ومنها: البائن الحامل، إذا قلنا: النفقة للحمل، لا تجب فطرته١.
ومنها: خادم الزوجة إذا كانت ممن تخدم، صحح الإمام أنه لا تجب فطرتها وإن كانت نفقتها واجبة.
قاعدة: من وجبت نفقته على غيره وجبت عليه فطرته وإلا فلا.
قاعدة: قال الشيخ أبو حامد: لا تؤخذ القيمة في الزكاة إلا في أربع مسائل:
إحداها: أموال التجارة.
الثانية: في الجبران في الشاتين، أو العشرين درهما.
الثالثة: في أصناف الثمار بالقيمة، نعني إذا اختلف أنواع الزروع والثمار، وفي المسألة أقوال أربعة.
الرابعة: في الشاة عن خمس من الأبل.
قلت: يعني إذا لم توجد قيمتها، وكذلك لو وجبت بنت مخاض أو ابن لبون ولم يجدهما -لا في ماله، ولا الثمن- فإنه يعدل إلى القيمة.
قلت: وبقيت صور.
منها: إذا اجتمع في ماله فرضان:
كالمائتين فيها أربع حقائق، أو خمس بنات لبون، وكانا عنده بصفة الإجزاء؛ فالمذهب أنه يجب إخراج الأغبط للمساكين -فإن أخرج غير الأغبط كان الفصل يسيرا، لا يمكنه أن يشتري به جزءا، تصدق بالدراهم، وكذا إن أمكنه في الأصح، لسوء المشاركة.
ومنها: لو قطعت الثمار رطبة، للخوف من العطش، وقلنا بالأصح أنه لا يجوز قسمها مقطوعة- جاز أخذ قيمة العشر في وجه.
ومنها: لو ضمن الزكاة بتلفها بعد التمكن أو إتلافها، فقضية كلام الرافعي
стр. 247
والنووي إيجاب القيمة في المتقوم، كقيمة شاة في خمس من الإبل وصحح الشيخ الإمام الوالد ﵀ أن الواجب كما كان قبل التلف، فيضمن شاة.
ومنها: قال الإمام -في آخر باب النية، في الصدقة: لو وجبت شاة ثم تلف الأربعون بعد الإمكان وعسر الوصول إلى الشاة ومشت حاجة المساكين.
فالظاهر عندي أنه يخرج القيمة للضرورة الداعية، كما لو أتلف مثليا ثم أعوزه.
قاعدة: ذكرها الأصحاب في كتاب الصيام الحقوق المالية الواجبة لله تعالى ثلاثة أضرب:
ضرب يجب لا بسبب من العبد؛ فإذا عجز عنه، وقت الوجوب لا يثبت في الذمة؛ بل يسقط وذلك كزكاة الفطر.
وضرب: يجب بسبب من جهته -على سبيل البدل- فيثبت في الذمة، تغليبا لمعنى الغرامة، كجزاء الصيد، ولم يستثن صاحب التقريب جزاء الصيد.
قال الإمام: وترك استثنائه منه غفلة.
قال: ولا ينبغي أن يعتقد فيه خلاف.
قلت: وكذلك فدية الحلق في الحج.
وضرب: يجب بسبه -لا على وجه البدن- فقولان:
أصحهما: أنه يثبت في الذمة إلحاقا بجزاء الصيد لأنها مؤاخذة على فعله، قال الرافعي: فعلى هذا متى قدر على إحدى الخصال لزمته.
والثاني: أنه يسقط عند العجز كزكاة الفطر، واحتج له بأنه ﷺ لما أمر الأعرابي [أن] ١ يطعمه أهله وعياله في حديث٢ المجامع لم يأمره بالإخراج في ثاني الحال، ولو وجب ذلك لأشبه أن يبين [له] ٣.
стр. 248
قال الرافعي: ولمن رجح الثاني أن يقول: لم قلت أن المصروف إلى الأهل لم يقع تكفيرا؛ فإنا روينا وجها مجوزا له عند الفقر.
وإن سلمنا ذلك، ولكن يحمل أن يكون الفرض باقيا في ذمته، ولم يبين له ذلك؛ لأن حاجته إلى معرفة الوجوب؛ إنما تمس عند القدرة، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز.
قلت: وأوضح من دعوى تأخير البيان إلى وقت الحاجة، أن يقال لم يؤخر البيان، بل بين حيث أمر بالصدقة.
ومن ثم قال الشيخ الإمام الوالد ﵀: في الحديث ما يدل للوجه الصحيح؛ لأن الرجل أخبر النبي ﷺ بعجزه عن الثلاث، ثم أتى النبي ﷺ بفرق من تمر؛ فقال: خذ هذا، فتصدق به ولو لم تكن استقرت في ذمته لما أمره بالصدقة.
وكلام الشيخ الإمام ﵀ هذ- متين، وبه يقع الانفصال على أمرين.
أحدهما: أن الرافعي قال: إنه لا يمكن الاستدلال بخبر الأعرابي على الجمع في هذه الصورة -يعني على السقوط- وفي صورة صرف الكفارة إلى الأهل والعيال على الجواز؛ وإنما يمكن الاستدلال به في أحدهما لأن المأمور بصرفه إلى الأهل والعيال إما أن يكون كفارة أو لا يكون.
إن كان: لم يصح الاستدلال به في هذه الصورة.
وإن لم يكن: لم يصح في الصورة السابقة.
قال الشيخ الإمام: قول الرافعي -إن كان كفارة ل يصح الاستدلال به في هذه الصورة ممنوع؛ لأن وقت الوجوب كان قد تقدم؛ فلو سقطت بالعجز حال الوجوب لما صرفت بعد ذلك، فالمأمور بصرفه إلى العيال إن كان كفارة صح الاستدلال بصرفه، والأصح الاستدلال بالأمر -قبل ذلك- بالتصدق به انتهى.
وأقول: هذا -على حسنه- لا يلاقي كلام الرافعي؛ لأن مراد الرافعي بتقدير كونه كفارة -أنه لا يصح الاستدلال به في الصورة على عدم السقوط؛ فإن الرافعي لم يذكر أن في الحديث دلالة على البتة؛ وإنما ذكر ذلك الشيخ الإمام ولا شك أنه متى كان كفارة دل على عدم السقوط، ومتى دل على عدم السقوط لم يستدل به على السقوط لأن بينهما تنافيا".
стр. 249
فكلام الشيخ الإمام صحيح؛ ولكن على طريقته، وهي أن الحديث أن الحديث يدل على عدم السقوط: وكلام الرافعي صحيح ولكن على طريقته، وهي أن بعضهم احتج به للسقوط ولم يتحدث الرافعي في دلالته على عدم السقوط البتة؛ بل غايته أنه دفع الاحتجاج به على السقوط، أما أنه بقيمه دليلا للثبوت فلا.
الأمر الثاني:
أن الإمام قال: بعدما حكى تردد الإصحاب في أن العلة إذا أفرطت تكون عذرا في ترك الصيام، أي الصيام الكفارة، وفي جواز صرفها إلى العيال الرأي عندنا إلحاق قصة الإعرابي برخصة خص الشارع بها معينا، وكثيرا ما كان يفعل رسول الله ﷺ ذلك، وهذا نحو قوله١ ﷺ في قصة الأضحية "تجزئ عنك، ولا تجزئ عن أحد بعدك"، وجرى مثل ذلك في إرضاع الكبير٢؛ وهذا -وإن كان على بعد- فهو أهون من تشويش أصول الشريعة، لقصة نقلها آحاد وأفراد- انتهى.
وحكاه عنه الرافعي، ثم اعترضه بأن مثل هذا التأويل؛ إنما يصار إليه عند الاضطرار، ولنا عنه مندوحة.
ونعني فنقول: [من] ٣ أفسد يوما بالجماع يجب عليه -مع الكفارة- قضاء اليوم قلنا: روي أنه ﵇ قال للرجل: "واقض يوما مكانه"٤.
стр. 250
ولا تصرف الكفارة للعيال، ويعتذر عن الحديث بمثل التأويلات المنقولة عن الإمام، وتستقر في الذمة عند العجز ويعتذر بما أوردناه -آنفا- عن الرافعي. وأما العدول إلى الإطعام بعذر شدة الغلمة؛ فهو الأصح جريا على ظاهر الخبر، فاستغنينا فيه عن التأويل.
هذا حاصل كلام الرافعي، وفيه نظر من وجوه.
أحدها: أن غاية معارضة تأويل الإمام؛ حيث قال: يحتمل ويكون مخصوصا بصاحب الواقعة -بتأويلات أبداها، وليس أحد التأويلين أولى من الآخر ما لم يظهر ترجيحه ولم يظهر.
والثاني: إن كلامه كالصريح في أن الحديث يستدل به على الصور الأربع، ومنها الصورتان المتنافيتان اللتان قدم هو أنه لا يمكن الاستدلال به إلا في إحداهما.
والثالث: أن قوله في اشتداد الغلمة: الصحيح الجريان على ظاهر الخبر لا حاجة إلى تأويل. لا يفيد جوابا عن دعوى الإمام -أنه مشوش لأصول الشريعة، وأن تأويل الحديث وصرفه عن ظاهره أولى من هدم القواعد؛ إذ لا جواب لهذا الكلام إلا بأن نبين أنه غير مشوش، لا أن يقال: إذا كان الأصح الإجراء على ظاهر الحديث؛ فلا حاجة إلى التأويل؛ فطريق الجواب، أن نبين أن القول بظاهر الحديث جار على منهج قياسي، لا يشوش أصول الشريعة- ولم يبين ذلك:
فإن قلت: فبقى كلام الإمام شديدًا، لم يقع عنه انفصال، وقد قدمتم وقوع الانفصال عنه.
قلت: إنما قدمنا وقوع الانفصال عنه في مسألة الاستقراء في الذمة عند العجز، ووجهه أن الحديث دال على الاستقرار على خلاف ما فهمه المخالفون.
وأما في مسألة الغلمة فلا وجه إلى التأويل الذي أبداه الإمام، والتزم أنه لا يجوز
стр. 251
العدول إلى الإطعام لغير ذلك المجامع، وهي طريقة الغزالي التي صححها في كتاب "الكفارات".
أو أن يقال: هب أن الحديث معارض بالقياس لكن العمل بظاهر الحديث أولى من القياس، وهو الأصح في الأصول....
فائدة: كل١ من أتى بأفعال العمرة سقطت عنه عمرة الإسلام، قال الجرجاني: إلا في مسألتين.
قاعدة: كل دم يتعلق بالإحرام، يجب إراقته في الحرم إلا دم المحصر في الحل، والدماء اللازمة بارتكاب المحظورات؛ فإنه يجوز ذبحها في الحل؛ لأنه موضع تحلله؛ فهو كالحرم في حقه.
قاعدة: "كل جملة مضمونة بالمثل يكون النقص الداخل عليها باجلناية مضمونا بالأرش من القيمة دون المثل".
وفيه مسائل:
منها: لو جرح صيدا "له مثل" عشر قيمته لزمه عشر قيمة المثل، لا عشر المثل، وقيل: يجب عشر المثل إلا أن يتعذر.
ومنها: الطعام المغضوب إذا بله بالماء أو قلاه بالنار؛ فإن عليه أرش نقصه من المثل.
стр. 252
القول في قواعد ربع البيع وما لعلنا نورده فيه من غيرها:
فقد أشكلت حقيقة الملك على طوائف من النظار، وزل من قال منهم "إنه التصرف"؛ لأن المحجور عليه يملك ولا يتصرف، كما أن الولي يتصرف ولا يملك والمختار في تعريفه: أنه أمر معنوي، وإن شئت قل: حكم شرعي مقدر في عين أو منفعة يقتضي تمكن من ينسب إليه انتفاعه به والعوض عنه من حيث هو كذلك.
أما قولنا: "حكم شرعي" فالإجماع عليه، ولأنه تبع الأسباب الشرعية فيكون حكما شرعيا.
стр. 253
وأما "أنه مقدر؛ فلأنه يرجع إلى تعلق إذن الشرع، والتعلق عدمي ليس وصفا حقيقيا؛ بل يقدر في العين أو المنفعة عند تحقق الأسباب المقيدة للملك.
وقلنا: وفي عين أو منفعة لأن المنافع تملك كالأعيان ويورد عليها عقد الإجارة.
وقولنا: يقتضي انتفاعة ليخرج تصرف القضاة والأوصياء؛ فإنه في أعيان أو منافع لا يقتضي انتفاعهم١؛ لأنهم لا يتصرفون لانتفاع أنفسهم، بل لانتفاع المالكين.
وقولنا: "والعوض عنه" يخرج الإباحات في الضيافات؛ فإن الضيافة مأذون فيها، ولا يملك عوضا عنها.
ويخرج أيضا: الاختصاص بالمساجد، والربط مقاعد الأسواق؛ إذ لا ملك فيها مع التمكن من التصرف.
وقولنا: من حيث هو كذلك "إشارة إلى أنه قد يتخلف لمانع يعرض للمحجور عليهم. لهم الملك، وليس لهم التمكن من التصرف لأمر خارجي؛ فالقبول الذاتي حاصل؛ فلا ينافيه العارض الخارجي.
واعلم أن هذا مختص بالملك المقيد، الذي لا يطلق عليه الملك إلا توسعا وهو ملك العباد لما ينسب إليهم، والمالك في الحقيقة هو الله تعالى.
وقد قال أئمتنا: والعبارة لإمام الحرمين في الشامل: لا يتقرر في حق العباد ملك الرقاب -وإن أطلق توسعا، وتجوزا بعد أن ذكر أن المرتضي عنده في معنى الملك أن المالك للشيء، ومن يجوز له فعله إذا كان مقتدرا عليه، ويندرج في ذلك -على ما ذكر- ملك الله، وملك البشر ذكره في أثناء مسألة خلق الأفعال.
فصل:
إذا عرفت حقيقة الملك فنذكر حقائق ألفاظ يكثر ترددها في ربع البياعات.
منها: الذمة، وستعرفها في باب الفرائض؛ لأنه بها أمس.
ومنها: الصحة، وقد أغنانا الأصوليون عن تعريفها؛ غير أنا نعرفك. هنا أن الانعقاد والصحة في هذا الباب عبارتان عن معبر واحد ولا شك أن الانعقاد أثرها؛ فكأنه
стр. 254
عبر بالمؤثر عن الأثر وعكسه؛ فكل صحيح منعقد، وكل منعقد صحيح، ولا يقال في الفاسد: أنه منعقد، إلا مجازا، فيقال: هذا عقد فاسد؛ حيث لا عقد حقيقي، ولكن صورة عقد.
ومنها: النفوذ وهو عبارة عن انعقاده مؤثرا في المحل مبينا لحكمه والباطل والفاسد بمعنى واحد عندنا لا ينفذ له حكم. ولا يثبت.
ومنها: اللازم وهو ما لا يقبل الفسخ، أو ما لا يتمكن من إبطاله قد يكون من جانبين، وقد يكون من جانب واحد ومنها: الجائز عكس اللازم.
ومنها: الفسخ، حل ارتباط العقد.
ومنها: الاستقرار، عبارة عن الأمن من سقوط الملك بسبب انفساخ العقد، أو فسخه؛ فإن الملك مستقر في كل من العوضين بعد قبضه، وإن لم يؤمن زوال الملك بسبب الفسخ بالعيب.
وفي تعليق البندنيجي أن المستقر ما لا يخشى سقوطه بزوال سببه كثمن المبيع بعد قبض المبيع -على وجه الصحة- والأجرة بعد انقضاء المدة، والمهر بعد الدخول، والعوض في الخلع، وقيم المتلفات، وأروش الجنايات.
فائدة: الإيجاب والقبول هل هما أصلان في العقد، أو الإيجاب هو الأصل والقبول فرع؟
ورأيت في كلام الشيخ الإمام العلامة شمس الدين بن عدلان١ ﵀ حكاية خلاف في ذلك، ولم أر ذلك في كلام غيره، وقد كان ﵀ عمدة من عمد المذهب يرجع إليه نقلا وتصرفا.
قال -وعليه بني بعضهم: ما إذا قال المشتري: يعني -فقال البائع: بعتك، هل
стр. 255
ينعقد؟ إن قلنا: بالأول صح، وإن قلنا بالثاني لم يصح؛ لأن الفرع لا يتقدم على أصله.
قلت: قاعدة مستنبطة:
كل قبول جائز أن يكون بلفظ قبلت، وباللفظ المحاكي للفظ الإيجاب أو المرادف للفظ الإيجاب.
فتقول في جواب بعتك، قبلت، أو ابتعت، أو اشتريت، وفي جواب أنكحتك: قبلت، أو نكحت، أو تزوجت، ونحو ذلك على ما تحرر في الفقهيات.
ولا يتعين اللفظ المحاكي إلا في مسألة واحدة، وفي غيرها على خلاف فيه أما المسألة المجزوم بها؛ فإذا قال لها: إن ضمنت لي ألفا فأنت طالق فلا بد أن تقول: ضمنت -على ما اقتضاه كلام الإمام والغزالي- ولا يكفي شئت بدل ضمنت -صرح به الأصحاب، ولا قبلت، صرح بن ابن الرفعة، وناقش فيه الرافعي زاعما أن كلامه اقتضى أنه يكفي.
والرافعي لم يقتض كلامه ذلك؛ وإنما قال: المراد بالضمان، هنا القبول والالتزام دون المفتقر إلى أصل فمراده بالقبول الالتزام -غير معترض على لفظه- نبه عليه الوالد.
وأقول: القول بأن لفظ قبلت لا يكفي، فيه نظر؛ فإن المعلق عليه هذا الضمان لا لفظه؛ فلم لا يكفي قبلت؟
وأما المختلف فيها.
فمنها: إذا قال: خالعتك بألف: فقالت قبلت الألف، صح.
قال الرافعي: وفي فتاوي القفال، أن أبا يعقوب غلط؛ فقال في حق المرأة: لا بد أن نقول: اختلعت والأجنبي لا يحتاج إليه.
هذا كلام الرافعي، وأبو يعقوب هو الأبيوردي١ وقد وقفت على فتاوى
стр. 256
القفال، وليس فيها زيادة على هذا، وقد فهم منه الوالد أن أبا يعقوب يشترط لفظ اختلعت ليوافق لفظ خالعت، وهذا يدل عليه قوله في حق المرأة: لا بد أن تقول: اختلعت؛ غير أنه يدفعه شيئان.
أحدهما: لفظ الألف في قول الرافعي: قبلت الألف؛ فإنه لو كان المراد اشتراط لفظ اختلعت دون قبلت لم يحتج إلى ذكر الألف.
والثاني: أنه لو كان المراد توافق اللفظين لم نفرق بين المرأة والأجنبي؛ فالذي أفهمه من هذا ما فهمه ابن الرفعة في "المطالب"، وفرق بين المرأة والأجنبي بأن الأجنبي لا يحتاج أن يقول: اختلعت؛ لأن حظه منه قبول المال فكفى، ولا كذلك الزوجة، يعني: فإن الطلاق من حيث كونه واقعا عليها لها فيه حظ؛ فاشترط لفظ من قبلها يدل على قبول العقد، بأن يطلق -قبلت مطلقا غير مسند إلى المال، أو اختلعت.
وهذا الذي فهمته، هو الذي فهمه شيخنا الأخ أبو حامد "شيخ الإسلام" سلمه الله وأطل بقاءه فقال فيما كتبه إلي:
القول في شرائط المبيع:
ولهم في عدها اختلاف، والمشهور أنها خمس: أن يكون طاهرا منتفعا به، مقدورا على تسليمه مملوكا للعاقد أو لمن يقع له العقد، معلوما.
ومنهم من اكتفى الشروط كانت القدرة زائلة، هذا يؤول إلى الدور.
فإن الغرض تعريف تلك الشروط الشرعية، ولنا هنا لتحقيق العبارة عن شرائط المبيع؛ فإنا مكتفون بفهمها، متكلمون -بعدها- على فصول أخر.
فصل:
لا يلزم من حصول الشرط حصول المشروط؛ وإنما اللازم انتفاء المشروط عند انتفائه؛ فلا يلزم من اجتماع شروط البيع صحة البيع، بل لا بد من صفات في العاقد والمعقود عليه، ومع ذلك قد يمتنع البيع لأسباب أخر؛ إلا أن تلك الأسباب خارجة عن صفات المبيع والبائع والمشتري والصيغة؛ فلا تلزم اعتمادها عند ذكر أركان العقد وشروطه.
ويظهر هذا بأنه رب مستجمع لهذه الشروط لا يصح بيعه، وهو في مسائل:
стр. 257
منها: الأضحية إذا أهدى من لحمها إلى غني أو تصدق على فقير فهو يملكه، وله التصرف فيه بالهبة والهدية، ولا يجوز البيع.
فصل:
قد يجوز البيع، ولكن من شخص دون شخص. وهو في مسائل:
منها: بيع رقبة الموصي بمنفعته، ثالث الأوجه وهو الأصح، يصح من الموصي له دون غيره.
ومنها: بيع المشتري المبيع قبل انقضاء الخيار من البائع صحيح ومن غيره باطل على خلاف فيه.
ومنها: بيع المفلس -المحجور عليه- من الغرماء، قيل: يصح، وقيل لا يصح إلا بإذن القاضي، وهو الصحيح.
ومنها: بيع المغصوب من قادر على انتزاعه صحيح على الصحيح، ومن غيره باطل.
ومنها: بيع الثمرة قبل بدو الصلاح - من مالك الشجرة.
قبل: يصح من غير شرط القطع، والصحيح لا، كما لو باعها من غيره.
ومنها: لو اختلط حمام مملوك بغيره، وعسر التمميز فليس لواحد منهما التصرف بيع أو هبة من ثالث، أما من الآخر فوجهان:
ومنها: المستعير للغراس والبناء له أن يبيع من المعير وبالعكس، وللمعير بيع الأرض من ثالث، وفي المستعير وجهان: أضحهما كذلك.
ومنها: بيع المكاتب باطل -على الجديد- إلا أن يبيعه من نفسه فيصح على [الصحيح] ١.
فصل:
نتكلم فيه على وقف العقود.
стр. 258
إذا تحقق انتفاء شرط تحقيق انتفاء الصحة، وإن شك فيه [يحتمل] ١ القطع بانتفاء الصحة، ويحتمل الشك والوقف فيها إلى البيان.
مثال الأول: بيع الفضولي يحقق انتفاء الملكية فالجديد بطلانه.
ومثال الثاني: بيع مال الأب على ظن أنه حي فإذا هو ميت، وأكثر المسائل أنه هل يعتبر الظاهر، أو ما في نفس الأمر؟ وقد قدمناه في القواعد المطلقة.
غير أنا نقول -هنا- أن القولين فيها وفي بيع الفضولي -يعبر عنهما بقولي: وقف العقود، ويقال: الوقف وقفان: وقف صحة، كما في بيع الفضولي على القول به -فالموقوف منه كون العقد صحيحا. وفاقا للشيخ الإمام، وخلافا للإمام؛ حيث قال: الصحة ناجزة، والموقوف على الإجازة؛ إنما هو الملك ونقله عن الرافعي ساكتا عليه.
وقد تكلم الشيخ الإمام [الوالد] ٢ ﵀ في باب التفليس من تكملة شرح المهذب -على وقف العقود كلاما مبسوطا، أنا ألخصه هنا مع زيادات.
[فأقول] ٣: جعل الإمام -على ما تحصل من كلامه في بيع الغرر، وفي الكلام على عتق الراهن- الوقف أصنافا بيع الفضولي، وبيع مال الأب الحي المظنون الحياة، وبيع الغاصب، وبيع الراهن والمرهون، ويقرب منه بيع المفلس، المريض.
ويظهر أن يقال: إذا أورد العقد على غير قابل لمقصوده فهو باطل قطعا، ولا وقف فيه كما لو باع خمرا، أو نكح معتدة؛ فلا يقال: إنه متوقف على تخلله أو انقضاء عدتها، بل يجزم ببطلانه.
وإن كان المعقود عليه قابلا للمورد؛ فهو الذي يدخل فيه الموقف والتحقيق: أن الوقف وقفان؛ وقف صحة، ووقف تبيين، ولا يلزم من فساد الأول فساد الثاني؛ إذ الأول أجدر بالفساد.
أما وقف الصحة:
فهو الذي لم يصدر العقد فيه من أهله، أو صدر من أهله؛ ولكن مع قيام مانع.
ولك أن نقول: هو الموقف على أمر يوجد في المستقبل.
стр. 259
ثم هو درجات:
[أبعدها عن الصحة ما صدر من غير أهله، وسهل نقضه، وهو بيع الفضولي والثاني] ١.
ما صدر من غير أهله؛ غير أن نقض صعب كتصرف الغاصب بالبيع والشراء تصرفات كثيرة عسر تتبعها، والأول أولى بالفساد من الثاني؛ لأن الضرورة قد تلجئ إلى تصحيح الثاني.
ومن ثم كان لنا قولان: في الجديد في الثاني وليس لنا في بيع الفضولي؛ إلا قول قديم؛ غير أن الصحيح في البطلان؛ لأن القول فيه الصحة، مع القول في الفضولي بالبطلان، يفضي إلى اعتبار الشرط بعد المشروط، وقد أجمع العقلاء على أن الشرط مقدم أو مقارن.
الثالثة:
ما صدر من أهله غير أن في مانعا يمنع نفوذه كتعلقه برقبة مورد العقد، وكذا بذمته مع الرقبة على وجه، وهو بيع العبد الجاني، فالصحيح بطلانه وإن اختار السيد الفداء وفاقا للشيخ الإمام، وخلافا للبغوي؛ حيث قال: إن اختار الفداء صح.
ولم يذكر الرافعي والنووي سواه، وهو ضعيف؛ لأن اختيار الفداء لا يلزمه وله الرجوع عنه، ولا ينبغي أن يبطل حق المجني عليه بالتزامه أن يفرق بين الموسر والمعسر؛ فإن تعلق الحق أن منع فلا يدفعه اليسار.
وفي التتمة قول: أن بيع الجاني موقوف -كذا عزاه الرافعي إلى التتمة [وربما قال بعض الناس: لا حاجة إلى عزوة إلى التتمة] ٢ وهو القول القديم في بيع الفضولي.
قلت: وقد عرفناك ما تعرف به أن هذا جديد -لا قديم- وأنه مقول به مع القول ببطلان بيع الفضولي.
الرابعة:
صادر من أهله مع المانع إلا أن المانع فيه دون الجناية؛ وذلك كبيع المرهون،
стр. 260
ففيه ما قدمناه من احتمال الإمام، وفي هبته وجهان في الجديد وفي عنقه الأقوال المعروفة أصحها الفرق بين المعسر والموسر:
الخامسة:
صادر من أهله غير أن المانع في غير قوي قوة المانع قبله؛ وذلك لاحتمال أن يتبين بالآخرة اندفاع الموجب له، وهو كتصرف المفلس؛ فإنه قد تبين بالآخرة أنه لم يمنع حق الغرماء، وليس كالرهن؛ فإنه يتعلق بكل المرهون ومن ثم قال ابن الرفعة في المفلس: إذا تبين بالآخرة فاضل عن دينه فتبين أن الحجر لم يشمل القدر الفاضل وخالفه الشيخ الإمام، وقال: بل شمل الكل وهو الارجح ويشهد بخلافهما اختلاف الأصحاب. في أنه هل ينقض من تصرفاته الأضعف فالأضعف وهو الصحيح. وفيه دلالة للشيخ الإمام -فالآخر.
السادسة: تصرف المريض فهو أقرب التصرفات إلى الصحة؛ لأنه لا يحل له الإقدام على التصرف اعتمادا على بقاء الحياة، والمفلس ممنوع، لمراغمته بالتصرف ما شرع الحجر لأجله.
وهذه فروع مما يلحق بموقف العقود.
منها: إذا قسم الحاكم مال المفلس، ثم ظهر غريم؛ فالظاهر أن القسمة لا تنقض، ويشارك من ظهر بالحصة، وقيل: تنقض.
فعلى الأول: لو أعسر بعض الآخذين قدر كالعدم وجعل الغريم الآخر كأنه أخذ كل المال، وقيل: إنما يؤخذ بالحصة.
[ويظهر] ١ هذا الخلاف في بعض الورثة يقر بدين وينكر البعض، هل يؤخذ من المقر الكل أو بالحصة؟
ومنها: إذا أعتق عبيدا -لا يحتملهم الثلث- فأخرجنا الثلث بالقرعة ثم ظهر للميت دفين -يخرج جميعهم من الثلث- فيحكم بعتقهم جميعا، ومن يوم إعتاقهم ترجع إليهم اكسابهم، ولا يرجع الوارث، بما أنفق عليهم، كمن نكح فاسدا -على ظن الصحة- لا يرجع بالنفقة ولو ظهر دين مستغرق فالعتق بالقرعة باطل.
стр. 261
ومنها: إذا باع العدل الرهن بثمن المثل، ثم زاد راغب قبل التفرق انفسخ البيع -على ما صححه الرافعي وغيره- فلو بدأ الراغب قبل التمكن من بيعه فالبيع الأول بحاله، أو بعده؛ فقد ارتفع العقد، فلا بد من عقد جديد، وفي طريقة الصيد لا في أنا نتبين أن البيع بحاله.
ومنها: جنى على المرهون فعفا على مال فليس للراهن العفو لحق المرتهن وفي قول: العفو موقوف ويؤخذ المال في الحال لحق المرتهن؛ فإن انفك الرهن رد إلى الجاني وبان صحة العفو؛ وإلا بان بطلانه.
ومنها: نكاح المرتابة، وسيأتي.
ومنها: لو قال -عند خوف غرق السفينة: ألق متاعك وأنا الركبان ضامنون، وقال: أردت إنشاء الضمان عنهم؛ فعن بعض الأصحاب أنهم إن رضوا به ثبت المال. ونازع فيه الرافعي، وقال: العقود لا توقف.
ولينظر كلام الإمام في ذلك في باب عقود الضمان.
ومنها: من أسلم من الوثنيين بعد الوطء، انتظرنا إسلام الآخر [في العدة] ١؛ فإن أسلم فيها استمر النكاح، وإلا تبين حصول الفرقة من حين إسلامه؛ فلو طلقها قبل تمام العدة فالطلاق موقوف.
ومنها: أسلمت تحت عبد وثني وعتقت وهي مدخول بها.
ومنها: أسلم من أربع، وتخلف أربع وثنيات تعين الأوليات للفسخ٢.
ومنها: عتقت تحت عبد؛ فلها الخيار، والمسألة فيها تخريج -للإمام- على وقف العقود.
ومنها: خلع المرتدة موقوف إن أسلمت قبل تبين صحته.
ومنها: ذبح أجنبي أضحية معينة بالنذر أو هديا معينا، بعد بلوغ النسك، وقع الموقع.
وفيه قول قديم أن لصاحب الأضحية أن يجعلها عن الذابح ويغرمه كمال القيمة، بناء على وقف العقود.
стр. 262
فصل:
أما وقف التبين: فهو الذي يصدر العقد فيه من أهله باطنا لا ظاهرا. وإن شئت. قل: هو الموقوف على أمر تبين وجوده فيما مضى.
ولا يخفى أنه أقرب إلى الصحة من القسم قبله ولذلك كان صحيحا؛ إما جزما وإما على الصحيح.
وفيه مسائل:
منها: بيع مال الأب الميت المظنون الحياة، الصحيح الصحة.
وقد تقدم الكلام في وفي نظائره -في القواعد المطلقة- في قاعدة: هل العمل بالظاهر أو بما في نفس الأمر؟
ومنها: الطلاق المبهم؛ فإن تزوج يمنع من قربان زوجته إلى أن يتبين وكذلك في مسألة الغراب.
ثم التعيين إن لم يكن طلاقا -وهو الصحيح- فالوقف وقف تبين.
ومنها: لو قال: بعتك هذه الصبرة بعشرة كل صاع بدرهم ولا يدري أنها عشرة آصع؛ فالصحيح الفساد، للجهل بالمقابلة.
وعلى القول بالصحة فهو موقوف لتحقق المقابلة وهو من وقف البيان.
ومنها: في الربا لو باع صبرة بصيرة متساوية وخرجتا متساويتين صح؛ وإلا فالأصح البطلان وعلى الصحة يوقف لبيان المماثلة.
ومنها: إذا قال أحد الشريكين المعسرين: إن كان هذا الطائر غرابا فنصيبي حر، وقال الآخر: إن لم يكن فنصيبي حر، ولم يعرف -لا يحكم عتق نصيب واحد منهما، والولاء موقوف١، أو بان حكم بعتق النصف.
ولنا بحث سنذكره عند ذكر المسألة -إن شاء الله تعالى- في قسم أصول الدين في مسألة لازم النقيضين في أن هذا الوقف، هل هو وقف تبين؟
ومنها: أصح الأقوال في مال المرتد أنه موقوف.
стр. 263
ومنها: ملك المبيع في زمن الخيار: الصحيح أنه موقوف.
ومنها: نكاح المرتابة بالجمل: قبل على وقف العقود، وقيل بالتبين.
ومنها: لو عين المريض عينا تباع، ويوفي منها دينه؛ فقيل: للورثة إمساكها والوفاء من غيرها، وقيل: لا فعلى هذا، لو باعها الوصي قبل استئذان الورثة؛ فقيل: باطل، وقيل: موقوف -فإن وفوا فلهم نقض المبيع وإلا انبرم.
وقد يقال: ليس هذا وقف تبين، بل وقف صحة.
ومنها: إذا نجز المريض عتق أمته التي لا يملك سواها. ملك قريبة تزويجها؛ فإن ظهر أن ذلك١ العتق يشمل جميعها، تبين بطلان النكاح إن لم يجز للوارث، وكذا إن أجاز وقلنا: إنه ابتداء عطية، وإن قلنا: يتقيد ثبتت الصحة.
ومنع ابن الحداد التزويج؛ لأن عتقها موقوف وربما لا تعتق كلها -وهو ظاهر الحال-
فعلى هذا لو كانت جميعها تخرج من الثلث؛ فهل تزوج أم لا؟
- لاحتمال تلف المال- للإمام فيه احتمالان والقائلون بالصحة قاسوا التزويج على جواز التصرف في المتبرع به.
وعن الشيخ أبي علي أن من وافق ابن الحداد يحتمل أن يطرد ذلك في هبة - الجارية، حتى لا ينفذ تصرف المتهب القابض، إذا كان ذلك التصرف لا يحتمل الوقف ولا يحل له الوطء.
قلت: ووقع في البحر -للروياني- في باب عتق العبيد لا يخرجون من الثلث فيمن أعتق ستة أعبد -لا يملك غيرهم- أنه لا يحكم بعتقهم، لجواز أن يظهر دين، ولا برقهم؛ لجواز أن يستفيد مالا وأكسابهم موقوفة أيضا.
ولو كان للمعتق مال -يخرجون من ثلثه- لا يحكم بعتقهم قبل موته لجواز أن يتلف ماله؛ فلا يصل إلى ورثته.
وهذا يوافق ما نقل ابن الحداد، وأحد احتمالي الإمام.
ونزيد عليهما؛ فإن ذلك مخصوص بالنكاح لما فيه من الاحتياط، وهذا عام؛ فالوجه تأويله على أنا لا نحكم بعتقهم، ولا برقهم -عتقا، ورقا يستقر قراره. وتوافق
стр. 264
عبارته قول الرافعي- لما تكلم على المرض المخوف.
أنا نحجر على المريض في التبرع بالزائد على الثلث ولا ننفذه؛ لكنه لو فعل ثم بريء، تبين صحة التبرع؛ فإن ذلك لم يكن مخوفا.
فظاهر: أنا لا ننفذه، يوافق قول ابن الحداد، والوجه تأويله على ما ذكرناه؛ وإلا فهو موقوف على إجازة الورثة إن أدى الحال إلى الموت وإلا فالتصرف نافذ من كل وجه.
إذا عرفت هذا تبين لك به تردد في تصرف المريض، وموقوف هو حتى يجيء في بيعه القولان في وقف العقود ويلحق بالقسم الأول، وهو وقف الصحة، وقد قدمنا ذلك- أو صحيح بناء على تمام السبب حال التصرف.
وإن كان ماله إلى إجازة الورثة؟ ويكون رد الوارث بمثابة أخذ الشفيع من حينه، وليس مستندا إلى وقت البيع.
لا فارق بينهما إلا أن الشفيع يقرر عقد البيع، وهذا يرد؛ فيكون كالرد بالعيب يرفع من حينه.
وقد يقال في الرد بالعيب تقدير ما؛ ألا ترى أن إمام الحرمين حكى في "الفروع المنثورة" في كتاب العتق قولين فيما إذا رد الوارث الزيادة على الثلث هو نقول: الزيادة ثبتت ثم ردت، أو تبين أنها لم تنفذ.
ومنها: إذا اكتفينا بظاهر الصبرة فتبين تحته دكة: قال "في الوسيط" فهل تبين بطلان العقد.
ومنها: قال في الوسيط: إذا منعنا بيع الغائب فالرؤية السابقة كالمقارنة -إذا كان مما لا يتغير- فلو تغير على الندور؛ فهل يتبين بطلان العقد، أو يكتفي بالخيار؟ فيه خلاف صحح النووي الثاني.
ومنها: ظاهر كلامهم أن اللعان يقع في الردة، ويمكن أن يكون ذلك في مدة الإمهال.
ومنها: إذا طلق رجعيا أو بائنا. ثم وطئها أجنبي في العدة -بشبهة- ثم حملت منه، فإنها تعتد بالحمل.
стр. 265
فصل:
في الإقدام على العقود الفاسدة.
وقد تردد كثير من المتأخرين أهو حرام، أم حلال؟ وذكر الوالد ﵀ في باب الوصية -عند الكلام على الوصية١ بأكثر من الثلث: "أنه ينبغي أن يقال: إن قلنا: الوصية بأكثر من الثلث باطلة، أو إن الإجازة ابتداء عطية فهي حرام؛ لأنها عقد فاسد، قصد به تحقيق حكم غير مشروع انتهى.
فهذا ضابط جيد في تحريم فاسد التصرفات، وأنه لا يحرم منها ما صدر تلاعبا، ولا قصد فيه، لم يثبت مقتضاه عليه وهو قضية كلام الغزالي. ثم ذكر في كتاب النكاح نظيره [فقال] ٢ عند الكلام فيما إذا جمع بين الأختين، بعدما ذكر أن ابن الرفعة أخذ من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ . أن الإقدام على العقد الفاسد حرام؛ لأن حقيقة الجمع بالوطء غير ممكنة؛ إنما الممكن بالعقد.
إن الحق ما قاله الغزالي إنه متى قصد تحقيق المعنى الشرعي فهو حرام وإن قصد تحقيق اللفظ -من غير تحقيق معناه؛ فهذا لغو -ليس بعقد، ومع ذلك إن كان له محمل- من ملاعبة الزوجة ونحوه، فلا يحرم، وإلا فيحرم، إذ لا محمل غير الحق الشرعي، أو التلاعب وكلاهما حرام.
قاعدة: كل عين ثبت لمن هي تحت يده حق حبسها ليستوفي ما وجب برهنها، أو بسبب العمل فيها، لا يجوز لمالكها بيعها بغير إذن صاحب اليد إلا بعد وفاء الحق.
وفيه نظائر:
منها: المرهون.
ومنها: الصباغ إذا صبغ الثوب؛ فإنه لا يصح بيعه قبل توفية الأجرة.
ومنهاك القصار إذا قصر الثوب، لا يجوز بيعه، قبل توفية الأجرة.
إن قلنا: القصارة عين - وإن قلنا: أثر؛ فلا حق له في حبسها.
ومنها: لو استأجر صباغا ليصبغ له ثوبا، وسلمه إليه أو صائغا على عمل ذهب
стр. 266
ونحوه فليس له بيعه ما لم يقبضه -صرح به المتولي وغيره- لأن له حبسه إلى أن يعمل فيه ما يستحق به العوض.
وعليه يخرج ما قبل -في بيع الأشجار المساقي عليها- أنه لا يصح؛ لأن المساقاة عقد لازم، وقد استحق العامل أن يعمل فيها ما يستحق به أجرا. ومن خرجها على بيع العين المستأجرة؛ فقد غفل عن ملاحظة هذا الأصل.
سؤال:
لعلك تقول: هذه القاعدة ترد نقضا على قولنا: "شرط المبيع أن يكون طاهرا منتفعا به، مقدورا على تسليمه. مملوكا لمن وقع العقد له "فإن هذه الشروط موجودة في الثابت حق حبسها، ثم لا يجوز بيعها، فالتعريف -إذن- غير مطرد.
والجواب: أنا ذكرناه خارجا عن١ شرط القدرة على التسليم؛ فإن عدم القدرة قد يكون حسيا، وقد يكون شرعيا، كالمرهون.
واعلم أنه لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط، وهذه الأوصاف ليست تعريفا للمبيع، ولكن شرائط له ولذلك تجتمع.
ثم لا يجوز البيع في صور.
منها: الأضحية إذا أهدى لحمها إلى غني، أو تصدق به على فقير فإنه يملكه، وله التصرف فيه بالهبة والهدية - دون البيع.
أصل مستنبط:
إذا تعلق بشيء واحد حق اثنين فصاعدا؛ فهل نقول: كل منهما يستحقه على التمام والكمال -ولكن ضرورة الازدحام أدت إلى التناصف، أو إنما يستحقه بقسطه منه؟
وكان الشيخ الإمام ﵀ يتردد فيه، ويرجح الأول وينصره، وقد ذكره في باب الوقف، وفي أماكن من نظائره حتى انتهى إليه بصره، وأطنب في تقريره في كتاب موقف الرماة.
стр. 267
ورأيت -أنا- بعد وفاته ﵀ من كلام ابن سريج ما يشهد له في كتاب "النهاية" في باب الأقضية واليمين مع الشاهد عندما ذكره ما إذا وقف على أولاده١، ثم أولاد أولاده وكانوا ثلاثة الوقف يصرف أثلاثا؛ فتجدد ولد وولد فصار أرباعا؛ فإن حلفوا وقفنا ربع الوقف من حين ولادته وبقينا في يد الحالفين ثلاثة أرباعه كما كان؛ فإن بلغ ونكل عن اليمين، قال الإمام: فالمنصوص للشافعي أن ما وقفناه مردود على الأولين، فتعود القسمة أثلاثا كما كانت ويخرج هذا الجديد من البين.
وقال المزني: "الربع الموقوف يصرف إلى الأولين؛ فإنهم لا يدعونه بل هم معترفون أنه للولد الجديد، وقد تعذر الصرف إليه بسبب نكوله".
إلى أن قال: "والمقدار الذي ذكره الأصحاب لنصرة النص ما حكوه عن ابن سريج؛ فإنه قال: كان الأولون مستحقين جميع الوقف قبل وجود هذا المولود فإذا وجد دخل استحقاقه على الأولين دخول العول وكل استحقاق يطرأ على استغراق فهكذا يكون ثم استحقاق العول يوجبه التصرف إلى المستغرقين إذا [تعذرت] ٢ جهة العول، وهذا يناظر الديون والتركة إذا كانت التركة ألفا والدين ألف؛ فهي مصروفة إلى الدين؛ فلو ظهر ألف آخر التركة بينهم؛ فلو أسقط صاحب الدين الظاهر حقه، فصاحب الأول يستغرق حقه "انتهى".
وهو نص في مذهب الشيخ الإمام، ورددت لو وقفت عليه في حياته؛ لأدخل على قلبه سرورا بإيقافه عليه. على أنه نقل في كتاب موقف الرماة يقرب منه.
وفي القاعدة فروع:
منها: إذا حمى الإمام أرضا، فدخل واحد من الرعية فرعاه ومنع غيره قال القاضي أبو حامد: "لا يعزر والناس يسشكلون هذا، وحمله الوالد ﵀ على أن موضع انتفاء التعزير كونه استيفاء، ووجهه أنه إنما استوفى حقه قال: ولا تقول بأنه مشترك حتى يكون كالتصرف في العين المشتركة فيعزر بل هو يستحقه وغيره أيضا يستحقه.
قال: وأما منعه الغير فيعزر عليه.
ومنها: لو زال ملك المشتري ثم عاد بعوض وأفلس؛ فهل حق الرجوع في عين المبيع للبائع الأول -بسبقه- أو للثاني- لقرب حقه- أم يشتركان ويضارب كل بنصف
стр. 268
الثمن؟ فيه أوجه لا تصحح للمشايخ الثلاثة -الرافعي والنووي والوالد- فيها، والأرجح عندي الثاني، وذكر الإمام في النهاية أنه لقياس، وعلى الثالث إنما اشتركا لثبوت الحق لكل منهما على التمام بدليل أنه لو عفى الأول كان الحق للثاني -وجها واحدا- صرح به الإمام "في النهاية".
قال: لو عفا الثاني فهل للأول الرجوع؟ فيه وجهان مبنيان على ما لو زال، وعاد بلا عوض.
قلت: والقول بأن الحق للأول إنما هو بناء على ذلك، كما هو مصرح به في الرافعي وغيره.
فخرج من هذا أن الأول -أيضا عند عفو الثاني الأخذ؛ لأنا إنما نفرع على ثبوت أصل الرجوع له.
ومنها: في الشفعة.
قاعدة: "كل تصرف يستقل به الشخص ينعقد بالكناية مع النية" كالطلاق والعتاق والإبراء والظهار والنذر.
وكل تصرف يحتاج إلى الإشهاد كالنكاح والبيع المشروط فيه الإشهاد والرجعة، على الخلاف في احتياجها إلى الإشهاد وحكم الحاكم لا يحتاج إلى١ الكناية إلا إذا توفرت القرائن في البيع المشروط في الإشهاد على الظاهر -عند الغزالي- وإليه مال الرافعي حيث توقف في قول الأصحاب:
الشهود لا اطلاع على النيات -معتلا بأن القرائن ربما تتوفر فتفيد الاطلاع على ما باطن الغير.
وعندي أن الجريان على كلام الأصحاب أصح؛ فإنه لا انضباط للقرائن وبهذا صرح الإمام في كنايات الطلاق قائلا: ليس من قواعد الفقه فتح أمثال هذا، وهو في القصود عسر جدا، فحسمنا هذا الباب حسما. ولا يعارضه ما نقله عنه الرافعي١ من أن الخلاف في انعقاد البيع بالكناية مع النية محله إذا عدمت القرائن فإن توفرت وأفادت
стр. 269
التفاهم، وجب القطع بالصحة؛ لأن هذا في غير البيع المقيد بالإشهاد، فإن في الإشهاد تقييدا ليس فيما بين المتخاطبين.
ولا يؤيده ما نقله عند الرافعي -أيضا- في البيع من أن النكاح لا يصح بالكناية -وإن توفرت القرائن- فإن النكاح تقييدا واحتياطا- يزيد على ما في البيع المقيد بالإشهاد.
فالصور ثلاث.
النكاح: ولا ينعقد وإن توفرت القرائن، لما فيه من الإشهاد ومن الاحتياط له.
والبيع المقيد بالإشهاد: يشابه النكاح -من حيث اشتراط الإشهاد- وينحط عنه من حيث أنه لا يطلب فيه من الاحتياط ما يطلب في النكاح؛ ففيه يقول الغزالي: الظاهر -عند توافر القرائن- الصحة والظاهر- عندنا- خلاف ما يقوله:
ومطلق البيع: وفيه يقول الإمام: "إذا توفرت القرائن قطع بالصحة؛ إذ لا إشهاد، ولا احتياط والمتخاطبان أعرف بما يدور بينهما".
قاعدة: مترددة في كلام الأصحاب وبسط الإمام القول فيها في أوائل كتاب الطلاق": كل ما كان صريحا في بابه، ووجد نفاذا في موضوعه لا يكون كناية في غيره ولا صريحا فيه١.
وهذه الزيادة -وهو قولنا: ولا صريحا فيه- زيادة لم يصرح بها الإمام؛ ولكن اقتضاها كلامه، وسبب كون الشيء لا يكون صريحا نافذا في مكان- ثم يكون صريحا أو كناية -في آخر- أنه مع الصراحة ووجود النفاذ، عامل عمله لا سبيل إلى دفاعه.
قال الإمام: "وإذا كان كذلك؛ فيستحيل أن يكون كناية منوية في وجه آخر"، ثم أورد على نفسه أنه لم لا يجمع بين المعنيين، وأجاب بأن صلاحية [اللفظ] ٢ لمعنيين لا يقتضي اجتماعهما، قال: "وكذلك القول في لفظ مشترك".
وقرر الإمام ﵀ هذا في النهاية؛ فذكره في باب الوصية وغيرها وذكره أيضا في الطلاق -بعد هذا المكان بأوراق- فقال: "لا مطمع في تحصيل معنيين
стр. 270
بلفظ واحد، هذا ما لا سبيل إليه -وإن جرد القاصد قصده إليهما جميعا- لأن اللفظ الواحد لا يصلح لمعنيين جميعا إذا لم يوضع في وضع اللسان١ انتهى.
قلت: وقد جرى بيني وبين الشيخ الإمام ﵀ بحث طويل في هذا عندما قرأت عليه مسألة ما إذا أوصى بعود من عيدانه في باب الوصية -فقلت له: لعل هذا من الإمام بناء على أن المشترك لا يحمل على معنييه؛ وإلا فكيف يقال: لا يصلح؟
فكان من جوابه ما لا يحضرني تفصيله؛ غير أني على يقين بأنه انتصر لكلام الإمام وزعم أنه ليس من مسألة الحمل في شيء، ولا يتبين لي الآن ذلك.
والأولى -عندي- أن يتوجه كون: اللفظ لا يكون صريحا في شيئين مما ذكره الإمام في "النهاية" بعد ذلك.
وحاصله أن الصراحة تتلقى من الشيوع، قال: والشيوع أن لا يستعمل في اطراد العادة إلا في معنى، ومتى شاع في معنى لم يتصور أن يشيع في آخر مع اتحاد الزمان والمكان.
قال: وهو بمثابة إطلاق الغلبة في النفوذ؛ فالغالب هو الذي يندر التعامل بغيره، ويستحيل تقدير الغلبة في نوعين؛ فإن قصاراه يجر تناقضا -وهو أن يكون كل منهما أغلب من صاحبه.
قلت: وقوله: "يستحيل تقرير الغلبة في نوعين" لا ينازع فيه قول الأصحاب: إذا غلب نوعان من نقد.
فهذا [تقرير] ٢ كون اللفظة لا تكون صريحة في موضعين.
ومن ثم قال بعض مشايخنا: "والصريح اللفظ الموضوع، لمعنى لا يفهم منه غيره عند الإطلاق".
وأما كونها لا تكون صريحة في موضع كناية في آخر إذا قصد الأمران [معا فلا] ٣ يتبين لي وجه استحالته، وليفرض ذلك في زوج أمه وكله مولاه في عتقها؛ فقال: أنت طالق، وأراد مع الفراق حريتها وطلاقها من وثاق الرق.
وقد احتج الإمام في كتاب المساقاة -لقولنا، إنه لا تصح المساقاة بلفظ الإجارة
стр. 271
ولا عكسه- "بأن كل لفظ صريح استعمل في مكان إمكان استعماله، لم يجز أن يصرف بالنية إلى غيره، كالطلاق، لا يصرف إلى الظهار؛ إذ [لا يمكن] ١ تنفيذه طلاقا وعكسه".
وسأل عليه الشيخ الإمام ﵀ فقال لم لا ينفذ في الآخر بالنية إذا تعذر حمله على موضوعه لعدم شرطه؟
ثم أجاب بأن بين الإجارة والمساقاة تنافيا، أو تغايرا، وما كان كذلك لا يصح أحدهما بلفظ الآخر، كالبيع بلفظ السلم؛ فإن الإجارة على العمل في الشجر غير مرتبطة بشيء آخر، والمساقاة على صلاح الثمرة بواسطة العمل في الشجر.
قال: وكذلك رجح الأصحاب اعتبارا اللفظ -وإن أجروا الخلاف- نظرا إلى أنه هل يعتبر اللفظ أو المعنى؟
ومثال ذلك لفظ الطلاق؛ فإنه صريح في بابه، فإذا خاطب به امرأته وقال: أردت الظهار، لم يقبل لصراحته في إزالة قيد النكاح -مع وجود نفاذا في موضوعه- فلا يكون صريحا في الظهار، ولا كناية. واحترزنا بقولنا: "وجد نفاذا" عن مثل قوله لزوجته: "أنت حرة"، إذا نوى به الطلاق، فإنه يقبل، ويقع عليه الطلاق؛ لأن "حرة" صريح في إزالة قيد الملك ولكن لم يجد -هنا- نفاذا لأن الزوج لا يملك زوجته فجعل كناية في الطلاق إذا لم يجد نفاذا في بابه وهو إزالة قيد الملك.
ثم يتسثنى من [هذه] ٢ القاعدة مسائل:
منها: إذا قال: "أنت حرام" ونوى به الطلاق أو الظهار؛ فإنه يقع ما نوى -على المذهب- مع أن المذهب أن لفظ الحرام صريح في إيجاب الكفارة.
ومنها: لو أسلم على أكثر من أربع؛ فقال لبعضهن فسخت نكاحك -ونوى الطلاق- قبل: وإن وجد نفاذا -بدليل أنه لو أطلق- حمل على الفسخ.
ومنها لو أسلم على أكثر من أربع؛ فقال لإحداهن "فارقتك" فالذي رجحه الرافعي، والنووي، والوالد أنه فسخ -وإن كان لفظ الفراق من صرائح الطلاق- وهو الذي قاله الشيخ أبو حامد، ونصره ابن الصباغ. وقال القاضي أبو الطيب: "بل هو
стр. 272
اختيار للزوجية لم يقع به الطلاق، [لاستلزامه] ١ إياه".
ورده عليه بالحديث؛ ففيه "وفارق سائرهن".
والحق -عندي- ما قاله الأولون من أنه فسخ، ولا يرد أنه صريح في الطلاق ووجد نفاذا في موضوعه؛ بل أنا أمنع صراحته في هذا المكان في خصوصه وأظن أن ابن الصباغ أشار إلى هذا بقوله: "فيكون حقيقة فيهما، ولكن يخصص بالموضع" وهو كلام حسن، والقصد يذكر في قسم أصول الفقه في حمل المشترك على معنييه المتضادين.
ومنها: إذا قال: "أنت حرام كظهر أمي" ونوى الطلاق بالمجموع كان طلاقا -على المذهب- مع أن المذهب أنه إذا أطلق كان ظهارا.
ومنها: لو أسلم على أكثر من أربع، وقال لإحداهن: "أمسكتك"؛ فإنه صريح في اختيارها -مع صراحته في الرجعة.
ومنها: لو قال أحلتك على فلان بكذا، ثم اختلفا؛ فقال المحيل وكلتك، وقال المحتال بل أحلتني، فالصحيح أن القول قول المحيل -مع أنهما اتفقا على جريان لفظ الحوالة.
قاعدة: قال النووي في زيادة الروضة -قبيل باب حكم المبيع قبل القبض وبعده.
قال أصحابنا: إذا انعقد البيع لم يتطرق إليه الفسخ إلا بأحد سبعة أسباب خيار المجلس، والشرط، والعيب، وخلف المشروط المقصود، والإقالة والتحالف، وهلاك المبيع قبل القبض -قال الشيخ الإمام ﵀ في تكملة شرح المهذب: وبقي عليه رجوع البائع عند إفلاس المشتري قال وله أن يلحقه بالبيع٢ قال: ولكن مثل هذا التكليف يقتضي عد العيب والخلف شيئا واحدا؛ فالوجه جعل ذلك قسما آخر "قال: وبقي أيضا تعذر إمضاء البيع، كما في اختلاط الثمار، وبيع الصبرة بالصبرة المخالفة لها -مكايلة- على خلاف فيهما قال: وأما التصرية فملحقة -عند الأكثرين- بالعيب، عند بعضهم بالخلف فلم تكن خارجة عنهما، وأما الخيار الحاصل بسبب الأخيار في المرابحة فهو راجع إلى العيب؛ لأنه كالعيب في المبيع".
قلت: ويدخل في خيار العيب خيار تفريق الصفقة، وفي خلف المشروط المقصود خيار الامتناع من العتق المشروط.
стр. 273
وبقي عليهما مسائل:
منها: إذا اشترى غائبا -رآه قبل العقد- وهو مما لا يتغير؛ فوجده متغيرا فالمذهب: أن العقد صحيح وله الخيار.
قال الإمام: وليس المراد بتغييره حدوث عيب؛ فإن خيار العيب لا يختص بهذه الصورة، بل الرؤية بمنزلة الشرط في الصفات الكائنة عند الرؤية فكل ما فات منها؛ فهو كتبين الخلف في الشرط.
قلت: وقد يقال: هذا الخيار راجع إلى الخلف.
ومنها: إذا أجبر المشتري على تسليم الثمن وكان غائبا فوق مسافة القصر، والصحيح أن للبائع فسخ البيع، لتعذر تحصيل الثمن.
ومنها: الخيار الثابت في البيع الغائب عند رؤيته على القول ببيع الغائب.
قاعدة: القول قول مدعي صحة العقد دون فساده خلافا للبغوي.
وقد يقال: الأصل في العقود الصحة.
ونعني بالأصل -هنا- الظاهر.
وتردد الشيخ الإمام والدي ﵀ في كتابه "التحقيق" أن تصرفات الشخص في العقود هل الأصل فيها الصحة إلا ما دل الشرع على فساده بمعنى أن الشارع أقر معاملات الناس على ما يتعارفون ومنعهم من بعضها، أو الأصل الفساد إلا ما دل على صحته؟
قال: وهذا هو الراجح؛ لأن الصحة حكم شرعي فمن ادعى [ورودها] ١ من الشرع في التصرفات كلها، ثم استثنى بعضها فعليه الدليل، أيضا يلزمه التخصيص وهو خلاف الأصل.
نعم: لا يقال: إنه فاسد؛ لأن الفساد حكم شرعي؛ فلا بد من دليله، بل نقول: باق على حكم الأصل.
стр. 274
انتهى ملخصا.
وقد يقال: إنه معارض لقول الأصحاب: "الأصل الصحة" وجنوح إلى اختيار صاحب التهذيب الذي سنحكيه.
وليس كذلك: فإن مورد الكلامين مختلف؛ فما قاله "في التحقيق" معناه أن العقود الجارية بين الناس -وإن لم يجر فيها تنازع بين المتعاقدين- أصلها الصحة أو الفساد؟
فنقول: دعوى كل واحد من هذين الأمرين يحتاج إلى دليل.
فإن قلت: فلم ترددتم في قول القائل "والله لا بعت هذا" هل يحمل على الصحيح، أو على أعم منه ومن الفاسد.
قلت: المأخذ غير ما نحن فيه؛ فالتحنيث بالفساد لكونه يسمى بيعا وعدم التحنيث به لأن الإطلاق محمول على ما يتبادر إلى الذهن عرفا، وهو الصحيح. ومعنى قولهم في باب اختلاف المتبايعين: "القول قول مدعي صحة العقد -إذا تنازع المتعاقدان في العقد الواقع بينهما- أوقع على وجه صحيح، أو فاسد؟
والصحيح -فيما علمت- من أن القول لمدعي الصحة، وفيه كلامان:
- أحدهما، أن مدعي الصحة، قد يجزم بقوله كما إذا اختلفا في صفة المعقود عليه؛ فقال أحدهما هو حر الأصل، وأنكر الآخر، لأن قول مدعي الفساد لم يعتضد بأصل، ولا ظاهر.
وقد يختلف فيه، كما إذا تنازعا في صفة العقد فادعى أحدهما انضمام شرط مفسد -كخيار مجهول- قال الشيخ الإمام: فهذا محل الخلاف.
وقد يكون الاختلاف في وجود شيء -وقوعه شرط لصحة العقد- كالرؤية فمنهم من جعله على الخلاف- وهي طريقة النووي- ومنهم من قال: -هنا- القول قول من نفاه لاعتضاده بالأصل- وهي طريقة القاضي الحسين؛ فإنه يقول: القول قول نافي الرؤية- مع قوله في أصل القاعدة: إن القول قول مدعي الصحة.
والشيخ الإمام الوالد ﵀ ذكر المسألة في أوائل البيع، ولم يذكر لنفسه اختيارا ثم ادعاها في أواخر اختلاف المتبايعين، وجرى مع النووي في باب اختلاف
стр. 275
المتبايعين على ما صححه على ما يظهر من كلامه، ثم أفصح في باب الصلح بأن الذي يظهر أن القول قول منكر الرؤية.
قلت: وبه جزم الروياني في البحر -في أوائل البيع من تفاريع قول الغائب.
قال الوالد: ﵀؛ وإنما يقوي قول مدعي الصحة إذا تعارضا، وليس مع أحدهما مرجح.
فصارت المراتب عنده ثلاثا، وفي الثالثة منهما لا يقبل قول مدعي الصحة والذي قاله هو الأرجح عندي.
غير أني أقول للاختلاف صورة رابعة، وهي أن يقول أحدهما: وقع بيننا عقد صحيح -ولا بينة- ويقول الآخر: بل فاسد.
وفي هذه أيضا يظهر ترجيح قول مدعي الصحة، وأرجو أن لا يكون فيه خلاف.
وهنا مسائل قد يعتقد أنها مستثناه من قولنا: إن القول لمدعي الصحة ذكرتها في التوشيح.
منها: مسألة الرؤية هذه.
ومنها: عكسها -قال المشتري رأيت، وقال البائع لم تر. أفتى صاحب البيان بأن القول للبائع، وخالفه بعض أهل عصره.
ومنها: إذا باع ذراعا من أرض -يعلمان ذرعانها- وادعى البائع أنه أراد معينا؛ فالعقد فاسد وقال المشتري: بل مشاعا؛ فالعقد صحيح فأصح الاحتمالين في "الروضة" تصديق البائع.
ومنها: إذا اختلفا هل وقع الصلح على الإنكار أو الاعتراف؛ فالصواب في "الروضة" تبعا لابن كج تصديق مدعي الإنكار لأنه الغالب.
ومنها: قال الجرجاني فيما إذا قال المشتري يعني بهذا العصير -وهو خمر- "أن القول لمدعي الفساد" وخرجه الرافعي على الخلاف؛ فعلى الترجيح لا استثناء.
ومنها: إذا باع عبدا، وقال: كنت اغتصبه ولم يكن جرى في كلامه أنه ملكه، وأقام بينة، سمعت على النص ورجح الشيخ الإمام إذا كان للبائع عذر.
ومنها: وهب الغاصب المغضوب من إنسان، ثم قال: أعلمتك أنه مغصوب وأنكر.
стр. 276
قال الماوردي: يقبل قول الغاصب؛ لأنه أنكر عقد الهبة - على الصحة.
قال الوالد: ﵀: والمختار أنه لا يقبل وهي مسألة الاختلاف في الصحة والفساد.
قلت: إذا كانت هي فلا استثناء، ويكون الماوردي قائلا بأن القول لمدعي الفساد.
غير أني أقول: قد يقول هنا -بالفساد من يقول بالصحة ثم؛ فإنها من غاصب؛ فهي فاسدة بكل تقدير، فتصديقه في أنه أعلم مخالفة للأصل بلا سبب.
ومنها: إذا قال السيد: كاتبتك على نجم واحد، وقال العبد: بل على نجمين قال في "التهذيب" القول قول السيد مع يمينه؛ لأنه يدعي الفساد العقد وسكت عليه الرافعي، وخرجه النووي على الخلاف في الصحة والفساد.
قلت: والأمر كذلك.
وقد علل البغوي - في "التهذيب" ما قاله، بأنه يدعي الفساد فجرى على أصله؛ فلا استثناء لهذه المسألة إلا من قبل سكوت الرافعي عليها، مع موافقته في أصل القاعدة على أن القول لمدعي الصحة، واعتراضه به من عدل عنه مرات.
ونحن لا [نذكره] ١ في هذه؛ إلا ما نظن أنه مستثنى منها، لا ما هو جار على طردها، وإلا لذكرنا ما لو قال: بعتك بألف وزق خمر، أو قال: شرطنا شرطا فاسدا، وأنكر الآخر "فإن خلاف الصحة والفساد".
ولو اشترى مائعا، وجاء بظرف فصبه البائع فيه ووجدت فيه فأرة ميتة فقال المشتري أنها كانت في المبيع، وقال البائع: كانت في ظرفك؛ فقد قال الرافعي -في آخر الرهن: هذا اختلاف في أن العقد جرى فاسدا أو صحيحا.
قلت: ومسائله تكثر؛ فلا تطيل بعدها، فلنعد لك عد ما نظن من المستثنيات فنقول.
ومنها: قال السيد: كاتبتك وأنا مجنون، أو أنا محجور وأنكر العبد، جزم الرافعي -تبعا لصاحب التهذيب بأنه إن عرف له جنون، أو حجر سابق قبل قوله، وإلا، فلا.
قلت: وهو [يوافق] ٢ المجزوم به في الإقرار، فيما إذا:
стр. 277
قال المقر: كنت صغيرا، أو مجنونا، وفي القصاص، فيما إذا قال: كنت صغيرا، وفي الكناية، إذا اختلف السيد والعبد، هكذا.
ومنها: قالت المرأة: "وقع العقد بغير ولي ولا شهود" وأنكر الزوج.
قال القاضي مجلي: "فالقول قولها؛ لأن ذلك إنكار لأصل العقد وصوبه الشيخ الإمام وقال:
إنه الحق، وإنه لا يخرج على الاختلاف في الصحة والفساد.
قال: لأن إنكارها الولي إنكار١ لأصل العقد بالكلية.
ومنها: زوج أخته. ومات الزوج؛ فادعى ورثته أن أخاها زوجها بغير إذنها، وقالت: زوجني بإذني فالقول قولها، وحاول الرافعي تخريجها على الصحة والفساد، وتبعه النووي وصححه الشيخ الإمام؛ فهذا مما جزم فيه بالصحة وليس من مسائل النزاع.
ومنها: اعتراف الراهن بأنه مرهون [بعشرين] ٢، ثم ادعى أنه مرهون بعشرة بعد عشرة، وقلنا -بالصحيح- إنه لا يرهن المرهون عند المرتهن بدين آخر، وقال المرتهن: [بل] ٣ فسخنا واستأنفنا رهنا بعشرين.
قال الشيخ الإمام: "المختار" أن القول قول المرتهن خلافا للبغوي ورتب البغوي على هذا أنه لو شهد شاهدان أنه رهن بألف ثم بألفين، لم يحكم بأنه رهن، ما لم يصرحا بأن الثاني كان بعد فسخ الأول، قال الشيخ الإمام: "والوجه تخريجه على دعوى الصحة والفساد".
قاعدة: كل دين ثابت في الذمة -ليس بثمن- يجوز الاعتياض عنه، إن كان ثمنا في الأصح، وإن لم يكن ثمنا قطعا.
ادعى نفي الخلاف فيه الرافعي، والنووي -والشيخ الإمام ﵏ ومثلوا له بدين القرض والإتلاف، ثم قالوا جميعا -بعد سطرين- وفي الشامل أن القرض إنما يستبدل عنه إذا استهلكه، أما إذا بقي في يده، فلا؟ لأنا إن قلنا: إن القرض يملك بالقبض فبدله غير مستقر في الذمة؛ لأن للمقرض أن يرجع في عينه.
وإن قلنا: يملك بالتصرف، فالمستقرض مسلط عليه، وكذلك يوجب ضعف ملك القرض، فلا يجوز الاعتياض عنه انتهى.
стр. 278
وحذف في الروضة التعليل، والصحيح أن القرض يملك بالقبض، قال الشيخ الإمام: "ودعواه عدم استقراره -حنيئذ- ممنوعة، واستدلاله بغرض الرجوع منقوضة بهبة الولد".
قلت: ثم دعوى الرافعي ومن بعده: نفي الخلاف عما ليس بثمن ولا مثمن منقوضة بمسائل غير القرض، منها وجهان حكاهما الماوردي في جواز أخذ القيمة -مع وجود المثل- عند ضمان المثل بالتراضي- وبناهما على أخذ الأرض عن العيب مع القدرة على الرد، قال الوالد ﵀ وفيه نظر؛ لأن مأخذ المنع -هناك- أنه أخذ عوضا عما ليس بمال، وهو سلطنة الرد.
"وهنا: إن كان الثابت المثل؛ فهو مال وليس، بثمن ولا مثمن فيجوز الاعتياض عنه قطعا.
فلما جرى الخلاف وإن كان الثابت سلطنة طلب المثل، فلا دين في الذمة.
ومنها: في جواز الاعتياض عن الإبل الواجبة في الدية بلفظ الصلح، وبلفظ البيع وجهان، ويقال قولان، أصحهما المنع.
تنبيه: إطلاقنا أن الثمن يجوز الاعتياض عنه، تبعنا في الرافعي والنووي؛ فقد عزيا إلى الجديد جواز الاعتياض عنه، واقتضى كلامهما أنه مطلق -سواء فيه العرض والنقد.
هذا قضية كلامهما. في اليبع وقضية كلامهما في باب الكناية، تقييده بالنقد، وأن العرض لا يجوز الاعتياض عنه.
وهذا ما رجحه الوالد ﵀ كما دل عليه كلامه في باب الشفعة، وقال "العوض خمسة".
معين: لا يجوز الاستبدال عنه ثمنا كان أو مثمنا -قبل قبضه؛ لأن عينه مقصودة.
وثمن في الذمة -نقد: يجوز الاستبدال عنه في الأصح، والمعنى فيه أن المقصود ماليته، لا عينه، وعليه دل حديث ابن عمر ﵄.
ومسلم فيه، لا يجوز الاعتياض عنه، ودليله، حديث ضعيف، وعموم النهي عن بيع ما لا يقبض.
стр. 279
ومبيع في الذمة ليس سلما كاشتريت منك ثوبا صفته كذا بهذه الدراهم إذا جعلناه بيعا؛ ففي جواز الاعتياض عنه طريقتان مذكورتان في السلم والقطع بالمنع هي الصحيحة عندي؛ لأنه مقصود الجنس، فأشبه المبيع المقصود العين. انتهى ملخصا.
قاعدة: "كل عقد تعاقد عنه مقصوده، بطل من أصله" وإلى هذه.
قاعدة: الفعل والفاعل، والمفعول: أشياء متباينة -لا يمكن اتحادها وكذلك الخطاب والمخاطب" والمخاطب.
ومن ثم لا يبيع من نفسه، لئلا يتحد الموجب والقابل؛ فليس يتحد موجب وقابل ولا مقرض ومقترض، ولا مطلق ومطلق، ولا معتق ومعتق، ولا متصدق ومتصدق عليه، ولا مستوف ومستوفي منه، ولا ساتر ومستور، ولا سواك ومستاك، ولا ساجد ومسجد -بفتح الجيم- أي موضع السجود ولا قابض ومقبض.
وهذه -في الحقيقة- قواعد، لا قاعدة واحدة نقدم الأخيرة منها لتكررها على ألسنة الفقهاء، فنقول:
قاعدة: "لا يتحد القابض والمقبض".
ومن ثم لا يبيع الوكيل من نفسه -ولو كان أبا للموكل- على الصحيح ومسائله كثيرة.
وفي القاعدة تنبيهان:
أحدهما: أنه يستثنى منها مسائل.
منها: الأب والجد في حق الصغير.
ومنها: المبيع إذا كان في يد المشتري، استثناه الرافعي.
ومنها: أجر دارا، وأذن للمستأجر صرف أجرتها في عمارتها والدار -وقت العمارة- منتفع بها؛ فهو شرط صحيح؛ صرح به الرافعي في أوائل الإجارة، وقال ابن الرفعة: "لم يخرجوا ذلك على اتحاد القابض والمقبض١. وكأنهم جعلوا القابض المستأجر يتسلط على التصرف فيما قبضه لنفسه، فإن قدرنا مع ذلك وكيلا عن الآخر في القبض وقابضا لنفسه، لزم اتحاد القابض من المستأجر وإن لم يكن معينا كالوكيل عن الآخر وكالة ضمنية.
стр. 280
قلت: لكن القابض من المستأجر يتسلط على التصرف فيما قبضه لنفسه؛ فإذا قدرناه مع ذلك وكيلا عن الآخر في القبض وقابضا لنفسه لزم اتحاد القابض والمقبض.
ومنها: يجوز تسلف الإمام الزكاة، وإذا تسلفها -بسؤال المالك والمساكين فتلفت في يده؛ فالأصح تتلف من ضمان المساكين، ولا وجه لصحة قبض الإمام -في هذه الصورة- وجعلها من ضمان المساكين إلا بالبناء على جواز اتحاد القابض والمقبض.
التنبيه الثاني: المانع من اتحاد القابض والمقبض ونظائره، أنه لا يعقل كون المرء طالبا ومطلوبا، وقريب منه: إن المرء لا يكون مأمورا بشيء، أو محكوما فيه بشيء، ثم يكون هو ذلك الشيء، أو بعضه، لئلا يتحد المأمور، والمأمور به أو يكون بعض المأمور هو المأمور به، أو المنهي، أو نحو ذلك؛ وذلك محال وإليه الإشارة بقولنا: لا يتحد ساتر ومستور، وسواك ومستاك، وساجد ومسجد، ونحوه، ومن ثم لا يؤمر المرء يقطع عضو من أعضاء نفسه ونحو ذلك، وقد يفترق الحال بين ما يتعاطاه المرء بنفسه وبين ما يتعاطاه بغيرهن؛ فيجعل الغير بالنسبة إليه كالآلة وذلك في مسائل:
منها: لا يجوز استياك المرء بأصبع نفسه، ويجوز بأصبع [الغير] ١ الخشن على الأصح.
ومنها: لا فدية على المحرم إذا غطى رأسه بكف نفسه، وفي كف غيره وجهان؛ أصحهما لا فدية، ووجه الفدية أن كف غيره كالآلة له؛ بخلاف كف نفسه؟ [لأنها] ٢ بعضه فتكون بعض المحرم عليه؛ فلا تكون محكوما [بها] ٣ لئلا يتحد المحكوم به وعليه.
ومنها: يجوز أن يسجد على كف غيره؛ ذكره الرافعي في الحج في الإحرام وهذا بخلاف كف نفسه.
فروع الموجب والقابل:
منها: الوكيل في البيع، لا يبيع من نفسه على الصحيح -ولو قال: بع من نفسك- وثالثها الفرق، ولا يشتري من نفسه، وفيه الأوجه.
ومنها: لو وكل في طرفي النكاح فقيل: بالمنع: وقيل: على الخلاف.
стр. 281
ومنها: الخلع: وفيه خلاف في البيع، وأولى بالمنع.
ومنها: لا يزوج الولي المرأة من نفسه؛ خلافا لأبي يحيى البلخي.
ومنها: هل له تزويج أمته من عبده الصغير، إذا جوزنا أن له إجباره فيه وجهان.
ومنها: إذا وكله أن يصالح من نفسه؛ فوجهان -في البحر إذا عين له ما يصالح به؛ فإن أطلق لم يجز له أن يصالح إلا على شيء تبلغ قيمته قدر الدين.
ومنها: قال المحاملي: لو قال كاتب نفسك على نجمين فعلى هذين الوجهين.
فروع المقرض المقترض في مؤنة الرهن، وعامل المساقاة وهرب الجمال وناظر الوقف، ومؤنة اللقظة ومؤنة تعريفها في مؤنة الرهن، وعامل المساقاة وهرب الجمال وناظر الوديعة، ونفقة الأم على الولد، وكذلك١، الجدة، وأجرة سكنى المعتدة، وأكل الطعام في المخمصة، وكل ذلك للضرورة. واختصاصه بالضرورة ينبهك على خروجه عن القواعد.
قال الشيخ عز الدين في أكل طعام الغير في المخمصة: "أقام الشرع المضطر في المخمصة مقام مقرض ومقترض ولك أن تقول: أو جعل هذا الإتلاف، وألزمه -بسببه- الضمان ولا حاجة إلى تقدير فرض، وبالجملة. الموضع موضع ضرورة -فليغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره.
فروع المطلق والمطلق، والمعتق والمعتق.
فروع المتصدق والمتصدق عليه.
فروع المستوفي المستوفى منه.
مسألة: أذن المؤجر للمستأجر في صرف الأجرة في العمارة، توكيل الدائن المديون في استيفائه، ومستحق القصاص من عليه القود -نفسا أو طرفا- والإمام السارق في قطع اليد.
وفي الكل وجهان؛ حكى الإمام آخرهما في توكيل الجاني ليجلد نفسه، واستبعده -من جهة أنه متهم في إيلام نفسه- قال الرافعي: والمذهب في الكل المنع.
قلت: وأقرب الكل إلى الصحة استيفاء الدين؛ إذ لا محذور فيه والصور مشتركة في اتجاه المستوفي والمستوفى منه غير أن بعضها ليس فيه زيادة على ذلك فيسهل
стр. 282
أمرها؛ وذلك كاستيفاء الدين، وبعضها فيه زيادة على ذلك، وهي إذن المؤجر للمستأجر في العمارة؛ ففيه -مع اتحاد المستوفي والمتسوفى منه- يمكنه من الصرف وهي زيادة سهلة -قد تحتمل- وأما قطع الطرف فأشد من ذلك، وأشد منه قتل النفس؛ فإن الشرع فيما يظهر لنا -يأبى ذلك، وينبغي أن يقال: لا يصح التوكيل، ولا يجوز لمن عليه القود أن يفعل ذلك بنفسه، وبتقدير الصحة هل نقول: إنه [يملك] ١ أن يقبض من نفسه بعدما كان ممنوعا منه؟ فيه بحث يتخرج، أن توكيله فيه [هل] ٢ تفويض يقتضى تمليكه هذا الفعل، ونعني بتمليكه إياه جعله مستحقا أن الفعل ذلك بنفسه، وبتقدير جعله تمليكا هل نقول يسقط القصاص عنه؟ فإنه لا يملك على نفسه إزهاقها. وملكه ذلك يقتضي سقوط الحق، وبتقدير كونه كذلك هل نقول: إن التوكيل فيه -وإن بطل؛ فلا يبطل عموم كونه أباح له ذلك؛ فليسقط القود، ويكون هذا التوكيل فيه كالعفو في كل ذلك نظر يجر إلى سقوط القود عمن وكل في استيفائه من نفسه وإن لم يصح التوكيل.
وإلى وقوع عتق من وكله مولاه في أن يعتق نفسه، والأقرب إلى كلام الأصحاب أنه لا يعتق، وأن القود لا يسقط. وفي كتاب الوكالة من شرح المنهاج للوالد ﵀، لو قال وكلت من شاء في عتق عبدي صح وكذا أفتى فيمن قالت أذنت لمن شاء من عقاد البلد في تزويجي وفرق بينه وبين توكيل من شاء في البيع: فإن البيع يتعلق الفرض فيه بعين البائع.
ولو تم ما قلته -أنا- من البحث، لكان يمكن أن يقال: توكيل من شاء -بالعتق- إعتاق، وما أظن أصحابنا يسمحون بذلك، ولم يتعرض الأصحاب للتفريع على بطلان الوكالة في القصاص، أنه هل يقع قصاصا والظاهر أنه لا يقع.
وفي باب استيفاء القود إلى أن المستحق لا يستقل بالقطع والإذن دون إذن الإمام -فلو فعل وقع الموقع وأنه لو استقل المقذوف باستيفاء الحد -بإذن القاذف أو دونه- ففي الاحتساب وجهان فإن لم يحتسب.
[فإن] ٣ مات منه، وكان بغير إذنه، وجب القصاص أو بإذنه فلا قصاص وفي
стр. 283
الدية خلاف كذا في الرافعي، ولك أن تقول: قوله إن كان بغير إذنه وجب القصاص إن كان الضرب كما أمر الشارع فهو لا يقبل، وإن قبل فهو شبه عمد فلا قصاص.
ومنها: لو وكله في إبراء نفسه؛ ففي الصحة وجهان، قال في البحر وإذا صح فليبرأ على الفور؛ فإن أخر لم يصح.
قلت: كأن ألحقه بتفويض الطلاق، وفي الروضة إذا قلنا: إنه تمليك فإنه يشترط إيقاعه على الفور.
فروع السابر والمستور، والسواك والمستاك، والساجد [والمسجد] ١ تقدمت الإشارة إليها.
وهذه فروع منها:
"مطالب هو المطالب، وعاقد هو المعقود عليه ومدع هي المدعي عليه" منها قد يكون مطالبا ومطالبا، فيما لو أجر لمؤجره العين المؤجرة؛ فالأصح الصحة، ثم يطالبه بتسليم العين ويطالب بذلك.
ومنها: قد يتحد العاقد والمعقود عليه، فيما لو وكل عبدا أن يشتري له نفسه من مولاه؛ فإنه يصح على الصحيح مطلقا، وقال الماوردي: ظاهر المذهب أنه لا يصح، وفصل القاضي الحسين بين أن يأذن له مولاه. أو، لا.
ومنها: لو وكل السيد عبده في بيع نفسه، أو هبتها أو رهنها، أو وقفها. قال الرافعي في باب مداينة العبيد: إن له إجارة نفسه بإذن مولاه وكذا بيعها ورهنها -في الأصح- وفي الكتابة خلاف.
ومنها: مدع ومدعي عليه، فيما لو توكلا في الخصومة من الجانبين، قال الرافعي: "الأصح المنع".
والمسائل كلها من آثار اتحاد القابض والمقبض، وقد تقدم ذكر ما يستثنى منها.
وأما طردها: أعني الصور التي لا يتحد فيها القابض والمقبض، وقد ذكر اتحاد القابض والمقبض في شراء الأب لابنه من مال نفسه وبالعكس، وفيما لو وكل الموهوب منه الغاصب، أو المستعير، أو المستأجر بقبض ما في يده من نفسه.
стр. 284
وهنا ذكر الشيخ أبو حامد وغيره أنه يصح.
وإذا مضت مدة يتأتى فيها القبض بريء الغاصب والمستعبر من الضمان. وفي مؤنة الرهن. إذا قال: كان الراهن غائبا ولا مال له، وقال المرتهن: أنا أنفق وأرجع.
وفي عامل المساقاة وفي هرب الجمال.
وفيما إذا انهدم الوقف الرافعي: يجوز للإمام أن يأذن للناظر في الاستقراض، أو الإنفاق على العمارة -من مال نفسه، وليس له الاستقراض دون إذن.
قلت: ويحتاج إلى الفرق بينه، وبين ولي اليتيم؛ إذ له أن يقترض له.
ومنها: مؤنة التعريف في اللقطة:
ومنها: نفقة اللقيط.
ومنها: إذا احتاجت الوديعة إلى نفقة؛ فأنفق من غير إذن الحاكم إذا لم يقدر على إذنه؛ ففي الرجوع أوجه في "الحاوي" ثالثها يرجع إن أشهد.
ومنها: لو خالع بحضانة ولده -وصححناه- فله أن يأمرها بصرف الطعام والشراب لولده.
وفي "الشامل" أنه ينبغي جريان خلاف فيه من الملتقظ إذا أذن له في الإنفاق على اللقيط من ماله بشرط الرجوع.
ومنها: الطفل إذا امتنع الأب من الإنفاق عليه فأنفقت الأم من مالها -على قصد الرجوع- وأشهدت، رجعت، وإلا. فوجهان؛ كذا قال الرافعي ولعل ذلك إذا لم يكن قاض.
ومنها: في نفقة القريب إذا امتنع القريب، في كلام الرافعي أن القريب يستقرض على قريبه، وينفق على نفسه؛ فهذا مستقرض لنفسه على غيره.
وقد ذكروا الإشهاد في هذه الصور، ولم يتكلموا على [أنه ما] ١ يشهد -لوضوحه- إلا في المساقاة.
قال الرافعي: يشهد على العمل: أو [على] ٢ الاستئجار، ويدل الأجرة بشرط الرجوع؛ فإن لم يتعرض للرجوع فهو كترك الإشهاد قاله في الشامل.
стр. 285
قلت: فليأت نظيره في كل إشهاد، وفي الذخائر -في مسألة الوديعة أنه يشهد في كل نفقة.
ومنها: قال القاضي أبو سعد: إذا التقط هريسة فله الخيار بين الأكل والبيع، ثم يعزل القدر مدة التعريف، ثم يتصرف فيها، وقيل: لا يعزلها بل يعرفها بدون ذلك، وهذا قبض من نفسه لغيره.
ونظيره من اختلط له درهم بدرهم غيره؛ فيقسم بنفسه -حكى عن ابن عبد السلام وفي المغصوب إذا غصبه مثله.
ومنها: في المعتدة المستحقة للسكنى -إذا غاب الزوج ولا مسكن له.
قال الرافعي: إن أذن لها الحاكم أن [تكري] ١ المسكن من مالها، أو تستقرض عليه، جاز.
ومنها: أجره بقدر من الدراهم، ثم أذن له في صرفها إلى العمارة تقدمت.
ومنها: أذن لها الزوج في النفقة من دين له عليها -وهي موسرة- صح، أو معسرة فلها الفسخ؛ لأنها منظرة.
ومنها: إذا ظفر بجنس حقه، أوبعوضه جاز له أخذه وبيعه، واستيفاء حقه من ثمنه لمسيس الحاجة، قال ابن عبد السلام: فقد قام في حقه مقام قابض ومقبض، وفي بيعه مقام وكيل وموكل.
ومنها: لو أراد أخراج زكاة الفطر عن الصبي ليعود عليه.
قاعدة: الاستثناء الشرعي قد يلحق بالاستثناء اللفظي أو الحسي، وقد لا يلحق.
والفروع فيه متبددة، ولصاحب التهذيب في الحديثة المساقاة عليها الكلام -سنذكره- استحسنه النووي، واعترضه ابن الرفعة بكلام طويل.
ولوالدي ﵀ تصنيف في قسمة الحديقة عمله [بالديار] ٢ المصرية، ثم أملى علي -في الشام- تصنيفا سماه "الرياضة الأنيقة في قسمة الحديقة" اعترض في كل منهما كلام البغوي، وكلام ابن الرفعة، وارتضى لنفسه طريقة نفيسة، وأتى ببديع من القول.