هو من السبعة إذا صحت روايته ووجهه في العربية، ولم يضاد معنى خط المصحف، لكن لا يقرأ به، إذ لا يأتي إلا بخبر الآحاد ولا يثبت قرآن بخبر الآحاد، وإذ هو مخالف للمصحف المجمع عليه، فهذا الذي نقول به ونعتقده، وقد بيناه كله١.
تشير هذه العبارة بوضوح إلى وجهة مكي في هذه الناحية، وأنه لا يعتد بالقراءة إلا بسند متواتر.
وبناء على هذا فإن عبارته التي تقول: القراءة الصحيحة ما صح سندها إلى النبي ﷺ وساغ وجهها في العربية، ووافقت خط المصحف"٢ لا تعني أنه لا يقول بشرط التواتر.
وأما ابن الجزري:
فنسب إليه أنه لا يقول بناء على نظمه في الطيبة؛ وعبارته وإن لم نشر للتواتر لكنها لم تنص على أنه غير شرط، وظروف الناظم تختلف عن ظروف الذي يدون العلم نثرًا، حيث يتحرى العبارة الدقيقة بعيدًا عن قيود النظم والقافية. على أن عبارته في كتابه منجد المقرئين ترفع الإيهام والاتهام، إذا اشترط التواتر في قبول القراءة الصحيحة٣.
стр. 37
الشرط الثاني: موافقة العربية
أن يكون للقراءة وجه شائع في العربية.
بمعنى أن توافق وجها مشهورًا، ومعتدًا به، مما قاله النحاة سواء أكان هو الوجه الأصح أم الصحيح؛ لأن القراءة متى ثبتت بالسند المتواتر وموافقه رسم المصحف فلا ينبغي أن ترد، بل تصبح هي حجة على قواعد النحو لا أن تكون قواعد النحو حجة عليها. وقد أحسن الكوفيون باحتجاجهم بقراءات حمزة "وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ" بجر الأرحام على أنه يجوز العطف على المجرور دون إعادة الجار، والبصريون المعارضون لهذا يقولون: إن الأرحام جرت على القسم تعظيمًا لها، وحثًا على صلتها١.
فالقراءة سنة متبعة٢، كما روي عن زيد بن ثابت.
وقد فسر البيهقي هذه العبارة بقوله: أراد -أي زيد بن ثابت- أن اتباع من قبلنا في الحروف سنة متبعة، لا يجوز مخالفة خط المصحف الذي هو إمام، ولا مخالفة القراءات التي هي مشهورة وإن كان غير ذلك سائغًا في اللغة"٣.
وقال أبو عمرو الداني: وأئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت من الأثر، والأصح في النقل، وإذا ثبت الرواية لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة؛ لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها".
وبرغم ما أكده القراء مما يفيد أن شرط الموافقة لوجه في العربية أي وجه هو لمجرد الاستئناس ومزيد من الاستيثاق ولا ترد القراءة؛ لأجله فإننا نرى مكيًّا يخالف هؤلاء في أمرين:
أولهما: اشتراطه موافقة القراءة لوجه شائعٍ في العربية.
والآخر: أنه يرد القراءة التي لا توافق وجهًا في العربية، وإن وافقت خط المصحف، ونقلها ثقة٤.
стр. 38
الشرط الثالث: موافقة خط المصحف
هذا الشرط يكاد يجمع عليه القراء؛ لأنهم يرون أن مصاحف عثمان تمت بإجماع الصحابة الذين قرروا إحراق ما عداها، ومن هنا كان الأخذ بأي قراءة مخالفة يعني مخالفة هذا الإجماع.
نقل مكي عن إسماعيل القاضي١ قوله: فإذا اختار الإنسان أن يقرأ ببعض القراءات التي رويت مما يخالف خط المصحف صار إلى أن يأخذ القراءة برواية واحد عن واحد، وترك ما تلقته الجماعة عن الجماعة، والذين هم حجة على الناس كلهم"٢.
ويعني بترك ما تلقته الجماعة مخالفة رسم المصحف.
ثم ينتهي مكي إلى رأي استخلصه من كلام إسماعيل حول القراءات المخالفة لرسم المصحف فيقول: فهذا كله من قول إسماعيل يدل على أن القراءات التي وافقت خط المصحف هي من السبعة الأحرف كما ذكرنا، وما خالف خط المصحف أيضًا هو من السبعة إذا صحت روايته ووجهه في العربية، ولم يضاد معنى خط المصحف، لكن لا يقرأ به؛ إذ لا يأتي إلا بخبر الآحاد"٣.
فالمخالفة لرسم المصحف، وإن كانت الرواية صحيحة. تعني أنها فقدت التواتر، وأنها ليست بقرآن فلا يقرأ بها
стр. 39
القراءات من حيث السند:
استبان لنا مما سبق أن التواتر شرط في قبول القراءة؛ لأن القراءة المقبولة الصحيحة قرآن، ولايثبت القرآن إلا بالتواتر وقد قسم العلماء القراءات ثلاثة أقسام:
قسم متفق على تواتره، ولا خلاف عليه بين العلماء، وهو قراءات الأئمة السبعة.
وقسم مختلف فيه، والصحيح المشهور أنه متواتر، وهو قراءات الأئمة الثلاثة: أبو جعفر، ويعقوب، وخلف العاشر.
وقسم متفق على شذوذه، وهو ما زاد على العشرة١.
قال القرطبي: وقد أجمع المسلمون في جميع الأمصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة فيها رووه، ورأوه من القراءات -يعني الأئمة العشرة- وكتبوا في ذلك مصنفات، واستمر الإجماع على الصواب، وحصل ما وعد الله به من حفظ الكتاب، وعلى هذا الأئمة المتقدمون، والفضلاء المحققون كابن جرير الطبري، والقاضي أبي بكر بن الطيب وغيرهما"٢.
ويذكر علامة القراءات ابن الجزري فتوى وجهت إلى الإمام المحقق عبد الوهاب بن السبكي الشافعي.
وهذا هو السؤال: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين في القراءات العشر التي يقرأ بها اليوم، هل هي متواترة أو غير متواترة؟ وهل كل ما انفرد به واحد من العشرة بحرف من الحروف متواتر أم لا؟ وإذا كانت متواترة، فما يجب على من جحدها أو حرف منها؟
стр. 40
يقول ابن الجزري -وهو الذي وجه السؤال للسبكي- فأجابني، ومن خطه نقلت: الحمد لله، القراءات السبع التي اقتصر عليها الشاطبي، والثلاث التي هي قراءة أبي جعفر، وقراءة يعقوب، وقراءة خلف متواترة معلومة من الدين بالضرورة، وكل حرف انفرد به واحد من العشرة معلوم من الدين بالضرورة أنه منزل على رسول الله ﷺ لا يكابر في ذلك إلا جاهل، وليس تواتر شيء منها مقصورًا على من قرأ بالروايات بل هي متواترة عند كل مسلم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ولو كان مع ذلك عاميًّا جلفًا، لا يحفظ من القرآن حرفًا، ولهذا تقرير طويل وبرهان عريض لا يسع هذه الورقة شرحه، وحظ كل مسلم وحقه أن يدين الله تعالى، ويجزم نفسه بأن ما ذكرناه متواتر، معلوم باليقين، لا يتطرق الظنون ولا الارتياب إلى شيء منه، والله أعلم. كتبه عبد الوهاب بن السبكي الشافعي١.
стр. 41
الاختيار في القراءات:
إسناد كل حرف من حروف القراءة إلى صاحبه من الصحابة فمن بعدهم يعني أنه كان أضبط لهذا الحرف، وأكثر قراءة وإقراء به، وملازمة له وميلًا إليه.
وإضافة الحروف والقراءات إلى أئمة القراء ورواتهم تعني أن ذلك القارئ الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة حسبما قرأ به، فصح عنده، وآثره على غيره، وداوم عليه، ولزمه حتى اشتهر وعرف به، وأخذ عنه، وأضيف إليه دون غيره من القراء.
فإضافة القراءة لقارئ من القراء السبعة أو العشرة، أو غيرهم
стр. 42
أساسها: الاختيار والدوام، واللزوم، ولم يكن مرجعها اختراع القارئ أو رأيه واجتهاده١.
فمنهج الاختيار في تاريخ القراءات نشأ عنه ما عرف بالقراءات السبع أو العشر.
ومن هنا اختيار كل قارئ الحرف الذي لزمه، فنسب إليه، وصار فيما بعد إمامًا في قراءته له.
واختار ابن مجاهد القراءات السبع للقراء السبعة، وارتضى الأكثرون اختياره، وإن عارضه بعضهم.
وشاعت كلمة الاختيار في تصانيف المقرئين:
يقول ابن الباذش في كلامه عن نافع: إمام أهل المدينة والذي صاروا إلى قراءته، ورجعوا إلى اختياره٢.
ويقول شعبة عن أبي عمرو بن العلاء: انظر ما يقرأ أبو عمرو، مما يختار لنفسه فإنه سيصير للناس إسنادًا٣.
ونقل ابن الجزري عن الإمام البغوي المحدث، المفسر قوله: واتفقت كلمة الأمة على اختيارهم ثم عقب بقوله: "وقد ذكرت في هذا الكتاب قراءات من اشتهر منهم بالقراءة واختياراتهم"٤.
стр. 43
القراءات الشاذة
مدخل
...
القراءات الشاذة:
على ضوء ما عرفنا من أركان القراءة المقبولة، والأقسام التي عرضها مكي للقراءات في كتابه الإبانة يستبين لنا أن القراءة الشاذة هي التي فقدت الأركان الثلاثة أو واحدًا منها، بأن فقدت شرط التواتر، أو خالفت رسم المصحف تمامًا، أو خالفت وجوه اللغة العربية، وحينئذ لا يقرأ بها، ولا تسمى قرآنًا١.
وبناء على هذا نرى للقراءات الشاذة صورًا ثلاثًا:
١- نقلها غير ثقة مع الموافقة لرسم المصحف، وللسان العربي.
كقراءة ابن السميفع وأبي السمال: "فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن حلفك آية" قرئت بالحاء المهملة، وفتح اللام في خَلَفك٢.
وكالقراءة المنسوبة إلى أبي حنيفة ﵁، ورددها أكثر المفسرين على أنها له، وتكلفوا تأويلها وهو بريء منها "إنما يخشى الله من عباده العلماء" برفع لفظ الجلالة، ونصب العلماء٣.
٢- قراءة نقلها ثقة، ولا وجه لها في العربية.
يقول ابن الجزري: ولا يصدر مثل هذا إلا على وجه السهو والغلط وعدم الضبط، ويعرفه الأئمة المحققون، والحفاظ الضابطون، وهو قليل جدًّا بل لا يكاد يوجد، وقد جعل بعضهم منه رواية خارجة عن نافع "وجعلنا لكم فيها معائش" بالهمز٤.
ويقول مكي في هذا النوع: فهذا لا يقبل وإن وافق خط المصحف٥.
стр. 44
٣- صح نقله في الآحاد، وله وجه في العربية وخالف رسم المصحف. وقد قدمنا فيما سبق تفصيلات لهذا النوع.
ومن أمثلتها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ قرأ سعد بن أبي وقاص: "وله أخ أو أخت من أمه" بزيادة: "من أمه"١.
وقراءة ابن مسعود "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"، بزيادة لفظ "متتابعات"٢.
وقراءة ابن شنبوذ "يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا" بزيادة لفظ "صالحة"٣.
قرأ ابن مسعود "فامضوا إلى ذكر الله" بدلًا من "فاسعوا"٤.
قرأ ابن مسعود وأبو الدرداء "والذكر والأثنى" بحذف لفظ "ما خلق"٥.
وأضاف ابن الجوزي صورة رابعة مردودة وشاذة.
وهي ما وافق العربية والرسم، ولم ينقل ألبتة، ثم يقول تعليقًا على ذلك: "فهذا رده أحق، ومنعه أشد، ومرتكبه مرتكب لعظيم الكبائر"٦ وقد أجاز ذلك ابن مقسم البغدادي المقرئ النحوي بعد المائة الثالثة، وعقد له مجلس من القراء والفقهاء ببغداد وأجمعوا على منعه فتاب عن بدعته ورجع، وقد وردت هذه القصة في تاريخ بغداد للحافظ أبي بكر بن الخطيب، وأشار إليها ابن الجزري في الطبقات، وفي النشر٧.
стр. 45
متى بدأ الحكم بالشذوذ
...
متى بدأ الحكم على بعض القراءات بالشذوذ؟:
بدأ الحكم على بعض القراءات بالشذوذ بعد أن عرفت الضوابط التي تقاس بها القراءات الصحيحة ويمكن أن تحدد ذلك بظهور المصاحف العثمانية، وتوزيعها على الأمصار الإسلامية، والأمر بإحراق ما عداها، ومن هنا ساغ الحكم بالشذوذ على كل ما خالف رسم المصحف باعتباره مخالفًا لإجماع خيار الأمة وهم الصحابة، واتسعت دائرة الحكم بالشذوذ بعد أن وضعت قواعد النحو والتصريف منذ النصف الثاني من القرن الأول.
وقيل هذه الفترة كانت القراءات الشاذة موجودة لكن لم يطلق عليها هذا الاصطلاح بعد ومن التكلف البالغ القول بأن بعض الصحابة لم يحرقوا مصاحفهم واحتفظوا بها، أو أن الخليفة عثمان ﵁ في أول الفتنة أجاز القراءة بالحروف المخالفة لمصحفه اعتمادًا على ما جاء في كتاب المصاحف للسجستاني، وهو كتاب مرتاب فيه احتفى به المستشرقون وحدهم، وذلك من أجل أن نصل إلى القول بأن القراءات الشاذة، عرفت من بعد العرضة الأخيرة١.
وهذه النتيجة كما نرى متكلفة، ومقدماتها بعيدة عن الصواب، فما كان لبعض الصحابة وهم من الخيار أن يخفو مصاحفهم عن عثمان،
стр. 46
وما كان لعثمان أن يفتح بابًا تحمس من أول الأمر لإغلاقه، وهو الذي لا يخشى في الله لومة لائم. وإذا كان عثمان ﵁ أجاز القراءة بالحروف التي تخالف مصحفه فلماذا -إذن- يخفي بعض الصحابة مصاحفهم.
إن التناقض في هذا الرأي واضح والحق أحق أن يتبع.
يقول مكي بعد أن نقل قراءة ابن الزبير في سورة الفاتحة "صراط من أنعمت عليهم": وإنما قرئ بهذه الحروف التي تخالف المصحف قبل جمع عثمان ﵁ الناس على المصحف. فبقي ذلك محفوظًا في النقل غير معمول به عند الأكثر لمخالفته للخط المجمع عليه"١ معنى هذا أن المصاحف العثمانية كانت الفصل بين الشاذ وغيره من القراءات.
стр. 47
رواة القراءة الشاذة، والباحثون فيها:
توفر كثير من العلماء على تتبع القراءات الشاذة، ومعرفة وجوهها، وأسانيدها، والتعرف على أسباب شذوذها، وأول من عرف عنه هذا الاتجاه من علمائنا الأعلام -فيما نعلم- هارون بن موسى، أبو عبد الله الأعور، العتكي، البصري، الأزدي، وهو رجل صدوق، له قراءة معروفة تنسب إليه، روى عن عاصم الجحدري، وعبد الله بن كثير، وأبي عمرو بن العلاء وغيرهم. توفي سنة ١٩٨هـ١.
ومن العلماء الذين كتبوا في الشواذ.
ابن خالويه في كتابه "المختصر في شواذ القراءات".
стр. 48
وابن جني في كتابه "المحتسب في وجوه شواذ القراءات".
والدمياطي في كتابه: "إتخاف فضلاء البشر".
كما نرى في كتب التفسير روايات كثيرة ومتنوعة للقراءات الشاذة مثل الطبري، والكشاف والبحر المحيط لأبي حيان.
رواة القراءات الأربع بعد العشر.
١- الحسن البصري، مولى الأنصار أحد كبار التابعين، عرف بالزهد والورع توفي سنة ١١٠هـ.
٢- محمد بن عبد الرحمن، المعروف بابن محيصن، كان شيخًا لأبي عمرو بن العلاء توفي سنة ١٢٣هـ.
٣- يحيى بن المبارك اليزيدي النحوي، بغدادي، أخذ عن أبي عمرو، وحمزة، وكان شيخًا للدوري والسوسي، وتوفي سنة ٢٠٢هـ.
٤- سليمان بن مهران الأسدي بالولاء، والمعروف بالأعمش، وهو من التابعين توفي سنة ١٤٨هـ١.
ومن رواة القراءات الشاذة من الصحابة.
١- عبد الله بن مسعود، الصحابي الجليل، وأحد السابقين للإسلام توفي سنة ٣٢هـ.
٢- مسروق بن الأجدع بن مالك، أبو همام الهمداني الكوفي توفي سنة ٦٢ هـ.
٣- عبد الله بن الزبير بن العوام، القرشي الأسدي توفي سنة ٧٣هـ٢.
стр. 49
ومن التابعين.
١- نصر بن عاصم الليثي، نحوي، بصري من كبار التابعين، روى عن أبي الأسود الدؤلي وروى عنه عمرو بن العلاء البصري توفي سنة ٩٩هـ.
٢- مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المكي، أحد التابعين والأئمة المفسرين توفي سنة ١٠٣هـ.
٣- أبان بن عثمان بن عفان الأموي، أبو عبد الله المدني، أخذ القراءات عن أبيه وعن زيد بن ثابت توفي سنة ١٠٥هـ.
٤- الضحاك بن مزاحم، أبو القاسم من خيرة التابعين، رويت عنه حروف كثيرة توفي سنة ١٠٥هـ.
٥- محمد بن سيرين، أبو بكر بن أبي عمرة البصري، تابعي، روى عن زيد بن ثابت توفي سنة ١١٠هـ.
٦- قتادة بن دعامة -أبو الخطاب السدوسي، البصري، إمام في القراءة والتفسير توفي سنة ١١٧هـ.
٧- إبراهيم بن أبي عبلة، تابعي أخذ القراءة عن الزهري وأنس بن مالك، توفي سنة ١٥١هـ١.
٨- سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الكوفي، أخذ القراءة عن حمزة، توفي سنة "١٦١"٢.
ومما ينبغي أن نتنبه له أن هؤلاء الكرام من الصحابة والتابعين ممن رووا القراءات الشاذة بعامة، أو الأربع الزائدة على العشر لم تكن روايتهم مقصورة على الشواذ، وإنما رويت عنهم الصحاح كما رويت الشواذ، ومن الأئمة العشرة من رووا الشواذ أيضًا، وهذا يدل على مدى عناية هؤلاء الأعلام بتوافر شروط القراءة الصحيحة.
بقي في بحث القراءات الشاذة مسألتان:
أولاهما: هل تجوز قراءة القرآن بالروايات الشاذة؟
الأخرى: هل يصح الاحتجاج بها في الأحكام الشرعية أو اللغوية؟
стр. 50
القراءة في الصلاة بالشاذة:
أجاز القراءة بالشاذ بعض العلماء، وهو أحد القولين لأصحاب أبي حنيفة والشافعي، وإحدى الروايتين عن مالك وأحمد، وذلك لأمرين:
أولهما: أن الصحابة والتابعين كانوا يقرءون بهذه الحروف في الصلاة.
والآخر: لو لم تجز القراءة بالشاذ يكون عالم من الصحابة وأتباعهم قد ارتكبوا محرمًا بقراءتهم بالشاذ، فيسقط الاحتجاج بخبر من يرتكب المحرم دائمًا، وهو نقلة الشريعة الإسلامية، فيسقط ما نقلوه -بناء على رأي المانعين- نظام الإسلام والعياذ بالله١.
واتجه أكثر العلماء إلى منع القراءة في الصلاة بالشاذة.
وحجتهم أن هذه القراءات لم تثبت متواترة عن النبي ﷺ وإن ثبتت بالنقل فهي منسوخة بإجماع الصحابة على المصحف العثماني، أو أنها لم تنقل إلينا نقلًا يثبت بمثله القرآن، أو أنها لم تكن من الأحرف السبعة٢.
стр. 51
قال الإمام النووي: لا تجوز القراءة في الصلاة ولا في غيرها بالقراءة الشاذة؛ لأنها ليست قرآنًا؛ لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، والقراءة الشاذة ليست متواترة، ومن قال غيره فغالط أو جاهل، فلو خالف وقرأ بالشاذ أنكر عليه قراءته في الصلاة وغيرها، وقد اتفق فقهاء بغداد على استبانة من قرأ بالشواذ، ولا يصلي خلف من يقرأ بها".
كما ذكر النووي ما حكاه الإمام أبو عمر بن عبد البر من إجماع المسلمين على أنه لا يجوز القراءة بالشاذ، وأنه لا يجوز أن يصلي خلف من يقرأ بها١.
وهذا الإجماع يتناقض مع ما قرره ابن الجزري في كتابه النشر من خلاف في هذه المسألة بين الفقهاء.
стр. 52
الاستشهاد بالقراءة الشاذة:
يرى جمهور العلماء جواز العمل بالقراءات الشاذة، واستنباط الأحكام الشرعية منها.
وحجتهم أنها -على أقل تقدير- في منزلة خبر الآحاد، التي لا يختلف العلماء في الاحتجاج بها في الأحكام الشرعية وقد احتج العلماء بها في أحكام كثيرة منها:
أ- قطع يمين السارق مستدلين بقراءة ابن مسعود: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما"١.
ب- احتج الحنفية على وجوب التتابع في صوم كفارة اليمين بقراءة ابن مسعود أيضًا "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"٢.
стр. 53
كما أن القراءات الشاذة تهدف إلى تفسير القراءة المشهورة، وتبيين معانيها على نحو ما في القراءتين السابقتين، ومثل قراءة حفصة وعائشة "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى١ صلاة العصر".
يقول أبو عبيد في فضائل القرآن: فهذه الحروف وما شاكلها قد صارت مفسرة للقرآن، وقد كان يروي مثل هذا التفسير عن التابعين فيستحسن، فكيف إذا روى عن كبار الصحابة، ثم صار في نفس القراءة، فهو أكثر من التفسير وأقوى، فأدنى ما يستنبط من هذه الحروف معرفة صحة التأويل"٢.
وخالف في الاستدلال بهذه القراءة الإمام الشافعي في بعض النقول عنه، وتبعه أبو نصر القشيري، وابن الحاجب مستدلين على ذلك بأن القراءة شاذة لم تثبت قرآنيتها، وتبعهم جمهور الشافعية وغيرهم لثبوت نسخ هذه القراءة عندهم.
والذين أجازوا الاستشهاد يقولون: لا يلزم من انتفاء قرآنيتها انتفاء عموم كونها أخبار أي أنها تأخذ حكم العمل بخبر الواحد، وخبر الواحد يعمل به٣.
стр. 54
الاستشهاد بالقراءات الشاذة في قضايا اللغة والنحو:
يجوز الاستشهاد بالقراءات الشاذة في قضايا النحو واللغة.
فإذا كان سبب شذوذها أنها آحاد غير متواترة فلم أر من توقف عن الاستشهاد بها لا سيما وأنها تسير في رحاب القواعد التي وصفها النحويون.
وكذلك إذا كان سبب شذوذها المخالفة لرسم المصحف.
وكتب النحو حافلة بعشرات القراءات الشاذة يستشهدون بها على قضايا١ نحوية.
وهم على حق فيما فعلوا؛ لأنها أوثق من أبيات الشعر مجهولة القائل، بل أوثق ممن عرف قائلها؛ لأنها من ناحية الرواية وإن كانت أحادًا إلا أن رواتها أكثر ثقة.
أما إذا كانت القراءة الشاذة تخالف المشهور من قواعد العربية فإن كثيرًا من النحويين لا يأخذون بها بل رأينا من النحاة -وبخاصة من البصريين- من يتوقف أمام بعض القراءات السبع أو العشر بحجة المخالفة لقواعدهم، فيحملونها على ما يوافق القواعد بضرب من التأول.
والرأي عندي أنها مع هذا يصح الاحتجاج بها على وجه من وجوه العربية، والتماس الدليل منها، وجمهرة العلماء قديمًا وحديثًا على ذلك٢.
стр. 55
الفصل الثالث: القراء
القراء من الصحابة
...
القراء من الصحابة:
منذ نزلت آيات الكتاب الكريم أول ما نزلت في الليلة المباركة التي يفرق فيها كل أمر حكيم تستنبت بذور العقيدة الصحيحة في القلوب المؤمنة، كما تحيي القيم الراشدة في سلوكهم ومجتمعهم كانت تلاوة هذه الآيات هدفًا إسلاميًّا، وعبادة تسمو بصاحبها إلى منزلة الرضوان من رب العالمين.
يقول جل شأنه في أمره الكريم لنبيه المصطفى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ١.
فكما أمر النبي ﵊ بعبادة رب البيت أمر بتلاوة القرآن الكريم لينشر أشعة الهداية تبدد ظلمات القلوب الضالة. فكان النبي ﷺ بذلك إمام القراء وقدوتهم وتبعه الجماهير من صحابته الكرام والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
عن النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله -صلى
стр. 56
الله عليه وسلم: "أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن" ١.
وعن عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني سألت سفيان الثوري عن الرجل يغزو أحب إليك أو يقرئ القرآن؟ فقال: يقرئ القرآن؛ لأن النبي ﷺ قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" ٢.
أشهر الحفاظ من الصحابة:
تلقى الصحابة الأبرار القرآن عن رسول الله ﷺ بحروفه المتعددة، منهم من حفظه كله ومنهم من حفظ بعضه، ثم تفرقوا -بحكم الفتوح الإسلامية، ومتطلبات الدعوة- في قبائل الجزيرة، والأمصار الإسلامية فيما بعد.
روى البخاري عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك، من جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ فقال: أربعة، كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قلت: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي.
كما وردت الأحاديث بحفظ كثير من الصحابة للقرآن مثل أبي بكر، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وأبي أيوب الأنصاري٣.
وهؤلاء هم أشهر من عرفوا بالإقراء من الصحابة:
١- عثمان بن عفان ﵁ ثالث الخلفاء الراشدين، وأحد السابقين، إلى الإسلام وذو النورين، وقد تتلمذ عليه كثيرون، منهم: المغيرة بن أبي شهاب المخزومي المتوفى سنة ٩١هـ.
стр. 57
القراء من التابعين وتابعيهم:
توزع القراء من التابعين في الأمصار الإسلامية، وقرأ عليهم كثيرون، وتتابعت سلاسل الإقراء، وتخرج على أيديهم أئمة من القراءة كانوا مرجعًا للناس في العصور المختلفة وسأشير هنا إلى بعض التابعين في الأمصار الإسلامية.
ثم نتحدث بتفصيل عن أئمة القراء.
١- في المدينة:
اشتهر في المدينة سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وسليمان وعطاء ابنا يسار، ومعاذ بن الحارث، المعروف بمعاذ القارئ، وزيد بن أسلم، وابن شهاب الزهري، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، ومسلم بن جندب.
٢- في مكة:
عبيد بن عمير، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعكرمة، وابن أبي مليكة.
стр. 58
٣- في الكوفة:
علقمة بن قيس النخعي، ويحيى بن وثاب، وعاصم بن أبي النجود، وسليمان الأعمش، وحمزة، والكسائي كما كان فيها سعيد بن جبير، وعمر بن شرحبيل، وعمرو بن ميمون، والحارث بن قيس.
٤- في البصرة:
عامر بن عبد القيس، وأبو العالية، ونصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، وجابر بن الحسن، وابن سيرين، كما كان فيها عبد الله بن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر، وأبو عمرو بن العلاء، ثم عاصم الجحدري، ثم يعقوب الحضرمي.
٥- في الشام:
أبو الدرداء، وصاحبه خليد بن سعيد، والمغيرة بن أبي شهاب المخزومي، كما عاش فيه عبد الله بن عامر، وعطية بن قيس الكلابي، وإسماعيل بن عبد الله بن المهاجر، ثم يحيى بن الحارث الذماري، ثم شريح بن يزيد الحضرمي.
راجع في ترجمة هؤلاء القراء.
غاية النهاية لابن الجزري ج١ ص٤٣٩- ص٤٤٠.
النشر لابن الجزري ج١ ص٣٢ ص٥٣.
معرفة القراء الكبار للذهبي ج١ ص٤٩.
مناهل العرفان للزرقاني ج١ ص ٤١٥، ٤١٦.
стр. 59
القراء العشرة ورواتهم
مدخل
...
القراء العشرة ورواتهم:
انتشر القراء في الأمصار الإسلامية مع الفتوح، وامتداد آثار الدعوة في المشارق والمغارب، وتعددت الروايات للحروف التي قرأ بها رسول الله ﷺ ، وكثرت الطرق حتى نسخت المصاحف العثمانية، وتقرر ترك ما خالفها، فضبطت القراءة.
ثم جاءت المرحلة الثانية في طريق الضبط والتقنين ممثلة في عمل ابن مجاهد، وتسبيعه السبعة، ولاقى هذا العمل قبولًا عند جمهرة علماء القراءات.
ثم أضيف الثلاثة إلى السبعة فأصبح أئمة القراءات المتواترة عشرة وهم على هذا الترتيب من حيث وفياتهم، بادئين بالسبعة، ثم بالثلاثة المتممين للعشرة وسنترجم لهؤلاء بتراجم موجزة، ومعهم أشهر رواتهم.
ثم نختم القول في القراء بتراجم للأربعة الشواذ.
القراء السبعة ١:
١- ابن عامر ت ١١٨هـ.
٢- ابن كثير ت ١٢٠هـ.
٣- عاصم ت ١٢٧هـ.
٤- أبو عمرو ت ١٥٤هـ.
٥- حمزة ت ١٥٦هـ.
٦- نافع ت ١٦٩هـ.
٧- الكسائي ت ١٨٩هـ.
стр. 60
الثلاثة المتمون للعشرة:
٨- أبو جعفر ت ١٣٠هـ
٩- يعقوب ت ٢٠٥هـ
١٠- خلف ت ٢٢٩هـ
الأربع الشواذ:
١١- الحسن البصري ت ١١٠هـ
١٢- ابن محيصين ت ١٢٣هـ
١٣- الأعمش ت ١٤٨هـ
١٤- اليزيدي ت ٢٠٢هـ.
стр. 61
١- ابن عامر:
"٨ - ١١٨هـ"
هو عبد الله بن عامر اليحصبي، قاضي دمشق في أيام الوليد بن عبد الملك، وإمام مسجد دمشق وكان الناظر على عمارته حتى فرغ، لا يرى فيه بدعة إلا غيرها، وأتم به الخليفة عمر بن عبد العزيز.
وقد اختلف في كنيته، فكناه مسلم "أبا عمران" وقيل: كنيته أبو نعيم، وقيل: غير ذلك١وليس في القراء في السبعة من العرب إلا هو، وأبو عمرو.
و"يَحْصُب" بالصاد المهملة، وتكسر وتضم ابن دهمان بن مالك، ويرجع في نسبه إلى حمير٢.
ولد سنة ٨ من الهجرة وتوفي سنة ١١٨ هـ في أيام هشام بن عبد
стр. 62
وهو من التابعين، وإمام أهل الشام في القراءة، سمع من أبي الدرداء، وفضالة بن عبيد، وواثلة بن الأسقع، ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم١.
كان إمامًا، ثقة فيما أتاه، عالمًا، متقنًا في حفظه، صادقًا في نقله، يعد من أفاضل المسلمين وخيار التابعين٢.
راوياه:
عرف بالرواية عنه اثنان من أعلام القراء: ابن ذكوان وهشام.
ابن ذكوان ١٧٣- ٢٤٢:
هو عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان، القرشي، الفهري، الدمشقي، ويكنى: أبا عمرو.
ولد يوم عاشوراء عام ١٧٣هـ ومات بدمشق صبيحة الاثنين لسبع خلون من شوال سنة ٢٤٢هـ. عاش سبعًا وستين سنة٣.
وهو الإمام المشهور، والراوي الثقة، وشيخ الإقراء بالشام، وإمام جامع دمشق، أخذ القراءة عن أيوب بن تميم، وانتهت إليه مشيخة الإقراء بعده، كما قرأ على الكسائي حين قدم الشام٤.
قال أبو زرعة الدمشقي وهو من تلاميذه: لم يكن بالعراق، ولا بالحجاز، ولا بالشام، ولا بمصر، ولا بخراسان في زمان ابن ذكوان أقرأ منه٥.
стр. 63
هشام ١٥٣- ٢٤٥:
هو هشام بن عمار، أبو الوليد السلمي الدمشقي، إمام أهل دمشق، وخطيبهم، ومحدثهم، وفقيههم ومقرئهم، وكان ثقة، عدلًا، ضابطًا، فصيحًا، عالمًا، عرف بالرواية والدراية.
أخذ القراءة عرضًا عن أيوب بن تميم، وعراك بن خالد، وسويد بن عبد العزيز.
وروى القراءة عنه أبو عبيد القاسم بن سلام قبل وفاته بنحو أربعين سنة، وأحمد بن يزيد الحلواني، وغيرهم١.
стр. 64
٢- ابن كثير:
"٤٥- ١٢٠هـ":
هو عبد الله بن كثير المكي الداري، والدار بطن من لخم، منهم الصحابي الجليل تميم الداري.
وقيل: إنما هو نسبة إلى "دارين" بالبحرين١ وهي فرضة يجلب إليها المسك والطيب من الهند؛ لأنه كان عطارًا، وهذا هو الصحيح٢.
وهو مولى عم بن علقمة الكناني، وهو من الطبقة الثانية من التابعين، ويكنى أبو معبد وقال الأهوازي٣: يكنى: أبو بكر، وقيل: أبو عباد.
стр. 65
ولد في زمان معاوية سنة ٤٥هـ، وتوفي في أيام هشام بن عبد الملك سنة ١٢٠هـ، وله يومئذ خمسين وسبعون سنة١.
يرى ابن الباذش أن هذا التاريخ لوفاته غير صحيح على أساس أن عبد الله بن إدريس الأودي قرأ عليه مع أن مولده سنة ١١٥هـ، ويرى أن الذي توفي في هذا التاريخ عبد الله بن كثير القرشي، وهو آخر غير القارئ، ثم يرجع هذا الخطأ إلى ابن مجاهد، وخطأه بعض العلماء فيما تصوره من هذا الخطأ٢.
روى عن عدد من الصحابة لقيهم منهم عبد الله بن الزبير، وأبو أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك.
وأخذ القراءة عرضًا على درباس مولى ابن عباس، ونجاهد بن جبر، وعبد الله بن السائب وغيرهم.
وروى القراءة عنه جماعة من الأعلام منهم: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، والخليل بن أحمد، وعيسى بن عمر الثقفي، وأبو عمر بن العلاء، وسفيان بن عيينة.
كان فصيحًا بليغًا، مفوهًا، عليه سكينة ووقار، قال أبو عمرو بن العلاء: "ختمت القرآن على ابن كثير بعدما ختمت على مجاهد، وكان ابن كثير أعلم بالعربية من مجاهد".
وظل الناس مجتمعين على قراءته بمكة حتى مات٣.
стр. 66
٣- عاصم:
"١٢٧هـ"
هو عاصم بن أبي النجود، الضرير الكوفي، ويقال في بعض تراجمه ابن بهدلة، وقيل بهدلة هو أبو النجود، كان مولى بني حذيمة بن مالك من أسد، يكنى أبا بكر، وهو من التابعين.
سمع الحارث بن حسان البكري، الصحابي، كما سمع أبا رمثة رفاعة بن يثربي التميمي صحابي مات بإفريقية وأخذ القراءة عرضًا عن زر بن حبيش، وأبي عبد الرحمن السلمي، وأبي عمرو الشيباني.
وتصدر للإقراء بالكوفة بعد موت السلمي سنة ٧٣هـ.
وروى القراءة عنه إبان بن تغلب، وحفض بن سليمان، وحماد بن زيد، وأبو بكر بن عياش وجماعة، كما روى عنه حروفًا من القرآن أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، وحمزة الزيات.
انتهت إليه مشيخة الإقراء بالكوفة، وكان يجمع بين الفصاحة، والإتقان، والتحرير، والتجويد كما كان أحسن الناس صوتًا بالقرآن.
стр. 67
قال أبو بكر بن عياش، وهو من رواة عاصم: لا أحصي ما سمعت أبا إسحاق السبعي يقول: ما رأيت أحدًا أقرأ للقرآن من عاصم.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن عاصم بن بهدلة، فقال: رجل، صالح، خير ثقة، فسألته: أي القراءة أحب إليك؟ قال: قراءة أهل المدينة، فإن لم تكن فقراءة عاصم، وحديثه مخرج في الكتب الستة.
قال حفص: قال لي عاصم: ما كان من القراءة التي أقرأتك بها فهي القراءة التي قرأت بها على أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب، وما كان من القراءة التي أقرأت بها أبا بكر بن عياش فهي القراءة التي كنت أعرضها على زر بن حبيش عن ابن مسعود.
توفي بالكوفة، وقيل بطريق الشام سنة سبع، وقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة تسع وعشرين ومائة في أيام مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية١.
راوياه:
روى قراءته كثيرون، اشتهر منهم اثنان: حفص وشعبة.
حفص:
هو أبو عمرو حفص بن أبي داود سليمان بن المغيرة، الأسدي الكوفي، وكان يلقب بحفيض، وهو أعلم أصحاب عاصم بقراءته، فقد كان ربيبه، ابن زوجته قرأ عليه مرارًا، وكان الأولون يعدونه في الحفظ
стр. 68
فوق أبي بكر بن عياش.
وكان ثقة في الإقراء، ثبتًا ضابطًا، بقراءته يقرأ أهل المشرق اليوم، قال يحيى بن معين: الرواية الصحيحة التي رويت عن قراءة عاصم هي رواية حفص بن سليمان.
ولد سنة تسعين وتوفي سنة ١٨٠هـ١.
شعبة:
هو أبو بكر بن عياش بن سالم الحناط، الأسدي، الكوفي الكاهلي، كان مولى، واختلف في اسمه على ثلاثة عشر قولًا أصحها: شعبة.
كان إمامًا، علمًا، عالمًا، عاملًا، روى عن عاصم وعرض عليه القرآن ثلاث مرات، وعلى عطاء بن السائب، وأسلم المنقري، وأخذ عنه الحروف آخرون منهم الكسائي وخلاد الصيرفي.
وكان من أئمة السنة، وصاحب الكلمة المشهورة في أبي بكر الصديق: ما فضلكم أبو بكر بكثير صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في صدره.
وهو أول من قال "بواو الثمانية". ذكر الثعلبي ذلك في تفسيره٢.
ولما حضرته الوفاة بكت أخته فقال لها: ما يبكيك؟ انظري إلي تلك الزاوية فقد ختمت فيها القرآن ثماني عشرة ألف ختمة.
كان مولده سنة ٩٤هـ وتوفي بالكوفة في جمادى الأولى سنة ١٩٣هـ، وفي هذا الشهر مات هارون الرشيد بطوس. عاش نحو تسع وتسعين سنة، وقطع الإقراء قبل موته بسنوات٣.
стр. 69
٤- أبو عمرو بن العلاء:
"٦٨- ١٥٤هـ"
هو أبو عمرو بن العلاء بن عمار التميمي، البصري.
اختلف في اسم أبي عمرو اختلافًا كثيرًا، ذكر وجوهها ابن الباذش في الإقناع١ وقال ابن الجزري: وقد اختلف في اسمه على عشرين قولًا، لا ريب أن بعضها تصحيف من بعض، وأكثر الناس من الحفاظ وغيرهم على أنه "زبان" كما ذكرنا، وقال الذهبي: لا أشك في أنه زبان بالزاي.
وقال الجاحظ: أبو عمرو وأبو سفيان ابنا العلاء، أسماؤهما كناهما٢.
ولد بمكة، ونشأ بالبصرة، وتوجه مع أبيه لما هرب من الحجاج فقرأ بمكة والمدينة، كما قرأ بالكوفة والبصرة، وليس في السبعة أكثر شيوخًا منه، سمع أنس بن مالك وغيره، وقرأ على الحسن البصري، وأبي العالية، وسعيد بن جبير، وعاصم بن أبي النجود، وعبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، وابن كثير المكي، وعكرمة مولى ابن عياش، وابن محيصن، ونصر بن عاصم، ويزيد بن القعقاع ويحيى بن يعمر.
стр. 70
روى القراءة عنه عرضًا جماعة كثيرة من مشاهير الأعلام مثل أبي زيد الأنصاري، والأصمعي، وعيسى بن عمر، ويحيى اليزيدي، وسيبويه، وكانت دفاتره ملء بيت إلى السقف.
وأبو عمر من الطبقة الثالثة بعد الصحابة، حكى عنه أنه قال: كنت رأسًا والحسن حي. يعني البصري وقد مر به الحسن، وحلقته متوافرة، والناس عكوف فقال: لا إله إلا الله، كادت العلماء أن يكونوا أربابًا، كل عز لم يؤكد بعم فإلى ذل يؤول".
انتشرت قراءته بين العلماء، ثم أقبل عليها العامة.
وقد صحت فيه فراسة شعبة حين قال: انظروا ما يقرأ أبو عمرو مما يختار لنفسه فإنه سيصير للناس إسنادًا".
ويقول ابن الباذش: وكان أبو عمرو أعلم الناس بالغريب والعربية والقرآن والشعر، وبأيام العرب وأيام الناس، وتتبع حروف القرآن تتبعًا استحق بها الإمامة، وشهد له بها أئمة وقته كأبي بسطام شعبة بن الحجاج.
وقد شهد له ابن الجزري فقال: القراءة التي عليها الناس اليوم -يعني: في عهده حيث كانت المائة التاسعة للهجرة- بالشام والحجاز، واليمن ومصر هي قراءة أبي عمرو، فلا تكاد تجد أحدًا يلقن القرآن إلا على حرفه خاصة من الفرش.
قال الأصمعي: مات أبو عمرو سنة ١٥٤هـ، وقيل: سنة ١٥٧هـ، وقيل: غير ذلك، وكانت وفاته بالكوفة عن ست وثمانين سنة١.
стр. 71
راوياه:
أشهر من روى عنه اثنان: الدوري والسوسي.
الدوري:
هو أبو عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صهبان الأزدي النحوي الضرير، ونسب للدور موضع ببغداد.
كان إمام القراء في زمانه، ثقة، ثبتًا، ضابطًا. قرأ على الكسائي، وأخذ قراءة نافع عن إسماعيل بن جعفر وقراءة يزيد بن القعقاع عن ابن جماز، وقراءة حمزة عن محمد بن سعدان، ولأبي بكر عن عاصم، وعن يحيى اليزيدي قراءة أبي عمرو. وغيرهم، وأخذ القراءة عنه كثيرون، قال أبو داود: رأيت أحمد بن حنبل يكتب عن أبي عمرو الدوري، مات أبو عمر الدوري سنة ٢٤٦هـ١.
السوسي:
وهو أبو شعيب صالح بن زياد بن عبد الله السوسي، نسبة إلى السوس، كورة بالأهواز.
كان محرزًا، ضابطًا مقرئًا ثقة، أخذ القراءة عرضًا وسماعًا، قراءة أبي عمرو عن أبي محمد اليزيدي، وقرأ على حفص قراءة عاصم، وأخذ القراءة عنه جماعة.
توفي بالرقة عام ٢٦١هـ عن نحو سبعين سنة٢.
стр. 72
٥- حمزة:
٨٠- ١٥٦هـ
هو أبو عمارة حمزة بن حبيب الكوفي، الزيات١، مولى بني تميم، وقيل: مولى لبني عجل، وقال ابن دريد: هو من ولد أكثم بن صيفي٢.
إمام الناس في القراءة بعد عاصم والأعمش، مع زهد وعبادة وخشوع، محدث ثقة، سابق في القرآن والفرائض، قيّم بالعربية. قال أبو حنيفة وسفيان الثوري، ويحيى بن آدم: غلب حمزة الناس على القرآن والفرائض٣.
وحمزة من الطبقة الثالثة، وأدرك بعض الصحابة فهو من التابعين.
أخذ القراءة عرضًا عن سليمان الأعمش، وحمدان بن أعين، وأبي إسحاق السبيعي، وجعفر بن محمد الصادق واختار مذهب حمدان الذي يقرأ قراءة ابن مسعود، ولا يخالف مصحف عثمان.
روى عنه القراءة أعلام مشهورون منهم إبراهيم بن أدهم، والحسن الجعفي، وسليم بن عيسى أضبط أصحابه والكسائي، ويحيى بن زياد الفراء، ويحيى بن المبارك اليزيدي وغيرهم، وعرض عليه من نظرائه جماعة منهم سفيان الثوري.
يقول ابن الباذش: ولد سنة ٨٠هـ، وأحكم القراءة وله خمس عشرة سنة، وأم الناس سنة مائة وتوفي بحلوان العراق بموضع يقال له باغ يوسف في خلافة أبي جعفر المنصور، سنة ١٥٦هـ وله ست وسبعون سنة٤.
стр. 73
راوياه:
أشهر من روى عن حمزة اثنان: خلف وخلاد.
خلف:
هو أبو محمد خلف بن هشام بن طالب البزار، الصِّلْحي من أهل فمَ الصِّلح١.
إمام في القراءة، ثبت عند أهل الحديث، حدث عنه أحمد بن حنبل والأئمة، وهو أحد القراء العشرة، وأحد الرواة عن سليم عن حمزة، عرف بالزهد والعلم والعبادة.
أخذ القرآن عن سليم بن عيسى، وعبد الرحمن بن أبي حماد عن حمزة، وأبي زيد الأنصاري عن المفضل الضبي، وروى الحروف عن إسحاق المسَيِّبِيّ ويحيى بن آدم، وسمع من الكسائي، ولم يقرأ عليه القرآن.
وروى القراءة عنه عرضًا وسماعًا: ورّاقة أحمد بن إبراهيم، وأحمد بن يزيد الحلواني.
كان خلف يأخذ بمذهب حمزة إلا أنه خالفه في مائة وعشرين حرفًا في اختياره.
ولد في رجب سنة ١٥٠هـ، وتوفي ببغداد وهو مختف من الجهمية يوم السبت لسبع خلون من جمادي الآخرة سنة ٢٢٩ في خلافة الواثق بالله٢.
стр. 74
خلاد:
هو أبو عيسى خلاد بن خالد، الشيباني بالولاء، الصيرفي، الكوفي، اختلف في اسم أبيه أهو خالد أم عيسى أم خليد.
إمام في القراءة، ثقة، محقق، ضابط، مجود.
أخذ القراءة عن أبي عيسى سليم بن عيسى، الحنفي الكوفي عن حمزة، وسليم من أضبط الناس وأجلهم، كما رواها حسين بن علي الجعفي عن أبي بكر، وعن أبي بكر نفسه عن عاصم.
وروى القراءة عنه عرضًا: أحمد بن يزيد الحلواني، والقاسم الوزان وهو من أنبل أصحابه وآخرون.
توفي بالكوفة سنة ٢٢٠هـ كما قال البخاري١.
стр. 75
٦- نافع:
٧٠- ١٦٩هـ
هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم، مولى جعونة بن شعوب الشِّجْعي، وجَعْوَنة حليف حمزة بن عبد المطلب، وقيل: حليف العباس، وقيل: حليف بني هاشم.
ذكرت له عدة كنى منها أبو رويم، وأبو الحسن، وأبو نعيم. يعد من الطبقة الثالثة بعد الصحابة.
أصله من أصبهان، كما روى الأصمعي حكاية عنه، وكان أسود شديد السواد، صبيح الوجه حسن الخلق، فيه دعابة، إذا تلك يشم من فيه رائحة المسك.
وهو إمام أهل المدينة، صاروا إلى قراءته، ورجعوا إلى اختياره، قاله ابن أبي أويس قال لي مالك: قرأت على نافع.