← Каваид фикха

Каваид фикха · id 8634

الأشباه والنظائر - السبكي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (824 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

هذا موضع لي فيه نظر، والذي يظهر -من كلام أقوال الأول، ووجهه ظاهر والذي ترجح عندي الثاني، قلت أعتقد أن فريضة وجبت بتسبب العبد إليها أفضل من فريضة ابتدأ الشارع طلبها. ولذلك اختلف في أن النذر هل يسلك مسلك واجب الشرع أو جائزه؟ وما ذاك إلا لأن إيجابه يتسبب العبد. ومن هنا نخرج إلى الجواب عن ابتداء السلام فنقول: إنما كان أفضل من الجواب -وإن كان الجواب فرضا- لأن فرضية الجواب نشأت عن ابتداء السلام ولم يكن وجوبها ابتداء. فإن قلت: ما تصنعون فيما أوردتم من الأحاديث الدالة على أن الفرض -أفضل من غير تخصيص بفرض ابتدائي. قلت: أنا أشم من قوله ﷺ فيما يحكيه عن ربه تعالى: "ما تقرب إلى المتقربون بأفضل من أداء ما افترضته عليهم" أن المعنى به ما أنشأت افتراضه، ولذلك قال: افترضته ولم يقل، ما هو فرض عليهم، فإني أجد فرقا بين العبارتين، فليتأمل هذا فإنه موضع احتمال. ولا يخفي أن ارتكاب ما هو يسقط للذمة يخرج عن العهدة أولا، عن أن في وصفه بالأفضلية مع أنه مما لعله مما يكرهه الشارع كالنذر موضع النظر، ثم جدوى هذا النظر قليلة.

стр. 212

خاتمة: ما لا بد منه لا يترك إلا لواجب إذا بان لك أن الفرض أفضل من النفل مطلقا علمت أن الواجب لا يترك إلا لواجب وانتقلت منه إلى قاعدة معزوة إلى أبي العباس بن سريج قيل: إنها متلقاة من كلامه في مسألة الختان، وذكرها الشيخ أبو إسحاق ١ في "المهذب" و"النكت" وإمام

стр. 213

الحرمين، والغزالي، والكيا الهراسي١، والرافعي وغيرهم. أشار إليها الجماعة بعضهم "ما لا بد منه لا يترك إلا بما لا بد منه" في مسألة سجود التلاوة وبعضهم في مسألة الختان، وربما عبر عنها بأن جواز ما لو يشرع لم يجر دليل على وجوبه، وبأن الواجب لا يترك لسنة قال أرباب هذه القاعدة: وقد ظهر تأثير هذا الكلام في مسائل: منها: قطع اليد في السرقة؛ فإنه لو لم يجب لكان حراما، وإلى هذا أشار الرافعي. بقوله: قطع عضو لا يختلف فلا يكون إلا واجبا، كقطع اليد والرجل. ومنها: إقامة الحدود على ذوي الجرائم. ومنها: إنه يجب على المضطر أكل الميتة على الأصح. ومنها: لو كان لا يحسن الفاتحة ولا يحسن إلا آيات فيها سجود التلاوة قال الإمام في "الأساليب" لا نص فيها، قال: ولا يبعد منعه من سجود التلاوة يعني في الصلاة حتى لا يقطع القيام المفروض. انتهى. وهي مسألة غريبة دعا إليها "ما لا بد منه لا يترك إلا بما لا بد منه"، ثم وصلوا بهذا إلى الختان ونظموا قياسا ردوا به على الحنفية - حيث نفوا وجوبه. فقالوا: الختان قطع عضو سليم؛ فلو لم يجب لم يجز، كقطع الأصبع، فإن قطعها إذا كانت سليمة - لا يجوز إلا إذا وجب القصاص. قالوا: وإلى هذا القياس أشار شيخ الأصحاب أبو العباس بن سريج؛ فإنه قال: لم لم يكن الختان واجبا لما كشفت له العورة، لأن كشف العورة محرم فما كشفت من أجله دل على وجوبه. وتبعه الأصحاب على طبقاتهم. وعبارة الرافعي في "الشرح" قطع

стр. 214

عضو يخاف منه؛ فلو لم يجب لم يجز. واقتضى ما ذكروا في منازعته ختان الصبيان؛ فإنه ليس واجبا في الحال وجائز له كشف العورة. ثم أجاب بعضهم بالتزام جواز النظر إلى فرج الصغير. وهو وجه مال النووي في "الروضة" إلى ترجيحه، وكاد الشيخ الإمام ﵀ -في باب ستر العورة يصرح به ونقله عنه الأصحاب: منهم الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ، وغيرهما وإن كان الرافعي جزم بالتحريم، وادعى صاحب "العدة" الاتفاق عليه في كتاب النكاح. وبعضهم قال: يجب على الولي الختان الصبي إذا رآه مصلحة. والحاصل أن الأمر دار عند علمائنا بيع منع تحريم كشف عورة الصبي ومنع وجوب ختانه، والقاعدة سليمة على الأمرين، وكلا المعنيين مقصود منه السعي في سلامتها عن النقض. قلت: وهذا صنيع الأصحاب في مسألة الختان حاولوا صحة هذه القاعدة وحاولت الحنفية فسادها. وفي مسألة سجود التلاوة عكس الفريقان الأمر؛ فحاول الحنفية صحتها؛ حيث [قالوا] ١ سجود التلاوة واجب؛ لأن نظم الصلاة يترك بسببه فدل أنه شيء لا بد منه، قالوا: لأن ما لا بد منه: لا يترك إلا بما لا بد منه، فإما أن الترك بما منه بد -كالسنة- فلا. فقيل لهم: هل أوجبتم الختان؟ فأجابوا بما لا يرضاه، كما هو [مقرر] ٢ في الخلافيات. وعند هذا أقول: القاعدة -بإطلاقها- منقوضة بمسائل. منها: سجود التلاوة كما عرفت. ومنها: سجود السهو؛ فإنه ممنوع لو لم يشرع؛ إذ لا يجوز زيادة سجودين عمدا وهو مع ذلك سنة. ومنها: زيادة ركوع في الخسوفين، وكذا أكثر منه عند تمادي الخسوف، على ما رجحه الشيخ الإمام، خلافا للرافعي والنووي. ومنها: النظر إلى المخطوبة لم يقل بوجوبه إلا داود.

стр. 215

ومنها: الكتابة لا تجب وإن طلبها الرقيق الكسوب -على المذهب- وقد كانت المعاملة قبلها ممنوعة؛ لأن السيد لا يعامل عبده. ومنها: التنحنح في الصلاة إن بان به حرفان بطلت، على ما صححه الرافعي والنووي؛ فلو تعذر الجهر إلا به كان -على وجه- عذرا إقامة لشعائر الجهر فعلى هذا الوجه ترك الواجب -وهو ترك التنحنح- لأجل سنة، وهو الجهر. ومنها: قطع السلعة المخوف بقاؤها جائز غير واجب. ومنها: على الجديد -يجوز أو يستحب للغاسل غسل عانة الميت، قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة١ في كتاب السواك: وذلك لا يتأتى من الغاسل إلا بنظره إلى العورة أو لمسها وكلاهما محرم، قال: فقد بطل بهذا قول أصحابنا لا يترك الواجب إلا للواجب. ومسائل هذا الفصل كثيرة؛ فليقع الاقتصار على ما ذكرناه، وهذه الصور التي ذكرها الشيخ شهاب الدين تقبل من المنازعة ما لا يقبله غيرها؛ فإنا وإن أوجبنا حلق عانة الميت -وليس هو الذي يفتي به- فإنما ذلك لأن ما يحصل من النظر والمس أن فرض أنه لا بد من حصوله قدر يسير بالنسبة إلى إزالة هذا القدر عن الميت. وبهذا الطريق إلى زبدة من الكلام فنقول: لعل الضابط -والله أعلم في تعارض النفل والفرض أن يقال: إن لزم من فعل النفل ترك الفرض بالكلية فلا اكتراث بالنفل، والفرض أفضل مطلقا؛ وإلا فالنفل مقدم في الحقيقة. إنما احتمل ترك فرض في زمن يسير لا يحصل به تمام الغرض منه لنفل حصل تمام الغرض منه؛ ألا ترى إلى جواز نظر الطبيب للعورة مداواة وما ذاك إلا لأن زمن

стр. 216

المداواة يسير وفارطة لا يستدرك؛ فكل ما كان من هذا القبيل لا يمنع فيه تقديم النفل، ولكنا نقول ليس هو في الحقيقة تقديم نافلة لأن الفرض لم يترك بالكلية بل اغتفر منه زمن يسير كأنه اقتطع للمصلحة، ومن ثم نقول على القول بأن الختان سنة فعله أفضل وإن لزم منه كشف العورة لأن زمانه يسير؛ فلو ترك فعله لتركت السنة لا إلى بدل ولو فعل لم يلزم ترك الفرض مطلقا بل في زمن يسير لمصلحة لا يستدرك فارطها إذا لم يفعل وهذا كلام مبين. مباحثة: فإن قلت إذا أقررتم قصور مراتب النوافل عن درجات الفرائض فما قولكم في قوله ﷺ "عمرة في رمضان تعدل حجة ١ معي"؛ فإنه فيما يظهر يشمل عمرة النفل والفرض وإن وقعت من مقيم بمكة وقد جعلت عدل من حج من المدينة في ركاب رسول الله ﷺ فقد رجع النفل فرضا عظيما، ولذلك قال ﷺ : "من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة" ٢، وفي حديث أوس ﵁ أن النبي ﷺ قال "من غسل واغتسل يوم الجمعة وبكر ابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة أجر عمل سنة صيامها وقيامها". معيار نافع: المآخذ المختلف فيها بين الأئمة لا بد في ترجيح بعضها على بعض بالدليل الدال على ذلك ثم بترجيح بعضها قد يسقط الآخر عن درجة الاعتبار كتعليل ولاية الإجبار بالبكارة فإنه عند الشافعي أسقط درجة التعليل بالصغر عن الاعتبار وقد لا يسقط وحينئذ فقد يمكن مجامعته له فينبني الأمر فيه على جواز التعليل بعلتين وقد لا يمكن فلا يمكن فيه ذلك ورب أصل اجتذبه مأخذان بكل منهما شبه فهو كفرع تجاذبه أصلان يلحق بأشبههما.

стр. 217

وسنذكر ذلك في مسائل الأصول؛ غير أنا منبهون هنا على أنه ثم مسائل تردد النظر في مأخذها وأبى بعض المتأخرين أن يطلق الترجيح فيها، وقال: إنه يختلف باختلاف المسائل؛ فمنها قال الرافعي في الخلاف في أن الطلاق الرجعي هل يقطع النكاح أو لا، والتحقيق أنه لا يطلق ترجيح واحد منهما بل يختلف باختلاف الصور وصوبه النووي، وقال نظيره القولان في أن النذر هل يسلك به مسلك واجب الشرع أو جائزه، وأن الإبداء إسقاط أو تمليك، قال: ويختلف الراجح بحسب المسائل لظهور دليل أحد الطرفين في بعضها وعكسه في بعض. قلت: ومن نظائره أيضا الخلاف فيمن نوى الفرض مع مناف كمن يحرم بالظهر قبل الزوال ينقلب نقلا أو تبطل، فيه قولان. قال في الروضة اختلف في الأصح منهما بحسب الصور. فائدة: في عد مسائل أمهات شكك في تصورها منها: قتل تارك الصلاة شكك المزني ﵀ في تصويره، وقد شكك ابن الرفعة اعترض المزني هذا في فسخ المرأة بالإعسار على قولهم إن الفسخ عند انقضاء الثلاث يكون بالعجز عن نفقة اليوم الرابع أو بعد مضي يوم وليلة. ونازع الرافعي في بحث له هناك ذكره في مواضع في باب نفقة الزوجة فليكشف ومنها نص الشافعي ﵁ على أن وطء الزوج الثاني بعد ارتداده أو ارتدادها لا يفيد التحليل، وإن فرض الرجوع إلى الإسلام لاضطراب النكاح واعترض المزني فقال لا تتصور هذه المسألة لأن الزوج الثاني إن كان قد أصابها نبل الردة فقد حصل التحليل للأول؛ وإلا فقد انفسخ النكاح بالردة قبل الدخول ولا عدة فلا معنى للرجوع وأجابه ابن سريج وغيره من أصحابنا بتصور العدة من غير فرض الدخول. إما بالخلوة على القديم وإما بأن يطأ فيما دون الفرج فيسبق الماء إلى الفرج. أو بأن يستدخل ماؤه أو بإتيانها في غير المأتي فتجب العدة بهذه الأسباب ولا يحصل الحل. واعلم أن الرافعي قصر في هذه المسألة فإن قدماء الأصحاب؛ إنما ذكروها في باب المطلقة ثلاثا وهناك نص عليها الشافعي وهذا الباب حذفه صاحب التنبيه والغزالي وغيرهما ممن لم يمش في تصنيفه على ترتيب مختصر المزني. وأدرج الغزالي ومتابعوه مقاصده في باب ما يحرم من النكاح، وأدرج صاحب التنبيه وطائفة من قدمائهم ابن القاص مقاصده في باب الرجعة فلما تبدد على الرافعي لم يستكمل له النظر ولم يرد في

стр. 218

باب ما يحرم من النكاح على الجزم بأن الوطء في ردة أحدهما لا يفيد التحليل وعزاه إلى النص ولفظ النص كما رأيته في المبسوط في باب المطلقة ثلاثا، وكذلك الزوجان يصيبها الزوج ثم يريد أحدهما بعد الإصابة بحلها تلك الإصابة؛ لأنه كان زوجا ولو كانت لأن الإصابة ردة أحدهما أو ردتهما معا لم يحلها، ولو رجع المرتد منهما إلى الإسلام بعد الإصابة بعد كانت والمرأة موقوفة على العدة حرمت في حالتها تلك بكل حال عليه انتهى. والرافعي ذكر اعتراض المزني وأجابه الأصحاب بما ذكرناه ولم تقم الدلالة على أن الردة قبل الدخول تفسخ النكاح، وإن عاد إلى الإسلام ولا ذكر الأصحاب دليلا عليه، وأنه لا عدة فيرتفع النكاح جملة والمسألة تحتاج إلى دليل وهذا في الارتداد قبل الدخول أما بعده فالنص قد علمت ولكن الذي جزم به ابن القاص في تلخيصه وتابعه شارحه القفال أنه إن رجع المرتد إلى الإسلام أباحها الأول ونقله النووي في زيادة الروضة وقد ذكره أيضا القاضي الحسين وإمام الحرمين، وأشار إلى أن من قال أن الوطء بالشبهة تحلل بقول الوطء في الردة تحلل وينحل من كلامهم أن في التحليل بالوطء في النكاح الفاسد خلافا، وفي الوطء بالشبهة خلافا مرتبا عليه وفي الوطء في الردة خلافا مرتبا على الوطء بالردة هذا ما ينحل لي من كلامهم ولم يزد القفال في شرح التلخيص على تصحيح ما قاله ابن القاص من أنه إذا عاد إلى الإسلام حلل، وذكر تشكيك المزني وجواب ابن شريح والأصحاب له، ورأيت صاحب البحر قد ذكر أن القفال قال ومنها فسخ المرأة النكاح بعيب الزوج. قال ابن الرفعة استشكل بعضهم تقريره بأنها إن علمت بالعيب فلا خيار وإلا فالنقاء من العيوب شرط الكفاءة ولا يصح النكاح إذا عدمت الكفاءة [على الأصح] ١ وإذا لم تصح انتفى الخيار قال وهذه غفلة عن قسم آخر وهو ما إذا أذنت له في التزويج من معين أو من غير كفؤ وزوجها الولي بناء على أنه سليم فإذا هو معيب والمذهب صحة النكاح في هذه الصورة كما صرح به الإمام في كتاب الوكالة وباب المرابحة. ومنها: إذا وقع في نار تحرقه لا يمكنه الخلاص منها إلا بماء يغرقه. ومنها: إذا حصل قطع الحلقوم والميء في الذبح بتحريك الذابح سكينة مع إعانة المذبوح على ذلك لاضطرابه وقد قدمناهما في قاعدة الضرر لا يزال بالضرر أول الكتاب وذكرنا ما فيهما.

стр. 219

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم الكلام في القواعد الخاصة: قال مصنفه: سقى الله عهده صوب الرحمة والرضوان: وأنا أرى التسهيل على الطالب بترتيبها على الأبواب، غير أن الحاجة قد تمس إلى تقديم وتأخير؛ فرأينا أفراد كل ربع من أرباع الفقه ثم لا علينا -بعد إفرادها في تقديم بعض قواعده على بعض، وربما ذكرنا في بعض هذه الأرباع بعض القواعد العامة كما أنا ربما قدمنا بعض القواعد الخاصة، ولم يقع واحد من الأمرين إلا لداع إليه، والله أسأل العون والتوفيق الصلاة على نبيه محمد ﷺ . القول في ربع العبادات: كتاب الطهارة إلى الزكاة قاعدة: كل ميتة نجسة ١ إلا السمك والجراد ٢ بالإجماع والآدمي على الأصح ٣ قال الرافعي ٤ والنووي: إلا الجنين الذي يوجد ميتا بعد ذكاة أمه، والصيد

стр. 220

الذي لا تدرك ذكاته فإنهما طاهر إن بلا خلاف١. وقال الشيخ الإمام ﵀ لا حاجة إلى استثنائهما فإنهما مذكيان شرعا وألحق بما سبق البعير الناد والصيد بالضغطة السهم٢. قاعدة: لا يعرف ماء طاهر في إناء نجس. قال الجرجاني في "المعاياة"٣ والروياني في "الفروق" إلا في مسألتين: إحداهما: جلد ميتة طرح فيه ماء كثير ولم يتغير٤. والثانية: إناء فيه ماء قليل ولغ فيه كلب ثم كثر الماء فبلغ قلتين بلا تغيير فالماء طاهر والإناء نجس؛ لأن الإناء إذا نجس أولا بالولوغ ثم كوثر الماء طهر لبلوغه حد الشرع من غير تغيير، والإناء على نجاسته لأنه لم يغسل سبعا ولم يعفر٥. وهذا بخلاف ما لو صادق ولوغه كثرة الماء؛ فإن الولوغ حينئذ لا يؤثر فيبقى الماء والإناء على حالهما. قلت: وهذه هي مسألة ابن الحداد المشهورة التي لا ذكر لها -مع شهرتها في كتب المذهب- لا في الرافعي ولا في "الروضة" وفيها وجوه للأصحاب: قول ابن الحداد هذا وهو أصحها٦. ووجه آخر: أنهما طاهران؛ لأن الماء وصل إلى حالة لو كان عليها في الأول لم يتأثر. ووجه ثالث: إنه إن مس الكلب الماء وحده طهر الإناء، وإن مس نفس الإناء لم يطهر إلا بطهارة الماء.

стр. 221

وقد أطال الشيخ أبو علي -في "شرح الفروع"- الكلام في هذه المسألة وجود فيها، وذكر أن القائل بهذا الوجه شبهه بالدن ينجس بنجاسة الخمر الذي فيه؛ فإذا تخلل طهر الدن تبعا للخمر المتخلل؛ لأن نجاسته كانت به. فأما إذا صب خمر في دن نجس ببول فصار الخمر خلا لم يطهر الخمر ولا الدن. قال الشيخ أبو علي: وهذا غير صحيح؛ لأن المتنجس بالولوغ يجب غسله سبعا ويعفر وإن لم يصادف الولوغ نفس المتنجس به. ولا يشبه الدن؛ لأنه إذا كان نجسا بغير خمر فالخمر لم يطهر بصيرورته خلا، فكيف يستتبع الدن؟ ثم هناك نجاستان. إحدهما: الخمر، وقد يطهر بالاستحالة. والأخرى: غيره، ولا يؤثر الانقلاب. وفي مسألتان النجاسة واحدة وهي نجاسة الكلب سواء أصاب نفس الإناء أم ماء الإناء؛ فلذلك صار حكمه في الحالتين واحدا. قلت: وهذا الوجه يشبه الوجه المفصل في الضبة بين أن تلاقي فم الشارب أو لا. وفي المسألة وجه رابع: أن الإناء إذا ترك فيه ساعة قام مقام الغسلات ويبقى التعفير وحده١. قلت: وصورة ثالثة في مسألة البئر، يتمعظ فيه شعر فأرة إذا ماس الشعر جوانب البئر، وكان الماء كثيرا بينه وبين الشعر، أكثر من قلتين -وليس بين الشعر وجوانب البئر إلا دون القلتين فالكثير- الذي وسط البئر طاهر، والبئر نجس، لتنجسه بنجاسة الماء القليل الملاقي له، بخلاف الكثير البعيد عنه وهذا على قول التباعد. فهذه ثلاث صور. فائدة: قال أبو العباس بن القاص في "كتاب التلخيص" لا يجوز تنكيس الوضوء عمدا إلا في مسألة واحدة: وهي جنب غسل بدنه إلا رجليه ثم أحدث فلو بدأ برجليه

стр. 222

فغسلهما ثم غسل وجهه وذراعيه ومسح برأسه. أجزأه قلته تخريجا. انتهى. وإنما كان كذلك؛ لأن الحدث لما طرأ لم يؤثر في الرجلين، لبقاء الجنابة فيهما؛ فإذا غسلهما ثم غسله عن الجنابة وكان الحدث قائما في باقي أعضائه فإذا غسلها صار متوضئا١. وما ذكره هو الصحيح عند الأكثر، وبنوا [عليها] ٢ أن الموجود فيه وضوء خال عن غسل الرجلين، لا وضوء منكس؛ لأن الرجلين تغسلان عن الجنابة خاصة. والقفال صوب في شرح التلخيص "مقالة ابن القاص، وخرج المسألة على أن المحدث إذا أجنب، والجنب إذا أحدث هل يسقط عن الترتيب في أعضاء الوضوء؟ قال فيه وجهان: قلت: وهي المسألة المشهورة: إذا اجتمع عليه حدثان أصغر وأكبر٣ - والصحيح يكفيه غسل جميع البدن بنية الغسل وحده، ولا ترتيب عليه. والثاني: تجب نية الحدثين إن اقتصر على الغسل. والثالث: يجب وضوء مرتب وغسل جميع البدن. والرابع وضوء مرتب وغسل باقي البدن. وسواء أوقع الحدثان معا أو سبق أحدهما [ولو كان الأكبر على الصحيح] ٤ ونظير قولنا -في هذه المسألة: إن هذا وضوء خال من غسل الرجلين- قولنا في مسألة أخرى: إن لنا وضوءا مشتملا على غسل الرجلين ومع ذلك لا تحسب. وصورته: في لابس الخف إذا مسح ثم غسل رجليه وهما في الخف؛ فإن البغوي ذكر في "فتاويه" أنه لا يصح غسلهما عن الوضوء حتى لو انقضت المدة أو نزع الخف

стр. 223

لزمه إعادة غسلهما؛ لأنه لم يغسل الرجلين غسل اعتقاد الفرض، فإن الفرض قد يسقط بالمسح. قال: ويحتمل خلافه، لأن تارك الرخصة إذا أتى بالأصل لا يقال إنه لم يؤد الفرض. قلت: ولقائل أن يقول -على [الأولى] ١ إن غسل الرجلين لم يقع بعضا للوضوء؛ لأنه لم يصادف الرجلين إلا وقد ارتفع حدثهما. ويمكن أن يقال في هذا الفرع: [إذا] ٢ قلنا بالصحيح -وهو أن السمح رفع الحدث- فغسل الرجلين بعده لا يصح لعدم مصادفته شيئا يرفعه، وليس هو بعض الوضوء لكماله. وإن قلنا، إن المسح لا يرفع؛ فيحتمل أن يقال: يصح، لأنه أتى بالأصل فيبطل حكم المسح، لأن البدل لا يجتمع مع المبدل ولا يقوى عليه. وبكل تقدير لم يوجد غسل الرجلين في وضوء غير محسوب؛ بل غما أنه غير موجود، وهو الاحتمال الأول الأصح، وإما موجود ومحسوب وهو احتمال البغوي الثاني، وقد أخذ الروياني في الفروق "والجرجاني في المعاياة" وغيرهما - مسألة ابن القاص وصدراها بلفظ آخر، نظم لهما مسألة أخرى. فقالا: لا يسقط الترتيب في الوضوء إلا في مسألتين٣. إحداهما: وذكرا مسألة ابن القاص. والثانية: محدث غاص في الماء غوصه ناويا رفع الحدث؛ فإنه يجزئه في الأصح٤ أي وإن لم يمكث زمنا يتأتى في الترتيب.

стр. 224

وهذا ما صححه النووي١. وصحح الرافعي والوالد رحمهما الله أنه لا بد من مضي زمان يتأتى فيه الترتيب وعلى هذا لا تستثنى هذه الصور. قلت: ومسألة ثالثة كالثانية، وهي لو غسل أربعة أنفس أعضاءه دفعة بإذنه؛ فوجهان: أحدهما: يصح وعلى هذا يقع الاستثناء. والأصح: لا يحصل له إلا الوجه. قاعدة: قال ابن القاص في "التلخيص"٢، قبيل كتاب الحيض لا تنقض الطهارة طهرا إلا في مسألة واحدة٣. وهي المستحاضة ومن به سلس البول إذا توضأ لكل صلاة ثم طهر خرج من الصلاة وتوضأ ثم استأنف الصلاة. وقال القفال وغيره: إن جميع أصحابنا قالوا: ليس هذا بنقض طهارة طهرا، والمستحاضة حدثها دائم؛ وإنما جوزنا لها بالصلاة للضرورة، فإذا انقطع الدم أوجبنا عليها الطهارة عن ذاك الحدث الذي لم يبرح. قاعدة: "لا يجب المسح على الخف إلا في مسألة واحدة". وهي ما إذا كان المحدث لابس الخف بالشرائط التي تبيح المسح، ودخل وقت الصلاة، ووجد من الماء ما يكفيه لو مسح ولا يكفيه لو غسل؛ فالذي يظهر -كما قاله ابن الرفعة "في الكفاية" وجوب المسح، لقدرته على الطهارة الكاملة. قال: بخلاف ما لو لم يكن٤ لابسا ولكنه كان على طهارة كاملة وأرهقه الحدث

стр. 225

ومعه من الماء ما يكفيه للمسح -دون الغسل- فإنه لا يجب عليه مسح الخف. على صححه الرافعي والنووي، في آخر الباب الأول من باب التيمم. والفرق واضح؛ فإن ذاك لابس مستمر على حكم الخف، وهذا غير لابس فلا يمكن تكليفه لبس الخف. قلت: ويؤيد الوجوب في اللابس قولهم فيما إذا خالط الماء مائع يوافق في الصفات، وقلنا: يجوز استعمال الجميع وكان معه من الماء ما لا يكفيه وحده ولو كمله بما يستهلك فيه لكفاه، أنه يلزمه ذلك. بل أقول: في هذا دلالة على أن غير اللابس يجب عليه اللبس للمسح كما [اختار] ١ إمام الحرمين. وإذا دل في غير اللابس دل في اللابس بطريق [الأولى] ٢. قاعدة: لا عبرة برؤية المتيمم -المسافر- الماء بعد الفراغ من الصلاة بل تجزيه صلاته إلا في مسألتين. العاصي بسفره والفاقد، في قربة وهو مسافر فالأصح فيهما وجوب الإعادة. قاعدة: فاقد الطهورين٣ يعيد الصلاة إذا قدر على أحدهما٤؛ إلا إذا قدر على التراب في موضع لا يسقط القضاء؛ فإنه لا يعيد إذ لا فائدة فيه. وفيه احتمال للبغوي - ذكره في فتاويه.

стр. 226

قاعدة: إذا انقطع دم الحيض ارتفع تحريم الصوم والطلاق، وكذا عبور المسجد. ففي "زوائد الروضة" أنه يزول -على القول بتحريمه- إلا على وجه شاذ وتبقى سائر المحرمات إلى أن تغتسل. قاعدة: لا تؤخر المستحاضة الاشتغال بأسباب الصلاة بعد الطهارة١؛ فإن أخرت -ودمها يجري- استأنفت إلا فيما إذا كان التأخير لسبب من أسباب الصلاة كستر العورة وانتظار الجماعة٢ فالمذهب أنه لا يجدد ونفي الرافعي الخلاف فيه، ولكن فيه وجه في الحاوي. قاعدة: تكره الصلاة في قارعة الطريق٣. إلا في البراري؛ فالأصح في تحقيق المذهب استثناؤها لفقد غلبة النجاسة. قاعدة: "صلاة الرجل في الثوب الحرير محرمة"، ويستثنى إذا لم يجد ساترا غيره على الأصح. قاعدة: "استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة"٤. إلا في الخوف، والتنفل في السفر المباح ذي القصد المعلوم، وغريق على لوح يخاف من استقباله ومربوط لغير القبلة، وعاجز لم يجد موجها وخائف من نزوله عن راحلته على نفسه: أو ماله أو انقطاع رفقته. قاعدة: لا يتعين استقبال عين القبلة إلا في مسألة على وجه وهي إذا ركب الحمار معكوسا فصلى النفل إلى القبلة فإن القاضي الحسين قال في الفتاوي: يحتمل وجهين. الجواز؛ لكونه مستقبلا.

стр. 227

والمنع؛ لأنه قبلته وجه دابته والعادة لم تجر بركوب الحمار معكوسا١. قاعدة: كل صلاة تفوت في زمن الحيض لا تقضى إلا في مسألة واحدة، وهي ركعتا الطواف. قاعدة: كل جنب يمنع من القرآن ولبث المسجد إلا واحدا. وهو: جنب تيمم ثم أحدث؛ فإنه لا يمنع مما يختص بالجنابة -وهو القراءة واللبث- لقيام التيمم في ذلك مقام الغسل، ويمنع ما يختص بالحدث، وهو الصلاة، والسجود، ومس المصحف، لطرآن الحدث؛ فهو كما لو اغتسل ثم أحدث٢. قاله الروياني: في "الفروق" و"الجرجاني" في "المعاياة"٣. فائدة: "لا وضوء يبيح النفل دون الفرض" إلا في مسألة واحدة. وهي: جنب تيمم وأدى الفرض ثم أحدث ووجد من الماء ما يكفيه للوضوء دون الجنابة، وقلنا بالقول المرجوح -وهو أنه لا يجب استعماله وأراد أن يصلي النفل، فإنه يلزمه استعمال ذلك الماء؛ لأنه قادر على ما يرفع حدثه. وإذا توضأ به عاد كما كان قبل الحدث، وقد كان قبله ممنوعا من الفرض دون النفل٤. فإما إذا قلنا: يلزمه استعماله فإنه يستعمله في أي عضو شاء ويتيمم للباقي ويستبيح الفرض والنفل معا. وفي هذه الصورة التي ذكرناها يقال أيضا: "ليس محدث يصح تيممه للفرض دون النفل إلا واحدا" وهو هذا؛ فإنه إذا وجد كافي وضوئه. دون غسله وقلنا: لا يستعمله فإنه لا يتيمم للنفل؛ لأن معه ما يرفع حدثه للنفل، ويتيمم للفرض، لأن الماء الذي معه لا يبيح الفرض. وقد ذكر الشيخ الإمام هذه المسألة في "الفتاوى" مصوبا [لكلام الجرجاني] ٥

стр. 228

وأفتى في جنب جريح: طهره غسل الصحيح وتيمم عن [الجريح] ١ وصلى الظهر ثم أحدث؛ فدخل وقت العصر وتوضأ؛ فإنه يتيمم أيضا للجراحة من أجل الجنابة. قال: وهو نظير مسألة الجرجاني. وذكر النووي مسألة الجرجاني؛ لكنه قال: وكذا حكم الفرائض كلها. وذلك يوهم أنه إذا أحدث يتوضأ للفرض ولا يتيمم، وهذا لا يقوله أحد، وقد أوله الوالد ﵀ في فتاويه. أصل مستنبط: هل الأولى تعجيل العبادة وإن وقع فيها خلل أو نقص، ولا نعني بالخلل والنقص ما ينتهي إلى الفساد، بل أخف من ذلك، أو تأخير لتقع خالية [من] ٢ هذا الخلل؟ والحاصل أنه إذا عارض فضيلة التعجيل نقص لا يكون في التأخير فإنهما أولى بالرعاية، وهذا كما في عشاء الآخرة، فقد اختلف [الجديد والقديم] ٣ في أيهما أفضل: تعجيلها أو تأخيرها؟ غير أن تعجيلها ليس فيه شيء من الخلل، وهذا الأصل موضوع لما في التعجيل نوع خلل. وله نظائر: منها: لو تيقن المسافر وجود الماء آخر الوقت فانتظاره أفضل من التيمم٤. ولو ظنه فتعجيل التيمم أفضل في الأظهر. ومنها: إذا أراد التأخير لحيازة فضيلة الجماعة فإن تيقنها آخر الوقت: قال في شرح المهذب٥، فالتأخير أفضل، وإن ظنها فوجهان: ورجح النووي أنه إن فحش

стр. 229

التأخير فالتقديم أفضل. وإن خف فالتأخير أفضل. ومنها إذا علم أنه لو قصد الصف الأول لفاتته الركعة. قال النووي: الذي أراه تحصيل الصف الأول إلا في الركعة الأخيرة فتحصيلها أولى، ذكره في "شرح المهذب"١ و"التحقيق". ومنها: إذا ضاق الوقت عن سنن الصلاة، وكان بحيث لو أتى بها لم يدرك الركعة، ولو اقتصر على الواجب [لأدرك] ٢ الجميع في الوقت فما الذي يفعله؟ قال البغوي في فتاويه: إن السنن التي تجبر بالسجود يأتي بها بلا نظر، أما التي لا تجبر قال: فالظاهر الإتيان بها أيضا؛ لأن أبا بكر ﵁ كان يطول القراءة في الصبح حتى تطلع الشمس قال: ويحتمل أن لا يأتي بها إلا إذا أدرك الركعة. ومنها: المسافر إذا كان بحيث لو غسل كل [عضو] ٣ لو يكف ماؤه، قال البغوي في "فتاويه": يجب أن يغسل مرة مرة؛ فلو غسل ثلاثا فلم يكف وجب التيمم ولا يعيد؛ لأنه صبه لغرض التثليث فليس كما لو صبه سفها، وصار كما لو أمكن المريض أن يصلي قائما بالفاتحة؛ فصلى قاعدا بالسورة، فإنه يجوز "انتهى". ولا تعارض بين قوله: أولا وجب وآخرا جاز. وبالوجوب صرح النووي فيما وضعه شرحا على التنبيه فقال: أول باب فرض الوضوء يجب الاقتصار -عند ضيق الوقت أو الماء عن السنن- على الفرائض. قاعدة: "لا يعذر مكلف عن تأخير الصلاة عن وقتها". بل يؤمر بالإتيان بها -على حسب حاله- ولو بالإيماء إلا في صور منها٤:

стр. 230

قاعدة: لا تجوز الصلاة مع النجاسة. إلا في مسائل: منها: نجاسة في الثوب أو البدن لم يجد ما يغسلها به أو في البدن، ووجد ما يغسلها به ولكن خاف التلف من غسلها؛ فإنه يصلي وتجب الإعادة على الجديد الأظهر. ومنها: إذا علم بالنجاسة ثم نسيها. وصلى مصاحبا لها فيعيد على المذهب. ومنها: إذا جهل ملابسته إياها ثم علم بعد الصلاة فيعيد في الجديد، واعلم أنه يجب على كل من رأى على مصل نجاسة أن يعلمه؛ بخلاف من رأى مسلما نائما؛ فإنه لا يجب عليه أن يعلمه -وإن خرج الوقت- ذكرهما الحليمي في "المنهاج" وفرق بأن الصلاة لا تصح مع النجاسة، يعني وعدم الصلاة يكون مع عدم التكليف وهو النوم قال: وإن رآه يصلي خلف إمام غير طاهر فلم يعلمه لم يكن خائنا له -في قول من يجيز الصلاة- ويكون خائنا في قول من لا يجيز. انتهى. ومنها: القليل من طين الشارع - وإن تحققت نجاسته. ومنها: من على ثوبه أو بدنه دم البراغيث -ولو كثر- في الأصح. ومنها: الأثر الباقي على محل الاستنجاء بعد الحجر. ومنها: دم البثرات وهو كدم البراغيث، يغتفر القليل قطعا والكثير على الأصح. ومنها: ما لو أصابه شيء من دم نفسه -لا من البثرات- بل من الدمامل والقروح، وموضع الفصد، والحجامة. والأصح -عند النووي- أنه كدم البثرات مطلقا. ومنها: النجاسة التي تصطحبها المستحاضة، وسلس البول. ومنها: إذا تلطخ سلاحه بالدم في صلاة شدة الخوف. ومنها: الشعر الذي ينتف ولا يخلو عنه ثوبه ولا بدنه فهو كدم البراغيث. ومنها: القدر الذي لا يدركه الطرف من الخمر والبول وغير الدم. قاعدة: يستثنى من قول الأصحاب: يسن للصبح والظهر طوال المفصل-

стр. 231

صورتان المسافر في الصبح المستحب له في الأولى "قل يا أيها الكافرون"، وفي الثانية "الإخلاص". قاله الشيخ أبو محمد "في مختصر المختصر" وتبعه الغزالي في "الخلاصة" و"الاحياء". والثانية: ذكرها الشيخ محيي الدين في "التحقيق" وشرح مسلم إذا كان إماما لغير محصورين، أو محصورين - شق ذلك عليهم. وأفتى ابن الصلاح بخلافه، ويدل له فعل النبي ﷺ ؛ قفد كان يصلي بالطوال مطلقا. فإن كان النووي أخذ ذلك من قول الأصحاب: "يستحب للإمام أن يخفف في الأذكار والقراءة"؛ فلا شاهد له فيه؛ لأن التخفيف لا يستدعي في العدول عن الطوال، ويحصل بدرج القراءة، وبعدم الزيادة على القدر المسنون. ولكني رأيت منصوصًا للشافعي ﵁ في "جمع الجوامع" لأبي سهل بن العفريس١، ما يشهد للنووي. ونصه "واجب أن يكون أقل ما يقرأ مع أم القرآن -في الركعتين الأوليتين- قدر أقصر سورة في القرآن مثل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ وما أشبهها، وفي الآخرتين أم القرآن وآية، وما زاد كان أحب إلي - ما لم يكن إمامًا، فيقل. انتهى. فائدة: يستثنى من قولنا: يسن سجود التلاوة لمستمعها وكذا سامعها في الأصح مسائل: منها: المأموم الذي لم يسجد إمامه. ومنها: المصلي إذا استمع قارئا خارج الصلاة وحكى المعافي الموصلي٢ عن

стр. 232

القاضي الحسين أنه يسجد، وهو ما ذكر الإمام أن في بعض الطرق إشارة إليه. ومنها: مستمع قراءة الجنب والسكران؛ ففي فتاوى القاضي الحسين أنه لا يسجد، خلافا لأبي حنيفة؛ لكن الأصح في "الروضة" سجود مستمع، المحدث. قاعدة: "من نوى في أثناء العبادة إبطالها أو الخروج منها بطلت إلا: الحج، والعمرة، وكذا الصوم -في أصح القولين- والوضوء والاعتكاف -على أصح فيهما أيضا. قاعدة: النفل: لا يقتضي واجبا. وإن شئت قل: شيء من النفل لا يكون بواجب. نعم قد يكون؛ بحيث لا تتقوم ماهية النفل، وتتأدى ماهية السنة إلا به، كالركوع والسجود في النافلة؛ فإنه لا بد منه، وإلا لخرجت عن كونها صلاة، ولا نسميه واجبا وإن شئت قل -بعبارة أعم من هذا- ما ليس بواجب لا يقتضي واجبا. ومن ثم لما ادعى ابن الحداد إيجاب ركعتي الطواف في الطواف الذي هو سنة -كطواف القدوم- غلطه جماهير الأصحاب. وقال الإمام: ما أراه يصير إلى إيجابهما -على التحقيق- ولكنه رآهما جزءا من الطواف، وأنه لا يعتد به دونهما. قال: قد قال -في توجيه قوله: "لا يمتنع أن يشترط في النفل مما يشترط في الفرض، كالطهارة وغيرها". إذا عرفت هذا، علمت أن النافلة لا تقتضي وجوبا، وقال البغوي -في توجيه كلام ابن الحداد- يجوز أن يكون الشيء غير واجب ويقتضي واجبا، كالنكاح غير واجب ويقتضي وجوب النفقة والمهر. قلت: ولعل هذا لا يرد على الإمام؛ فإنه قد أشار إلى كونه مستثنى في "باب الوليمة"؛ إذ قال: ليس في الشرع إباحة تفضي إلى اللزوم، إلا في النكاح وقد قدمنا ذلك عنه في أصوله التي طال تصريحه بها.

стр. 233

إن الخارج عن القواعد المعدودة من المستثنيات، لا يرد نقضا، وما هو -من حيث خروجه عن المنهاج- إلا بمنزلة الشاذ النادر؛ ولكن كتاب القواعد كفيل بذكر المستثنى -وإن شذ وخرج عن المنهاج- لأن المقصود به ضبط معاقد الفروع. وقد يضم إلى النكاح مسائل. منها: الصلاة على النبي ﷺ في النافلة، وما هي عندي إلا كبقية الأركان من الركوع، والسجود، والتشهد الأخير. ومنها: مسائل أخر في الأصل. وقريب من هذه القاعدة ما يقوله الفقهاء: النفل لا ينقلب واجبا. يذكرون ذلك عند البحث مع الخصوم فيما إذا شرع في صلاة تطوع أو صوم هل يجب عليه الإتمام؟ وحضرت إلي من مدة -أسئلة من بعض فقهاء الموصل [نظمها] ١ قصيدة دالية كلها ألغاز فقهية وأرسلها إلي. منها: والنفل كيف يصير حتما لازما؛ فكان جواب هذا البيت من نظمي. والنفل يصلح واجبا في بالغ ... وسط الصلاة أو الصيام فعدد قاعدة: المحافظة على فضيلة تتعلق بنفس العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بمكان العبادة٢. ومن ثم مسائل: منها صلاة النفل داخل الكعبة أولى منها خارجها وكذا الفرض إن لم يرج جماعة؛ فإن رجاها فخارجها أفضل قاله في الروضة. ومنها: الصلاة في الجماعة خارج المسجد أولى منها في المسجد منفردا؛ قاله الرافعي في كتاب الحج عند ذكر هذه القاعدة في سنن الطواف. ومنها: الرمل مع البعد عن البيت أفضل من القرب بلا رمل؛ إلا أن يكون في

стр. 234

حاشية المطاف نساء ولم يأمن ملامستهن لو تباعد؛ فالقرب بلا رمل أولى من البعد مع الرمل حذرًا من انتقاض الطهارة، وكذا لو كان بالقرب -أيضا- نساء وتعذر الرمل في جميع المطاف لخوف الملامسة فتركه أولى. ومنها: النفل في البيت -لبعده عن الرياء- أفضل منه في المسجد ولو [في] ١ مسجد النبي ﷺ . كذا مثل في "شرح المهذب" وسكت عن المسجد الحرام، وما أرى ذلك إلا اتباعا لقوله ﷺ : "صلاة المرء في بيته أفضل من الصلاة في مسجدي هذا إلا المكتوبة"؛ أخرجه أبو داود٢ فحافظ النووي ﵀ على لفظ الحديث، ثم المضاعفة في جميع حرم مكة بخلاف المدينة. وتعليلهم -تفضيل نافلة البيت بالعبد عن الرياء استنباط -في الحقيقة- لمعنى مأخوذ من هذا الحديث ومن قوله ﷺ "عليكم بالصلاة في بيوتكم؛ فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة" أخرجه البخاري ومسلم٣. وفيما وجدته منقولا عن القاضي أبي الطيب استثناء من هو ساكن في المسجد -قال فصلاته في المسجد أولى. قلت: إن كان يريد من بيته قطعة من المسجد؛ فذاك اجمتمع فيه الأمران ولا شك أن صلاة هذا في هذا البيت أولى. وإن أراد من له باب إلى المسجد فأقول: الذي يظهر أنه متى تساوى المسجد والبيت في البعد عن الرياء -ويظهر هذا كثير فيمن له باب إلى المسجد- فإنه يخرج ليلا إليه؛ بحيث لا يبصره أحد. ومن عنده مسجد مهجور -لا يراه فيه أحد، وربما كان مفتاحه معه فالمسجد أفضل. ولعل إلى هذا القبيل أشار الشيخ أبو إسحاق؛ حيث ذكر في المهذب أن تطوع البيت بالنهار أفضل وقد تعجب منه النووي وغيره في تخصيصه بتطوع النهار، وقال

стр. 235

النووي: كان ينبغي أن يقول: وفعل التطوع في البيت أفضل -كما في التنبيه. قلت: ويمكن أن يقال: أشار بلفظ بالنهار إلى أن التطوع في البيت -حيث يظهر التطوع بالمسجد- أفضل. لا حيث يخفي- وهو حسن، وإياه نعتقد؛ فرحم الله الشيخ أبا إسحاق ما أحسن احترازه، وما أفحل كلامه وما أضبط ألفاظه. فإن قلت: فهذا خروج عن ظاهر الحديث، وتخصيص لعمومه. قلت: كما أخرجت الرواتب فإن المفهوم من كلام أكثرهم أن فعلها في المسجد أولى، والمفهوم من كلام آخرين خلافه. والحاصل: أن بعضهم أخرجها للمعين، وهذا أمثلها. قاعدة: "ما لا يدخل الشيء ركنا، لا يدخله جبرانا". وهذه قاعدة ذكرها إمام الحرمين؛ حيث قال في كتاب الجنائز من "النهاية" "قطع الأئمة بأنه لو سها في صلاة الجنازة لم يسجد للسهو؛ لأنه لا مدخل للسجود في هذه الصلاة -ركنا- فلا يدخلها جبرانا". انتهى. وأنا أقول: هذا منقوض بالدماء الواجبة في الحج جبرانا؛ فإنها لا تدخله ركنا؛ إذ ليس الدم ركنا في الحج، ويدخله جبرانا إلا أن يقال: إنما يجبر الدم ما أوجب لأجل تقويته. مما لا يفوت بفواته الحج، كالرمي؛ إذ ليس في أركان الحج ما يجبر بدم، فلم يدخل الدم نفس الحج. ومنقوض -على القديم- بالدينار الواجب على من وطيء حائضًا في إقبال الدم والنصف في إدباره؛ إذ ليس في الوطء مال، وقد وجب الدينار جبرانا. إلا أن يقال: إن الوطء مقابل بالمهر؛ إذ لا يخلفو عن عفو أو عقوبة. ولو قيل: "ما لا يدخل الشيء مشروعا فيه، لا يدخله جبرانا" كان غير منقوض بشيء فيما يظهر. قاعدة: قال صاحب التلخيص: "كل عبادة واجبة إذا تركها الإنسان لزمه القضاء والكفارة إلا واحدة". وهي: الإحرام لدخول مكة -أي على أصح القولين- وعلل بوجهين. أحدهما: عدم إمكانه لأن الدخول الثاني يوجب إحراما آخر.

стр. 236

والثاني: أن الإحرام تحية البقعة؛ فلا يقضي كتحية المسجد وأورد على صاحب التلخيص أنه بقيت صور. منها: قول الأصحاب فيمن نذر صوم الدهر؛ فأفطر يوما أنه لا يمكنه قضاؤه ولا شك أنه بعد تسليم حكمه وارد، غير أن في صدري منه حسيكة ولم لا يمكن؟ وقد يقول الناذر: أنا أقضي اليوم الفائت فيما استثنى من الدهر، ولم يحرم الصوم فيه، ولا وجب؛ وذلك كأيام السفر والمرض. ولا جواب لهذا إلا أنهم قالوا: "الواجب بالنذر، لا يزيد على الواجب بالشرع". ولذلك قال الإمام: لو نذر المريض القيام في الصلاة، وتكلفت المشقة، أو نذر صوما، وشرط أن لا يفطر بالمرض، لم يلزم الوفاء؛ ولكن يمكن أن يقال في جواب هذا. الجواب: أن غاية هذا أنه لا يجب الصوم، لئلا يزيد النذر على واجب الشرع؛ ولكن لم قلتم، لا يصح أن يقضي في هذه الأيام ما فات في غيرها، لا سيما إذا كان فائتا بغير عذر، ويكون قضاؤه مسقطا لوجوب الفدية. بل أقول: لم لا يجب ما يمكن قضاؤه في الأيام التي صح نذر الصوم فيها فيها كما إذا نذر الدهر فأطر يوم الاثنين وجب قضاؤه يوم الثلاثاء؛ فنوى -تلك الليلة أن يصبح صائما- قضاء عن اليوم الفاضل. وهو الاثنين لا وفاء بالنذر، ويكون هذا عاصيا بترك صوم يوم الثلاثاء المنذور، كما عصى بترك الاثنين إن كان تركه بلا عذر، ومطيعا من جهة أنه قاض لليوم الفائت. وليس للفقهاء، جواب عن هذا إلا بأن هذا اليوم تعين بنذره السابق لأداء المنذور، ولذلك لو نذر الصوم يوما آخر -بعد هذا النذر- لم يصح. ولكن هذا الجواب يرده تصريحهم في باب النذر بأن اليوم المعين بالنذر وإن عيناه -لا تثبت له خواص رمضان؛ بل لو صامه عن قضاء أو كفارة صح بلا خلاف؛ كذا عزاه الرافعي الإمام، وحكى فيه وجها عن البغوي، ومنها: من نذر أن يحج كل سنة -وهو كنذر صوم الدهر- ومن نذر أن يصلي جميع الصلوات في أوائل أوقاتها فأخر واحدة، أو أن يصدق بفاضل قوته كل يوم فأتلف

стр. 237

فاضل بعض الأيام، وتفقه القريب إذا وجبت فترك بعض الأيام، وإذا نذر أن يعتق كل عبد سيملكه وملك عبيدا، ومات ولم يعتقهم؛ فإنهم لا يعتقون ومن ترك رد السلام، ومن فر من الزحف من اثنين غير متحرف لقتال أو متحيز إلى فئة؛ إذ لا يمكنه القضاء، فإنه متى لقي اثنين ممن يجب قتالهما بهذا اللقاء. لا قضاء، وإمساك يوم الشك إذا ثبت أنه من رمضان؛ فإنه يجب إمساكه -على المذهب- ولو ترك الإمساك لم يلزمه لتركه قضاء، ولا كفارة؛ وإنما يجب قضاء اليوم الفائت من رمضان. وعدم القضاء في هذه الصور كلها، لعدم تصوره ولعل ابن القاص نبه بمسألة الإحرام لدخول مكة. على نظيرها مما يفوت القضاء فيه لعدم إمكانه. ونقول فيمن وجب بالنذر أن الكلام في الواجب بالأصالة، وفي نفقة القريب، أنه لا يطلق عليها عبادة بل غرامة -إن لم يخرج عن الطاعة- فإنه ليس كل واجب يطلق عليه لفظ العبادة؛ ألا ترى أن قضاء الدين واجب، ولا يعد في العبادات. قاعدة: "كل ما حرم في الإحرام ففيه الكفارة". إلا في عقد النكاح، وشراء الصيد، واتهابه، لا يصح ولا يجب فيه شيء ووضع اليد عليه ما دام حيا وتنفيره ما لم يمت فيه، وأكله، والصياح عليه -على أحد الوجهين- والاستمناء في وجه ... قاعدة: الأصل براءة الذمة. قاعدة: الأصل في الميتات النجاسة. ويستثنى السمك والجراد وميتة لا نفسس لها سائلة -على خلاف في ذلك- ونحو ذلك. قاعدة: "الأصل في الحيوانات الطهارة". ويستثنى: الكلب والخنزير وفروعهما، وفروع أحدهما. قاعدة: الجمادات طاهرة، إلا المستحيل إلى نتن أو إسكار. قاعدة: قال الأصحاب ﵏: "ما قضى عمده البطلان اقتضى سهوه السجود إذا لم يبطل". وقولنا: "إذا لم يبطل" فيه زاده صاحب التتمة والتهذيب فيما نقله الرافعي عنهما

стр. 238

وبه خرج الحدث؛ فإن سهوه يبطل كعمده ولا سجود، وكذا كثير الكلام والفعل -على الأصح- ويستثنى من القاعدة مسائل: منها: إذا تنفل على الدابة فحولها عن صوب مقصده وعاد قريبا متعمدا بطلت. وإن نسي: فقد صحح النووي في "شرح المهذب" أنه لا يسجد لكن صحح الرافعي في "الشرح الصغير" أنه يسجد، وهو المذكور في الحاوي الصغير. قال الأصحاب: "وما لا يبطل عمده، لا يسجد لسهوه". قال الرافعي: "ويستثنى منه ما إذا طال الركن القصير بغير الفاتحة، أو قرأ الفاتحة في الركوع أو السجود أو قرأ التشهد في القيام، أو كرر الفاتحة مرتين؛ فإنه يسجد للسهو على الأصح، ولا تبطل -بعمده- الصلاة- على الأصح. قلت: ويستثنى أيضا مسائل. منها: لو عمل قليلا -لا من جنس الصلاة- عامدا لا تبطل صلاته ولو سها به. سجد للسهو. ومنها: لو قنت قبل الركوع. لم تبطل، والأصح أنه يسجد. ومنها: إذا نوى المسافر القصر، ثم قام إلى الثالثة -عامدا- بنية الإتمام لم تبطل صلاته، ولو قام ساهيا -سجد للسهو، كذا ذكره صاحب البحر في باب صلاة المسافر، وقال: إنه فرع غريب. ومنها: على القول باختصاص القنوت بالوتر في النصف الأخير من رمضان إذا قنت في غيره سجد للسهو، ولو تعمده لم تبطل؛ ولكنه مكروه، كما ذكره الرافعي في باب صلاة الجماعة. ومنها: إذا قرأ غير الفاتحة في الركوع أو السجود ساهيا سجد للسهو، كما ذكر القاضي أبو الطيب وغيره من العراقيين؛ ولكن حكى الماوردي فيه وجهين، ثم عمده لا يبطل قطعا. ومنها: إذا ترك التشهد الأول -ناسيا- وذكره بعد ما صار إلى القيام أقرب؛ فإنه يعود إليه ويسجد للسهو على الأصح، مع أنه لو تعمده لم تبطل. وقد أورد القاضي الحسين هذا الضابط على نوع آخر جعل فيه الفرع أصلا فقال: "كل عمل يلزمه سجود

стр. 239

السهو إذا أتى به ساهيا، فإذا أتى به عامدا بطلت صلاته، وكل عمل قلنا لا يلزمه سجود السهو، لا تبطل صلاته إذا فعله عمدا". وليس بين لفظ الأصحاب ولفظه معاكسة ولا مخالفة غير أنك إن جريت على لفظ الأصحاب عددت المسألة من قواعد باب سجود السهو. وإن جريت على لفظ القاضي عددتها من باب ما يفسد الصلاة وما لا يفسدها؛ ولكن القاضي لم يذكرها إلا في باب سجود السهو من التعليقة ولا بأس بذكرها في البابين لكن في باب سجود السهو على الصورة التي ذكرها الأصحاب، وفي باب المفسدات على الصور التي ذكرها القاضي. وهذا شبيه بصنع الشيخ أبي إسحاق؛ حيث قاس في الرد بالعيب على الشفعة وفي الشفعة على الرد بالعيب. قاعدة: "إذا سها الإمام في صلاته، لحق سهوه المأموم". قال الرافعي: ويستثنى صورتان. إحداهما: إذا تبين له كون الإمام جنبا فلا يسجد لسهوه، ولا يتحمل -وهو- عن المأموم أيضا. الثانية: أن يعرف سبب سهو الإمام ويتيقن أنه مخطيء -في ظنه- كما إذا ظن ترك بعض الأبعاض والمأموم يعلم أنه لم يترك فلا يوافق الإمام إذا سجد. وقد تكلم كل من الشيخ الإمام وشيخه ابن الرفعة رحمهما الله على هذا الاستثناء. أما الصورة الأولى: فأنكر ابن الرفعة استثناءها وقال: الجنب ليس بإمام وأثبته الشيخ الإمام وقال استثناؤها صحيح. والشيخ الإمام لم ينظر كلام ابن الرفعة -أنا أعرف ذلك- لو نظره لبين وجه الرد عليه. وأقصى ما تلمحت لترددها تردد الأصحاب في أن المحدث إذا كان إماما في جمعة هل يصح؟ أو يفرق بين أن يتم به العدد، أو لا؟ وفي أن الصلاة خلفه هل هي صلاة جماعة أو فرادى؟ فهذا الخلاف صالح لأن يكون أصلا لهما. وأما الثانية: فتوافقا على إنكارها، ثم اختلف تقريرهما. فابن الرفعة قال: ما أتى به الإمام ليس بسجود سهو؛ بل هو سجود يقتضي أن

стр. 240

يجبر بسجود آخر قال: والاستثناء فيها: كما قال صاحب التلخيص فيما إذا سجد في صلاة الجمعة، ثم بان لهم أن الوقت خارج، ينويها ظهرا، ويعيدون السجود. واعترضوا على صاحب التلخيص بأنه لم يكن السجود فيها جائزا؛ وإنما هو صورة السجود. انتهى. والشيخ الإمام ﵀ قال: فذلك يقتضي سجود سهو على الإمام على الأصح لزيادته سجدتين سهوا. فإن قلنا بذلك لم يخرج سهو الإمام عن اقتضائه السجود في حق المأموم. وإن قلنا: بأن الإمام لا يسجد لمثل ذلك فلا حاجة إلى استثنائها؛ لأن الإمام لم يحصل منه سهو مقتضى السجود "انتهى". وهذا حق، فإن ما وجد من الإمام ليس بسجود سهو؛ وإنما هو على صورته كما قيل في الرد على صاحب التلخيص -وكأنه لم يرد بهذه الصورة إلا أن المأموم يتابع الإمام١ لسهو -ظنه- والمأموم يعلم خطأ ظنه.

стр. 241

كتاب الزكاة: قاعدة: كل حق مالي وجب بسببين يختصان به فإنه جائز تعجيله قاعدة: كل حق مالي وجب بسببين -يختصمان به؛ فإنه جائز تعجيله بعد وجود أحدهما، وعبر الإمام في "النهاية" في الحج، في باب صوم المتمتع -عن هذا بقوله: "كل كفارة مالية نيطت بسببين فيجوز تقديمها على السبب الثاني إذا تقدم الأول، قياسا على كفارة اليمين؛ فإنها إذا كانت مالية، جاز تقديمها على الحنث. انتهى. وإن وجب بسبب وشرط، جاز تعجيله بعد وجود السبب. وهذا أوضح، فإنه إذا قدم على السبب الثاني -وهو سبب- فإن تقدم على الشرط أولى وأحرى. وما وجب بثلاثة أسباب؛ فلا يجوز تقديمه على اثنين منها بل لا بد من اثنين ثم جائز له تقديمه على الثالث. وما وجب بسبب واحد، لا يجوز تقديمه عليه. فهذه ثلاث قواعد نتكلم عنها في شرح الرابطة الأولى. فنقول: خرج بقولنا: ما لي الحق البدني؛ فإنه إما مؤقت كالصلاة فلا يقدم على وقته، وجمع التقديم ليس بتقديم على الوقت، بل هو الوقت في تلك الحالة. والصبي إذا بلغ في أثناء الوقت بعدما صلى تجزيه الصلاة، وليس فعله تقديما وتعجيلا. وإما غير مؤقت، كالصيام في الكفارات، والصحيح أنه لا يجوز تقديمه على سببه، وفي وجه أنه يجوز التكفير بالصوم قبل الحنث، قال الإمام في الأساليب: وهو الذي يليق بطريق الأسلوب.

стр. 242

وقولنا يختصان به احتراز عن الإسلام والحرية؛ فإنهما لا يختصان بما يجب فيه، كزكاة الفطر ليس للإسلام والحرية بهما خصوصية والزكوات كذلك قبل الحج، وأمور كثيرة. القول في ذي السببين أو السبب والشرط: فيه صور: منها: كفارة اليمين وقد قدمناها عن الإمام، وهي أم المسائل؛ فيجوز إخراجها بعد اليميمن وقبل الحنث؛ لأنها وجبت باليمين والحنث، ولا تجوز قبل اليمين، لتقديهما على السببين. ومنها: زكاة الفطر يجوز تعجيلها في جميع رمضان؛ لأنها وجبت بأمرين يختصان بها، وهما: إدراك رمضان والفطر، ولا يجوز قبل رمضان، التقديم على السببين. ومنها زكاة المواشي، والنقدين، والعروض؛ فإنها تجب بسببين يختصان بها، وهما: الحول والنصاب، فيجوز تعجيلها قبل الحول، ولا يجوز قبل كمال النصاب، والأصح أنه لا يجوز تعجيل زكاة عامين؛ لأنه لم يتحقق وجود واحد من السببين بالنسبة إلى العام الثاني. ومنها: إراقة دم التمتع بعد الشروع في الحج وقبل العيد جائز عندنا خلافا لأبي حنيفة حيث قضى بأنه يتأقت بأيام النحر. وفي جواز الإراقة بعد التحلل من العمرة وقبل الشروع في الحج قولان أو وجهان: أصحهما الجواز؛ لأنه حق مالي تعلق بسببين، وهما، الفراغ من العمرة، والشروع في الحج؛ فإذا وجد أحدهما جاز إخراجه، كالزكاة والكفارة. ومنها: كفارة القتل تجوز بعد الجرح وقبل الموت، وإن لم يكن جرحه لم يجز بلا خلاف. القول في ذي الأسباب: وفيه صور: منها: على قول ابن أبي هريرة: الظهار؛ وذلك أن الكفارة بالظهار إذا وجد العود يجب بالعود والظهار شرط، أو الظهار والعود شرط أو بهما فيه وجوه. وعلى القول بأن

стр. 243

العود سبب، والظهار شرط قال ابن الرفعة، ينبغي أن لا يجزئ التكفير قبله قال: وقد حكاه البندنيجي وجها. وعلى القول بأنهما سببان، لا يجوز تقديمها على الظهار، ويجوز على العود وذهب ابن أبي هريرة، إلى أنها تجب بثلاثة أسباب: عقد النكاح، الظهار والعود، ووافق على أنه لا يجوز تقديمها على الظهار. قال: ولا يجوز تقديمها على الظهار قال: وإن كان بعد النكاح لبقاء سببين من ثلاثة أسباب. وحكى صاحب البحر في باب تعجيل الصدقة وجها أنه يجوز تقديمها على الظهار قال: ولا يجوز تقديم كفارة الجماع في صوم رمضان على الجماع بلا خلاف. القول في ذي السبب الواحد: وله صور؛ منها: تقديم -الشيخ الهرم، والحامل، والمريض، الفدية على رمضان. ومنها: لو أراد بالحج تقديم الجزاء على قتل الصيد؛ فإن كان جرحه فالمذهب الجواز لوجود سبب القتل؛ وإلا فالمذهب أنه لا يجوز؛ لأنه لم يوجد شيء من أسبابه، والإحرام ليس سبب لوجوب الجزاء، ومن أصحابنا ومن وجد فيه وجها آخر، وهو ضعيف. هذا كلام صاحب البحر بنصه. وأمثلة هذا الفصل تكثر، ويستثنى منه مسألة واحدة: وهي إذا اضطر المحرم إلى صيد فقد الجزاء؛ فإن الشافعي جوزه قبل الجرح، ليس لأنه جعل الإحرام أحد سببيه؛ إذ لو كان كذلك قبل الجرح، إذا لم يضطر إليه، وهذا لا يجوز. قاعدة: قال الشيخ أبو حامد: المبادلة توجب استئناف الحول في الزكاة إلا في أربع مسائل: إحداها: إذا باع سلعة للتجارة، بسلعة للتجارة. والثانية: إذا باع سلعة للتجارة بأحد النقدين وكان نصابا. والثالثة: إذا باع سهما من سلعة للتجارة بأحد النقدين [وكان] ١ نصابا.

стр. 244

والرابعة: إذا بادل دراهم بدنانير، أو دنانير بدراهم على الصحيح. قاعدة: قال الشيخ أبو حامد: "لا يجب في عين واحدة زكاتان"١ إلا في ثلاث مسائل: منها: العبد المسلم للتجارة، تجب في زكاة التجارة والفطر. قلت: هنا من الزكاة نوعان مختلفان. ومنها: من له نصاب وعليه دين بمثله يعني؛ فأظهر الأقوال وجوب الزكاة. قلت: لكن الذي وجبت فيه الزكاة على المدين هو النصاب الذي في يده، والذي وجبت فيه الزكاة على رب الدين والنصاب الذي في ذمة المدين؛ فلا عين واحدة فيها زكاتان، بل عين ودين، ولذلك كان الصحيح -تفريعا على أن الدين يمنع الزكاة- أن سببه ضعف ملك المدين، لا التأدية إلى تثنية الزكاة. ومنها: واجد اللقطة إذا تملكها بعد التعريف ممن عليه زكاتها -على الأصح، وعلى صاحبها -أيضا- زكاتها. قلت: ليس على صاحبها زكاتها إذا تملكها الملتقط؛ لكن قال الأصحاب إنه يستحق قيمتها على الملتقط -قالوا: ففي وجوب زكاة القيمة عليه خلاف من وجهين: أحدهما كونه دينا. والثاني: كونه مالا ضالا. وزاد الرافعي: كونه معرضا للسقوط؛ لأن الملتقط لو رد اللقطة يعين على المالك القبول، وفي تمكن المالك من استردادها -قهرا- خلاف، الأصح له ذلك. قلت: فظهر أن العين الواحدة ليس فيها زكاتان؛ إلا في عبد التجارة حيث تجب فيه -مع زكاة التجارة- زكاة الفطر، وموردهما مختلف وهما نوعان. قاعدة: يعتبر الحول في الزكاة إلا في مسائل: منها٢:

стр. 245

فائدة: تكون الأرض خراجية في صورتين. إحداهما: أن يفتح الإمام بلدا -قهرا- ويقسمها بين الغانمين، ثم يعوضهم عنها، ثم يقفها على المسلمين، ويضرب عليها خراجا. والثانية: إن فتح بلدا -صلحا- على أن تكون الأرض للمسلمين، ويسكنها الكفار بخراج معلوم؛ فالأرض تكون فيئا للمسلمين، والخراج عليها أجرة، لا تسقط بإسلامهم. وكذا: إذا انجلى الكفار عن بلدة، وقلنا: إن الأرض تصير وقفا على مصالح المسلمين، فيضرب عليها خراج، يؤديه كل من يسكنها، مسلما كان أم ذميا؛ فأما إذا فتحت -صلحا ولم يشترط كون الأرض للمسلمين، ولكن تسكن بخراج، فهذه جزية -تسقط بالإسلام. وأما البلاد التي فتحت عنوة وقسمت بين الغانمين وثبتت في أيديهم وكذا التي أسلم أهلها عليها، والأرض التي أحياها المسلمون؛ فكلها عشرية وأخذ الخراج منها ظلم لا يقوم مقام العشر؛ فإن أخذه الإمام على أن يكون بدلا عن العشر فهو كأخذ القيمة بالاجتهاد، والأصح سقوط الفرض به. قاعدة: من وجبت عليه فطرته كل من تلزمه نفقته إذا كانوا مسلمين ووجد ما يؤدي عنهم إلا في مسائل١. منها: زوجة أبيه التي تلزمه نفقتها، ومستولدته لا يلزمه فطرتها على الأصح. ومنها: زوجة الابن لا تجب فطرتها وإن أوجبنا نفقتها.

стр. 246

ومنها: البائن الحامل، إذا قلنا: النفقة للحمل، لا تجب فطرته١. ومنها: خادم الزوجة إذا كانت ممن تخدم، صحح الإمام أنه لا تجب فطرتها وإن كانت نفقتها واجبة. قاعدة: من وجبت نفقته على غيره وجبت عليه فطرته وإلا فلا. قاعدة: قال الشيخ أبو حامد: لا تؤخذ القيمة في الزكاة إلا في أربع مسائل: إحداها: أموال التجارة. الثانية: في الجبران في الشاتين، أو العشرين درهما. الثالثة: في أصناف الثمار بالقيمة، نعني إذا اختلف أنواع الزروع والثمار، وفي المسألة أقوال أربعة. الرابعة: في الشاة عن خمس من الأبل. قلت: يعني إذا لم توجد قيمتها، وكذلك لو وجبت بنت مخاض أو ابن لبون ولم يجدهما -لا في ماله، ولا الثمن- فإنه يعدل إلى القيمة. قلت: وبقيت صور. منها: إذا اجتمع في ماله فرضان: كالمائتين فيها أربع حقائق، أو خمس بنات لبون، وكانا عنده بصفة الإجزاء؛ فالمذهب أنه يجب إخراج الأغبط للمساكين -فإن أخرج غير الأغبط كان الفصل يسيرا، لا يمكنه أن يشتري به جزءا، تصدق بالدراهم، وكذا إن أمكنه في الأصح، لسوء المشاركة. ومنها: لو قطعت الثمار رطبة، للخوف من العطش، وقلنا بالأصح أنه لا يجوز قسمها مقطوعة- جاز أخذ قيمة العشر في وجه. ومنها: لو ضمن الزكاة بتلفها بعد التمكن أو إتلافها، فقضية كلام الرافعي

стр. 247

والنووي إيجاب القيمة في المتقوم، كقيمة شاة في خمس من الإبل وصحح الشيخ الإمام الوالد ﵀ أن الواجب كما كان قبل التلف، فيضمن شاة. ومنها: قال الإمام -في آخر باب النية، في الصدقة: لو وجبت شاة ثم تلف الأربعون بعد الإمكان وعسر الوصول إلى الشاة ومشت حاجة المساكين. فالظاهر عندي أنه يخرج القيمة للضرورة الداعية، كما لو أتلف مثليا ثم أعوزه. قاعدة: ذكرها الأصحاب في كتاب الصيام الحقوق المالية الواجبة لله تعالى ثلاثة أضرب: ضرب يجب لا بسبب من العبد؛ فإذا عجز عنه، وقت الوجوب لا يثبت في الذمة؛ بل يسقط وذلك كزكاة الفطر. وضرب: يجب بسبب من جهته -على سبيل البدل- فيثبت في الذمة، تغليبا لمعنى الغرامة، كجزاء الصيد، ولم يستثن صاحب التقريب جزاء الصيد. قال الإمام: وترك استثنائه منه غفلة. قال: ولا ينبغي أن يعتقد فيه خلاف. قلت: وكذلك فدية الحلق في الحج. وضرب: يجب بسبه -لا على وجه البدن- فقولان: أصحهما: أنه يثبت في الذمة إلحاقا بجزاء الصيد لأنها مؤاخذة على فعله، قال الرافعي: فعلى هذا متى قدر على إحدى الخصال لزمته. والثاني: أنه يسقط عند العجز كزكاة الفطر، واحتج له بأنه ﷺ لما أمر الأعرابي [أن] ١ يطعمه أهله وعياله في حديث٢ المجامع لم يأمره بالإخراج في ثاني الحال، ولو وجب ذلك لأشبه أن يبين [له] ٣.

стр. 248

قال الرافعي: ولمن رجح الثاني أن يقول: لم قلت أن المصروف إلى الأهل لم يقع تكفيرا؛ فإنا روينا وجها مجوزا له عند الفقر. وإن سلمنا ذلك، ولكن يحمل أن يكون الفرض باقيا في ذمته، ولم يبين له ذلك؛ لأن حاجته إلى معرفة الوجوب؛ إنما تمس عند القدرة، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز. قلت: وأوضح من دعوى تأخير البيان إلى وقت الحاجة، أن يقال لم يؤخر البيان، بل بين حيث أمر بالصدقة. ومن ثم قال الشيخ الإمام الوالد ﵀: في الحديث ما يدل للوجه الصحيح؛ لأن الرجل أخبر النبي ﷺ بعجزه عن الثلاث، ثم أتى النبي ﷺ بفرق من تمر؛ فقال: خذ هذا، فتصدق به ولو لم تكن استقرت في ذمته لما أمره بالصدقة. وكلام الشيخ الإمام ﵀ هذ- متين، وبه يقع الانفصال على أمرين. أحدهما: أن الرافعي قال: إنه لا يمكن الاستدلال بخبر الأعرابي على الجمع في هذه الصورة -يعني على السقوط- وفي صورة صرف الكفارة إلى الأهل والعيال على الجواز؛ وإنما يمكن الاستدلال به في أحدهما لأن المأمور بصرفه إلى الأهل والعيال إما أن يكون كفارة أو لا يكون. إن كان: لم يصح الاستدلال به في هذه الصورة. وإن لم يكن: لم يصح في الصورة السابقة. قال الشيخ الإمام: قول الرافعي -إن كان كفارة ل يصح الاستدلال به في هذه الصورة ممنوع؛ لأن وقت الوجوب كان قد تقدم؛ فلو سقطت بالعجز حال الوجوب لما صرفت بعد ذلك، فالمأمور بصرفه إلى العيال إن كان كفارة صح الاستدلال بصرفه، والأصح الاستدلال بالأمر -قبل ذلك- بالتصدق به انتهى. وأقول: هذا -على حسنه- لا يلاقي كلام الرافعي؛ لأن مراد الرافعي بتقدير كونه كفارة -أنه لا يصح الاستدلال به في الصورة على عدم السقوط؛ فإن الرافعي لم يذكر أن في الحديث دلالة على البتة؛ وإنما ذكر ذلك الشيخ الإمام ولا شك أنه متى كان كفارة دل على عدم السقوط، ومتى دل على عدم السقوط لم يستدل به على السقوط لأن بينهما تنافيا".

стр. 249

فكلام الشيخ الإمام صحيح؛ ولكن على طريقته، وهي أن الحديث أن الحديث يدل على عدم السقوط: وكلام الرافعي صحيح ولكن على طريقته، وهي أن بعضهم احتج به للسقوط ولم يتحدث الرافعي في دلالته على عدم السقوط البتة؛ بل غايته أنه دفع الاحتجاج به على السقوط، أما أنه بقيمه دليلا للثبوت فلا. الأمر الثاني: أن الإمام قال: بعدما حكى تردد الإصحاب في أن العلة إذا أفرطت تكون عذرا في ترك الصيام، أي الصيام الكفارة، وفي جواز صرفها إلى العيال الرأي عندنا إلحاق قصة الإعرابي برخصة خص الشارع بها معينا، وكثيرا ما كان يفعل رسول الله ﷺ ذلك، وهذا نحو قوله١ ﷺ في قصة الأضحية "تجزئ عنك، ولا تجزئ عن أحد بعدك"، وجرى مثل ذلك في إرضاع الكبير٢؛ وهذا -وإن كان على بعد- فهو أهون من تشويش أصول الشريعة، لقصة نقلها آحاد وأفراد- انتهى. وحكاه عنه الرافعي، ثم اعترضه بأن مثل هذا التأويل؛ إنما يصار إليه عند الاضطرار، ولنا عنه مندوحة. ونعني فنقول: [من] ٣ أفسد يوما بالجماع يجب عليه -مع الكفارة- قضاء اليوم قلنا: روي أنه ﵇ قال للرجل: "واقض يوما مكانه"٤.

стр. 250

ولا تصرف الكفارة للعيال، ويعتذر عن الحديث بمثل التأويلات المنقولة عن الإمام، وتستقر في الذمة عند العجز ويعتذر بما أوردناه -آنفا- عن الرافعي. وأما العدول إلى الإطعام بعذر شدة الغلمة؛ فهو الأصح جريا على ظاهر الخبر، فاستغنينا فيه عن التأويل. هذا حاصل كلام الرافعي، وفيه نظر من وجوه. أحدها: أن غاية معارضة تأويل الإمام؛ حيث قال: يحتمل ويكون مخصوصا بصاحب الواقعة -بتأويلات أبداها، وليس أحد التأويلين أولى من الآخر ما لم يظهر ترجيحه ولم يظهر. والثاني: إن كلامه كالصريح في أن الحديث يستدل به على الصور الأربع، ومنها الصورتان المتنافيتان اللتان قدم هو أنه لا يمكن الاستدلال به إلا في إحداهما. والثالث: أن قوله في اشتداد الغلمة: الصحيح الجريان على ظاهر الخبر لا حاجة إلى تأويل. لا يفيد جوابا عن دعوى الإمام -أنه مشوش لأصول الشريعة، وأن تأويل الحديث وصرفه عن ظاهره أولى من هدم القواعد؛ إذ لا جواب لهذا الكلام إلا بأن نبين أنه غير مشوش، لا أن يقال: إذا كان الأصح الإجراء على ظاهر الحديث؛ فلا حاجة إلى التأويل؛ فطريق الجواب، أن نبين أن القول بظاهر الحديث جار على منهج قياسي، لا يشوش أصول الشريعة- ولم يبين ذلك: فإن قلت: فبقى كلام الإمام شديدًا، لم يقع عنه انفصال، وقد قدمتم وقوع الانفصال عنه. قلت: إنما قدمنا وقوع الانفصال عنه في مسألة الاستقراء في الذمة عند العجز، ووجهه أن الحديث دال على الاستقرار على خلاف ما فهمه المخالفون. وأما في مسألة الغلمة فلا وجه إلى التأويل الذي أبداه الإمام، والتزم أنه لا يجوز
следующие страницы →