أن السبب في التحريم بالرضاع هو كون الإرضاع يجعل الرضيع كجزء من مرضعته, فيكون بمنزلة المولود من والدته، وهذه الجزئية إنما تتحقق إذا تغذى الطفل بهذا اللبن في الوقت الذي لا ينبت فيه لحمه وعظمه غالبا إلا به, وهو الحولان الأولان من عمره فالرضاعة في الحولين الأولين هي وحدها في الغالب سبب تكوين الطفل فتثبت بها الجزئية والتحريم. وأما بعد الحولين فلا تكون في الغالب غذاء الطفل وحدها ولا تثبت بها البعضية ولا التحريم، ولا فرق بين قليل الرضاع وكثيره متى تحقق حصوله في مدة الرضاع؛ لأن الله سبحانه قال في بيان المحرمات: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ . وبالمرة والمرات والقليل والكثير يصدق أنها أرضعت، فلا يشترط للتحريم عدد من الرضعات ولا مقدار من لبن المرضعة، وإنما الشرط للتحريم أن يتحقق من وصول لبن المرضعة إلى جوف الطفل في مدة الرضاعة سواء كان بطريق امتصاصه ثديها، أو سقيه له، فإذا لم يتحقق من وصول اللبن إلى جوفه بأن التقم الثدي ولم يدر أرضع أم لا، فلا يثبت التحريم؛ لأنه لا يثبت بالشك.
وإذا اختلط لبن الآدمية بطعام ونضج بالنار فلا يتعلق به تحريم. وأما إذا خلط بسائل آخر من لبن أو ماء أو دواء، فإن كان هو الغالب يتعلق به التحريم، وإن كان مغلوبا لا يتعلق به التحريم.
وإذا اختلط لبن امرأة بلبن امرأة أخرى تعلق التحريم بأغلبهما. فإن استويا حرمتا. وقال محمد تحرمان مطلقا الغالب لبنها وغيرها، وهذا هو الظاهر.
وإذا تزوج رجل امرأة ثم تبين أنها تحرم عليه رضاعا وجب عليهما الافتراق رفعا لهذا الزواج الفاسد، وإن لم يفترقا رفع أي إنسان بطريق الحسبة دعوى تفريق. فإذا افترقا أو حكم بالفرقة كان الحكم حكم الفرقة بعد أي زواج فاسد.
стр. 212
متى تجب على الأم الرضاعة:
إرضاع الأم ولدها واجب عليها شرعا تجبر على القيام به إذا تعينت له بأن كان ولدها لا يقبل ثدي غيرها. أو لا توجد من ترضعه سواها. أو لم يكن للولد ولا لأبيه مال تستأجر به مرضعة. لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ أي: يجب عليهن الإرضاع، كما في قوله سبحانه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ . أي: يجب عليهن التربص.
فإذا لم تتعين أم الطفل لإرضاعه بأن لم توجد حال من الحالات الثلاث السابقة فلا يجب عليها إرضاعه ولا تجبر على القيام به إذا امتنعت منه. وعلى أبيه في هذه الحالة أن يستأجر مرضعة له, وأجرتها عليه في ماله إذا لم يكن للطفل مال؛ لأنها من نفقته, والأب ملزم بنفقة ابنه الصغير الفقير.
والمرضعة التي تستأجر لإرضاع الطفل تسمى الظئر. وعقد الإجارة معها على إرضاعه عقد صحيح, يلزم أباه بالأجر المتفق عليه. ويلزمها بأن ترضع الطفل في المدة المتفق عليها، وعلى حسب الاتفاق يكون إرضاعها له. فإما أن تقيم به عند حاضنته أما كانت أو غيرها، وإما أن ترضعه عندها ثم تذهب وتعود، وإما أن يحمل إليها في منزلها لترضعه. وإذا لم يتفق على شيء من هذا فعليها أن ترضعه عند حاضنته حتى لا يفوت على الحاضنة حقها في حضانته. وإذا انقضت مدة إجارة الظئر والطفل لا يقبل ثدي غيرها تجبر على مدة الإجارة حتى يقبل ثدي غيرها, أو يستغنى عن لبنها بأية وسيلة صيانة له من الهلاك.
وإذا كان الطفل يقبل ثدي أمه وغيرها وأرادت أمه إرضاعه فهي أحق بإرضاعه، وليس لأبيه أن يعطيه لغيرها ترضعه إلا بمبرر شرعي كأن توجد من تتبرع بإرضاعه وتأبى أمه أن ترضعه إلا بأجر.
стр. 213
أجرة الرضاعة:
إذا أرضعت الطفل أمه سواء كان إرضاعه واجبا عليها فيما إذا تعينت له، أو غير واجب عليها فيما إذا لم تتعين له، وكانت زوجيتها بأبيه قائمة حقيقة. أو كانت في عدة طلاقه الرجعي أو البائن. فلا تستحق أجرة على هذا الارضاع؛ لأن لها على أبيه نفقة الزوجية أو نفقة العدة، فلا تستحق مع نفقتها أجرة إرضاع ولدها, وفي المذهب قول آخر راجح يقضي بأن معتدة الطلاق البائن تستحق أجرة إرضاع ولدها؛ لأنها بالبائن انقطعت زوجيتها. ولكن عمل المحاكم الشرعية على الأول بلا فرق بين معتدة الرجعي والبائن؛ لأن لكل منهما النفقة فلا تستحق معها أجرة رضاعة.
وأما إذا أرضعت الطفل أمه بعد انقضاء عدتها من أبيه فإنها تستحق أجرة على إرضاعه؛ لأنها انقطعت زوجيتها ولا نفقة لها على أبيه. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ . والظاهر أن المعتدة التي مضت عليها سنة من تاريخ الطلاق وصارت لا حق لها في المطالبة بنفقة العدة حسب المادة ١٧ من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ تستحق بعد تمام السنة أجرة الرضاعة؛ لأنها بمنعها من المطالبة بنفقة العدة لمضي سنة صارت مثل التي انقضت عدتها في أنها لا نفقة لها.
وأما إذا أرضعت الطفل غير أمه سواء كانت قريبة له أو أجنبية منه فإنها تستحق الأجرة على إرضاعه في كل حال.
وأجرة الرضاع هي من نفقة الصغير والفصل فيها من اختصاص المحاكم الشرعية الجزئية المصرية، ويكون حكمها فيها نهائيا إذا لم يزد ما يطلب الحكم به على مائة قرش في الشهر، أو لم يحكم بأكثر من ذلك إن كان الطلب غير معين. ويكون حكمها فيها ابتدائيا قابلا للاستئناف إذا زاد المطلوب أو المحكوم به عن ذلك.
وفي الحالة التي تستحق فيها الأم أجرة الرضاع, وهي فيما إذا انقضت عدتها تكون هذه الأجرة حقا لها من حين قيامها بالإرضاع ولا يتوقف استحقاقها لها
стр. 214
على عقد إجارة مع الأب. وتكون من الديون الصحيحة التي لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء. ولا تسقط بموت الرضيع ولا بموت الأب، وتكون مستحقتها دائنة له أسوة غرمائه. ويصح لها أن تصالح أباه على شيء معين تأخذه بدلا عنها؛ لأن هذه الأجرة المستحقة لها دين صحيح خالص حقها فتصطلح على أخذ بدل عنه كيفما تشاء, وعلى الأب أن يؤدي لها البدل الذي اصطلحا عليه.
أما في الحال التي لا تستحق فيها أم الطفل أجرة الرضاع, وهي فيما إذا كانت زوجة لأبيه أو معتدته فلا يكون لها حق قبله على إرضاعه، وإذا صالحها على بدل لا يصح الصلح ولا يلزم بشيء.
التبرع بالرضاعة: إذا أبت الأم أن ترضع طفلها إلا بأجر معين, ووجدت امرأة قريبة له أو أجنبية منه ترضعه مجانا أو بأقل من أجر أمه فالمتبرعة أو الراضية بالأجر الأقل أولى؛ لأن الغرض تغذية الطفل بإرضاعه وفي إعطائه للمتبرعة تحقيق هذا الغرض من غير إضرار الأب بإلزامه أجرا لا تقتضيه ضرورة: قال تعالى: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ وإذًا فالأم تخير بين أن ترضعه تبرعا أو بالأجر الأقل وبين أن تسلمه للمتبرعة، وعلى المتبرعة أن ترضعه عندها حتى لا يفوت عليها حقها في حضانته. ومحل هذا إذا كانت الأم غير متعينة لإرضاعه بأن كل الطفل يقبل ثديها وثدى غيرها، وستأتي مقارنة بين المتبرعة بالرضاعة والمتبرعة بالحضانة.
стр. 215
الحضانة والنفقات
الحضانة
...
الحضانة:
تعريفها:
الحضانة شرعا تربية الطفل والقيام بشئونه في سن معينة ممن له حق في تربيته من محارمه.
من له حق الحضانة: لما كانت حاجة الطفل في أول أطوار حياته ترجع إلى تدبير طعامه وملبسه ونومه ونظافته, وأمثال هذه الحاجات التي تقدر عليها النساء أكثر من الرجال لوفور شفقتهن وصبرهن, كان الأحق بحضانة الطفل محارمه من النساء. فإن لم توجد له محرم من النساء، أو وجدت وليست أهلا لحضانته انتقل الحق في حضانته إلى محارمه من الرجال العصبة. فإن لم يوجد عاصب محرم له، أو وجد وليس أهلا لحضانته انتقل الحق في حضانته إلى محارمه من الرجال غير العصبة، ولما كانت أم الطفل أوفر محارمه شفقة به كانت أحق بحضانته ما دامت أهلا لها، سواء كانت زوجة لأبيه أو مطلقة منه، وكانت محارمه اللاتي ينتسبن إليه بأمه أحق بحضانته من محارمه اللاتي ينتسبن إليه بأبيه عند استواء المرتبة قربا. وعلى هذا فترتيب أرباب الحق في الحضانة من المحارم كما يأتي:
أحق النساء المحارم بحضانة الصغير أمه١. ثم أم أمه وإن علت، ثم أم أبيه وإن علت، ثم أخواته بتقديم الشقيقة فالأخت لأم. فالأخت لأب. ثم بنت أخته الشقيقة ثم بنت أخته لأم، ثم خالاته بتقديم الشقيقة فالخالة لأم فالخالة لأب، ثم بنت الأخت لأب، ثم بنات الأخوة بتقديم بنت الأخ الشقيق فبنت الأخ لأم فبنت الأخ لأب، ثم عماته بتقديم العمة الشقيقة، فالعمة لأم فالعمة لأب، ثم خالات أبيه، ثم عمات أمه، ثم عمات أبيه بتقديم الشقيقة في كل منهن فالتي لأم فالتي لأب:
فإن لم توجد من هاته المحارم واحدة، أو وجدت وليست أهلا للحضانة انتقل الحق في حضانة الصغير إلى العصبة المحارم من الرجال على حسب ترتيبهم في الإرث.
стр. 216
فالأحق بحضانة الصغير من عصبته المحارم أبوه، ثم أبو أبيه وإن علا. ثم أخوه الشقيق، ثم أخوه لأب. ثم ابن أخيه الشقيق، ثم ابن أخيه لأب، ثم عمه الشقيق، ثم عمه لأب، ثم عم أبيه الشقيق، ثم عم أبيه لأب.
فإن لم يوجد من عصبته الرجال المحارم أحد، أو وجد وليس أهلا للحضانة انتقل حق حضانته إلى محارمه من الرجال غير العصبة على هذا الترتيب.
للجد لأم، ثم للأخ لأم، ثم لابن الأخ لأم، ثم للعم لأم، ثم للأخوال بتقديم الشقيق، فالخال لأب فالخال لأم.
فمن هذا يتبين أن الحق في حضانة الطفل لأقربائه المحارم من النساء والرجال بتقديم محارمه النساء، فمحارمه الرجال العصبة، فمحارمه الرجال غير العصبة، على أن يراعى في الترتيب بين أفراد كل فريق ما قدمناه.
واذًا فقريباته وأقاربه غير المحارم لا حق لهم في حضانته، فلا حق لبني العم والعمة والخال والخالة في حضانة الصبية لعدم المحرمية ولهم الحق في حضانة الصبي. ولا حق لبنات العم والعمة والخال والخالة في حضانة الصبي ولهن الحق في حضانة الصبية. والمحارم غير القريبات كالأم رضاعا, والأخت رضاعا لا حق لهن في الحضانة.
الأهلية للحضانة: يشترط في الحاضنة أما كانت أو غير أم شروط ثمانية إذا توفرت فيها مع توفر شفقتها بقرابتها المحرمية تحقق الغرض المقصود وهو تربية الصغير والقيام بشئونه خير قيام. وهي أن تكو حرة؛ لأن المملوكة مشغولة بخدمة مالكها عن تربيته، عاقلة؛ لأن غير العاقلة لا تحسن القيام بشئونه ويخشى عليه منها، بالغة؛ لأن أخته الصغيرة مثلا في حاجة إلى الحضانة. قادرة على تربيته والمحافظة عليه، فلو كانت كفيفة أو مريضة بأي مرض يعجزها عن القيام بشئونه والمحافظة عليه لا تكون أهلا لحضانته، أمينة عليه، فلو كانت كثيرة المغادرة لمنزلها ومهملة شئون
стр. 217
الأولاد بحيث يترتب على هذا خشية ضياعهم أو لحوق الضرر بهم لا تكون أهلا للحضانة، غير مرتدة؛ لأن المرتدة عن الإسلام تحبس حتى تعود إليه فلا تقدر على الحضانة، غير متزوجة بأجنبي من الصغير، بأن تكون غير متزوجة أصلا، أو متزوجة بقريب محرم من الصغير كعمه مثلا؛ لأن زوجها إذا كان أجنبيا منه لا يعطف عليه ولا يمكنها من العناية بتربيته، غير مقيمة في بيت فيه من يبغضه؛ لأن في مقام الطفل مع من يبغضه للخطر والضرر.
وكذلك إذا انتقل حق الحضانة إلى الرجال المحارم. سواء كانوا العصبة أو غيرهم لا يكون المحرم منهم أهلا لحضانة الصغير إلا إذا كان أمينا عليه، قادرا على تربيته، فلو كان فاسقا أو مفسدا أو غير قادر على تربيته لجنون أو عته أو مرض، فلا حق له في حضانته.
والحاضنة أما كانت أو غير أم، لا يشترط في أهليتها لحضانة الصغير اتحادها معه في الدين، فلو كانت أم الصغير المسلم غير مسلمة فهي أحق بحضانته؛ لأن الشفقة الباعثة على قيام الأم بشئون ابنها أو الأخت بشئون أخيها لا تختلف باختلاف الدين، إلا إذا ظهر أن في وجوده معها خطرا على إسلامه فلا تكون أهلا لحضانته. وأما إذا انتقلت الحضانة للعصبة من الرجال المحارم فيشترط في أهلية العاصب منهم لحضانة الصغير اتحاه معه في الدين؛ لأن حق حضانتهم يعتمد على التوارث ولا توارث مع اختلاف الدين.
والظاهر أنه إذا انتقل حق الحضانة إلى المحارم الأقارب من الرجال غير العصبة لا يشترط اتحاد الدين؛ لأن علة الاستحقاق هي القرابة المحرمية لا التوارث.
وإذا وجد أكثر من واحدة أو واحد كلهم أهل لحضانة الصغير ودرجة قرابتهم به واحدة، كعدة أخوات شقيقات أو عدة أخوة أشقاء فالأحق منهم بحضانته أصلحهم، لتربيته، فإن تساووا من كل جهة يختار القاضي من بينهم من يشاء.
стр. 218
ومجرد فسق الحاضنة أو سوء سلوكها لا يجعلها غير أهل لحضانة الصغير, إلا إذا كان يؤدي ذلك إلى ضياع الولد أو اعتياده أخلاقا تضره.
مدة الحضانة:
أصل المذهب أن مدة الحضانة للصغير والصغيرة تنتهي باستغنائهما عن خدمة النساء, وقدرة الواحد منهما على أن يقوم وحده بحاجاته الأولية من أكل ولبس ونظافة. ولم تقدر لهذا سن معينة، ولكن مجتهدي المذهب قدروا سن الاستغناء للغلام بسبع سنين، وللبنت بتسع سنين وهذا ما عليه الفتوى. وعليه تنتهي مدة حضانة الغلام إذا أتم سبع سنين، وتنتهي مدة حضانة البنت إذا أتمت تسع سنين، ولكن رئي أن الحاجة داعية لأن يكون للقاضي حرية النظر في تقدير مصلحة الصغير بعد سبع، والصغيرة بعد تسع، فإن رأى مصلحتهما في بقائهما في حضانة النساء قضى بذلك إلى تسع في الصغير، وإحدى عشرة في الصغيرة. وإن رأى مصلحتهما في غير ذلك قضى بضمهما إلى غير النساء. ولهذا وضعت المادة ٢٠ من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ ونصها: "للقاضي أن يأذن بحضانة النساء للصغير بعد سبع سنين إلى تسع. وللصغيرة بعد تسع سنين إلى إحدى عشرة سنة إذا تبين أن مصلحتهما تقتضي ذلك". وتقدير هذه المصلحة موكول إلى القاضي.
أجرة الحضانة:
أجرة الحضانة كأجرة الرضاعة لا تستحقها الأم حال قيام الزوجية حقيقة أو حكما؛ لأن لها نفقة الزوجية أو نفقة العدة، وتستحقها بعد انقضاء عدتها، أو منعها من المطالبة بنفقة عدتها لمضي سنة من تاريخ طلاقها على ما استظهرناه. وأما غير الأم فتستحق أجرة الحضانة مطلقا، وهي أيضا من نفقة الصغير كأجرة رضاعه. والفصل فيها من اختصاص المحاكم الشرعية الجزئية المصرية تارة بصفة نهائية وتارة بصفة ابتدائية على ما بينا في أجرة الرضاعة. وتكون هذه الأجرة حقا لمن تقوم بالحضانة من حين قيامها بها بلا توقف على القضاء؛ لأنها جزاء على عمل. وتكون دينا صحيحا لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء. ويصح لمن تستحقها أن تصالح
стр. 219
أبا الصغير عنها على بدل تأخذه ويلزم الأب بهذا البدل؛ لأن أجرتها دين صحيح هو خالص حقها.
وإذا لم يكن للحاضنة مسكن مملوك لها تحضن فيه الصغير، فلها أن تطلب من الأب إعداد مسكن لحضانته فيه أو فرض أجرة مسكن.
وإذا احتاجت في حضانته إلى خادم وأبوه موسر فلها أن تطالبه بإحضار خادم أو فرض أجرة خادم.
وعلى هذا فقد يحكم للصغير على أبيه بنفقة لإصلاحه. وأجرة لرضاعه. وأجرة لحضانته. وأجرة مسكن لحاضنته. وأجرة خادم له. وبدل فرش وغطاء.
الحضانة فيها حق للصغير وللحاضنة:
الحضانة بمعنى تربية الطفل في سن معينة فيها حق للطفل نفسه، وحق لمن تقوم بتربيته؛ لأن الشارع قدر مصلحة الصغير في أن يقوم بتربيته في أطوار صغره من هو أقدر على تربيته، فجعل لأمه وسائر قريباته المحارم الحق في أن تمسكنه في سن هن أقدر على تدبير شئونه فيها. وجعل لأبيه وسائر أقاربه المحارم من عصبته الحق في أن يمسكوه في سن بعد ذلك هم أقدر على تدبير شئونه فيها.
ويتفرع على أن الحضانة فيها حق للصغير، أنه ليس للأم أن تصالح أباه على أن تتركه عنده في مدة حضانته في أي مقابل؛ لأن هذا صلح فيه تفويت حق الصغير، فلا يصح الصلح ولا يستحق بدله. وأنه لو اختلعت الأم مع زوجها على أن تترك ولدها عنده مدة الحضانة فالخلع جائز والشرط باطل, لما فيه من تفويت حق الصغير، وأنه إذا امتنعت الحاضنة عن الحضانة مع تعينها لها لعدم وجود غيرها تجبر عليها مراعاة لحق الصغير.
ويتفرع على أن الحضانة فيها حق للحاضنة، أنه إذا أرضعت الطفل مرضعة غير حاضنته يجب عليها أن ترضعه عند حاضنته حتى لا يفوت عليها حقها. وأنه
стр. 220
ليس للأب أن ينقل الصغير من البلد الذي تقيم فيه حاضنته؛ لأن في هذا تفويت حقها. وأنه ليس للأب أن يأخذه من يد حاضنته المستوفية شروط الحضانة ليعطيه من دونها في المرتبة؛ لأن هذا إضاعة لحقها، إلا في حال المتبرعة على التفصيل الآتي.
ويراعى التفريق بين نفس الحضانة والأجرة عليها. فالحضانة نفسها ليست حقا خالصا للحاضنة بل فيها حقها وحق الصغير على ما بينا. وأما الأجرة عليها فهي خالص حقها فلها أن تصالح عليه وتختلع نفسها بها وتتنازل عنها؛ لأن صاحب الحق يتصرف في خالص حقه كيف شاء.
التبرع بالحضانة: إذا أبت أم الصغير أن تحضنه إلا بأجر ووجدت من محارمه من هي أهل لحضانته. كجدته لأبيه أو عمته تتبرع بحضانته، فإن كان الأجر مستحقا على الصغير في ماله بأن كان له مال ونفقته بأنواعها واجبة فيه، فإنه يسلم للمتبرعة؛ لأن في هذا صيانة ماله من غير إضرار به؛ لأن المتبرعة بحضانته ليست أجنبية عنه بل هي من محارمه.
وإن لم يكن للصغير مال وكان أجر حضانته مستحقا على الأب، فإن كان الأب موسرا لا يعطى للمتبرعة بل يبقى عند أمه, ويجبر الأب على دفع أجرتها؛ لأن حضانة الأم أصلح للولد من حضانة غيرها لوفور شفقتها, ولا ضرر على الأب لأنه موسر. وإن كان معسرا يعطى للمتبرعة؛ لأن في إلزامه بالأجر مع إعساره إضرار به, ولا تقتضيه ضرورة مع وجود المتبرعة من المحارم.
ومن المقارنة بين التبرع بالرضاعة والتبرع بالحضانة يتبين أن بين أحكامها فرقا من وجهين:
"الأول" أنه لا فرق في المتبرعة بالرضاعة بين أن تكون قريبة للطفل أو أجنبية منه. وقد اشترطنا في المتبرعة بالحضانة أن تكون من محارم الصغير التي هي أهل لحضانته، بحيث إذا كانت المتبرعة بحضانته أجنبية منه أو محرما فاقدة شرطا من شروط الحاضنة لا يلتفت إليها, وكأنه لم توجد متبرعة.
стр. 221
"والثاني" أنه عند وجود متبرعة بالرضاعة يعطى لها سواء كان للطفل مال أو لا، وسواء كان الأب موسرا أو معسرا. وأما عند وجود متبرعة بالحضانة فلا ينزع من أمه, ويعطى لها إلا إذا كان الصغير لا مال له والأب موسر. ومنشأ التفريق أن الغرض من الرضاعة تغذية الطفل, وهو يتحقق من الأم كما يتحقق من غيرها قريبة أو أجنبية فلا فرق بين متبرعة وأخرى، ولا مبرر لإلزام الصغير أو أبيه بمال لا ضرورة له. وأما الحضانة فالغرض منها التربية ممن هي أهل لها. وهذه الأهلية لا تكون إلا بالقرابة المحرمية مع استيفاء الشروط، فإذا لم تكن المتبرعة فيها هذه الأهلية فات الغرض ولم يتحقق معنى الحضانة. ولا شك أن قيام الأم بهذه التربية خير للطفل من قيام حاضنة أخرى بها، فلا يعدل عن خير الطفل إلا لموجب وهو عسر الأب أو عدم إضاعة مال الولد.
وإذا أبت أم الصغير الحضانة إلا بأجر ولا توجد متبرعة من محارمه، وليس للصغير مال، والأب معسر تجبر الأم على القيام بحضانته وتكون أجرتها دينا على أبيه. وكذلك الحال في أجرة الرضاعة إذا لم توجد متبرعة، وليس للصغير ولا لأبيه مال.
سفر الحاضنة بالولد:
إذا كانت الحاضنة الأم وزوجيتها بأبي الولد قائمة, فليس لها الانتقال إلى أي بلد آخر إلا بإذن زوجها؛ لأن قرارها في المسكن الشرعي الذي أعده لها حق له واجب عليها. وإذا كانت في عدة طلاقه الرجعي أو البائن فليس لها الانتقال مطلقا لا بإذنه ولا بغير إذنه؛ لأن اعتدادها في مسكن العدة حق للشرع واجب عليها. وإذا كانت مطلقة انقضت عدتها فلها أن تسافر بولدها بغير إذن أبيه إلى بلدها الذي هو وطنها, وكان عقد زواجهما فيه، سواء كان هذا البلد قريبا من بلد الأب أو بعيدا عنه، وسواء كان مصرا أو قرية؛ لأن مقتضى عقده عليها في بلد هو وطنها التزامه الرضا بإقامتها فيه. وليس لها أن تسافر به بغير
إذن أبيه إلى بلد انتفى فيه الأمران أو أحدهما, بأن كان لا هو وطنها ولا عقد عليها فيه، أو كان وطنها ولم يعقد عليها فيه، أو عقد عليها فيه وليس وطنها، إلا إذا كان هذا
стр. 222
البلد الذي انتفى فيه الأمران أو أحدهما مصرا قريبا بحيث يمكن الأب أن يذهب إليه, ويرى ولده ويعود قبل أن يدخل الليل. فإن كان مصرا بعيدا أو قرية مطلقا, سواء كانت قريبة أو بعيدة فليس لها أن تنتقل إليها إلا بإذن الأب.
وأما غير الأم من الحاضنات فليس لها الانتقال بالولد من محل حضانته إلا بإذن أبيه مطلقا.
والحكمة في هذا مراعاة مصلحة الصغير بالجمع بين حضانته بواسطة أمه وقريباته المحارم. وبين إشراف أبيه على تربيته حتى لا تضار والدة بولدها, ولا مولود له بولده, ولا يحرم صغير من شفقة حاضنته ورعاية أبيه.
ولهذه الحكمة نفسها ليس للأب أن يخرج الصغير من البلد الذي تقيم فيه أمه ما دام في حضانتها التي هي أهل لها؛ لأن في هذا الإخراج تفويت حقها وحق الصغير فيمنع منه سواء كان البلد الذي يريد نقله إليه قريبا من أمه أو بعيدا. إلا إذا سقط حق الأم في الحضانة لسبب من الأسباب, ولم يكن في البلد الذي هي فيه من ينتقل إليه حق حضانة الصغير، فله أن ينقله من بلد أمه إلى البلد الذي فيه من لها الحق في حضانته. وإذا زال المانع من أهلية الأم للحضانة وعاد إليها استحقاقها وجب على الأب أن يعيده إليها حيث تقيم. ومثل الأم في هذا غيرها من الحاضنات.
وفي كل حالة لا يكون للحاضنة حق السفر بالصغير إذا أبت إلا أن تسافر سقط حقها في حضانته, وانتقل الحق إلى من يليها من الحاضنات.
بعد انتهاء مدة الحضانة:
الغلام إذا انتهت مدة حضانته بأن بلغت سنه سبعا أو تسعا صار الأحق بإمساكه أبوه. فإن لم يكن له أب فالأحق بإمساكه جده لأبيه. فإن لم يكن له أب ولا جد فالأحق بإمساكه أقرب عصبته من الرجال، سواء كانوا محارم كأخوته أشقائه، أو غير محارم كأبناء عمه؛ لأن الغلام بعد بلوغه هذه السن يستغني عن خدمة النساء، ويصير في حاجة إلى التأديب والتثقيف والتخلق بأخلاق الرجال والأخذ في أسباب الحياة. وأبوه وسائر عصبته من الرجال أقدر على تدبير هذا من أمه وسائر قريباته من النساء.
стр. 223
ولا خيار للغلام ولا لأبيه وسائر عصبته في ذلك بل يجبر الغلام على أن يكون عند أبيه أو عاصبه في هذا الطور من عمره، ويجبر أبوه أو أقرب عصبته على إمساكه إذا امتنع من طلبه؛ وذلك لأن الشراع رأى مصلحة الصغير في أن يمسكه أبوه أو عاصبه بعد تجاوزه سن الحضانة ليهذبه ويربيه، فليس للغلام أن يختار غير ما رآه الشارع، وليس لأبيه أو عاصبه أن يمتنع عن القيام به؛ لأن حق الشرع لا يملك أحد تفويته. وإذا لم يكن للغلام أب ولا عاصب ولا وصي يبقى عند حاضنته إلا إذا رأى القاضي مصلحته في أخذه منها, وإبقائه عند غيرها ممن يختاره.
ويستمر هذا الحق ثابتا على الغلام لعصبته إلى أن يبلغ الحلم.
فإذا بلغ الغلام الحلم بأن بلغت سنه خمس عشرة سنة أو رأى أمارة من أمارات البلوغ قبلها, وكان عاقلا ذا رأي يستغني به صار أحق بنفسه وليس لأبيه ولا لأي واحد من عصبته إمساكه جبرا عنه، بل يكون مخيرا إن شاء انفرد بإقامته. وإن شاء أقام مع أبيه أو أمه أو غيرهما، إلا إذا كان بعد بلوغه الحلم مفسدا لا يؤمن على نفسه فإن لأبيه أو عاصبه الحق في إمساكه للمحافظة عليه, ودفع الفتنة والعار وتأديبه إذا وقع منه شيء يستوجب التأديب حتى يصير مأمونا على نفسه.
وأما البنت فإذا انتهت مدة حضانتها بأن بلغت سنها تسعا أو إحدى عشرة سنة صار الأحق بإمساكها أبوها، ثم جدها لأبيها، ثم أقرب عصبتها من الرجال المحارم كأخوتها الأشقاء وأعمامها، وليس لعصبتها من الرجال غير المحارم كأبناء عمها حق في إمساكها؛ لأن البنت بعد تجاوزها سن الحضانة واستغنائها عن خدمة النساء تكون حاجتها إلى المحافظة عليها وتأديبها وصونها وتحصينها. وعصبتها من الرجال المحارم أقدر على هذا من قريباتها من النساء. ولا خيار للبنت ولا لأبيها أو عاصبها المحرم في ذلك بل تجبر هي على أن تكون عند عاصبها المحرم، ويجبر عاصبها المحرم على إمساكها إذا امتنع؛ لأن هذا حق الشرع لا يملك أحد تفويته.
стр. 224
ويستمر هذا الحق ثابتا على البنت لأبيها أو عاصبها المحرم إلى أن تتزوج، فإذا تزوجت صار حق إمساكها لزوجها. لكن إذا بلغت البنت الحلم ولم تتزوج وكانت بكرا مسنة، واجتمع لها رأي وعفة، أو كانت ثيبا تؤمن على نفسها، فإن كل واحدة من هاتين تكون أحق بنفسها، وليس لعاصبها المحرم أن يجبرها على الإقامة عنده بل تكون في هذا كالغلام إذا بلغ الحلم عاقلا ذا رأي يكون أحق بنفسه.
وفي كل موضع يكون للأب أو العاصب الحق في إمساك الغلام أو البنت، إنما يثبت له هذا الحق إذا كان أمينا غير مفسد لا يخشى على أحدهما منه، فإن كان غير مأمون عليهما؛ لأنه مفسد مستهتر لا تتحقق مصلحة الصغير بإمساكه فلا حق له ويعتبر كعدمه وينتقل الحق إلى من يليه.
стр. 225
نفقة الأقارب:
القرابة سبب لوجوب نفقة القريب على قريبه، كما أن الزوجية سبب لوجوب نفقة الزوجة على زوجها.
ولا توجب القرابة النفقة إلا إذا كانت محرمة للزواج، فإن كانت القرابة غير محرمة للزواج كقرابة أولاد الأعمام والعمات، وأولاد الأخوال والخالات، فلا توجب النفقة، وعلى هذا لا تجب نفقة الفقير على ابن عمه أو ابن خاله.
وإذا كانت الصلة بين الأقارب جزئية بعضهم من بعض تسمى قرابتهم قرابة الولاد كقرابة الأصول والفروع المنحصرة في عمود النسب، وإذا كانت الصلة ليست كذلك كقرابة الأقارب الخارجين عن عمود النسب، كالأخوة والأخوات تسمى قرابتهم قرابة غير الولاد, أو قرابة الحواشي، أو قرابة ذوي الأرحام١، وعلى هذا ينحصر بحث نفقة الأقارب فيما يأتي:
نفقة الفرع الواجبة له على أصله.
الأصل الواجبة له على فرعه.
الأقارب غير الأصول والفروع الواجبة لبعضهم على بعض.
النفقة الواجبة للفرع على أصله:
في حال وجود الأب: إذا كان الأب موجودا غير عاجز عن الكسب فنفقة أولاده المستحقين للنفقة واجبة عليه وحده لا يشاركه فيها غيره من أم أو جد أو سواهما.
стр. 226
دليل وجوبها:
والدليل على وجوبها قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فقد أوجب سبحانه على المولود له رزق الوالدات وكسوتهن, وهذا الرزق وهذه الكسوة من نفقة الأولاد. وقد ورد في الحديث أن زوجة أبي سفيان قالت يا رسول الله: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي, إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
سبب وجوبها:
وسبب وجوبها الجزئية أي: كون الولد جزءا من أبيه، وكما تجب على الإنسان نفقة نفسه تجب عليه نفقة جزئه. وهذه الجزئية هي السبب في وجوب النفقة بين كل فرع وأصله. ولهذا تجب نفقة الأصول على فروعهم والفروع على أصولهم ولو لم يتحقق التوارث كما إذا اختلفوا في الدين لتحقق الجزئية وهي سبب الوجوب.
شرط وجوبها: ويشترط لوجوب نفقة الأولاد على أبيهم شرطان:
"الأول" أن يكون الأولاد فقراء, عاجزين عن الكسب؛ لأنهم إذا لم يكونوا فقراء بأن كان للولد منهم مال فنفقته في ماله عملا بالأصل العام. كل من له مال فنفقته في ماله ولا تجب على غيره نفقته, وإن كانوا فقراء غير عاجزين عن الكسب فلا تجب نفقة القادر منهم أن يكتسب, بل تكون نفقته في كسبه، والعجز عن الكسب يتحقق بكون الولد صغيرا. أو بكونه كبيرا ذا عاهة تمنعه من التكسب، أو بكونه أنثى؛ لأن الشأن في الإناث أن لا يعملن للكسب.
فالمستحقون للنفقة من الأولاد هم الفقراء الصغار، والفقراء الكبار العاجزون عن الكسب، والفقيرات من البنات مطلقا سواء كن صغيرات أو كبيرات قادرات على الكسب أو عاجزات عنه.
стр. 227
"الثاني" أن يكون الأب قادرا على نفقتهم بأن يكون غنيا أو كسوبا يكسب من عمله ما يفي بحاجته وحاجتهم: بناء على هذا تتفرع الأحكام الآتية:
الابن إذا كان فقيرا صغيرا وأبوه غني أو كسوب تجب نفقته على أبيه بأنواعها من طعام وكسوة وسكنى وأجرة رضاع وحضانة, وكل ما يحتاج إليه الصغير مما يقدر عليه أبوه.
فإذا بلغ الابن الفقير سنا يكون فيها أهلا للكسب سواء كانت سن البلوغ أو قبله، فإن كان قادرا على الكسب وليس به مانع يمنعه منه فلا تجب نفقته على أبيه, بل تكون نفقته في كسبه، وللأب أن يضعه في عمل أو حرفة يكتسب منها وينفق عليه من كسبه، فإن لم يف كسبه بنفقته فعلى الأب تكميل كفايته، وإن كان عاجزا عن الكسب لشلل أو عاهة أو أي مرض يعجزه عن الكسب فنفقته بأنواعها واجبة له على أبيه؛ لأن عجز الكبير عن الكسب يجعله في حكم الصغير. ومن الكبار العاجزين عن الكسب أولاد الأشراف الذين لا يستأجرون للأعمال. وطلبة العلم الذين يشغلهم تعلمه عن كسب الرزق ولا يهتدون إلى طرقه. فهؤلاء تجب لهم النفقة وهم كبار أصحاء.
وأما البنت فإذا كانت فقيرة صغيرة وأبوها غني, أو كسوب فنفقتها بأنواعها واجبة لها على أبيها، وكذلك إذا كبرت وهي فقيرة فنفقتها واجبة على أبيها، سواء كانت قادرة على الكسب أو عاجزة عنه، لكن إذا اكتسبت فعلا من وظيفة أو حرفة فلا تجب نفقتها على أبيها، بل تكون نفقتها فيما كسبته؛ لأنها استغنت به، إلا إذا كان ما كسبته لا يفي بحاجتها فعلى أبيها تكميل كفايتها.
فإذا تزوجت سقط وجوب نفقتها عن أبيها ووجبت نفقتها على زوجها، فإذا طلقت وانقضت عدتها من مطلقها وصارت لا نفقة لها على زوجها عاد وجوب نفقتها على أبيها، وكذلك إذا كانت زوجيتها قائمة وسقط وجوب نفقتها عن زوجها بسبب نشوزها مثلا تجب نفقتها على أبيها ما دامت ناشزا.
стр. 228
فنفقة البنت الفقيرة إما على أبيها، أو على زوجها، أو في كسبها إن كسبت فعلا.
وإذا كان الأولاد ممن لا يستحقون النفقة على أبيهم بأن كان لهم مال أو كسب, وأنفق عليهم أبوهم من ماله هو فهو متبرع ولا يرجع على أحد منهم بما أنفق, إلا إذا استأذن القاضي في الإنفاق عليهم ليرجع بما أنفق، أو أشهد عند الإنفاق أنه أنفق ليرجع، فلو أنفق الأب من ماله على ابنه الصغير الغني، أو على ابنه الكبير الكسوب، أو على ابنته المدرسة فهو متبرع بما أنفق، إلا إذا احتاط بالإشهاد عند الإنفاق، أو استئذان القاضي.
فإذا كان الأب فقيرا وقادرا على الكسب, ولكن لم ييسر له عمل يكتسب منه أو يسر له عمل يكتسب منه ولكن كسبه قليل, لا يفي بحاجته وحاجة من تجب عليه نفقتهم من أولاده، ففي هذه الحال تجب عليه النفقة لأولاده ولكن لا يؤمر هو بأدائها، بل تؤمر بأدائها لهم أمهم إذا كانت موسرة, ويكون ما تؤديه الأم دينا لها ترجع به على أبيهم إذا أيسر. وإذا كانت الأم غير موسرة أمر أبو الأب الموسر بالأداء. ويكون ما يؤديه دينا على الأب إذا أيسر.
وأما إذا كان الأب فقيرا وعاجزا عن الكسب لمرض أو كبر سن أو أي عاهة تعجزه عن الكسب، فيعتبر كالمعدوم وتجب النفقة على من عداه من أقارب الأولاد عند عدم أبيهم. على التفصيل الآتي في حال عدم وجود الأب.
فتنبه للفرق بين أب فقير قادر على الكسب، وأب فقير عاجز عن الكسب، فإن الأول لا يسقط وجوب النفقة عنه بل يحكم عليه بالنفقة, ولكن لا يؤمر بأدائها، وإنما يؤمر بأدائها الموسر من أقرب أقارب الأولاد. ليكون دينا على الأب. وأما الثاني فيعتبر كالمعدوم ويسقط وجوب النفقة عنه, ولا يحكم عليه بها, وإنما يحكم بها على الأقارب عدا الأب على ما يبين بعد.
стр. 229
في حال عدم وجود الأب:
وإذا لم يوجد للأولاد المستحقين للنفقة أب، أو كان لهم أب ولكنه فقير وملحق بالمعدوم لعجزه عن الكسب، وكان أقاربهم القادرون على الإنفاق عليهم كلهم من أصولهم سواء كانوا أصولا لهم من ناحية أبيهم, أو من ناحية أمهم فوجوب النفقة عليهم على هذا التفصيل.
إذا كان هؤلاء الأصول كلهم وارثين تجب عليهم النفقة جميعا, بنسبة إرثهم سواء تساوت درجة قرابتهم أو اختلفت.
فمن له أم، وأبو أب، فنفقته عليهما بنسبة الإرث. على الأم ثلث نفقته، وعلى الجد ثلثاها.
ومن له أم أم، وأم أب، وأبو أب فنفقته عليهم بنسبة الإرث. على الجدتين سدسها، وعلى الجد خمسة أسداسها، إلا إذا كان أبو الأب قائما فعلا مقام الأب, بأن حجب من الإرث بعض العصبة الذين يحجبهم الأب، فحينئذ يكون بمنزلة الأب ويجب عليه وحده النفقة ولا يشاركه فيها أحد. فمن له أم، وعم، وأبو أب، فنفقته على جده وحده ولا شيء على الأم؛ لأن الجد لما حجب العم في هذه الصورة من الإرث كان فعلا كالأب، والأب لا يشاركه في الإنفاق على أولاده أحد.
وإذا كان هؤلاء الأصول كلهم غير وارثين بأن كانوا من الأجداد أو الجدات غير الصحيحة. تجب النفقة على أقربهم درجة للأولاد، فإن تساوت درجتهم وجبت النفقة عليهم جميعا.
فمن له أبو أم، وأو أم أب، فنفقته على أبي أمه؛ لأنه أقرب درجة.
ومن له أبو أم أم، وأبو أبي أم، فنفقته عليهما معا بالتساوي لتساويهما في الدرجة.
وإذا كان هؤلاء الأصول بعضهم وارثا وبعضهم غير وارث، فإن تساووا في الدرجة تجب النفقة على الوارثين منهم بنسبة إرثهم، ولا يجب على غير الوارثين منهم شيء.
стр. 230
فمن له أبو أب، وأم أب، وأم أم، وأبو أم، فنفقته على أصوله الوارثين بنسبة إرثهم، وهم جده الصحيح وجدتاه الصحيحتان، على الجد خمسة أسداسها وعلى الجدتين سدسها. ولا شيء منها على جده غير الصحيح وهو أبو الأم؛ لأنه جد غير وارث. وفي درجة الوارثين.
وإن اختلفوا في الدرجة تجب النفقة على أقربهم درجة ولو كان غير الوارث.
فمن له أبو أبي أب، وأبو أم، فنفقته على أقربهما درجة وهو أبو الأم. وإن كان الذي رثه إذا مات هو أبو أبي الأب. والعلة لهذا أن سبب استحقاق الفروع نفقة على الأصول هو الجزئية، وكلما قربت الدرجة قوي السبب فيرجح الأقرب في الوجوب عليه. وإن كان مثل هذه الصورة الأخيرة لا يتفق حكمها مع قاعدة "الغرم بالغنم" لأن الذي يرث لا تجب عليه نفقة، والذي تجب عليه النفقة هو من لا يرث.
النفقة الواجبة للأصل على فرعه:
إذا كان الأصل فقيرا١ سواء كان أبا أو أما أو جدا أو جدة، وله فروع قادرون على الإنفاق عليه، تجب نفقته على أقربهم له درجة. فإن تساووا في القرب فنفقته عليهم جميعا بالتساوي، من غير نظر إلى الإرث؛ لأن علة وجوب النفقة هي الجزئية كما قدمنا، فكلما تحقق السبب وهو الجزئية تحقق المسبب وهو الوجوب بصرف النظر عن الإرث، وكلما قوي السبب بقرب الدرجة ترجح.
فمن له بنت، وابن ابن فنفقته على بنته وحدها لقربها.
ومن له بنت، وابن فنفقته عليهما بالسوية.
стр. 231
ومن له بنت بنت، وابن ابن فنفقته عليهما بالسوية.
ومن له ابنان مسلم، وغير مسلم وهو مسلم فنفقته عليهما بالسوية.
وإذا اجتمع للفقير أقارب قادرون من أصوله ومن فروعه تجب النفقة على أقربهم درجة. فإن تساووا في الدرجة تجب النفقة عليهم بنسبة الإرث.
فمن له أب وابن ابن فنفقته على الأب وحده لقربه درجة.
ومن له أبو أب، وابن ابن فنفقته عليهما معا بنسبة الإرث على الجد سدسها، وعلى ابن الابن خمسة أسداسها.
وكان مقتضى هذا أن من له أب وابن تكون نفقته على أبيه وابنه بنسبة الإرث لتساويهما في الدرجة. ولكن هنا تجب النفقة على الابن وحده؛ لأن للأب شبهة في مال ابنه بمقتضى الحديث "أنت ومالك لأبيك" فمتى وجد الابن القادر تجب عليه وحده نفقة أبيه الفقير وأمه الفقيرة وكل أصوله
الفقراء، ولا يشاركه فيها أحد، كما أنه إذا وجد الأب القادر تجب عليه وحده نفقة ابنه الفقير ولا يشاركه فيها أحد.
وإذا اجتمع للفقير أقارب قادرون من أصوله، ومن فروعه، ومن حواشيه أي: أقاربه الذين ليسوا من أصوله وفروعه كأخوته وأخواته وأعمامه، فلا يجب على الحواشي شيء من النفقة؛ لأنهم مع وجود
الفروع يعتبرون كعدمهم, وكأن الموجودين الأصول والفروع فقط.
وإذا اجتمع للفقير أقارب قادرون من أصوله, ومن فروعه, ومن حواشيه، فإن كان الصنفان وارثين فالنفقة عليهم
بنسبة الإرث.
فمن له أم وأخ شقيق تجب على الأم ثلث نفقته, وعلى أخيه ثلثاها بنسبة الإرث، وإن كان أحد الصنفين غير وارث فالنفقة على الأصول وحدهم ولو كانوا غير وارثين.
стр. 232
فمن له أبو أب، وأخ شقيق فنفقته على جده وحده، ومن له أبو أم، وأخ شقيق فنفقته على جده لأمه وحده لترجحه بالجزئية، وإن كان غير وارث والإرث للأخ الشقيق.
نفقة ذوي الأرحام بعضهم على بعض:
إذا كان الفقير المستحق للنفقة أقاربه القادرون كلهم من الحواشي أي: من الأقارب الخارجين عن عمود النسب, الذين ليسوا من أصوله ولا فروعه كأخوته وأخواته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته, فهؤلاء تجب نفقته عليهم بنسبة الإرث، فالمحجوب من الإرث لا تجب عليه النفقة، والوارث تجب عليه النفقة بنسبة نصيبه في الإرث.
وهذا مقتضى الآية الكريمة إذ قال الله سبحانه في سورة البقرة: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ . فقد أوجب سبحانه رزق الوالدات وكسوتهن على الوارث إذا لم يوجد المولود له، وعبر عنه بوصف الوارث إشارة إلى أن إرثه هو سبب وجوب النفقة عليه، عملا بقاعدة "الغرم بالغنم".
فمن له ثلاثة أخوة أشقاء قادرون فنفقته عليهم أثلاثا:
ومن له أخوات متفرقات شقيقة، ولأب، ولأم، فنفقته عليهن أخماسا، على الشقيقة ثلاثة أخماسها، وعلى الأخت لأب خمسها، وعلى الأخت لأم خمسها. ومن له عمة، وخال فنفقته عليهما على العمة ثلثاها وعلى الخال ثلثها.
ومن له أخ لأم وخال فنفقته على الأخ لأم فقط؛ لأنه الوارث وحده.
وبعض المذاهب يجعل نفقة جميع الأقارب بعضهم على بعض على أساس الإرث بلا تفريق بين قرابة الولاد وغيرها، فمن لا يرث بعد الممات لا تجب عليه النفقة في الحياة، ومن يرث تجب عليه النفقة بنسبة إرثه عملا بالقاعدة "الغرم بالغنم"
стр. 233
وهذا هو التقسيم الذي ذكره العلامة ابن عابدين في صفحة ٧٢٧ من الجزء الثاني من حاشيته ونصه١:
"لا يخلو إما أن يكون الموجود من قرابة الولاد شخصا واحدا، أو أكثر. والأول ظاهر وهو أنه تجب النفقة عليه عند استيفاء شروط الوجوب. والثاني لا يخلو إما أن يكونوا فروعا فقط، أو فروعا وحواشي، أو فروعا وأصولا، أو فروعا وأصولا وحواشي، أو أصولا فقط، أو أصولا وحواشي. فهذه ستة أقسام وبقي قسم سابع تتمة الأقسام العقلية, وهو الحواشي فقط نذكره تتميما للأقسام, وإن لم يكن من قرابة الولاد".
"القسم الأول" الفروع فقط, والمعتبر فيهم القرب والجزئية أي: القرب بعد الجزئية دون الميراث. ففي ولدين لمسلم فقير ولو أحدهما نصرانيا أو أنثى تجب نفقته عليهما سوية، للتساوي في القرب والجزئية, وإن اختلفا في الإرث. وفي ابن، وابن ابن على الابن فقط لقربه، وكذا تجب في بنت، وابن ابن على البنت فقط لقربها، ويؤخذ من هذا أنه لا ترجيح لابن ابن على بنت بنت, وإن كان هو الوارث لاستوائهما في القرب والجزئية، ولتصريحهم بأنه لا اعتبار للإرث في الفروع، وإلا لوجبت أثلاثا في ابن وبنت، ولما لزم الابن النصراني مع الابن المسلم شيء وبه ظهر أن قول الرملي في حاشية البحر أنها على ابن الابن, لرجحانه مخالف لكلامهم.
"القسم الثاني" الفروع مع الحواشي والمعتبر فيه أيضا القرب والجزئية دون الإرث، ففي بنت، وأخت شقيقة على البنت فقط وإن ورثتا، وتسقط الأخت لتقديم الجزئية. وفي ابن نصراني، وأخ مسلم على الابن فقط، وإن كان الوارث هو الأخ أي: لاختصاص الابن بالقرب والجزئية. وفي ولد بنت، وأخ شقيق على
стр. 234
ولد البنت، وإن لم يرث أي لاختصاصه بالجزئية، وإن استويا في القرب لإدلاء كل منهما بواسطة. والمراد بالحواشي هنا من ليس من عمود النسب, أي: ليس أصلا ولا فرعا فيدخل فيه ما في الذخيرة لو له بنت، ومولى عتاقة فعلى البنت فقط، وإن ورثا أي: لاختصاصها بالجزئية.
"القسم الثالث" الفروع مع الأصول والمعتبر فيه الأقرب جزئية، فإن لم يوجد اعتبر الترجيح، فإن لم يوجد اعتبر الإرث. ففي أب، وابن تجب على الابن لترجحه بأنت ومالك لأبيك، أي: وإن استويا في قرب الجزئية. ومثله أم، وابن لقول المتون ولا يشارك الولد في نفقة أبويه أحد. قال في البحر: لأن لهما تأويلا في مال الولد بالنص؛ ولأنه أقرب الناس إليهما ا. هـ. فليس ذلك خاصا بالأب كما يتوهم بل الأم كذلك، وفي جد؟ وابن ابن على قدر الميراث أسداسا للتساوي في القرب، وكذا في الإرث وعدم المرجح من وجه آخر، وظاهره أنه لو له أب وابن ابن أو بنت بنت، فعلى الأب؛ لأنه أقرب في الجزئية، فانتفى التساوي ووجد القرب المرجح وهو داخل تحت الأصل المار عن الذخيرة والبدائع. وكذلك تحت قول المتون ولا يشارك الأب في نفقة ولده أحد.
"القسم الرابع" الفروع مع الأصول والحواشي وحكمه كالثالث, لما علمت من سقوط الحواشي بالفروع لترجحهم بالقرب والجزئية, فكأنه لم يوجد سوى الفروع والأصول, وهو القسم الثالث بعينه.
"القسم الخامس" الأصول فقط فإن كان معهم أب فالنفقة عليه فقط لقول المتون، ولا يشارك الأب في نفقة ولده أحد، وإلا فإما أن يكون بعضهم وارثا, وبعضهم غير وارث أو كلهم وارثين، ففي الأول يعتبر الأقرب جزئية لما في القنية له أم، وجد لأم، فعلى الأم أي: لقربها ويظهر منه أن أم الأب كأبي الأم. وفي حاشية الرملي: إذا اجتمع أجداد وجدات فعلى الأقرب وإن لم يدل به الآخر ا. هـ. فإن تساووا في القرب فالمفهوم من كلامهم ترجح الوارث, بل هو صريح قول البدائع
стр. 235
في قرابة الولاد إذا لم يوجد الترجيح اعتبر الإرث ا. هـ. وعليه ففي جد لأم وجد لأب تجب على الجد لأب فقط اعتبارا للإرث. وفي الثاني أعني لو كان كل الأصول وارثين فكالإرث, ففي أم وجد لأب تجب عليهما أثلاثا في ظاهر الرواية.
"القسم السادس" الأصول مع الحواشي، فإن كان أحد الصنفين غير وارث اعتبر الأصول وحدهم ترجيحا للجزئية, ولا مشاركة في الإرث حتى يعتبر فيقدم الأصل سواء كان هو الوارث, أو كان الوارث الصنف الآخر. مثال الأول ما في الخانية لو له جد لأب وأخ شقيق فعلى الجد ا. هـ. ومثال الثاني ما في القنية لو له جد لأم وعم فعلى الجد ا. هـ. أي: لترجحه في المثالين بالجزئية مع عدم الاشتراك في الإرث؛ لأنه هو الوارث في الأول والوارث هو العم في الثاني. وإن كان كل من الصنفين أعني الأصول والحواشي وارثا اعتبر الإرث ففي أم وأخ عصبي أو ابن أخ كذلك أو عم كذلك على الأم الثلث وعلى العصبة الثلثان.
ثم إذا تعددت الأصول في هذا القسم بنوعيه ننظر إليهم, ونعتبر فيهم ما اعتبر في القسم الخامس مثلا لو وجد في المثال الأول المار عن الخانية جد لأم مع الجد لأب نقدم عليه الجد لأب, لترجحه بالإرث مع تساويهما في الجزئية. ولو وجد في المثال الثاني المار عن القنية أم مع الجد لأم نقدمها عليه لترجحها بالإرث وبالقرب, وبهذا يسقط الإشكال الذي سنذكره عن القنية كما ستعرفه، وكذلك لو وجد في الأمثلة الأخيرة مع الأم جد لأم نقدمها عليه لما قلنا، ولو جد معها جد لأب بأن كان للفقير أم وجد لأب وأخ عصبي أو ابن أخ أو عم كانت النفقة على الجد وحده, كما صرح به في الخانية, ووجه ذلك أن الجد يحجب الأخ وابنه والعم, لتنزيله حينئذ منزلة الأب, وحيث تحقق تنزيله منزلة الأب صار كما لو كان الأب موجودا حقيقة, وإذا كان الأب موجودا حقيقة لا تشاركه الأم في وجوب النفقة فكذا إذا كان موجودا حكما فيجب على الجد فقط بخلاف ما لو كان للفقير
стр. 236
أم، وجد لأب فقط، فإن الجد لم ينزل منزلة الأب. فلذا وجبت النفقة عليهما أثلاثا في ظاهر الرواية كما مر.
"القسم السابع" الحواشي فقط والمعتبر فيه الإرث بعد كونه ذا رحم محرم, وتقديره واضح في كلامهم كما سيأتي:
ثم هذا كله إذا كان جميع الموجودين موسرين، فلو كان فيهم معسر فتارة ينزل المعسر منزلة الميت، وتجب النفقة على غيره، وتارة ينزل منزلة الحي وتجب على من بعده بقدر حصصهم من الإرث -انتهى تقسيم ابن عابدين.
زوجة المستحق للنفقة:
إذا كان الأب مستحقا للنفقة على ابنه فنفقة زوجته أيضا تجب على ابنه, إذا كان الأب في حاجة إليها ولا يمكنه أن يستغني عنها، لعاهة أو مرض أو نحوهما, وإذا كان غير محتاج إليها فلا تجب نفقتها على ابنه. ولهذا لا يجب على الابن إلا نفقة زوجة واحدة لأبيه؛ لأن الواحدة تندفع بها حاجته.
وأما إذا كان الابن مستحقا للنفقة على أبيه فنفقة زوجته لا تجب على أبيه, إلا إذا كان كفيلا بها, فإنها تجب نفقتها عليه بمقتضى الكفالة، وإنما يؤمر بأداء النفقة المفروضة لها على ابنه ليرجع بها عليه إذا أيسر.
ومثل زوجة الابن زوجة سائر من تجب لهم النفقة.
أما الخادم فإن كان ضروريا لمستحق النفقة ومن تجب عليه النفقة موسر، فهو من النفقة الواجبة لا فرق بين أب على ابنه وابن على أبيه.
стр. 237
مقارنة بين أنواع النفقات بعضها وبعض:
الزوجية والقرابة كل منهما موجب للنفقة، والقرابة كما قدمنا قرابة الولاد أي: الأصول والفروع المنحصرة في عمود النسب، وقرابة غير الولاد أي: الخارجين عن عمود النسب الذين ليسوا من الأصول ولا الفروع، والنفقة الواجبة بكل سبب من هذه الثلاثة تختلف في بعض الوجوه والأحكام.
"أولا" من جهة سبب الوجوب:
فسبب وجوب نفقة الزوجة على زوجها هو الجزاء على احتباسها لحق الزوج ومنفعته، ولهذا تستحق النفقة كل زوجة سلمت نفسها لزوجها ولو حكما، سواء كانت غنية أو فقيرة، وسواء كانت متحدة معه دينا أو مختلفة معه دينا، وسواء كان الزوج غنيا أو فقيرا، قادرا على الكسب أو عاجزا عنه؛ لأنه متى صح عقد الزواج وسلمت الزوجة نفسها ولو حكما وجد الاحتباس, فوجبت النفقة جزاء له.
وأما سبب وجوب النفقة بقرابة الولاد فهو الجزئية أي: كون الفرع جزءا من أصله، والإنسان كما تجب عليه نفقة نفسه تجب عليه نفقة جزئه، فمتى وجدت الجزئية وتحققت الحاجة إلى النفقة وجبت، ولا عبرة بكون الأصل وارثا فرعه أو الفرع وارثا أصله، أو غير وارث. ولهذا تجب نفقة الأصل على فرعه، والفرع على أصله ولو تخالفا في الدين؛ لأنه لا اعتبار للإرث. وتجب النفقة على الأقرب من الأصول أو الفروع ولو كان غير الوارث لترجح الجزئية بالقرب. وتجب نفقة الأب على ابنه وبنته الموسرين بالسوية لتساويهما في الجزئية وإن اختلفا في الإرث. وتجب نفقة الأب على ابن ابنه وبنت بنته بالسوية لتساويهما في الجزئية، وإن كان أحدهما وهو بنت البنت غير وارثه أصلا، والعلة في هذا أن سبب وجوب النفقة بقرابة الولاد هو الجزئية ثم القرب دون الميراث، وإلى هذا أشار الله سبحانه بقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ فدل على أن العلة كونه مولودا له. أي: إن التوالد هو سبب الوجوب.
стр. 238
وأما سبب وجوب النفقة بقرابة غير الولاد فهو الإرث عملا بقاعدة الغرم بالغنم, فكما أن القريب المحرم يرث قريبه إذا مات، تجب عليه نفقته في حال الحياة إذا احتاج. ولهذا لا تجب النفقة بين هؤلاء الأقارب المحارم إذا اختلفوا دينا؛ لأن اختلاف الدين من موانع الإرث فهو من موانع وجوب النفقة بينهم. وتجب عليهم النفقة بقدر حصصهم من الإرث. والمحجوب منهم عن الإرث لا تجب عليه نفقة.
فمن له أخت شقيقة، وأخ شقيق موسران فنفقته عليهما أثلاثا. ومن له عم شقيق، وعمة شقيقة موسران فنفقته على عمه وحده، ومسلم له أخوان شقيقان موسران مسلم ومسيحي نفقته على أخيه المسلم وحده. والعلة في هذا أن سبب وجوب النفقة بقرابة غير الولاد التوارث، فغير الوارث لا تجب عليه نفقة، والورثة تجب عليهم النفقة بقدر حصصهم من الإرث. وإلى هذا أشار الله سبحانه بقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ . فدل على أن العلة كونه وارثا. أي: إن التوارث هو سبب الوجوب.
"ثانيا" من جهة حكمة الشارع في إيجابها:
فنفقة الزوجة الحكمة في إيجابها أن احتباس الزوج لها لحقه ومنفعته يستوجب عليه القيام بنفقتها؛ لأنه يشغلها بحقوقه وواجباته. ولهذا تجب كما قدمنا للغنية والفقيرة على الغني والفقير. ويراعى في تقديرها حال الزوج المحتبس لها يسارا وعسرا؛ لأن الجزاء يراعى في تقديره مقدرة المفروض عليه.
وأما نفقة القريب على قريبه فالحكمة في إيجابها سد حاجة المحتاج منهم وصلة رحمه بمنعه من السؤال. ولا فرق في هذه الحكمة بين قرابة الولاد وقرابة غير الولاد. ولهذا لا تجب نفقة قريب على قريبه إلا إذا كان محرما له، فلا نفقة بين أبناء الأعمام والعمات، وأبناء الأخوال والخالات لعدم المحرمية، ولا تجب لقريب إلا إذا كان فقيرا محتاجا إلى النفقة حتى يكون ذا حاجة يجب على قريبه أن يسدها. ولا تجب على قريب إلا إذا كان موسرا أو قادرا على الكسب أو كسوبا وفي ماله فضل يفي بالإنفاق على غيره.
стр. 239
وأما إذا كان ماله أو كسبه على قدر حاجته فقط، فلا يجب عليه الإنفاق على غيره. ويراعى في تقديرها كفاية من تجب له لا يسار من تجب عليه. والعلة في هذا كله أنها تجب لسد الحاجة فلا تجب إلا لمحتاج، على قادر، وبمقدار ما يسد الحاجة.
"ثالثا" من جهة الشرط فيمن تجب عليه:
أما نفقة الزوجة فتجب على زوجها مهما كانت حاله من يسر أو عسر أو قدرة على الكسب أو عجز عنه.
وأما نفقة الفرع على أصله والأصل على فرعه، فيشترط فيمن تجب عليه القدرة على الكسب لا اليسار. ولذلك إذا كان الأب معسرا قادرا على الكسب تجب عليه نفقة أولاده المستحقين للنفقة, ولا يمنع إعساره من إيجابها عليه ما دام قادرا على الكسب، وتؤمر أمهم إذا كانت موسرة بأداء ما وجب على الأب لأولاده منها، على أن يكون ما تنفقه دينا لها ترجع به على الأب إذا أيسر. وإذا كان الابن كسوبا ذا عيال وليس لكسبه فضل عن نفسه وعن عياله، وله أب فقير لا كسب له أجير الابن على ضم أبيه إلى عياله، ولا يجبر على أن يعطيه شيئا على حدة، والأم في هذا كالأب.
وأما نفقة ذوي الأرحام بعضهم على بعض، فيشترط فيمن تجب عليه اليسار لا مجرد القدرة على الكسب، فالقريب غير الموسر لا تجب عليه نفقة.
واختلف في تحديد هذا اليسار. فروى عن أبي يوسف أن من ملك نصابا فاضلا عن حاجاته الأصلية، ولو كان غير نام، اعتبر موسرا في حق نفقة ذوي الأرحام. وقال محمد: الموسر في باب النفقات هو من في كسبه فضل عن نفقة نفسه ونفقة عياله، وهذا هو الذي عليه العمل في المحاكم الشرعية المصرية.
"رابعا" من جهة صيرورة النفقة الواجبة دينا على من تجب عليه. فنفقة الزوجة التي سلمت نفسها لزوجها ولو حكما تعتبر على ما عليه العمل الآن دينا صحيحا في ذمة زوجها, من وقت امتناعه عن الإنفاق مع وجوبه بلا توقف على قضاء أو تراض منهما. ولا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء. ولهذا كان للزوجة أن تطلب
стр. 240
الحكم لها بالنفقة على زوجها عن مدة سابقة على وقت التقاضي إذا أثبتت أنه امتنع عن الإنفاق عليها في تلك المدة مع وجوبه، ويقضي بها مستندة إلى مبدأ تلك المدة. على أن لا تزيد المدة السابقة على ثلاث سنين نهايتها تاريخ رفع الدعوى، فنفقتها من حين استحقاقها دين صحيح من كل وجه.
وأما نفقة الصغير المستحق للنفقة فلا تكون دينا على من تجب عليه إلا من وقت القضاء بها فقط، ولهذا لا يطلب الحكم بها عن مدة سابقة على وقت التقاضي، ولا يقضى بها مسندة إلى وقت سابق على تاريخ القضاء، وإذا حكم بها صارت دينا من تاريخ الحكم ولكنها لا تكون دينا صحيحا من كل وجه؛ لأن المتجمد منها كما يسقط بالأداء أو الإبراء يسقط بموت الصغير أيضا؛ لأنها واجب من باب الصلات والصلات تسقط بالموت.
وأما نفقه سائر الأقارب المستحقين للنفقة عدا الصغير فلا تكون دينا على من تجب عليه إلا قضى القاضي بها، وأذن باستدانها، واستدانها فعلا المقضى له، ولهذا لا يطلب الحكم بها عن مدة سابقة على وقت التقاضي، وإذا قضى بها وتجمد من المحكوم به مبلغ لو يؤد للمحكوم عليه, ولم يكن في الحكم إذن بالاستدانة، أو كان في الحكم إذن بالاستدانة ولم يستدنه فعلا المقضى له، ومضت مدة شهر فأكثر فإنه يسقط وليس للمحكوم له حق المطالبة به؛ لأن مضي المدة دليل الاستغناء ولا نفقة مع استغناء.
"خامسا" من جهة الاختصاص القضائي: نفقة الزوجة على زوجها، ونفقة الصغير على أبيه، يكون حكم المحكمة الشرعية الجزئية فيها نهائيا إذا لم يزد ما يطلب الحكم به في كل نوع منها على مائة قرش في الشهر أو لم يحكم بأكثر من ذلك، ويكون ابتدائيا إذا زاد المحكوم به في كل نوع أو المطلوب الحكم به فيه على ذلك.
أما نفقة الصغير على غير أبيه كعمه وجده وأخيه، ونفقة سائر الأقارب فيكون حكم المحكمة الشرعية الجزئية فيها ابتدائيا قابلا للاستئناف دائما, مهما كانت قيمة المبلغ المحكوم به أو المطلوب الحكم به.
стр. 241
والسبب في هذا أن نفقات الأقارب في شروط استحقاقها, وتشعب أحكامها, ووجوه الترجيح بين قريب وقريب ما يقضي بأن تكون قابلة للاستئناف مطلقا, حتى يمكن ضمان العدالة وتدارك الخطأ. ولا كذلك الحال في نفقة الزوجة على زوجها, ونفقة الصغير على أبيه؛ لأن الزوج والأب لا يشاركهما أحد في الإنفاق على الزوجة والابن.
خاتمة: إذا كان الفقير العاجز عن الكسب ليس له أقارب تجب عليهم نفقته، أو له أقارب فقراء عاجزون مثله فنفقته في بيت المال؛ لأن بيت المال تئول إليه تركة من لا وارث له. وكل مال لا يعرف صاحبه، فعليه الإنفاق على كل من لا يجد من ينفق عليه, عملا بالقاعدة العادلة "الغرم بالغنم"١.
стр. 242
الحَجْر:
تعريفه:
الحجر لغة المنع. وشرعا هو المنع من نفاذ العقود والتصرفات القولية. فمن قام به سبب من أسباب الحجر الستة الآتي بيانها منع من أن يباشر عقدا أو تصرفا قوليا, بحيث إذا باشر شيئا من ذلك لا ينفذ, ولا يلزمه حكمه على التفصيل الذي سيذكر لكل محجور عليه.
ومن هذا التعريف يؤخذ أن الحجر إنما يكون عن العقود والتصرفات القولية؛ لأنها هي التي يتصور الحجر فيها بالمنع من نفاذها, وعدم ترتب حكمها عليها فكأنها شرعا لم تكن. أما أفعال الجوارح فلا يتصور الحجر فيها؛ لأن الفعل متى وقع لا يمكن رفعه. وبناء على هذا فالمحجور عليه بأي سبب من أسباب الحجر مؤاخذ بأفعاله, وإن كانت لا تنفذ عليه تصرفاته القولية. فإذا أتلف المجنون أو المعتوه أو الصبي مالا أو نفسا أو ما دونها ضمنوا ما أتلفوه؛ لأن اعتبار الفعل لا يتوقف على القصد، كالنائم إذا انقلب على مال إنسان فأتلفه ضمن وإن عدم القصد١. ومتى لزمهم الضمان فإن كان للمتلف منهم مال ألزم الولي عليه بأن يؤدي الضمان من ماله، وإذا لم يكن للمتلف مال لا يخاطب بأداء ضمان ما أتلفه، إلا عند القدرة كالمعسر لا يطالب بالدين إلا إذا أيسر.
وهذا إذا لم يكن صاحب المال المتلف هو الذي سلط المحجور عليه على ماله بدون إذن الولي أو الوصي عليه. أما إذا أقرض إنسان ماله لمجنون أو معتوه أو صبي أو أي محجور عليه بدون إذن الولي عليه، أو أودعه وديعة، أو أعاره عارية، فهلك القرض أو الوديعة أو العارية، أو استهلك في يد المحجور عليه، فلا ضمان عليه، والمالك هو المفرط؛ لأنه عرض ماله للضياع وسلط عليه يدا لا تحفظه. لكن إذا فعل صاحب المال شيئا من ذلك بإذن الولي فأتلفه المحجور عليه وجب الضمان.
стр. 243
دليله:
الأصل الذي بني عليه الحجر هو قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا، وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ .
نهى الله سبحانه الولاة أن يؤتوا السفهاء أموالهم؛ لأن في إعطائها لهم تعريضها للضياع، وهذا يدل على منع هؤلاء السفهاء من التصرف فيها؛ لأنهم لو نفذت تصرفاتهم فيها لأضاعوها, وهي في يد الولاة ببيعها أو هبتها أو أي تصرف فيها, فلا يكون لحبسها عنهم فائدة ولا للنهي عن إيتائهم أموالهم ثمرة.
حكمة تشريعه: لما كان فاقد العقل وهو المجنون والصغير غير المميز ليس أهلا للقصد, ولا يتصور منه الرضا لعدم التمييز. وناقص العقل وهو المعتوه والصبي المميز ليس أهلا لتقدير المصلحة, حجر الشارع على كل واحد منهم ومنعه من التصرف في ماله حتى لا تضيع أموالهم وحتى يحال بينهم وبين من يحتالون عليهم لأخذ أموالهم بالباطل رحمة بهم، وصيانة لمالهم, كما حجر على السفيه وذي الغفلة رحمة بهما وحفظا لمالهما. وكما حجر على المدين دفعا للضرر عن دائنيه. وكم حجر على الطبيب الجاهل بمنعه من مزاولة مهنته دفعا للضرر عن الأبدان. وعلى المفتي الماجن الذي يعلم الناس الحيل دفعا للضرر عن الأديان. وعلى المكاري المفلس صيانة الأموال، ففي الحجر على كل من حجر عليهم مصلحة خاصة ومصالح عامة وكلها ترجع إلى حفظ مال من لا يستطيع المحافظة على ماله, وإلى دفع الضرر عنهم وعن الناس، فالحجر على المجنون والمعتوه والصبي والسفيه هو لمصلحة أنفسهم بحفظ أموالهم من أن يبددوها, ومن أن يسلبها الناس منهم بالباطل. والحجر على المدين, والطبيب الجاهل, والمفتي الماجن، هو لمصلحة الناس بحفظ حقوقهم وأبدانهم ودينهم.
وليس في الحجر أضرار بأموال المحجور عليهم؛ لأن الشارع جعل عليهم ولاة ماليين يحفظون أموالهم, ويستثمرونها بالمعروف وبما فيه نفعهم. ومن لا ولي له
стр. 244
من أب أو جد أو وصي أوجب الشارع على القاضي أن يدير شئون أمواله بما يتفق ومصلحته بواسطة من يقيمهم من الوصاة أو القوام.
أسبابه: أسباب الحجر ستة
الصغر، والجنون، والعته، والسفه، والغفلة، والدين. والأسباب الثلاثة الأولى ترجع إلى فقد الأهلية أو نقصها. ولذا كان الحجر بها متفقا عليه بين الإمام وصاحبيه. أما الأسباب الثلاثة الأخيرة فلا ترجع إلى فقد الأهلية أو نقص فيها؛ لأن كلا من السفيه والمدين وذي الغفلة بالغ عاقل لا قصور في أهليته, وإنما عرض لهم ما يقتضي الحجر عليهم دفعا للضرر عنهم وعن الناس. ولكونهم لا قصور في أهليتهم لم يتفق الإمام وصاحباه على الحجر عليهم، فالإمام لا يرى الحجر عليهم، وصاحباه يريان الحجر عليهم.
استدل الإمام بأن الإنسان متى بلغ عاقلا رشيدا، فقد كملت أهليته, وكان له بمقتضى كمال أهليته حرية التصرف في ملكه، فالحجر عليه بمنعه من التصرف في ملكه فيه إضاعة لأهليته، وإهدار لآدميته، وإلحاق له بالعجماوات، وفاقدي الأهلية. ولا ينبغي إهدار آدمية الإنسان خوفا على ماله من الضياع؛ لأنه لا يرتكب الضرر الأعلى اتقاء للضرر الأدنى. فالإمام يحمي أهلية الإنسان وحرية تصرفه إلى أبعد مدى. ويرى أن لا يحجر على السفيه وذي الغفلة, وإن أضاعا مالهما؛ لأن المال غاد ورائح. كما لا يرى الحجر على المدين فلا توقف تصرفاته ولا يباع ماله عليه جبرا, بل يلجأ بالحبس إلى أن يبيع بنفسه ويسدد دينه، وعلى هذا الأساس نفسه رأى أن الوقف غير لازم؛ لأنه تصرف لا يخرج العين الموقوفة عن ملك الواقف، وما دام ملك المالك ثابتا فلا يسلب حق التصرف في ملكه.
أما الصاحبان فاستدلا بقول الله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ . وهذا النهي عن إعطاء السفهاء أموالهم يدل على منعهم من التصرف فيها؛ لأنهم لو أبيح لهم التصرف فيها أضاعوها, وهي في يد أوليائهم فضاعت حكمة النهي. وبأن الصبي المميز والمعتوه حجر عليهما
стр. 245
مع أن إضرارهما بمالهما محتمل، فالسفيه وذو الغفلة أولى بالحجر عليهما؛ لأن إضرارهما بأموالهما محقق؛ ولأن في عدم الحجر على المدين إضاعة لحقوق الدائنين, وإضرارا بهم والضرر مدفوع شرعا. والمفتى به مذهب الصاحبين وعليه العمل.
والمحجور عليهم لفقد الأهلية أو نقصها أو للسفه أو الغفلة خاضعون الآن بمصر في كل ما يتعلق بالحجر عليهم، وبرفع الحجر عنهم، وتدبير شئونهم المالية للمجالس الحسبية بمقتضى المادة ٣ من قانون المجالس الحسبية الصادر في أكتوبر سنة ١٩٢٥، أما المدين فالنظر في تصرفاته والفصل ببطلانها أو عدمه من اختصاص المحاكم الأهلية المدنية, فهي التي يطلب منها الدائنون الحكم ببطلان تصرف مدينهم الضار بحقوقهم. ومن هذا ما نص عليه في المادة ٥٣ من القانون المدني من أنه لا يجوز لأحد أن يوقف ماله إضرارا بمداينيه، وإن وقف كان الوقف باطلا.
أثر الحجر:
يختلف أثر الحجر في تصرفات المحجور عليه باختلاف سببه بمعنى أن أثر الحجر في تصرف الصغير يخالف من بعض الوجوه أثره في تصرف المجنون أو المعتوه أو السفيه. وهذا البيان:
الصغير غير المميز والمجنون:
الصغير غير المميز هو الطفل الذي لم تبلغ سنه سبع سنين، ولا يفهم ما يترتب على العقود والتصرفات. ولا يميز الغبن الفاحش من اليسير، والمجنون جنونا مطبقا هو من فقد عقله واستوعب جنونه جميع أوقاته. هذان فاقدا الأهلية وليس واحد منهما أهلا لأي تصرف، سواء كان نافعا أو ضارا، أو دائرا بين النفع والضرر، فكل عقد أو تصرف يباشره أحدهما يكون باطلا غير منعقد؛ لأن عبارة العاقد إنما تعتبر شرعا لما تدل عليه من الرضا والقصد. وهذان لا تمييز عندهما فلا رضا ولا قصد، فعبارة الواحد منهما لغو.
أما إذا كان المجنون جنونه غير مطبق, بأن كان يذهب عقله في بعض الأوقات ويعود إليه في بعضها، فإن تصرفاته في وقت ذهاب عقله تكون باطله؛ لصدورها
стр. 246
من فاقد الأهلية. وتصرفاته في وقت عودة عقله إليه، تكون صحيحة لصدورها من كامل الأهلية بشرط أن يكون في وقت عودة عقله إليه مفيقا إفاقة تامة.
الصغير المميز والمعتوه المميز:
الصغير المميز هو من بلغ سبع سنين. ويفهم ما يترتب على العقود والتصرفات. ويميز الغبن الفاحش من اليسير. والمعتوه المميز هو من كان قليل الفهم مختلط الكلام, سيئ التدبير لاضطراب عقله، هذان ناقصا الأهلية وليسا فاقديها؛ لأن أصل الأهلية يكون بالتمييز وهو متحقق فيهما، ولوجود أصل الأهلية فيهما ونقصها كان حكم تصرف الواحد منهما على ما يأتي:
إن كان تصرفه نافعا له نفعا محضا كقبوله الهبة له أو الوصية صح, ونفذ بدون توقف على إجازة وليه. وإن كان تصرفه ضارا به ضررا محضا كتبرعه بشيء من ماله، أو إقراضه، أو إعارته، بطل، ولا تصححه إجازة الولي؛ لأن الإجازة إنما تلحق الصحيح الموقوف ولا تلحق الباطل. وإن كان تصرف محتملا النفع والضرر كبيعه وشرائه وتأجيره واستئجاره, وسائر معاوضاته صح, وكان موقوفا نفاذه على إجازة وليه، فإن أجازه إجازة معتبرة شرعا بأن كان التصرف الذي أجازه ليس فيه غبن فاحش نفذ، وإن لم يجزه أو أجازه مع أن فيه غبنا فاحشا لم ينفذ، فلوجود أصل الأهلية صححنا التصرف الدائر بين النفع والضرر، ولنقصها جعلناه موقوفا نفاذه على إجازة الولي ليجبر برأيه وتقديره ما نقص من أهلية الصغير المميز أو المعتوه١.
السفيه وذو الغفلة:
السفيه هو من يبذر ماله ويضيعه فيما لا مصلحة له فيه، ولا يرتضيه عقل ولا دين، وذو الغفلة هو السليم القلب الذي يغبن في المبايعات ولا يهتدي إلى الرابح من التصرفات.
стр. 247
هذان بالغان عاقلان ليسا فاقدي الأهلية ولا ناقصيها، والحجر عليهما على مذهب الصاحبين المفتى به ليس لقصور أهليتهما، وإنما هو لدفع الضرر عنهما, ودفع الضرر عن الناس بمعاملتهما، فإذا وجد من إنسان ما يدل على سفهه أو غفلته حجر عليه. ولكمال أهليتهما وكون الحجر عليهما إنما هو لحفظ مالهما كان كل منهما مخاطبا بجميع العبادات، وأهلا للتكاليف، وكان حكم تصرف الواحد منهما بعد الحجر عليه على ما يأتي:
إن كان تصرفه مما لا يقبل الفسخ ولا يبطله الهزل كان صحيحا نافذا، ولذا كان زواج كل منهما وطلاقه صحيحا نافذا لصدوره من كامل الأهلية.
وإن كان تصرفه مما عدا ذلك من العقود والتصرفات فحكمه حكم تصرف الصبي المميز والمعتوه المميز. فإن كان نافعا له نفعا محضا صح ونفذ. وإن كان ضارا به ضررا محضا بطل ولا تلحقه إجازة١. وإن كان محتملا النفع والضرر صح وكان موقوفا على إجازة القيّم عليه، فإن أجازه ولم يكن فيه غبن فاحش نفذ، وإن لم يجزه أو أجازه وفيه غبن فاحش لا ينفذ.
مبدأ ثبوت الحجر: ومع إتفاق الصاحبين على الحجر على السفيه وذي الغفلة اختلفا في أن الحجر هل يثبت بمجرد ظهور دلائل السفه والغفلة ويزول بزوالها، أو لا يثبت إلا بصدور قرار بالحجر من الجهة المختصة، ولا يزول إلا بصدور قرار منها برفعه.
قال محمد إن المسبب يدور مع سببه وجودا وعدما، فإذا وجدت دلائل السفه أو الغفلة يثبت الحجر من حين ظهورها، سواء صدر قرار الحجر معها أو بعدها، وإذا زالت هذه الدلائل ارتفع الحجر سواء صدر قرار رفعه معها أو بعدها.
وقال أبو يوسف إن مجرد وجود وقائع السفه أو الغفلة لا يثبت بها الحجر حتى يصدر قرار بالحجر بناء عليها فيكون محجورا عليه من حين القرار. وكذلك مجرد ظهور
стр. 248
دلائل الرشد لا يرتفع بها الحجر حتى يصدر قرار برفع الحجر فيكون غير محجور عليه من حين القرار؛ وذلك لأن وقائع السفه أو الغفلة قد تشتبه وقد تقدر وقائع سفه مع أنها ليست كذلك. وكذا الحال في وقائع الرشد، وإنما الذي يقدر هذه الوقائع ويحكم بأنها أمارات السفه أو أمارات رشد هو القضاء, فيناط الحجر أو رفعه بقراره. ولأن الحجر بالسفه والغفلة مختلف فيه. وإنما يرجحه قضاء الحاكم به. ولأنه إذا اعتبر محجورا عليه قبل صدور قرار بالحجر عليه كان في هذا تغرير بالناس الذين يعاملونه, بناء على أنه لم يقرر حجر عليه. والعمل جار بمذهب أبي يوسف؛ لأنه أضبط ووجهته أوضح.
وعلى هذا الخلاف فكل تصرفات السفيه وذي الغفلة بعد ظهور أمارات سفهه وغفلته, وقبل صدور قرار الحجر عليه تكون على قول أبي يوسف كتصرفات المطلق غير المحجور عليه. وعلى قول محمد حكمها حكم تصرف المحجور عليه.
وتصرفات المحجور عليه للسفه أو الغفلة بعد ظهور أمارات رشده, وقبل صدور قرار برفع الحجر عنه هي كتصرفات الرشيد على قول محمد, وكتصرفات السفيه أو ذي الغفلة على قول أبي يوسف.
المدين:
إذا طلب الدائنون الحجر على مدينهم فعلى مذهب الصاحبين المفتى به يجابون إلى طلبهم, ويحجر على المدين أن يتصرف تصرفا يضر بحقوق الدائنين, بحيث لو باشر تصرفا فيه إضرار بحقوقهم كان غير نافذ وتوقف على إجازتهم، ولهذا لو وقف المحجور عليه للدين فوقفه موقوف نفاذه على إجازة الغرماء، فإن أجازوه نفذ ولزم، وإن لم يجيزوه بطل. ولو وهب أو أوصى فكذلك، وإذا امتنع المدين من أداء ما عليه من الديون, فعلى قول الصاحبين للقاضي أن يبيع من أمواله ما يفي بالدين المطلوب منه مراعيا البدء ببيع ما يخشى عليه التلف منها، ثم بيع سائر المنقولات، ثم بيع سائر العقار. ويترك له ما يلزم له, ولمن تجب عليه نفقتهم بقدر الكفاية من طعام وكسوة وسكنى.
стр. 249
رفع الحجر:
يرفع الحجر عن المحجور عليه متى زال السبب الذي بني عليه الحجر، فيرفع الحجر عن السفيه إذا ظهر رشده وأمارات حرصه على ماله، ويرفع الحجر عن ذي الغفلة إذا ظهرت خبرته واهتدى إلى حسن التصرف، وعن المجنون إذا شفي وعاد إليه عقله. وعن المعتوه إذا كملت قواه العقلية وزال اختلاطه. وأما الصغير فما دام دون سبع سنين فهو غير مميز والحجر عليه كلي يشمل كل تصرف، فإذا بلغ سبع سنين فأكثر فهو مميز والحجر عليه إنما هو في التصرفات الضارة، والدائرة بين النفع والضرر، فإذا بلغ الحلم عاقلا رشيدا فلا حجر عليه, وله حرية التصرف ولا ولاية لأحد عليه في نفس ولا مال.
وبلوغ الحلم للبنت والغلام يكون بظهور علامة من علامات البلوغ كالاحتلام والأحبال، والحيض، فإن لم يظهر على أحدهما شيء من علامات البلوغ، فإنه يحكم ببلوغ كل منهما الحلم متى وصلت سنه خمس عشرة سنة على القول المفتى به.
وأما بلوغ الرشد فإنه على ما عليه العمل الآن في المجالس الحسبية يكون ببلوغ القاصر أو القاصرة إحدى وعشرين سنة ميلادية, وقد جاء في المادة ٢٩ من قانون المجالس الحسبية ما نصه: "تنتهي الوصاية أو الولاية على المال متى بلغ القاصر من العمر إحدى وعشرين سنة ميلادية إلا إذا قرر المجلس استمرارها. ومع ذلك فمتى بلغ القاصر ١٨ سنة، ولم يمنع من التصرف، جاز له تسلم أمواله ليديرها بنفسه. ويكون للقاصر في هذه الحالة قبض دخله مدة إدارته والتصرف فيه، والتأجير لمدة لا تتجاوز سنة، وزراعة أطيانه، وإجراء ما يلزم للعقارات من أعمال الحفظ والصيانة، ويعد القاصر رشيدا بالنسبة إلى هذه التصرفات، ويبقى قاصرا فيما عداها, ويستمر الوصي في أداء وظيفته بالنسبة إليه".
والرشد شرعا هو كون الشخص مصلحا في ماله لا ينفقه في غير مصلحة ولا يعمل فيه بالتبذير والإسراف، وليس له في الشرع سن محددة غير سن بلوغ الحلم، فإذا بلغ الشخص خمس عشرة سنة رشيدا أصبح ذا أهلية تامة للتصرفات الشرعية جميعها
стр. 250
فتكون له الولاية التامة في ماله، ويصح أن يكون ناظرا على الأوقاف، وأن يكون وليا على غيره في النفس أو المال، وتحديد القانون الحسبي سنا للرشد بعد سن البلوغ إنما هو للاحتياط, ولأجل التحقق من إيناس الرشد.
تنبيه: إذا بلغ الصبي الحلم غير رشيد بأن قارن سفهه بلوغه منع عنه ماله بالاتفاق بين الإمام وصاحبيه؛ لأن الله سبحانه شرط لدفع أموال اليتامى إليهم شرطين: بلوغ الحلم، وإيناس الرشد في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ . فمتى بلغ الصبي الحلم سفيها لا يدفع إليه ماله حتى يرشد, مهما امتد زمن سفهه ولو بلغ من السن أي مبلغ وهذا قول الصاحبين. وأما الإمام فقال: إذا بلغ سفيها لا يدفع إليه ماله حتى يرشد أو يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإذا بلغها دفع إليه ماله على أي حال كان؛ لأنها مظنة رشده وكافية لتجربته, ولا فائدة في الانتظار بعدها.
فعلى مذهب الصاحبين لا فرق بين من بلغ غير سفيه ثم طرأ عليه السفه، وبين من بلغ سفيها، كل منهما يمنع عنه ماله ويحجر عليه أن يتصرف فيه إلى أن يرشد.
وأما على مذهب الإمام فالذي بلغ غير سفيه, ثم طرأ عليه السفه لا يمنع عنه ماله ولا يحجر عليه أن يتصرف فيه. والذي بلغ سفيها يمنع عنه ماله حتى يرشد أو يبلغ خمسا وعشرين سنة فهو يفرق بين السفه المقارن والسفه الطارئ.