ومنها: المذهب أن المشتري شراء فاسدا، لا يجوز له حبس المبيع إلى استرداد الثمن؛ كذا أطلقوه، وحكوا عن الإصطخري خلافا، واقتضى كلام الرافعي -في موضعين من باب الضمان- ترجيح الحبس، وسمعت الشيخ الإمام يقول- ومسألته عن ذلك: إن فسد بشرط فله الحبس، وإن فسد بخروجه عن ملك الغير فلا؛ هذا حكم البيع الفاسد.
وقالوا: للغاصب أن يحبس المغصوب لاسترداد القيمة المأخوذة -للحيلولة- وحكاه القاضي الحسين عن النص، ورجع الرافعي التسوية بين البابين وهو اختيار الإمام فلا استثناء على هذا.
ومنها: لو باع ماشيته السائمة بيعا فاسدا فعلقها المشتري، قال في التهذيب: فهو كعلف الغاصب، وصححه الشيخ الوالد ﵀ في شرح المنهاج؛ فعلى هذا يجري في قطعه الحول الأوجه في علف الغاصب، وأصحها أنه يقطع؛ ولكن قال ابن كج: عندي أنه يقطع يعني -ولا يجري فيه خلاف الغاصب قال: لأنه مأذون له؛ فهو كالوكيل بخلاف الغاصب.
فعلى طريقة ابن كج افترق البيع الفاسد والغصب، ولم يصحح الرافعي والنووي من الطريقتين شيئا، كأنهما اكتفيا بأن الفتيا على أنه كالغاصب؛ سواء ثبت الخلاف أم لا، والشيخ الإمام صحح طريقة التهذيب كما عرفناك.
ومنها: أن غرس الغاصب وزرعه، غير محترم مطلقا، وأما المشتري شراء فاسدا ففرق بين أن يكون عالما فيكون غير محترم أو جاهلا فلا يقلع مجانا على ما جزم به الرافعي والنووي في كتاب الرهن.
ومنها: لا يصح بيع السيد عبده المكاتب، ولا النجوم التي عليه على المذهب؛ فلو باعه أو باعها فأدى النجوم إلى المشتري بعد البيع فأصح القولين أنه لا يعتق، والقول الثاني -هو منصوص [المختصر] ١ أنه يعتق لأن السيد سلطه على القبض فأشبه الوكيل وقيل هذا: لا يجيء في المشتري من الغاصب عبدا مكاتبا أو النجوم التي عليه، بل لا يعتد بقبض المشتري جزما وهو أيضا بيع فاسد- إلا أن المشتري غاصب أيضا- لبناء يده
стр. 317
على يد الغاصب، ولهذا الخلاف أصل، وهو أن ما استتبع الصحيح هل يستتبع الفاسد.
قال ابن الرفعة في باب الوضوء من المطلب: وفيه خلاف أصله بيع السيد نجوم الكتابة -إذا قبضها المشتري- فوجه صحة العتق يضمن البيع والإذن في القبض ووجه عدمه أن تبع للبيع؛ فلما لم يصح البيع لم يتبعه الإذن. ولمثل ذلك ثار الخلاف فيما إذا باع المشتري ما اشتراه في زمن الخيار ولم يصححه منه هل يكون ذلك مبطلا لخياره كما لو صح البيع أو لا؟
قال ابن الرفعة: ومثله يجوز أن يقال: فيما إذا غلط من حدث إلى حدث فنواه؛ فإن اعتبرنا اللازم ارتفع حدثه، وإن اعتبرنا الأصل لم تصح نيته. قلت: وهي قاعدة يعبر عنها بأن "من كان مالكا لتصرف يصح منه فعله، إذا فعل فعلا يتضمن ذلك التصرف المملوك لكن بطريق فاسد، هل يصح؟ وفيه خلاف في صور:
منها: الحوالة بالثمن وعليه في مدة الخيار- والأصح يصح؛ فإن قلنا لا يصح ففي انقطاع الخيار وجهان.
ومنها: الأب إذا باع العين التي وهبها لابنه -من غير تصريح بلفظ الرجوع هل يكون رجوعا؟ وجهان.
قاعدة: تقرب من القاعدة، قبلها: ما يفيد الاستحقاق إذا وقع لا على وجه التعدي هل يفيده إذا وقع على وجه التعدي؟ وفيه خلاف في صور جمع بعضها النووي في زيادة الروضة في باب إحياء الموات، وقال: سبقت مسائل تتعلق بها في الصيد قلت: والذي جمعه في مسائل غيره ذكره في أصل الروضة -تبعا للرافعي- في باب الوليمة وفي المسائل كثرة.
[ومنها] ١: إذا دخل الماء المباح دار إنسان، لم يكن لغيره أخذه من داره؛ لامتناع دخول الإنسان ملك غيره بغير إذنه؛ فلو فعله؛ فهلك يملك؟ فيه وجهان أصحهما أنه يملك. وكذا لو دخل السمك مع الماء حوضه ذكره الرافعي في باب الوليمة.
стр. 318
ومنها: لو أحيا واحد أرضا -حماها الإمام- لم يجز؛ ولكن يملكها بالإحياء على الصحيح.
ومنها: إذا تحجر مواتا؛ فجاء آخر وأخياه، ملكه على الأصح المنصوص لكونه حقق سبب الملك -وإن كان ظالما- كما لو دخل في سوم أخيه واشترى.
والثاني: لا يملك.
والثالث: إن انضم إلى التحجر إقطاع السلطان لم يملك.
والرابع: إن أخذ المتحجر في العمارة لم يملك.
ومنها: إذا عشش الطائر في ملكه، وأخذ الفرخ غيره؛ فالأصح أيضا أنه يملكه.
قال النووي: وكذا لو توحل ظبي في أرضه، وأو وقع البلح فيها ونحو ذلك.
ومنها: إذا أذن جماعة على الترتيب؛ فالأول أولى بالإقامة إذا لم يكن مؤذن راتب أو كان [السابق] ١ هو المؤذن -فإن سبق غير المؤذن الراتب فهل يستحق ولاية الإقامة فيه وجهان:
أحدهما: نعم لإطلاق قوله ﷺ : [من أذن فهو يقيم] ٢ وأظهرهما: لا لأنه مسيء بالتقديم.
ومنها: لو وقع في حجره شيء من الثمار، لم يكن لغيره أخذه؛ فلو أخذه ففي ملكه وجهان قال في: أصل الروضة: وميلهم إلى منع الملك أكثر. يعني في هذه المسألة، وفي دخول السمك مع الماء حوضه، وفيما إذا عشش الطائر في ملكه فأخذ فرخه غيره، وفيما إذا وقع البلح في ملكه فأخذه غيره -قال: والأصح أن المحيي يملك والفرق أن المتحجر غير مالك؛ فليس الإحياء تصرفا في ملك غيره بخلاف هذه الصور.
قاعدة: قال الشيخ أبو الحسين الفناكي٣- من قدماء أصحابنا من تلامذة الشيخ
стр. 319
أبي حامد في كتاب له يسمى المناقضات: من اشترى شيئا شراء صحيحا لزمه الثمن؛ إلا في مسألة واحدة وهي المضطر يشتري الطعام بثمن معلوم فإنه لا يلزم الثمن؛ وإنما تلزم قيمته، ذكره أبو علي الطبري، واحتج له بأن النبي ﷺ "نهى عن بيع المضطر"١ قلت: وهذا فيه نظر، فإن المضطر إن تمكن من أخذ الطعام قهرا والحالة هذه -فعدل إلى الشراء لزمه المسمى- ولو زاد على ثمن المثل بلا خلاف كذا صرح بنفي الخلاف فيه الرافعي.
ويتجه أن يخرج [فيه] ٢ خلاف من الخاف في الإكراه على قتل أحد الرجلين.
وأيضا فقد أجرى البغوي الخلاف في وجوب المسمى، أو ثمن المثل، فيما إذا وجد ميته، وطعام الغير فاشتراه بالزيادة إمكان عدوله إلى الميتة بأن عجز -فالأقيس عند الرافعي، النووي وصححه القاضي أبو الطيب- لزوم الثمن المسمى أيضا؛ لأنه التزمه بعقد لازم، وصحح الروياني أنه لا يلزمه قال: لأنه كالمكره. قال الرافعي: وهو أقرب إلى المصلحة. وفرق الماوردي بين زيادة تشق على المضطر لإعساره فلا يلزمه، وزيادة لا تشق فلا يأتي ما قاله أبو علي إلا على ما صححه الروياني بشرط أن يقول بصحة البيع، وقد قال الرافعي أنه الذي يفهم من إيرادهم قال؛ ولكن الوجه نصب الخلاف في صحة العقد لمعنى الإكراه. وفي تعليق الشيخ أبي حامد ما يبينه وبه صرح الإمام فقال: "الشراء بالثمن الغالي هل يجعله مكرها حتى لا يصح الشراء منه، فيه وجهان أقيسهما المنع. انتهى كلام الرافعي مختصرا، وقوله: أقيسهما المنع تابع في الإمام فإنه قال هكذا. قال في النهاية ولعله في ذلك حال عند لا حاكم بأنه أقيس [وهكذا] ٣ كلام الفناكي، وقوله: "إن هذا الشراء صحيح" صريح في الرد على الرافعي؛ لأنه قال بصحة الشراء -مع إلزام القيمة- وعزاه إلى أبي علي الطبري، وكلام الرافعي يقتضي أنه من يلزم القيمة يجعل المشتري مكرها والبيع فاسدا، ولو كان كذلك لقيل لأبي علي
стр. 320
الطبري: ما ذكرت من الاستثناء غير مستقيم؛ لأن صحة البيع مع عدم لزوم الثمن -مما لا يجتمعان، وما ذكره من الحديث -رواه أبو داود من حديث علي كرم الله وجهه، وفي سنده مقال وبتقدير ثبوته. قال الخطابي: "يحتمل أن يعني -بالمضطر- المكره"، وهذا يؤيد ما ذكره الإمام والرافعي، قال: "ويحتمل أن يعني به من باع في ضرورة من دين ركبه أو نحو ذلك -فلا يباع- من حيث المروءة؛ لكن يعان، أو يقرض ويستمهل، وفي هذه الحالة إن بيع صح، وكان مكروها" قلت: ويكون بيع المضطر، مصدرًا مضافًا إلى المفعول، أي لا يباع المضطر بل يبذل له الطعام مجانا -كما هو وجه لأصحابنا- لأن البذل واجب فلا يؤخذ عليه عوض أو يقرض ويستمهل كما قال. أو يقال: المضطر من لا يتحمل حالة التأخير إلى مماكسة البيع، لمسيس [الجوع] ١؛ فلا يجوز أن يباع -ويؤخر الطعام عنه إلى تقرير الثمن- بل يبادر إلى إطعامه [أو] ٢ حاله لا تتحمل التأخير، ثم إذا أطعمه تجب القيمة، وقال القاضي أبو الطيب: لا يجب العوض هنا؛ سواء وجب العوض أم لا؛ فالقول بهذا الاحتمال فيه أخذ للحديث على ظاهره، وفي الحديث إرشاد إليه؛ فإن لفظه أن عليا ﵁ قال: سيأتي على الناس زمان عضوض، يعض الموسر على ما في يديه -ولم يؤمر بذلك قال الله تعالى ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ويبايع المضطرون، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطر؛ هذا لفظ أبي دواد عن علي كرم الله وجهه وسياقه يشهد لتحريم أن يباع المضطر -كما أولناه- فإن ضم إليه عدم لزوم العوض -كما قال القاضي أبو الطيب- كان أوفق للظاهر وللسياق.
[قاعدة] ٣: لا يتوالي ضمان عقدين في شيء واحد. وهذه القاعدة ذكرها الأصحاب -عند الكلام على بيع المبيع قبل القبض؛ فاتهم عللوا منعه من حيث المعنى بشيئين؛ هذا أحدهما ووجهوه بأن المبيع مضمون على البائع للمشتري وإذا نفذ المبيع منه، صار مضمونا عليه للمشتري. الثاني: فيكون الشيء الواحد مضمونا له وعليه في عقدين، قال إمام الحرمين في "النهاية" ولا حاجة إلى هذا -مع الخبر- يعني أن الاعتماد في منع بيع ما لم يقبض -على الأخبار لا المعنى. وقال بعد ذلك بيسير: "الغالب على هذا الأصل [التعبد] ٤ وتبعه الرافعي -حيث قال: "والاعتماد على الأخبار واختاره الشيخ الإمام الوالد ﵀ في باب الرهن من شرح المهذب. واعترض على هذا
стр. 321
المعنى بأن المعنى بكونه من ضمان البائع -أنه لو تلف انفسخ البيع وسقط الثمن- فلم لا يجوز أن يصح البيع ثم لو تلف عند البائع ينفسخ البيعان، ويسقط الثمنان، وتبين أنه هلك على ملك من هلك في يده. ورده ابن الرفعة: بأن مراد الأصحاب بتوالي الضمانين أنه لو هلك لانقلب إلى ملكه قبل التلف.
قلت: وهذا أشار إليه الإمام في النهاية قال ابن الرفعة: وحينئذ يكون قبل ملكه منقلبا إلى ملكه وملك بائعه في آن واحد؛ وذلك محال وإلى هذا الإشارة بقول الشيخ الإمام في شرح المنهاج في توضيح هذه القاعدة ما نصه: "وقد يتلف قبل القبض؛ فيقدر انقلابه من ملك المشتري الثاني، إلى [ملك] ١ المشتري الأول، ومنه إلى البائع -قبل التلف- ويستحيل ملك الشخصين في زمن واحد.
قلت: وقد يقال أن انقلابه إلى ملك البائع الأول، يسبق إلى ملك البائع الثاني؛ لأن ملك الثاني مرتب على ملك الأول؛ فلم يلزم اجتماع مالكين في آن واحد، ثم ما ذكره ابن الرفعة والشيخ الإمام -من أن منع توالي الضمانين لكونه يؤول إلى اجتماع مالكين في آن واحد، لم أر التصريح به لغيرهما والذي اقتصر عليه، أكثر من وقفت على كلامه من الأصحاب ما ذكرناه من كونه يصير مضمونا له، وعليه عبارة الإمام في "النهاية"، وذكر الفقهاء -في ضبط المذهب- أن الضمانين لا يتواليان وعنوا به أنا لو قدرنا نفوذ بيع المشتري قبل القبض -لكان مضمونا على الباشع الأول للمشتري، ثم يكون مضمونا على المشتري الأول للمشتري الثاني. انتهى.
فالذي أفهمه من توالي الضمانين، أنه لا يورد عقد ضمان، على عقد ضمان -قبل لزومه واستقراره- لما يؤدي إليه من صيرورته مطالبا ومطالبا في شيء واحد.
ثم ينشأ التردد في إجارة المبيع قبل القبض؛ فالراجح -عند الغزالي- الصحة؛ لأن مورد عقد الإجارة [عين] ٢ مورد عقد البيع؛ فلا يكون مطالبا مطالبا في شيء واحد، لأنه في البيع مطالب بتسليم الرقبة وفي الإجارة بالمنفعة فلم يتحدا؛ فلم يتوالى ضمانا عقدين في شيء واحد.
وبتقدير القول: بأن المعقود عليه في الإجارة الرقبة - كما هو رأي أبي إسحاق
стр. 322
فليست الإجارة عقد ضمان، والمحدود كونه طالبا ومطالبا في عقد ضمان والراجح -عند المعظم- عدم الصحة لضعف الملك- ولأن التسليم فيها مستحق كما في البيع، ومن ثم أيضا منع ابن سريج -فيما نقله الرافعي عنه أن يؤجر المستأجرالعين المستأجرة من آجرها؛ محتجا بأن المكري مطالب بالتسليم -مدة الإجارة- فإذا اكترى ما اكترى، كان مطالبا ومطالبا في عقد واحد؛ وذلك لا يحتمل إلا في حق الأب والجد في مال الصغير، والأصح الجواز -لا لمنع هذه العلة، بل القياس على بيع المبيع من بائعه -قبل قبضه- فإنا نقدر أن المستأجر ملك كل المنفعة دفعة على الصحيح.
وصورة المسألة: الإجارة بعد تسلميه العين المأجورة، أما قبله فقال القاضي أبو الطيب في التعليقة: المذهب منعه من المكري والأجنبي، وصحح النووي صحة أجارته للمؤجر، ثم الذي نقله القاضي أبو الطيب في التعليقة عن ابن سريج أنه يجوز [اكتراؤها] ١ من المكري وغيره قبل التسليم، وقد يقال كيف يجوز ابن سريج اكتراؤها من المكري قبل قبضها٢، وهو ما نقله عنه الرافعي، وقد تكلمت على هذا السؤال في كتابي المسمى "منع المشاجرة في بيع العين المستأجرة".
إذا عرفت هذا فقد قال [ابن الرفعة] ٣ في مسألة الإجارة من الآجر: لو علل المنع بتوالي الضمانين لكان أقوى من كونه مطالبا ومطالبا. قال: وإنما قلت ذلك بناء على أن المتسأجر يملك كل المنفعة دفعة على الصحيح؛ فإنه إذا كان كذلك اقتضى أن العين لو تلفت لعادت إلى ملك الآجر -قبل التلف- وإذا استأجرها وتلفت، اقتضى أن تعود المنافع إلى ملك آجرها وحينئذ تصير مملوكة له، ومملوكة لمؤجره أو منتقلة وعائدة إليه وهو محال "انتهى".
وهو كلام قويم -على أصله- في تفسير توالي الضمانينن مما فسره؛ إلا أن دعواه في استحالة كونها منتقلة وعائدة إليه -ممنوعة، ثم يقال له: أين الضمان في الإجارة وكأنه لا يعني بالضمان كونها عقد ضمان؛ بل نحو ما ذكره القاضي أبو الطيب في "التعليقة" حيث قال: وقال أبو العباس بن سريج: يجوز أن يكريها من المكري وغيره لأن قبض الدار المستأجرة لا تنقل الضمان بدليل أنها إذا انهدمت في يد المكتري، كان الضمان على المكري -دونه- انتهى.
ومن فروع القاعدة -على ما فهمه ابن الرفعة والشيخ الإمام- المسألة التي
стр. 323
[قبلها] ١ ونقلها الرافعي -في الباب الثاني من الضمان- عن الأستاذ أبي منصور، وهي: ما إذا قال [للمضمون له] ٢ بعت منك هذا العبد بما ضمنته عن فلان. قال الرافعي: ففي صحة البيع وجهان -حكاهما الأستاذ أبو منصور البغدادي. انتهى.
وقد يستشكل وجه المنع؛ قال ابن الرفعة: ولعل مأخذه تناقض الأحكام؛ فإن مقتضى الصحة دخوله في ملك المشتري، الذي هو رب الدين؛ بدلا عن دينه، الذي هو في ذمة الضامن، وعند ذلك يحكم ببراءة الأصيل، وعند الحكم بها يقدر أن ما حصلت به البراءة؛ فقد دخل في ملك المضمون عنه -قبل دخوله في ملك رب الدين، وملك المضمون عند بمجرد البيع، والشيء الواحد لا يقتضي إثبات ملكين على مملوك واحد - باعتبار كله لا باعتبار بعضه. انتهى.
قلت: والصواب أن دخوله في ملك الأصيل، يسبق دخوله في ملك رب الدين؛ فلم يجتمع مالكان على شيء واحد.
ومنها: الرهن والهبة قبل القبض، رجح الشيخ الإمام صحتهما، ورجح الرافعي والنووي فسادهما ومن الأصحاب من فرق بين أن يكونا مع البائع أو غيره، ومن فرق بين ما قبل نقد الثمن وبعده، وادعى الشيخ الإمام، في باب الرهن من "شرح المهذب" أن تصحيحه لهما ناشئ عن اختياره [البعيد] ٣ واعتماد الخبر دون المعنى. في بيع المبيع قبل القبض، وقد يقال: لو كان ما علل به -من اجتماع مالكين- صحيحا لما جازت الهبة، ولا امتنع الرهن؛ لأن الهبة تنقل الملك، والرهن لا ينقله ولا قائل بذلك، فإن من جوز الرهن قبل القبض جوز الهبة ومن منع منع فلا يفصل [بينهما٤.
قاعدة: المثلي مضمون بمثله، والمتقوم بالقيمة٥. واستثنى من المثلي مسائل:
منها: لبن المصراة. واعتذر الشيخ الإمام ﵀ بأن إعطاء الثمن ليس من باب المعاوضات فلا استثناء.
ومنها: الماء فإنه مثلي -على جزم به الرافعي في النصب- ولا اعتبار بإيهام عبارته في باب إحياء الموات أنه متقوم. ثم إذا تلف الماء في مفازة وظفر به صاحبه في
стр. 324
موضع لا قيمة للماء فيه؛ فإنه يطالبه بقيمة [الماء في] ١ المفازة؛ فإذا اجتمعا في تلك المفازة أو مثلها ففي وجوب رد المثل، واسترداد القيمة وجهان فعلى القول بعدم الوجوب يقع الاستثناء، وعلى القول بالوجوب هو ما جزم به صاحب التتمة -لا استثناء والقيمة [إنما هي] ٢ للحيلولة.
ومنها: [إذا] ٣ تراضيا على أخذ قيمة المثلي -مع وجوده- فوجهان أصحهما -عند الوالد ﵀ الجواز لكنه أشار إلى أنه لا يستثنى؛ لأن يعلل الجواز بأنه اعتياض عما ثبت في الذمة من المثل.
ومنها: لو وجد المثل بأكثر من ثمن المثل، فالمرجح -عند النووي- وبه جزم الشيخ أبو إسحاق -العدول إلى القيمة؛ لكن رجح الوالد ﵀ أنه لا يعدل.
ومنها: اللحم فإنه يضمن بالقيمة -كما صححه الرافعي وغيره في باب الأضحية- مع أنه مثلي.
ومنها: الفاكهة -فإنها مثلية- على ما اقتضاه تصحيح المشايخ الثلاثة: الرافعي والنووي والوالد -في باب الغصب، والأصح أنها تضمن بالقيمة.
ومنها: المقبوض بالبيع الفاسد.
أطلق أكثر الأصحاب -منهم الرافعي- أنه يضمن بالقيمة، وحكى الماوردي وجها فيما إذا كان مثليا أنه يضمن بالمثل، قال: ولكن الأصح أنه يضمن بالقيمة وإن كان مثليا؛ لأنه لم يضمنه وقت القبض بالمثل؛ بل بالعوض، بخلاف الغصب. وطرده في المقبوض بالسوم، والتحالف بعد هلاك المبيع، وكل عقد مفسوخ؛ فزعم أن المثلي يضمن -في الكل- بالقيمة. لكن ذكر الشيخ الإمام ﵀ في "شرح المنهاج" في باب حكم المبيع قبل القبض أن الصحيح -الذي نص عليه الشافعي في مواضع [من] ٤ الأم وغيرها، واقتضاه القياس -خلاف ما؛ قاله الماوردي وأجاب عما قاله الماوردي [بأن الضمان] ٥ بالعوض زال بالفسخ، وصار كما لو لم يرد عليه عقد.
ومنها: المستعار -إذ قلنا بالأصح وهو أنه يضمن بقيمة يوم التلف- وكان مثليا ضمن بالقيمة، صرح به صاحب المهذب والماوردي؛ ولكنه منعه الشيخ الإمام.
стр. 325
فصل:
ويستثنى من المتقوم مسائل:
منها: إذا اقترض متقوما؛ فالأصح أنه يرد مثله في الصورة، إلا في نحو الجوهر والحنطة المختلطة بالشعير -إن جوزنا قرضهما؛ فإنهما يضمنان بالقيمة صرح به الماوردي، ونقله عنه الوالد ﵀ في "شرح المنهاج" وصوبه.
ومنها: من عجل الزكاة، وثبت الاسترداد إلى آخر الحول، والمعجل تالف، ضمنه بالمثل -وإن كان متقوما- صححه الشيخ الإمام ورد جزم الرافعي بأن المتقوم يضمن بالقيمة.
ومنها: لو صار المتقوم مثليا كمن غصب رطبا -وقلنا: إنه متقوم- فصار تمرا وتلف.
وقال العراقيون: يضمن مثل التمر، وقال الغزالي: يتخير بين مثل الثمن وقيمة الرطب وقال البغوي: إن كان الرطب أكثر قيمة لزمه قيمته وإلا لزمه المثل قال الوالد ﵀: وهو أشبه.
قاعدة: قال ابن القاص: كل ما جاز بيعه فعلى متلفه القيمة١. واستثنى المرتد ووافقه القفال، وضم -إلى المرتد- المتسحق قتله في المحاربة. قلت: والذي أفهمه من لفظ القيمة -هنا- الضمان، والمعنى أن متلف ما يجوز بيعه يضمنه بقيمته إن كان متقوما وبمثله إن كان مثليا -لا خصوص القيمة المقابلة للمثل- والإلزام أن يضمن متلف المثل المتقوم، ولا يقول بهذا أحد، وسنحكي عن ابن الرفعة ما يقتضي أنه قد فهم خلاف هذا.
فصل:
وما لا يجوز بيعه فلا قيمة على متلفه.
قاله ابن القاص، والقفال أيضا وعزاه ابن الرفعة في البيع من المطلب إلى الجمهور ولمعترض أن يورد على القفال حبة الحنطة؛ فإنه أوجب على متلفها مثلها -مع أن بيعها لا يجوز وهذا الاعتراض جار على ما فهمناه من أن المعنى بالقيمة هنا عوض المتلف، قيمة إن كان متقوما، ومثلا إن كان مثليا. ومنع ابن الرفعة وورد هذا على
стр. 326
القفال- زاعما أنه وافق على عدم إيجاب القيمة لعدم إمكانها بخلاف المثل.
يعني فاستمر قوله: لا قيمة على متلفه؛ لأن الواجب -هنا- المثل لا القيمة إذ لا قيمة. وهذا يقتضي أنه فهم أن المعنى بالقيمة مقابل المثل، وقد قلنا: أنه لا يستمر ويلزم عليه أن يضمن -ما يجوز بيعه من المتلفات ... بالقيمة ولا قائل به والذي أعتقده أن المراد بالقيمة هنا العوض، وحبه الحنطة لا تضمن -عند الجمهور- لأنها لاتباع فلا عوض لها، وهي جارية على القاعدة وخلاف القفال -فيها- لا يرد على ابن القاص. واتباع القفال له "شرح التلخيص" لكونه يجري معه على كلام الأصحاب، وليس له أن ينقض عليه اجتهاده في نفسه.
قاعدة: الرهن أمانة في يد المرتهن [غير مضمون] ١.
قال الشيخ أبو حامد: والمحاملي: إلا في ثمان مسائل: قلت: وهي أكثر.
فمنها: إذا رهن المغصوب من الغاصب الأصح أن حكم الضمان باق.
ومنها: المرهون إذا تحول غصبا.
ومنها: المقبوض على السوم إذا تحول رهنا.
ومنها: المقبوض بالبيع الفاسد [إذا تحول رهنا] ٢.
ومنها: المبيع المقابل فيه، إذا رهنه منه قبل القبض.
ومنها: إذا خالعها على شيء ثم رهنه منها قبل القبض.
قاعدة: كل مرهون لا يسقط الدين بتلفه.
قال الإمام في "النهاية" إلا في مسألة واحدة -على وجه- وهي:
ما إذا شرط كون المبيع نفسه رهنا بالثمن، وقلنا: يصح الشرط، فإن المبيع على هذا يكون مرهونا عند البائع، مضمونا عليه بحكم العقد؛ فإن ضمان العقد لا يزول إلا بالقبض.
قال الإمام: ولا يتصور -على مذهبنا- مرهون يسقط الدين بتلفه إلا هذا ولكن لا يسقط بسبب تلف الرهن -من حيث كان رهنا- بل بتلف المبيع من حيث كان مضمونا على البائع. انتهى.
وتبعه الغزالي في البسيط.
стр. 327
قاعدة: فاسد كل عقد كصحيحه في الضمان وعدمه١. قال القاضي الحسين: إلا ما شذ عن ذلك وهو عقد الشركة إذا كانت صحيحة؛ فعمل كل واحد منهما في مال صاحبه. لا يكون عمله مضمونا وإذا كانت فاسدة يكون مضمونا وعكس هذا المسابقة على الخيل أو الرمي صحيحها يكون مضمونا بخلاف فاسدها.
قال ابن الرفعة: والمقبوض في الهبة الفاسدة مضمون -على وجه- بخلاف الصحيحة.
قلت: ومسائل أخرى:
منها: صحيح الوديعة لا ضمان فيه على المودع، ولو أخذها من صبي أو مجنون ضمن.
ومنها: إذا قال: قارضتك على أن جميع الربح لي -وقلنا: هو قراض فاسد، لا يستحق شيئا على الأصح -وإن ربح- وفي القراض الصحيح يستحق المسمى فصحيحها مضمون بخلاف فاسدها في هذه الصورة.
ومنها: لو عرض العين المستأجرة على المستأجر، فامتنع من [تسلمها] ٢ إلى أن انقضت المدة، استقرت الأجرة، ولو كانت الإجارة فاسد لم تستقر صرح به صاحب التهذيب.
ومنها: إذا نكح امرأة نكاحا صحيحا، وماتت من الولادة، لم يضمنها -بلا خلاف- ولعله إجماع- ولو كان النكاح فاسدا؛ ففي ضمانها قولان في البحر.
فائدة: ليس مرادنا -من قولنا: الفاسد كالصحيح في الضمان أنه يجب فيه المسمى كما في الصحيح؛ بل أنه مثله في أصل الضمان؛ فيجب -في الإجارة الفاسدة- أجرة المثل ونحو ذلك، لا خصوص المسمى.
فلا يجب المسمى في شيء من العقود الفاسدة إلا في مسألة واحدة وهي ما إذا بذل الكافر مالا على الدخول في حرم مكة فإن الإمام لا يجيبه فإن فعل فالصلح فاسد؛ فإن فعل أخرج وثبت العوض المسمى بخلاف الإجارة الفاسدة فإنه إنما ثبتت فيها أجرة المثل، فإنه هنا استوفى في العوض، وليس لمثله أجره وإن دخل -ولم ينته إلى الموضع المشروط- وجبت الحصة من المسمى.
стр. 328
قاعدة: المفلس لا يلزم بتحصيل ما ليس بحاصل، ولا يمكن من تفويت ما هو حاصل ويستثنى من الأول: ما إذا لزمه دين -وهو عاصي بسببه- فإنه يلزمه الاكتساب لوفائه، على ما ذكره أبو عبد الله العزاوي.
قاعدة: قال ابن الصباغ في الشامل في باب التفليس بعدما ذكر أن المفلس إذا باع نخلا وأطلعت وأفلس المشتري قبل تأبير النخل؛ فرجع البائع في الأصول هل يتبعها الطلع فيه قولان: أحدهما يتبع كما يتبع في المبيع والثاني: لا والفرق أن البيع يصدر بالاختيار؛ بخلاف فسخ البيع ما نصه قال أصحابنا كل موضع أزال ملكه باختياره على سبيل العوض تبع الطلع، وكل موضع أزال ملكه بغير اختياره؛ فهل يتبع فيه قولان كالرد بالعيب وقد ذكر الرافعي والمتأخرون معنى هذا أيضا.
فائدة: كل دين مستقر ثابت في الذمة تجوز الحوالة عليه إلا الإبل الثابتة في الذمة بالجناية. وكل دين غير مستقر لا تجوز الحوالة عليه إلا الثمن في مدة الخيار.
قاعدة: أصح القولين أن حجر المفلس حجر مرض لا سفه ولا رهن، والقول بأنه حجر رهن: استنبطه الوالد ﵀ وخرجه وليس منصوصًا ولا نعني -بقولنا: إنه حجر مرض ثبوت أحكام حجر المرض كلها، وكذلك في كل ما يغلب فيه أحد الجانبين على الآخر كقولنا: الظهار طلاق أو يمين واليمين المردودة إقرار أو بينة وأشباه ذلك.
ولو صح لك هذا -هنا- أن المريض يسوغ له الإقدام على التصرف ويحكم بصحة تصرفه ظاهرا ولا خلاف أن المفلس ممنوع من التصرف، وإن قيل بتنفيذه فيما بعد. فإن قلت: فإذا كان كذلك، فلا فائدة في هذه القاعدة وأمثالها؛ إذ لا فائدة غير إجراء الأحكام على قضية قاعدتها.
قلت: قال الشيخ الإمام -فيما عمله من تكملة شرح المهذب: بل فائدته معرفة حقيقة ذلك الشيء، وسره والمقصود به. قال: والفقيه يعلم أن الشيئين المتساويين -في الحقيقة وأصل المعنى- قد تعرض لكل منهما عوارض تفارقه عن صاحبه، وإن لم تغير حقيقته الأصلية؛ فالفقيه الحاذق يحتاج إلى [تيقن] ١ القاعدة الكلية في كل باب، ثم ينظر نظرًا خاصًا في كل مسألة ولا يقطع شوقه عن تلك القاعدة حتى يعلم "هل تلك المسألة يجب سحب القاعدة عليها أو تمتاز بما [ثبت] ٢ له تخصيص حكم - في زيادة
стр. 329
أو نقص -وفي هذا تتفاوت رتب الفقهاء؛ فكم من واحد متمسك بالقواعد -قليل الممارسة للفروع ومآخذها يزل في أدنى المسائل، وكم [من] ١ آخر مستكثر في الفروع ومداركها قد أفرغ جمام ذهنه فيها -غفل عن قاعدة كلية، فتخبطت عليه تلك المدارك وصار حيران، ومن وفقه الله بمزيد [من٢] العناية- جمع له بين الأمرين؛ فيرى الأمر -رأي العين- انتهى كلامه ذكره في باب التفليس.
قاعدة: [كل] ٣ ما لو صرح به أبطل فإذا أضمره كره. ومن ثم يكره تزويج امرأة بقصد الطلاق -عند الإحلال لزوج آخر وهل قصد إقراض -المشهور أنه يرد بأكثر مما اقترض فيه وجهان.
تنبيه: ذكر الشيخ الإمام الوالد ﵀ هذه القاعدة في شرح المنهاج في مسألة التحليل، وقال: ينبغي أن لا تؤخذ على إطلاقها؛ فإن مثل بيع الجمع بالدراهم وشراء الخبيث بها لا يكره".
قال: وقد يقال: إذا احتج الأصحاب بأن الله تجاوز عن حديث النفس٤ لعدم البطلان؛ فينبغي أن لا تثبت الكراهة أيضا؛ لكنا نقول: هذه الحديث -وإن احتج به الأصحاب ففيه ما لم يتكلم أو يعمل فإن كان المقصود- ما لم يتكلم بالذي حدثت به نفسها أو يعمل به- فيصح الاحتجاج به.
وإن أخذ مطلقا؛ فقد يقال: إن هذا حديث نفس -قارنه عمل- كما إذا التقى المسلمان بسيفهما أثم القاتل لصدور حرصه على القتل، وإن لم يحصل ما حرص عليه؛ ولكن قارن حرصه عمل وهو وسيلة إليه، وهنا قارن حديث النفس عمل؛ لكنه ليس وسيلة إلى الحرام بل إلى الخلاص عنه فلم يحرم وأما الكراهة: فإن قصد بتلك الحيلة معنى المفسدة المنهي عنها شرعا فتقوى الكراهة؛ وإلا فلا، ومسألة الخبيث من القسم الثاني. هذا كلام الوالد ﵀.
стр. 330
قاعدة: كل خيار يرجع إلى الحظ والمصلحة، يجوز التوكيل فيه، وكل خيار يرجع إلى الإرادة والشهوة لا يوكل فيه وفيما تردد بينهما تردد فمن الأول: خيار الشرط والعيب والخلف، ومن الثاني: خيار من أسلم على أختين أو أكثر من أربع، ومن الثالث: خيار الرؤية- على القول بتجويز بيع الغائب.
قاعدة: كل متصرف عن الغير فعليه أن يتصرف بالمصلحة، وفي وجه -حكاه الإمام، والغزالي، والروياني- أن الواجب عدم المفسدة؛ فإذا استوت المصلحة والمفسدة لم يتصرف على الأول، ويتصرف على الثاني وفيها مسائل:
منها: إذا استوى في نظره المصلحة والمفسدة في أخذ الشقص المشفوع وتركه لليتيم؛ ففي أخذه الوجوب وهو أغربها - والجواز، والتحريم.
ومنها: وهي مما يرد نقضا -إذا شرط في البيع الخيار لأجنبي لم يلزم الأجنبي رعاية الحظ، قال الرافعي: هكذا ذكروه، ولناظر أن يجعل شرط الخيار إنما ما إذا جعلناه نائبا عن العاقد.
ومنها: إذا جن المكاتب -وله مال- قال الأصحاب: يؤدي الحاكم عنه بالنجوم وقيده الغزالي بما إذا كانت الحرية مصلحته؛ بخلاف ما إذا كان يضيع بالعتق وحاول الرافعي وابن الرفعة تبقية كلام الأصحاب على إطلاقه، وإبقاؤه على إطلاقه تكون صور كون العتق مفسدة واردة نقضًا على القاعدة.
والرافعي قال: إن القيد قليل الفائدة -مع قولنا: إن السيد إذا وجد له ما لا يستقل بأخذه؛ إلا أن يقال: إن للحاكم منعه من الأخذ- والحالة هذه وقال ابن الرفعة: لو قيل: للحاكم منعه لكان قليل الفائدة أيضا لأن السيد حينئذ يتمكن من الفسخ. فيسترجع المال والعبد، ويتمكن من عتقه يعني عتقا يصادفه لا مال معه؛ وإلا فهو يتمكن من العتق دائما فيقع منه فررنا قال: فيصح إذا ما قاله الأصحاب، قلت: ولمانع أن يمنع جواز عتقه -والحالة هذه- ويقول: إذا منعه الحاكم من الأخذ لم يقدر على غير الفسخ الموجب لبقاء العبودية التي هي الآن مصلحة أما العتق- حيث لا ضرر- فلا، ولكن هذا لا نجد في كلام أكثر الأئمة مساعدا عليه غير ما في حفظي عن شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام: [إن] ١ من أعتق العبد -في زمن الغلاء المفرط- إذا أدى إلى ضيعته- لا
стр. 331
يجوز ولا أعرف للشيخ عز الدين سلفا في ذلك؛ إلا أن يكون هذا القيد الذي ذكره الغزالي هنا.
ومنها: إذا اتفق في ماله فرضان في نصاب -كالمائتين- فيها أربع حقائق وخمس بنات لبون، وهما موجودان عند المالك؛ فالمذهب وجوب الأغبط المساكين، وقال ابن سريج: لا يجب، بل يستحب قال: "إلا أن يكون ولي يتيم فيراعي حظه".
قلت: فعلى هذا يأخذ المتصرف للمساكين غير الأغبط -وهو خلاف مصلحتهم- لمعارضة مصلحة يتيم معين؛ فكان وجوب التصرف بالمصلحة مقيدًا بعدم المعارض.
قاعدة: ما لا يستحق بالشيء، لا يستحق به ذلك الشيء؛ ذكرها القاضي الحسين، والرافعي، وغيرهما في باب الشفعة، ومن ثم لو كان بعض الدار وقفًا؛ فباع صاحب الطلق منها نصيبه، لم يكن للموقف عليه الشفعة على الأصح، وإن قلنا: إن الموقوف عليه يملك الموقوف، وأنه يقبل القسمة.
ومن أصحابنا من علل المنع بأن الموقوف عليه لا يملك، وأن الوقف لا يفرز بالقسمة عن الطلق؛ ولكن قضية إيراد الرافعي ترجيح العلة التي جعلناها قاعدة.
ولما ذكر القاضي القاعدة، خرج عليها فرعا -في جارية نصفها قن، ونصفها أم ولد- نقله عنه الشيخ الإمام في شرح المنهاج وتكلم عليه.
ومن فروع القاعدة -أيضا دار ثلثها ملك لزيد وثلثها ملك لعمرو، وثلثها وقف على خالد، فباع أحد المالكين نصيبه. هل تثبت للآخر الشفعة، قال الوالد ﵀: ينبغي أن يقال إن جوزنا قسمة الوقف عن المالك وهو اختيار النووي -ثبت لانتفاء العلة التي ذكرها القاضي؛ ولأنه ملك وإن لم تجوزه -وهو المشهور- فلا شفعة لعدم توقع الضرر بالمقاسمة.
قلت: وإن أثبتنا الشفعة فيحتمل أن تثبت له الشفعة في الثلث كله، ويحتمل أن تثبت في السدس.
وقد نازع ابن الصباغ في صحة العلة ونقضها ابن الرفعة؛ فصاحب الجزء الكبير يأخذ بالشفعة -دون صاحب الجزء الصغير- بالعكس.
قاعدة: قال الشيخ أبو محمد -فيما نقله عنه ولده الإمام في النهاية: "كل ما لا
стр. 332
يؤخذ في مقابلة الدين إلا [معارضة] ١؛ فلا تجوز الحوالة عليه وكل ما يؤخذ استيفاء -من غير احتياج إلى الرضى- تجوز الحوالة عليه [إن] ٢ كان دينا، وكل ما يجوز استيفاؤه؛ ولكن يشترط فيه الرضى ففي جواز الإحالة غير خلاف والظاهر المنع.
وقال العراقيون: كل ما هو ذوات الأمثال [يجوز إحالة الدين فيه على مثله، وما ليس من ذوات الأمثال] ٣- إذا فرض دينا مع اتحاد الجنس والنوع فهل تصح الإحالة عليه؟ فيه وجهان.
قاعدة: كل ما لو قارن لمنع فإذا طرأ فعلى قولين، كما لو أسلم فيما يعم، فانقطع في محله ففي الانفساخ قولان، وكالفسق فإنه يمنع ولاية الإمامة ابتداء، وإذا طرأ. لم يعزل على الصحيح وتستثنى مسائل:
منها: الرضاع: لو قارن ابتداء النكاح لمنعه، ولو [طرأ] ٤ لقطعه أيضًا ولا خلاف فيه.
ومنها: العدة، لو قارنت ابتداء النكاح لمنعته، ولو طرأت في أثنائه في وطء الشبهة لم تقطعه، ولا خلاف فيه.
فصل:
هذه القاعدة ينقضها شيء، يعده العادون في القواعد، ويندرج فيها شيء يعده آخرون في القواعد.
أما الذي ينقضها فقولهم: كل تصرف يمنع ابتداء الرهن، يفسخه إذا طرأ عليه قبل القبض -ولم يحكوا- في ذلك قولان؛ فلم يطرد دعوى القولين، قال الوالد [﵀] ٥ في "شرح المهذب" وهذا مطرد -لا ينقضه شيء- ولا يرد أن الأصح عدم الانفساخ بتخمير العصير، وجناية العبد، وإباقة، وكذا بموت العاقد عند الرافعي والنووي خلافا للشيخ الإمام. قال الشيخ الإمام: وإنما لم ينقض الرهن لأن كلامنا في التصرفات، لا في كل ما يمنع الرهن.
قال: وأما عكس هذا الضابط فيستثنى منه الرهن من غير قبض- على المنصوص
стр. 333
وأمور أخر على وجه. وأما الذي يندرج في القاعد؛ فإنه قد يغتفر في الدوام، ما لا يغتفر في الابتداء ومسائلها كثيرة وهي من أصلها خارجة عن القواعد، وانظر كيف أتينا بلفظ "قد" التي لا تستعمل غالبا إلا للتقليل وفهمه ابن مالك١ من قول سيبويه٢، وتكون قد بمنزلة ربما قال الهذلي، وقد أترك القرن مصفرا أنامله: كأن أثوابه محت بفرصاد كأنه قال: ربما هذا نص سيبويه.
قال ابن مالك: فإطلاقه أنها بمنزلة ربما موجب للتسوية بينهما في التقليل والصرف إلى المعنى. انتهى وهو الصحيح عندي.
واعترض شيخنا أبي حيان٣ ﵁ بأن سيبويه لم يبين الجهة التي فيها "قد" بمنزلة "ربما"؛ فلا يدل ذلك على التسوية في الأحكام -فيه نظر؛ فإن ظاهرة كون الشيء بمنزلة الشيء، والمساواة في الأحكام كلها إلا ما تعين خروجه.
ثم اعترض شيخنا ثانيا بأنه قد يستدل بكلام سيبويه على نقيض التقليل، وهو التكثير؛ لأن الإنسان لا يفخر بشيء يقع منه على سبيل التقليل والندرة؛ وإنما يفخر بما
стр. 334
يقع منه على سبيل الكثرة؛ فتكون "قد" هنا بمنزلة "ربما" في الكثرة انتهى؛ ففهم أن "قد" -في البيت- للتكثير، وهذا ما فهمة الزمخشري١ من البيت، وتابعهما الشيخ جمال الدين عبد الله بن هشام٢، وزاد فقال في كتابه -المغني- ما نصه: "الرابع -يعني من معاني التكثير- قال سيبويه في قول الهذلي: قد أترك القرن مصفرا أنامله ...
وقاله الزمخشري في ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ .
قال: أي ربما نراه، ومعناه تكثير الرؤية ثم استشهد بالبيت "انتهى".
قلت: وهذا لم يقله سيبويه؛ وإنما فهمه عنه أبو حيان وليس جازما به -كما رأيت- كلامه؛ بل قاله معارضة لفهم ابن مالك، وهو معارض بفهم ابن مالك وغاية الأمر أن فهم أبي حيان، طابق فهم الزمخشري من البيت وهذا لا يكفي في تسويغ النقل عن سيبويه -أنه قال: إن "قد" في البيت للتكثير- مع كون كلامه محتملا، وفهم منه آخر المجتهدين في النحو وهو ابن مالك- التقليل.
ثم أقول: الحق ما فهمه ابن مالك؛ فإن الفخر يقع بترك الإنسان قرنه كأنه أنامله محت بفرصاد - ولو في وقت واحد.
وقول شيخنا الإنسان لا يفخر إلا بما يصدر منه إلا على سبيل الكثرة -جوابه: أن ذلك فيما يمكن جريانه قليلا وكثيرا؛ فلا يفخر بقليله بل بكثيرة. وأما ما لا يتفق إلا نادرا ذلك فيما يمكن جريانه قليلا وكثيرا؛ فلا يفخر بقليله بل بكثيره. وما ما لا يتقن إلا نادرا فإنه يقع الافتخار منه بالقليل؛ لاستحالة الكثرة وترك الإنسان قرنه -بهذه الصفة- لا
стр. 335
يستحيل كونه كثيرا؛ وإنما يتفق نادرا فلذلك يفتخر به لأن القرن هو المقاوم للشخص؛ فلو فرض مغلوبا -معه- في الغالب، لم يكن قرنا له؛ [فلا] ١ المرء قرنا إلا عند المقاومة غالبا ثم يفتخر بأنه غلب قرنه.
فتقول: لما كان قوله: القرن يقتضي أنه لا يغلب قرينة؛ لأن هذا شأن القرينين غالبا. موهما التعارض ثم قضى بأنه قد يغلبه -حملنا ذلك على الندرة، صونا للكلام عن التدافع والتناقض.
وقلنا: المراد تركه تركا لا يخرجه عن كونه قرنا -وذلك هو الترك النادر لئلا يكذب آخر الكلام أوله.
ونحو هذا: قول بعض النحاة -في الرد على من ادعى أن "قد" ترد للتقليل مستشهدا بقولهم: "قد يصدق الكذوب، وقد يجود البخيل" إنما "قد" هنا - للتحقيق، لا للتقليل، والتقليل لم يستفد -في المثالين- من "قد" بل من قولك: الكذوب يصدق، والبخيل يجود؛ فإنه إن لم يحمل على أن صدور ذلك -منهما- قليل، كان فاسدا، إذ آخر الكلام يناقض أوله؛ فنقول -كذلك- في قوله "قد أترك القرن ... "؛ إنما المراد التقليل لأنه إن لم يحمل على التقليل [كذب آخر الكلام أوله] ٢ وهو إثبات أنه قرن -وعند ذلك أقول: قد أطلت الكلام في "قد" وغرضي حاصل بدونها؛ فإن لفظ "الاغتفار" - في قولهم: "يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء" مبني [على] ٣ أن أصل المؤاخذة به، لولا ورود المغفرة عليه؛ فمن أدخل في القواعد -قولهم: "قد يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء" وقولهم: "قد يغتفر الشيء تابعا، ولا يغتفر أصل"؛ فليس على بصيرة من فهمه، وهو كمن يدخل المعفو عنه -في باب النجاسة- في أقسام الطهارات.
والتحقيق: أن وجود الشيء في الدوام بمنزلة وجوده في الاتبداء؛ إلا ما استثنى والمستثنى لا يكون هو القاعدة. وهنا قسمان: أحدهما: أن يستوي وجود الشيء ابتداء ودواما، وهو الأصل وذلك على ضربين: أحدهما: أن يكون ذلك جزما، نحو قطع نجاسة الماء القليل بطريان الكثرة عليه وقطع النكاح بطريان الرضاع المحرم، وكذا وطء أبيه، أو ابنه زوجته بشبهة، وبوطئه هو أمها أو ابنتها بشبهة، وطريان ملك الزوج للزوجة أو بعضها. وبالعكس وهو كثيرا جدا. والثاني: أن يكون كذلك ولكن على الأصح من
стр. 336
الخلاف مثل طريان الكثرة على الماء القليل المستعمل، وطريان الشفاء على المستحاضة في أثناء الصلاة، وطريان الردة -والعياذ بالله تعالى- على المحرم فيبطل نسكه، وطريان قصد المعصية على سفر الطاعة حتى لا يترخص، وعكسه حتى يترخص، وطريان نقصان عدد الجمعة في أثنائها -كما لو انفضوا- فتبطل الصلاة، وإذا طولب المولى بالفيئة أو الطلاق؛ فوطئ ولم ينزع، كما غيب، بل مكث؛ فالصحيح لاحد لأن الابتداء كان مباحًا وهو أيضًا كثير.
القسم الثاني: أن لا ينزل منزلة الابتداء: وهذا هو الخارج، وهو أيضا على ضربين أحدهما: أن يكون ذلك جزما -وهو قليل- مثل طريان الإحرام والردة وعدة الشبهة على النكاح، وطريان الإسلام على السبي فإنه لا يزيل الملك وطريان اليسار، ونكاح الحرة، والأمن من العنت على حر نكح أمة بالشروط؛ خلافا للمزني في اليسار، ونكاح الحرة، وطريان إباق العبد؛ فإنه لا يفسخ البيع؛ مع كون الإباق يمنع صحة البيع ابتداء، ولو ابتلت الحنطة المرهونة وتعرضت للفساد لم ينفسخ عقد الرهن. وإن قلنا: رهن ما يتسارع إليه الفساد باطل، ولو رأى المتيمم الماء في أثناء الصلاة أتمها، إن كانت مما يسقط فرضها بالتيمم، وهو مانع في ابتداء الصلاة ولو أسلم عبدا لكافر لم ينفسخ عقد البيع، بخلاف ما لو كان مسلما ابتداء.
وثانيهما: أن يكون فيه خلاف، والأصح أنه لا يترك، وهو أكثر من القسم قبله مثل: القدرة على الماء في أثناء الصلاة، ونية التجارة بعد الشراء، وطريان ملك الابن على زوجة الأب؛ فإنه لا يفسخ به النكاح وإن كان ملك الابن مانعا من عقد الأب، ومثله إذا تزوج العبد بجارية ولده ثم أعتق، وإذا بنى جدارًا ملاصقًا للشارع -مائلًا؛ فسقط ضمن ما يتولد من سقوطه، وإن مال -بعد أن بناه مستويًا وقبل التمكن من الهدم أو الإصلاح- فالأصح لا يضمن، ولو سفه في الدين -دون المال لم يحجر عليه في الأصح، وإن قلنا: لو قارن ذلك البلوغ اقتضى دوام الحجر، ولو جرت قسمة ثم استحق جزء شائع لم يبطل في غيره على الأصح، لو أراد بعض الشركاء -في الابتداء- أن ينفرد بالقسمة لم يمكن.
إذا عرفت هذا: فكل من عد الاعتقاد في الدوام أصلا من أصول القواعد فقد أساء الفهم عن الأئمة وأسوأ منه فهما وأسفه رأيًا، ونظرًا من يعد في القواعد المسائل القليلة التي وقع فيها عكس هذه المسائل، وهو ما دعت إليه الضرورة من اغتفار الشيء في
стр. 337
الابتداء دون الدوام؛ فإن ذلك مستثنى من القاعدة المشهورة التي أشار إليها الإمام في باب التفليس. وهي أن "ما منع الدوام منع الابتداء". وقد ذكرها الشيخ الإمام ﵀ في باب التفليس من "شرح المهذب"؛ [فقال] ١: لم أر أحد من الفقهاء استثنى من هذه القاعدة شيئا إلا ابن الرفعة؛ فإني سمعته يقول إلا لقرابة تمنع دوام الملك دون ابتدائه.
قال الشيخ الإمام: وهي مسألة مليحة تستفاد في نقض القاعدة على المذهب قال: وألحقت أنا بها الجنون، يمنع دوام أجل الدين على قول ولا يمنع ابتداءه. على ما قاله الإمام، ومثله يأتي في باب الفلس٢ والتحقيق عدم الاستثناء، أما الجنون والفلس، فالقاطع طريانهما. وأما القرابة فليست مانعة من الملك بل موجبة للعتق بدليل قوله ﷺ $"فيشتريه فيعتقه" فملك القريب كإعتاقه قاطع لا مانع. انتهى كلام الوالد.
وقد ذكرت -أنا- في كتاب "التوشيح" مسائل غير هاتين، وأنا أسردها ثم أعقبها بذكر مسائل -توهم بعض الطلبة أنها من ذلك- وليس كما توهم.
فمنها: هاتان الصورتان.
ومنها: إذا زوج عبد بأمته لم يجب مهر، وقيل: يجب ثم يسقط؛ فعلى هذا يفتقر في الابتداء ما لا يفتقر في الدوام.
ومنها: لو وجب القصاص على رجل، فورث القصاص ولده، قيل: يجب ثم يسقط وقيل: لا.
ومنها: لو أحرم زال ملكه عن الصيد على الأصح ولو اشترى المحرم صح في وجه.
ومنها: لو تكفل ببدن ميت، صح، أو حي فمات انقطعت الكفالة في وجه.
ومنها: على وجه -لو أحرم مجامعا، انعقد إحرامه صحيحًا، ثم إن نزع -في الحال- صح؛ وإلا فسد، ولو صدر الجماع في أثناء الإحرام أفسد النسك.
ومنها: إذا أذن لجارية ثم استولدها؛ ففي بطلان الإذن اختلاف بين أصحابنا.
قال الرافعي: واتفقوا على أنه يجوز أن يأذن -ابتداء- للمستولدة فهذا ما أحفظه وأما ما أظن أنه منها، وليس منها فصور.
стр. 338
ومنها: كان شيخنا الحافظ تقي الدين أبو الفتح السبكي يعد منها ما لو تناديا بالبيع متباعدين فإنه يصح.
قال إمام الحرمين: ويحتمل أن لا يثبت لهما خيار المجلس؛ لأن طريان التفرق قاطع للخيار، فالمقارن يمنع ثبوته قال: ويحتمل أن يقال: يثبت ما داما في موضعهما.
قال ابن العم ﵀: فعلى هذا اغتفر في الابتداء ما لو وقع في الدوام لم يغتفر.
قلت: الاحتمال الثاني هو الحق، وفيما ذكره أبو الفتح نظر، فإن هذا ليس بتفريق بل هو مجلسهما، والتفرق عندنا الانفصال عن مجلس العقد. نعم قد يركب منه لغز؛ فيقال اثنان تعاقدا البيع، فثبت لهما خيار المجلس -وهما متباعدان- فلما تقاربا وضمهما مجلس مختصر، زال، أو يقال متفارقان، ثبت لهما الخيار؛ فلما اجتمعا زال.
ومنها: إذا طلع الفجر على الصائم -وهو مجامع- فنزع، صح صومه [ولو جامع] ١ في أثناء الصوم بطل.
قلت: ولا يصح عد هذه الصورة؛ فإن المغتفر في الابتداء - النزع فلم يحصل به فطر، وفي الدوام الفطر لا يحصل بالنزع بل بالإيلاج فلم تتحد الصورة؛ وإنما يصح التنظير لو وجدت صورة يغتفر في الابتداء ثم توجد بعينها في الدوام ولا تغتفر.
ومنها: وطء من علق الثلاث على الوطء؛ فإن الطلاق يقع في أول الإيلاج، فاغتفر في الإيلاج ابتداء، ومن البينونة، ولم يغتفر دوامه بل يجب النزع ولباحث أن يمنع كون ابتداء الإيلاج محرمًا؛ إذ لا يصادف طلبه ولذلك التفات على أن العلة هل هي مع المعلول.
بل أقول: ولو قلنا: إنها مع المعلول، فالعلة نفس الإيلاج لا ابتداؤه إلا أن يقال ذات الإيلاج لا ابتداء لها ولا انتهاء وللبحث في ذلك مجال - لسنا الآن.
قاعدة: قال ابن القاص: كل من وجب عليه الحبس بدين فقال صاحب الدين لا
стр. 339
يحبس -وأنا ألازمه كانت الملازمة أحق إلا أن يقول المديون: احبسني وامنعه من ملازمتي؛ فينظر.
إن كان لا يريد الملازمة خوف الشهرة -بلا ضرر يدخل عليه [في ذلك لم يمنع من ملازمته. وإن كان يمتنع من ذلك لضرر يدخل عليه] ١ في وضوئه وطهوره رد إلى الحبس؛ لأن الملازمة تكون في المسجد فإذا طال ذلك ضربه البزاز والطهور واستدل على أنه لا يمنع -في القسم الأول- بقوله ﷺ : "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" ٢.
وبتسميته أسيرًا قال الشيخ الإمام ﵀ في باب التفليس من شرح المهذب.
وفي هذا الاستدلال إشارة إلى أن صورة المسألة في حبس العقوبة أما حبس الاستكشاف: فينبغي إذا طلب المديون الحبس وترك الملازمة يجاب من غير تفصيل.
والرافعي ﵀ نقل هذا الفرع عن ابن القاص، وقال: إن الملازمة أخف ويمكن إلا أن يقول أنه تشق عليه الطهارة والصلاة؛ فقد يتوهم من كلامه أن الطهارة على سبيل المثال وأن مشقة الشهرة مثلها. قال الشيخ الإمام: وقد عرفت أن كلام ابن القاص يدفع هذا أو يوهم ويبين أن الملازمة قد تكون أثقل.
قال: وكلام ابن القاص هذا يشعر بأن المراد من الملازمة ملازمته في مكان واحد كالمسجد ونحوه وهي قريبة من معنى الحبس وكلام غيره يقتضي أن معناها. أن يكون معه؛ حيث كان -من غير منع من التردد في حاجته- وهي أخف- وإن كان فيها إضجار. والصيمري٣ قال: ولرب الدين ملازمته بنفسه وبوكيله، وهذا مطلق وكلام ابن القاص مفصل.
стр. 340
وقال القفال الكبير١: إذا طلب الحبس ورضي الطالب بالملازمة ولم يحبس؛ لأن الحبس إن كان للاستيثاق وكشف الحال فهو إلى رأي الإمام -يحتفظ به وإن كان للعقوبة فلا حق للمطلوب فيه، وأنه إذا لزم منع الاضطراب في أموره ولا يمنع مما لا بد منه -من دخول الخلاء ونحوه- ولا يمنع في الحبس أو موضع الملازمة من أن يبيع ويشتري. ويصلي تطوعا ويعمل العمل من خياطة ثوب أو غيرها.
قاعدة: قال أبو الحسن الفناكي: كل من غصب شيئا لزمه رده أو رد قيمته إلا مسألة واحدة وهي: أن يسجر التنور ليخبز فيه قيمة آخر من الخبز فيلزمه قيمة الحطب، [وليس ما غصب] ٢ ولا قيمة ما غصب؛ لأنه غصب خبزا وعليه قيمة الحطب ومن أصحابنا من قال: عليه الخبز. ومنهم من قال: إن عليه أن يسحر التنور ويحميه كما كان.
قلت: وصور الزبيري -في كتاب المسكت- المسألة بأن يصيب عليه آخر ماء فيطفيه، وحكى الأقوال إلا أنه حكى بدل القول: بأن عليه الخبز قولا: أن عليه قيمة الجمر، واستشكل الأقوال الثلاثة. أما القول بأن عليه قيمة الجمر، قال فلأنه لا قيمة له معروفة، ولا يكال، ولا يوزن وأما القول بأنه يحميه، كما كان فلأنه لا ضابط له.
стр. 341
وأما القول بأن عليه قيمة الحطب [فإن المطفي لم يستهلك الحطب] ١؛ وإنما أتلف الجمر بعد خروجه عن الحطبية. قال: كما أن من أحرق ثوبا ليتخذ رماده حراقا فأتلفه رجل، لا تجب عليه قيمة الثوب قبل الإحراق.
ثم قال الزبيري: أقرب ما يقال وجوب قيمة الجمر فإن له قيمة؛ فإن قلت: فإذا انتهى إلى حد لا قيمة له فلا شيء عليه إلا الإثم، وإن بقي بعد الإطفاء فحم ينتفع به، نظر إلى قيمته حاميًا وإلى نقصه حين صار فحما ووجب ما بينهما من التفاوت.
وذكر الزبيري أيضا -في المسكت أنه لو برد ماء في يوم صائف؛ فألقى فيه رجل حجارة محماة أذهبت برده، فقال قوم: لا شيء عليه لأن هذا ماء على هيئته، وتبريده ممكن.
وقيل: يأخذ هذا المعتدي ما أسخنه، ويضمن مثله باردا.
وقيل: ينظر إلى ما بين القيمتين في هذه الحالة فيضمن به.
قال: "وقول الأولين مشكل؛ لأن هذا أتلف بمنفعة مقصودة، فصار كما لو نسج ثوبا، أو ضرب لبنا فأعادهما إلى حالهما الأول" قال: على أن بعضهم ارتكب في هذين أيضا أنه لا يضمن ما نقص، وهو بعيد، ومنهم من قال يضمن مثل الثوب منسوجا، ومثل اللبن مضروبا ويرد على هؤلاء أن فيه إزالة الملك عن المالك، ودخوله في ملك الآخر بمجرد التعدي، ويرد على من قال: يضمن ما بين القيمتين باردا أو مسخنا أن الماء ربوي؛ فإذا أخذ ماءه ومعه دراهم لما نقص وقع في محذور الربا، كما قيل فيمن كسر درهما مضروبا لغيره ثم نقصت قيمته بقيراط من الذهب يحكم عليه به، وشنعوا على قائله بأنه ربا؛ والحق أنه لا محذور لأن مالك الدراهم والماء لم يزل ملكه عنهما، ثم يعود إليه مع غيره؛ حتى يقع في الربا فلا شناعة في نفس الأمر.
قال: ولو ألقى في ماء أسخنه رجل قطعة ثلج لينتفع به، فيه كالمسألة قبلها.
قال: ولو بل خيشا ونصبه ليتبرد به، فجاء رجل وأوقد عنده نارا حتى نشف وحمى، قال بعضهم: عليه قيمة الماء الذي بل به، وقال غيره عليه قيمة الانتفاع به مدة بقائه باردا.
وقال آخرون: لا شيء عليه إلا الإثم.
стр. 342
قال: وأعدلها القول الثاني؛ لأنه أتلف منفعة مقصودة.
قاعدة: قال الأصحاب في باب الغصب: كل يد ترتبت على يد الغاصب فهي يد ضمان فيتخير المالك -عند التلف- بين مطالبة الغاصب وبين ما ترتبت يده على يده سواء على الغصب أم لا ثم إن علم الغصب، فهو غاصب من الغاصب، وإن جهل فسنذكر حكمه في القاعدة الثالثة لهذه القاعدة.
وفي هذه القاعدة تنبيهات: أحدها: أن محلها اليد المقصود بها الاستيلاء لواضعها، أما التي يقصد بها واضعها الحفظ للمالك فلم يقصدها. وقد علم من ترجيح الرافعي والنووي أنه ليس لآحاد الناس انتزاع المغصوب وعلى هذا فمنتزعه غاصب؛ ولكن الذي نص علي الشافعي ﵁ أن لآحاد الناس انتزاع المغصوب، وقال الشيخ الإمام الوالد ﵀: إنه الحق. والراجح عندي الفصل بين من ظهر منه أنه لو وجد سبيلا إلى الرد لرد؛ فلا ينتزع منه لئلا يكون المنتزع ناقلا للعين من الضمان إلى الأمانة بلا نص.
فائدة: ومن لم يظهر من ذلك فيجب الانتزاع، وذكرت هذا التفصيل في التوشيح وقلت: إنه ينبغي تنزيل النص عليه.
التنبيه الثاني: محل القاعدة يد ترتبت، أما تصرف غير ذي اليد ممن هو كالآلة فلا يضمن إذ لا يد في الحقيقة، وذلك كمن رفع كتاب شخص من بين يديه قاصدا أن ينظره ويرده في الحال؛ فإنه لا يضمن. قاله القاضي الحسين وطرد الإمام ذلك في الدنانير المغصوبة التي تمر بأيدي النقاد، وليس من فعل هذا توكيل الغاصب لأن التوكيل منفرد باليد، والنقاد لا ينفرد باليد بل هو بلحاظ من الدافع فلا يد له البتة.
فإن قلت: قد قالوا فيمن غصب شاة وأمر قصابا فذبحها جاهلا بالحال، وكذا كل من استعان به الغاصب كطحن الحنطة وخبز العجين أن القرار على الغاصب، وفي هذا شاهد لما ذكرتم؛ غير أن تضمين هؤلاء -وإن لم يكن القرار عليهم- يرد على قولكم: أنهم كالآلة، ولما ذكر في النقاد، ومن رفع كتابا.
قلت: قال الوالد ﵀ الضمان -هنا- بطريق الجناية- لا بطريق الغصب فلا يرد البتة.
التنبيه الثالث: قولهم: "غاصب من الغاصب" فيه مناقشة لفظية، فإن الغاصب هو
стр. 343
المستولي على حق الغير عدوانا والآخذ من الغاصب لم يستول على حقه ولا تعدي عليه؛ وإنما هو غاصب من المالك باستيلائه على المال الذي كان عند الغاصب وليس بخصوص الأخذ من الغاصب مدخل في الغصب، وقد يبنى على هذا أن الغاصب هل يخاصم؟ والمعروف أنه لا يخاصم سواء قلنا: يخاصم المرتهن والمستأجر أم لا إذ لا حق له البتة، وعن الماوردي أنه يخاصم، وأنا أميل إليه، ويشهد له أن للضامن حبس الأصيل إذا حبس -وإن لم يثبت له عليه علقة على وجه صححه الشيخ الإمام- ليرهقه إلى تخليصه، وهكذا الغاصب إذا كان مقصده إرهاق الآخذ منه إلى تخليصه ورأيت بعد ذكري لهذه المناقشة -في كتاب الأشراف للقاضي أبو سعد الهروي- حكايتهما.
التنبيه الرابع: قولكم أن المالك. عند التلف يتخير بين مطالبة الغاصب، وغاصب الغاصب لم تبينوا حاله عند بقاء العين، وقد يفهم من هذا الإطلاق أنه لا يطالبهما إذا كانت العين باقية؛ وإنما يطالب من هي عنده، لانحصار حقه فيها، والذي يظهر أنه يطالب غاصب الغاصب بالعين ويطالب الغاصب بقيمة الحيلولة وهل يطالبه بنفس العين مع العلم بأنها ليس عنده، وأنه ليس له أن ينتزعها من غاصبه؛ إذ لا حق له فيها ولا ولاية عليها.
فيه نظر واحتمال يجر إلى أنه طالبه المالك بها هل يجعل مطالبته إياه بها إذنًا له في مطالبة الغاصب منه، وهل يجعل هذا الإذن ناقلًا له -إذا قبضها- من حكم الضمان إلى الأمانة؛ فلينظر في هذه الخواطر.
قاعدة: ذكرها الأصحاب ضابطا للمكان الذي يضمن فيه الذي أثبت يده على يد الغاصب عن جهل: "من أثبت يده على يد الغاصب جاهلا فإن دخل على أن يضمنه لم يرجع أو على أن لا يضمنه؛ فإن لم يستوف مقابلة كالمستودع من الغاصب فيرجع به والقرار على الغاصب، وفي وجه لا يطالب المودع أصلا، وفي ثالث يستقر عليه الضمان وإن استوفاه، كأكل طعام مغصوب قدمه إليه الغاصب فقولان: أصحهما -وهو الجديد- أن القرار عليه لا على الغاصب؛ إلا أن يقول الغاصب -مع التقديم هو لي، ثم يغرم المغصوب منه الغاصب؛ فإنه لا يرجع على الآكل خلافا للمزني لأنه يقوله "هو لي" اعترف بأنه مظلوم، والمظلوم لا يرجع على غير من ظلمه.
قاعدة: من صح تصرفه في شيء تدخله النيابة صحت وكالته فيه وعبارة التنبيه: "ومن لا يجوز".
стр. 344
مأخذ من مآخذ باب الوكالة. "هل الاعتبار بحال التوكيل أو بحال إنشاء التصرف، فيه خلاف يشبه الخلاف الذي قدمناه في أوائل القواعد في أنه "هل الاعتبار بحال التعليق أو بحال وجود الصفة؟ غير أنه لا تعليق فيما نحن فيه. وفيه مسائل:
منها: وكله بطلاق امرأة سينكحها، أو بيع عبد سيملكه؛ ففي صحته وجهان وعند ذكرهما أشار الرافعي إلى هذا المأخذ.
ومنها: وكل المحرم حلالا في أن يقبل له نكاح امرأة؛ فهل يصح ويقبل له بعد التحلل إن اعتبرنا حال التوكيل لم يصح في الأصح.
ومنها: إذ قال: وكلتك في مخاصمة كل خصم يحدث له وفيه وجهان حكاهما الماوردي.
ومنها: لو وكل الولي في التزويج قبل استئذان المرأة المعتبر إذنها.
قال صاحب التهذيب: لا يصح مع قوله -في التوكيل بطلاق زوجة سينكحها- "أنه يصح" وهذه منه مناقضة حاول ابن الرفعة الاعتذار عنها في المطلب في باب الوكالة بما يطول ذكره.
ومنها: لو وكله في طلاق امرأته فلم يطلقها حتى مرض الموكل فهل يكون كالطلاق في المرض فيه وجهان: قال صاحب الذخائر: "مآخذهما أنه هل ينظر إلى وقت التوكيل أو الإيقاع؟
ومنها: قال: أعتقوا عني عبدا فكان هناك خنثى مشكل لم يجز إعتاقه [عنه] ١ فإن زال إشكاله فوجهان في البيان.
فائدة: لا يفارق الصلح البيع إلا في مسائل: قال صاحب التلخيص هي اثنتان، وقال الغزالي [ثلاث] ٢ وهي أكثر.
منها: صلح الحطيطة لا يصح بلفظ البيع ويصح بلفظ الصلح على الأصح.
ومنها: قال ابن القاص: لو صالح أهل الحرب من أموالهم على شيء جاز ولو صالح مسلما من ماله على [شيء] ٣ لم يجز.
ومنها قال -أيضا- يجوز الصلح عن أرش الجناية لا بلفظ البيع وأنكره الشيخ
стр. 345
أبو علي وقال: إن كان ملعوم القدر والصفة. جار باللفظين وإلا امتنع بهما، وإن علم القدر دون الوصف ففيه خلاف.
وهو في الحقيقة منع لا تفصيل؛ وذلك لأن صاحب التلخيص إنما تكلم في معلوم القدر والصفة ومن ثم قال الشيخ الإمام: "من وقف على كلام صاحب التلخيص عرف أن كلام الشيخ أبي علي ليس تفصيلا لما أجمله؛ بل إفادة لأحكام مسائل.
ومنها: قال البويطي -من قبل نفسه لا من عند الشافعي- "إذا وجب لرجل على رجل يمين، فافتدى منه بمال جاز، ووافقه النووي وقال الوالد ﵀: يشهد له ما في البخاري في القسامة في الجاهلية وافتداء رجل يمينه ببعيرين.
قال: فإن صح ما قاله فهي صورة أخرى يستعمل فيها لفظ الصلح دون البيع لكن في الحاوي ما يخالفه.
قال الوالد ﵀: وهو الذي يظهر.
فائدة: قال الوالد ﵀: ما يبذل العوض بسببه إن كان مالا؛ فهو البيع وإلا فالافتداء بحق كالخلع أو بباطل كفك الأسير وكل من البيع والافتداء إن جرى بعد منازعة سمى صلحا وإلا فلا.
قاعدة: قال صاحب التنبيه: "من لا يجوز تصرفه لا يجوز توكيله ولا وكالته إلا الصبي المميز؛ فإنه يصح وكالته في الإذن في دخول الدار وحمل الهدية".
قلت: أما التوكيل فقد ذكرت في التوشيح أنه يستثنى منه مسائل:
منها:......
فصل:
وأما الوكالة فقد اقتصر الشيخ على استثناء الصبي [المميز] ١ فيما [ذكرت] ٢ وبقيت مسائل بعضها في التوشيح.
منها: السفيه فإنه لا يقبل النكاح لنفسه -بلا إذن- ويقبل لغيره في الأصح.
ومنها: السفيه -أيضا- فإنه يجوز أن يكون وكيلا عن المرأة في اختلاعها من زوجها ويصح، وتبين إذا أضاف المال إليها؛ لأن الحجر على السفيه لدفع الضرر عنه ولا ضرر عليه في قبول هذا الخلع.
стр. 346
نقله الرافعي في الخلع عن صاحب التتمة. وقيد به قول صاحب التهذيب أن السفيه لا يتوكل عن المرأة في الخلع فقال: [هذا] ١ فيما إذا أطلق لا فيما أضاف إليها وهو واضح، ولا يخفى أنه لا يخالع عن نفسه فقد خاز كونه وكيلا فيما لا يمكنه أن يتولاه عن نفسه.
ومنها: الكافر في شراء المسلم والمصحف لمسلم وكذا في طلاق المسلمة ذكرها الرافعي في الخلف. هذا كلامي في التوشيح وأشرت بما ذكره الرافعي -في الخلع- إلى قوله يجوز أن يكون وكيل الزوج الزوجة -يعني في الخلع- ذميا لأن الذمي قد يخالع المسلمة ويطلقها؛ ألا ترى أنه لو أسلمت المرأة وتخلف الزوج فخالعها في العدة ثم أسلم يحكم بصحة بصحة الخلع. انتهى وتبعه عليه النووي وابن الرفعة والوالد رحمهم الله تعالى.
وقد يقال: قوله "ألا ترى" إلى آخره يدفع الاستثناء؛ فإن جعله إياه ممن يطلق المسلمة يدفع كونه لا يملك طلاقها؛ فإنه -حينئذ ما صار وكيلا إلا فيما له -على الجملة- أن يفعله غير أنا نقول: توقف صحة الخلع إسلامه تنبئك على أنه لا يصح مع كفره وقوله: "ذميا" ليس للاحتراز عن الحربي، ولو قال كافرا كان أحسن وبلفظ الكافر صرح الماوردي في الحاوي وعليه دل الشافعي وهو واضح.
ويستثنى أيضا لو وكل حلال محرما في أن يوكل حلالا بالتزويج على الأصح عند الرافعي والنووي لكن الأصح عند الوالد ﵀ خلافه وفيما لو توكلت المرأة في طلاق غيرها أو في أن توكل من يزوج.
أصل مستنبط: ما لا تدخله النيابة من التصرفات هل يكون التوكيل فيه فعلا له يؤاخذ به الموكل فيه خلاف لا على الاطراد والعموم بل في صور:
منها: الأصح أنه لا يصح التوكيل في الإقرار فإن وكل -على هذا- لم يكن مقرا على الأصح.
ومنها: التوكيل بالحوالة لا يصح وهو يصير محيلا بالتوكيل فيه وجهان؛ قاله القاضي الحسين وخالف فيه صاحب التهذيب.
ومنها: المشهور صحة التوكيل في عقد الضمان، وقال القاضي لا يجوز وهي يصير بذلك ضامنا فيه وجهان.
стр. 347
ومنها: يجوز التوكيل بعقد الوصية ومنعه القاضي الحسين، قال لأنها قربة قال: وهل يصير بذلك موصيا يحتمل وجهين.
فصل:
يقرب من هذه النظائر -على العكس- القادر على رفع الشيء هل يكون جحوده إياه رفعا له فيه خلاف في صور:
منها: لو جحد الوكيل كونه وكيلا؛ فهل يكون ردا لها فيه أوجه أحدها: وهو ما أطلق الرافعي في باب النذر تصحيحه - ارتفاع الوكالة بالإنكار.
[قاعدة: اختلف الأصحاب في أنه "هل الاعتبار بحال التوكيل أو بمال إنشاء التصرف اختلاف جعل بعضهم أصله من مسائل أصول الديانات أن التكليف هو يتوجه حال المباشرة أو قبلها؟ "وليس رد هذه القاعدة على هذا الأصل -عندي- بمرض؛ فأنا أسرد فروعها ليتبين ذلك فمن فروعها: لو وكله بطلاق زوجة سينكحها، ولو وكل المحرم حلالا في قبول النكاح، هل يصلح ويقبل له بعد التحلل؟ ولو وكله في مخاصمة كل خصم يحدث له، [وهذه فيها وجه في الحاوي] ١.
قاعدة: قال القاضي الحسين ﵀: "ما لا يستحق بالشفعة لا يستحق به الشفعة"، وجعل هذا علة قولهم في أرض نصفها وقف ونصفها طلق أنه لا يثبت للموقوف [عليه] ٢ الشفعة وهو الصحيح وتبعه الرافعي فقال: "إن الوقف لا يستحق الشفعة فلا تستحق به الشفعة"، والأصح عند الوالد ﵀ أن علة كون الموقوف عليه لا يملك الوقف على المذهب؛ فليس بشريك في الملك والشفعة إنما تثبت لشريك الملك، وهذه هي التي اختارها ابن الصباغ".
ولو قلنا: بأن الموقوف عليه يملك؛ فشرط الشفعة قبول القسمة، والوقف لا يفرز بالقسمة عن الملك على أشهر الوجهين.
وهنا تنبيهان: أحدهما: يتخرج على ما تعلق به الوالد من العلة وما تعلق به الرافعي وتبعه النووي إذا قلنا الموقوف عليه يملك، وقلنا بما اختاره النووي من أن الوقف يقسم عن الملك فالوالد يقول تثبت الشفعة حينئذ؛ لانتفاء العلة والرافعي والنووي يقولان لا تثبت لما رجحاه من العلة؛ فإن الوقف لا يؤخذ بالشفعة فلا يؤخذ به. وكذلك
стр. 348
إذا كانت درا ثلاثا، ثلثها وقف، وثلثاها لاثنين فباع أحدهما نصيبه هل يثبت للآخر الشفعة؟
قال الشيخ الإمام: ينبغي أن يقال بالجواز إن جوزنا القسمة لانتفاء العلة التي ذكرها القاضي، وبالمنع إن لم نجوز لعدم توقع الضرر بالمقاسمة، [ولذلك] ١ أطلق صاحب التنبيه وغيره أن ما ملك بشركة الوقف لا شفعة فيه.
التنبيه الثاني: هذه القاعدة ضعفها ابن الصباغ ونقضها ابن الرفعة بصاحب الجزء الكبير؛ فإنه لا يأخذ الجزء الصغير -الذي لا ينقسم- منه، لعدم توقع القسمة ولا عكس ومن الغريب أن القاضي الحسين قال: بعد أن ذكر [هذه] ٢ القاعدة: "وعلى هذا نقول الجارية التي نصفها قن ونصفها أم ولد فإن استولدها معسر فوقفنا الاستيلاء على حصته لو أعتق صاحب النصف الذي هو أم ولد نصيبه لم يسر إلى ما هو قن؛ لأن صاحب النصف القن إذا أعتق نصيبه لم يسر إلى ما هو أم ولد منها: [كما] ٣ لا يسري إلى الغير.
قاعدة: ما يبذله الشفيع من الثمن للمشتري مقابل لما [يبذله] ٤ المشتري "على ما ذكر ابن الدم أنه المفهوم من كلام الأصحاب وهو قول القفال، وقال القاضي الحسين: "إنه في مقابلة الشقص"؛ فالمشتري عند القفال كأنه ناب عن الشفيع في الشراء أو أقرضه الثمن وأحوجه إلى هذا دلالة الحديث؛ على أن الشريك أحق بالشفعة. فكأن الشفيع نازل منزلة المشتري قال ابن أبي الدم: "وهذا الخلاف ينبغي أن يكون قاعدة باب الشفعة" وعلى هذه القاعدة يتخرج مسائل:
منها: خيار المجلس للشفيع وجواز التصرف قبل القبض وأخذ ما لم يره والملك نقضًا للقاضي عند قوله تملكت وبالإشهاد ولخوف الزيادة والحط وانحطاط مقدار الأرش، وغير ذلك من مسائل كثيرة. من أهمها إذا كان الشفيع وارثا، والبائع مريض وفي الثمن محاباة وقبض الشقص إذا كان عليه صفائح من ذهب، والثمن فضة -على ما تفقه ابن الرفعة، وإن كان المنقول اشتراط القبض فيه. والتصحيح مختلف في هذه الفروع لسبب يخص الفروع في نفسها.
стр. 349
تنبيه: قال الوالد ﵀: مما يشكل على القفال في تقديره أن المشتري أقرض الشفيع الثمن أنه لو كان كذلك لكان الواجب -فيما إذا اشترى الشقص بمتقوم- المثل الصوري كالقرض، لا القيمة؛ فالأشبه على قاعدته أن يقدر أن الشفيع أتلفه عليه، وعلى قاعدة القاضي يجعل معيارا لا غير قلت: لا شك أن القفال يقدر كأنه أتلف؛ فإن الأصحاب صرحوا بأن المتقولم لا يؤخذ بالمثل الصوري -هنا- وإن أخذ في القرض كذلك. فقال صاحب التتمة: الشفيع لا يؤخذ بالمثل صورة، بخلاف ما قلناه في القرض على أحد القولين -لأن القرض مشروع للإرفاق؛ فلو لم نوجب الجنس امتنع الناس عن القرض فيفوت الرفق المطلوب.
وأما الأخذ بالشفعة فسببه الإتلاف "والمقومات -عند الإتلاف- تضمن بالقيمة". انتهى.
وقال أعني صاحب التتمة بعد ذلك إذا استقرض شقصًا فالشفيع يأخذ الشقص بقيمته بلا خلاف لأن المستقرض يضمنه بالقيمة على المذهب الصحيح، وعلى القول الآخر يجب عليه رد المثل على سبيل الإرفاق والشفعة ملحقة بالإتلافات. انتهى.
وهذا الفرع نقله عنه الرافعي وهو بناء منه على جواز قرض الشقص من دار وقد نقله [عنه] ١ قبل ذلك، وصرح به أيضا في كتاب التتمة قبل ذلك جازما به وخرج من هذا أن للقفال أن يقول إنما يلزمه رد المثل صورة أن لو كان قرضا حقيقيا وهذا ملحق بالقرض وليس هو إياه فلا يلزم.
قاعدة: قال القاضي حسين كل يد كانت يد ضمان وجب على صاحبها مؤنة الرد، وإن كانت يد أمانة فلا.
قلت: وأغرب أبو إسحاق العراقي شارح المهذب فزعم أن مؤنة رد المبيع بعد الفسخ بالعيب على المشتري، ويستثنى من العكس الإجارة على ما صحح النووي في تصحيح التنبيه أنه يجب مؤونة ردها على المستأجر وهي أمانة، ومن الطرد إذا غصبها من ذمي على ما صححه الرافعي والنووي يجب ردها ثم في وجوب مؤونة الرد خلاف؛ لكنهما صححا وجوبها.
стр. 350
قواعد باب الإقرار:
وخص بالتبويب لكثرة قواعده، وفيها ما هو منصوص أصل منصوص؛ قال الشافعي ﵁: أصل ما أبني عليه الإقرار أني لا ألزم إلا اليقين وأطرح الشك ولا أستعمل الغلبة.
وهذه العبارة المنصوصة أجود من كل العبارات الشارحة لها وأوضح، وأقصى ما ذكروا فيها أن مراده باليقين أعم من الظن الغالب، وادعى ابن القاص استثناء مسألتين من هذا الأصل، واستثنى غيره غيرهما، ونحن نورد المستثنيات.
قاعدة: قال صاحب التلخيص: كل سكران يصح إقراره إلا اثنين.
أحدهما: المكره على الشرب.
والثاني: من ظن المسكر غير مسكر.
قال أصحابنا في ما حكاه القفال عنهم ونقله عن صاحب البحر ساكتا عليه هذا إذا ظن جنس المشروب غير مسكر، أما من عرف أن جنسه مسكر؛ ولكن ظن أن ذلك القدر لقلته لا يسكر فإقراره صحيح.
قلت: وهذا بعض ما في الرافعي وكتب المتأخرين؛ إذ الذي فيها أن من لم يعلم أن المشروب من جنس ما يسكر معذور، ومن لم يعلم أن المشروب من جنس المسكر أعم من أن يظنه غير مسكر، أو يكون ساذج أقدم على شرب شيء مجهول ولا يلزم من مسامحة من ظنه غير مسكر مسامحة من لا ظن له البتة.
والذي اعتقده أن إطلاق الرافعي محمول على تقييد ما نقله القفال عن الأصحاب؛ فلا يسامح إلا من ظن الجنس غير مسكر أما من لا ظن له أصلا فحقه البحث ولا يسامح.
قاعدة: قال صاحب التلخيص -في باب الإقرار- ما نصه، "وإذا كان له على رجل في ذمته مال، فأقر به لغيره.
جاز في الحكم إلا في ثلاثة".
- إذا أقرت المرأة بصداق على زوجها.
- وإذا أقر الزوج بما خالع عليه امرأته.
- أو أقر بما وجب له من أرش الجناية عليه في بدنه. انتهى.
стр. 351
والعلة في ذلك أنه يختص بمن وجب له، ولا يجوز أن يثبت في الابتداء لغيره- بخلاف سائر الديون.
قلت: وكلام صاحب التلخيص -كما رأيت- صريح في أن محله الديون؛ فيقر بدين ثبت له في ذمة الغير؛ إلا في هذه المسائل، وعلى هذا جرى الجرجاني فقال -في المعاياة بعد ذكر هذه المسائل: "هذا إذا قلنا لا يصح بيع الدين في الذمة، وأن الحوالة تفتقر إلى رضى المحال عليه؛ فإن قلنا يصح بيع الدين، وأن الحوالة تصح من غير رضا؛ فأقر به لغيره في هذه المسائل وعزاه إلى بيع أو حوالة، وصح [وإذا] ١ أطلق فعلى قولين -بناء على القولين فيمن أقر للحمل بمال غير منسوب إلى جهة". انتهى.
وما قاله "من تخريج ذلك على الإقرار بالدين -سبقه إليه الإمام الحرمين، وظن ابن أبي الدم أن الإمام تبع الجرجاني في ذلك، ويشبه أن يكون الأمر بالعكس؛ فإن الجرجاني -صاحب المعاياة- متأخر عن الإمام، وما ذكره من الجزم بالصحة فيما إذا أسنده إلى جهة حوالة أو بيع [صححناه] ٢ وحكاية القولين فيما إذا أطلق، وأنهما مبنيان على الإقرار المطلق للحمل، هو ما نقله الرافعي عنه، واقتصار الرافعي على نقله عن الجرجاني عجيب؛ فإن الأكثرين من الأصحاب ذكروه كما ذكر الجرجاني، والجرجاني متبع لهم، منهم القفال -في شرح التلخيص- وغيره.
نعم: بقيت مسألة مليحة، وهي [ما] ٣ إذا لم يطلق ولم يسند إلى جهة معينة؛ بل قال: صار ذلك إليه وقد صر بها الماوردي، فقال: "يصح قوله: صار ذلك إليه في الصداق والخلع، ويكون في أرش الجناية على حالين، وإن كان دراهم ودنانير، صح، وإن كان إبلا، فلا".
واعلم: أن الراجح -فيما إذا أطلق الإقرار للحمل- الصحة، فيخرج من ذلك أن ما ذكره صاحب التلخيص لا يجيء إلا على الضعيف؛ فمن ثم حمل الأئمة ما ذكره -كما قال الرافعي- على ما إذا أقر بها عقيب ثبوتها، بحيث لا يحتمل جريان ناقل، ثم اعترض الرافعي ذلك. بأن سائر الديون -أيضا- كذلك فلا ينتظم الاستثناء بل الأعيان بهذه المثابة؛ حتى لو أعتق عبده ثم أقر له السيد أو غيره -عقيب الإعتاق- بعين أو دين، لم يصح؛ لأن أهلية الملك لم تثبت له إلا في الحال. ولم يجر بينهما ما يوجب المال.
стр. 352
قلت: ولي بحث مع الرافعي، ومع الأكثرين، ومع الأئمة.
فأقول: قول الرافعي ﵀: "سائر الديون كذلك" غير مسلم؛ لأن سائر الديون ممكن ثبوتها ابتداء للمقر له، بخلاف هذه الثلاثة، وكلام ابن القاص فيما لا يجوز أن يبت في الابتداء لغي المقر، كذا فهمه القفال وغيره -من الأئمة-[عنه] ١؛ ومن ثم أقول: جعل الأكثرين في هذه الديون الثلاثة إذا أطلق الإقرار بها على القولين فيمن أقر للحمل وأطلق، مستدرك من قبل أن لابن القاص أن يقول لا يلزم من صحة الإقرار المطلق للحمل، صحة الإقرار المطلق بهذه الديون؛ لأن الحمل يصح أن يثبت له ابتداء ما أقر به له بميراث ونحوه، وأما هذه الديون فلا يصح ثبوتها -ابتداء- لغير المقر؛ فقد يقال لا يصح الإقرار المطلق بها لأن الأصل عدم الناقل، ومجرد الاحتمال لا يصلح دفعا لهذا الأصل، بخلاف الحمل فإن الاحتمال فيه أقوى لكونه يصح أن يثبت له ابتداء؛ فلسنا على ثقة من [أن] ٢ المقر له ثبت له ذلك، ثم انتقل عنه بل جاز أن لا يكون ثبت له البتة. يكون الحكم به للمقر له مستندا إلى احتمال الناقل وحده، ولست أدعي أن الصحيح عدم صحة الإقرار المطلق بهذه الديون؛ بل أقول: هو أولى بعد الصحة من الإقرار للحمل -وإن اشتركا في الصحة.
وأقول -أيضا- قد يقول ابن القاص بهذه التفرقة؛ فلا يصح الإقرار المطلق لهذه الديون كما هو ظاهر كلامه، وإن صححه في الحمل.
وإذا عرفت هذا، عرفت أن حمل الأئمة كلامه على ما إذا أقر بها عقب ثبوتها؛ بحيث لا يحتمل جريان ناقل، فيه نظر، لأنه -كما عرفناك- يقول: "وإن طال المدى بعد ثبوتها" فاحتمال الناقل فيها أضعف منه في الحمل.
فهذا تمام الكلام على قول الرافعي: "سائر الديون كذلك" وأما قوله: "بل الأعيان بهذه المثابة ... " إلى آخره، فهو -أيضا- مبني على ما حمل الأئمة كلام ابن القاص [عليه، وقد قلنا: أن لابن القاص] ٣ أن يجري كلامه على إطلاقه؛ فلا يتعين حملهم، ولا تكون الأعيان بهذه المثابة نعم: قد يقال: كما لنا ديون لا يقر الإنسان بها لغيره، كذلك لنا أعيان بهذه المثابة، وهذه إلحاق وزيادة، لا إيراد، وكان -حينئذ- ذكر ما ألحقه الماوردي بهذه الصور أولى؛ إذ ألحق بهذه الصور الثلاث ما إذا أقر مالك البهمة
стр. 353
بحلها لغيره قال: ولو قال في هذه الصور: "صار ذلك إليه" لم يصح أيضا؛ فإن أراد الماوردي الاعتراض عل ابن القاص؛ فليس بجيد؛ لأن كلامه في الديون لاقى الأعيان، وإن أراد إلحاق العين بالدين فهي فائدة جديدة -لا تعلق لها بابن القاص، ثم لك أن تقول: يصح ثبوت الحمل ابتداء للغير كحامل أو وصي مالكها بحملها لزيد ثم مات، وقبل الموصى له الوصية؛ فالوارث المالك [الحمل] ١ يقر بالحمل لزيد، وهو مالك بهيمة صح إقراره بحملها لغيره، والحمل لم يثبت له ابتداء.
فإن قلت: هب أنه لم يثبت [له] ٢ ابتداء؛ إلا أنه -أيضا- لم يثبت للمقر له ابتداء، بل للميت الموصي، وتنزيل وارثه منزلته، أولى من تنزيل الموصي له؛ فإما أن نقدر أنه ثبت للوارث ثم انتقل عنه، فيتجه كلام الماوردي، وإما أن لا نقدر ذلك؛ فلا يصح الاعتراض -أيضا- لعدم [صحة] ٣ ثبوته للمقر ابتداء.
قلت: نفرض ذلك في رجل أوصى بما ستحمله هذه الجارية فإن الصحيح صحته فإذا حملت، وأقر به الوارث للموصى له؛ فقد أقر بما يثبت للمقر له ابتداء؛ فلا يتأتى كلام الماوردي في هذه الصورة، ولا ينبغي أن نورد على ابن القاص إلا دين -غير هذه الصور الثلاث- لا يمكن ثبوته ابتداء للمقر.
وقد خطرت لي صورة، وهي الفقراء إذا انحصروا في بلد، ووجبت الزكاة في مال بعض أهل البلد، وفرعنا على القول بتعليقها بالذمة؛ فإنهم إذا أقروا بذلك القدر الواجب لمن ليس من أهل الزكاة؛ فقد أقروا بما لا يصح ثبوته ابتداء للغير؛ فينبغي -على قول ابن القاص- أن لا يصح، بل قد يقال بذلك على كل الأقوال، لأن الذمة ليست خلوا -وإن قلنا- بتعلق الشركة أو الرهن.
وصورة ثانية: وهي الحر المؤجر نفسه إذا أقر بما له من الأجرة في ذمة المستأجر؛ إلا أنه قد يقال: جاز أن يكون المقر له استأجر نفس هذا الحر قبل أن يستأجره المستأجر الثاني، وأذن له أن يؤجر نفسه عنه، فأجر نفسه عنه، فالأجرة ثابتة للمستأجر الأول، والحر واسطة، فلم يمتنع ثبوت المقر به للغير.
فائدة: كثيرا ما يقع أن شخصًا يقر بأنه لا حق له في هذا الوقف، أو أن زيدا هو المستحق دونه، ويخرج شرط الوقف مكذبا للمقر، ومقتضيًا لاستحقاقه، فيظن بعض
стр. 354
الأغبياء أن المقر يؤاخذ بإقراره والصواب أنه لا يؤاخذ؛ سواء علم شرط الواقف، وكذب في إقراره، [أو] ١ لم يعلم، فإن ثبوت هذه الحق له لا ينتقل بكذبه [والله أعلم] ٢.
قاعدة: قال الشيخ الإمام ﵀ في شرح المنهاج: "ما لا يدخل في البيع لا يدخل في الإقرار، وما يدخل في البيع يدخل في الإقرار إلا الثمار غير المؤبرة فإنها على الصحيح -تدخل في البيع- ولا تدخل في الإقرار.
قلت: وإلا خاتم فيه فص؛ فإنه يدخل في البيع وفي الإقرار.
ظاهر نص الشافعي -وهو الأصح عند البغوي- لا يدخل الفص.
مسائل أخرى فيها كثيرة:
واعلم أن التعبير عن هذه القاعدة بهذه العبارة هو الصواب، وعبر بعض الأصحاب بعبارة أخرى مدخولة، وقد بين الوالد ﵀ ذلك في شرح المنهاج.
وذكر الرافعي -بعدما رأى انتشار المسائل- أن الضابط "أن ما لا يتبع [في] ٣ البيع ولا يتناوله الاسم فهو غير داخل، وما يتبع ويتناوله فهو داخل وما يتبع ولا يتناوله الاسم فوجهان، وقصد بهذا القسم الأخير - الثمار غير المؤبرة.
قال الوالد ﵀: ولكنه يرد عليه ثياب العبيد؛ فإنها لا يتناولها الاسم وفي دخولها في البيع خلاف، ولا نعرف أحدًا قال بدخولها في الإقرار من جهة التبعية، نعم في دخولها فيه خلاف من جهة اليد قال: ولا جرم أن الإمام قيد الضابط المذكور بأن تكون العين التي لا يتناولها الاسم متصلة بما يتناوله الاسم، وثياب العبيد منفصلة عنه.
وأورد ابن الرفعة على الرافعي ما حكى ابن سريج أنه إذا أقر لرجل بجارية، ﵀: "وقد يجاب عن هذا بأنه ليس لأجل التبعية في الإقرار بل لأن ملك الأم يقتضي ملك الولد حتى يثبت خلافه ... ".
قاعدة: قال القاضي أبو سعد: ضمني كل إقرار مثل صريحه، واستشهد بمسألتين:
стр. 355
إحداهما: قال الزوج: أخبرتني الرجعية بانقضاء عدتها -وهي لم تدع ذلك- فرجعتها، صحت المراجعة، ولأن الخبر ينقسم إلى صدق وكذب ولم يعين خبرها في جانب الصدق إذا لم يصدقها في ذلك؛ فصار كما لو صرح بأنها أقرت كاذبة، فإن ادعت انقضاءها وكذبها وراجعها في تلك الساعة -قبل تحليفها- فإن حلفت تبين بطلان الرجعة، وإن نكلت وحلف هو، تبين صحة الرجعة على ظاهر المذهب. انتهى ملخصا.
وفيه كلامان:
أحدهما، أنه لم يتبين لي صحة الاستشهاد منه؛ فإن قوله: "أخبرتني بقضاء العدة، إذا لم يتضمن التصديق، لا يتضمن التكذيب؛ وإنما اقتضى التكذيب مراجعته إياها بعد ذلك، ومراجعته ليست إقرارا، بل هي إنشاء الرجعة.
ولو جعل هذه المسألة مستثناة من القاعدة، لكان متجها، ووجهه أن اعترافه بإخبارها بانقضاء العدة يتضمن أن لا رجعة له؛ لأنه اعترف بإقرارها بما جعلها الشارع مؤتمنة عليه، لكنا جعلنا له الرجعة؛ فلم يعط ضمني الإقرار حكم صريحه.
والثاني: أن حكم المسألة فيه إشكال، ونقلها فيه إشكال، وبيان إشكال الحكم ما ذكرناه من أن الخبر وإن لم يستلزم الصدق لكن اعترافه بأنها أخبرت اعتراف بأن لا رجعة له، وليس له عليها غير اليمين على ما ائتمنها عليه الشارع؛ فكيف نمكنه من الرجعة.
ولعل صورة المسألة: أن تكذبه في أنها أخبرته، أو أن تقول: أخبرته؛ ولكني كنت كاذبة، والواقع أن عدتي لم تنقض.
وعلى هذا الوجه: نقل المسألة الرافعي في آخر باب الرجعة -فقال وعن نصه- في الأم لو قال: أخبرتني بانقضاء العدة، ثم راجعها مكذبا لها؛ فقالت -بعد ذلك- ما كانت عدتي منقضية، وكذبت نفسها، فالرجعة صحيحة، لأنه لم يقر بانقضاء العدة، وإنما أخبر عنها. انتهى.
وكشفت عن هذا النص؛ فوجدت -في مبسوط البيهقي- ولو طلق امرأته ثم قال: أعلمتني بأن عدتها قد انقضت [ثم راجعها، لم يكن هذا إقرارا بأن عدتها قد