← Фикх общий

Фикх общий · id 8631

أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية

عبد الوهاب خلاف

Полный текст (307 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ما يقع به الطلاق: يقع الطلاق بكل لفظ يدل على حل عقدة الزوجية من أي لغة، وبما يقوم مقام اللفظ من كتابة وإشارة. فاللفظ قد يكون صريحا إذا كان يفهم منه عند النطق به معنى الطلاق، ولا يستعمل عرفا إلا فيه. مثل أنت طالق ومطلقة وكل مشتقات الطلاق والتطليق, وكل لفظ استعمله الناس لرفع قيد الزواج مثل الحرام. وقد يكون كناية إذا كان يحتمل معنى الطلاق وغيره ولم يتعارف في الاستعمال قصره على معنى الطلاق مثل أنت بائن -أنت حرام- أمرك بيدك؛ لأن بائن يحتمل البينونة عن العصمة والبينونة عن الشر، وحرام يحتمل حرمة المتعة بها وحرمة إيذائها، وأمرك بيدك يحتمل تمليكها عصمتها وتمليكها حرية التصرف في شأنها، وهكذا كل لفظ كنائي. والصريح يقع به الطلاق بدون توقف على نيته؛ لأنه ظاهر الدلالة ومعناه متعين وغير محتاج إلى نية تبين المراد منه، حتى لو قال الناطق باللفظ الصريح لم أنو به الطلاق, وإنما نويت معنى آخر لا يصدق قضاء ويقع عليه الطلاق، وأما الكناية فلا يقع الطلاق بها إلا بنيتهح لأن اللفظ يحتمل معنى الطلاق وغيره، والذي يعين إرادة الطلاق به هو نية المطلق حتى لو قال الناطق بالكناية لم أنو الطلاق, وإنما نويت معنى آخر يصدق قضاء ولا يقع عليه الطلاق. وهذا هو الذي عليه العمل الآن, وهو مذهب مالك والشافعي وهو المنصوص عليه في المادة ٤ من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩، ونصها "كنايات الطلاق وهي ما تحتمل الطلاق وغيرها لا يقع بها الطلاق إلا بالنية". وعلى مذهب أبي حنيفة يقع الطلاق بها بالنية أو دلالة الحال، فعنده تقوم قرينة الحال مقام النية، وعلى ما عليه العمل لا بد من النية حتى لو قال الناطق بالكناية لم أنو الطلاق, لا يقع مهما كانت الحال.

стр. 142

ويقوم مقام اللفظ الكتابة ولو كان الكاتب قادرا على النطق، فمن أراد أن يطلق زوجته فله أن يشافهها به وله أن يكتبه إليها. والكتابة المستبينة المرسومة كألفاظ الصريح يقع بها الطلاق بدون توقف على نية، والكتابة المستبينة غير المرسومة كألفاظ الكنايات لا يقع الطلاق بها إلا بالنية. والكتابة غير المستبينة لا عبرة بها ولا يقع بها طلاق. والمراد بالمستبينة البيّن أثرها بحيث تقرأ في صحيفة ونحوها، وغير المستبينة ما لا يبيّن لها أثر كالكتابة في الهواء أو على الماء. والمراد بالمرسومة المكتوبة برسم الزوجة وعنوانها الخاص بها كائن يكتب: إلى زوجتي فلانة. أما بعد إن علمت من أمرك ما علمت فأنت طالق، وغير المرسومة ما لم تكن بعنوان خاص كأن توجد ورقة مكتوب فيها بخط الزوج فلانة طالق وفلانة اسم زوجته، ولا يدري إن كانت هذه العبارة كتبها لإيقاع الطلاق، أو لتجربة قلم أو مداد، فلا بد من النية ليتعين المقصود. ويقوم مقام اللفظ أيضا إشارة الأخرس المعهودة في الدلالة على قصده لإيقاع الطلاق. والراجح أنه لا يقع طلاقه بالإشارة إلا إذا كان لا يعرف الكتابة. أما إذا كان قادرا على الكتابة فلا يكتفي بالإشارة؛ لأن الكتابة أدل على المراد، والإشارة أداة تفهم يكتفى بها للضرورة ومع القدرة على الكتابة لا ضرورة. ويشترط لوقوع الطلاق أن يكون لفظه مضافا, أي: مسندا إلى الزوجة إضافة حقيقية أو معنوية, فالإضافة الحقيقية مثل أنت طالق أو زوجتي فلانة طالق، والإضافة المعنوية مثل علي الطلاق على رأي من يوقع به؛ لأن معناه يلزمني طلاقك. عدد الطلقات: يعتبر عدد الطلقات بالزوجات لا بالأزواج, فإذا كانت الزوجة حرة ملك عليها زوجها ثلاث طلقات سواء كان هو حرا أو عبدا، وإذا كانت الزوجة أمة ملك عليها زوجها طلقتين سواء كان هو حرا أو عبدا.

стр. 143

قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ إلى أن قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ دلت هذه الآية على أمور: "أحدها" أن عدد الطلقات ثلاث فقط؛ لأنها رتبت على كل مرة من المرتين إمساكا بمعروف أو تسريح بإحسان، والإمسكاك بالمعروف يكون بالرجعة في العدة. والتسريح بالإحسان يكون بتركها حتى تنقضي عدتها، ورتبت على الثالثة أنها لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فدل هذا على أنه بالثالثة انتهى ملكه وحله، فليس له إلا ثلاث طلقات. "ثانيها" ما يترتب على الطلاق في كل مرة. فالطلاق أول مرة وثان مرة يترتب عليه أن يكون للزوج حق في إمساك الزوجة بالمعروف, وذلك بمراجعتها في عدتها أو في التسريح بالإحسان, وذلك بتركها حتى تنقضي عدتها, والطلاق للمرة الثالثة يحرمها عليه فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. ومقتضى إطلاق الآية أن لا يفرق بين الحرة والأمة, ولكن الحديث المشهور وهو قوله -صلى الله عليه: $"طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان". قيد إطلاق الآية ودل على أنها خاصة بالحرة, فعدد الطلقات ثلاث للحرة وهو ثابت بالقرآن، وثنتان للرقيقة وهو ثابت بالسنة. "ثالثها" أن هذه الطلقات الثلاث لا تقع إلا مرة بعد مرة ولا تقع دفعة واحدة؛ لأن معنى قوله: الطلاق مرتان: التطليق مرة بعد مرة, وعلى هذا لو أوقع الثلاث مرة واحدة لا تقع الثلاث، وإنما تقع طلقة واحدة فلو قال لزوجته أنت طالق ثلاثا أو بالثلاث أو هكذا وأشار بأصابعه الثلاث لا تقع إلا واحدة والعدد لغو، وهذا هو ما عليه العمل الآن وهو الوارد بالمادة "٣" من القانون رقم ٢٥ سنة ١٩٢٩، ونصها:"الطلاق المقترن بعدد لفظا أو إشارة لا يقع إلا واحدة". وهذا مخالف لمذاهب الأئمة الأربعة وموافق لمذاهب أئمة آخرين من فقهاء الصحابة ومجتهدي المسلمين, وفي الأخذ به صيانة لرباطة الزوجية من العبث وحمل الأزواج على اتباع السنن المشروع لإيقاع الطلاق مرة بعد مرة.

стр. 144

أحوال صيغة الطلاق: الطلاق من الإسقاطات كالعتق والإبراء, وهي يصح تعليقها على الشرط، وإضافتها إلى الزمن المستقبل، ولا كذلك الزواج فهو من التمليكات كالبيع والهبة، وهي لا يصح تعليقها على الشرط, ولا إضافتها إلى الزمن المستقبل. وعلى هذا فالطلاق إما منجز وهو ما كانت صيغته غير معلقة على شرط ولا مضافة إلى زمن مستقبل وقصد به إيقاع الطلاق فورا مثل أنت طالق، أنت علي حرام. وحكم هذا أنه متى صدر من أهل لإيقاعه وصادف محلا لوقوعه وأسند إليها وقع في الحال, وترتبت عليه آثاره بمجرد صدوره. وأما مضاف إلى زمن مستقبل وهو ما كانت صيغته مقرونة بوقت مستقبل قصد إيقاع الطلاق حين حاوله مثل أنت طالق غدا أو أول الشهر المقبل، وحكم هذا أنه متى صدر من أهله وصادف محله انعقد في الحال سببا للطلاق، ولكنه لا يقع ولا تترتب عليه آثاره إلا حين حلول الزمن المضاف إليه الطلاق، فلا يقع على زوجته الطلاق إلا إذا جاء الغد أو أول الشهر المعين, بشرط أن تكون حين حلول الوقت المضاف إليه لا تزال محلا لوقوع الطلاق عليها حتى يصادف الوقوع محله. وأما معلق وهو كانت صيغته معلقا فيها حصول الطلاق على حصول شيء آخر بأداة من أدوات التعليق مثل إن خرجت من منزلي بغير إذني فأنت طالق، وحكم هذا على ما عليه العمل الآن في المحاكم الشرعية المصرية أنه إن كان غرض المتكلم به التخويف أو الحمل على فعل الشيء أو تركه وهو يكره حصول الطلاق ولا وطر له فيه فهو لغو لا يقع به الطلاق، وإن كان يقصد به حصول الطلاق عند حصول

стр. 145

الشرط؛ لأنه لا يريد المقام مع زوجته عند حصوله، مثل إن مرضت بالسل فأنت طالق، فهذا يقع به الطلاق عند وجود الشرط المعلق عليه١. وأما طلاق على صيغة اليمين أي: مقصود به تقوية العزم على فعل شيء مستقبل أو تركه أو تقوية تصديقه في الإخبار عن شيء مضى، مثل علي الطلاق لأسافرن غدا أو لا أسافر غدا أو ما سافرت أمس، وحكم هذا الطلاق الوارد على صيغة اليمين على ما عليه العمل الآن في المحاكم الشرعية المصرية أنه لغو لا يقع به شيء؛ لأنه ليس الغرض به حل قيد الزواج، بل حمل نفسه على فعل أو ترك أو حمل مخاطبه على شيء. فالمنجز والمضاف إلى زمن مستقبل، والمعلق الذي لا يقصد به مجرد التخويف أو الحمل على فعل شيء أو تركه: يقع بها الطلاق إما فورا، أو حين حلول الزمن، أو عند وجود الشرط. وأما المعلق المقصود به الحمل على فعل شيء أو تركه، واليمين، فهما لغو لا يقع بواحد منهما الطلاق. وهذا هو الجاري عليه العمل الآن وهو الوارد بالمادة٢ من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ ونصها: "لا يقع الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شيء أو تركه لا غير". والتعليق المقصود به حصول الطلاق عند حصول المعلق عليه إنما يصح ويترتب عليه وقوع الطلاق بشرطين:

стр. 146

"الأول" أن يكون المعلق عليه معدوما وقت التعليق على خطر التحقق في المستقبل؛ لأنه إن كان محققا وقت التعليق كان تعليقا صوريا, وكانت الصيغة منجزة ووقع بها الطلاق في الحال، مثل قوله إن كانت الشمس طالعة فأنت طالق والحال أنها طالعة. وإن كان مستحيلا تحققه فهو لغو لا يقع به طلاق، مثل قوله إن دخل الجمل في سم الخياط فأنت طالق؛ لأن الغرض من مثل هذا القول المبالغة في نفي الطلاق لا إيقاع الطلاق. "الثاني" أن يحصل التعليق ويوجد الشرط المعلق عليه والمرأة محل الوقوع للطلاق عليها بأن كانت زوجة أو معتدة لغير بائن بينونة كبرى، فمن قال لأجنبية منه إن مات أبوك فأنت طالق ثم تزوجها ثم مات أبوها لا يقع عليها الطلاق المعلق؛ لأنها وقت التعليق لم تكن محلا له، ومن قال لزوجته إن مات أبوك فأنت طالق ثم نجز عليه وبعد انقضاء عدتها منه مات أبوها لا يقع عليها الطلاق المعلق؛ لأنها وقت وجود الشرط لم تكن محلا له، فلا بد أن تكون المعلق طلاقها محلا للطلاق وقت انعقاد السبب وهو وقت التعليق ووقت ترتب الحكم وهو وقت وجود الشرط.

стр. 147

أنواع الطلاق: الطلاق الذي يوقعه القاضي بناء على طلب الزوجة يكون رجعيا في حالة واحدة وهي ما إذا كان سببه عدم إنفاق الزوج على زوجته أو عسره. ويكون بائنا فيما عدا ذلك من الأحوال التي يوقع القاضي الطلاق كالتطليق للضرر وللعيب وللمرض ولغيبة الزوج أو سجنه على ما سيبين بعد. وأما الطلاق الذي يوقعه الزوج فيكون كله رجعيا إلا في حالات ثلاث: الطلاق قبل الدخول حقيقة، والطلاق في مقابلة مال، والطلاق المكمل للثلاث. فكل طلاق من الزوج رجعي إلا في هذه الثلاث، ولا فرق بين صريح اللفظ وكنايته إلا في أن الصريح لا يحتاج الوقوع به إلى نية. والثاني يحتاج إليها والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فقد دلت هذه الآية على أن الطلاق المشروع مرة بعد مرة ورتبت عقب الطلاق في كل مرة حقا للزوج في إمساك زوجته بمعروف، وإمساكها بالمعروف يكون بمراجعتها في عدتها، وإنما يكون له هذا الحق في مراجعتها إذا كان الطلاق رجعيا، فالطلاق المشروع هو الرجعي مرة بعد مرة وهذا معنى قول الفقهاء الطلاق شرع معقبا للرجعة، واستثنيت الحالات الثلاث التي وقع الطلاق فيها بائنا بالنص. أما الطلاق قبل الدخول حقيقة فلقوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ . وإذا كانت المطلقة قبل الدخول بها لا عدة عليها فلا يكون الطلاق الواقع عليها رجعيا؛ لأن المراجعة لا تكون إلا في العدة، وبما أنه لا عدة عليها فلا مراجعة لها فطلاقها بائن، والمطلقة بعد الخلوة طلاقها بائن أيضا، والعدة الواجبة عليها للاحتياط لا للمراجعة. وأما الطلاق في مقابل مال فلقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ . سمى الله سبحانه إعطاء الزوجة مالا لزوجها في مقابل طلاقها افتداء، والافتداء إنما يتحقق بخلاصها منه، والخلاص إنما يتحقق بالبائن؛ ولأن الزوجة إذا طلبت من زوجها أن يطلقها في مقابلة أن تعطيه مائة جنيه، أو في مقابل أن تبرئه من مؤخر صداقها، أو من نفقة عدتها، فإنها إنما تلتزم بالعوض لتخلص لها عصمتها، فإذا طلقها في مقابل ما التزمت به استحق هو العوض واستحقت هي الخلاص من عصمته, وهذا الخلاص لا يكون إلا بالبائن. وأما الطلاق المكمل للثلاث؛ فلأن الله سبحانه بعد أن رتب على الطلاق في كل مرة من المرتين الأوليين الإمساك بالمعروف رتب على الطلاق في المرة الثالثة نفي

стр. 148

حلها له حتى تنكح زوجا غيره، فقال سبحانه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ . فدل على أن الطلاق في المرة الثالثة تبين به المطلقة، وتحرم به على مطلقها حرمة مؤقتة. فكل طلاق من الزوج يكون رجعيا إلا في هذه الحالات الثلاث فإنه يكون بائنا. وكل طلاق من القاضي بناء على طلب الزوجة يكون بائنا إلا في حالة واحدة وهي ما إذا كان سبب التطليق عدم الإنفاق فإنه يكون رجعيا، فلو أيسر الزوج واستعد للإنفاق فله مراجعتها ما دامت في العدة. وهذا هو الجاري عليه العمل الآن بالمحاكم الشرعية المصرية وهو مذهب مالك والشافعي وهو الوارد في المادة ٥ من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩، ونصها "كل طلاق يقع رجعيا إلا المكمل للثلاث، والطلاق قبل الدخول، والطلاق على مال، وما نص على كونه بائنا في هذا القانون والقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٣٠". وأما مذهب الحنفية الذي كان عليه العمل قبل هذا القانون فكل طلاق من الزوج يقع رجعيا إلا في سبع حالات: الطلاق قبل الدخول، والطلاق على مال، والطلاق المكمل للثلاث، والطلاق الموصوف بوصف يدل على البينونة مثل أنت طالق طلقة شديدة أو بائنة أو لا رجعة فيها، والطلاق المقرون بأفعل تفضيل يدل على البينونة مثل أنت طالق أشد الطلاق أو أكبره أو أسوأه، والطلاق المشبه بما يدل على البينونة مثل أنت طالق طلقة كالجبل أو كأشد ما يكون من الطلاق، والطلاق بلفظ من ألفاظ الكنايات إذا اقترنت به النية أو دلالة الحال مثل أنت بائن أو خلية أو برية أو بتة. ففي هذه الحالات السبع يكون الطلاق بائنا عند الحنفية، ودليلهم على وقوعه بائنا في الحالات الثلاث الأولى ما قدمناه من نصوص القرآن. ودليلهم على وقوعه بائنا في الحالات الأربع الباقية أن المطلق استعمل لإيقاع الطلاق صيغة لا تدل على الرجعي؛ لأن اللفظ الذي عبر به أو الوصف الذي وصف به أو التشبيه الذي شبه به ينافي الرجعي، وبما أن الطلاق يتنوع إلى رجعي وبائن وهو استعمل صيغة لا تحتمل الرجعي فيتعين البائن. ولكن ما عليه العمل الآن هو الذي تدل عليه نصوص القرآن, والمطلق لا يملك تغيير المشروع. والمشروع هو الطلاق الرجعي إلا فيما استثنى، فكل لفظ أو وصف أو تشبيه يقصد به تغيير المشروع فهو لغو, وكأن الصيغة صدرت غير مقرونة به فيقع به الطلاق على ما شرع وهو الرجعي.

стр. 149

حكم الطلاق: أما حكمه بمعنى وصفه الشرعي من الحظر أو الإباحة فقال بعض العلماء إنه مباح؛ لأن الله سبحانه في عدة آيات نفى الجناح والإثم عن المطلق فقال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ؛ ولأن الأصل في ما شرع الإباحة، والذي حققه الكمال بن الهمام أن الأصل فيه الحظر ولا يباح إلا للضرورة؛ وذلك لأنه قطع لرابطة الزوجية التي ارتبط بها الزوجان تحقيقا لعدة مصالح دينية ودنيوية وأداء لما طلبه الشارع على سبيل الندب أو الوجوب. وكل ما فيه تضييع للمصالح وتفويت للواجب أو السنة فهو محظور، ولكن لما كانت الحاجة قد تدعو إلى ارتكاب هذا المحظور اتقاء لما هو شر منه أباحه الشارع عند تحقيق الحاجة إلى الخلاص؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات١.

стр. 150

وقد يكون الطلاق واجبا إذا فات الإمساك بالمعروف ولم يمكن أن يقيم الزوجان حدود الله سواء كان بسبب من قبله أو من قبلها, وقد يكون مندوبا إليه إذا كانت الزوجة مؤذية أو ترتكب ما نهى الله عنه أو لا تطيعه فيما يجب عليها طاعته فيه، وقد يكون حراما إذا كان لغير حاجة تدعو إليه أو كان طلاق البدعة ولم يكن على السنة. والفرق بين طلاق السنة وطلاق البدعة أن طلاق السنة هو ما كان على سنن الطلاق المشروع من جهة كيفية إيقاعه، والحال التي تكون عليها الزوجة وقت وقوعه. فالسنن المشروع لإيقاعه مبين في قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أي: التطليق المشروع مرة بعد مرة يعقب كل مرة حق الزوج في الرجعة، والسنن المشروع لحال الزوجة وقت وقوعه عليها مبين في قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: طلقوهن وهن مستقبلات لاعتدادهن بأن يكن طاهرات في طهر لم تحصل فيه مباشرة؛ لأنها إن طلقت وهي حائض فستنتظر حتى تطهر من حيضها وتتم مدة طهرها ثم تبتدئ عدتها من الحيضة التالية، وإن طلقت في طهر حصل فيه وقاع فلا يدرى إن كانت

стр. 151

حملت أو لا ولا يعلم بم تعتد. ففي الحالين لا تستقبل عدتها أثر طلاقها، فطلاق السنة أن يطلقها واحدة رجعية في طهر لم يمسها فيه. وطلاق البدعة ما لم يكن على السنن المشروع بأن يطلقها أكثر من واحدة دفعة واحدة أو يطلقها وهي حائض أو في طهر قد مسها فيه. ومذهب الحنفية أن من طلق طلاق البدعة فهو آثم لمخالفته السنن المشروع, ولكن طلاقه واقع ولا تنافي بين أن يكون في الفعل إثم وبين أن يترتب أثره عليه كالصلاة في ثوب مغصوب فيها إثم الغصب وتجزئ عن الفرض، والبيع وقت النداء للصلاة من يوم الجمعة فيه الإثم بمخالفة قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ويفيد التمليك. هذا هو حكم الطلاق من حيث حظره وإباحته وندبه ووجوبه. وأما حكمه بمعنى أثره المترتب عليه فإنه يختلف باختلاف نوع الطلاق الواقع وذلك؛ لأن الطلاق إما رجعي وهو الطلاق في غير حالة من الحالات الثلاث التي بيناها، وإما بائن بينونة صغرى وهو البائن غير المكمل للثلاث، وإما بائن بينونة كبرى وهو المكمل للثلاث ويسمى أيضا الطلاق البت. ولكل نوع من هذه الثلاثة حكم, أي: أثر يترتب عليه. فأما الطلاق الرجعي: فهو الطلاق الذي يوقعه الزوج على زوجته التي دخل بها حقيقة، إيقاعا مجردا عن أن يكون في مقابلة مال, ولم يكن مسبوقا بطلقة أصلا أو كان مسبوقا بطلقة واحدة، وحكمه سواء أكان أول الطلقات أم ثانيها أنه يترتب عليه أثران: "أولهما" نقص عدد الطلقات التي يملكها الزوج على زوجته بمعنى أنه متى وقعت طلقة رجعية، فإن كانت الأولى لم يبق للزوج إلا طلقتان، وإن كانت الثانية لم تبق له إلا واحدة، والمراجعة لا تمحو هذا الأثر. "وثانيهما" تحديد الرابطة الزوجية بانقضاء العدة بعد أن كانت غير محددة بمعنى أنه إذا وقع الرجعي وانقضت العدة من غير مراجعة بانت الزوجة بانقضاء العدة.

стр. 152

وهو لا يرفع قيد الزوجية, ولا يزيل ملكا ولا حلا بمعنى أنه لا يزيل ملك الاستمتاع الثابت بالزواج, ولا يجعل المطلقة محرمة بسبب من أسباب التحريم على مطلقها فيحل له الاستمتاع بها ما دامت في العدة ويصير بذلك مراجعا، وإذا مات أحدهما قبل انقضاء العدة ورثه الآخر، ونفقتها واجبة عليه، ولا يحل به مؤخر الصداق المؤجل لأحد الأجلين الموت أو الطلاق, وإنما يحل بانقضاء العدة. والسبب في هذا كله أن الطلاق الرجعي لا يرفع في الحال قيد الزواج، والزوجية بعده لا تزال قائمة وللزوج مراجعة زوجته ما دامت في العدة، فهو ينعقد سببا للفرقة ولكن لا يترتب عليه مسببه ما دامت المطلقة في العدة, فإذا انقضت العدة من غير رجعة ترتب أثره وبانت منه. والرجعة هي استدامة الزواج القائم وإلغاء عمل السبب الذي حدد الزوجية بانقضاء العدة، وهي حق للزوج ما دامت مطلقته رجعيا في العدة، لقوله تعالى بعد أن قال ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ , ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ ، أي: وأزواجهن أحق بإرجاعهن إلى عصمتهم في ذلك الوقت الذي تربصنه، ولكونها حقا جعله الشرع للزوج لا يملك إسقاطه، فلو قال لا رجعة لي فله الرجعة، ولا يشترط لصحتها رضا الزوجة ولا علمها، ولا حضور شهود لها, وإنما ينبغي له أن يشهد عليها خشية أن تنكرها الزوجة بعد انقضاء عدتها فيعجز عن إثباتها، وينبغي له أن يعلمها بها حتى لا تتزوج بغيره بعد انقضاء مدة العدة ظنا منها أنها بانت بانقضائها. وكما تكون بأي قول يصدر منه يدل على معناها مثل راجعتك أو راجعت زوجتي تكون بالفعل وهو الوقاع ودواعيه, التي توجب حرمة المصاهرة سواء كانت منه أو منها، ويشترط في الرجعة بالقول أن تكون منجزة لا معلقة على شرط ولا مضافة إلى وقت مستقبل؛ لأنها كالزواج من بعض الوجوه، والزواج لا يقبل الإضافة إلى الزمن المستقبل، ولا التعليق على شرط غير محقق في الحال. وإذا انقضت عدة المطلقة رجعيا بانت ولا تصح مراجعتها، بل لا بد لإعادة زوجيتها من عقد ومهر جديدين، وأقل مدة تصدق فيها الزوجة أن عدتها

стр. 153

انقضت ستون يوما؛ لأنها تحتاج إلى ثلاث حيض كاملة يتخللها طهران فللحيضات الثلاث ثلاثون يوما بمراعاة أكثر مدة للحيض وهي عشرة أيام, وللطهرين ثلاثون يوما بمراعاة أقل مدة للطهر وهي خمسة عشر يوما، فإذا مضى عليها من تاريخ طلاقها ستون يوما فأكثر وادعت انقضاء عدتها صدقت بيمينها ولا تصح الرجعة بعد ذلك، وإذا مضى عليها من تاريخ طلاقها أقل من ستين يوما لا تصدق في دعواها انقضاء عدتها وتصح مراجعتها. وإذا اختلف الزوجان في أصل الرجعة فادعى الزوج أنه راجعها وأنكرت الزوجة دعواه، فإن كان هذا النزاع والزوجة لا تزال في العدة فالقول للزوج؛ لأنه يخبر عن أمر يملك إنشاءه في الحال فلا معنى لتكذيبه فيه، وإن كان هذا النزاع بعد انقضاء العدة فالبينة على مدعي الرجعة وهو الزوج فإن لم تكن له بينة فالقول للزوجة بلا يمين. وإذا اختلف الزوجان في صحة الرجعة فادعى الزوج أنها صحيحة؛ لأنها وقعت قبل انقضاء العدة وأنكرت هي صحتها؛ لأنها وقعت بعد انقضاء العدة فالقول للزوجة بيمينها إذا كانت المدة بين الطلاق وبين الوقت الذي تدعي فيه انقضاء عدتها يحتمل ذلك بأن كان ستين يوما فأكثر. وأما الطلاق البائن بينونة صغرى: فهو طلاق الزوج لزوجته قبل الدخول الحقيقي بها، أو طلاقه إياها في مقابل مال تفتدي به نفسها، ولم يكن مسبوقا بطلقة أصلا أو كان مسبوقا بطلقة واحدة، وحكمه سواء أكان أول الطلقات أم ثانيها أنه يترب عليه نقص عدد الطلقات، وإزالة قيد الزوجية في الحال بمعنى أنه بمجرد صدوره يزيل ملك الاستمتاع الذي كان ثابتا بالزواج, ولا يعود هذا الملك إلا بعقد ومهر جديدين بتراضي الزوجين في العدة وبعدها, ولكنه لا يزيل الحل بمعنى أن المطل ق بائنا بينونة صغرى يحل له أن يعقد على مبانته في العدة وبعدها بدون حاجة إلى زوج آخر يحلها؛ لأنها بالبينونة الصغرى لم يقم بها سبب من أسباب التحريم المؤبدة أو المؤقتة.

стр. 154

وإذا كان البائن بينونة صغرى يرفع قيد الزواج بمجرد صدوره فلا يحل لأحد الزوجين الاستمتاع بالآخر ولا الخلوة به وتكون منه بمنزلة الأجنبية، وإن مات أحدهما في العدة أو بعدها فلا يرثه الآخر إلا في حالة الفرار كما سيجيء، ويحل به مؤخر الصداق المؤجل إلى أحد الأجلين الموت أو الطلاق. وأما الطلاق البائن بينونة كبرى: فهو ما كان مكملا للثلاث، وحكمه أنه يزيل في الحال بمجرد صدوره الملك والحل معا فلا يملك المطلق المتعة بمطلقته, وتصير من المحرمات عليه مؤقتا حتى تتزوج زوجا غيره بزواج شرعي صحيح نافذ، ويدخل بها الزوج الثاني دخولا حقيقيا ثم يطلقها وتنقضي عدتها منه لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ . ولا توارث بينهما إذا مات أحدهما سواء كانت العدة باقية أو انقضت، ويحل به مؤخر الصداق المؤجل إلى أحد الأجلين الموت أو الطلاق لانقطاع رابطة الزوجية به في الحال. فيؤخذ مما تقدم أن الطلاق الرجعي لا يزيل الملك ولا الحل، وأن البائن بينونة صغرى لا يزيل الحل ويزيل الملك، وأن البائن بينونة كبرى يزيل الملك والحل معا. بناء على هذا لو راجع الزوج زوجته بعد أن طلقها رجعيا أو عقد عليها عقدا جديدا بعد أن بانت منه بينونة صغرى تعود إليه بما بقي له من الطلقات؛ لأن الحل الأول ما زال وكأنه هو الذي عاد فيعود بما بقي من عدد الطلقات. أما لو بانت بينونة كبرى ثم تزوجها غيره وبعد أن طلقها عقد عليها زوجها الأول تعود إليه بحل جديد, ويملك عليها ثلاث طلقات؛ لأن الزوج أنهى الحل الأول فالعقد الجديد أنشأ حلا جديد كامل عدد الطلقات. هذا متفق عليه، والصورة المختلف فيها هي ما إذا بانت منه بينونة صغرى وانقضت عدتها ثم تزوجها غيره وبعد أن طلقها عقد عليها زوجها الأول، فالشيخان يقولان تعود إليه بحل جديد؛ لأن زواجها بالثاني قطع الحل الأول, وأنها فتعود بحل مبتدأ كالبائنة بينونة كبرى، ومحمد يقول تعود إليه بما بقي؛ لأن الحل الأول لا يزيله إلا الزوج الثاني بعد الطلاق الثلاث كما هو نص الآية، والراجح قول الشيخين. وهذه المسألة هي التي يعبر عنها الفقهاء بمسألة الهدم أي: هل الزوج الثاني يهدم ما دون الثلاث من الطلقات كما يهدم الثلاث أو لا.

стр. 155

طلاق المريض مرض الموت: مرض الموت هو المرض الذي يعجز الرجل عن القيام بمصالحه خارج البيت، ويعجز المرأة عن القيام بمصالحها داخل البيت أي: يعجز كلا منهما عن القيام بما من شأنه أن يقوم به، ويغلب فيه الهلاك، ويتصل به الموت. فإن كان المرض لا يعجز أحدهما عن ذلك، أو كان يعجزهما ولا يغلب فيه الهلاك، أو لم يتصل به الموت بأن برئ المريض منه، لا يعتبر مرض موت وتكون التصرفات في أثنائه كتصرفات الصحيح، فلا بد لاعتباره مرض الموت من تحقق العجز وغلبة الهلاك واتصال الموت به. وألحق بمرض الموت وجود الإنسان السليم في حالة يغلب خوف هلاكه فيها, ويتصل بها الموت كمن قدم لتنفيذ حكم إعدامه، أو خرج من صف القتال ليبارز, أو كان في سفينة اشتدت بها العاصفة وتلاطمت عليها الأمواج وخيف غرقها، فهؤلاء وأمثالهم أصحاء ولكنهم إذا تصرفوا أثناء هذه الحالة الخطرة, ثم اتصل بها الموت تعتبر تصرفاتهم كتصرفات المريض مرض الموت. وإذا تقدم المرض المعجز بأن مضت على المريض سنة فأكثر ولم تتغير حاله، فتصرفاته بعد السنة كتصرفات الصحيح، فإذا ازداد ما به من مرض ثم اتصل الموت به، فتصرفاته بعد الزيادة تصرفات المريض مرض الموت.

стр. 156

فمن كان مريضا مرض الموت أو ملحقا به بأن كان في حال يغلب فيها خوف الهلال, وطلق امرأته بائنا وهو كذلك، بلا رضاها، ومات في مرضه أو في حالته الخطرة بهذا السبب أو بغيره، والزوجة لا تزال في العدة فإن الطلاق البائن يقع على زوجته، وتبين منه من حين صدوره. ولكنها ترثه بشرط أن تكون أهلا لإرثه من وقت إبانتها إلى وقت موته. وإنما وقع عليها الطلاق؛ لأنه أهل إيقاعه؛ لأن الصحيح والمريض سيان في أهليتهما لإيقاع الطلاق، وإنما ورثته مع أن المطلقة بائنا لا ترث لانقطاع الزوجية بمجرد الطلاق؛ لأنه لما أبانها في مرضه أو في حالته الخطرة اعتبر للاحتياط فارا وهاربا من أن ترثه فيرد عليه قصده السيئ ويثبت لها الإرث. فلو طلقها المريض رجعيا لا يعتبر فارا؛ لأنها ترثه في عدة الرجعي على كل حال، ولو طلقها بائنا برضاها لا يعتبر فارا ولا ترثه. وكذلك لا ترثه إذا مات بعد انقضاء عدتها؛ لأنه لم تبق بينهما أية صلة، ولا ترثه أيضا إذا قام بها مانع من إرثه كاختلافهما دينا، سواء قام بها المانع وقت الإبانة أو وقت الموت أو فيما بين ذلك، فالشرط لإرثها أن تستمر أهليتها لإرثه من وقت إبانتها إلى وقت موته. وإذا حصل سبب الفرقة من قبل الزوجة وهي مريضة مرض الموت أو ملحقة به بأن كانت في حالة يغلب فيها خوف الهلاك كأن اختارت نفسها بالبلوغ، أو فعلت ما يوجب حرمة المصاهرة مع أحد أصوله أو فروعه وماتت وهي في العدة فإن الزوج يرثها؛ لأنها تعتبر للاحتياط هاربة وفارة من إرثه فيرد قصدها السيئ عليها كما يرد قصده السيئ عليه. ويراعى أن طلاق الفار على ما عليه العمل الآن من أن الطلاق لا يكون بائنا إلا في ثلاثة أحوال: إنما يتصور فيما إذا كان الطلاق الصادر منه في مرضه أو حالته الخطرة مكملا للثلاث، والزوجة مدخول بها؛ لأنه هو الذي تتحقق فيه الشروط السابقة.

стр. 157

أما لو أبانها بالطلاق قبل الدخول فإنه لا عدة عليها ولا ترث على أي حال. ولو أبانها بالطلاق على مال فإنه يكون برضاها وبقبولها التزام المال. وكذلك يتصور فيما إذا فعل وهو مريض ما يوجب التفريق كأن اختار نفسه بالبلوغ، أو فعل بأصولها أو فروعها ما يحرم المصاهرة. ولم يشترط لتحقق الفرار أن يكون المطلق طائعا مختارا؛ لأنه لو كان مكرها لا يقطع طلاقه أصلا على ما عليه العمل الآن. وأما على مذهب الحنفية فيشترط لاعتبار المطلق فارا أن يكون قد أبانها طائعا مختارا، فلو طلقها مكرها وقع الطلاق ولا يعتبر فارا، ولا ترث منه.

стр. 158

تفويض الطلاق إلى الزوجة: قدمنا أن الطلاق حق يملكه الزوج، وكل من ملك حقا كان له أن يباشره بنفسه وأن ينيب عنه غيره في مباشرته، فإذا أناب الزوج عنه غيره في تطليق زوجته كان هذا توكيلا. وإذا أناب عنه زوجته في تطليق نفسها منه كان هذا تفويضا. فالتفويض هو تمليك الزوج زوجته أن تطلق نفسها منه سواء أكان هذا التمليك حين عقد الزواج أي: مقترنا بإيجابه وقبوله أم بعده أي: في أثناء قيام الزوجية. وهذا التفويض ليس تمليكا من كل وجه، ولا توكيلا من كل وجه، بل يخالف التمليك في بعض أحكامه ويخالف التوكيل في بعض أحكامه. فهو يخالف التمليك في أن التفويض لا يسلب المفوض حق التصرف فيما فوض فيه، فللزوج أن يطلق زوجته بعد أن يفوض إليها تطليق نفسها مع أن المملك بعد التمليك لا يملك التصرف فيما يملكه غيره لانتهاء حقه فيه. كالبائع والواهب لا يملك واحد منهما التصرف فيما باعه أو وهبه. ويخالفه في أن التفويض يتم من جانب الزوج وحده ولا يتوقف تمامه على قبول الزوجة, مع أن التمليك لا يتم إلا بالإيجاب والقبول من المملك والمملك، فلو رجع الموجب عن إيجابه قبل قبول الآخر صح رجوعه؛ لأنه لما يتم العقد.

стр. 159

ويخالفه في أنه يبقى إلى ما بعد مجلس الإيجاب إذا كانت الزوجة غائبة مع أنه في التمليكات لا بد من القبول في مجلس الإيجاب حتى إذا كان الإيجاب والقبول ليسا في مجلس واحد يتم عقد التمليك١. ويخالف التوكيل في أن المفوض ليس له الرجوع عن التفويض، ولا عزل زوجته عنه, مع أن الموكل له الرجوع عن الوكالة وعزل الوكيل. وفي أن التوكيل لو صدر بصيغة مطلقة لا يتقيد الوكيل بالتصرف فيما وكل فيه بمجلس التوكيل, مع أن المفوض إليها بصيغة مطلقة تتقيد بالمجلس. فإعطاء الزوج زوجته الحق في أن تطلق نفسها هو تمليك خاص يشبه التوكيل من بعض الوجوه. صيغة التفويض: سواء كان التفويض حين عقد الزواج أو بعده في أثناء الزوجية فإن صيغته تكون بعبارة من ثلاث، أن يجعل لها اختيار نفسها، بأن يقول لها: لك أن تختاري نفسك، أو يجعل أمرها بيدها بأن يقول لها: جعلت أمرك بيدك أو يجعل لها أن تطلق نفسها بأن يقول لها: لك أن تطلقي نفسك. ولا بد من مراعاة أمرين: الأول أنه إذا كان التفويض بعبارة من هذه الثلاث في حين عقد الزواج أي: مقترنا بالإيجاب والقبول، فلا يصح إلا إذا كان البادئ بالإيجاب المقترن بشرط التفويض هو الزوجة، كأن تقول امرأة لرجل زوجت نفسي منك على أن يكون أمري بيدي أطلق نفسي كلما أريد فيقول لها: قبلت. فبهذا القبول يتم الزواج ويصح التفويض ويكون لها الحق في أن تطلق نفسها كما أرادت؛ لأن قبوله ينصرف إلى الزواج، ثم إلى التفويض. أما إذا كان البادئ بالإيجاب المقترن بالتفويض هو الزوج كأن يقول رجل لامرأة: تزوجتك على أن تكون عصمتك بيدك تطلقين نفسك كلما أردت فتقول:

стр. 160

قبلت، فبهذا يتم الزواج ولا يصح التفويض، ولا يكون للزوجة أن تطلق نفسها. والفرق أنه في الصورة الأولى قَبِلَ الزوج التفويض بعد تمام العقد فيكون قد ملك التطليق بعد أن ملكه بتمام عقد الزواج، وأما في الثانية فإنه ملك التطليق قبل أن يملكه؛ لأنه ملكه قبل تمام عقد الزواج إذ لم يصدر إلا الإيجاب وحده. "الأمر الثاني" أن العبارتين الأوليين مع عبارات التفويض الثلاث وهما جعله لها أن تختار نفسها وجعله أمرها بيدها هما من كنايات الطلاق فلا يثبت التفويض بهما, إلا إذا نوى تفويض الطلاق. والعبارة الثالثة وهي جعله لها أن تطلق نفسها هي من الصريح لا يتوقف ثبوت التفويض بها على النية. وسواء أكان التفويض إليها بالصريح أم بالكناية فإنها إذا طلقت نفسها بمقتضى هذا التفويض أولى الطلقات أو الثانية وكانت مدخولا بها حقيقة تقع عليها طلقة رجعية، وإن كان غير مدخول بها حقيقة تقع عليها طلقة بائنة؛ لأن المفوض لو طلق زوجته بعد الدخول بها بلفظ صريح أو كناية طلاقا مجردا عن العوض يقع طلاق رجعي، ولو طلق قبل الدخول يقع طلاق بائن تملك بالتفويض ما يملكه هو؛ لأنها تستمد الحق منه. أحوال صيغة التفويض: وكل عبارة من عبارات التفويض الثلاث سواء كانت حين العقد أو بعده قد تكون مقرونة بما يدل على التعميم, وعدم تقييد التفويض بوقت كأن يجعل لها أن تختار نفسها متى شاءت, أو يجعل أمرها بيدها تطلق نفسها كلما أرادت. وفي هذه الحالة للزوجة أن تطلق نفسها في أي وقت سواء أكانت حاضرة حين التفويض لها أم غائبة؛ لأنه ملكها هذا الحق تمليكا عاما فتملكه ملكا عاما في أي وقت شاءت بمقتضى قيد التعميم الذي قرنه بصيغة التفويض. وقد تكون العبارة مقرونة بما يدل على توقيت التفويض بوقت معين كأن يجعل لها أمرها بيدها مدة سنة معينة, أو يجعل لها أن تطلق نفسها ما دام مسافرا. وفي هذه الحالة للزوجة أن تطلق نفسها في الوقت المعين فقط، وأما بعد مضيه

стр. 161

فلا حق لها في التطليق، حتى لو كانت غائبة حين التفويض ولم تعلم به إلا بعد فوات وقته المعين, ليس لها أن تطلق نفسها؛ لأن مالك الحق ملكه إياها على وجه خاص فلا تملكه في غيره. وقد تكون عبارة التفويض مطلقة عن قيد يدل على التعميم وعن التوقيت بزمن معين, كأن يجعل لها أمرها بيدها أو أن تختار نفسها أو تطلق نفسها ولم يزد على الصيغة شيئا، وفي هذه الحالة للزوجة أن تطلق نفسها في مجلس التفويض فقط إن كانت حاضرة فيه، وإن كانت غائبة عنه، كان لها ذلك الحق في مجلس علمها به فقط حتى لو انتهى أو تغير مجلس التفويض، أو مجلس العلم ولم تطلق نفسها لم يكن لها هذا الحق بعد ذلك؛ لأن الصيغة مطلقة فتنصرف إلى المجلس فإذا فات فلا تمليك١.

стр. 162

الخلع: تعريفه: الخلع هو حل عقدة الزوجية بلفظ الخلع أو ما في معناه، في مقابلة عوض تلتزم به الزوجة، كأن يقول الزوج لزوجته خالعتك على مائة جنيه فتقول: قبلت. فبمجرد قبولها تطلق بائنا، وتلزمها المائة، وتترتب سائر أحكام الخلع التي ستبين بعد, فلا يتحقق الخلع شرعا وتترتب عليه أحكامه إلا إذا استعمل لفظ الخلع أو ما في معناه, وكان في مقابلة مال، فإذا قال لها خلعتك ولم يذكر عوضا فحكم هذا حكم ما إذا قال لها: أبنتك أو خلصتك أوحرمتك أو أي لفظ من ألفاظ الكنايات إن نوى به الطلاق وقعت طلقة رجعية على ما عليه العمل الآن، ولا يلزمها مال ولا تترتب أحكام الخلع، وإن لم ينو الطلاق لا يقع شيء، وإذا حل عقدة الزوجية في مقابلة مال لكن لا بلفظ الخلع أو ما في معناه، كأن قال لها أنت طالق أو خالصة على مائة جنيه فقالت: قبلت فبمجرد قبولها تطلق بائنا وتلزمها المائة ولا تترتب سائر أحكام الخلع، فلفظ الخلع الذي لا يتوقف على قبول الزوجة ولا يقترن بعوض إذا نوى به الطلاق، كلفظ الطلاق مجردا عن العوض يقع به طلاق رجعي. ولفظ الخلع أو ما في معناه في مقابلة عوض هو الخلع الشرعي الذي تترتب عليه أحكامه. ولفظ الطلاق في مقابلة مال هو طلاق بائن يجب به المال على الزوجة ولا تسقط به الحقوق المالية التي تسقط بالخلع. شرطه: وشرطه أن يكون الزوج المخالع أهلا لإيقاع الطلاق, والزوجة محلا لوقوعه؛ لأنه كما تبين من تعريفه نوع من الطلاق على مال. صفته: وصفته أنه من جانب الزوج يمين، ومن جانب الزوجة معاوضة. ومعنى هذا أن الزوج يقصد منه تعليق طلاقها على قبولها إعطاءه البدل فهو منه بمنزلة تعليق الطلاق على قبولها والتعليق يمين، والزوجة تقصد افتداء نفسها وتخليص عصمتها بالبدل الذي تدفعه فهو منها بمنزلة مبادلة ومعاوضة١. ويترتب على هذا أنه تراعى فيه أحكام اليمين من جانبه، وأحكام المعاوضة من جانبها، ويتبين ذلك فيما يأتي: ١- إذا ابتدأ الزوج بالخلع فقال لها: خلعتك على عشرين جنيها لا يملك الرجوع عن هذا الإيجاب قبل قبولها، ولا يبطل إيجابه بقيامه أو قيامها من المجلس قبل القبول؛ لأن اليمين تلزمه بمجرد صدورها. ولكن إذا ابتدأت الزوجة بالخلع

стр. 163

فقالت له اختلعت نفسي منك على عشرين جنيها أدفعها لك، فلها أن ترجع عن هذا الإيجاب قبل قبوله ويبطل إيجابها بقيامها أو قيامه من المجلس قبل قبوله؛ لأن المعاوضة ما لم تتم بالإيجاب والقبول في المجلس فالموجب في حل من إيجابه. ٢- للزوج المخالع أن يعلق الخلع على شرط، وأن يضيفه إلى زمن المستقبل كأن يقول إن سافرت فقد خلعتك على عشرين جنيها أو خلعتك على عشرين جنيها في آخر هذا الشهر؛ لأنه من جانبه يمين واليمين تقبل التعليق والإضافة إلى زمن مستقبل، فلو قبلت الزوجة حين وجود الشرط المعلق عليه أو حلول الوقت المضاف إليه وقع الطلاق ولزمها المال وترتبت آثار الخلع، ولكن ليس للزوجة أن تعلق الخلع على الشرط أو تضيفه إلى الزمن المستقبل؛ لأنه من جانبها تمليك والتمليكات لا تقبل التعليق ولا الإضافة. ٣- يشترط في الزوجة أن تكون في إيجابها الخلع أو قبولها له راضية غير مكرهة عليه, وأن تكون عالمة بمعناه؛ لأن شرط صحة المعاوضات التراضي والعلم بمعنى عباراتها، ويصح لها أن تشترط الخيار لنفسها في إيجابه أو قبوله مدة معينة؛ لأن المعاوضات يصح شرط الخيار فيها، وأم الزوج فلكونه يمينا من جانبه لا يصح شرط الخيار له لا في إيجابه ولا في قبوله، وعلى مذهب الحنفية يعتبر منه تعليقا صحيحا ولو كان مكرها عليه؛ لأن يمين المكره عندهم منعقدة. أحوال صيغته: إذا خالعها بقوله خلعتك بلا ذكر بدل كان هذا كقوله خلصتك لا يتوقف وقوع الطلاق به على قبولها، بل إن نوى الطلاق وقع، وإن لم ينوه لم يقع فهو لفظ منجز من ألفاظ الكنايات. وإذا خالعها بقوله خلعتك على عشرين جنيها توقف وقوع الطلاق على قبولها؛ لأنه كما تقدم بمنزلة طلاق معلق على شرط فلا يقع إلا عند قبولها دفع البدل. وإذا خالعها بصيغة المفاعلة أو بصيغة الأمر بأن قال لها خالعتك أو اختلعي، فسواء ذكر مالا مع صيغة منهما أو لم يذكر مالا لا يقع الطلاق إلا بقبولها،

стр. 164

أما في حالتي ذكر المال فالعلة واضحة؛ لأنه علق خلعها على قبولها المال، وأما في حالتي عدم ذكر المال؛ فلأن الصيغة نفسها وهي المفاعلة أو الأمر تقتضي لزوم قبولها؛ لأن المفاعلة تقتضي المشاركة وهي لا تتم بعبارة واحدة؛ ولأن الأمر بمنزلة التفويض إليها فما لم تقبل لم تباشر ما فوض إليها فلا يقع طلاق. ففي خمس حالات يتوقف الخلع على قبولها وفي واحدة لا يتوقف. بدله: وبدل الخلع يصح من كل ما يصح تسميته مهرا أي: من كل مال معلوم متقوم في حق الزوجين. وليس له نهاية صغرى ولا نهاية كبرى بل يصح الخلع ببدل قليل أو كثير سواء كان دون المهر الذي تزاوجا به أو مساويا له أو أكثر منه. فالبدل الذي يتراضى عليه الزوجان أيا كان قدره يكون ملكا للزوج ملزمة به الزوجة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: فلا جناح ولا إثم على الرجل فيما أخذ ولا على المرأة فيما أعطت. ففي القضاء يملك الزوج البدل بالغا قدره ما بلغ؛ لأنه أسقط حقه في مقابل عوض التزمت به الزوجة برضاها وهي أهل لالتزامه، ولا فرق بين أن يكون النشوز الذي أدى إلى الاختلاع من جهة الزوج أو من جهة الزوجة أو منهما. وأما ديانة فإذا كان النشوز من جانب الزوج, وهو الذي رغب في الفرقة ليستبدل زوجة مكان زوجة فلا يحل له أن يأخذ منها شيئا في مقابل طلاقها, لا قليلا ولا كثيرا حتى لا يجمع عليها بين إيحاشها بفرقة ليست هي الباعثة عليها, وبين أخذ بدل منها، وهذا صريح قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا، وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ . وإذا كان النشوز منهما أو منها وحدها فلا جناح ولا إثم على الزوج في أن يأخذ منها عوضا لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ

стр. 165

عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ . ولكن لا يحل له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاه لها مهرا لما روي أن جميلة بنت عبد الله بن أبي كانت زوجة ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه وهو يحبها فأتت رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله: لا أنا ولا ثابت ولا يجمع رأسي ورأسه شيء والله ما أعيب عليه في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام، ما أطيقه بغضا، وكان قد أصدقها حديقة فقال: "أتردين عليه حديقته" قالت: نعم وزيادة، فقال الرسول "أما الزيادة فلا". فاختلعت منه بمهرها فقط. ففي الديانة إذا أخذ الزوج أي عوض في الحال الأولى أو أخذ زيادة عما أمهرها في الحال الثانية لا يطيب له ما أخذ ويملكه ملكا خبيثا. ويصح أن يكون بدل الخلع إرضاع الطفل مدة الرضاعة كأن يقول لها خالعتك على أن ترضعي ابني منك مدة السنتين بلا أجر فتقول قبلت؛ لأن الرضاعة منفعة متقومة يستحق في مقابلتها المال، وأجرتها حق خالص لها فعليها أن ترضعه بغير أجرة المدة المحددة حتى لو لم ترضع لوفاة الطفل أو هربها أو وفاتها كان له الرجوع بقيمة الرضاعة عن المدة أو ما بقي منها. ويصح أن يكون بدل الخلع نفقة ابنه الصغير منها كأن يقول لها خالعتك على أن تنفقي على ابني من الآن حتى يبلغ سبع سنين فتقول قبلت فيلزمها الإنفاق عليه في المدة المحددة، حتى إذا لم تقم بالإنفاق بسبب وفاة الولد أو وفاتها أو امتناعها كان له أن يرجع عليها بمثل نفقته في المدة أو ما بقي منها. ويصح أن يكون بدل الخلع حضانة ابنه منها مدة حضانته بلا أجر؛ لأن حضانتها الصغير في مدة الحضانة منفعة متقومة يستحق في مقابلتها المال كإرضاعه، وأجرتها حق خالص لها وإذا لم تقم بحضانته لوفاته أو وفاتها أو خروجها عن أهلية الحضانة أو امتناعها رجع عليها بقيمة الحضانة في المدة أو فيما بقي منها.

стр. 166

ولا يصح الخلع على أن تمسك الصغير عندها بعد تجاوز سن الحضانة إلى أن يبلغ الحلم؛ لأن ذلك تراض على إضاعة حق الصغير؛ لأن الشارع مراعاة لمصلحته جعل الحق في إمساكه بعد تجاوز سن الحضانة للأب لا للأم، فالتراضي على أن يكون إمساكه بعد تجاوز سن الحضانة للأب لا للأم، فالتراضي على أن يكون إمساكه للأم لا للأب غير صحيح، كما إذا تراضيا على أن يكون الصغير أو الصغيرة في مدة الحضانة بيد الأب لا الأم. أما إذا اختلعت على إمساك بنتها عندها إلى أن تبلغ الحلم فلها ذلك؛ لأنه ليس فيه إضرار بالبنت. وهذا هو الوارد بالمادة ٢٨٧ من كتاب الأحوال الشخصية للمرحوم محمد قدري باشا، ولك الظاهر ألا يفرق بين البنت والغلام، فالاتفاق على إمساك أحدهما بعد تجاوزه سن الحضانة إلى بلوغ الحلم بيد الأم يكون باطلا، كالاتفاق على إمساكهما مدة الحضانة بيد الأب؛ لأن الشرع جعل لكل مدة يدا بلا فرق بين بنت وغلام. حكمه: وحكمه أنه متى تحقق معناه الشرعي بأن كان بلفظ الخلع أو ما في معناه في مقابلة بدل وقبلت الزوجة ترتبت عليه آثار ثلاثة: وقوع طلاق بائن؛ لأن الطلاق في مقابلة المال بائن، ولزوم المال في ذمة الزوجة؛ لأن الزوج علق طلاقه على قبولها هذا الالتزام وقد رضيت به، وسقوط كل حق ثابت وقت الخلع لكل واحد من الزوجين قبل الآخر مما يتعلق بالزواج الذي وقع الخلع منه، فيسقط ما للزوجة من مهر لم تقبضه ونفقة متجمدة لم تستوفها استحقتهما من هذا الزواج، ويسقط ما للزوج من نفقة عجلها ولم تمض مدتها ومهر سلمه إليها ولم تستحقه بتمامه في هذه الزوجية. وهذا قول الإمام وعليه الفتوى ولا فرق عنده في إسقاط هذه الحقوق بين لفظ الخلع وبين ما في معناه كالمبارأة، ووجه قول أن الخلع ينبئ عن الفصل, والمبارأة تنبئ عن براءة كل منهما عن الآخر، وقد صدر كل من اللفظين غير مقيد فينصرف إلى الانفصال التام والبراءة التامة، وذلك إنما يكون بقطع آثار هذه الزوجية الحاصل

стр. 167

منها الخلع وسقوط الحقوق الثابتة بها. ولكن لا تسقط نفقة العدة؛ لأنها لم تكن حقا ثابتا وقت الخلع وإنما ثبتت بعده، فلا تسقط إلا إذا نص عليها صراحة في بدل الخلع. ولا يسقط ما لأحدهما قبل الآخر من غير حقوق الزوجية كثمن مبيع أو دين قرض، ولا تسقط حقوق زوجية سابقة مثل مؤخر صداق. وقال محمد لا يسقط بالخلع والمبارأة شيء من الحقوق, ويقتصر فيهما على ما سماه الزوجان؛ لأن المعاوضات يقتصر فيها على ما تم التراضي عليه، فيقع عليه الطلاق البائن ويلزمها البدل المسمى فقط. وأبو يوسف مع أبي حنيفة في المبارأة ومع محمد في الخلع. وعلى ما عليه العمل الآن من أن نفقة الزوجة التي سلمت نفسها لزوجها، ولو حكما تعتبر دينا صحيحا في ذمة الزوج من وقت امتناعه عن الإنفاق مع وجوبه، ولا يسقطها إلا الأداء أو الإبراء، وأنها لا تسقط بالطلاق ولو خلعا تكون النفقة المتجمدة للزوجة مثل نفقة عدتها إذا نص على أنها من بدل الخلع تسقط وإن لم ينص على أنها منه لا تسقط. ومن حكم الخلع يتبين الفرق بينه وبين الطلاق على مال، فالطلاق على مال يترتب عليه أثران: وقوع البائن، ولزوم المال. والخلع تترتب عليه آثار ثلاثة: هذان الاثنان، وسقوط حقوق الزوجية على ما بينا. خلع الزوجة التي ليست أهلا للتبرع: قدمنا أن الخلع من جانب الزوجة معاوضة, ولكنه لما كان معاوضة مال بغير مال؛ لأن الزوجة تدفع مالا هو بدل الخلع ولا يدخل في ملكها مال، بل تخلص لها عصمتها اعتبرت الزوجة كأنها متبرعة بالبدل الذي تلتزم به، ولهذا لا يلزمها البدل ولا يتحقق معنى الخلع الشرعي المترتبة عليه آثاره الثلاثة إذا كانت الزوجة المخالعة أهلا للتبرع، أي: بالغة عاقلة غير محجور عليها لسفه أو مريضة مرض الموت.

стр. 168

فإن كانت الزوجة صغيرة مميزة وقال لها زوجها خلعتك على مؤخر صداقك أو على عشرين جنيها فقالت: قبلت. وقع عليه طلاق رجعي، ولا يلزمها المال، أما عدم لزوم المال فوجهه أنها صغيرة ليست أهلا للتبرع بهذا البدل الذي التزمته بقبولها، وقبولها لا يلزمها، وأما وقوع الطلاق؛ فلأن عبارة الزوج معناها تعليق الطلاق على قبولها, وقد صح التعليق لصدوره من أهله ووجد المعلق عليه وهو القبول ممن هي أهل له؛ لأن الأهلية للقبول تكون بالتمييز وهي هنا صغيرة مميزة، ومتى وجد المعلق عليه وقع الطلاق المعلق. وكان رجعيا؛ لأنه لما لم يصح التزام المال كان طلاقا مجردا ليس في مقابلة مال فيقع رجعيا، فإن لم تقبل الصغيرة أو قبلت وهي ليست أهلا للقبول بأن كانت غير مميزة فلا يقع طلاق أصلا لعدم وجود المعلق عليه وهو القبول ممن هو أهله. وإذا جرى الخلع بين ولي الصغيرة وزوجها بأن قال زوج الصغيرة لأبيها خالعت ابنتك على مهرها أو على مائة جنيه من مالها، ولم يضمن الأب البدل له، وقالت قبلت: طلقت، ولا يلزمها المال ولا يلزم أباها، أما وقوع الطلاق فلأن الطلاق المعلق يقع متى وجد المعلق عليه, وهو هنا قبول الأب وقد وجد، وأما عدم لزومها المال؛ فلأنها ليست أهلا لالتزام التبرعات ولم تلتزم، وأما عدم لزوم أبيها المال فلأنه لم يلتزمه بالضمان ولا إلزام بدون التزام، ولهذا إذا ضمنه لزمه، وقيل لا يقع الطلاق في هذه الحال؛ لأن المعلق عليه قبول دفع البدل وهو لم يتحقق، وهذا القول ظاهر ولكن العمل بالقول الأول. وإذا خالع أبا الصغيرة على بدل من مال الأب نفسه تم الخلع بقبول الأب ولزم الأب أن يقع البدل من ماله ولا رجوع له على مال الصغير. وإذا كانت الزوجة محجورا عليها للسفه وخالعها زوجها على مال وقبلت لا يلزمها المال، ويقع عليها الطلاق الرجعي المعلق على قبولها؛ لأنها ليست أهلا للتبرع كالصغيرة ولكنها أهل للقبول كالمميزة.

стр. 169

وإذا كانت الزوجة مريضة مرض الموت وخالعها زوجها على مال وقبلت صح الخلع ويلزمها المال بشرط ألا يزيد عن ثلث ما تملكه؛ لأنها متبرعة والتبرع في مرض الموت وصية والوصية لا تنفذ إلا من الثلث للأجنبي، والزوج بالخلع صار أجنبيا. وإذا ماتت هذه المخالعة المريضة وهي في العدة لا يستحق زوجها إلا أقل هذه الأمور، بدل الخلع، وثلث تركتها، وميراثه منها؛ لأنه قد تتواطأ الزوجة مع زوجها في مرض موتها وتسمى له بدل خلع باهظا يزيد عما يستحقه بالميراث، فلأجل الاحتياط لحقوق ورثتها وردا لقصد المتواطئ عليه، قلنا إنها إذا ماتت في العدة لا تأخذ إلا أقل الأشياء الثلاثة، فإن برئت من مرضها ولم تمت منه فله جميع البدل المسمى؛ لأنه تبين أن تصرفها لم يكن في مرض الموت. أما إذا ماتت بعد انقضاء عدتها فله بدل الخلع المتفق عليه بشرط ألا يزيد عن ثلث تركتها؛ لأنه في حكم الوصية كما قدمنا، ولا نظر إلى مقدار ما يرثه؛ لأنه في هذه الحال ليس من ورثتها.

стр. 170

الحالات التي يطلق فيها القاضي: قدمنا أن الطلاق قد يكون من الزوج وقد يكون من القاضي بناء على طلب الزوجة، وبينا أن الزوج له حق الطلاق في أي حال ما دام أهلا لإيقاعه، وأما القاضي فلا يطلق الزوجة بناء على طلبها إلا في خمس حالات: نص القانون رقم ٢٥ سنة ١٩٢٠ على اثنتين منها: وهما التطليق لعدم الإنفاق، والتطليق للعيب. ونص القانون رقم ٢٥ سنة ١٩٢٩ على الثلاث الباقية وهي التطليق للضرر، والتطليق لغيبة الزوج بلا عذر، والتطليق لحبسه، وهذا بيان حكم كل منها١: ١- التطليق لعدم الإنفاق: إذا كان للزوج مال ظاهر يمكن تنفيذ النفقة فيه بالطرق المبينة بلائحة التنفيذ، فللزوجة أن تستوفي نفقتها منه وليس

стр. 171

لها أن تطلب تطليقها منه لعدم إنفاقه عليها، سواء كان الزوج حاضرا أو غائبا قريب الغيبة أو بعيدها؛ لأن غرضها وهو حصولها على نفقتها يتحقق بالتنفيذ في ماله الظاهر. وإذا لم يكن للزوج مال ظاهر يمكنها أن تنفذ نفقتها فيه، فإما أن يكون حاضرا أو غائبا، غيبة قريبة أو بعيدة. فإن كان حاضرا وادعت عليه زوجته أنه تاركها بلا نفقة وليس له مال ظاهر تستوفي نفقتها منه وطلبت تطليقها منه لذلك، فإن قال إني معسر وصادقته الزوجة على إعساره، أو لم تصادقه فأثبته بالبينة، ففي هاتين الحالتين اللتين ثبت فيهما إعساره بتصادقهما أو ببينته يمهله القاضي مدة لا تزيد على شهر، فإن أنفق فلا تطلق وإلا طلقها منه القاضي بقوله طلقتك منه. وإن اعترف بأنه موسر، أو سكت عن بيان حاله من يسار أو إعسار، أو قال إني معسر ولم يثبت قوله بمصادقتها أو بينته، وأصر في كل حالة من هذه الحالات الثلاث على عدم الإنفاق، وأصرت هي على طلب التطليق طلق عليه القاضي في الحال بدون إمهال. والفرق أنه في الحالين اللتين ثبت فيهما إعساره بالتصادق أو البينة ظاهر حاله أنه غير متعنت, ولا يقصد الإضرار بها, وأنه ما منعه من الإنفاق عليها إلا عسره فيمهل مدة قصيرة لا تزيد على شهر لعل الله يجعل من عسره يسرا، ولا ضرر على الزوجة في اصطبار هذه المهلة القصيرة، وأما في الحالات الثلاث التي اعترف فيها بيساره أو لم يثبت فيها إعساره، فإن الظاهر من إصراره على عدم الإنفاق مع اعترافه باليسار أو عجزه عن إثبات الإعسار أنه يقصد العنت والإضرار بها، فلا فائدة في إمهاله ويطلق عليه في الحال. وإن كان الزوج غائبا غيبة قريبة وادعت عليه أنها زوجته وغاب عنها وتركها بلا نفقة وليس له مال ظاهر تنفذ فيه، وأثبتت وقائع دعواها جميعها يضرب القاضي لهذا الغائب أجلا يقدر مدته بحسب ما يراه, ويقرر أنه إذا لم يرسل الغائب

стр. 172

في خلال تلك المدة ما تنفق الزوجة منه على نفسها النفقة الحاضرة الواجبة لها عليه أو لم يحضر للإنفاق عليها تطلق عليه، ويكلف قلم الكتاب إعلان الغائب بصورة من هذا القرار والأجل المضروب له، فإن مضت المدمة وحل الأجل ولم يرسل الزوج لزوجته ما تنفق منه على نفسها ولم يحضر للإنفاق عليها وتحققت المحكمة من وصول الإعلان إليه طلقها القاضي منه ما دامت مصرة على طلبها. ومثل الغائب غيبة قريبة المسجون إذا طلبت زوجته تطليقها منه لعدم إنفاقه عليها وعدم وجود مال ظاهر له لا يطلقها القاضي إلا بعد ضرب أجل له وإعذاره كما تقدم؛ لأنه ما خرج عن كونه غائبا غيبة قريبة. وإن كان الزوج غائبا غيبة بعيدة وادعت عليه أنها زوجته وغاب عنها وتركها بلا نفقة، وليس له مال ظاهر تنفذ فيه وأثبتت وقائع دعواها جميعها يطلقها القاضي منه في الحال بدون ضرب أجل ولا إعذار. ففي حضور الزوج يطلق زوجته بدون إمهال في حالات ثلاث، ويمهله في حالتين، وفي غيبته يطلق بدون إمهال في الغيبة البعيدة، ويمهل بحسب ما يرى في القريبة. ومثل الغائب غيبة بعيدة: الغائب الذي لا يدري مكانه ولا يعلم له محل إقامة، والمفقود الذي لا يعلم أحي هو أو ميت، فمتى أثبتت زوجة الواحد منهما وقائع دعواها التي بيناها تطلق منه في الحال، بدون ضرب أجل ولا إعذار. والمراد بالغيبة القريبة أن يكون الغائب بمكان يسهل وصول قرار المحكمة إليه بضرب الأجل في مدة لا تتجاوز تسعة أيام، وبالغيبة البعيدة ما ليست كذلك. ووجه الفرق بين الغائب غيبة قريبة ومن في حكمه وهو المسجون، والغائب غيبة بعيدة ومن في حكمه وهما المجهول محل إقامته والمفقود، أنه في الحالة الأولى يمكن الاحتياط بإعذار الزوج قبل تطليق زوجته منه، ولا ضرر على الزوجة في هذا الاحتياط. وأما في الحالة الثانية فلا يمكن هذا الاحتياط بغير إضرار بالزوجة؛ لأن

стр. 173

الفرض أنه بعيد الغيبة أو مجهول محله أو مفقود فإعذاره متعذر أو ممكن بضررها لحاجته إلى أمد طويل. والطلاق الذي يوقعه القاضي لعدم الإنفاق في أي حال من هذه الأحوال السابقة رجعي ما دام إيقاعه بعد دخول الزوج بزوجته, فيجوز للزوج أن يراجع زوجته ما دامت في العدة بشرطين: أن تثبت قدرته على الإنفاق عليها، وأن يستعد للقيام بهذا الإنفاق، فإذا لم يتوافر الشرطان لم تصح الرجعة؛ لأن سبب التطليق قائم. وأحكام التطليق لعدم الإنفاق التي بيناها مأخوذة من مذهب الإمام مالك، ودليله أن الزوج عجز عن الإمساك بالمعروف فيجب التسريح بالإحسان، وما دام الزوج لم يسرحها من تلقاء نفسه فإن القاضي ينوب عنه. "المواد ٤ و٥ و٦ من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٠". وأما على مذهب الحنفية فلا تطليق لعدم الإنفاق ولا للعجز عنه؛ لأن الزوج إن كان ذا عسر فنظرة إلى ميسرة، وتؤمر الزوجة باستدانة نفقتها ممن تجب عليهم نفقتها عند عدم الزوج ويؤمرون بالإدانة، وكذلك الحال في نفقة من يستحقون النفقة من أولادها, وإن كان موسرا يحبس حتى ينفق على زوجته. ٢- التطليق للعيب: إذا وجدت الزوجة بزوجها عيبا مستحكما لا يمكن البرء منه أو يمكن بعد زمن طويل, ولا يمكنها المقام معه إلا بضرر كالجنون والجذام والبرص، فلها أن تطلب من القاضي تطليقها منه, سواء كان ذلك العيب بالزوج قبل العقد ولم تعلم به أم حدث بعد العقد ولم ترض به، فإن تزوجته عالمة بالعيب، أو حدث العيب بعد العقد، ورضيت به صراحة أو دلالة بعد علمها، فليس لها طلب التطليق لأجله. وليست عيوب الزوج التي تسوغ طلب التطليق محصورة, وإنما المدار على كون العيب مستحكما لا يمكن البرء منه أو يمكن بعد زمن طويل, ولا تستطاع العشرة معه إلا بضرر أيا كان نوعه.

стр. 174

ويستعان بأهل الخبرة من الأطباء في معرفة العيب, وما إذا كان متحققا فيه هذه الأوصاف ومسوغا طلب التطليق أو لا. ومن العيوب التي تتحقق فيها هذه الصفات وتسوغ طلب التطليق: العنة، والجبّ، والخصاء. والعنين هو من لا يقدر على مباشرة النساء، والمجبوب هو الذي استؤصل مه عضو التناسل، والخصي هو الذي سلت خصيتاه. فإذا تزوجت المرأة ووجدت زوجها عنينا أو مجبوبا أو خصيا ولم تكن قد علمت حين العقد بحقيقة حاله, ولم ترض بالمقام معه على ذلك صراحة أو دلالة وطلبت تطليقها منه، فإن كانت دعواها أنه مجبوب وثبت أنه مجبوب طلقها القاضي منه في الحال ولا فائدة في الانتظار؛ لأن الجب أمر حسي يمكن تعرفه في الحال. وإن ادعت عليه أنه عنين "ومثله الخصي" وطلبت تطليقها منه؛ لأنه لم يصل إليها بسبب عنته سأله القاضي عن دعواها فإن أقر بها وصادقها على أنه لم يصل إليها يؤجله سنة قمرية ليتبين بمرور الفصول الأربعة المختلفة ما إذا كان عجزه عن مباشرة النساء لعارض يزول أو لعيب مستحكم وهو العنة. ولا يحتسب من السنة أيام غيبتها أو مرضها أو مرضه إن كان مرضا لا تستطاع معه المباشرة، وابتداء السنة من يوم الخصومة إلا إذا كان الزوج مريضا أو به مانع شرعي أو طبعي يمنعه من المباشرة، فإن كان كذلك فيكون ابتداء السنة من حين زوال المانع، فإن مضت السنة وعادت الزوجة إلى القاضي مصرة على طلبها؛ لأنه لم يصل إليها طلقها القاضي منه. وأما إن سأله القاضي عن دعواها فأنكرها, وقال إنه وصل إليها فإن كانت ثيبا من الأصل فالقول للزوج بيمينه؛ لأن الظاهر يشهد له إذ الأصل في الإنسان السلام, فإن حلف أنه وصل إليها رفضت دعواها، وإن نكل اعتبر نكوله مصادقة لها فيؤجل سنة كما في حال المصادقة السابقة، وإن كانت بكرا من الأصل عين القاضي امرأتين يثق بهما للكشف عليها، فإن قالتا هي ثيب فالقول للزوج بيمينه؛ لأن الظاهر يشهد له والقول بيمينه أيضا في أنه أزال بكارتها بالوقاع لا بالأصبع مثلا. وإن قالتا هي بكر يؤجله سنة كما مر.

стр. 175

فإذا مضت السنة وعادت الزوجة مصرة على طلبها؛ لأنه لم يصل إليها أراها لامرأتين يثق بهما مرة ثانية، فإن قررتا أنها ما تزال بكرا طلقها القاضي منه، وإن قررتا أنها ثيب فالقول للزوج بيمينه. والسبب في اتخاذ هذه الإجراءات بشأن عيب العنة خاصة أن الوقوف على حقيقة العنة متعذر وليس لأهل الخبرة من الأطباء في هذا العيب رأي قاطع, وقد يكون عجز الرجل عن مباشرة زوجته لعارض سريع الزوال، وليس عيبا مستحكما لا يمكن البرء منه، وقد يعجز الرجل عن مباشرة امرأة دون أخرى أو في حين دون آخر. فلهذا إذا أقر أنه لم يصل إليها يمهل سنة حتى تستبين حاله، وإذا ادعى أنه وصل إليها والظاهر يشهد له صدق يمينه. وإن كان الظاهر يكذبه بأن كانت ما تزال بكرا كما كانت, يمهل والغرض من هذا بناء التطليق على عيب مستحكم لا على مجرد عارض قد يكون سريع الزوال. والفرقة بالعنة وبأي عيب من العيوب المستحكمة التي لا يمكن البرء منها طلاق بائن، والمأخذ لأحكام التفريق بالعيوب هو مذهب محمد من أئمة الحنفية ومذاهب الأئمة الثلاثة "المواد ٩ و١٠ و١١ من القانون رقم ٢٥ سنة ١٩٢٠". ٣- التطليق للضرر: إذا ادعت الزوجة على زوجها إضراره بها بأي نوع من أنواع الضرر الذي لا يستطاع معه دوام العشرة بين أمثالها، كأن ادعت عليه أنه يضربها ضربا مبرحا، أو أنه يسبها أو يكرهها على محرم, وطلبت من القاضي تطليقها منه بناء على هذا الضرر، فإذا ثبت الضرر الذي ادعته سواء كان ثبوته باقرار الزوج أو بينته الزوجة وكان من أنواع الضرر الذي لا تستطاع معه العشرة بين أمثالهما, وعجز القاضي عن الإصلاح بينهما طلقها منه. وإذا عجزت عن إثبات الضرر الذي ادعته قررت المحكمة رفض دعواها، فإذا جاءت ثانية مكررة شكواها طالبة التطليق لإضراره بها ولم تثبت ما تشكو منه،

стр. 176

فحينئذ يعين القاضي حكمين رجلين عدلين من أهل الزوجين إن أمكن وإلا فمن غيرهم ممن لهم خبرة بحالهما وقدرة على الإصلاح بينهما. وعلى الحكمين أن يتعرفا أسباب الشقاق بين الزوجين ويبذلا جهدهما في الإصلاح، فإن أمكن على طريقة معينة قرارها, وإذا عجزا عن الإصلاح وكانت الإساءة من الزوج أو منهما أو جهل الحال قررا التفريق بينهما بالطلاق. وأما إذا كانت الإساءة من الزوجة فلا تطلق، وإذا اختلفا أَمَرَهما القاضي بمعاودة البحث فإن استمر الخلاف بينهما حَكّم غيرهما، وعلى الحكمين أن يرفعا إلى القاضي ما يقررانه وعلى القاضي أن يحكم بمقتضاه، والطلاق الذي يوقعه القاضي بناء على الضرر الذي أثبتته الزوجة أو بناء على تقرير الحكمين طلاق بائن. ومأخذ هذه الأحكام مذهب مالك ومستنده قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ . "المواد ٦ و٧ و٨ و٩ و١٠ و١١ من القانون رقم ٢٥ سنة ١٩٢٩". ٤- التطليق لغيبة الزوج: إذا ادعت الزوجة على زوجها أنه غاب عنها سنة فأكثر بلا عذر مقبول وطلبت تطليقها منه لتضررها من بعده عنها هذه المدة الطويلة وأثبتت وقائع دعواها، فإن كان زوجها الغائب لا يمكن وصول الرسائل إليه بأن كان غير معلوم محل إقامته أو معلوما ولا سبيل إلى مراسلته طلقها القاضي منه في الحال، وإن كان يمكن وصول الرسائل إليه ضرب القاضي له أجلا وأعذر إليه بأنه يطلقها عليه إن لم يحضر للإقامة معها, أو ينقلها إليه أو يطلقها, فإذا انقضى الأجل ولم يفعل ولم يبد عذرا مقبولا طلقها القاضي منه, ولو كان له مال تستطيع أن تنفق على نفسها منه؛ لأن هذا تطليق لتضررها ببعده عنها المدة الطويلة بلا عذر, وليس سببه عدم وجود ما تنفق منه، والتطليق لهذه الغيبة طلاق بائن؛ لأنه من

стр. 177

أنواع التطليق للضرر ومأخذه مذهب الإمام مالك، والمراد بالسَّنة التي عَدَد أيامها ٣٦٥ يوما "المادتان ١٢ و١٣ من القانون رقم ٢٥ سنة ١٩٢٩". ٥- التطليق لحبس الزوج: إذا صدر على الزوج حكم بسجنه ثلاث سنين فأكثر وصار هذا الحكم نهائيا، فلزوجته بعد مضي سنة من سجنه أن تطلب تطليقها منه لتضررها من بعده عنها هذه المدة الطويلة، ومتى تثبت للقاضي أن الحكم صدر بالسجن لمدة ثلاث سنين فأكثر. وأنه أصبح نهائيا، وأنه نفذ على الزوج, ومضت سنة فأكثر من تاريخ تنفيذه طلقها القاضي منه. والتطليق لهذا الحبس طلاق بائن؛ لأنه أيضا من نوع التطليق للضرر ومأخذه كذلك مذهب الإمام مالك والمراد بالسنة التي عدد أيامها ٣٦٥ "المادة ١٤ من القانون رقم ٢٥ سنة ١٩٢٩".

стр. 178

فسخ الزواج: الفرقة بين الزوجين قد تكون بالطلاق الذي يصدر من الزوج أو من القاضي بناء على طلب الزوجة وهذا تقدم بيانه. وقد تكون بفسخ العقد أي: نقضه بسبب خلل وقع فيه. أو بسبب طارئ طرأ يمنع بقاءه. ففسخ الزواج لخلل وقع فيه يكون في حالات: منها الفسخ بسبب ظهور أن العقد وقع غير صحيح كما إذا تبين أن الزوجة أخت زوجها رضاعا أو زوجة غيره أو معتدته. ومنها الفسخ بخيار البلوغ سواء أكان من الزوج أم من الزوجة في الحال التي يكون فيها الخيار لأحد الزوجين إذا بلغ. ومنها الفسخ لعدم كفاءة الزوج لزوجته وعدم رضا وليها العاصب به وقت العقد.

стр. 179

ومنها الفسخ لنقصان مهر الزوجة عن مهر مثلها, وعدم رضا وليها به وامتناع الزوج عن إكماله. وفسخ الزواج لطارئ يمنع بقاءه يكون في حالات: منها الفسخ بسبب ردة أحد الزوجين عن الإسلام١. ومنها الفسخ بسبب إباء الزوجة غير الكتابية أن تسلم بعد أن أسلم زوجها. ومنها الفسخ بسبب فعل أحد الزوجين مع أصول الآخر أو فروعه ما يوجب حرمة المصاهرة من الزنا ودواعيه. فسواء أكانت الفرقة بسبب خلل في العقد أم بسبب طارئ يمنع بقاءه فإنها في هذه الحالات جميعها تعتبر فسخا ولا تعتبر طلاقا. والفرق بين الفرقة التي هي طلاق والفرقة التي هي فسخ من وجوه: "أولها" أن الطلاق يتنوع إلى رجعي لا يحل عقدة الزواج في الحال وإلى بائن يحل عقدة الزواج في الحال. وأما الفسخ فهو بجميع أسبابه يحل عقدة الزواج في الحال. "وثانيها" أن الفرقة التي هي طلاق تنقص عدد الطلقات التي يملكها الزوج بحيث لو طلق الزوج زوجته طلقة واحدة, ثم راجعها وهي في عدتها أو عقد عليها عقدا جديدا بعد انقضاء عدتها لا يملك عليها إلا طلقتين, وتحسب عليه تلك الواحدة. وأما الفرقة التي هي فسخ فلا تنقص عدد الطلقات بحيث لو فسخ الزواج بخيار البلوغ مثلا أو لعدم الكفاءة ثم تزاوجا ثانيا ملك الزوج على زوجته ثلاث طلقات ولا يحتسب هذا الفسخ مما ينقص ما يملكه. "وثالثها" أن كل فرقة هي طلاق تكون من الزوج قبل الدخول بزوجته حقيقة أو حكما توجب للزوجة نصف مهرها، وليست كذلك كل فرقة هي فسخ فإن الزوج لو اختار نفسه عند بلوغه وفسخ الزواج بهذا الخيار, وكان ذلك قبل الدخول حقيقة أو حكما لا يجب عليه من المهر شيء.

стр. 180

وقد يتوقف الفسخ على حكم القضاء بمعنى أنه ما لم يصدر حكم بالفسخ فالعقد باق وذلك في الحالات التي يبنى الفسخ فيها على أسباب تقديرية تكون موضع خفاء, كالفسخ بعدم كفاءة الزوج؛ لأن الكفاءة لا تعرف بالحس وأسبابها مختلفة. وكالفسخ بنقصان المهر من مهر المثل؛ لأنه متوقف على تعيين المثل, ومهر المثل ومقارنة المسمى به. والفسخ بخيار البلوغ؛ لأنه مبني على قصور الشفقة في الولي وله شرائط. والفسخ بإباء الزوجة غير الكتابية الإسلام إذا أسلم زوجها؛ لأنها قد لا تأبى فلا يفسخ العقد. وقد لا يتوقف الفسخ على حكم القضاء بمعنى أنه على الزوجين أن يفسخا من تلقاء أنفسهما, وذلك في الحالات التي يكون سبب الفسخ فيها جليا ليس موضع خفاء ولا تقدير، كالفسخ بسبب ظهور فساد العقد، أو بسبب ردة أحد الزوجين عن الإسلام. أو بسبب فعل أحدهم بأصول الآخر أو فروعه ما يوجب حرمة المصاهرة. ومن استقراء أنواع الزواج يتبين الضابط العام لتمييز الفرقة التي هي طلاق من الفرقة التي هي فسخ, وهو أن كل فرقة تكون من الزوج ولا يتصور أن تكون من الزوجة فهي طلاق. وكل فرقة تكون من الزوجة لا بسبب من الزوج، أو تكون من الزوج ويتصور أن تكون من الزوجة فهي فسخ.
следующие страницы →