مقدمات:
مقدمةالمؤلف:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه ورسله، تلقى القرآن من لدن حكيم خبير فهدى الناس إليه، وأقام فيهم حكمه وشريعته.
وبعد:
فإن العلوم تشرف بشرف موضوعاتها، وتتفاضل بمدى فضل بحوثها، ومسائلها. وعلوم القراءات، موضوعها كتاب الله، وبحوثها حول أسانيده، وطرق أدائه، ووجوه قراءته، ونظام رسمه، والاحتجاج له، ولأجل هذا فهي بين العلوم في الذروة والسنام، ولا عجب فكل العلوم اللسانية ما كانت إلا من أجله وفي سبيل الحفاظ عليه، والعلوم الإسلامية ما وجدت إلا على أساسه، تنهل من نبعه وتستمد من صافي معينه.
ولقد شرفتني كلية اللغة العربية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة بأن أسندت إلي تدريس بعض مناهج القراءات في قسم اللغويات، فأتيحت لي الفرصة لكي أتوفر على هذه العلوم، وأعطيها جانبًا من وقتي، هي له أهل، وبه أجدر فإذا بها تكاد تأخذ علي وقتي، ووجدت بيني وبينها
стр. 2
أسباب وثيقة لم أحسن بها إلا عندما اقتحمت ميادينها الواسعة، ومجالاتها الرحبة.
هي تمنح الإنسان مزيدًا من العلم بالقرآن تاريخًا وتأصيلًا، والقرآن نبع العلوم جميعًا.
وفيها قضايا لا بد أن يفقهها الداعية، ونحن والحمد لله على طريق الدعوة. والدارس للسان العربي لا بد أن تكون القراءات جزءًا أساسيًّا في درسه؛ إذ هي مصدر للنحو والتصريف ولغات القبائل، وصوتيات اللسان العربي، وهي تصف مستويات صوتية تحتاج إلى الدارس الحديث ليحولها إلى واقع محس.
وكتب الاحتجاج للقراءات تثري الدراسة النحوية ثراء عظيمًا، ومن العجيب أن أعلام النحاة كانوا قراء، وأعلام القراءات لهم قدم راسخة في النحو، وما عليك إلا أن تتصفح كتب الطبقات وتقرأ فيتراجم هؤلاء وأولئك ليستبين لك بوضوح صدق هذه القضية.
وفي القراء السبعة اثنان من أئمة الدرس النحوي: أبو عمرو بن العلاء، والكسائي.
ورأيت -لهذا- أن أدلي بدلوي في الدلاء، وأقف في صف هؤلاء الأعلام، وإن كان في الساقة لكنه في تقديري شرف كبير أرجو ربي ألا يحرمني منه، وأن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه، فما أردت؛ إلا تيسير معارف القرآن لتكون في متناول الدارس الحديث من حيث العرض والتبويب، والعبارة السائغة التي تحتفظ مع يسرها بوقار الحقيقة العلمية.
وفي حسابي أن يكون هذا العمل بمثابة مدخل لهذه العلوم، مع درس وتحقيق لبعض القضايا التي تتطلب الدرس والتحقيق بحيث يخرج القارئ بصورة صحيحة موجزة عن هذه العلوم وما كتب فيها، بحيث
стр. 3
يكتفي به المقتصد، وينطلق منه إلى آفاق البحث كل مجتهد.
وقد جعلته في بابين يسبقهما تمهيد، وهذه المقدمة.
الباب الأول: موضوعه: القراءات والقراء.
وقد قدمته في أربعة فصول:
الفصل الأول: مفاهيم أساسية تدور حول تعريف القراءات ونشأتها، ومكانتها، وأساس الاختلاف.
الفصل الثاني: القراءات المقبولة والشاذة.
الفصل الثالث: القراء من عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم مع التعريف بالقراء الأربعة عشر.
الفصل الرابع: عن ترتيل القرآن وصور الترتيل وأركانه.
والباب الثاني: بحوث في القراءات.
وقد عرضته في ثلاثة فصول:
الفصل الأول: الأحرف السبعة والقراءات السبع.
الفصل الثاني: الأصول والفرش
الفصل الثالث: رسم المصحف -نماذج له- شبه وردود.
الفصل الرابع: صور من الاحتجاج للقراءات.
أرجو أن أكون -بهذا- قد أوفيت على الغاية أو دانيت، فإن أصبت فالحمد لله وحده وإن كانت الأخرى فجل من لا يخطئ وحسبي سلامة القصد، واستقامة الهدف.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب؟
دكتور السيد رزق الطويل
الأستاذ المشارك بقسم الدراسات العليا
كلية اللغة العربية- جامعة أم القرى
مكة المكرمة ٢٦ من المحرم ١٤٠٥ هـ ٢١/ ١٠/ ١٩٨٤م
стр. 4
تمهيد:
القرآن الكريم وقراءاته
كلمة "القرآن":
اختلف العلماء حول معنى لفظ "قرآن"، العلم على الكتاب الحكيم، بالرغم من أنه من الوضوح حتى يعطي السامع أيًّا كان حظه من الثقافة انطباعًا قريبًا من الصواب، لكن الواضح من الألفاظ تحار العقول في سبر غوره أكثر مما تعاني من فهم الخفي الغامض.
وللقرآن الكريم أسماء كثيرة تفهم من آيات شتى تحدثت عنه، ومن هذه الأسماء:
الفرقان- قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ ١.
والكتاب -قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيه﴾ ٢.
والذكر -قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٣.
стр. 5
والمثاني -قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ ١.
والنور -قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ ٢.
وغير ذلك كثير:
وفي تقديري أنها وأمثالها صفات كاشفة عن خصائص الكتاب، مبينة عن رسالته وأثره، شارحة لفضله، وعظم آيته في الإقناع وهداية النفوس حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ومن هنا فالعلم الغالب، السائد، المشهور إطلاقه على الكتاب الحق هو القرآن، وهو الاسم الذي اختاره الله له وسماه به، وتحدث عنه على ضوئه، يبدو هذا من هذه الآيات: ﴿ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ٢، ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ ٤، ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ٥، ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ٦، ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ﴾ ٧، ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ﴾ ، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ﴾ ٩.
إذن لفظ "القرآن" له معناه ومغزاه فماذا قال العلماء في تخريج لفظه.
القرآن في الأصل مصدر "قرأ" يقال: قرأ قراءة وقرآنًا،
стр. 6
قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ ١، أي قراءته، فهو إذن مصدر على وزن فعلان بضم الفاء، مثل غفران، ثم نقل من هذا المعنى المصدري، وجعل علمًا على الكتاب العزيز.
ورأي آخر: يرى أنه وصف على وزن "فُعلان" بضم الفاء مشتق من "القرآن" بمعنى الجمع، يقال: قرأت الماء في الحوض، أي جمعته؛ ولأن القرآن يجمع السور والآيات سمي بهذا العلم.
وهذا الرأي ينتهي إلى الرأي الأول؛ لأن المعنى اللغوي للقراءة هو الجمع أيضًا، كما ظهر في الآية الكريمة.
وهذان الرأيان على أساس أن اللفظ مهموز، وهو الأكثر والأشهر وذهب بعض العلماء إلى أنه غير مهموز.
فترى منهم من قال: إنه مشتق من: قرنت الشيء بالشيء إذا ضممت أحدهما إلى الآخر، وسور القرآن وآياته اقترن بعضها ببعض.
وقال الفراء: هو مشتق من القرائن؛ لأن الآيات منه يصدق بعضها بعضًا، ويشبه بعضها بعضًا، وهي قرائن أي أشباه ونظائر.
ومن ناحية الاشتقاق لا يختلف هذا الرأي عن سابقه.
ويرى بعض العلماء أنه علم مرتجل فهو وضع من أول الأمر للكتاب العزيز، ولم يكن له استعمال سابق نقل منه إليه٢.
والذي نخلص إليه من مقالات العلماء حول اسم "القرآن" هو أن
стр. 7
وراءه معنى عظيمًا وسمة واضحة من سمات الكتاب الحق، غابت عمن أوغلوا في التصور. واشتطوا في التخرج وذلك أن من خصائص هذا الكتاب أنه يقرأ، فقراءته عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله، وقراءة آيات منه جزء من عبادة الصلاة، وتلاوته وتدبره منهج إسلامي للأفراد والجماعات على السواء، فهو قد تميز عن الكتب السابقة بأنه محفوظ الصدور، مثبت في السطور، تردده الألسن كل حين.
يقول الدكتور محمد عبد الله دراز:
"روعي في تسميته قرآنًا كونه متلوًا بالألسن، كما روعي في تسميته كتابًا كونه مدونًا بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية شيء بالمعنى الواقع عليه، وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد. أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعًا: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ ١، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من المنقول إلينا جيلًا بعد جيل، على الهيئة التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحافظ بالإسناد الصحيح المتواتر"٢.
هذا المغزى الكبير رواه اسم القراءات، والإيحاءات الصادقة له، وأما ما أشير إليه من معان أخرى من نحو جمع السور، وضم الآيات فهي في المتناول، ولا تدل على سمة مميزة.
وبجاب هذه السمة المفهومة من لفظ القرآن وهو أنه كتاب من
стр. 8
شأنه أن يقرأ ويتلى، حتى إن القرآن علمنا أن رسول الله ﷺ أمر بثلاثة أشياء جاءت في آية النمل التي ذكرناها آنفًا وهي:
أ- أن يعبد رب البلد الحرام ٢- أن يكون من المسلمين ٣- أن يتلو القرآن.
وفي هذا بيان أي بيان.
وثمت سمة أخرى:
هو للإنس والجن جميعًَا؛ لأنه كتاب الرسالة الشاملة الخاتمة: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ، ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ﴾ .
وأنه مصدق لما قبله من الكتب ومهيمن عليها. فهو ناسخ لكل حكم فيها يخالفه.
وأنه الآية على الرسالة الخاتمة، ولذلك ضم كل عناصر البقاء، وما من يوم يمر إلا ويظهر جديد يشهد بقدره، وعلو شأنه، فلا تنتهي عجائبه.
ومن هنا تكفل رب العالمين بحفظه؟ إذ قال عز من قائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.
وقد يسر الله ﵎ لهذا الكتاب من وسائل الحفظ وأسبابه، مما نذكر هنا بعضه دلالة على تحقق الوعد، واستمراره.
١ منها أنه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ .
стр. 9
فالروح نزل به على قلب النبي محمد ﵊، فلم تكن هناك فرصة للنسيان؛ لأن النسيان أو السهو يعرض لمن يتلقى شيئًا في المرحلة الأولى من مراحل التلقي، فإذا وصل القلب وثبت فلا سبيل لنسيانه، وهذا أمر اختص الله به نبيه حفاظًا على الكتاب الخاتم.
ولأجل هذا عندما كان الرسول ﵊ يردد العبارة القرآنية في أثناء التلقي قال له ربه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ﴾ كما قال له: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ .
٢- عندما كانت تنزل الآيات من الكتاب العزيز، ويتلقاها الرسول ﵊ يعلمها لأصحابه فيحفظونها ثم يتجهون للعمل بها، والعمل من أقوى العوامل للحفظ، ويأمر كتاب الوحي، وهم كثير، وعلى رأسهم زيد بن ثابت فيكتبونها على العظام والأحجار وسعف النخل وإمعانًا في المحافظة نهى النبي ﵊ في هذه الفترة عن تدوين شيء غير القرآن. وقال: لا تكتبوا عني، ومن كتب عني شيئًا غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج"١.
٣- تلقى الرسول ﵊ القرآن من عند ربه بكل صور الأداء التي تستبقي معانيه، وتحافظ على أهدافه ورسالته، وتيسر لكل القبائل على اختلاف لغاتها تلاوته، وروى الصحابة عن النبي هذه القراءات ورددوها، حتى إذا اختلفوا رجعوا إلى النبي ﷺ واستمع منهم فيقول: "كذلك أنزلت".
فهذه القراءات المروية بالتواتر سبب من أسباب الحفظ؛ إذ لو كان على حرف واحد وترك للألسنة المختلفة تعانيه قد يدفعها ذلك إلى التحريف والتغيير، فكانت القراءات المتواترة محققة للصيانة والحفظ
стр. 10
٤- بعد أن تولى أبو بكر خلافة المسلمين، واضطر إلى محاربة المرتدين ومانعي الزكاة، واستشهد في هذه المعارك جمهرة من حفاظ القرآن وقرائه الذين وعت صدورهم الكتاب العزيز أشار عمر ﵁ على الصديق بجمع القرآن في مصحف واحد خشية أن يضيع شيء منه بموت القراء، فأبى عليه أبو بكر الذي اتخذ لنفسه منهج الاتباع للنبي الكريم، ورأى أول الأمر في ذلك العمل بدعة لم يعملها رسول الله ﷺ ، وما زال به عمر حتى استبان للصديق أن هذا العمل هو من صميم منهج الاتباع، لأنه يهدف إلى الحفاظ على دستور الأمة، وكتابها الحق، ولنترك زيد بن ثابت يكمل القصة وقد أرسل إليه أبو بكر، فقال له: إنك رجل، شاب، عاقل، لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن واجمعه، قال زيد: فوالله لنقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ من الذي أمرني به من جمع القرآن، أجمع من الرقاع واللخاف، والعسف، وصدور الرجال حتى وجدت سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحد غيره: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ ، حتى خاتمة السورة، فكانت الصحف عند أبي بكر حياته، حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة ابنة عمر"١.
ولا شك أن جهود الحفاظ والكتاب توافرت مع زيد الذي رأس هذا العمل حتى تم هذا الإنجاز العظيم على طريق الحفاظ على الكتاب العزيز.
٥- الجمع الثاني وكتابه المصحف العثماني، المعروف بالمصحف الإمام، ونسخت منه عدة نسخ وزعت على الأمصار وأحرق
стр. 11
ما عداها لتنضبط عملية القراءة على نهج سوي تم بإجماع الصحابة، وبمشورة حذيفة بن اليمان على عثمان ﵁، كما سنفصل ذلك بعد.
وكان هذا العمل أيضًا مرحلة أخرى للحفاظ على القرآن يسر الله له الصحابي الجليل عثمان وإخواته من قراء الصحابة وحاظهم، ونال شرف انتساب المصحف إليه.
٦- وضع النحو في عهد علي بن أبي طالب ﵁ بمعرفة أبي الأسود الدؤلي، وكان هذا العمل يهدف إلى صيانة الكتاب العزيز وحفظه بالحفاظ على اللسان الذي نزل به.
٧- اتجاه بعض النحاة القرء من تلامذة أبي الأسود إلى نقط المصحف لإزالة الإعجام بعد تفشي اللحن، واحتمال أن يستعصي فهمه على بعض هؤلاء الذين استعجموا، وهؤلاء التلاميذ نصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، وعبد الرحمن بن هرمز، وعنبسة الفيل "نقطوا المصحف، وأخذ عنهم النقط، وحُفِظ، وضبط، وقيد، وعمل به، واتبع فيه سنتهم، واقتدى فيه بمذاهبهم"١.
وقد ذكرت المراجع أن هذا الأمر تم بمشورة الحجاج ورأيه. فإذا وضعنا بجانب هذا صنيع أبي الأسود في وضع نقط الإعراب، وتخيره كاتبًا فطنًا يراقب حركة شفتيه، ويضبط كلمات المصحف على هذا النحو رفعًا ونصبًا وجرًّا وجزمًا٢ تبين لنا أنهم بهذا العمل الخطير قد أحاطوا لفظ القرآن الكريم بسياج يمنع اللحن فيه، مما جعل بعض القدماء
стр. 12
يظنون أنهم وضعوا قواعد الإعراب أو أطرافًا منها وهم إنما رسموا في دقة نقط الإعراب إلا قواعده، كما رسموا نقط الحروف المعجمة١.
٨- وظلت الجهود في الحفاظ على القرآن الكريم قائمة على قدم وساق؛ ولأجل هذا الهدف الأسمى، وضع ما وضع من قواعد اللغة العربية نحوًا وصرفًا، وبلاغة، وفقه لغة، وتدوين شعر ونحو هذا، كما اتجه العلماء للتدوين في القراءات، وضبطها نظرًا لكثرتها وتعددها؛ إذ وضع أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفى ٢٢٤هـ كتاب القراءات، جمع فيه قراءة خمسة وعشرين قارئًا، ومما يدل على قيمة هذا العمل قول ابن الجزري: لما كانت المائة الثالثة واتسع الخرق، وقل الضبط، وكان علم الكتاب والسنة أوفر ما كان في هذا العصر تصدى بعض الأئمة لضبط ما رواه من القراءات٢.
وزاد الأمر دقة وتحديدًا هذا الصنيع العظيم الذي صنعه ابن مجاهد بعد ذلك عندما تخير السبعة القراء، الذين ارتضيت إمامتهم في الأمصار الإسلامية ومن بعده عرف اسم السبعة.
يقول الدكتور شوقي ضيف: والحق أن ابن مجاهد -نضر الله وجهه- أدى للأمة عملًا باهرًا باختيار هؤلاء السبعة؟ إذ كانت قد أدت كثرة الروايات في القراءات إلى ضرب من الاضطراب عند طائفة من القراء غير المتقنين٣.
وكل جهد بذل ويبذل من أجل كتاب الله تعالى هو في حقيقته توفير للحفظ الذي وعد به رب العالمين، ووعده الحق.
стр. 13
وهذا العمل الذي نعمله ما هو إلا لبنة متواضعة في طريق الغاية العظيمة.
وبعد أن استبانت بعض المعارف الأساسية عن الكتاب العزيز، نستطيع بعدها أن ندخل إلى فصول الكتاب ومباحثه، راجين من الله التوفيق والسداد.
стр. 14
الباب الأول: القراءات والقراء
الفصل الأول: مفاهيم أساسية
تعريف القراءات:
القراءات: جمع قراءة، وهي مصدر قرأ، وهي الجمع والضم، يقال: ما قرأت الناقة جنينًا أي لم تضم رحمها على ولد، قال أبو عبيدة: سمي القرآن؛ لأنه يجمع السور، فيضمها، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ﴾ أي جمعه وقراءته١.
والقارئ لكل مكتوب من شأنه أن يضم أصوات الحروف في ذهنه لتتكون الكلمات التي ينطق بها وفي اصطلاح القراء: القراءات وجوه مختلفة في الأداء من النواحي الصوتية، أو التصريفية، أو النحوية واختلاف القراءات على هذا النحو اختلاف تنوع وتغاير لا اختلاف تضاد وتناقص؛ لأن التناقص والتضارب يتنزه عنهما الكتاب العزيز، وقد قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ ٢، ولأن التناقض في القول دليل بطلانه، وقد قال رب العالمين: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ
стр. 15
حَمِيدٍ﴾ ١، والتناقص لا يجتمع مع الإبانة والوضوح، وقد وصف الله كتابه فقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين﴾ ٢.
وهذا الاختلاف ينحصر في وجوه ثلاثة:
أولها: اختلاف اللفظ والمعنى واحد.
مثالها: كلمة "الصراط" تقرأ بالصاد والسين٣، والإشمام، وكلمة "عليهم"٤ بكسر الهاء وضمها.
ثانيهما: اختلاف اللفظ والمعنى مع جواز اجتماعهما في شيء واحد.
مثالها: "مالك٥، ملك" في الفاتحة، فبرغم أن الملك يزيد عن المالك معنى السلطة إلا أن المراد بهما واحد وهو الله تعالى. ومثل قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ ، "ننشرها"٦ بالراء والزاي؛ لأن المراد بهما العظام؛ لأن الله تعالى أنشرها أي أحياها، وأنشزها؛ أي: رفع بعضها إلى بعض حتى التأمت، فيجتمع المعنيان في القراءتين أخيرًا في معنى واحد.
ثالثها: اختلافهما في اللفظ والمعنى، وامتناع اجتماعهما في شيء واحد جوازًا، بل يتفقان من وجه آخر يساير المعنى العام وينتفي معه التضاد.
стр. 16
من ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَم﴾ ١، بالبناء للمعلوم ثم المجهول، وقرئ بعكس هذه القراءة المشهورة: "وهو يطعم ولا يطعم" بالبناء للمجهول، ثم المعلوم في قراءة شاذة.
والوجه الذي تتفق فيه القراءتان هو أن الضمير في القراءة المشهورة يعود على الله، وفي القراءة الأخرى يعود على الولي: والمعنى العام للآية ينسجم مع القراءتين جميعًا٢.
стр. 17
أساس اختلاف القراءت
...
أساس اختلاف القراءات:
لا يقوم اختلاف القراءات على اجتهاد الأشخاص، ووجهات أنظارهم، أو على أساس قياس يراعي القوم قواعده، وإنما القراءة سنة متبعة، تقوم على سند متواتر عن رسول الله ﷺ .
وقد ذكر العلماء للقراءة الصحيحة أركانًا ثلاثة:
١- صحة سندها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
٢- موافقتها لرسم المصحف.
٣- موافقتها وجهًا من وجوه العربية.
يقول ابن الجزري عن القراءة التي استوفت الأركان الثلاثة: لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء أكانت عن الأئمة السبعة، عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة، أو باطلة، سواء أكانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف٢.
стр. 18
القراءة والرواية، والطريق:
يقال: قراءة فلان إذا نسبت لأحد القراء السبعة أو العشرة، أو غيرهم ممن تتوافر لقراءتهم شروط القبول التي ذكرناها كأن يقال: قراءة نافع، أو قراءة ابن كثير، أو قراءة حمزة وهكذا، أو ممن لا تتوافر فيهم الشروط كأصحاب القراءات الشواذ.
وأما الرواية: فهي التي تنسب لأحد الرواة عن القارئ كأن يقال رواية حفص عن عاصم أو رواية قالون عن نافع، أو رواية البزي عن ابن كثير١ ولا تلزم في الرواية المعاصرة للقارئ والطريق.
والطريق: يطلق على ما ينسب للآخذ عن الراوي ولو سفل٢.
стр. 19
نشأة علم القراءات وبداية نزولها:
كيف نشأ علم القراءات:
منذ تلقى الرسول ﵊ القرآن من لدن حكيم خبير كان يقرأ ما أنزل عليه لأصحابه والصحابة يلتزمون تلاوة الرسول ﵊ وأداءه، وكانت تلاوته بحروف شتى، فمنهم من أخذ القرآن عنه بحرف واحد، ومنهم من أخذ عنه بحرفين، ومنهم من زاد على ذلك حتى تفرقوا بعد ذلك في الأمصار، وهم على هذا الحال، يقرءون القرآن بما سمعوه من رسول الله ﷺ بحروفه المختلفة.
وأدرك بعض الصحابة شيئًا من هذا الاختلاف، وسألوا فيه رسول الله ﷺ فكان يجيز ما سمع من قراءات.
من ذلك ما رواه البخاري في صحيحه من أن عمر بن الخطاب لبَّبَ هشام بن حكيم لما سمعه يقرأ سورة الفرقان على حروف لم يقرئها الرسول لعمر، فقاده إلى الرسول، فلما سمع من هشام قال: "كذلك أنزلت" ولما سمعها من عمر. قال: "كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه" ١.
وكان تفرق الصحابة في الأمصار إبان الفتوح الإسلامية سببًا في كثرة الاختلاف في وجوه القراءات التي تعددت وكثرت حتى أحس الغُيُر من الصحابة أن هذا الاختلاف في حاجة إلى ضبط فرفعوا الأمر للخليفة عثمان بن عفان ﵁، فكتب مصاحفه التي وزعت على الأمصار، وأجمع الصحابة على عدم الاعتداد بما سواها، كما سنفصل ذلك بعد.
стр. 20
انحصرت وجوه القراءات بعد هذا فيما تواتر موافقًا للرسم العثماني، إلا أنه ظهرت قراءات لم يتوافر لها السند القوي، واكتفى أصحابها بموافقة الرسم "فصار أهل البدع والأهواء يقرءون بما لا يحل تلاوته وفاقًا لبدعتهم"١ فكان لا بد من إجراء آخر تصدى له أهل الخبرة والدراية والبصر بهذا الفن، وهو اختيار أئمة ثقات من مختلف الأمصار تكون قراءتهم قدوة لمن سواهم، وكان رائد هذا الاتجاه ابن مجاهد في كتابه "السبعة".
ثم جاء من أضاف ثلاثة قراء آخرين فصاروا عشرة، وأصبحوا هم الذين تنتهي إليهم القراءات الصحيحة التي توافرت لها شروط القبول. وارتضاها الإجماع٢.
متى بدأ نزول القراءات:
بلا ريب نزل القرآن الكريم بحروفه المتعددة من عند رب العالمين.
وحروف القرآن المتنوعة سببها التيسير على الأمة التي تختلف لغات قبائلها.
وهذا الأمر لم يظهر إلا بعد هجرة النبي ﷺ ودخول القبائل المختلفة في رحاب الإسلام.
فهل نزلت الحروف المختلفة في مكة أو المدينة؟
стр. 21
اتجه بعض الباحثين إلى أن القراءات نزلت بمكة مع بداية نزول القرآن الكريم؛ لأن معظم سور القرآن مكية، وفيها من القراءات ما في السور المدنية١.
ويرى آخرون أنها نزلت بالمدينة؛ لأن سببها وهو التيسير لم تظهر الحاجة إليه إلا في المدينة حيث تعددت قبائل المسلمين.
وقد يستشهد أصحاب هذا الرأي بما رواه مسلم في صحيحه، وابن جرير الطبري في تفسيره، عن أبي بن كعب ﵁ أن النبي ﷺ كان عند "أضاة بني غفار" فأتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف، فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته وأن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك على حرفين، فقال: "أسأل الله معافته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك على ثلاثة أحرف قال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك على سبعة أحرف فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا٢.
فيبدو من هذا الحديث أن النبي ﷺ صرح له أن يقرأ بالحروف المختلفة في الفترة المدنية بعد أن دخل في الإسلام قبائل شتى ذات لغات مختلفة؛ ولأن الحديث ذكر "أضاة بني غفار" وهي ماء قريب من المدينة٣.
стр. 22
والخلاف في تقديري نظري؛ لأن القرآن الكريم المكي منه والمدني نزل بحروفه المختلفة التي يسرها الله للذكر، غير أن الحاجة لم تظهر لاستخدامها في مكة، وأصبحت ملحة بعد الهجرة والحديث الشريف ليس فيه ما يقطع بأن الحروف تنزل لأول مرة بل كل ما فيه هو الإذن باستخدامها؛ ولأن السور المكية فيها الحروف المختلفة التي في السور المدنية، بدليل أن أول خلاف نشأ بين الصحابة وهو خلاف عمر بن الخطاب، وهشام بن حكيم كان حول سورة الفرقان وهي مكية.
التدوين في علم القراءات:
على امتداد القرنين الأول والثاني تعددت القراءات وانتشر القراء في الأمصار الإسلامية، ثم أحكمت حركة القراءة والإقراء -كما بينا- في العالم على مرحلتين:
أ- مرحلة نسخ المصاحف العثمانية.
ب- ثم مرحلة التسبيع التي تعني اختيار أئمة مشهورين يرجع إليهم، وهي المرحلة التي قادها ابن مجاهد وأصبح الأمر بعد هذا مهيئًا للتدوين في هذا العلم.
وأكبر الظن أن بداية التدوين في القراءات كانت مع القرن الثالث.
ويتجه الباحثون إلى أن أول إمام يعتد به دون في هذا العلم هو الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام، المتوفى سنة ٢٢٤هـ، حيث جمع فيه قراءة خمسة وعشرين قارئًا. قال ابن الجزري: لما كانت المائة الثالثة، واتسع الخرق، وقل الضبط، وكان علم الكتاب، والسنة أوفر ما كان في ذلك العصر. تصدى بعض الأئمة لضبط ما رواه من القراءة، فكان أول إمام معتبر جمع القراءات في كتاب واحد أبو عبيد القاسم بن سلام،
стр. 23
وجعلهم فيما أحسب خمسة وعشرين قارئًا مع هؤلاء السبعة١.
ويذهب حاجي خليفة في كشف الظنون إلى أن أول من نظم كتابًا في القراءات السبع هو: الحسين بن عثمان بن ثابت البغدادي الضرير، المتوفى سنة ٣٧٨ هـ٢.
وما ذهب إليه صاحب كشف الظنون بعيد عما قرره المحققون من المؤرخين إلا إذا كان في حسابه أنه يعني أول من دون في القراءات نظمًا.
ويرى بعض الباحثين المعاصرين أن أولية التدوين في القراءات ترجع إلى يحيى بن يعمر المتوفى سنة ٩٠ هـ٣.
وفي هذا الاتجاه جانب كبير من المبالغة؛ وذلك لأمور.
منها أن القرن الأول لم يكن عصر تأليف في أي فرع من فروع المعرفة، وإنما كان عصر رواية.
وأنه إذا وجد في أحد المراجع أن يحيى بن يعمر كتب في القراءات فليس معنى هذا أنه دون مؤلفًا يعتد به٤، وهذا لا يقدح في مكانته العلمية وإسهامه في خدمة القرآن الكريم.
ونخلص من هذا إلى أن ابن سلام -كما قال صاحب النشر- أول
стр. 24
إمام معتبر جمع القراءات في كتاب.
وقد بلغ عدد ما ألف في القراءات حتى تسبيع ابن مجاهد نحو أربعين مؤلفًا منهم من اقتصر على قراءة واحدة ومنهم من تناول أكثر ومن هذه المؤلفات: كتاب القراءات لخلف بن هشام البزار، وكتاب القراءات لابن سعدان، وكتاب القراءات لأبي حاتم السجستاني، وكتاب القراءات لثعلب، وكتاب القراءات لابن قتيبة١.
ثم اتسعت حركة التأليف والتدوين في القراءات:
فكتب ابن مجاهد كتابه السبعة، وله كتاب القراءات الكبير وكتاب القراءات٢ الصغير، وكتب إسماعيل بن إسحاق المالكي المتوفى سنة ٣١٠ هـ كتابًا في القراءات سماه "الجامع" جمع فيه عددًا من القراءات٣.
وممن ألف في القراءات أحمد بن جبير المتوفى سنة ٣٥٨ هـ ألف كتابًا ضمنه قراءة أئمة الأمصار الخمسة: مكة والمدينة، والبصرة، والكوفة والشام٤.
ومنهم الإمام محمد بن أحمد الداجوني المتوفى سنة ٣٣٤ ألف كتابًا سماه "القراءات الثمانية".
جمع فيه قراءات الأئمة السبعة، وأضاف إليهم قراءة أبي جعفر٥.
стр. 25
وعلى هذا النحو تتابع التأليف في القراءات وتكاثر ما بين منظوم ومنثور، ومطول ومختصر.
كما تنوعت اتجاهاته، فهناك مؤلفات في القراءات وأسانيدها، والأصول والفرش.
وهناك مؤلفات في طبقات الفراء.
وهناك مؤلفات في الاحتجاج للقراءات سأشير إليها في حديثي عن مكانة علم القراءات، والعلوم التي تندرج تحته.
ومن أراد أن يتتبع مؤلفات القراءات منذ بدايتها حتى القرون الأخيرة فعليه بالمراجع التالية.
الفهرست لابن النديم.
وفيات الأعيان لابن خلكان.
الوافي بالوفيات للصفدي.
بغية الوعاة للسيوطي.
معرفة القراء الكبار على الطبقات والأمصار -للإمام الذهبي- ت محمد سيد جاد الحق.
غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري.
من كتب القراءات المطبوعة:
١- الإبانة عن معاني القراءات.
تأليف مكي بن أبي طالب القيسي ت سنة ٤٣٧ ص دار المأمون للتراث دمش تحقيق د. محيي الدين رمضان وهناك طبعة أخرى دار نهضة مصر تحقيق د. عبد الفتاح شلبي.
٢- الإقناع في القراءات لابن الباذش.
نشر مركز البحث العلمي -جامعة أم القرى- مكة ت د. عبد المجيد قطامش.
стр. 26
٣- إبراز المعاني من حرز الأماني شرح على الشاطبية تأليف عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي - الشهير "بأبو شامة" ت سنة ٦٦٥هـ طبع القاهرة.
٤- إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر تأليف أحمد بن محمد الدمياطي.
طبع مكتبة المشهد الحسيني بالقاهرة.
٥- تحبير التيسير في القراءات العشر من طريق الشاطبية والدرة -تأليف الإمام محمد بن محمد الجزري المتوفى سنة ٨٣٢هـ طبع القاهرة.
٦- التيسير في القراءات السبع -تأليف الإمام أبي عمرو الداني المتوفى ٤٤٤هـ طبع استانبول سنة ١٩٣٠م.
٧- الحجة في القراءات السبع تأليف الحسين بن أحمد بن خالويه المتوفى سنة ٣٧٠هـ طبع دمشق.
٨- الحجة في علل القراءات السبع تأليف الحسن بن أحمد، الشهر بأبي علي الفارسي المتوفى سنة ٣٧٧هـ -الهيئة القومية للكتاب- صدر منه جزءان.
٩- حجة القراءات للإمام أبي زرعة ت سعيد الأفغاني الطبعة الأولى -جامعة بنغازي ١٩٧٤.
١٠- سراج القارئ المبتدي وتذكرة القارئ المنتهي -شرح علي الشاطبية.
تأليف أبي القاسم علي بن عثمان الشهير بابن القاصح المتوفى سنة ٨٠١- طبع القاهرة.
стр. 27
١١- طيبة النشر في القراءات العشر -نظم- تأليف الإمام ابن الجزري طبع القاهرة.
١٢- غيث النفع في القراءات السبع -تأليف الشيخ على النوري الصفاقسي "طبع بالقاهرة على هامش سراج القارئ".
١٣- كتاب السبعة لابن مجاهد ٣٢٤هـ دار المعارف تحقيق شوقي ضيف.
١٤- الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها -تأليف الإمام مكي بن أبي طالب القيسي ت سنة ٤٣٧هـ. ط دمشق تحقيق د. محيي رمضان.
١٥- كنز المعاني في شرح حرز الأماني تأليف الإمام محمد بن أحمد، الشهير بشعلة -المتوفى سنة ٦٥٦هـ طبع القاهرة.
١٦- حرز الأماني ووجه التهاني نظم في القراءات السبع للإمام الشاطبي المتوفى سنة ٥٤٨هـ طبع القاهرة.
١٧- المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات تأليف أبي الفتح ابن جني ٣٩٢هـ نشر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية -القاهرة.
١٨- مختصر شواذ القراءات تأليف الإمام ابن خالويه طبع بالقاهرة.
١٩- النشر في القراءات العشر -تأليف الإمام ابن الجزري- القاهرة.
٢٠- لطائف الإشارات لفنون القراءات للقسطلاني ت عبد الصبور شاهين، والشيخ عامر السيد عثمان طـ القاهرة.
٢١- غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري ط الحلبي بالقاهرة الطبعة الأولى ١٣٥٢هـ.
هذه طائفة من أشهر كتب التراث التي أخرجتها المطابع في ميدان القراءات وللباحثين المعاصرين بحوث ودراسات جيدة تتصل بالقراءات في ميادينها المختلفة وهي في متناول الباحث، وقد وعتها فهارس دور النشر، والمكتبات العامة.
стр. 28
مكانة علم القراءات:
هو من العلوم الجليلة القدر، العظيمة الشأن؛ لأنه يدور حول رواية الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والقرآن الكريم رأس العلوم والمعارف الإسلامية، والمصدر الأول للتشريع فهو دستور الأمة، ومنارها، كما أنه نورها وهداها.
وقد أسلفنا الكلام حول الجهود التي بذلت، ويسرها رب العالمين من أجل الحفاظ عليه وصيانته من عبث العابثين وتحريف المنحرفين مصداقًا لقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
ومن هنا فهذا العلم العظيم وعى عددًا من العلوم النافعة.
أولها: علم القراء، وهو يتناول الترجمة لمن تصدوا للقراءة، وكانوا مرجعًا لغيرهم، وتتلمذ عليهم سواهم منذ عصر الصحابة حتى القرن العاشر الهجري. وهذا العلم يتوفر على دراسة أسانيد كل قراءة وتواترها، والرواة الذين نقلوا هذه القراءة عن القارئ الذي عرف بها ونسبت إليه.
ثانيها: علم رسم المصحف: ويتناول الصورة الخطية التي
стр. 29
ارتضاها عثمان ﵁، وكتب بها المصاحف التي وزعت على الأمصار الإسلامية، وكانت خالية من النقط والشكل، وأمر أهل كل مصر أن يقيموا مصحفهم على المصحف المبعوث إليهم١ فأصبحت قراءة كل قطر تابعة لرسم مصحفهم٢.
فكان هذا الرسم ضابطًا للقراءات جميعًا، كما عدت موافقته أساسًا من أسس قبولها، لا سيما وأن من كتبوا المصاحف لعثمان كانوا من خيرة الصحابة، وخيرة القراء الحفاظ. وأصبحت دراستنا لعلم رسم المصحف وسيلة من الوسائل المعينة على إدراك أبعاد هذا العلم العظيم.
ثالثها: علم توجيه القراءات والاحتجاج لها: تفور على الاحتجاج النحوي والصرفي واللغوي للقراءات عدد كبير من العلماء. منذ أوائل القرن الرابع الهجري. على أنه في القرن الثاني والثالث استشهد النحويون بالقراءات خلال عرضهم للمسائل النحوية، ومن الجائز أن يكون هناك كتب ألفت في الاحتجاج للقراءات لكن لم تصل إلينا.
أما أول من ألف في الاحتجاج فهو أبو بكر بن السراج، ذكر ابن النديم في الفهرست أنه له كتاب "احتجاج القراءة"٣.
كما ذكر أن القارئ النحوي أبا طاهر عبد الواحد البزار، له كتاب: الفصل بين أبي عمرو والكسائي٤.
стр. 30
غير أننا لا نقطع بأن هذا الكتاب في الاحتجاج، غير أننا نظن ظنًّا قويًّا أن الرجل في مقام الفصل والموازنة لا بد أن يكون النحو وسيلة من وسائله لا سيما وأنه قارئ ونحوي.
ومنهم محمد بن الحسن الأنصاري "٣٥١هـ" ألف كتاب السبعة بعللها.
ومنهم أبو بكر محمد بن الحسن بن مقسم العطار "٣٦٢هـ" أحد قراء دار السلام، ذكر له ابن النديم عددًا من الكتب في اللغة والنحو والقراءات ومنها "احتجاج القراءات" وذلك بعد وفاة ابن مجاهد واشتهار تسبيعه.
ثم ألف أبو علي الفارسي "٣٧٧" كتابه المشهور: "الحجة في علل القراءات السبع" ويرى صاحب كشف الظنون أن هذا الكتاب شرح لكتاب القراءات السبع لابن مجاهد١.
ومنها كتاب الحجة لابن خالويه "٣٧٠" هـ وهو مطبوع ومحقق. وقد تشكك في نسبته بعض الباحثين.
ثم ألف مكي ابن أبي طالب "٤٣٧هـ" كتابه الكشف عن وجوه القراءات وعللها وحججها.
٤- علم القراءات:
ويتناول الأصول المطردة في القراءات من الوقف والابتداء، والإمالة والفتح والهمز والتسهيل، والتفخيم والترقيق ونحوها. والفرش، ويتناول القراءات غير المطردة، والتي تناقلتها الروايات بأسانيدها الصحيحة.
стр. 31
والمتأمل فيما دون القدماء من مؤلفات في علوم القراءات يجد منها ما يتحدث في هذه الجوانب كلها، ومنها ما هو مقصور على جانب معين منها.
فمثلًا كتاب "النشر" لابن الجزري تناول هذه العلوم كلها.
ومنها ما هو مقصور على جانب معين.
مثل كتاب الاحتجاج للقراءات كالحجة والكشف ونحوهما.
ومثل غاية النهاية خصصه ابن الجزري لطبقات القراء.
وهناك كتب ألفت في المصاحف واختلافها١.
٥- وهناك علم آخر يدخل في دائرة علوم القراءات وهو علم التجويد.
وهو يتوفر على دراسة أصول الأداء القرآني من مخارج الحروف وصفاتها، وأحكام النون الساكنة والتنوين، وأحكام الميم الساكنة، وأحكام المد.
وموضوعاته هذه قد تأتي تبعًا لموضوعات أخرى في القراءات، شأن الفروع السابقة، وأحيانًا يفرد لها مؤلفات خاصة، وسنشير لذلك عند حديثنا عن ترتيل القرآن الكريم.
стр. 32
الفصل الثاني: القراءات المقبولة والشاذة
القراءة المقبولة والمردودة
مدخل
...
الفصل الثاني: القراءات المقبولة والشاذة
القراءة المقبولة والمردودة:
وضع علماء القراءات ضوابط بالغة الدقة للفصل بين قراءة مقبولة وأخرى مردودة بحيث إذا توافرت هذه الضوابط في قراءة حكمنا -ونحن مطمئنون- بصحتها وأنها قرآن يتلى ويصلى به، وإذا لم تتوافر هذه الضوابط كان لهم منها موقف آخر يعطون فيه هذه القراءة ما تستحقه من حكم، وما يمكن أن يترتب عليها من نتائج.
ومن الأمور المعروفة في تاريخ القراءات أنها تعددت وكثرت قبل المصحف العثماني، كما تعددت وكثرت بعد نسخ المصحف العثماني وفي ظلال ما يحتمله الرسم برغم أن المصحف العثماني من ناحية أخرى، وكما سنعلم ذلك في موطن آخر ضبط عملية الإقرار إلى مدى بعيد.
ومن هنا جاء اختلاف الأئمة السبعة والعشرة في ظلال الرسم العثماني.
قال نافع: قرأت على سبعين من التابعين فما اجتمع عليه اثنان أخذته، وما شك فيه واحد تركته حتى اتبعت هذه القراءة.
стр. 33
وقد قرأ الكسائي على حمزة وهو يخالفه في نحو ثلاثمائة حرف؛ لأنه قرأ على غيره فاختار من قراءة حمزة، ومن قراءة غيره قراءة وترك منها كثيرًا.
وكذلك أبو عمرو قرأ على ابن كثير وهو يخالفه في أكثر من ثلاثة آلاف حرف؛ لأنه قرأ على غيره، واختار من قراءته، ومن قراءة غيره قراءة١.
ضوابط القراءة المقبولة:
١- أن ينقلها الثقات عن النبي ﷺ .
٢- أن يكون لها وجه شائع في العربية التي نزل بها القرآن الكريم٢.
٣- أن تكون موافقة لخط المصحف٣.
وقد تناول ابن الجزري هذه الشروط في منظومته فقال:
فكل ما وافق وجه نحوي ... وكان للرسم احتمالًا يحوي
وصح إسنادًا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان٤
стр. 34
الشرط الأول: السند المتواتر
يرى جمهور العلماء من الأصوليين، وفقهاء المذاهب الأربعة، والمحدثين، والقراء أن شرط القراءة الصحيحة هو التواتر، ولا تثبت بالسند الصحيح غير المتواتر.
والقراءة التي تكتب بسند غير متواتر لا تسمى قرآنًا ولا يقرأ بها؛ لأن من تعريف العلماء للقرآن قولهم: "المنقول إلينا بالتواتر"١.
والتواتر: هو نقل جماعة عن جماعة تحيل العادة تواطؤهم على الكذب من أول السند إلى منتهاه٢.
يقول النويري: عدم اشتراط التواتر قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدثين، وغيرهم لأن القرآن -عند الجمهور من أئمة المذاهب الأربعة هو ما نقل بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا، وكل من قال بهذا الحد اشترط التواتر، كما قال ابن الحاجب، وحينئذ فلا بد من التواتر عند الأئمة الأربعة، صرح بذلك جماعات كابن عبد البر، وابن عطية، والنووي، والزركشي، والسبكي، والإسنوي، والأذرعي، وعلى ذلك أجمع القراء، ولم يخالف من المتأخرين إلا مكي، وتبعه بعضهم٣.
ومن عبارة النويري التي نقلها الدمياطي ما يفيد أن بعض القراء المتأخرين ومنهم مكي ومن تبعه لا يشترطون التواتر مثل ابن الجزري.
وفي تقديري أن نسبة هذا القول لمكي، وعده من المتأخرين حكم غير دقيق.
وكذلك الأمر بالنسبة لابن الجزري الذي هو من المتأخرين فعلًا توفي ٨٣٣ هـ.
أما مكي فقد عاش النصف الثاني من القرن الرابع، وأدرك الثلث الأول من القرن الخامس "٣٥٥- ٤٣٧" وهو أبعد ما يكون عما نسب إليه لأمور:
стр. 35
أولها: أنه في وصف القراءة المقبولة قال: "أن ينقل عن الثقات"١ ولفظ الجمع هنا كاف في الدلالة على قصد التواتر.
ثانيها: أنه قسم ما روى من القراءات على ثلاثة أقسام:
قسم يقرأ به، وذلك ما اجتمع فيه ثلاث خلال، وذكر الشروط الثلاثة التي أسلفناها.
والقسم الثاني: ما صح نقله في الآحاد، وصح وجهه في العربية، وخالف لفظه خط المصحف فهذا يقبل ولا يقرأ به لعلتين٢:
إحداهما: أنه لم يؤخذ بإجماع إنما أخذ بأخبار الآحاد، ولا يثبت قرآن يقرأ به بخبر الواحد.
والثانية: أنه مخالف لما أجمع عليه، فلا يقطع على مغيبه وصحته.
والقسم الثالث: ما نقله غير ثقة، أو نقله ثقة ولا وجه له في العربية٣، فهذا لا يقبل وإن وافق خط المصحف٤ من خلال هذا التقسيم نرى مكيًّا لا يأخذ القرآن بخبر الآحاد، وهو إن قبل القراءة يمنع القراءة بها.
ثالثها: أنه ثبت عن مكي قوله: وما خالف خط المصحف أيضًا.
стр. 36
هو من السبعة إذا صحت روايته ووجهه في العربية، ولم يضاد معنى خط المصحف، لكن لا يقرأ به، إذ لا يأتي إلا بخبر الآحاد ولا يثبت قرآن بخبر الآحاد، وإذ هو مخالف للمصحف المجمع عليه، فهذا الذي نقول به ونعتقده، وقد بيناه كله١.
تشير هذه العبارة بوضوح إلى وجهة مكي في هذه الناحية، وأنه لا يعتد بالقراءة إلا بسند متواتر.
وبناء على هذا فإن عبارته التي تقول: القراءة الصحيحة ما صح سندها إلى النبي ﷺ وساغ وجهها في العربية، ووافقت خط المصحف"٢ لا تعني أنه لا يقول بشرط التواتر.
وأما ابن الجزري:
فنسب إليه أنه لا يقول بناء على نظمه في الطيبة؛ وعبارته وإن لم نشر للتواتر لكنها لم تنص على أنه غير شرط، وظروف الناظم تختلف عن ظروف الذي يدون العلم نثرًا، حيث يتحرى العبارة الدقيقة بعيدًا عن قيود النظم والقافية. على أن عبارته في كتابه منجد المقرئين ترفع الإيهام والاتهام، إذا اشترط التواتر في قبول القراءة الصحيحة٣.
стр. 37
الشرط الثاني: موافقة العربية
أن يكون للقراءة وجه شائع في العربية.
بمعنى أن توافق وجها مشهورًا، ومعتدًا به، مما قاله النحاة سواء أكان هو الوجه الأصح أم الصحيح؛ لأن القراءة متى ثبتت بالسند المتواتر وموافقه رسم المصحف فلا ينبغي أن ترد، بل تصبح هي حجة على قواعد النحو لا أن تكون قواعد النحو حجة عليها. وقد أحسن الكوفيون باحتجاجهم بقراءات حمزة "وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ" بجر الأرحام على أنه يجوز العطف على المجرور دون إعادة الجار، والبصريون المعارضون لهذا يقولون: إن الأرحام جرت على القسم تعظيمًا لها، وحثًا على صلتها١.
فالقراءة سنة متبعة٢، كما روي عن زيد بن ثابت.
وقد فسر البيهقي هذه العبارة بقوله: أراد -أي زيد بن ثابت- أن اتباع من قبلنا في الحروف سنة متبعة، لا يجوز مخالفة خط المصحف الذي هو إمام، ولا مخالفة القراءات التي هي مشهورة وإن كان غير ذلك سائغًا في اللغة"٣.
وقال أبو عمرو الداني: وأئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت من الأثر، والأصح في النقل، وإذا ثبت الرواية لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة؛ لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها".
وبرغم ما أكده القراء مما يفيد أن شرط الموافقة لوجه في العربية أي وجه هو لمجرد الاستئناس ومزيد من الاستيثاق ولا ترد القراءة؛ لأجله فإننا نرى مكيًّا يخالف هؤلاء في أمرين:
أولهما: اشتراطه موافقة القراءة لوجه شائعٍ في العربية.
والآخر: أنه يرد القراءة التي لا توافق وجهًا في العربية، وإن وافقت خط المصحف، ونقلها ثقة٤.
стр. 38
الشرط الثالث: موافقة خط المصحف
هذا الشرط يكاد يجمع عليه القراء؛ لأنهم يرون أن مصاحف عثمان تمت بإجماع الصحابة الذين قرروا إحراق ما عداها، ومن هنا كان الأخذ بأي قراءة مخالفة يعني مخالفة هذا الإجماع.
نقل مكي عن إسماعيل القاضي١ قوله: فإذا اختار الإنسان أن يقرأ ببعض القراءات التي رويت مما يخالف خط المصحف صار إلى أن يأخذ القراءة برواية واحد عن واحد، وترك ما تلقته الجماعة عن الجماعة، والذين هم حجة على الناس كلهم"٢.
ويعني بترك ما تلقته الجماعة مخالفة رسم المصحف.
ثم ينتهي مكي إلى رأي استخلصه من كلام إسماعيل حول القراءات المخالفة لرسم المصحف فيقول: فهذا كله من قول إسماعيل يدل على أن القراءات التي وافقت خط المصحف هي من السبعة الأحرف كما ذكرنا، وما خالف خط المصحف أيضًا هو من السبعة إذا صحت روايته ووجهه في العربية، ولم يضاد معنى خط المصحف، لكن لا يقرأ به؛ إذ لا يأتي إلا بخبر الآحاد"٣.
فالمخالفة لرسم المصحف، وإن كانت الرواية صحيحة. تعني أنها فقدت التواتر، وأنها ليست بقرآن فلا يقرأ بها
стр. 39
القراءات من حيث السند:
استبان لنا مما سبق أن التواتر شرط في قبول القراءة؛ لأن القراءة المقبولة الصحيحة قرآن، ولايثبت القرآن إلا بالتواتر وقد قسم العلماء القراءات ثلاثة أقسام:
قسم متفق على تواتره، ولا خلاف عليه بين العلماء، وهو قراءات الأئمة السبعة.
وقسم مختلف فيه، والصحيح المشهور أنه متواتر، وهو قراءات الأئمة الثلاثة: أبو جعفر، ويعقوب، وخلف العاشر.
وقسم متفق على شذوذه، وهو ما زاد على العشرة١.
قال القرطبي: وقد أجمع المسلمون في جميع الأمصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة فيها رووه، ورأوه من القراءات -يعني الأئمة العشرة- وكتبوا في ذلك مصنفات، واستمر الإجماع على الصواب، وحصل ما وعد الله به من حفظ الكتاب، وعلى هذا الأئمة المتقدمون، والفضلاء المحققون كابن جرير الطبري، والقاضي أبي بكر بن الطيب وغيرهما"٢.
ويذكر علامة القراءات ابن الجزري فتوى وجهت إلى الإمام المحقق عبد الوهاب بن السبكي الشافعي.
وهذا هو السؤال: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين في القراءات العشر التي يقرأ بها اليوم، هل هي متواترة أو غير متواترة؟ وهل كل ما انفرد به واحد من العشرة بحرف من الحروف متواتر أم لا؟ وإذا كانت متواترة، فما يجب على من جحدها أو حرف منها؟
стр. 40
يقول ابن الجزري -وهو الذي وجه السؤال للسبكي- فأجابني، ومن خطه نقلت: الحمد لله، القراءات السبع التي اقتصر عليها الشاطبي، والثلاث التي هي قراءة أبي جعفر، وقراءة يعقوب، وقراءة خلف متواترة معلومة من الدين بالضرورة، وكل حرف انفرد به واحد من العشرة معلوم من الدين بالضرورة أنه منزل على رسول الله ﷺ لا يكابر في ذلك إلا جاهل، وليس تواتر شيء منها مقصورًا على من قرأ بالروايات بل هي متواترة عند كل مسلم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ولو كان مع ذلك عاميًّا جلفًا، لا يحفظ من القرآن حرفًا، ولهذا تقرير طويل وبرهان عريض لا يسع هذه الورقة شرحه، وحظ كل مسلم وحقه أن يدين الله تعالى، ويجزم نفسه بأن ما ذكرناه متواتر، معلوم باليقين، لا يتطرق الظنون ولا الارتياب إلى شيء منه، والله أعلم. كتبه عبد الوهاب بن السبكي الشافعي١.