من فاقد الأهلية. وتصرفاته في وقت عودة عقله إليه، تكون صحيحة لصدورها من كامل الأهلية بشرط أن يكون في وقت عودة عقله إليه مفيقا إفاقة تامة.
الصغير المميز والمعتوه المميز:
الصغير المميز هو من بلغ سبع سنين. ويفهم ما يترتب على العقود والتصرفات. ويميز الغبن الفاحش من اليسير. والمعتوه المميز هو من كان قليل الفهم مختلط الكلام, سيئ التدبير لاضطراب عقله، هذان ناقصا الأهلية وليسا فاقديها؛ لأن أصل الأهلية يكون بالتمييز وهو متحقق فيهما، ولوجود أصل الأهلية فيهما ونقصها كان حكم تصرف الواحد منهما على ما يأتي:
إن كان تصرفه نافعا له نفعا محضا كقبوله الهبة له أو الوصية صح, ونفذ بدون توقف على إجازة وليه. وإن كان تصرفه ضارا به ضررا محضا كتبرعه بشيء من ماله، أو إقراضه، أو إعارته، بطل، ولا تصححه إجازة الولي؛ لأن الإجازة إنما تلحق الصحيح الموقوف ولا تلحق الباطل. وإن كان تصرف محتملا النفع والضرر كبيعه وشرائه وتأجيره واستئجاره, وسائر معاوضاته صح, وكان موقوفا نفاذه على إجازة وليه، فإن أجازه إجازة معتبرة شرعا بأن كان التصرف الذي أجازه ليس فيه غبن فاحش نفذ، وإن لم يجزه أو أجازه مع أن فيه غبنا فاحشا لم ينفذ، فلوجود أصل الأهلية صححنا التصرف الدائر بين النفع والضرر، ولنقصها جعلناه موقوفا نفاذه على إجازة الولي ليجبر برأيه وتقديره ما نقص من أهلية الصغير المميز أو المعتوه١.
السفيه وذو الغفلة:
السفيه هو من يبذر ماله ويضيعه فيما لا مصلحة له فيه، ولا يرتضيه عقل ولا دين، وذو الغفلة هو السليم القلب الذي يغبن في المبايعات ولا يهتدي إلى الرابح من التصرفات.
стр. 247
هذان بالغان عاقلان ليسا فاقدي الأهلية ولا ناقصيها، والحجر عليهما على مذهب الصاحبين المفتى به ليس لقصور أهليتهما، وإنما هو لدفع الضرر عنهما, ودفع الضرر عن الناس بمعاملتهما، فإذا وجد من إنسان ما يدل على سفهه أو غفلته حجر عليه. ولكمال أهليتهما وكون الحجر عليهما إنما هو لحفظ مالهما كان كل منهما مخاطبا بجميع العبادات، وأهلا للتكاليف، وكان حكم تصرف الواحد منهما بعد الحجر عليه على ما يأتي:
إن كان تصرفه مما لا يقبل الفسخ ولا يبطله الهزل كان صحيحا نافذا، ولذا كان زواج كل منهما وطلاقه صحيحا نافذا لصدوره من كامل الأهلية.
وإن كان تصرفه مما عدا ذلك من العقود والتصرفات فحكمه حكم تصرف الصبي المميز والمعتوه المميز. فإن كان نافعا له نفعا محضا صح ونفذ. وإن كان ضارا به ضررا محضا بطل ولا تلحقه إجازة١. وإن كان محتملا النفع والضرر صح وكان موقوفا على إجازة القيّم عليه، فإن أجازه ولم يكن فيه غبن فاحش نفذ، وإن لم يجزه أو أجازه وفيه غبن فاحش لا ينفذ.
مبدأ ثبوت الحجر: ومع إتفاق الصاحبين على الحجر على السفيه وذي الغفلة اختلفا في أن الحجر هل يثبت بمجرد ظهور دلائل السفه والغفلة ويزول بزوالها، أو لا يثبت إلا بصدور قرار بالحجر من الجهة المختصة، ولا يزول إلا بصدور قرار منها برفعه.
قال محمد إن المسبب يدور مع سببه وجودا وعدما، فإذا وجدت دلائل السفه أو الغفلة يثبت الحجر من حين ظهورها، سواء صدر قرار الحجر معها أو بعدها، وإذا زالت هذه الدلائل ارتفع الحجر سواء صدر قرار رفعه معها أو بعدها.
وقال أبو يوسف إن مجرد وجود وقائع السفه أو الغفلة لا يثبت بها الحجر حتى يصدر قرار بالحجر بناء عليها فيكون محجورا عليه من حين القرار. وكذلك مجرد ظهور
стр. 248
دلائل الرشد لا يرتفع بها الحجر حتى يصدر قرار برفع الحجر فيكون غير محجور عليه من حين القرار؛ وذلك لأن وقائع السفه أو الغفلة قد تشتبه وقد تقدر وقائع سفه مع أنها ليست كذلك. وكذا الحال في وقائع الرشد، وإنما الذي يقدر هذه الوقائع ويحكم بأنها أمارات السفه أو أمارات رشد هو القضاء, فيناط الحجر أو رفعه بقراره. ولأن الحجر بالسفه والغفلة مختلف فيه. وإنما يرجحه قضاء الحاكم به. ولأنه إذا اعتبر محجورا عليه قبل صدور قرار بالحجر عليه كان في هذا تغرير بالناس الذين يعاملونه, بناء على أنه لم يقرر حجر عليه. والعمل جار بمذهب أبي يوسف؛ لأنه أضبط ووجهته أوضح.
وعلى هذا الخلاف فكل تصرفات السفيه وذي الغفلة بعد ظهور أمارات سفهه وغفلته, وقبل صدور قرار الحجر عليه تكون على قول أبي يوسف كتصرفات المطلق غير المحجور عليه. وعلى قول محمد حكمها حكم تصرف المحجور عليه.
وتصرفات المحجور عليه للسفه أو الغفلة بعد ظهور أمارات رشده, وقبل صدور قرار برفع الحجر عنه هي كتصرفات الرشيد على قول محمد, وكتصرفات السفيه أو ذي الغفلة على قول أبي يوسف.
المدين:
إذا طلب الدائنون الحجر على مدينهم فعلى مذهب الصاحبين المفتى به يجابون إلى طلبهم, ويحجر على المدين أن يتصرف تصرفا يضر بحقوق الدائنين, بحيث لو باشر تصرفا فيه إضرار بحقوقهم كان غير نافذ وتوقف على إجازتهم، ولهذا لو وقف المحجور عليه للدين فوقفه موقوف نفاذه على إجازة الغرماء، فإن أجازوه نفذ ولزم، وإن لم يجيزوه بطل. ولو وهب أو أوصى فكذلك، وإذا امتنع المدين من أداء ما عليه من الديون, فعلى قول الصاحبين للقاضي أن يبيع من أمواله ما يفي بالدين المطلوب منه مراعيا البدء ببيع ما يخشى عليه التلف منها، ثم بيع سائر المنقولات، ثم بيع سائر العقار. ويترك له ما يلزم له, ولمن تجب عليه نفقتهم بقدر الكفاية من طعام وكسوة وسكنى.
стр. 249
رفع الحجر:
يرفع الحجر عن المحجور عليه متى زال السبب الذي بني عليه الحجر، فيرفع الحجر عن السفيه إذا ظهر رشده وأمارات حرصه على ماله، ويرفع الحجر عن ذي الغفلة إذا ظهرت خبرته واهتدى إلى حسن التصرف، وعن المجنون إذا شفي وعاد إليه عقله. وعن المعتوه إذا كملت قواه العقلية وزال اختلاطه. وأما الصغير فما دام دون سبع سنين فهو غير مميز والحجر عليه كلي يشمل كل تصرف، فإذا بلغ سبع سنين فأكثر فهو مميز والحجر عليه إنما هو في التصرفات الضارة، والدائرة بين النفع والضرر، فإذا بلغ الحلم عاقلا رشيدا فلا حجر عليه, وله حرية التصرف ولا ولاية لأحد عليه في نفس ولا مال.
وبلوغ الحلم للبنت والغلام يكون بظهور علامة من علامات البلوغ كالاحتلام والأحبال، والحيض، فإن لم يظهر على أحدهما شيء من علامات البلوغ، فإنه يحكم ببلوغ كل منهما الحلم متى وصلت سنه خمس عشرة سنة على القول المفتى به.
وأما بلوغ الرشد فإنه على ما عليه العمل الآن في المجالس الحسبية يكون ببلوغ القاصر أو القاصرة إحدى وعشرين سنة ميلادية, وقد جاء في المادة ٢٩ من قانون المجالس الحسبية ما نصه: "تنتهي الوصاية أو الولاية على المال متى بلغ القاصر من العمر إحدى وعشرين سنة ميلادية إلا إذا قرر المجلس استمرارها. ومع ذلك فمتى بلغ القاصر ١٨ سنة، ولم يمنع من التصرف، جاز له تسلم أمواله ليديرها بنفسه. ويكون للقاصر في هذه الحالة قبض دخله مدة إدارته والتصرف فيه، والتأجير لمدة لا تتجاوز سنة، وزراعة أطيانه، وإجراء ما يلزم للعقارات من أعمال الحفظ والصيانة، ويعد القاصر رشيدا بالنسبة إلى هذه التصرفات، ويبقى قاصرا فيما عداها, ويستمر الوصي في أداء وظيفته بالنسبة إليه".
والرشد شرعا هو كون الشخص مصلحا في ماله لا ينفقه في غير مصلحة ولا يعمل فيه بالتبذير والإسراف، وليس له في الشرع سن محددة غير سن بلوغ الحلم، فإذا بلغ الشخص خمس عشرة سنة رشيدا أصبح ذا أهلية تامة للتصرفات الشرعية جميعها
стр. 250
فتكون له الولاية التامة في ماله، ويصح أن يكون ناظرا على الأوقاف، وأن يكون وليا على غيره في النفس أو المال، وتحديد القانون الحسبي سنا للرشد بعد سن البلوغ إنما هو للاحتياط, ولأجل التحقق من إيناس الرشد.
تنبيه: إذا بلغ الصبي الحلم غير رشيد بأن قارن سفهه بلوغه منع عنه ماله بالاتفاق بين الإمام وصاحبيه؛ لأن الله سبحانه شرط لدفع أموال اليتامى إليهم شرطين: بلوغ الحلم، وإيناس الرشد في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ . فمتى بلغ الصبي الحلم سفيها لا يدفع إليه ماله حتى يرشد, مهما امتد زمن سفهه ولو بلغ من السن أي مبلغ وهذا قول الصاحبين. وأما الإمام فقال: إذا بلغ سفيها لا يدفع إليه ماله حتى يرشد أو يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإذا بلغها دفع إليه ماله على أي حال كان؛ لأنها مظنة رشده وكافية لتجربته, ولا فائدة في الانتظار بعدها.
فعلى مذهب الصاحبين لا فرق بين من بلغ غير سفيه ثم طرأ عليه السفه، وبين من بلغ سفيها، كل منهما يمنع عنه ماله ويحجر عليه أن يتصرف فيه إلى أن يرشد.
وأما على مذهب الإمام فالذي بلغ غير سفيه, ثم طرأ عليه السفه لا يمنع عنه ماله ولا يحجر عليه أن يتصرف فيه. والذي بلغ سفيها يمنع عنه ماله حتى يرشد أو يبلغ خمسا وعشرين سنة فهو يفرق بين السفه المقارن والسفه الطارئ.
стр. 251
الولاية على المال:
الصغير والمجنون والمعتوه تثبت الولاية شرعا على أموالهم لستة أشخاص بهذا الترتيب الأب ثم وصيه، ثم الجد ثم وصيه، ثم القاضي ثم وصيه.
والسفيه وذو الغفلة تثبت الولاية على أموالهما للقاضي، ثم للقيم الذي يعينه. فالصغير ومن في حكمه من الكبار غير المكلفين لجنون أو عته لا ولاية للقاضي ولا وصيه على أموالهم إذا كان لأحدهم ولي شرعي أب أو وصيه أو جد أو وصيه، والسفيه وذو الغفلة الولاية على أموالهما للقاضي أو القيم الذي يعينه، ولو كان لأحدهما أب أو جد.
والشرط العام في ولي المال أن يكون كامل الأهلية بالعقل والبلوغ والحرية، وأن يكون متحدا في الدين مع المولى عليه, إذا إذا كان الولي القاضي فلا يشترط فيه اتحاد الدين؛ لأن اتحاد الدين إنما يشترط في الولاية الخاصة. أما الولاية العامة وهو ولاية القاضي فلا يشترط فيها اتحاد الدين.
والولاة الستة على أموال الصغار ومن في حكمهم لكل منهم حدود خاصة لولايته. وهذا البيان:
١- ولاية الأب:
إذا كان أبو الصغار ومن في حكمهم من الكبار غير المكلفين معروفا بالعدالة، أو مستور الحال لا يعرف عنه ما ينفي عدالته، فله الولاية المطلقة على أموالهم لا فرق بين ذكورهم وإناثهم, ولا فرق بين أن يكونوا في حضانة حاضنتهم أو في يده. وعليه أن يحفظ مالهم ويستثمره. وله أن يتصرف فيه بكل ما فيه حفظه واستثماره، فله التجارة فيه. ودفعه لمن يعمل فيه على سبيل المضاربة. وله أن يؤجر منقولاته وعقاراته وأطيانه. وله أن يبيع مال الصغير عقارا أو منقولا ويشتري للصغير بماله عقارا أو منقولا, بشرط أن لا يكون في البيع أو الشراء غبن
стр. 252
فاحش، فإن باع مال الصغير بغبن فاحش بطل البيع، ولو أجازه الصغير بعد بلوغه لا تلحقه الإجازة؛ لأن الإجازة لا تلحق الباطل. وإذا اشترى للصغير بغبن فاحش نفذ الشراء, ولكن عليه هو لا على الصغير؛ لأن الشراء متى وجد نفاذا نفذ، ولا ضرر على الصغير في نفاذه على الأب، وله أن يرهن مال الصغير بدين عليه أو على نفسه. وله أن يودعه ويعيره لمن يحفظه. وله أن يبيع مال نفسه لولده. ويشتري مال ولده لنفسه، ويرهن ماله لولده ويرتهن مال ولده لنفسه. ويتولى هو طرفي العقد. وليس له أن يتبرع بمال الصغير، فلا يجوز له أن يهب شيئا منه بغير عوض. ولا أن يقرضه. ولا يقترضه ولا يقفه ولا يوصي به.
وكل التصرفات النافعة، والدائرة بين النفع والضرر التي يقتضيها حفظ المال واستثماره يجوز له مباشرتها في مال ولده، وأما التصرفات الضارة فليس له مباشرتها.
أما إذا كان الأب معروفا بسوء الرأي وفساد التدبير فله الولاية أيضا على أموال ولده الصغير, ومن حكمه من الكبار غير المكلفين, ولكنه ليس مطلق التصرف كالأب العدل أو مستور الحال، بل لا يجوز تصرفه إلا إذا كان ظاهر النفع فله التصرف النافع نفعا محضا، وله التصرف الدائر بين النفع والضرر, بشرط التحقق من نفعه, بأن يبيع عقار الصغير بضعف قيمته ويشتري له العقار بنصف قيمته، ويبيع المنقول بزيادة نصف قيمته ويشتريه بنقص ثلث قيمته، بأن يبيع ما يساوي عشرة بخمسة عشر، ويشتري ما يساوي خمسة عشر بعشرة. وهذا الاحتياط نتيجته في الحقيقة قصر تصرف الأب المعروف بفساد التدبير على النافع نفعا محضا؛ لأنه في الغالب لا يتيسر له تحقيق هذا الشرط في بيع العقار أو المنقول.
أما إذا كان الأب مبذرا متلفا مال ولده غير أمين على حفظه فإنه تسلب ولايته وينزع مال ولده الصغير, ومن في حكمه من يده ويعيه بدله وصي كما إذا لم يكن له أب.
стр. 253
وعلى هذا العمل الآن بالمجالس الحسبية، فالولي الشرعي له سلطة التصرف في أموال الصغير ومن في حكمه حسبما هو سائغ له شرعا، إلا إذا كان سيئ التصرف بحيث يحلق الضرر بمال الصغير، فتحد سلطته، ويلزم بالاستئذان في إجراء التصرفات المحتملة للنفع والضرر المنصوص عليها في المادة ٢١ من قانون المجالس الحسبية، فإن بلغ سوء تصرفه إلى درجة الخطر على أموال ولده تسلب ولايته ويعين وصي بدله. فلا سلطان للمجلس الحسبي على الولي الشرعي إلا إذا أساء التصرف بمقتضى ولايته، فإن أساء التصرف كان للمجلس الحسبي عليه سلطان الحد من سلطته، أو سلب ولايته.
وهذا نص المادة ٢٨ من قانون المجالس الحسبية التي تقرر ذلك:
"لا يجوز الحكم بسلب ما للأولياء الشرعيين من السلطة على أموال الأشخاص المشمولين بولايتهم إلا بناء على طلب النيابة العمومية، وبشرط أن يكون سوء تصرفهم في أموال المذكورين ملحقا الضرر برأس مالهم نفسه، فإذا رأى المجلس أن عدم الثقة بالولي لا يبلغ درجة تبرر سلب جميع سلطته على تلك الأموال، فله أن يحظر عليه إجراء كل التصرفات المبينة في المادة الحادية والعشرين أو بعضها بدون إذن خاص".
٢- ولاية وصي الأب:
وهو المسمى الوصي المختار. وهو من يختاره الأب ويوصي إليه بأن يكون خلفا عنه بعد موته على أولاده يدير شئونهم، وهو بهذا الإيصاء تكون له على قُصَّر الموصي ولاية مالية فقط, وليست له ولاية على أنفسهم، ويكون في ولايته الماية مقدما على جدهم لأبيهم بحيث لو وجد أبو الأب ووصي الأب كانت الولاية على نفس القصر لجدهم وعلى مالهم لوصي أبيهم.
إقامته:
الإيصاء عقد يتم بايجاب من الموصي، وقبول من الوصي، والإيجاب يكون بأي لفظ يدل عليه. مثل: أوصيت إليك بأولادي، أو فلان وصي مالي ... والقبول يكون بما يدل على الرضا من قول كأن يقول الوصي قبلت،
стр. 254
أو رضيت، أو تعهدت، أو فعل كأن يباشر شأنا من شئون تركة الموصي بعد موته، أو يشتري للورثة شيئا من حاجاتهم، أو يقضي بعض ديون الموصي، أو يقتضي بعضها.
فمتى صدر الإيجاب من الموصي وهو أهل له باستكماله أهليته تم الإيجاب من جانبه, سواء صدر منه في حال صحته أو مرضه، ومتى قبل الوصي لزمته الوصاية، فإن قبلها في حياة الموصي وعلم بقبوله، واستمر على هذا القبول حتى مات الموصي كانت الوصاية لازمة له لتمامها من جانبه، وليس له أن يخرج نفسه إلا إذا جعل له الموصي الحق في أن يخرج نفسه متى شاء، وإن ردها في حياة الموصي وعلم برده لم تلزمه, ويبطل الإيجاب حتى لو قبل بعد ذلك لا تتم، لعدم مصادفة القبول لإيجاب، وإن سكت في حياة الموصي ولم يقبل ولم يرد حتى مات الموصي كان له بعد موته القبول أو الرد. وإذا لزمت الوصي الوصاية بقبوله إياها بعلم الموصي فليس له أن يعزل نفسه عنها في حياته إلا بعلمه، وليس له أن يعزل نفسه عنها بعد موته, إلا إذا كان له الحق بمقتضى الإيصاء أن يخرج نفسه متى شاء، والحكمة في هذا عدم التغرير بالموصي. ومتى تم عقد الإيصاء كان للوصي بعد موت الموصي الولاية على أمواله.
تثبيت الوصي المختار: على ما عليه العمل الآن بالمجالس الحسبية ليس مجرد اختيار الموصي للوصي المختار يجعل له حق التصرف في تركته بعد موته، بل لا بد من عرض أمر هذه الوصاية على المجلس الحسبي المختص, ليقرر تثبيت الوصي في الوصاية, بعد أن يتحقق من لياقته لها واستيفائه الشروط الواجب توفرها في الوصي، وإذا تبين للمجلس أن الموصي اختار للوصاية من لا يليق لعدم استيفائه تلك الشروط يعتبر هذا الاختيار كأن لم يكن, ويعين المجلس وصيا من قبله، كما إذا مات الموصي ولم يعين وصيا. وإذا ثبته ثم طرأ عليه ما يخل بلياقته. عزله وعين غيره. وإن رآه عاجزا عن القيام وحده بشئون التركة ضم إليه غيره.
стр. 255
ولذا جاء في المادة ٣ من قانون المجالس الحسبية المبينة اختصاص المجالس. "وتثبيت الأوصياء المختارين اللائقين للوصاية. وتعيين المشرفين. وعزل جميع المتولين المذكورين. واستبدال غيرهم بهم".
شروط الوصي:
يشترط في الوصي شرعا أن يكون كامل الأهلية بالعقل والبلوغ والحرية. متحدا في الدين مع المولى عليه. أمينا حسن التصرف. قادرا على إدارة شئون التركة.
وزاد قانون المجالس الحسبية ألا يكون محكوما عليه في جريمة سرقة أو خيانة أمانة أو نصب أو تزوير، أو في جريمة من الجرائم المخلة بالآداب أو غير ذلك من الجرائم الماسة بالشرف أو النزاهة، وألا يكون محكوما بإفلاسه إلى أن يحكم برد شرفه إليه. وألا يكون قد قرر الأب حرمانه من التعيين من قبل وفاته بإشهاد شرعي. أو بكتابة صادرة بخطه.
وهذه الشروط التي زيدت في قانون المجالس الحسبية هي تفصيل لشرط الأمانة المشترط شرعا، وهي تشترط في الوصي المختار، وفي الوصي الذي يعينه المجلس ما عدا الشرط الأخير فإنه خاص بالوصي الذي يعينه المجلس.
تخصيص الوصي المختار:
ذا خصص الأب الوصي الذي اختاره بنوع خاص من التصرفات, كأن اختاره ليكون وصيا في زراعة أطيانه أو إجارة عقاراته أو تحصيل ديونه، قال أبو حنيفة: لا يقبل الوصي المختار التخصيص بل يكون وصيا عاما، ولو اختار عدة أوصياء وخصص كل واحد منهم بنوع كان كل منهم وصيا عاما. وقال أبو يوسف: الوصي المختار يتخصص بما خصص به، ولا تكون له ولاية على غيره.
وجه قول الإمام أن الولاية لا تتجزأ, فمن ولي تصرفا ملك الولاية كاملة في كل أنواع التصرفات. وأن الموصي رضي برأي هذا المختار في بعض التصرفات, فيكون
стр. 256
أولى ممن لم يرض برأيه في تصرف ما، فتكون ولايته عامة. ووجه قول أبي يوسف أن تخصيص الموصي للوصي ببعض التصرفات دليل على أنه لا يثق برأيه فيما عداها، ورب امرئ يحسن تصرفا ولا يحسن آخر، فجعله وصيا عاما إهدار لمعنى التخصيص، وبَعُدَ عن غرض الموصي وهو أحرص الناس على شئون تركته. والفتوى على قول أبي حنيفة. والظاهر قول أبي يوسف.
تعدد الوصي المختار:
إذا أوصى الأب إلى أكثر من واحد، فإن نص في إيصائه على أن لكل منهم أن ينفرد بالتصرفات، أو نص على وجوب الاشتراك اتبع ما نص عليه، وإذا أطلق ولم ينص على اشتراك أو انفراد. فأبو يوسف يرى أن لكل منهما أن ينفرد بالتصرفات؛ لأن اختيار كل واحد منهما مع الإطلاق له أكسبه ولاية كاملة. والطرفان يريان أنه يجب عليهما الاشتراك في التصرفات، وإلا ضاع غرض الموصي من تعيين اثنين فأكثر، فليس لأحدهما أن ينفرد بالتصرف، إلا في المسائل التي لا تقتضي الاشتراك، وهذه المسائل ترجع إلى قسمين:
"الأول" التصرفات التي يخشى من تأخيرها الضرر كبيع ما يخشى عليه التلف، وشراء حاجات القصر الضرورية، وتجهيز المتوفى وتكفينه.
"الثاني" التصرفات التي لا يحتاج فيها إلى الرأي كرد الودائع المعروفة إلى أصحابها. وقضاء الديون الثابتة المطلوبة. وتنفيذ الوصية المعينة الصحيحة لمعين.
تصرفات الوصي المختار:
إذا كانت التركة مشغولة بدين أو وصية فعليه أن يسدد الدين، وينفذ الوصية. وإذا كان الوفاء بالدين يقتضي بيع التركة كلها من منقول وعقار فله بيعها؛ لأنه لا تركة إلا بعد أداء الدين وتنفيذ الوصية الجائزة.
وإذا كانت التركة غير مشغولة بدين أو وصية والورثة كلهم كبار حاضرون، فليس للوصي المختار ولاية عليهم؛ لأنهم غير محجور عليهم, وكل ما يملكه بمقتضى الوصاية أن يقتضي ديون الموصي. ويقبض حقوقه ويدفعها إلى ورثته.
стр. 257
وإن كانوا كلهم كبارا غير حاضرين فله مع ذلك أن يبيع المنقولات فقط إذا رأى أن أثمانها أبقى منها؛ لأن هذا من باب الحفظ.
وإذا كان الورثة كلهم صغارا فله الولاية المالية عليهم، وله بمقتضى هذه الولاية أن يتصرف في أموالهم بما فيه حفظها واستثمارها من إجارة ومضاربة ومزارعة. وليس له أن يتبرع بشيء منها لا هبة ولا وصية ولا صدقة ولا وقفا. وكل ما يملكه الأب من التصرف المالي يملكه وصيه؛ لأنه قائم مقامه، إلا أن الأب له أن يبيع مال الصغير عقارا كان أو منقولا بثمن المثل, أو بغبن يسير ولو لم يوجد أحد المسوغات الشرعية لبيع العقار. وأما وصية فليس له أن يبيع العقار إلا بمسوغ شرعي. والمسوغات ترجع إلى قسمين:
"الأول" أن يتعلق بالتركة حقوق لا يمكن إيفاؤها إلا ببيع العقار كأن يكون على المتوفى دين, أو في التركة وصية ولا يفي بذلك بيع المنقولات.
"الثاني" أن يكون بيع العقار خيرا للصغير من بقائه. كأن يوجد راغب فيه يشتريه بضعف قيمته أو أكثر، أو تكون ضريبته وما يصرف عليه للصيانة، أو الزراعة تزيد على غلاته، أو يكون العقار مبنيا وبناؤه آيل إلى السقوط ولا نقود عند الوصي لترميمه وتلافي سقوطه، أو يحتاج القاصر إلى النفقة وليس في التركة نقود ولا عروض, ولا سبيل إلى تدبير نفقته إلا بيع عقاره، أو يخشى على العقار من متسلط يغصبه ظلما ولا يمكن دفعه عنه ولا استرداده منه بعد غصبه. ففي هذه الحالات وأمثالها يكون خير القاصر ومنفعته في بيع عقاره.
فالوصي المختار من الأب له أن يتصرف في أموال القصر التصرفات النافعة نفعا محضا، كقبض ما يوهب لهم أو يوصى إليهم به، وقبض ديونهم، وتحصيل غلاتهم. وله أن يتصرف التصرفات الدائرة بين نفع القصر وضررهم. فله أن يتجر لهم بأموالهم. وله أن يبيع منقولاتهم بمثل القيمة أو بغبن يسير. وله أن يشتري لهم عقارا أو منقولا بمثل القيمة أو بغبن يسير. وله أن يؤجر مالهم. وله أن يبيع
стр. 258
مال نفسه لليتيم، ويشتري مال اليتيم لنفسه، ويتولى هو طرفي العقد. وللاحتياط ودفع التهمة اشترط في هاتين الحالتين أن يكون في البيع والشراء نفع ظاهر للقاصر بأن يبيع للقاصر العقار بنصف قيمته، ويشتري منه العقار بضعف قيمته. وفي غير العقار بأن يبيع له ما يساوي خمسة عشر بعشرة، ويشتري ما يساوي عشرة بخمسة عشر. وليس له أن يتصرف في أموالهم تصرفا ضارا فلا يتبرع بشيء من مال الصغار بأي نوع من التبرع، ولا يتنازل عن حق ثابت لهم، ولا يقر بحق غير ثابت عليهم، وغير ذلك مما فيه إضرار ظاهر بالقصر.
ومن هذا يتبين أن تصرفات الوصي المختار تخالف تصرفات الأب في مسألتين: "الأولى" أن الأب له بيع منقولات أولاده القُصر وعقاراتهم بثمن المثل أو بغبن يسير. وأما وصيه المختار فله بيع منقولاتهم فقط بثمن المثل أو بغبن يسير. وأما عقاراتهم فليس له بيعها إلا بمسوغ شرعي من المسوغات التي بيناها. "الثانية" أن الأب إذا تولى طرفي العقد بينه وبين ولده بأن باع مال نفسه لولده، أو اشترى مال ولده لنفسه، فلا يشترط تحقق النفع الظاهر في المبادلة بالمعنى الذي بيناه، بل يكفي أن لا يكون في المبايعة غبن فاحش. وأما الوصي فإذا تولى طرفي العقد بينه وبين القاصر فلا بد من تحقق النفع على ما بيناه.
وعلة التفريق واضحة؛ لأن شفقة الأب وحرصه على مصلحة أولاده لا حاجة معهما إلى ضمان آخر، ولا كذلك الوصي فإنه قد يؤثر مصلحة نفسه على مصلحة القاصر. ولذلك إذا كان بيعه مال القاصر لأجنبي أو شراؤه له من أجنبي لم تشترط الخيرية بالمعنى السابق، بل إن كان المبيع منقولا بثمن المثل أو بغبن يسير. وإن كان عقارا صح بوجود المسوغ.
٢- ولاية الجد:
إذا آلت الولاية للجد الصحيح وهو أبو الأب وإن علا، ملك التصرفات التي يملكها الوصي المختار من الأب. إلا أن الجد ليس له أن يبيع من التركة لا من عقاراتها ولا منقولاتها لتسديد دين على المتوفى أو تنفيذ
стр. 259
وصية له, مع أن الوصي المختار له أن يبيع التركة كلها من عقار ومنقول إذا اقتضى ذلك إيفاء ما على المتوفى من ديون أو تنفيذ وصاياه الجائزة. وإنما يملك الجد بيع التركة لقضاء ديون القصر أنفسهم. وبناء على هذا إذا كان على المتوفى دين أو في تركته وصية والولاية للجد، فالدائن أو الموصى له لا يطالب الجد ببيع شيء من التركة لسداد الدين أو تنفيذ الوصية، وإنما يرفع الأمر إلى القاضي ليجري هو بيع ما يفي بالسداد أو التنفيذ.
وهذا تفريق لا يظهر له وجه. ولذا قال محمد: الجد يملك عند عدم الأب أو وصيه كل ما يملكه الأب من التصرفات -وهذا القول هو الظاهر- ولكن المفتى به هو الأول.
٤- ولاية وصى الجد:
إذا اختار الجد وصيا على أولاد ابنه من بعده، كان هذا الوصي المختار من الجد له الولاية المالية التي كانت للجد على مال أولاد ابنه, وملك من التصرفات المالية ما يملكه الجد؛ لأنه مستمد ولايته منه. وأحكامه من حيث إقامته، والشروط الواجب توافرها فيه، وتثبيته من المجلس الحسبي المختص، وعدم تخصصه بالتخصيص، وما يجوز له عند التعدد من الانفراد أو عدم الانفراد، هي الأحكام التي قررناها للوصي المختار من الأب.
٥- ولاية القاضي ووصيه:
إذا كان فاقدو الأهلية وناقصوها من الصغار ومن في حكمهم من الكبار غير المكلفين لجنون أو عته ليس لهم ولي شرعي لا أب ولا وصيه، ولا جد ولا وصيه، تكون الولاية على أموالهم للقاضي، وقد حل محل القاضي الآن المجلس الحسبي. فمن ليس له ولي شرعي على ماله من القصر ومن في حكمهم، فالولاية الشرعية على أموالهم للمجلس الحسبي المختص، وبما أن القاضي قديما والمجلس الحسبي حالا لا يستطيع أن يباشر شئون هذه الولاية بنفسه، ولا أن يتصرف في أموال القصر بيده، كان لا بد أن يعين عنه وصيا يدير شئون القصر
стр. 260
المالية نيابة عنه. وهذا هو الوصي المعين، وهو شرعا متى عين صارت له الولاية المالية وملك من التصرف المالي ما يملكه الوصي المختار من كل تصرف نافع نفعا محضا، أو دائر بين النفع والضرر على ما فصلناه، وليس له أن يتصرف أي تصرف مالي ضار بالقصر. إلا أن الوصي المعين يفترق شرعا عن الوصي المختار في مسائل:
١- الوصي المختار لا يقبل التخصيص على المفتى به، ولكن الوصي المعين يقبل التخصيص، فإذا عين وصي لإدارة شئون الأطيان الزراعية فقط تخصص بها, ولم تكن له ولاية على غيرها؛ لأن ولاية القاضي تتخصص فكذلك ما استمد منها.
٢- الوصي المختار له أن يبيع مال نفسه للقاصر, ويشتري مال القاصر لنفسه, بشرط أن تتحقق الخيرية في المعاوضة بالقدر الذي بيناه، ولكن ليس للوصي المعين أن يعقد هذه المعاوضة لا لنفسه ولا لمن لا تقبل شهادتهم له كابنه وأبيه؛ لأنه نائب عن القاضي، والقاضي لا يملك ذلك؛ لأنه فعله قضاء وهو لا يقضي لنفسه ولا لمن لا تقبل شهادتهم له دفعا للتهمة، فمثله من استمد الولاية منه.
٣- الوصي المختار له ولاية التصرف بنفسه في حياته، وله أن يوصي إلى غيره من بعده ويكون هذا الوصي الثاني وصيا في التركتين في تركة الوصي نفسه وفي التركة التي هو وصي فيها، ولكن الوصي للعين لا يملك أن يعين وصيا من بعده على التركة التي هي معين فيها, إلا إذا جعل له الحق في هذا التعيين؛ لأنه يتخصص بالتركة وبنوع التصرف.
فمما تقدم يؤخذ أن ولاية الأب المالية أشمل من ولاية وصيه المختار، وأن ولاية وصيه المختار أشمل من ولاية الجد، وإن ولاية الجد ووصيه حدودهما واحدة, وولاية الوصي المعين أضيق الولايات حدودا. ومنشأ هذا كما قدمنا الاحتياط لمصلحة القصر، والتفريق بين ولاية الولي الشرعي ومن اختاره، وبين ولاية الأجنبي المعين من قبل القضاء.
стр. 261
ويؤخذ أيضا أن تصرفات الولاة الماليين الستة مقيدة بالمصلحة. ولذا حظر عليهم كل تصرف ضار بمصلحة الصغير ومن حكمه. وأبيح لهم التصرف النافع والدائر بين النفع والضرر, مع وجوه الاحتياط التي فصلناها في ولاية كل منهم. والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ .
ما عليه العمل الآن: كل ما قدمناه من الأحكام في حدود الولاية على المال هو ما تقرر في مذهب أبي حنيفة, تحديدا لسلطان الولاة الماليين وبيانا للفروق بينهم.
وقانون المجالس الحسبية الجاري به العمل الآن وهو الصادر في أكتوبر سنة ١٩٢٥ قد وضع حدود الولاية المالية على أسس هذه الأحكام. وزاد بعض ما اقتضته رعاية مصلحة القصر من الأحكام. ونحن نبين بالإجمال ما سنه قانون المجالس الحسبية المذكور. ومنه يتضح أن الخلاف إنما هو في وسائل الاحتياط.
إذا كان للقصر ولي شرعي أب أو جد صحيح، فلا تكون للمجالس الحسبية ولاية على أموال هؤلاء القصر، وإنما الولاية لوليهم الشرعي أبيهم أو جدهم. وليس للمجالس الحسبية سلطان على هذا الولي الشرعي، فله أن يتصرف في أموال القصر بكل ما يسوغ له شرعا أن يتصرف فيه, بدون استئذان المجلس أو رجوع إليه. وليس له أن يتصرف ما حظر عليه شرعا. ولكن إذا أساء الولي الشرعي التصرف في أموال القصر بحيث تكون تصرفاته مضرة بهذه الأموال، كان على المجلس أن يتدخل في ولايته، فإن رأى تصرفات مضرة بهذه الأموال، كان على المجلس أن يتدخل في ولايته، فإن رأى تصرفات الولي تجعله غير أمين وغير موثوق به قرر سلب ولايته على أموالهم، وصار القصر كأنهم لا ولي لهم وعيّن المجلس الحسبي من يختاره وصيا عليهم. وإذا رأى أن تصرفاته لا تبلغ من السوء درجة تجعله غير أمين وأن لا مبرر لسلب
стр. 262
ولايته، فله أن يتخذ الاحتياط لتصرفه بحيث يحظر عليه التصرفات الدائرة بين النفع والضرر "وهي الواردة بالمادة ٢١" كلها أو بعضها إلا بإذن المجلس "المادة ٢٨ من قانون المجالس الحسبية".
وإذا لم يكن للقصر ولي شرعي كانت الولاية على أموالهم للمجلس الحسبي المختص, غير أنه إذا كان الولي الشرعي قد اختار قبل وفاته وصيا على القصر المشمولين بولايته كان على المجلس أن ينظر في هذا الوصي المختار، فإن تبين أنه لائق للوصاية بتوافر شروط الوصي فيه ثبته فيها وكانت له الولاية. وإن رآه غير لائق لها لعدم استيفائه الشروط عيّن وصيا من قبله, وكأن هذا الاختيار لم يكن. وإذا لم يكن للولي الشرعي وصي مختار من قبله, أو كان له وصي مختار ولم يثبته المجلس. عيّن المجلس الحسبي من يشاء ممن استكمل الشروط الواجب توفرها شرعا وقانونا في الوصي.
والوصي المختار بعد تثبيته، والوصي المعين بعد تعيينه، سيان في الخضوع لرقابة المجلس الحسبي، ووجوب تقديمهما الحساب له. وما يجوز لهما من التصرف في أموال القصر، وما لا يجوز.
فالتصرفات الضارة ضررا محضا كالهبة: والإقراض، والإعارة، والإقرار على الصغير بدين غير ثابت، والتنازل عن حق ثابت. وكل ما فيه إخراج شيء من ملك القاصر بغير عوض، أو تعريض ماله أو حقه للضياع. ليس للوصي مطلقا مختارا كان أو معينا. ولا للقيّم على المحجور عليه. ولا للوكيل عن الغائب أن يباشر شيئا منها، وإذا باشر شيئا منها كان تصرفه باطلا بطلانا جوهريا لا تلحقه إجازة المجلس لو أجازه، ولا إجازة القاصر بعد بلوغه "مادة ٢٢ من قانون المجالس الحسبية".
وهذا يطابق الحكم الشرعي تمام المطابقة.
والتصرفات النافعة نفعا محضا مثل قبول الهبات والوصايا له. وما يقتضيه استثمار الأعيان وصيانتها وحفظها, مثل التأجير للمدة القصيرة التي تقل عن ثلاث سنوات، وتحصيل الإيراد، ودفع الضرائب والديون الثابتة، وبيع المنقولات التي يكون حفظ
стр. 263
ثمنها خيرا من بقائها، وتسجيل العقود، وترميم البناء. يجوز للوصي مطلقا سواء كان مختارا أو معينا أن يباشرها من غير توقف على إذن المجلس.
وهذا أيضا يطابق الحكم الشرعي تمام المطابقة.
والتصرفات الدائرة بين النفع والضرر، لا يجوز للوصي على القصر مختارا كان أو معينا، ولا للقيّم على المحجور عليه، ولا للوكيل عن الغائب، أن يباشر شيئا منها إلا بإذن المجلس, بحيث إذا باشر شيئا منها بدون إذنه كان تصرفه باطلا, ولكنه بطلان نسبي، فلو أجازه المجلس نفذ لأن الإجازة اللاحقة كالإذن السابق. وهذه التصرفات عدها القانون في المادة ٢١ وهذا العد ليس حصرا, وإنما هو بيان لما يكثر وقوعه.
وهذا هو ما دون بالمادة ٢١ المذكورة:
١- شراء العقارات، أو بيعها أو استبدالها، أو ترتيب حقوق عينية عليها.
٢- التصرف بالبيع أو الرهن في الأوراق المالية.
٣- تقليل التأمينات المقررة لمنفعة القاصر، أو المحجور عليه، أو الغائب.
٤- الاعتراف بدين سابق على الوفاة، أو الحجز، أو الغيبة.
٥- الصلح أو التحكيم.
٦- إجراء القسمة بالتراضي.
٧- طلب القسمة القضائية عند عدم الاتفاق.
٨- قبول الهبة إذا كانت مقترنة بشرط.
٩- التأجير لمدة أكثر من ثلاث سنوات.
١٠- الاقتراض.
١١- شراء شيء لأنفسهم من ملك القاصر، أو المحجور عليه، أو الغائب، أو بيع شيء من ملكهم لواحد منهم.
١٢- استئجار ملك القاصر، أو المحجور عليه، أو الغائب.
١٣- قبول التنازل لهم عن حق، أو دين على القاصر، أو المحجور عليه، أو الغائب.
стр. 264
ووجوب حصول الوصي على إذن خاص لمباشرة هذه التصرفات الدائرة بين النفع والضرر يغاير ما قدمناه من الحكم الشرعي الذي يسوغ هذه التصرفات للوصي المختار. والوصي المعين بمقتضى الإيصاء بدون توقف على إذن. ولكن إذا روعي أن الوصي المعين من قبل المجلس الحسبي يستمد ولايته من المجلس, وأنه يتخصص بما خصصه به, وتتقيد ولايته بالحدود الذي حدها له. وأن الوصي المختار لا يملك الولاية إلا بعد تثبيت المجلس له, وهو بهذا التثبيت يتقيد بما قيده به. وأن الشارع أباح التصرفات الدائرة بين النفع والضرر مع إيجاب احتياطات خاصة في التصرفات. وأن الغرض من توقف التصرف على إذن المجلس هو التحقق من رعاية هذا الاحتياط وتوفير مصلحة الصغير ومن في حكمه، يتبين أن توقف هذه التصرفات على الإذن لا يخرج عن حدود ما قررته الشريعة من اتخاذ الاحتياط لمصلحة القاصر، وأن لا يقرب ماله إلا بالتي هي أحسن.
فعلى أساس هذا الاحتياط نص القانون على ما لا يجوز للوصي من التصرفات في المادة ٢٢، وعلى ما يجوز له بإذن خاص في المادة ٢١، ومفهومه أن ما عدا المنصوص عليه في المادتين المذكورتين يجوز له مباشرته بدون إذن خاص, وهي التصرفات التي ترجع إلى حفظ التركة واستثمارها وجلب النفع للقاصر نفعا محضا.
محاسبة الوصي: إذا بلغ القاصر رشيدا فله أن يحاسب الوصي عن إدارته في مدة وصايته، ومصروفات المحاسبة عليه؛ لأنها في مصحلته. وإذا كان الوصي معروفا بالأمانة اكتفى منه بالحساب الإجمالي وصدق بيمينه فيما يدعيه من إيراد أو مصروف إذا كان الظاهر لا يكذبه، فإن كان الظاهر يكذبه فلا يصدق بيمينه، بل لا بد من البينة إلا إذا بين سببا مقبولا لمخالفة الظاهر. مثلا إذا قدم الوصي في الحساب أنه أنفق على القاصر في الشهر مائة جنيه في نفقته, وكان الظاهر يكذبه فلا يصدق بيمينه, إلا إذا بيّن سببا مقبولا بأن قال إن ثيابه سرقت وجدد بدلها أو احتاج إلى علاج استنفذ مبالغ كبيرة، أو غير ذلك مما يحتمل أن يصرف فيه هذا
стр. 265
القدر. وإن كان غير معروف بالأمانة فلا يكتفى منه بالحساب الإجمالي، بل لا بد من حساب تفصيلي لأبواب الإيراد وأبواب الصرف, ويصدق بيمينه فيما لا يكذبه فيه الظاهر من كل تصرف سائغ له شرعا. وفيما عدا ذلك لا يصدق إلا بالبينة. هذا هو الحكم الشرعي في محاسبة الوصي, وهو مبني على أنه أمين والأمين يصدق.
وكذلك للقاصر إذا بلغ رشيدا أن يحاسب وليه الشرعي أباه أو جده، ويعامل كل منهما في المحاسبة على أساس أنه أمين يصدق فيما يدعيه من إيراد ومصروف ما لم يكذبه الظاهر.
أما الذي عليه العمل الآن بمقتضى المادة ٢٤ وما بعدها، فإن كل وصي ملزم بأن يقدم حسابا تفصيليا في آخر كل سنة إلى المجلس الحسبي التابع له، وبأن يرفق بهذا الحساب جميع المستندات التي تؤيده. وملزم بأن يقدم الحسابات النهائية إلى المستحق, أو الذي يولى إدارة التركة بدله. بلا تفريق بين وصي مختار ومعين، ولا بين معروف بالأمانة وغير معروف بها. واعتماد المجلس الحسبي للحساب المقدم من الوصي لا يمنع ذوي الشأن من الطعن فيه أمام المحاكم المختصة؛ لأن نظر المجلس في الحساب وتصديقه من باب الرقابة لا من باب القضاء به, فهو لا يأخذ قوة الشيء المحكوم به١.
أجرة الوصي:
للوصي أجرة مثل عمله إن كان فقيرا محتاجا. وإن كان غنيا فلا أجر له. قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ . ولكن لتغير الأيام صار المفتى به أن الوصي مطلقا غنيا أو فقيرا له الأجر إذا أبى أن يعمل إلا بأجر. والقاضي يقدره بما يراه.
والجاري عليه العمل الآن أن الوصي إذا طلب تقدير أجر على عمله يعين له المجلس الحسبي هذا الأجر بمراعاة قيمة الأموال التي يديرها. والعمل الذي استوجبته إدارتها. والفائدة التي عادت على القاصر منها. ويكون ذلك بقدر الإمكان بتقدير
стр. 266
مبلغ معين في المائة من صافي الإيراد السنوي المتحصل، على أن لا يزيد الأجر على كل حال عن ثمانية في المائة من صافي الريع، أو من جملة الإيراد بعد خصم الأموال ومصاريف الزراعة، ومصاريف صيانة العقار.
موت الأب أو وصيه مُجَهِّلا:
المراد بموت أحدهما مجهلا أن يموت من غير أن يبين ما للقاصر من عقار ومنقول ونقود وديون, وتصرفاته بمقتضى ولايته, بيانا يجعل كل شيء للقاصر معروفا محفوظا. والقاعدة الفقهية أن الأمين ملزم بالحفظ وضامن بالتعدي. وأن إهماله بتجهيله الأمانة نوع من التعدي يكون به ضامنا. وعلى هذا وضعت القاعدة -الأمين يضمن بموته مجهلا- ولكن الأب ووصيه مع كون كل منهما أمينا في مال القاصر الذي تحت يده مستثنيان من هذه القاعدة. فإذا مات أحدهما مجهلا مال القاصر، فما وجد من هذا المال أخذ، وما لم يوجد لا يكون مضمونا في تركة أحدهما؛ وذلك لأن كل واحد منهما له ولاية التصرف في مال القاصر، فيحتمل أنه اتجر فيه فخسر. أو باع منه شيئا فضاع الثمن. أو تصرف أي تصرف من التصرفات الجائزة له فكانت سببا في ضياع شيء منه بخلاف سائر الأمناء، فإن عليهم الحفظ وليس لهم التصرف، فما لم يوجد من المال الذي تحت يدهم بعد موتهم يكون مضمونا عليهم.
والظاهر أن الجد ووصيه في هذا مثل الأب ووصيه؛ لأن كلا منهما أمين له ولاية التصرف فَعِلَّة الاستثناء متحققة.
стр. 267
المفقود:
تعريفه:
المفقود شرعا هو غائب لا يدرى مكانه, ولا يعلم أحي هو أم ميت.
إدارة شئونه:
إذا ترك المفقود وكيلا كان قد وكله عنه قبل فقده، تستمر وكالة هذا الوكيل، ويكون له الحق بمقتضاها في حفظ أمواله, واستثمارها والنظر في شئونها من تحصيل غلات وقبض ديون، وغير ذلك من كل تصرف يقتضيه الحفظ أو الاستثمار. ولا يعتبر الوكيل بفقد موكله معزولا من الوكالة بل يبقى نائبا عنه في إدارة شئونه. وليس لورثة المفقود التعرض له، ولا لمندوب بيت المال عند عدم وجود ورثة له؛ لأنه ما دام لم يحكم بموت المفقود فما له باق على ملكه، ووكيله قائم فيه مقامه، ولا حق فيه للورثة ولا لبيت المال، ولا يملك هذا الوكيل تعمير عقاراته إلا بإذن القاضي.
وإذا لم يترك المفقود وكيلا عنه عيّن له وكيل يحفظ أمواله ويستثمرها بما فيه المصلحة.
جهة الاختصاص بشئونه:
المجالس الحسبية هي المختصة الآن بتعيين الوكيل في مال المفقود، ومراقبة الوكيل الذي أنابه عنه المفقود قبل فقده، ولها الحق في محاسبته وفي عزله, وتعيين غيره إن رأته غير صالح لإدارة المال، ولها ضم غيره إليه إن رأته غير قادر عليها وحده. وشأنه في ذلك شأن الوصي على القاصر والقيّم على المحجور عليه.
والمحاكم الشرعية هي المختصة بالحكم بموت المفقود، وقسمة تركته بين ورثته، وشئون زوجيته.
وتصرفات الوكيل في أموال المفقود على ما عليه العمل الآن بالمجالس الحسبية حكمها حكم تصرفات الوصي في مال القاصر، والقيم في مال المحجور عليه، فلا يجوز له التبرع بشيء منه, ولا تغييره كما نص على ذلك في المادة ٢٢، ويجب عليه استئذان
стр. 268
المجلس لإجراء أي تصرف من التصرفات الواردة في المادة ٢١، وما عدا ذلك فهو سائغ له بغير اسئذان؛ لأن المواد المذكورة جعلت حكمها ساريا على الأوصياء والقامة. والوكلاء عن الغائبين. بغير تفريق بين وصي مختار ومعين, وبين وكيل مختار ووكيل معين.
أحكام المفقود:
يعتبر المفقود حيا وترتب عليه أحكام الأحياء ما دام لم يثبت موته ولم يحكم به؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت ما يغيره. وعلى هذا لا يفرق بينه وبين زوجته ولا تحل لأحد غيره، ولا يقسم ماله بين ورثته، ولا تفسخ إجارته. وتجب عليه في ماله النفقة لزوجته, ولكل من تجب عليه نفقتهم شرعا؛ لأنه معتبر حيا في غيبته. فلا ترتب عليه أحكام الموتى فتبقى زوجته على عصمته، وماله على ملكه، وإجارته قائمة، ويبقى أهلا لوجوب النفقة عليه.
ولكن بما أن حياته هذه اعتبارية, وليست محققة فلا ترتب عليها الأحكام التي شَرْطها التحقق من الحياة، وعلى هذا لا يرث فعلا من غيره. ولا يستحق فعلا الموصى له به؛ لأن الشرط لاستحقاق الإرث والوصية التحقق من حياة الوارث أو الموصى له بعد موت المورث أو الموصي. وبما أن المفقود ليست محققة حياته بل هو معتبر حيا فقط، فلا يرث فعلا ولا يستحق الموصى به فعلا، ولكن لاحتمال حياته يوقف له نصيبه في الميراث الذي يستحقه لو كان محقق الحياة، ويوقف له الموصى له به، فإذا ظهر حيا أخذ النصيب الموقوف المحفوظ له؛ لأنه تبين أنه استحقه، وإذا لم يظهر حيا وحكم بموته، يرد الموقوف من الميراث إلى ورثة المورث، وترد الوصية إلى ورثة الموصي؛ لأن المفقود لما لم تظهر حياته كان كأنه عند موت المورث أو الموصي غير موجود، فلا حق له في الإرث، ولا الوصية، ويكون ما وقف له حقا لورثة المورث أو الموصي:
وهذا معنى قول الفقهاء يعتبر المفقود حيا في الأحكام التي تضره, وتترتب على ثبوت موته كقسمة ماله بين ورثته وانقطاع زوجيته. ويعتبر ميتا في حق الأحكام
стр. 269
التي تنفعه وتضر غيره, وتترتب على ثبوت حياته. كإرثة من غيره واستحقاقه وصية غيره له.
متى يحكم بموته:
أصل المذهب أن المفقود يحكم بموته بالبينة. فإن لم توجد بينة فبموت أقرانه، أو بمضي تسعين سنة من تاريخ ولادته.
والجاري عليه العمل الآن في المحاكم الشرعية وهو مأخوذ من مذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل: أن المفقود إذا فقد في حالة يظن معها موته كمن خرج ليقضي حاجة قريبة ويعود ففقد. أو خرج للقتال في الميدان ففقد، فهذا يحكم بموته بناء على طلب ذي الشأن فيه، إذا مضت عليه أربع سنين كاملة من حين فقده ولم يعد، وبحث عنه فلم يوجد. وإذا فقد في حالة يظن معها بقاؤه حيا, كمن سافر للسياحة أو التجارة أو طلب العلم ففقد، فهذا يحكم بموته بناء على طلب ذي الشأن فيه إذا مضت عليه من حين فقده مدة لا يعيش مثل المفقود إلى غايتها، وتحرّي عنه بما يوصل إلى معرفة حاله فلم يوجد. وتقدير هذه المدة موكول إلى رأي القاضي يقدرها بمراعاة سن المفقود وحالته الصحية حين فقده، وقد تكون أربع سنين أو أقل أو أكثر.
والفرق بين الحالين أنه لما كان الفقد في الحالة الأولى على حال يغلب فيها الهلاك حددت أربع سنوات يكون مضيها مرجحا موته. ولما كان الفقد في الحالة الثانية على حال يظن معها بقاؤه حيا ترك أمر تقدير المدة التي يحكم بموته إذا مضت إلى القاضي, ليراعي سن المفقود وصحته وسائر أحواله. ولزم التحري في الحالتين للاحتياط. وقبل صدور الحكم بموته يعتبر حيا على ما قدمنا مهما طالت مدة فقده.
ومتى حكم بموته اعتدت زوجته عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام من تاريخ الحكم بموته. وبعد انقضائها تحل للأزواج. وقسمت تركته بين ورتثه الموجودين وقت الحكم بموته. ورد الموقوف له من الإرث أو الوصية إلى ورثة مورثه أو الموصى كما قدمنا.
стр. 270
ومن هذا يتبين أن الحكم بموت المفقود لا يستند إلى تاريخ فقده بالنسبة لإرث غيره منه. ولهذا لا يرثه إلا ورثته الموجودون وقت الحكم بموته. أما من ماتوا قبل الحكم فلا يرثونه, ولو ماتوا بعد فقده. ويستند إلى تاريخ فقده بالنسبة لإرثه من غيره، ولهذا يرد النصيب الموقوف من الإرث أو الوصية إلى ورثة المورث أو الموصى كأن المفقود لم يكن موجودا.
ظهور حياته:
إذا حكم بموت المفقود على أي حال كان فقده ثم جاء، أو ظهرت حياته بأي دليل. فأما زوجته فهي له ما لم يتزوج بها آخر, ويستمتع بها غير عالم بحياة الأول. فإن وجدها كذلك أي تزوجت بآخر وتمتع بها غير عالم بحياة الأول فهي لزوجها الثاني, إلا أن يكون عقد عليها في عدة وفاة الأول. وأما ماله فالموجود منه في أيدي ورثته يأخذه منهم. وأما ما استهلكوه منه فهو غير مضمون عليهم؛ لأنهم أخذوه بحكم القاضي. وكذلك الحكم فيما كان موقوفا له من إرث أو وصية ورُدّ إلى ورثة المورث أو الموصى بعد الحكم بموته يأخذ الموجود منه بأيديهم, وأما المستهلك فلا ضمان له.
مادة ٢١ من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩: "يحكم بموت المفقود الذي يغلب عليه الهلاك بعد أربع سنين من تاريخ فقده. وأما في جميع الأحوال الأخرى فيفوض أمر المدة التي يحكم بموت المفقود بعدها إلى القاضي. وذلك كله بعد التحري عنه بجميع الطرق الممكنة, الموصلة إلى معرفة إن كان المفقود حيا أو ميتا".
مادة ٢٢ من القانون نفسه: "بعد الحكم بموت المفقود بالصفة المبينة في المادة السابقة تعتد زوجته عدة الوفاة، وتقسم تركته بين ورثته الموجودين وقت الحكم".
مادة ٧ من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٠: "إذا جاء المفقود أو لم يجئ, وتبين أنه حي فزوجته له ما لم يتمتع بها الثاني، غير عالم بحياة الأول، فإن تمتع بها الثاني غير عالم بحياة الأول كانت للثاني, ما لم يكن عقده في عدة وفاة الأول".
стр. 271
المريض مرض الموت
مدخل
...
المريض مرض الموت:
قدمنا أن مرض الموت هو: المرض الذي يعجز الرجل عن القيام بمصالحه خارج بيته, ويعجز المرأة عن القيام بمصالحها داخل بيتها. ويغلب فيه الهلاك. ويتصل به الموت. وأن من كان صحيحا ولكن وجد في حال يغلب هلاكه فيه، ثم مات حكمه وهو في حالته الخطرة حكم المريض مرض الموت. ومن هذا يؤخذ أن المرض لو أعجز صاحبه عن القيام بمصالحه, ولكن حصل الشفاء منه لا يعتبر مرض موت. وكذلك لو أعجز صاحبه, ولكن لم يكن بحيث يغلب فيه الهلاك, أو لم يعجزه ولم يغلب فيه الهلاك, تكون تصرفات المريض فيه تصرفات الصحيح. وقالوا إن المريض إذا طالت علته بأن مضت عليه سنة فأكثر من غير تغير وازدياد, يعتبر مرضه مرضا لا يغلب فيه الهلاك، وتكون تصرفات المريض بعد ظهور تطاول مرضه بمضي السنة عليه كتصرفات الصحيح. فلا يمكن الحكم على المريض بأنه مريض مرض موت إلا بعد موته، وما دام حيا لا اعتراض لأحد على أي تصرف له لاحتمال أن يبرأ من مرضه, فلا يكون مرض موت وتكون تصرفاته فيه كتصرفات الأصحاء.
تصرفاته:
بما أن المريض مرض الموت تتعلق بماله وحقوق دائنيه وورثته. وهو في مرضه عرضة للتهمة في تصرفه. فلا يكون حر التصرف في ماله, بل تكون أحكام تصرفاته على هذا التفصيل المقصود منه المحافظة على حقوق الدائنين والورثة ونفي التهمة.
فأما تصرفاته الإنشائية التي هي معاوضات محضة, وليس فيها محاباة في العوض ولا أي تبرع، مثل البيع والإجارة ببدل المثل، فهذه نافذة ولا حق لدائن أو وارث في الاعتراض على تصرف منها بعد موت المريض؛ لأن ما خرج عن ملك المريض دخل في ملكه بدله, وحقهم إنما تعلق بمالية ملكه لا بخصوص أعيانها، فبيعه وإجارته
стр. 272
وكل مبادلاته ما دامت بثمن المثل فهي نافذة. ولكن إذا كان بيعه لأحد ورثته توقف نفاذ البيع بعد موته على إجازة سائر الورثة نفيا للتهمة ولو كان البيع بثمن المثل١.
وأما تصرفاته الإنشائية التي هي تبرعات كالهبة والوقف والضمان والمحاباة في المعاوضات، فهذه تصرفات تضر بحقوق الدائنين، والورثة؛ لأنها تخرج شيئا من ملك المريض بغير عوض. ولذلك يكون حكمها حكم الوصية وإن صدرت منجزة. فإذا وهب المريض مرض الموت أو وقف أو ضمن أو حابى في مبادلة كان هذا التصرف منه بمنزلة الوصية، فإن مات مدينا بدين مستغرق تركته توقف نفاذ تصرفه على إجازة دائنيه. وإن مات غير مدين, وكان تبرعه لوارث توقف نفاذه على إجازة سائر الورثة, أيا كان المقدار المتبرع به. وإن مات غير مدين وكان تبرعه لغير وارث نفذ في ثلث تركته وتوقف فيما زاد عنه على إجازة سائر الورثة. مع مراعاة التفريق بين وقفه ووصيته كما هو مبين في موضعه.
ويؤخذ من هذا أن تبرعات المريض مرض الموت سواء صدرت منجزة, أو مضافة إلى ما بعد الموت حكمها حكم الوصية. وأما تبرعات الصحيح، فإن صدرت مضافة إلى ما بعد الموت فهي وصية. وإن صدرت منجزة فهي نافذة ولا يسري عليها حكم الوصية.
وأما تصرفه الإخباري وهو إقراره بحق على نفسه لغيره، فإن صدر إقراره هذا لأحد ورثته، كما إذا أقر لزوجته بأن لها عليه ألف جنيه، أو أقر لأحد أبنائه بمثل ذلك، يعتبر هذا الإقرار منه حكمه حكم تبرعه، فيتوقف على إجازة سائر ورثته بعد موته, أيا كان مقدار المقر به لاحتمال أنه أراد إيثار بعض الورثة على بعض. ولما لم يملك التبرع عمد إلى صورة الإقرار فيرد قصده عليه, ويعتبر إقراره لوارثه وصية دفعا للتهمة. وأما إن
стр. 273
كان إقراره لأجنبي فهو صحيح نافذ؛ لأنه لا تهمة، فيعتبر مجرد إخبار عن ملك سابق للمقر له، لا إنشاء تمليك في الحال.
ويستثنى من عدم نفاذ إقرار المريض لوارث, إلا إذا أجازه سائر الورثة ثلاث مسائل, الإقرار في كل واحد منها لم يحدث شيئا جديدا يجعل المقر موضع تهمة:
فيكون نافذا بعد موت المقر بدون توقف على إجازة سائر الورثة.
"الأولى" إذا كان للوارث وديعة معلومة عند مورثه المريض، فأقر المريض بها نفذ إقراره؛ لأنه لو لم يقر ومات مجهلا للوديعة كانت مضمونة في تركته, وكان الوارث أخذ مثلها أو قيمتها؛ لأن الأمين يضمن بموته مجهلا، فالإقرار لم يحدث شيئا جديدا.
"الثانية" إذا كان الوارث عنده وديعة للمورث، فأقر المورث في مرضه بأنه أخذها نفذ؛ لأن الوارث أمين, ولو قال رددتها له يصدق.
"الثالثة" إذا كان الوارث وكيلا عن المورث في قبض ماله من الديون، فأقر المورث في مرضه بأنه أخذ الديون من وكيله نفذ؛ لأن الوكيل أمين, ولو قال دفعت إليه ما قبضته يصدق.
ففي هذه المسائل الإقرار لم يحدث شيئا، فعدم تنفيذه لا أثر له, وإذًا يكون نافذا.
والمراد هنا بالوارث الذي لا ينفذ إقرار المريض له من قام به سبب الإرث وقت الإقرار, ولم يمنع من إرثه مانع وقت الموت، كما إذا أقر لزوجته ومات وهي على عصمته, ولم يمنعها من إرثها منه اختلاف دين أو أي مانع، أو أقر لأخيه الشقيق ولم يوجد عند الموت من يحجبه من الميراث. وغير الوارث هو من فقد فيه الأمران بأن كان أجنبيا وقت الإقرار والموت، أو أحدهما بأن وجد فيه سبب الإرث وقت الإقرار, ولكن منع من إرثه مانع وقت الموت، أو ورث وقت الموت ولم يكن قام به سبب الإرث وقت الإقرار، وهذا بخلاف الوارث في باب الوصية فإن الوارث هناك من ورث فعلا وقت موت الموصي، سواء قام به السبب وقت الوصية، أم لا. وغير الوارث من لا يرث فعلا وقت موت الموصي.
стр. 274
ديون الصحة وديون المرض:
دين المرض هو الدين الذي ثبت على المريض بإقراره في مرضه بمعنى أنه لم يكن طريق لثبوته غير إقرار المريض به. أما الدين الذي يثبت على المريض بغير إقراره كأن يثبت بالبينة. والدين الذي يثبت على الصحيح، سواء كان بإقراره أو بالبينة فهو دين صحة. فالدين يعتبر دين مرض في صورة ودين صحة في ثلاث صور.
وبما أن المريض مرض الموت إذا كان مدينا يتعلق حق دائنيه بذمته وبأمواله, فليس له أن يقضي دين بعض غرمائه دون بعض، فإن قضى دين بعض دائنيه كان لباقيهم حق الاعتراض, لتعلق حقهم جميعا بماله. وهذا إذا كانت الديون كلها متساوية بأن كانت كلها ديون صحة أو كانت كلها ديون مرض. وأما إذا اختلفت بأن كان بعضها ديون صحة, وبعضها ديون مرض فلا حق لدائن المرض في الاعتراض على قضاء دين الصحة؛ لأن ديون الصحة مقدمة في الإيفاء على ديون المرض. ولهذا إذا كانت تركة المريض بعد موته لا تفي بسداد جميع ديونه يبدأ بتسديد ديون الصحة، فإن وفت بها وفيت، وإن لم تف بها قسمت بين دائينيها قسمة تناسبية. وإن وفت بها وبقي بعد ذلك الإيفاء شيءٌ يفي بديون المرض وفيت، وإن لم يف قسم بين دائنيه قسمة تناسبية.
والعلة في هذا أن دين المرض موضع اتهام فيقدم عليه دين الصحة الذي لا تهمة فيه. وإن الغرماء المتساوين في ديونهم تتعلق بمال المريض حقوقهم على السواء. فلا ينفذ إيثار بعضهم بالإيفاء إلا برضا الباقين.
стр. 275
الهبة:
تعريفها:
الهبة في اللغة التبرع والتفضل بما ينفع الموهوب له من مال وغيره. قال تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ وقال سبحانه: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ .
وفي اصطلاح الفقهاء هي عقد يفيد تمليك العين في الحال بغير عوض. فهي من عقود التمليك المجاني والملك وارد فيها قصدا على العين. ومنفعتها تملك تبعا لها. بخلاف الإعارة فإنها تمليك في الحال بغير عوض ولكن للمنفعة لا العين. وبخلاف الوصية فإنها تمليك العين أو الدين أو المنفعة بغير عوض, ولكن لا في الحال بل فيما بعد موت الموصي. وبخلاف البيع والإجارة فإن التمليك للعين في البيع وللمنفعة في الإجارة ليس بالمجان, وإنما هو في مقابلة الثمن أو الأجرة.
ركنها:
ركنها ركن كل عقد الإيجاب والقبول. فالإيجاب ما صدر أولا من أحد العاقدين للدلالة على الرضا. والقبول ما صدر ثانيا من الآخر للدلالة على موافقته والرضا بما رضي به. وإيجاب الهبة قد يكون بلفظ صريح لا يحتمل معنى غير الهبة كقول الواهب وهبتك. تبرعت لك. هذا لك. وقد يكون بلفظ غير صريح يحتمل الهبة وغيرها مثل أطعمتك. نحلتك. فاللفظ الصريح يتم به إيجاب الهبة بدون توقف على نية الواهب أو دلالة الحال. وغير الصريح لا يعتبر إيجابا للهبة إلا بالنية أو دلالة الحال، وقبول الهبة قد يكون باللفظ كقول الموهوب له قبلت. رضيت. وقد يكون بالفعل وذلك بأن يقبض الموهوب له العين الموهوبة فيقوم قبضه مقام قوله قبلت. غير أن هذا القبض إن كان في مجلس الإيجاب تم به العقد والملك ولو لم يأذن به الواهب صراحة. وإن كان بعد مجلس الإيجاب لا يعتبر قبولا إلا إذا أذن الواهب به صراحة. فإذا قال شخص لآخر وهبتك هذا
стр. 276
الكتاب فخذه فإذا تناوله الموهوب له تم العقد بتناوله وملكه، سواء كان التناول في مجلس الإيجاب أو بعده. وإذا قال وهبتك هذا الكتاب ولم يقل فخذه فإن تناوله في مجلس الإيجاب ملكه؛ لأن سكوت الواهب إذن بالقبض دلالة. وإن تناوله بعد مجلس الإيجاب لا يملكه؛ لأنه قبض بغير إذن لا صراحة ولا دلالة فهو غير معتبر شرعا كما سيجيء.
وهل إيجاب الهبة مثل قبولها كما يكون بالقول يكون بالفعل بمعنى أن المالك إذا سلم شيئا من ملكه إلى آخر أو أرسل إليه شيئا منه ودلت القرائن على أنه يتبرع له به، هل يكون هذا الإرسال أو الإعطاء أو التسليم هبة بالفعل كالهبة بقول وهبت؟ الذي يؤخذ من أقوال فقهائنا أنه يكون هبة. فقد نصوا على أن الأب إذا سلم ابنته جهازها الذي جهزها به من ماله, ولم يصرح بأنه وهبه لها يعتبر هبة إذا كان العرف يشهد بأنه يوهب. ونصوا على أن الخاطب إذا أرسل إلى مخطوبته حلية أو ثوبا ولم يصرح بأنه من مهرها أو هبة لها يعتبر هبة إذا كانت العادة أن مثل هذا يوهب. ونصوا على أن الأب إذا أنفق على أولاده الأغنياء الذين لا تجب نفقتهم عليه يعتبر متبرعا، فالذي يؤخذ من هذا إن إيجاب الهبة كقبولها, كما يكون بالقول يكون بالفعل, إذا دلت القرينة على إرادة الهبة بهذا الفعل. وهذا استحسان كما صرحوا في البيع بأنه ينعقد بالتعاطي. والقياس أن العقود إنما تكون باللفظ ولكن قد يقوم الفعل مقام اللفظ بدلالة الحال, فيكون التسليم والتناول هبة وقبضا كما يكون التعاطي بيعا.
وقد يقوم إيجاب الواهب مقام قبول الموهوب له وقبضه، فتتم به الهبة كما إذا وهب الأب لولده الصغير، أو وهب أي ولي لمن هو في ولايته فإن عبارة الولي بمنزلة إيجاب منه وقبول عن المولى عليه، ويده نائبة عن يده فإيجابه هو في المعنى إيجاب وقبول وقبض.
стр. 277
شروطها:
١- في الواهب:
يشترط في الواهب شروط لصحة هبته. وشروط لنفاذها بدون توقف على إجازة أحد.
فيشترط لصحة هبته أن يكون كامل الأهلية بالعقل والبلوغ. وأن يكون غير محجور عليه للسفه أو الغفلة. وأن يكون مختارا غير مكره.
فإن كان فاقد الأهلية وهو المجنون والصغير غير المميز. أو ناقص الأهلية وهو المعتوه المميز والصبي المميز. أو محجورا عليه للسفه أو الغفلة. أو مكرها. فهبة كل واحد منهم غير صحيحة؛ لأنها صادرة من غير أهل لها؛ لأنهم فريقان: فريق لا يتصور منه الرضا أصلا وهو فاقد الأهلية، وفريق لا يتصور منه الرضا الصحيح الذي يعتبر شرعا رضا وهم الباقون. ولكون هبة الواحد منهم غير صحيحة لا تلحقها إجازة الولي أو القيم. ولا تلحقها إجازة الواهب نفسه بعد كمال أهليته أو رفع الحجر أو الإكراه عنه؛ لأن الإجازة لا تلحق غير الصحيح. فبطلان هبتهم بطلان جوهري١.
ويشترط لنفاذ هبته أن يكون مع توافر شروط الصحة فيه غير محجور عليه للدين. وأن يكون صحيحا غير مريض مرض الموت. وأن يكون مالكا للعين الموهوبة.
فإن كان محجورا عليه للدين فهبته صحيحة موقوفة على إجازة دائنيه, ما دامت تضر بحقوقهم فإن أجازوها نفذت وإن لم يجيزوها بطلت. وإن كان مريضا مرض الموت فهبته حكمها حكم الوصية إن كانت لأحد ورثته توقفت على إجازة سائر الورثة بعد موته أيا كان مقدار الموهوب. وإن كانت لغير وارث نفذت فيما يخرج من ثلث تركته فقط, وتوقفت فيما زاد عنه على إجازة الورثة بعد موته. وإن كان غير مالك
стр. 278
لما وهب فهو فضولي, وتصرف الفضولي يتوقف على إجازة المالك. ومن هذا هبة الرقيق؛ لأنه غير مالك فتتوقف هبته على إجازة المالك.
٢- في الموهوب له:
يشترط في الموهوب له أن يكون موجودا تحقيقا وقت الهبة له. وأن يكون معينا. فإن كان غير موجود كما إذا قال الواهب وهبت داري لابن فلان, ولم يولد لفلان ابن فالهبة باطلة. وكذلك إن كان الموهوب له غير معين معلوم, كما إذا قال الواهب وهبت داري لفلان أو أخيه فالهبة باطلة؛ وذلك لأن الهبة تمليك العين في الحال, ولا تمليك إلا لموجود معلوم يتملك بنفسه أو بوليه, والمعدوم والمجهول لا يتملكان بنفسهما ولا بوليهما؛ لأنه لا ولاية لأحد عليهما فلا يتحقق معنى الهبة إذا كان الموهوب له واحدا منهما، وعلى هذا فالهبة للحمل غير صحيحة؛ لأن الحمل غير موجود تحقيقا فلا يملك بنفسه، ولا ولاية لأحد عليه وهو حمل إذ الولاية عليه تبتدئ من حين ولادته. بخلاف الوصية للحمل فإنها صحيحة، وسبب التفريق بينهما أن الهبة تمليك محض في الحال ولا تتم إلا بالقبض. والحمل ليس أهلا؛ لأن يتملك في الحال ولا أن يقبض لا بنفسه ولا بولي عليه. وأما الوصية فهي تمليك من وجه واستخلاف من وجه، ولذا قيل إنها أخت الميراث. ولا يشترط لتمامها القبض.
فمتى كان الموهوب له موجودا تحقيقا ومعلوما صحت الهبة له، غير أنه إن كان كامل الأهلية فهو الذي يقبل الهبة ويقبضها بنفسه أو بنائبه، وإن كان فاقد الأهلية بأن كان مجنونا أو طفلا غير مميز فالذي يقبل الهبة له, ويقبضها بنفسه, أو بوكيله هو الولي المالي عليهما؛ لأنهما ليسا أهلا للقبول والقبض. وإن كان ناقص الأهلية وهو الصبي المميز والمعتوه المميز أو محجورا عليه لسفه أو غفلة فالذي يقبل الهبة ويقبضها هو الولي عليهم أو هم بأنفسهم؛ لأن قبول الهبة من التصرفات النافعة نفعا محضا فيملكونها بأنفسهم.
стр. 279
٣- في صيغة الهبة:
يشترط في صيغة الهبة أن تكون منجزة. لا معلقة على شرط. ولا مضافة إلى زمن مستقبل؛ لأن معناها التمليك في الحال. والتعليق يجعل التمليك عند وجود المعلق عليه لا في الحال. وكذلك الإضافة تجعل التمليك حين حلول الزمن المضاف إليه. فلو قال الواهب وهبت لك كتابي هذا إن نجحت في الامتحان فهي هبة باطلة، وكذلك لو قال وهبت لك كتابي في أول السنة المقبلة. إلا إذا كان التعليق صوريا, بأن كان المعلق عليه محققا وقت التكلم كما إذا قال إن كان هذا الكتاب ملكي فقد وهبته لك, وهو في الواقع ملكه؛ لأن هذه في الحقيقة صيغة منجزة في صورة معلقة. والأصل في عقود التمليك التام أنها تفيد الملك في الحال ولا تقبل توقيتا ولا تعليقا ولا إلى إضافة إلى مستقبل.
وأما اقترانها بالشرط: فإذا اقترنت الصيغة بشرط صحيح يلائم مقتضى العقد صحت الهبة, والشرط كما إذا وهبه كتابا, وشرط عليه أن يهديه هدية عينها. وأما إذا اقترنت بشرط لا يلائم مقتضى العقد, فالهبة تصح والشرط يبطل, كما إذا وهبه كتابا بشرط أن لا ينتفع به، أو بشرط أن لا يملكه ورثته من بعده.
والعمري هي هبة مقرونة بشرط باطل, ولذلك صحت وبطل الشرط. وصورتها أن يقول شخص لآخر وهبتك داري مدة عمرك, أو حياتك فإذا مت أنت فهي رد علي. أو وهبتك داري مدة عمري أو حياتي فإذا مت أنا فهي رد على ورثتي، أو يقول أعمرتك داري أو داري لك عمري, فهذه هبة مقرونة بشرط وهو تقييد الملك المقصود بها بوقت, هو مدة عمر الواهب أو الموهوب له, وهذا الشرط لا يلائم العقد؛ لأن مقتضى عقود التمليك التام استفادة الملك مطلقا غير موقت. ولذلك صحت الهبة وبطل الشرط فتكون الدار للمعمر له ولورثته من بعده.
وأما الرُّقبي فهي هبة معلقة على شرط غير محقق في الحال ولذلك كانت باطلة، وصورتها أن يقول شخص لآخر داري لك رقبي إن مت قبلك فهي لك، وإن مت قبلي فهي لي كأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه، فهذه هبة معلقة على موت
стр. 280
الواهب قبل الموهوب له فهي باطلة. وحينئذ لا تفيد الملك للموهوب له. ويظل الشيء المرقب على ملك مرقبه ولورثته من بعده, ويكون في يد المرقب له عارية.
في الشيء الموهوب:
يشترط في الشيء الذي يوهب شروط لصحة هبته، وشروط لنفاذها، وشروط لتمام ملكيته.
فيشترط لصحة هبته أن يكون وقت عقد الهبة مالا, متقوما، موجودا، معلوما، مملوكا في نفسه، سواء كان من العقارات أو المنقولات.
ويشترط فيه لنفاذها أن يكون وقت عقد الهبة مملوكا للواهب.
ويشترط فيه لتمام ملكيته أن يقبضه الموهوب له.
وهذا تفصيل الإجمال في هذه الشروط.
١- كونه مالا: فلو كان الشيء الموهوب ليست له قيمة مالية أصلا, ولا يتمول كالميتة حتف أنفها والدم المسفوح، فلا تصح هبته؛ لأن الهبة تمليك ولا تمليك إلا لما له قيمة مالية يتملك.
٢- كونه متقوما: فلو كان الشيء الموهوب غير متقوم في حق العاقدين, أو أحدهما كالخمر والخنزير بالنسبة للمسلمين، فلا تصح هبتهما؛ لأنهما في حق المسلمين غير محل للملك والتملك والهبة عقد تمليك.
٣- كونه موجودا: فلو كان الشيء الموهوب معدوما وقت عقد الهبة فلا تصح الهبة؛ لأنه لا محل للعقد، فلو وهب إنسان لآخر فرسا ثم تبين أنها ماتت قبل العقد فالهبة باطلة. ولو وهب لإنسان ما تثمره نخلته هذه السنة. أو ما تلده نعجته هذه المرة. أو ما في بطن بقرته من حمل، أو ما في ضرعها من لبن. فلا تصح الهبة في هذا كله؛ لأن المعدوم في الحال لا يتحقق فيه معنى الهبة, وهو التمليك في الحال. وكذلك لا تصح الهبة إذا كان الموهوب في حكم المعدوم فلو وهب لإنسان
стр. 281
ما في هذا البر من دقيق، أو ما في هذا اللبن من سمن، أو ما في هذا القصب من سكر، فلا تصح الهبة؛ لأن عين الوهوب غير موجود بشخصه فهو في حكم المعدوم.
٤- كونه معلوما: علم الموهوب يتحقق بتعيين قدره، كما إذا قال: وهبت لك نصف منزلي، أو بتعيين شخصه، كما إذا قال: وهبتك كتابي هذا؛ لأن الملكية لا ترد إلا على معلوم، فلو كان الشيء الموهوب مجهولا قدره وشخصه فلا تصح هبته، كما إذا وهب إنسان لآخر جزءا من داره ولم يبين قدره، أو وهب له أحد فرسيه ولم يعين أحدهما، أو شاة من غنمه ولم يبينها.
٥- كونه مملوكا في نفسه: والمراد بهذا كون الشيء الموهوب في ذاته مما ترد عليه الملكية, ويقبل التداول وانتقال ملكيته من يد إلى يد؛ لأنه لو كان مما لا يتملك ولا يقبل التداول لا يتحقق معنى الهبة فيه، فلو كان الشيء الموهوب من المباحات: كالماء في النهر، والسمك في البحر، والطير في الهواء. فلا تصح هبته؛ لأن المباح وهو مباح لا ملكية لأحد له ولا يرد عليه التمليك. ومن هذا لا تصح هبه المساجد والزوايا؛ لأنها ببنائها مساجد أو زوايا خرجت عن ملك بانيها, ولم تدخل في ملك أحد فصارت غير مملوكة في نفسها وغير قابلة للتداول.
وأساس هذه الشروط الخمسة أن الهبة عقد تمليك في الحال, فلا بد أن يكون محل العقد وهو الشيء الموهوب مما يملك في وقت وجود عقد الهبة, وذلك بكونه وقت العقد مالا متقوما موجودا معلوما مما يملك ويملَّك.
كونه مملوكا للواهب:
هذا شرط لنفاذ الهبة لا لصحتها، فلو وهب الإنسان ما هو مملوك لغيره فهو فضولي وهبته موقوفة على إجازة المالك، فإن أجازها المالك, وهو أهل لإجازتها بأن كان أهلا للتبرع نفذت، وإن لم يجزها بطلت. وكذلك إذا كان المالك غير أهل للإجازة. ولهذا بطلت هبة الولي المالي أي شيء من مال
стр. 282
من له الولاية عليه، كهبة الأب أو الجد أو الوصي مال الصغير؛ لأن المالك هو الصغير وهو ليس أهلا للإجازة.
فيلاحظ الفرق بين اشتراط كون الموهوب مملوكا في نفسه وبين اشتراط كونه مملوكا للواهب، فإن الأول شرط صحة, ويتفرع عليه أن هبة المباحات غير صحيحة. والثاني شرط نفاذ ويتفرع عليه أن هبة المملوك للغير صحيحة ولكنها موقوفة على إجازة المالك.
قبض الموهوب:
قبض الشيء الموهوب ليس شرطا لانعقاد الهبة, ولا لصحتها ولكنه شرط لانتقال الملكية من الواهب إلى الموهوب له، فبمجرد الإيجاب من الواهب والقبول من الموهوب له، واستيفاء الشروط التي بيناها في العاقدين. وفي صيغة العقد. وفيما يوهب. ينعقد العقد ويصح. ولكن لا يترتب عليه أثره وهو انتقال الملكية, إلا إذا قبض الموهوب له ما وهب له سواء كان عقارا أو منقولا. وقبل القبض تبقى العين الموهوبة ملكا للواهب وأي تصرف له نافذ. ولا يتعلق بها حق للموهوب له. وعللوا ذلك بما ورد من الأثر "لا تجوز الهبة إلا مقبوضة" وبأنه لو ثبت الملك في الشيء الموهوب بمجرد الإيجاب والقبول قبل القبض ثبت للموهوب له حق المطالبة بتسليمه, فينقلب عقد الهبة من عقد تبرع إلى عقد ضمان وفي هذا قلب للمشروع.
وإنما يكون القبض معتبرا شرعا وتنتقل به الملكية بشرطين: "أحدهما" أن يكون القبض بإذن الواهب. فإن كان الإذن صراحة كما إذا قال الواهب للموهوب له: اقبض ما وهبت لك، أو خذه، أو تسلمه، صح القبض في مجلس العقد وبعده. وإن كان الإذن دلالة كما إذا تناول الموهوب له العين الموهوبة على مرأى من الواهب وهو ساكت عن نهيه صح القبض في مجلس العقد لا بعده. "وثانيهما" أن يتولى القبض الموهوب له إن كان مميزا، أو وليه إن كان غير مميز، أو زوج الصغيرة بعد زفافها إليه؛ لأنه بعد الزفاف يعولها ويقوم على حفظها فيقبض ما يوهب لها.
стр. 283
وقد ينوب القبض القائم وقت الهبة عن تجديد قبض بعدها، فإذا أودع علي عند محمد وديعة، أو أعار له عارية، أو غصب محمد من علي عينا فقال علي: وهبت لك الوديعة، أو العارية، أو العين المغصوبة، وقال محمد: قبلت: فإن محمدا يملك ما وهب له مما تحت يده من وديعة أو عارية أو غصب بمجرد الإيجاب والقبول، وينوب قبضه القائم عن قبض يجدده بعد الهبة.
والقبض نوعان: قبض كامل، وقبض ناقص. فالقبض الكامل يتحقق بحيازة العين الموهوبة مفرزة غير شائعة في غيرها ولا متصلة به، والقبض الناقص يتحقق بمجرد التخلية بين الموهوب له والشيء الموهوب.
وفي بعض الهبات لا تنتقل الملكية إلا بالقبض الكامل. وفي بعضها قد يكتفى بالقبض الناقص وتنتقل به الملكية، وهذا هو التفصيل:
هبة المفرز المنفصل عن غيره: فإذا كان الشيء الموهوب مفرزا ليس شائعا في غيره ولا متصلا به كهبة دار محدودة ليست مشغولة بشيء للواهب. أو هبة خاتم معين أو كتاب معين، فلا تنتقل الملكية بالهبة فيه، إلا إذا قبضه الموهوب له قبضا كاملا بأن يتسلمه ويحوزه لنفسه.
هبة المشاع:
وأما إذا كان الشيء الموهوب مشاعا في غيره كهبة نصف هذ المنزل أو ربع هذا الحمام أو ثلث هذه الأرض الزراعية. فإن كان المشاع الموهوب بعضه يقبل القسمة كخمسين فدانا وهب خمسها أو منزل كبير وهب نصفه فإنه لا ينتقل الملك فيه إلا بالقبض الكامل، أي: بالقسمة وإفراز القدر الموهوب وتسليمه للموهوب له وحيازته لنفسه. وإن كان المشاع الموهوب بعضه لا يقبل القسمة كفرس أو منزل صغير، فإنه يكتفى بالقبض الناقص, وتنتقل الملكية فيه بقبض الموهوب على الشيوع. ووجه التفرقة بين الحالين إنه لما كان المشاع يقبل القسمة كان القبض الكامل ممكنا بالإفراز والحيازة، فلا تنتقل الملكية إلا به. ولكن
стр. 284
لما كان المشاع لا يقبل القسمة كان القبض الكامل غير ممكن، فاكتفى بالقبض الناقص الممكن, وهو القبض على الشيوع، والأصل في هذا أن النص شرط القبض. والقبض عند الإطلاق ينصرف إلى القبض الكامل، فحيث أمكن القبض الكامل لا تنتقل الملكية إلا به، وحيث لا يمكن يكتفى بالقبض الناقص.
والمراد بما يقبل القسمة ما يبقى منتفعا بأجزائه بعد القسمة, الانتفاع الذي كان منتفعا به قبلها, كعشرة أفدنة من خمسين فدانا، أو نصف منزل كبير يقبل أن يقسم منزلين. والمراد بما لا يقبل القسمة ما لا يبقى منتفعا به بعد القسمة الانتفاع الذي كان قبلها بأن كان لا يبقى منتفعا به أصلا، كحبة من اللؤلؤ لو قسمت لا ينتفع بها, أو يبقى منتفعا به, ولكن بغير الانتفاع الأول كبقرة أو منزل صغير.
ومن هذا يتبين أن المشاع سواء أكان يقبل القسمة أم لا يقبلها تصح هبة جزء معين منه، وأن شيوع الموهوب في غيره لا يبطل هبته غير أنه إن كان شائعا فيما يقبل القسمة لا يملك إلا بالقبض الكامل, أي: بالإفراز والحيازة، وإن كان شائعا فيما لا يقبل القسمة ملك بالقبض الناقص وهو قبضه على الشيوع.
هبة المتصل بغيره:
إذا كان الشيء الموهوب متصلا بغيره فإما أن يكون اتصاله اتصال ملاصقة أو اتصال جوار. واتصال الملاصقة إما أن يكون خلفيا كاتصال الزرع بالأرض والثمر بالشجر أو صناعيا كاتصال البناء بالأرض. واتصال الجوار كاتصال الدار بالأثاث الموضوع فيها. واتصال الأثاث بالدار، والهبة مع هذا الاتصال بكل أنواعه صحيحة، ولا تنتقل الملكية بها إلا بالقبض، غير أنه في اتصال الملاصقة بنوعيه: الخلقي والصناعي, وفي أحد نوعي اتصال الجوار هو ما إذا كان الموهوب مشغولا بما اتصل به، لا تنتقل الملكية إلا بالقبض الكامل, أي: بفصل الموهوب مما اتصل به, وتسليمه للموهوب له وحده. وأما في النوع الآخر من اتصال الجوار وهو أن يكون الموهوب شاغلا لما اتصل به فإنه تنتقل الملكية بالقبض الناقص
стр. 285
أي: بمجرد التخلية بين الواهب والموهوب له. وعلى هذا لو وهب ما في الأرض من زرع. أو وهب الأرض بدون زرعها. أو البناء القائم على الأرض. أو الأرض المقام عليها البناء بدونه. أو الدار المشغولة بأثاثه أو المكتبة المشغولة بكتبه، ففي كل هذا لا يملك الموهوب إلا بفصله مما اتصل به وقبضه وحده. ولو وهب ما في داره من أثاث, أو في مكتبته من كتب ملك الموهوب له الموهوب بمجرد التخلية بينه وبينه.
الهبة بشرط العوض:
إذا اشترط الواهب على الموهوب له أن يعطيه عوضا عن هبته صح ذلك. ولا يقال إن هذا ينافي كون الهبة تمليكا بغير عوض؛ لأن معنى كونها بغير عوض أنه ليس شرطا في تحققها وجود العوض كالبيع. وهذا لا ينافي أنها في بعض جزئياتها يشرط فيها العوض. فإذا وهب واحد لآخر كتابا على أن يهديه كتابا صحت الهبة والشرط, وتكون هبة ابتداء ومعاوضة انتهاء فيشترط فيها ما يشترط في الهبة ولا تنتقل الملكية إلا بالقبض، وإذا تمت روعي فيها أحكام البيع فيملك كل منهما ما أخذه ملكا لازما. وهذا هو مذهب الحنفية. وأما غيرهم فقالوا إن الهبة بشرط العوض بيع ابتداء وانتهاء فيراعى فيها أحكام البيع من حين العقد؛ لأن العبرة للمعاني لا الألفاظ.
حكم الهبة: إذا تمت الهبة مستوفية أركانها وشروطها وقبض الموهوب له العين الموهوبة, وترتب عليها حكمها وهو تملك الموهوب له للعين الموهوبة, ولكنه ملك غير لازم١؛ لأن الواهب له أن يرجع في هبته ويعيد إلى ملكه ما وهبه، ما لم يمنع من رجوعه أحد الموانع السبعة الآتية:
أما السبب في أن الواهب له حق الرجوع؛ فلأنه قد يكون أخرج العين من ملكه بغير عوض رغبة في أن يحقق له غرض من الأغراض الدنيوية, فإذا لم يحقق