية من مطلقها بمجرد الطلاقو فلا تكون محلا لطلاقه بعد ذلكح لأنها لا هي زوجته ولا معتدته.
وعلى هذا لو قال الزوج لزوجته المدخول بها حقيقة أنت طالق. أنت طالق. أنت طالق. وقعت عليها ثلاث طلقاتح لأن الأولى صادفتها والزوجية قائمة حقيقة، والثانية والثالثة صادفتاها وهي في العدة، فكانت محلا لوقوع الطلقات الثلاث فوقعن؛ لأن كل جملة من هذه الثلاث صيغة تامة لإنشاء الطلاق صدرت مرة بعد مرة من زوج أهل لإيقاعه, وصادفت محلا لوقوعه.
أما لو قال لزوجته غير المدخول بها حقيقة أنت طالق. أنت طالق. أنت طالق. وقعت بالأولى فقط طلقة بائنة؛ لأنها صادفتها والزوجية قائمة، أما الثانية والثالثة فهما لغو لا يقع بهما شيءح لأنهما صادفتاهما وهي ليست زوجته ولا معتدته.
وقد أوجبت المادة ٣٢ من لائحة المأذونين على من يباشر إشهاد الطلاق أن يذكر في إشهاد الطلاق تاريخ الزواج والجهة التي حرر فيها، والذي باشره، وإلا وجب قيد تصادق على الزوجية أولا ثم إثبات الطلاق بعد ذلك، والغرض من هذا التحقق قبل إيقاع الطلاق من أن المطلقة محل لوقوعه.
стр. 141
ما يقع به الطلاق:
يقع الطلاق بكل لفظ يدل على حل عقدة الزوجية من أي لغة، وبما يقوم مقام اللفظ من كتابة وإشارة.
فاللفظ قد يكون صريحا إذا كان يفهم منه عند النطق به معنى الطلاق، ولا يستعمل عرفا إلا فيه. مثل أنت طالق ومطلقة وكل مشتقات الطلاق والتطليق, وكل لفظ استعمله الناس لرفع قيد الزواج مثل الحرام.
وقد يكون كناية إذا كان يحتمل معنى الطلاق وغيره ولم يتعارف في الاستعمال قصره على معنى الطلاق مثل أنت بائن -أنت حرام- أمرك بيدك؛ لأن بائن يحتمل البينونة عن العصمة والبينونة عن الشر، وحرام يحتمل حرمة المتعة بها وحرمة إيذائها، وأمرك بيدك يحتمل تمليكها عصمتها وتمليكها حرية التصرف في شأنها، وهكذا كل لفظ كنائي.
والصريح يقع به الطلاق بدون توقف على نيته؛ لأنه ظاهر الدلالة ومعناه متعين وغير محتاج إلى نية تبين المراد منه، حتى لو قال الناطق باللفظ الصريح لم أنو به الطلاق, وإنما نويت معنى آخر لا يصدق قضاء ويقع عليه الطلاق، وأما الكناية فلا يقع الطلاق بها إلا بنيتهح لأن اللفظ يحتمل معنى الطلاق وغيره، والذي يعين إرادة الطلاق به هو نية المطلق حتى لو قال الناطق بالكناية لم أنو الطلاق, وإنما نويت معنى آخر يصدق قضاء ولا يقع عليه الطلاق.
وهذا هو الذي عليه العمل الآن, وهو مذهب مالك والشافعي وهو المنصوص عليه في المادة ٤ من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩، ونصها "كنايات الطلاق وهي ما تحتمل الطلاق وغيرها لا يقع بها الطلاق إلا بالنية".
وعلى مذهب أبي حنيفة يقع الطلاق بها بالنية أو دلالة الحال، فعنده تقوم قرينة الحال مقام النية، وعلى ما عليه العمل لا بد من النية حتى لو قال الناطق بالكناية لم أنو الطلاق, لا يقع مهما كانت الحال.
стр. 142
ويقوم مقام اللفظ الكتابة ولو كان الكاتب قادرا على النطق، فمن أراد أن يطلق زوجته فله أن يشافهها به وله أن يكتبه إليها.
والكتابة المستبينة المرسومة كألفاظ الصريح يقع بها الطلاق بدون توقف على نية، والكتابة المستبينة غير المرسومة كألفاظ الكنايات لا يقع الطلاق بها إلا بالنية.
والكتابة غير المستبينة لا عبرة بها ولا يقع بها طلاق.
والمراد بالمستبينة البيّن أثرها بحيث تقرأ في صحيفة ونحوها، وغير المستبينة ما لا يبيّن لها أثر كالكتابة في الهواء أو على الماء.
والمراد بالمرسومة المكتوبة برسم الزوجة وعنوانها الخاص بها كائن يكتب: إلى زوجتي فلانة. أما بعد إن علمت من أمرك ما علمت فأنت طالق، وغير المرسومة ما لم تكن بعنوان خاص كأن توجد ورقة مكتوب فيها بخط الزوج فلانة طالق وفلانة اسم زوجته، ولا يدري إن كانت هذه العبارة كتبها لإيقاع الطلاق، أو لتجربة قلم أو مداد، فلا بد من النية ليتعين المقصود.
ويقوم مقام اللفظ أيضا إشارة الأخرس المعهودة في الدلالة على قصده لإيقاع الطلاق. والراجح أنه لا يقع طلاقه بالإشارة إلا إذا كان لا يعرف الكتابة. أما إذا كان قادرا على الكتابة فلا يكتفي بالإشارة؛ لأن الكتابة أدل على المراد، والإشارة أداة تفهم يكتفى بها للضرورة ومع القدرة على الكتابة لا ضرورة.
ويشترط لوقوع الطلاق أن يكون لفظه مضافا, أي: مسندا إلى الزوجة إضافة حقيقية أو معنوية, فالإضافة الحقيقية مثل أنت طالق أو زوجتي فلانة طالق، والإضافة المعنوية مثل علي الطلاق على رأي من يوقع به؛ لأن معناه يلزمني طلاقك.
عدد الطلقات:
يعتبر عدد الطلقات بالزوجات لا بالأزواج, فإذا كانت الزوجة حرة ملك عليها زوجها ثلاث طلقات سواء كان هو حرا أو عبدا، وإذا كانت الزوجة أمة ملك عليها زوجها طلقتين سواء كان هو حرا أو عبدا.
стр. 143
قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ إلى أن قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ دلت هذه الآية على أمور:
"أحدها" أن عدد الطلقات ثلاث فقط؛ لأنها رتبت على كل مرة من المرتين إمساكا بمعروف أو تسريح بإحسان، والإمسكاك بالمعروف يكون بالرجعة في العدة. والتسريح بالإحسان يكون بتركها حتى تنقضي عدتها، ورتبت على الثالثة أنها لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فدل هذا على أنه بالثالثة انتهى ملكه وحله، فليس له إلا ثلاث طلقات.
"ثانيها" ما يترتب على الطلاق في كل مرة. فالطلاق أول مرة وثان مرة يترتب عليه أن يكون للزوج حق في إمساك الزوجة بالمعروف, وذلك بمراجعتها في عدتها أو في التسريح بالإحسان, وذلك بتركها حتى تنقضي عدتها, والطلاق للمرة الثالثة يحرمها عليه فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره.
ومقتضى إطلاق الآية أن لا يفرق بين الحرة والأمة, ولكن الحديث المشهور وهو قوله -صلى الله عليه: $"طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان". قيد إطلاق الآية ودل على أنها خاصة بالحرة, فعدد الطلقات ثلاث للحرة وهو ثابت بالقرآن، وثنتان للرقيقة وهو ثابت بالسنة.
"ثالثها" أن هذه الطلقات الثلاث لا تقع إلا مرة بعد مرة ولا تقع دفعة واحدة؛ لأن معنى قوله: الطلاق مرتان: التطليق مرة بعد مرة, وعلى هذا لو أوقع الثلاث مرة واحدة لا تقع الثلاث، وإنما تقع طلقة واحدة فلو قال لزوجته أنت طالق ثلاثا أو بالثلاث أو هكذا وأشار بأصابعه الثلاث لا تقع إلا واحدة والعدد لغو، وهذا هو ما عليه العمل الآن وهو الوارد بالمادة "٣" من القانون رقم ٢٥ سنة ١٩٢٩، ونصها:"الطلاق المقترن بعدد لفظا أو إشارة لا يقع إلا واحدة".
وهذا مخالف لمذاهب الأئمة الأربعة وموافق لمذاهب أئمة آخرين من فقهاء الصحابة ومجتهدي المسلمين, وفي الأخذ به صيانة لرباطة الزوجية من العبث وحمل الأزواج على اتباع السنن المشروع لإيقاع الطلاق مرة بعد مرة.
стр. 144
أحوال صيغة الطلاق:
الطلاق من الإسقاطات كالعتق والإبراء, وهي يصح تعليقها على الشرط، وإضافتها إلى الزمن المستقبل، ولا كذلك الزواج فهو من التمليكات كالبيع والهبة، وهي لا يصح تعليقها على الشرط, ولا إضافتها إلى الزمن المستقبل.
وعلى هذا فالطلاق إما منجز وهو ما كانت صيغته غير معلقة على شرط ولا مضافة إلى زمن مستقبل وقصد به إيقاع الطلاق فورا مثل أنت طالق، أنت علي حرام. وحكم هذا أنه متى صدر من أهل لإيقاعه وصادف محلا لوقوعه وأسند إليها وقع في الحال, وترتبت عليه آثاره بمجرد صدوره.
وأما مضاف إلى زمن مستقبل وهو ما كانت صيغته مقرونة بوقت مستقبل قصد إيقاع الطلاق حين حاوله مثل أنت طالق غدا أو أول الشهر المقبل، وحكم هذا أنه متى صدر من أهله وصادف محله انعقد في الحال سببا للطلاق، ولكنه لا يقع ولا تترتب عليه آثاره إلا حين حلول الزمن المضاف إليه الطلاق، فلا يقع على زوجته الطلاق إلا إذا جاء الغد أو أول الشهر المعين, بشرط أن تكون حين حلول الوقت المضاف إليه لا تزال محلا لوقوع الطلاق عليها حتى يصادف الوقوع محله.
وأما معلق وهو كانت صيغته معلقا فيها حصول الطلاق على حصول شيء آخر بأداة من أدوات التعليق مثل إن خرجت من منزلي بغير إذني فأنت طالق، وحكم هذا على ما عليه العمل الآن في المحاكم الشرعية المصرية أنه إن كان غرض المتكلم به التخويف أو الحمل على فعل الشيء أو تركه وهو يكره حصول الطلاق ولا وطر له فيه فهو لغو لا يقع به الطلاق، وإن كان يقصد به حصول الطلاق عند حصول
стр. 145
الشرط؛ لأنه لا يريد المقام مع زوجته عند حصوله، مثل إن مرضت بالسل فأنت طالق، فهذا يقع به الطلاق عند وجود الشرط المعلق عليه١.
وأما طلاق على صيغة اليمين أي: مقصود به تقوية العزم على فعل شيء مستقبل أو تركه أو تقوية تصديقه في الإخبار عن شيء مضى، مثل علي الطلاق لأسافرن غدا أو لا أسافر غدا أو ما سافرت أمس، وحكم هذا الطلاق الوارد على صيغة اليمين على ما عليه العمل الآن في المحاكم الشرعية المصرية أنه لغو لا يقع به شيء؛ لأنه ليس الغرض به حل قيد الزواج، بل حمل نفسه على فعل أو ترك أو حمل مخاطبه على شيء.
فالمنجز والمضاف إلى زمن مستقبل، والمعلق الذي لا يقصد به مجرد التخويف أو الحمل على فعل شيء أو تركه: يقع بها الطلاق إما فورا، أو حين حلول الزمن، أو عند وجود الشرط.
وأما المعلق المقصود به الحمل على فعل شيء أو تركه، واليمين، فهما لغو لا يقع بواحد منهما الطلاق.
وهذا هو الجاري عليه العمل الآن وهو الوارد بالمادة٢ من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ ونصها: "لا يقع الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شيء أو تركه لا غير".
والتعليق المقصود به حصول الطلاق عند حصول المعلق عليه إنما يصح ويترتب عليه وقوع الطلاق بشرطين: