ومنها: الخلع: وفيه خلاف في البيع، وأولى بالمنع.
ومنها: لا يزوج الولي المرأة من نفسه؛ خلافا لأبي يحيى البلخي.
ومنها: هل له تزويج أمته من عبده الصغير، إذا جوزنا أن له إجباره فيه وجهان.
ومنها: إذا وكله أن يصالح من نفسه؛ فوجهان -في البحر إذا عين له ما يصالح به؛ فإن أطلق لم يجز له أن يصالح إلا على شيء تبلغ قيمته قدر الدين.
ومنها: قال المحاملي: لو قال كاتب نفسك على نجمين فعلى هذين الوجهين.
فروع المقرض المقترض في مؤنة الرهن، وعامل المساقاة وهرب الجمال وناظر الوقف، ومؤنة اللقظة ومؤنة تعريفها في مؤنة الرهن، وعامل المساقاة وهرب الجمال وناظر الوديعة، ونفقة الأم على الولد، وكذلك١، الجدة، وأجرة سكنى المعتدة، وأكل الطعام في المخمصة، وكل ذلك للضرورة. واختصاصه بالضرورة ينبهك على خروجه عن القواعد.
قال الشيخ عز الدين في أكل طعام الغير في المخمصة: "أقام الشرع المضطر في المخمصة مقام مقرض ومقترض ولك أن تقول: أو جعل هذا الإتلاف، وألزمه -بسببه- الضمان ولا حاجة إلى تقدير فرض، وبالجملة. الموضع موضع ضرورة -فليغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره.
فروع المطلق والمطلق، والمعتق والمعتق.
فروع المتصدق والمتصدق عليه.
فروع المستوفي المستوفى منه.
مسألة: أذن المؤجر للمستأجر في صرف الأجرة في العمارة، توكيل الدائن المديون في استيفائه، ومستحق القصاص من عليه القود -نفسا أو طرفا- والإمام السارق في قطع اليد.
وفي الكل وجهان؛ حكى الإمام آخرهما في توكيل الجاني ليجلد نفسه، واستبعده -من جهة أنه متهم في إيلام نفسه- قال الرافعي: والمذهب في الكل المنع.
قلت: وأقرب الكل إلى الصحة استيفاء الدين؛ إذ لا محذور فيه والصور مشتركة في اتجاه المستوفي والمستوفى منه غير أن بعضها ليس فيه زيادة على ذلك فيسهل
стр. 282
أمرها؛ وذلك كاستيفاء الدين، وبعضها فيه زيادة على ذلك، وهي إذن المؤجر للمستأجر في العمارة؛ ففيه -مع اتحاد المستوفي والمتسوفى منه- يمكنه من الصرف وهي زيادة سهلة -قد تحتمل- وأما قطع الطرف فأشد من ذلك، وأشد منه قتل النفس؛ فإن الشرع فيما يظهر لنا -يأبى ذلك، وينبغي أن يقال: لا يصح التوكيل، ولا يجوز لمن عليه القود أن يفعل ذلك بنفسه، وبتقدير الصحة هل نقول: إنه [يملك] ١ أن يقبض من نفسه بعدما كان ممنوعا منه؟ فيه بحث يتخرج، أن توكيله فيه [هل] ٢ تفويض يقتضى تمليكه هذا الفعل، ونعني بتمليكه إياه جعله مستحقا أن الفعل ذلك بنفسه، وبتقدير جعله تمليكا هل نقول يسقط القصاص عنه؟ فإنه لا يملك على نفسه إزهاقها. وملكه ذلك يقتضي سقوط الحق، وبتقدير كونه كذلك هل نقول: إن التوكيل فيه -وإن بطل؛ فلا يبطل عموم كونه أباح له ذلك؛ فليسقط القود، ويكون هذا التوكيل فيه كالعفو في كل ذلك نظر يجر إلى سقوط القود عمن وكل في استيفائه من نفسه وإن لم يصح التوكيل.
وإلى وقوع عتق من وكله مولاه في أن يعتق نفسه، والأقرب إلى كلام الأصحاب أنه لا يعتق، وأن القود لا يسقط. وفي كتاب الوكالة من شرح المنهاج للوالد ﵀، لو قال وكلت من شاء في عتق عبدي صح وكذا أفتى فيمن قالت أذنت لمن شاء من عقاد البلد في تزويجي وفرق بينه وبين توكيل من شاء في البيع: فإن البيع يتعلق الفرض فيه بعين البائع.
ولو تم ما قلته -أنا- من البحث، لكان يمكن أن يقال: توكيل من شاء -بالعتق- إعتاق، وما أظن أصحابنا يسمحون بذلك، ولم يتعرض الأصحاب للتفريع على بطلان الوكالة في القصاص، أنه هل يقع قصاصا والظاهر أنه لا يقع.
وفي باب استيفاء القود إلى أن المستحق لا يستقل بالقطع والإذن دون إذن الإمام -فلو فعل وقع الموقع وأنه لو استقل المقذوف باستيفاء الحد -بإذن القاذف أو دونه- ففي الاحتساب وجهان فإن لم يحتسب.
[فإن] ٣ مات منه، وكان بغير إذنه، وجب القصاص أو بإذنه فلا قصاص وفي
стр. 283
الدية خلاف كذا في الرافعي، ولك أن تقول: قوله إن كان بغير إذنه وجب القصاص إن كان الضرب كما أمر الشارع فهو لا يقبل، وإن قبل فهو شبه عمد فلا قصاص.
ومنها: لو وكله في إبراء نفسه؛ ففي الصحة وجهان، قال في البحر وإذا صح فليبرأ على الفور؛ فإن أخر لم يصح.
قلت: كأن ألحقه بتفويض الطلاق، وفي الروضة إذا قلنا: إنه تمليك فإنه يشترط إيقاعه على الفور.
فروع السابر والمستور، والسواك والمستاك، والساجد [والمسجد] ١ تقدمت الإشارة إليها.
وهذه فروع منها:
"مطالب هو المطالب، وعاقد هو المعقود عليه ومدع هي المدعي عليه" منها قد يكون مطالبا ومطالبا، فيما لو أجر لمؤجره العين المؤجرة؛ فالأصح الصحة، ثم يطالبه بتسليم العين ويطالب بذلك.
ومنها: قد يتحد العاقد والمعقود عليه، فيما لو وكل عبدا أن يشتري له نفسه من مولاه؛ فإنه يصح على الصحيح مطلقا، وقال الماوردي: ظاهر المذهب أنه لا يصح، وفصل القاضي الحسين بين أن يأذن له مولاه. أو، لا.
ومنها: لو وكل السيد عبده في بيع نفسه، أو هبتها أو رهنها، أو وقفها. قال الرافعي في باب مداينة العبيد: إن له إجارة نفسه بإذن مولاه وكذا بيعها ورهنها -في الأصح- وفي الكتابة خلاف.
ومنها: مدع ومدعي عليه، فيما لو توكلا في الخصومة من الجانبين، قال الرافعي: "الأصح المنع".
والمسائل كلها من آثار اتحاد القابض والمقبض، وقد تقدم ذكر ما يستثنى منها.
وأما طردها: أعني الصور التي لا يتحد فيها القابض والمقبض، وقد ذكر اتحاد القابض والمقبض في شراء الأب لابنه من مال نفسه وبالعكس، وفيما لو وكل الموهوب منه الغاصب، أو المستعير، أو المستأجر بقبض ما في يده من نفسه.
стр. 284
وهنا ذكر الشيخ أبو حامد وغيره أنه يصح.
وإذا مضت مدة يتأتى فيها القبض بريء الغاصب والمستعبر من الضمان. وفي مؤنة الرهن. إذا قال: كان الراهن غائبا ولا مال له، وقال المرتهن: أنا أنفق وأرجع.
وفي عامل المساقاة وفي هرب الجمال.
وفيما إذا انهدم الوقف الرافعي: يجوز للإمام أن يأذن للناظر في الاستقراض، أو الإنفاق على العمارة -من مال نفسه، وليس له الاستقراض دون إذن.
قلت: ويحتاج إلى الفرق بينه، وبين ولي اليتيم؛ إذ له أن يقترض له.
ومنها: مؤنة التعريف في اللقطة:
ومنها: نفقة اللقيط.
ومنها: إذا احتاجت الوديعة إلى نفقة؛ فأنفق من غير إذن الحاكم إذا لم يقدر على إذنه؛ ففي الرجوع أوجه في "الحاوي" ثالثها يرجع إن أشهد.
ومنها: لو خالع بحضانة ولده -وصححناه- فله أن يأمرها بصرف الطعام والشراب لولده.
وفي "الشامل" أنه ينبغي جريان خلاف فيه من الملتقظ إذا أذن له في الإنفاق على اللقيط من ماله بشرط الرجوع.
ومنها: الطفل إذا امتنع الأب من الإنفاق عليه فأنفقت الأم من مالها -على قصد الرجوع- وأشهدت، رجعت، وإلا. فوجهان؛ كذا قال الرافعي ولعل ذلك إذا لم يكن قاض.
ومنها: في نفقة القريب إذا امتنع القريب، في كلام الرافعي أن القريب يستقرض على قريبه، وينفق على نفسه؛ فهذا مستقرض لنفسه على غيره.
وقد ذكروا الإشهاد في هذه الصور، ولم يتكلموا على [أنه ما] ١ يشهد -لوضوحه- إلا في المساقاة.
قال الرافعي: يشهد على العمل: أو [على] ٢ الاستئجار، ويدل الأجرة بشرط الرجوع؛ فإن لم يتعرض للرجوع فهو كترك الإشهاد قاله في الشامل.
стр. 285
قلت: فليأت نظيره في كل إشهاد، وفي الذخائر -في مسألة الوديعة أنه يشهد في كل نفقة.
ومنها: قال القاضي أبو سعد: إذا التقط هريسة فله الخيار بين الأكل والبيع، ثم يعزل القدر مدة التعريف، ثم يتصرف فيها، وقيل: لا يعزلها بل يعرفها بدون ذلك، وهذا قبض من نفسه لغيره.
ونظيره من اختلط له درهم بدرهم غيره؛ فيقسم بنفسه -حكى عن ابن عبد السلام وفي المغصوب إذا غصبه مثله.
ومنها: في المعتدة المستحقة للسكنى -إذا غاب الزوج ولا مسكن له.
قال الرافعي: إن أذن لها الحاكم أن [تكري] ١ المسكن من مالها، أو تستقرض عليه، جاز.
ومنها: أجره بقدر من الدراهم، ثم أذن له في صرفها إلى العمارة تقدمت.
ومنها: أذن لها الزوج في النفقة من دين له عليها -وهي موسرة- صح، أو معسرة فلها الفسخ؛ لأنها منظرة.
ومنها: إذا ظفر بجنس حقه، أوبعوضه جاز له أخذه وبيعه، واستيفاء حقه من ثمنه لمسيس الحاجة، قال ابن عبد السلام: فقد قام في حقه مقام قابض ومقبض، وفي بيعه مقام وكيل وموكل.
ومنها: لو أراد أخراج زكاة الفطر عن الصبي ليعود عليه.
قاعدة: الاستثناء الشرعي قد يلحق بالاستثناء اللفظي أو الحسي، وقد لا يلحق.
والفروع فيه متبددة، ولصاحب التهذيب في الحديثة المساقاة عليها الكلام -سنذكره- استحسنه النووي، واعترضه ابن الرفعة بكلام طويل.
ولوالدي ﵀ تصنيف في قسمة الحديقة عمله [بالديار] ٢ المصرية، ثم أملى علي -في الشام- تصنيفا سماه "الرياضة الأنيقة في قسمة الحديقة" اعترض في كل منهما كلام البغوي، وكلام ابن الرفعة، وارتضى لنفسه طريقة نفيسة، وأتى ببديع من القول.
стр. 286
حاصلة: أن الاستثناء الشرعي لا يضر؛ سواء كان المستثنى عينا أو منفعة بخلاف اللفظي.
وفي كلام الإمام والغزالي والبغوي ما يقتضي إلحاق الشرعي باللفظي، وقد نازعه الشيخ الإمام فيه، وبيانه بصور ذكر -هو- رحمه الله تعالى فيما أملاه علي كثيرا منها، وضممت أنا إليها غيرها.
منها: بيع الأمة المزوجة صحيح، ولو باعها فاستثنى١ منفعة بضعها لم يصح.
ومنها: "بيع العين المستأجرة صحيح" ولو باع دارا واستثنى منفعتها شهرا، ولم يصح على الصحيح فيهما.
ومنها: إذا باع نخله [مؤبرة] ٢ وبقيت الثمرة للبائع، ثم حدث طلع جديد في تلك السنة؛ فالأصح أنه للبائع لا للمشتري -مع الاتفاق على صحة البيع.
ومنها: إذا باع ما يجز مرارا [كالعنب] ٣ والقصب، فجزتها -الظاهرة عند البيع- للبائع، وما يحدث بعد، هل هو للبائع. أو للمشتري؟ وجهان حكاهما الماوردي، مع الاتفاق على صحة البيع.
وجزم الرافعي بأن الظاهرة للبائع، والحادثة للمشتري وفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة بوجهين.
أحدهما: أن الطلع له حد ينتهي إليه، ولا حد للرطبة.
والثاني: أنه لا منفعة للمشتري في قطع الثمرة. وللبائع منفعة في ترك قطعها.
والرطبة في قطعها فائدة للمشتري وفي ترك قطعها فائدة للبائع، وبذلك يندفع عن الرافعي الاختلاف في كلامه.
ومنها: إذا باع حاملا بولدين، بعد وضع أحدهما وبقاء الآخر مختبأ؛ ففي كون المجتز للبائع أو للمشتري، قولان.
نعم: [قال الإمام] : إذا حكمنا بأن الولد للبائع؛ فيجب الحكم بفساد البيع في الأم - على ظاهر المذهب".
стр. 287
وهذا جار على ما اقتضته طريقته من أن الاستثناء الشرعي كاللفظي.
ومنها: ذكر صاحب التهذيب، وسبقه إليه صاحب المهذب أن التين والعنب إن ظهر بعضه، فالظاهر للبائع، وغير الظاهر للمشتري وتوقف الرافعي والنووي في هذه الصورة.
قال صاحب الوافي: ولم أجد للأصحاب في المسألة غير ما ذكره الشيخ يعني صاحب المهذب.
ومنها: لو باع العبد إلا يده أو رجله مثلا لم يصح، ولو كان مستثنى شرعا- كما لو استحق قطع اليد عن قصاص أو سرقة صح، ولا خيار للمشتري إن علم؛ لكن ينظر -هنا- أن المبيع هل ورد على هذا المستحق فلا يكون من قبيل ما نحن فيه، أو لم يرد؟ الذي يظهر الأول، وأنه مع ذلك يستحق القطع.
ومنها: لو باع الماشية إلا شاة الزكاة، لم يصح. للجهل بالمستثنى المؤدي إلى الجهل بالمبيع، ولو باعها كلها -وقد وجبت فيها الزكاة- صح، ويد الساعي ممتدة إلى أخذ شاة الزكاة؛ فهي مستثناة شرعا وقد نص عليهما الشافعي في الأم في أبواب البيع، في باب [النقباء] ١ في البيع والمبحث هنا -عن شاة الزكاة- والحالة هذه، هل ورد العقد عليها ثم الساعي يفسخه، أو لم يرد العقد ثم على البائع ضمانها للمشتري، وكذلك إذا بيع من عليه حد فزمان استيفاء الحد منه مستثنى شرعا، وإن كان لو استثنى هذا الزمان -لفظا- لأبطل.
ومنها: لو باع دارا عليها حق، ووضع جذعا أو أجرا ما صح، ولصاحب الحق استيفاؤه وهي منفعة مجهولة مدتها مستثناة شرعا، ولو استثناها بلفظه لم يصح.
قاعدتان:
قال الأصحاب في باب الصلح: "الأجل لا يلحق ولا يسقط".
أما قولهم: "لا يلحق" فإشارة إلى القاعدة الأولى، وهي أن الحال لا يتأجل".
стр. 288
قال الشافعي ﵁ في مختصر المزني في باب النهي عن بيع وسلف وهي آخر مسألة في هذا الباب: "ولو كان له على رجل حق -من بيع غيره- حال فأخره به مدة كان له أن يرجع متى شاء؛ وذلك لأنه ليس بإخراج شيء من ملكه، ولا أخذ منه عوضا، فيلزمه، وهذا معروف له [لا يجب] ١ أن يرجع فيه" انتهى.
وهنا صور يقع فيها وجوب تأخير الطلب لأمر خارجي -ليس لذات الدين- فيعتقد أن الحال [يؤجل] ٢ وليس كذلك.
منها: قال الرافعي في باب العقود المنهية -بعدما ذكر أن الحال [لا يؤجل] ٣: "لو أوصى من له دين حال على إنسان بإمهاله مدة فعلى ورثته إمهاله تلك المدة لأن التبرعات بعد الموت تلزم؛ قاله في التتمة، وسكت الرافعي عن هذا.
وضم الناس إلى هذه الصورة، ما إذا أنذر أن لا يطالبه إلى شهر؛ فإنه طاعة، يلزمه الوفاء به.
واعلم أن هذه الصورة في التتمة أيضا، والعجب عدم ذكر الرافعي لها، وهي التي قبلها في التتمة، في موضع واحد.
وهذا لفظ التتمة، قال عقيب٤ ذكر ما نقله الرافعي عنه: "الثامنة: إذا كان له حق حل أجله فقال: إن شفى الله مريضي، أو رجع غائبي، فلله علي أن لا أطالبه شهرا؛ فالحكم فيه كما لو نذر عيادة المرضى وتشييع الجنائز. انتهى.
ولا فرق بين الحال ابتداء وبأجل٥ بعدما كان موجلا، في أن كلا منهما لا يتأجل، وقد قال الرافعي -قبل هذا- ولو حل الأجل، فأجل البائع المشتري مدة، أو زاد في الأجل- قبل حلول الأجل المغصوب- فهو وعد لا يلزم، كما أن بدل الإتلاف لا يتأجل -وإن أجله. انتهى بلفظ الروضة.
стр. 289
وأقول: هاتان الصورتان -الوصية والنذر- ليس فيهما تأجيل حال؛ بل تأخير الطلب مع الحلول، فلا ينقضان القاعدة.
ونظيرهما: المديون المعسر، يجب إنظاره، وليس هناك تأجيل، وكذلك إذا حل الدين، وجب تأخير الطلب به إلى فتح الصندوق وإحضار القفل أو المال من البيت، وكذا من دون مسافة القصر، وكذا إلى بيع سلعة على ما ذكر الأصحاب في باب الكتابة وليس في شيء من هذا تأجيل الحال، ولا فرق بين هذه الصور ومسألة الوصية والنذر؛ إلا أن الأجل فيهما معلوم، ولا أثر لذلك، ولو أن الناذر - في هذه المسألة مات؛ فهل لورثته المطالبة، لأن الدين حال والناذر قد مات -وهم لم ينذروا- أو عليهم الإمهال؛ لأن الحق انتقل إليهم؟ هكذا فيه نظر واحتمال.
فصل:
وأما قولهم: "ولا يسقط فإشارة إلى القاعدة الثانية، وهي أن المؤجل لا يصير حالا".
ومن ثم أسقط من عليه المؤجل الأجل لم يسقط - على الصحيح واستخرج الأصحاب في باب الصلح من كون الأجل لا يلحق ولا يسقط أنه لا يصح الصلح من حال على مؤجل وعكسه.
فإن قلت: فقد قالوا -فيمن صالح من مؤجل على حال، وعجل المؤجل: أن الأداء صحيح "وكيف يصح الأداء ولم يحل المؤجل".
قلت: لا تعلق لصحة الأداء بحلول الأجل فإن من عليه دين مؤجل أن يؤديه حالا -ولا يخرجه ذلك عن كونه مؤجلا؛ لأنه متبرع: بخلاف ما يلزمه.
واعلم أن المطلقين لصحة الأداء -في هذه الصورة- الإمام والرافعي ومن تبعه.
وقد قيده الشيخ الإمام ﵀ بما إذا عرف بطلان الصلح؛ فإن ظن صحته استرد قطعا، قال: ولا يخرج على الخلاف فيما لو رهن معتقدا أو وجوب الرهن لأن الرهن عقد، بخلاف الدفع، والقصد معتبر في الدفع دون العقد.
стр. 290
وهذا الذي قاله الوالد متعين، يجب أن يكون الفتيا عليه. وهذه صور يضطر فيها إلى الحكم على المؤجل بحكم الحلول، وإن شئت قل: يضطر فيها إلى صيرورة المؤجل حالا، وتقع -حينئذ- مستثناة من هذا الأصل.
منهاك الموت يحل به الدين المؤجل لخراب الذمة.
ومنها: إذا استرق الحربي، حل عليه المؤجل نص عليه؛ فيقضي من ماله -الذي يغنمه القائمون- دينه.
ومنها: إسقاط من عليه الدين الأجل -على وجه- وقد صدرنا [به] ١ القاعدة.
ومنها: حلول الدين بالفلس- على قول.
ومنها: حلوله بالجنون- على قول.
قاعدة: "الشرط الذي يقتضيه العقد لا يضر".
كالبيع بشرط الإقباض، وكما إذا شرط في الرهن أن يباع المرهون في الحق، وعبارة المحاملي أنه يصح، وقد تكلمنا عليها في شرح المختصر في مسألة التعليل بعلتين، وقلنا: إن الصواب ما ذكره الإمام والغزالي والرافعي وغيرهم من أن شرط مقتضي العقد لا يضر، ولا ينفع، استشهدنا له بأن تدبير المستولدة لا يصح.
ومن غرائب مسائل القاعدة قول البغوي في فتاويه: لو تزوج من وقع اليأس من احتمالها الجماع بشرط إلا يطأها، صح الشرط؛ لأنه يقتضيه العقد.
قال: وكذلك إذا كانت لا تحمل في الحال، وشرط أن لا يطأها إلى مدة الاحتمال.
ثم يستثنى من هذه القاعدة الأمة إذا خالعت زوجها بمال، وشرطته إلى وقت العتق؛ فإنه يفسد، ويرجع بمهر المثل- بعد العتق- مع كون هذا الشرط مقتضي العقد؛ فإنه لو خالعها على مال [ثبت] ٢، ولم يطالبها الآن بشيء وإنما يطالبها عند العتق.
стр. 291
قال الشيخ الإمام الوالد ﵀ في باب الخلع: "وهذا عجيب، شرط يوافق مقتضى العقد يبطله، ولذلك لو شرط في البيع الإنظار بالثمن إلى اليسار؛ لكن ذلك ليس من مقتضيات العقد، بل من مقتضى الشرع، ولا فرق، لأن الشرط الموافق للشرع لا يفسد".
قلت: وكذلك إذا استأجر اليهودي [شهرا] ١ على عمل؛ فالثبوت تقع مستثناة من الاستيفاء، أو المسلم فأوقات الصلوات تقع مستثناة وكذلك أوقات القيلولة والراحة بالنسبة إليهما؛ فلو صرح بمقتضى ذلك في أصل العقد كان مبطلا -على ما حرره الشيخ الإمام ﵀ غير أنه يقول: هذه الأوقات ليست متخللة بين أوقات الإجارة حتى تكون كإجارة العقب -ويجري فيها ما في تلك من الخلاف- بل المنفعة كلها للمستأجر مستحقة بمقتضى العقد ثم عليه توفيره عن العمل تلك الأوقات، ويظهر أثر ذلك فيما لو استعمله في تلك الأوقات؛ فلا يجب عليه أجرة زائدة -كما أشار إليه البغوي وصرح به الشيخ الإمام.
والحاصل أن ما [بقي] ٢ مستثنى لو صرح به لأبطل؛ إنما المبطل ما إذا أراد خروج هذه الأوقات من العقد -بالكلية- قال: فهذا ينبغي أن يبطل العقد.
[وأقول] ٣: قول الأصحاب: إنه يجوز الاستثناء للخدمة نهارا -دون الليل- أما إذا أراد أن هذه الأوقات يقع توفيره فيها على العمل -مع كون عقد الإجارة واردا عليها؛ فهذا تصريح بمقتضى العقد. فلا يضر، وبهذا يتبين أن ذكر مقتضى العقد لم يضر، وأن هذه الصورة لا ترد عليه، ولا يقال: أغفل ذكرها؛ لأنه حقق في شرح المنهاج أن هذه الأوقات مستثناة من الاستيفاء لا من الاستحقاق، وإن شئت [قل] ٤ من استيفاء المملوك، لا من الملك، وليست متخللة بين أوقات الإجارة، حتى تكون كإجارة العقب، ولا يطرقها الخلاف الذي في إجارة العقب؛ فيظهر أثر ذلك فيما لو استعمله في تلك الأوقات، [ولا] ٥ يجب عليه أجره زائدة وبه صرح البغوي في القيلولة، وفيما لو
стр. 292
أسلم الذمي، وأتى عليه بعد إسلامه يوم السبت فيقول الشيخ الإمام: إنه يجب عليه العمل فيه، وأنه يتجدد له بالإسلام استحقاق توفيره أوقات الصلوات وفيما لو استأجر حائضًا؛ فلا يستثنى أوقات الصلوات في حقها.
لكن إذا تقرر هذا؛ فأقول: ينبغي أن يقال مثله فيما إذا خالعت الأمة وشرطت المال إلى العتق فيقال: إن أرادت أن الاستحقاق موقوف على زمان مجهول قيبطل، وليس ذلك مقتضي العقد، وإن أرادت أن عليه إمهالها؛ فهذا لا يبطل، وهو الذي اقتضاه الشرع في هذا العقد فلا استثناء.
ونظير ذلك إذا قال: أنكحتكها على ما أمر الله به ، من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، مقيدا الإيجاب به، قال الشيخ أبو محمد: يبطل لأنه نكاح بشرط.
والأصح الصحة: لأنه مقتضي العقد، وفصل الإمام فقال: إن أجراه.
[شرطا] ١ ملزما، فالوجه البطلان وإن قصد الوعظ، لم يضر، وإن أطلق احتمل، واحتمل.
قلت: وهذا الذي قاله الإمام يشبه٢، ما قاله الشيخ الإمام في الأوقات المستثناة إذا صرح بها في أصل العقد؛ غير أن في تفصيل الإمام رحمة الله نظر لأن صورة مسألة النكاح أن يقيد الولي الإيجاب بهذا الشرط -ويقبل الزوج مطلقا- أو مكررا له، وإذا ذكره على سبيل الوعظ لم يكن مقيدا؛ إلا أن يعني بالتقييد مجرد ذكره في اللفظ، لا قبله وهذا هو المعنى - على ما يدل عليه سياق الرافعي.
فصل:
أما الشرط الذي لا يقتضيه العقد فيصح، إن كان من مصلحته؛ سواء مصلحة البائع -كالرهن والكفيل- والمشتري ككونه كاتبا، وضمان الدرك ومصلحتهما - كالخيار لهما.
وقضية هذا أنه إذا أجره أرضا ليزرع القمح، ولا يزرع غيره، يصح العقد
стр. 293
والشرط، وهو ما صححه الوالد ﵀ بعد أن حكى في المسألة ثلاثة أوجه عن مجرد القاضي أبي الطيب.
وإن لم يكن من مصلحته؛ فإن لم يتعلق به غرض يورث تنازعا، كشرط أن لا يلبس إلا الخز، ولا يأكل إلا الهريسة؛ فالذي نص عليه الشافعي ﵁ أنه لا يصح.
وأما ما قطع به الإمام الغزالي -من أنه لا يفسد- محجوج بما حكيناه من النص، وقد اقتضى كلام الرافعي والنووي أنهما لم يجدا في المسألة غير كلام الإمام الغزالي؛ لأنهما اقتصرا عليه، وذكر الرافعي الفساد بحثا من قبله -معتضدا بكلام صاحب التتمة، وقال ابن أبي الدم: سمعت بعض الفقهاء يذكر أن الفساد وجه.
قلت: وقد أغنانا الله بما ذكرناه من النص عن تحقيق البحث: والوجه وأما ابن الصلاح؛ فإنه استشكل ما ذكره الغزالي؛ فقال: الأجود أن يقرأ قوله: بشرط أن لا يأكل إلا الهريسة بالثاء [ثالثة] ١ الحروف خطابا للمشتري، كيلا ينازع منازع في عدم الغرض -على تقدير تصويره- فيما إذا اشترط للعبد المبيع.
قلت: وفي كلام النهاية والبسيط تأييد له وعبارة الإمام بشرط أن لا يلبس بعده إلا الخز، أو ما ضاهى ذلك من الاقتراحات، وفي نسخة معتمدة رأيتها -من البسيط- بما ذكره ابن الصلاح؛ لكن قد ينازع منازع في حكمه- ولو كان خطابا للمشتري.
ويقول: قد يتعلق به غرض، ولذلك أصل وهو ما إذا أعطاه درهما، قال ادخل به الحمام؛ فقد قال القفال: إن كان غرضه تحصيل ما عينه لما رآه به من الشعث والوسخ، لم يجز صرفه إلى غير ما عينه، وسكت عليه الرافعي، وحكى النووي في التعيين -عن فتاوي القاضي الحسين- وجهين، وقريب منها مسألة أبي زيد في الكفن، وإذا صح تعلق الغرض به فلم لا يفسد كالمسألة المنصوصة.
وأما ما تعلق به غرض لأحدهما، وليس من مصلحة العقد، كشرط أن لا يقبض ما اشتراه، فيبطل.
стр. 294
ويستثنى شرط عتق العبد؛ فالمذهب صحة البيع والشرط جميعا.
فائدة: إذا عرفت أن شرط مقتضى العقد لا يضر ولا ينفع، علمت أن ما هو حاصل وإن تلفظ به اللافظ؛ فلا يضر ذكره، وهذا ليس على إطلاقه، بل قد لا يضر، كما مثل، وقد يضر، كما إذا نوى المتوضئ رفع الحدث والتبرد؛ فإنه يبطل على وجه مع أن التبرد المنوي حاصل -وإن لن ينوه- ولكن المذهب الصحة.
ونظير المسألة: الإمام إذا كبر ورفع صوته ونوى إعلام المأمومين جاز وإن كان لو رفع الصوت ولم ينو الإعلام، حصل، فنيته لا تؤثر ويقرب من ذلك بعتك إن شئت فالمذهب الصحة، ولا يضر لفظ التعليق على المشيئة؛ لأنه لو لم يشأ لم يشتر.
تنبيه: قد يتردد في أن الشيء مقتضى العقد أو لا فيورث ذلك ترددا في أن شرطه هل يبطل أو لا؟
وبيانه بصور.
منها: إذا كان العلو والسفل لواحد، فباع العلو وحده صح وهل للمشتري أن يبني فوق العلو؟ وجهان في الحاوي، قال الشيخ الإمام: ينبغي أن يكون أصحهما المنع؛ لأن الهواء حق لصاحب السفل؛ وإنما خرج عنه البناء عن الهيئة الموجودة عند البيع -ذكره في باب الصلح- وإن شرط أن لا يبني، صح، وليس له البناء قاله الماوردي.
قلت: فهذا بيع بشرط لم يضر، وكان يتجه أن يقال: إن كان من مقتضى العقد صح، وإلا فلا، وإن شرط أن يبني صح- خلافا للمزني.
قاعدة: الاعتبار في تصرفات الكفار باعتقادنا لا باعتقادهم. خلافا لمالك -ومن ثم إذا أتونا بما نتيقن أنه من ثمن خمر لا نأخذه في الجزية- خلافا لمالك وإذا ذبحوا حيوانا وفتشوا كبده؛ فوجدوه ممنوا- أي ملصوق الكبد بالأضلاع -نأكله- خلافا لمالك- حيث حرمه، لكونه حراما عندهم.
قاعدة: حمل اللفظ إلى ما يتبادر إلى الذهن أولى.
ومن ثم يحمل على الحقيقة ما لم يترجح المجاز بشهرة أو غيرها كما لو قال: لا آكل من الشجرة فإنه يحمل على ثمرها، وإن كان خلاف الحقيقة لترجحه.
стр. 295
وهذا في شهرة تصير الحقيقة مرجوحة بالكلية، أما شهرة لا تمنع استعمال الحقيقة فهي مسألة المجاز الراجح، والحقيقة المرجوحة، وفيها المذاهب المعروفة.
قاعدة: اللفظ موضوع -عندي- لأعم من الصحيح والفاسد ولا يحمل عند الإطلاق إلا على الصحيح.
وهذه قاعدة حققتها في باب المناهي من شرح المختصر، وأغرب الرافعي؛ فقال في كتاب الإيمان -عند الكلام على قول الوجيز- ولو قال: لا أبيع الخمر من النوع الثالث ما نصه "وسيأتي خلاف في أن لفظ العبادات، هل يحمل على الصحيح؟ كما إذا حلف لا يصوم، ولا يصلي" انتهى.
والخلاف غريب، لم أره حكاه قبل ولا بعد.
قاعدة: اللفظ إذا أطلق -اسما- على شيئين، وجود أحدهما يعقب وجود الآخر؛ فإنه يحمل على الأول ولا يجعله الإطلاق مجهولا١ على الأصح، "ومن ثم لو وقت السلم بجمادي أو ربيع، أو العبد، ينزل على الأول.
قاعدة: لا يثبت حكم الشيء قبل وجوده.
هذا هو الأصل، ولكن اختلف الأصحاب في المشرف على الزوال، هل يعطي حكم الزائل؟ وربما قالوا: "المتوقع هل يجعل كالواقع؟ أو ما قارب الشيء هل يعطي حكمه؟
وهي عبارات عن معبر واحد، وربما جزموا بإعطائه حكمه؛ وذلك نقض على الأصل، لقوة أصل آخر عليه، اجتذب ذلك الفرع، وانتزعه، وهذا شأن كل المستثنيات من القواعد -كما حررناه في الأصل- وإليه [أشار] ٢ بقول الشافعي ﵁: "والقياس قياسان: أحدهما في معنى الأصل؛ فذلك الذي٣ لا يحل لأحد خلافه، ثم قياس أن يشبه الشيء بالشيء وموضع الصواب عندنا -والله أعلم- أن ينظر فأيهما كان أولى لشبهه؛ صيره إليه إن أشبه أحدهما في خصلتين والآخرة في خصلة، ألحقه بالذي هو أشبه في خصلتين. انتهى.
стр. 296
مثال إعطاء المشرف حكم الزائل، تحريم وطء المشتري الجارية المبيعة بعد التحالف وقبل الفسخ -وفيه وجهان مرتبان على الوجهين في تحريم الوطء بعد الترافع إلى مجلس الحكم [والتحالف] ١ والمصحح من هذين -الحل والتحريم- بعد التحالف أولى، وربما لم يعطوه حكمه كبيع العبد المريض والجاني؛ فإنه صحيح مع الإشراف على الزوال - وذلك هو الجادة؛ فلا يطلب له علة تخصه.
قاعدة: الزائل العائد، كالذي لم يزل، أو كالذي لم يعد" ٢.
في أكثر صوره خلاف منتزع الأصل من قولين منصوصين فيما إذا قال لعبده: إذا جاء رأس الشهر فأنت حر، ثم باعه، ثم اشتراه- ثم جاء رأس الشهر ففي العتق قولان وهما يشبهان الخلاف، أيضا -فيما إذا علق طلاق زوجته بصفة ثم أبانها، ثم جدد نكاحها، ثم وجدت الصفة.
ومن مسائله:
لو أفلس بالثمن، وقد زال عن المبيع وعاد، هل للبائع الفسخ؟
ومنها: لو وهب لولده وزال ملك الولد وعاد، هل للأب الرجوع؟
ومنها: لو عاد التبذير بعد ما بلغ رشيدا؛ فالأصح يعيد القاضي الحجر ولا يعود بنفس التبذير.
ومنها: لو بيع شقص، فارتد الشريك، وقلنا: الردة تزيل الملك؛ فإن عاد إلى الإسلام، وعاد ملكه، ففي ثبوت ذلك٣ تردد عن الشيخ أبي علي، يتجه تخريجه على الزائل العائد، والظاهر المنع.
ومنها: إذا نقص بعض الأربعين في الخطبة وعادوا -وقد مضى ركن- فهذا الزائل العائد كالذي لم يعد قطعا، وتبطل الخطبة، وإن سكت ولم يطل الفصل إلى أن عادوا؛ فهو كالذي لم يزل وتصح وإن طال فقولان، أصحهما البطلان، وإن نقصوا في الصلاة: بطلت مطلقا على أظهر الأقوال، وهو كثير، ومن أماكن الجزم، القاضي إذا سمع البينة، ثم عزل، ثم ولي؛ فلا بد من استعادتها، أما إذا خرج عن محل ولايته ثم عاد؛ ففي استعادتها وجهان.
стр. 297
ولو باع النصاب في أثناء الحول، ثم استرده بسبب جديد، لم يقل أحد بأنه كالذي لم يزل حتى تجب الزكاة في ذلك الحول؛ فلذلك قضى الشيخ الإمام [بعدم] ١ اطراد القاعدة، ولم يرها أصلا يعتمد، وخرج ابن الرفعة عليها الوجهين فيما لو أدى الضامن الدين ثم وهبه رب الدين منه، هل يرجع على الأصيل [المضمون] ٢ عنه؛ فإن قلنا: كالذي لم يزل، لم يرجع على الأصيل المضمون عنه وإلا رجع.
وضعف بناء [الرافعي] ٣ أياهما على القولين، فيما لو وهبت الصداق من الزوج، ثم طلقها قبل الدخول، من حيث إن الهبة لو فقدت ووقع الطلاق؛ لكان الشطر عائدا: للزوج بعينه، قال: فهبته منه تعجيل ما٤ سيجب، وهذا المعنى لا يتحقق فيما نحن فيه.
قلت: وتخريج القولين -في هبة الصداق- على القاعدة ظاهرة، ولهذا يظهر تخريج مسألة الضمان عليهما.
فإن قلت: فلم احتجب إلى الواسطة.
قلت: لعله لما ذكره ابن الرفعة.
قاعدة: لا فرق في ضمان المتلف بين العلم والجهل.
ولا يرد ما إذا استعمل العارية -بعد الرجوع- جاهلا به؛ حيث لا تجب عليه الأجرة فيما إذا ذكر القفال: "وإذا أمر السلطان رجلا بقتل رجل -بغير حق- والمأمور لا يعلم؛ حيث لا دية على القاتل.
وإذا جن المحرم، ثم قتل صيدا؛ حيث لا جزاء واجب في الأظهر من القولين.
وإذا قتل مسلما -ظن كفره- بدار الحرب؛ فالأصح لا تجب الدية. وإذا رمى إلى مسلم تترس به المشركون؛ حيث لا دية إذا جهل إسلامه.
وإذا باشر الولي [القصاص] ٥ من الحامل جاهلا بحملها فالأصح أن الدية على السلطان.
стр. 298
وإذا أباح له ثمرة بستان، ثم [رجع؛ فأكل بعد الرجوع قبل العلم حيث لا يغرم في أحد الوجهين وإنما] ١ ذلك لما ذكرناه في الأصل.
قاعدة: كل ما لا يعلم إلا من جهة الشخص، يقبل قوله فيه ومن ثم مسائل:
منها: يقبل قولها في الولادة والحيض وشكك بعضهم في كون هذين لا يعلمان إلا من جهتها، وادعى إمكان إقامة البينة عليهما، وهو في الحيض متعذر، وفي الولادة غير متعذر.
ومنها: إذا علق طلاقها بالمشيئة أو الرضا، أو الإرادة [أو إضمارها] ٢ بعضه، ونحو ذلك. ومنها تصديق الأب في دعوى الاحتياج إلى النكاح - على الصحيح.
ومنها: إذا ادعت أنها حامل وقف الميراث.
ومنها: يكف عن قتل مدعيه الحمل إذا وجب عليها القصاص.
ومنها: إذا قال: أخرج يدك؛ فأخرج اليسار، فقطع ثم اختلفا، فقال المخرج: قصدت بأخراجها قطعها عن اليمين. وقال القاطع: بل أبحتها، صدق المخرج.
ومنها: إذا باعه صاعا من صيعان مجهولة الجملة ثم اختلفا؛ فقال المشتري أردت الإشاعة، وقال البائع: [بل] ٣ أردت معينا؛ فالأرجح أن القول قول البائع.
وأمثلة كثيرة وعد منها بعض الطلبة إذا قال لزوجته: إن علمت كذا فأنت طالق -متوهما أن علمها لا يعلم إلا من جهتها، وأن قولها فيه مقبول فتطلق إذا قالت: علمت.
والفرع لا أعرفه مسطورا، ومما حفظته وعلقته من فوائد أخي الإمام المحقق بهاء الدين أبي حامد شيخنا وبركتنا أطال بقاءه "أنه ينبغي أن لا تطلق بقولها علمت؛ لأن [إحدى] ٤ قيدي العلم المطابقة الخارجية، ولا يقبل قولها فيه؛ لإمكان إقامة البينة عليه؛ فلا بد أن يعلم من خارج وقوع ذلك الشيء.
قلت: وهذا حق، ويشهد له أن الرجل لو قال لآخر: أنت تعلم [أن] ٥ العبد الذي في يدي حر، حكم بعتقه، نقله الرافعي عن خط الروياني، عن بعض الأئمة،
стр. 299
محتجا بأنه لو لم يكن حرا، لم يكن المقول له عالما بحريته، وقد اعترف السيد بعلمه.
وهذا بخلاف ما لو قال: أنت تظن، ويشبهه، ما رأيته في أدب القضاء لشريح الروياني "أنه لو قال: علي ألف -فيما أظن أو أحسب- لم يلزمه، وإن قال: فيم أعلم أو أشهد، لزمه. ويستثنى من هذه القاعدة مسائل:
منها: لا يصدق السفيه في دعوى توقان نفسه واحتياجه للنكاح.
ومنها: لا تصدق١ في دعوى الحمل حتى يدفع إليها النفقة.
ومنها: إذا اختلف الزوجان في أنه نوى الطلاق إذا أتى بلفظ الكناية؛ فإن القول قول الزوج٢.
قاعدة: قال أبو عاصم العبادي في أدب القضاء، وتبعه أبو سعيد الهروي في أواخر كتاب الإشراف: "لا يقتص من نفسه لغيره إلا في مسألتين".
إذا أكل اللقظة، وأخذ الثمن من نفسه وصار أمانة، قال أبو سعيد: "يعني إذا أخذ قيمته من نفسها وعرفها -فهي أمانة- في أحد الوجهين.
والثانية: إذا قال [اقبض ما لي] ٣ عليك من الدين؛ فأسلم في كذا، صح قال ابن سريج٤: والمذهب أنه لا يصح - انتهى.
قلت: أما مسألة اللقطة إذا أكلها؛ فالأصح -على ما ذكر الرافعي [ووقف] ٥ فيه الشيخ الإمام -وجوب التعريف بعد ذلك، قال الإمام: إلا أن يكون في الصحراء.
والأصح أنه لا يجب - بعد ذلك [الإقرار] ٦ القيمة لأن ما في الذمة، لا يخشى هلاكه وإذا أفرز كان أمانة في يده، ولعل الوجهين اللذين أشار أبو عاصم إليهما بقوله: فهي أمانة -في الوجهين هما هذان، ولا يريد أن الخلاف في كونه أمانة؛ بل في أنه هل يفرز، أو لا.
فإن قيل: بالإفراز، كان أمانة، ثم على القول بوجوب الإفراز - قول أبي عاصم أنه يقبض لغيره من نفسه - غريب، والمحفوظ أنه يرفع الأمر إلى الحاكم ليقبض عن صاحبه، وللإمام احتمال في أن الملتقط يقيم نائبا عن المالك.
стр. 300
هذا ما في الرافعي، والذي في تعليق القاضي الحسين، أنها على وجه الإفراز - توضع عند عدل؛ فلا أعرف من قال بأن الملتقط يقبض من نفسه لغيره، غير أبي عاصم.
وأما مسألة السلم: فمقالة ابن سريج غريبة وما أراها إلا المسألة التي ذكرها الرافعي في باب الوكالة؛ حيث قال: إذا قال لرجل أسلم في كذا وأد رأس المال من مالك، ثم ارجع علي: "قال ابن سريج: يصح ويكون رأس المال قرضا -على الأمر- وقيل: لا يصح؛ لأن الإقراض لا يتم إلا بالإقباض، قال النووي.
قلت: الأصح -عند الشيخ أبي حامد وصاحب العدة- أنه لا يصح وهو نص الشافعي في الصرف.
قال الشيخ أبو حامد: وما ذكره أبو العباس سهو وبقيت مسائل:
منها: قول الرافعي فيما [إذا] ١ أجره داره بدراهم معلومة، ثم أذن له في الصرف إلى العمارة [أنه يجوز] ٢، وقد قدمناه في قاعدة: "اتحاد القابض والمقبض"، وذكرنا بحث ابن الرفعة فيه وما فيه من النظر.
أقول - هنا: إن مقالة ابن سريج، تؤيد قول الرافعي، وفي قول أبي عاصم: "المذهب أنه لا يصح ما يرد عليه" وهو القياس.
ومنها: إذا باع مال نفسه لولده -المحجور- فإنه يقبض من نفسه لولده.
قاعدة: كل ما أنقص العين أو القيمة - نقصا يفوت به غرض صحيح ويغلب في أمثاله عدمه؛ فهو عيب يرد به المبيع".
قال الرافعي: إنما اعتبر نقصان العين للخصاء؛ فإنه يرد به -وإن لم ينقص القيمة-[لكونه] ٣ أنقص العين إنما لم نكتف بنقص العين واشترط فوات غرض صحيح؛ لأنه لو قطع من فخذه أو ساقه - قطعة يسيرة، ولا تورث شيئا، ولا تفوت غرضا، لا يثبت الرد.
واعترضه ابن الرفعة، بأن في تصويره عسرا؛ فإن آثار الجرح تثبت الخيار - كما نقله في الإشراف.
стр. 301
وفيه نظر: فإنه هذا لا يسمى جرحا، وإن فرض أنه يسمى -ولم يندمل فذاك ينقص القيمة، ويفوت به غرض.
ثم قال الرافعي: ولهذا قال صاحب التقريب: إن قطع من أذن شاة ما يمنع التضحية، ثبت الرد، وإلا؛ فلا.
واعترضه ابن الرفعة بأنه تبع في ذلك الإمام، وأن بعضهم اعترض الإمام فيه -بأن الإمام نفسه خطأ من يعتبر العيب بالضحايا؛ إذ مقصود العيب المال، ومقصود الضحايا حسن النظر وكمال الصورة- ولك أن تدعي تلازمهما غالبا، ثم قوله: إن قطع من أذنها بما يمنع التضحية يقتضي أن قطع بعض الأدن- منه ما يمنع من التضحية، ومنه ما لا يمنع والأصح أن إبانة جزء من الأدن يمنع الأجزاء، وفي التعريف أيضا احتراز عما إذا وجد العبد والجارية مختونين؛ فإن فات جزء من أصل الخلقة بالختان، لكن فواته مقصود دون بقائه؛ فلا رد به -إذا كان قد اندمل- وإنما اشترط كون الغالب، في أمثاله عدمه، لأن الثيابة -مثلا- في الإماء معنى ينقص القيمة، لكن لا رد به إذا كانت كبيرة، في سن -لا تغلب فيه البكارة- لأنه ليس الغالب فيهن عدم الثيابة.
ومن مسائل القاعدة:
عدم نبات عانة الجارية - حدث ذلك في زمن القاضي أبي عمر المالكين وقضى بأنه عيب. وذكر اثنان من أصحابنا وهما الهروي "في الإشراف" والقاضي شريح الروياني في كتاب "أدب القضاء" [قالا] ١: إنه عيب وفيه -عندي- نظر، وأقصى ما يشبه به الحيض، فإن من لا تحيض ترد بهذا العيب، لدلالته على ضعف في الخلقة؛ فإن كان يقال: إن عدم إنبات العانة يدل على فساد المنبت فهو عيب، لكنني لا أعتقد ذلك وكون المبيع مما قيل إنه موقوف وإن لم يثبت ذلك فائدة: عرفت الضابط في عيب المبيع، وقال النووي في تهذيب اللغات، العيب ستة أقسام، عيب المبيع، ورقبة الكفارة والغرة، والأضحية، والهدي، والعقيقة، وفي أحد الزوجين، وفي الإجارة. وحدودها مختلفة.
- ففي البيع ما ينقص المالية، أو الرغبة، أو العين.
- وفي الكفارة ما يضر بالعمل إضرارا بينا.
- وفي [الأضحية والهدي٢ والعقيقة] ما ينقص اللحم.
стр. 302
- وفي النكاح ما ينفر عن الوطء، ويكسر سورة التوقان.
- وفي الإجارة ما يؤثر في المنفعة تأثيرا يظهر به تفاوت في قيمة الرقبة؛ لأن العقد على المنفعة وعيب الغرة كالمبيع.
قلت: ولم يذكر عيبًا بل الدية، وعيب الزكاة وعيب الصيد في الإحرام وعيب الصداق إذا طلقها قبل الدخول لدخولها فيما ذكره فليتأمل.
قاعدة: كل عيب يوجب الرد على البائع، يمنع الرد إذا حدث عنه المشتري.
قال الرافعي: إلا في الإبل، قال ابن الرفعة والوالد رحمهما الله، ولعله احترز به عما ذكره ابن الصباغ، من أنه لو اشترى عبدا له أصبع زائدة، فقطعه؛ فإنه يمنع الرد، أي: وإن كان قطع الأصبع الزائدة، إذا وجد في يد البائع، واندمل، لا يرد به المشتري، كما قاله المتولي والبغوي.
قاعدة: ذكرها الإمام في كتاب البيع، وأشار إليها الرافعي في باب التفليس "الحمل يندرج في كل عقد معاوضة صدر بالاختيار" كبيع الجارية المرهونة والرد بالعيب، والرجوع بسبب الفلس، أو انتفاء العوض كالرهن والهبة - ففي التبيعة قولان.
فإن قلت: قضية هذا أن يجري قولان في العتق لانتفاء [العوض] ١ ولا خلاف أنه إذا أعتق حاملا، تبعها الحمل.
قلت: ليس العتق من العقود، والكلام فيما هو عقد، على أن الرافعي.
قال في مكان: إن الوصية عقد، وإذا كانت عقدا، كان العتق عقدا؛ ولكن ذلك غير مسلم.
قاعدة: ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض صحيح.
وهذه القاعدة قد تنقض بما نقله الرافعي عن صاحب التتمة -ساكتا عليه- أن الزوج المختلع إذا وكل محجورا في قبض المال من الزوجة؛ ففعل كان مضيعا له وتبرأ المرأة بالدفع -مع أن توكيل المحجور في القبض لا يصح لكن الشيخ الإمام قال: هذا إذا كان العوض معينا أو كان الطلاق معلقا بدفعه، أما إن كان الخلف على مال. في ذمتها - فينبغي أن لا يصح القبض وإذا أتلف ضاع على المرأة.
стр. 303
قاعدة: متلقاة عن شيخ أبي إسحاق الشيرازي ﵀: كل خيار ثبت بالشرع لدفع الضرر عن المال؛ فهو على الفور.
قال المتكلمون على احترازاته:
إنه احترز بقوله: "ثبت بالشرع" عن خيار الشرط في المبيع.
وبقوله: لدفع الضرر عن المال عن خيار الأمة إذا أعتقت تحت عبد إذا قلنا: ليس الخيار على الفور - وعن خيار المرأة في المطالبة بالفيئة أو الطلاق في الإيلاء والخيار بين القصاص والدية، وعن خيار المجلس؛ فإنه ليس لدفع الضرر، بل قد لا يكون ضرر أصلا وعن خيار العنة أيضا.
فاشتملت هذه القاعدة على خيار العيب؛ فإنه على الفور ولذلك قال في المهذب: فيما إذا وجد بالمشتري عيبا؛ فأراد الرد لم يؤخره، فإن أخره من [عذر] ١ سقط الخيار؛ لأنه خيار ثبت -بالشرع- لدفع الضرر عن المال، فكان على الفور كخيار الشفعة.
واشتملت -أيضا- على الشفعة- ولذلك قال في باب الشفعة- من المهذب أيضا إن أخر الطلب -من غير عذر- سقط؛ لأنه على الفور، فسقط بالتأخير من غير عذر كالرد بالعيب. وهو موضع معروف بالإشكال عندهم -والمحققون يبحثون- عند الانتهاء إلى هذا الإشكال- علما منهم أن هذا الشيخ - الذي هو أستاذ أرباب الجدل- لا يفعل ذلك سدى، وأقصى ما انتهوا إليه - قولهم: قاس العيب على الشفعة، لورود الخبر فيها، وعكس في الشفعة؛ لاتفاق أكثر العلماء على أن الرد بالعيب -على الفور- بخلاف الشفعة ونظيره قياس القراض على المساقاة لورود الخبر فيها، وعكسه الإجماع على القراض.
وقال الشيخ الإمام، في تكملة شرح المهذب: إن من تأمل كلام الشيخ في باب الشفعة، حكم بعدم صحة السؤال؛ فإنه لم يقس كونها فورية على الرد بالعيب؛ وإنما قاس سقوطها -بالتأخير عليه وهما غيران ثم اعترض على نفسه، بأن الفورية إن لزمها
стр. 304
السقوط بالتأخير، لم يحتج في الشفعة إلى قياسه على الرد بالعيب؛ وإلا فلا يكفي، في الرد بالعيب- القياس على الشفعة.
قال: "وقد خطر لي -في الجواب عن ذلك والاعتذار عن المصنف في جعله سقوط الشفعة بالتأخير، بعد تقدير كونه على الفور مقيسا على الرد بالعيب- مسألة غريبة، نقلها أبو سعد الهروي عن تعليق البندنيجي، إن الشافعي نص -في اختلاف العراقييين- على القول الصحيح، إن الشفعة على الفور، أن للشفيع خيار المجلس.
فلعل الشيخ أبا إسحاق، اطلع على النص القائل "بأن الشفعة لا تبطل بالعفو، ما دام في المجلس" -على قول الفور- ولا شك أن التأخير. أولى بعد البطلان؛ فأراد أن يدفع ذلك بالقياس على الرد بالعيب، وبهذا ينتفي السؤال عنه.
قال الشيخ الإمام: على أني نظرت باب الشفعة -من اختلاف العراقيين نظرا؛ فلم أر هذا النص فيه، وهو غريب مشكل ولكنه في نصوص الشافعي لأحمد بن بشرى. وهو قضية اختلاف الأصحاب في ثبوت خيار المجلس في الشفعة".
قلت: وهو وجه مصرح به.
ثم يستثنى من هذه القاعدة خيار التصرية فإنه يمتد ثلاثة أيام -على ما صححه [الشيخ] ١ الإمام -خلافا للرافعي والنووي، وهو خيار ثبت بالشرع، لدفع الضرر عن المال لكن الشيخ الإمام أجاب عن إيراده على القاعدة "بأنه خيار شرع، لا خيار عيب أي ثابت بالحديث؛ ولذلك يثبته مع العلم، وإذا كان كذلك فلا يكون لدفع الضرر عن المال".
قاعدة: ذكرها الإمام في باب الرد بالعيب في فصل التدليس وجعلها ضابطا لما يحرم من التدليس وما لا يحرم.
من علم شيئا يثبت الخيار فأخفاه، أو سعى في تدليس فيه فقد فعل محرما؛ فإن لم يكن السبب مثبتا للخيار فترك التعرض له لا يكون من التدليس المحرم.
قلت: ولك أن تختصر هذه العبارة فتقول: "يحرم إخفاء ما يثبت الخيار دون ما لا يثبت"، وقد كان يختلج في الذهن أن ما لا يثبت الخيار أولى بالتحريم؛ إذ لا استدراك لفارطه بخلاف مثبت الخيار.
стр. 305
ونص الشافعي ﵁ -حيث قال: "وكذلك المدلس قد عصي الله تعالى والبيع لازم الثمن حلال" يدل التحريم كل تدليس.
وهذا نص حكاه الماوردي في الحاوي: قبيل فصل تلقي الركبان، وحكى أن أبا علي بن أبي هريرة رحمه الله تعالى كان يقول: "إن ثمن التدليس حرام لا ثمن المبيع؛ ألا ترى أن المبيع إذا فات رجع على البائع بأرش عيب التدليس؛ فدل على أنه أخد منه بغير استحقاق" انتهى.
وهذا الذي حكاه عن ابن أبي هريرة١ غريب، ومعناه أن الزيادة بسبب التدليس محرمة لا جملة الثمن.
ولم يذكر صاحب البحر هذا -مع كثرة استقصائه لكلام الحاوي- ثم إن الإمام ﵀ قال- بعد ذكر هذه القاعدة: "ومما لا يجب التعرض له ذكر القيمة؛ فليس البائع مقيدا -في الشرع- بأن يبيع الشيء بثمن مثله قال: وهذا ينبني على ما ذكرناه؛ فإن الغبن بمجرده -إذا- اطلع على المشتري لا يثبت له خيار - انتهى.
وقد حكى الشيخ الإمام ﵀ هذا كله عن الإمام في أوائل باب الرد بالعيب من تكلملة شرح المهذب - ساكتا عليه.
وأقول: إن أراد الإمام أنه لا يجب على البائع ذكر قيمة المبيع -في نفسه- فهو حق، وليس عدمه تدليسا البتة، وإن أراد ما إذا اشترى بغبن، ثم أراد البيع -في باب المرابحة- فالصحيح وجوب ذكر الغبن؛ لكن صحح الإمام والغزالي عدم وجوبه؛ فالإمام جار على أصله غير أنه أشار إلى هذه المسألة بقوله: "إذ الغبن -بمجرده- إذا اطلع عليه المشتري لا يثبت له خيار"، إن أراد به الغبن في المبيع من حيث هو إذا اشتراه بدون قيمته ولم يبعه مرابحة ولا أخبر بالثمن فصحيح وليس مما نحن فيه.
стр. 306
وإن أراد الغبن في المرابحة -حيث يخبر بالثمن- ففيه إشارة إلى أنا إن وجبنا الإخبار عند ذكر الثمن فلم يخبر لا يثبت الخيار.
ويمكن تخريج وجهين في ذلك -مما إذا صاحبه- فإن١ في ثبوت الخيار للمشتري وجهين أصحهما -عند النووي- ثبوته.
وفي القاعدة طردا وعكسا مسائل:
منها: من علم بالسلعة عيبا لم يجز له أن يبيعها حتى يبين عيبها. وشذ المحاملي والروياني فقالا: إن ذلك يستحب.
قال الشيخ الإمام -في تكملة شرح المهذب: "وهي عبارة رديئة موهمة"؛ فلا يقول أحد -له علم- بعدم الوجوب وإن باع- ولم يبين العيب، ثبت الخيار.
ومنها: لو اشتراه بدين -من مماطل- وجب الإخبار عنه في بيع المرابحة.
ومنها: لو اشتراه من ابنه الطفل وجب الإخبار.
ومنها: يجب على البائع الصدق في قدر الثمن، وفي الأجل والشراء بالعرض وبيان العيب حادث عنده؛ فلو قال: بمائة فبان بتسعين فالأظهر أنه يحط الزيادة وربحها وأنه لا خيار للمشتري.
قاعدة: من كان القول قوله في شيء، كان القول في صفته وعبارة أبي سعد الهروي عن هذا -في الإشراف- "من قبل قوله في أصل؛ غير أنه الظاهر أن المراد واحد فلا تقف في ذلك.
ومن ثم لو قال: بعتك الشجرة -بعد التأبير- فالثمرة لي، وقال المشتري: بل قبله فلي فالقول قول البائع، ومسائل يطرد عدها. وذكر القاضي أبو سعد: أنه استثنى من هذه القاعدة ثلاث مسائل:
إحدها: مسألة الخياط - إذا قال المالك: أذنت في قطع الثوب قميصًا. وقال الخياط: بل قباء - على القول [بتصديق] ٢ الخياط:
стр. 307
والثانية: دفع إليه ألفا ليتصرف فيها فقال القابض: كانت قراضًا فلي قسط من الربح، وقال الدافع: بل مضاربة.
قال الثقفي١: القول قول الدافع الجرجاني: القول قول القابض، وقال المحاملي الكبير: يتحالفان. قلت: والمجزوم به -في شرح المنهاج للوالد ﵀ قول الثقفي جريا على أصل القاعدة. وهو ما في الشرح والروضة فيما إذا قال: وقعت وكالة قفال العامل: بل قراضا.
وحكى النووي -في زيادة الروضة- وجهين في أيهما تقدم بينة العامل إذا ادعى أن المدفوع قراض أو المالك إذا قال: بل هو قرض وفي الرافعي وغيره فيما إذا قال: على عقد وهذا فارق مسألة أبي سعد وشريح؛ فإن الأبضاع والقراض عقد واحد فالتحالف فيه أظهر. والثاني: أن القول لمدعي الهبة. والثالث: التحالف. وهذه الأوجه: التي حكاها أبو سعد - حكاها شريح في "أدب القضاء"، ولعله من أبي سعد تلقاها. وفي نسختي -من "أدب القضاء" لشريح- موضع، وقال المحاملي الكبير: يتحالفان ما نصه، وقال في الكبير: يتحالفان وكنت أحسب أنه يعني "بالكبير" النهاية -على اصطلاح أهل خراسان- فكشفت "النهاية"؛ فلم أجد فيها تصريحا بذلك وذكرت هذا كله في كتابي "التوشيح"؛ فلما وقفت الآن -على كتاب أبي سعد ووجدت فيه ما رأيت غلب على ظني أن نسختي -من كتاب شريح- سقط منها لفظ " المحاملي" وزيدت لفظة "في"؛ وإنما قال "قال المحاملي الكبير كما قال أبو سعد".
والمحاملي الكبير -هو الشيخ أبو الحسن- إمام قديم في زمان الإصطخري ذكرناه في كتاب الطبقات. والثالثة: غاب الزوج سنة وادعى أنه طلق -بائنا- في صدر مدة الغيبة وكذبته وطالبته بالنفقة. قال أبو سعد: القول قولها في حقها، وقوله في أصل الطلاق. قلت: كلام الأصحاب يشهد له، ويتجه أن يقال: لا تجب النفقة - تبعا لقوله في الطلاق -وقد قدم أبو سعد- قبل هذا بقريب من ثلاث أوراق في المرتدة بعد الدخول تقول: أسلمت
стр. 308
وفي وقت كذا في النفقة -حكاية قولين: أصحهما: القول للزوج لأن الأصل عدم الرجوع إلى الإسلام. والثاني: قول المرأة لأن القول في أصل الإسلام مقبول منها فليكن كذلك.
وفيه "ولا بد من مجيء هذا الخلاف في هذه الصورة - أيضا" وما حكاه من القولين نظيره إذا قال: أسلمت أولا؛ فلا نفقة لك وادعت العكس. وأصح الوجهين في أواخر نكاح المشركات -من الرافعي وغيره- أنها المصدقة لأن النفقة كانت واجبة -وهو يدعي مسقطا؛ لكن هذه العلة تصلح أن تكون فرقا بين المسألتين، والمسألة موضع النظر.
وليت شعري إذا كان أبو سعد يستثنى -على وجه أو قول- فلم لا ذكر مسألة ما إذا قال: أكريتك؛ فقال: بل أعرتني ونظائرها -مما صح فيه أن القول قول المالك- وقد بقيت على أبي سعد مسائل- أهمل استثناءها- ولعل بعضها أحق مما ذكره- بالذكر.
منها: الأصح أن القول قول مدعي صحة البيع دون فساده -مع أنهما لو اختلفا في أصل البيع فالقول قول البائع.
ومنها: لو اختلفا في النقصان، وتغيير المبيع عما كان عليه؛ فالقول قول المشتري.
ومنها: لو قال الغاصب: كان العبد أقطع وأنكر المالك؛ فالقول قول المالك في الأصح.
ومنها: قد ملفوفا وادعاه ميتا وأنكر الولي، صدق الولي في الأظهر.
ومنها: قطع طرفه وادعى أنه كان أشل، صدق المجني عليه.
ومنها: قال الراكب أعرتني وقال المالك: بل أجرتك، صدق المالك على المذهب.
ومنها: عمل له عملا وقال: "شرطت لي عوضا"، وأنكر فالقول قول المعمول له ومنها: إذا قال: "كانت الألف المدفوعة -إلى وديعة- وقد تلفت، وقال المالك: بل قرض" قال البغوي: القول قول المدفوع إليه.
ومنها: دفع إليه دراهم واختلف في ذكر البدل؛ فالقول قول الآخذ -قاله الرافعي، وفيه وجه قال النووي- أول القرض "إنه متجه".
ومنها: قال "هي قراض" فقال "بل قرض" صدق العامل -في أحد الوجهين- في "الروضة" و"شرح المنهاج".
ومنها: قال: "قراض" فقال: "بل ابضاع" ذكرها شريح، وفيها أوجه.
стр. 309
ومنها: قال "وهبتك بعوض"؛ فقال: "بلا عوض" رجح النووي أن القول قول من نفاه.
ومنها: بعت أشياء، وقال: "بعوض" فأنكر المبعوث إليه صدق وفيه للرافعي بحث، يظهر أن يقال: إن اختلفا في أصل شغل الذمة مع الاتفاق على ثبوت اليد؛ فإن [اختلفا] ١ في أن ثبوتها بحق أو لا فالقول قول المالك لأن الأصل لم يصدر منه ما يقتضي -[حينئذ هذا] ٢.
وإن اتفقا على أنها بحق، ثم اختلفا في شغل الذمة فالقول قول من ينفي الشغل لاعتضاده بالأصل. وإن اتفقا على الشغل ثم اختلفا في صفته؛ فالذي يظهر أن القول أيضا قول من لو أنكره لقبل إنكاره لأن من كان القول قوله في شيء كان القول قوله في صفته وإن اتفقا على الشغل ولكن اختلفا في ارتفاعه فالقول قول من يدعي بقاءه.
قاعدة: تتصل بالقاعدة قبلها أنا ضبطتها بعد ما تبددت عليها فروعها وانتشرت؛ فإن كانت كما فهمت ورتبت فالله المسؤول أن ينفع بها؛ وإلا فهو المسؤول أن يوضح لي الحق إذا اختلف الآخذ والمأخوذ منه فإن كان اختلافهما في أصل شغل الذمة مع الاتفاق على ثبوت اليد فلا يخلو إما إن يختلفا في أن ثبوتها هل هو بحق أو لا فإن كان الأول؛ فالقول قول المأخوذ منه لأن الأصل أنه لم يصدر منه ما يقتضي ثبوت هذه اليد ويدل على هذا أن الصحيح فيما إذا قال المالك غصبتني، وقال ذو اليد أعرتني أن القول قول المالك، وإن كان الثاني وهو ما إذا اتفقا على أنها تثبت بحق ثم اختلفا في شغل الذمة؛ فإما أن يكون ثبوتها لغرض المأخوذ منه أو لغرض الآخذ. أو لغرضهما جميعا أو يقع الخلاف في ذلك.
قاعدة: قال القاضي أبو عاصم وشرحه أبو سعد الهروي في الأشراف كل عقد فيه عوض علق بصفة لا يقتضي إطلاق العقد تلك الصفة فسد بالتعليق إلا في مسألة واحدة.
قاعدة: ذكر الإمام ﵀ -في باب معاملات العبيد- أنه لا احتكام للسادة على ذمم العبيد؛ فلا يملك السيد إلزام ذمة العبد مالا ولو أجبره على ضمان [لم يصح] ٣ ولو أجبره على أن يشتري له متاعا لم يصح الشراء. وإن كان محل الديوان -التي تلزم العبد بالإذن- الكسب، وهو ملك السيد ولكن لا استقلال للاكتساب في هذا.
стр. 310
الباب ما لم يتحقق تعلق الدين بأصل الذمة. ولو أقر السيد عليه بجناية قصاص، وأنكر العبد وآل الأمر إلى مال؛ فلا تعلق له في الذمة ونقل الشيخ الإمام هذا كله في شرح "المنهاج" ساكتا عليه.
قاعدة: لا يدخل عبد مسلم في ملك كافر أبدا. واستثنى الشيخ أبو حامد -"في الرونق" وتبعه تلميذه المحاملي في اللباب- ست صور ونحن بلغنا بالمستثنى نيفا وأربعين.
فمنها: الإرث.
ومنها: يسترجعه بالإفلاس.
ومنها: يرجع في هبته لولده.
ومنها: إذا رد عليه بعيب.
ومنها: إذا قال: أعتق عبدك عني فأعتقه وصححناه.
ومنها: إذا كاتب عبده الكافر فأسلم العبد ثم عجز عن النجوم فله تعجيزه. وهنا وقف الشيخ أبو حامد والمحاملي وشكك النووي في هذه، بأن المكاتب لا يزول ملكه؛ فيقال: "تجدد بالتعجيز"- وعبارة الشيخ أبي حامد "لا يجوز ترك مسلم في ملك كافر ولم يقل: لا يدخل- وبه يندفع الإيراد؛ ولكن هذا الترك ليس مطلقا فإنا نأمره بعد التعجيز بالإزالة. وأجاب الشيخ صدر الدين بن المرحل بأن لنا خلافا في إلحاق المكاتب بالحر أو بالعبد في مسائل؛ فلعل المحاملي جرى على قول من يجعله كالحر ثم لعل مسألته؛ إنما فرضها فيما لو [ملك] ١ المكاتب عبدا مسلما ثم عجز المكاتب؛ فإنه يدخل في ملك السيد ما كان للمكاتب؛ فلعل المحاملي أشار إلى أن هذا العبد يدخل في ملك السيد لحصوله تبعا كالرد بالعيب ولم يرد المكاتب نفسه.
قلت: هذه صورة أخرى ولكنها غير مراد المحاملي وشيخه أبي حامد فإن لفظهما صريح في إرادة المكاتب نفسه.
ومنها: إذا اشترى من يعتق عليه زادها النووي.
ومنها: أن يبيع عبدا مسلما ثم تقابل المشتري؛ فإنه لا يجوز -إن جعلنا الإقالة بيعا؛ فإن جعلناها فسخا وهو الصحيح فعلى الوجهين في الرد بالعيب كما قاله الرافعي.
стр. 311
ومنها: إذا كان بين كافر ومسلم عبد مسلم مشترك؛ فأعتق الكافر نصيبه وهو موسر سرى عليه؛ ذكره البغوي وهاتان زادهما ابن المرحل.
ومنها: عاشرة -زادها ابن أخيه الشيخ زين الدين [محمد] ١ مدرس الشامية البرانية بدمشق ﵀، وهي إذا جاز له نكاح الأمة وكانت لكافر فالأصح الجواز وينعقد الولد مسلما- على ملك الكافر.
ومنها: أن يرجع إليه بتلف مقابلة -قبل القبض.
ومنها: أن يبيع الكافر مسلما بثوب، ثم يجد بالثوب عيبا؛ فله رد الثوب واسترداد العبد على الصحيح.
ومنها: [إذا] ٢ تبايع كافران عبدا كافرا فأسلم العبد قبل القبض - ثبت للمشتري الخيار [إن] ٣ قلنا يمتنع عليه قبضه. كذا قاله الإمام وامتناع قبضه صححه الرافعي والنووي؛ فإذا فسخ فقد دخل العبد المسلم في ملك البائع الكافر.
ومنها: إذا باع الكافر عبدا مسلما لمسلم -بشرط الخيار للمشتري- فإن الصحيح أن الملك لمن له الخيار، وبالفسخ يملكه الكافر.
ومنها: أن يرده عليه -لا بالعيب، بل لفوات شرط كالكتابة ونحوها.
ومنها: إذا اشترى ثمارا بعبد كافر فأسلم ثم اختلطت، وفسخ العقد.
ومنها: إذا باع ثوبا على أنه هروي مثلا بعبد كافر؛ فلم يكن هروبا فإن له الرد على قياس ما تقدم.
ومنها: إذا باع الكافر عبده المسلم، وكان مغصوبا من قادر على انتزاعه فعجز، أو غصب قبل قبضه فللمشتري الخيار، ويفسخ البيع ويعود إلى ملك الكافر.
ومنها: إذا باع الكافر عبده [الذي أسلم عنده] ٤ من مسلم رآه قبل العقد دون حالة العقد؛ فالأصح الصحة - تفريعا على قول بيع الغائب ثم إذا وجد العبد متغيرا واختار الفسخ ملكه الكافر.
ومنها: باع عبده المسلم لمسلم ثم تشاحا في التسليم ومال المشتري غائب إلى مسافة القصر، لم يكلف البائع الصبر إلى إحضاره والأصح أن له الفسخ. فيفسخ ويملكه.
стр. 312
ومنها: إذا اشترى بعبده المسلم صبرة فظنها على السواء، ثم بان تحتها دكة ففي تبين بطلان العقد وجهان أصحهما: لا ولكن للمشتري الخيار كالعيب والتدليس.
ومنهاك إذا جعل الكافر عبده الكافر رأس مال السلم في شيء؛ فانقطع ذلك الشيء -بعد أن أسلم العبد المذكور- فإن للذي جعله رأس مال السلم فسخ العقد وإذا فسخ العقد انقلب العبد إليه ضرورة.
ومنها: إذا أقرض عبده الكافر فأسلم في يد المقترض يجوز المقرض -الكافر- أن يرجع فيه كما جوزنا له بالرجوع في الهبة.
ومنها: في القراض إذا اشترى العامل الكافر عبيدا كفارا للقراض؛ فأسلموا وفسخ عقد القراض ثم قسم هو والمالك العبيد؛ فإن قضية المذهب صحة ذلك، وإذا تميزت حصة العامل عبيدا ملكها بجريان سبب الملك، والمذهب أن العامل لا يملك حصته من الربح إلا بالقسمة.
ومنها: إذا التقط كافرا بشرطه وهو إما عدم التمييز أو في وقت النهب والغارة وأسلم ثم أثبت الكافر أنه كان ملكه؛ فإنه يرجع فيه لأن التمليك بالالتقاط كالتمليك بالقرض.
ومنها: إذا التقط عبدا صغيرا لا يميز في موضع لا مسلم فيه وعرفه وتملكه ثم بلغ وأسلم وظهر مالكه ينبغي أن يرجع فيه -كما يرجع فيما وهبه لولده.
ومنها: إذا وقف على كافر أمة فأسلمت، ثم حملت وأتت بولد، بعد الإسلام؛ فإنه يكون مسلما تبعا لأمه، ويدخل في ملكه فإن نتاج الجارية الموقوفة ملك الموقوف عليه - على الصحيح.
ومنها: إذا أوصى بمنافع الجارية الكافرة ونتاجها؛ فأسلمت ثم حملت وأتت بولد فإنه يكون ملكا له.
ومنها: إذا اشترى مسلما بشرط العتق -على وجه.
ومنها: إذا أقر بحرية عبد، ثم اشتراه لكنها داخلة في قول النووي: إذا اشترى من يعتق عليه.
ومنها: إذا أتت مكاتبة بولد من نكاح أو زنا -بعد أن أسلمت- ثم عجز السيد مكاتبة؛ فإن الجارية وولدها ينقلبان إلى ملك السيد وهذه داخلة فيما ذكره الشيخ صدر الدين في بحثه مع النووي.
стр. 313
ومنها: إذا نكح عبد كتابي أمة لكتابي ثم أسلم ثم وطئها فالولد مسلم مملوك لسيدها. وهي نظير الصورة التي زادها الشيخ زين الدين -ولد أخي الشيخ صدر الدين- وزين الدين هو جامع "الأشباه والنظائر" المنسوبة إلى عمه وله فيها زيادات يسيرة، مميزة عن كلام عمه بلفظ "قلت".
ومنها: إذا أسلمت مستولدة الكافرة ثم حملت وأتت بولد -من نكاح أو زنا؛ فإنه يكون مملوكا له، ويثبت للولد المذكور حكم الاستيلاد.
ومنها: إذا أسلمت جارية ثم حملت من غيره بنكاح أو زنا، ثم استولد قبل زوال ملكه عنها؛ فإنه يكون ملكه.
ومنها: إذا وطئ الأب الذمي جارية الابن المسلمة فاستولدها فإنه يقدر دخولها في ملكه قهرا.
ومنها: إذا جعل العبد صداقا لكافرة فأسلم في يدها، ثم اقتضى الحال رجوعه إلى الزوج -قبل الدخول- بإسلام وغيره من الأسباب.
ومنها: إذا تزوجها على عبد فأسلم في يدها ثم اطلع على عيب بها.
ومنها: إذا اطلعت على عيب به فلكل الفسخ، ويرجع العبد إليه.
ومنها: إذا فسخ الصداق بالتحالف بعد إسلامه.
ومنها: إذا أصدقها عبدا كافرا [وشرط وصفا] ١ من نسب أو غيره -أو شرطت- هي- فيه وصفا فخرج خلافه بعد إسلام العبد، ثم فسخ النكاح فالقياس انقلابه إلى الزوج.
ومنها: إذا طلقها قبل الدخول -بعد ما أسلم العبد في يدها؛ فإنه [يرجع] ٢ نصفه إليه ويؤمر بالإزالة.
ومنها: إذا أسلمت المرأة قبل الدخول وقد أسلم العبد في يدها؛ فإنه يرجع إلى ملك الزوج، لسقوط مهرها لحصول الفرقة من جهتها.
ومنها: إذا حضر الكفار الجهاد -بإذن الإمام- وحصلت الغنيمة، وكانت نسوة فأسلمن، أو عبيدا كفارا فأسلموا بعد الغنيمة - فاختار الغانمون التملك فالمذهب أن الغنيمة - تملك بالاختيار.
وقضيته: أن للإمام أن يرضخ للكافرين -من النسوة والعبيد- وأنه إذا رضخ له
стр. 314
جارية ملكها أو عبدا ملكه؛ فإنه جرى سبب الاستحقاق بحضور الوقعة، ويحتمل أن يقال: يعوضه ما لا يرضخ له شيئا من ذلك، وهذا هو الأظهر رأيا ونظرا.
ومنها: إذا كان بين كافرين عبيد من نوع واحد -بعضهم مسلمون، وبعضهم كفار فاقتسماها وانحصر المسلمون في حصة أحدهما، وقلنا [القسمة] ١ إفراز فقضية المذهب صحة القسمة، ومعلوم شيوع الملك قبل ذلك، وإنما بالقسمة انحصر؛ فقد دخل بعض عبد مسلم في ملك كافر، كما قلنا فيما إذا أعتق الموسر الكافر نصيبه من عبد مسلم مشترك، ولا فرق بين دخول البعض والكل.
قاعدة: كل ما صح الرهن به صح ضمانه وما لا فلا إلا٢ ضمان العهدة ورد الأعيان المضمونة يصح ضمانها، لا الرهن بهما على الأصح فيهما وهنا مسائل:
منها: ضمان المجهول باطل -في الجديد- والرهن بالمجهول لا أعرفه مسطورا.
ومنها: إذا منعنا ضمان المجهول؛ فضمن الدراهم التي على فلان جاهلا بمبلغها فهل يصح في ثلاثة؟ لدخولها في اللفظ، أو يأتي في الرهن مثله تردد فيه الشيخ برهان الدين بن الفركاح.
ومنها: في ضمان إبل الدية خلاف فليكن الرهن بها مثله، وجزم الرافعي بجواز رهن العاقلة بالدية بعد تمام الحول.
ومنها: اختلفوا في ضمان الزكاة عمن هي عليه فليجر الخلاف في الرهن بها، وجزم الرافعي بجواز رهن الملاك بالزكاة بعد تمام الحول.
ومنها: اختلفوا في ضمان نجوم الكتابة ولا أعرف مسطورا في الرهن بها.
ومنها: اختلفوا في ضمان الثمن في مدة الخيار؛ فليجر هذا الخلاف في الرهن.
قاعدة: من لم يجن لا يطالب بجناية من جنى. ويستثنى ضمان العاقلة الدية، وأن الأصح في المحرر الضمان.
قاعدة: كل تصرف يقع من المشتري شراء فاسدا فهو كتصرف الغاصب والعين في يده كالمغصوب عند الغاصب إلا في مسائل:
منها: أن الغاصب إذا وطئ المغصوبة عالما وجب عليه الحد. وفي الشراء
стр. 315
الفاسد لا يجب إذا استند الفساد إلى شرط فاسد أو كون الثمن خمرا إلا على احتمال الإمام؛ وإنما يجب إذا اشترى بميتة أو دم.
ومنها: إذا استولد الغاصب عالما بالتحريم لم ينعقد الولد حرا بخلاف المشتري شراء فاسدا.
ومنها: ثبوت كونها أم ولد في أحد القولين إذا ملكها يوما من الدهر. بخلاف الغاصب، وقد اقتصر الروياني في الفروق والجرجاني في المعاياة على استثناء هذه الصور الثلاث.
ومنها: أن الولد -في الشراء الفاسد- تجب قيمته يوم الولادة -تلف أم بقي لانعقاده حرا، وفي الغصب- إذا تلف- يضمن بالأقصى. والفرق أنه لما انعقد حرا، لم يكن متقوما بعد ذلك.
ومنها: المقبوض بعقد المعاطاة على المذهب له حكم المقبوض بعقد فاسد على الصحيح؛ فيطالب كل من المتعاطيين صاحبه. بما دفعه إن كان بقايا وبضمانه عند التلف فإن ماثل الثمن القيمة خرجه الغزالي على مسألة الظفر، وقال الشيخ أو حامد: لا مطالبة لواحد منهما وتبرأ ذمتهما بالتراضي واستشكله الرافعي بسائر العقود الفاسدة؛ فإنه لا براءة وإن وجد التراضي.
ومنها: قال الماوردي -في الصلح: لو باع عبدا بيعا فاسدا، وقال لمشتريه: أذنت لك في عتقه، فأعتقه المشتري بإذنه لم يعتق قال؛ لأنه إذنه إنما كان مضمونا بملك العوض، فلما لم يملكه بالعقد الفاسد، لم يعتق عليه بالإذن. وقاس عليه: ما إذا صالحه من ألف -قد أنكرها- على خمسمائة، وأبرأه من الباقي لزمه -في الحكم- رد الخمسمائة، ولم يبرأ منها؛ حتى لو أقام بينة الألف، كان له استيفاء جميعها. انتهى كلامه في أوائل الصلح، ونقله عنه الشيخ الإمام في باب الصلح، وقال: إنه لا شك فيه يعني -بالنسبة إلى مسألة الصلح، وسكت على مسألة البيع.
وحاصله: أن العتق لم ينفذ؛ لأن المشتري إنما يعتقه، بناء على أنه ملكه وأنه يعتقه عن نفسه والمالك؛ إنما أذن ظانا ذلك. فإن سلم هذا للماوردي فنظيره في الغصب قول المالك للغاصب أعتق هذا العبد -مشيرا إلى المغصوب- وهو يظنه غير عبده المغصوب. وقد أطلق الأصحاب -في باب الغصب- أن المالك إذا قال للغاصب أعتق عني أو مطلقا فأعتقه عتق، وبرئ الغاصب.
стр. 316
ومنها: المذهب أن المشتري شراء فاسدا، لا يجوز له حبس المبيع إلى استرداد الثمن؛ كذا أطلقوه، وحكوا عن الإصطخري خلافا، واقتضى كلام الرافعي -في موضعين من باب الضمان- ترجيح الحبس، وسمعت الشيخ الإمام يقول- ومسألته عن ذلك: إن فسد بشرط فله الحبس، وإن فسد بخروجه عن ملك الغير فلا؛ هذا حكم البيع الفاسد.
وقالوا: للغاصب أن يحبس المغصوب لاسترداد القيمة المأخوذة -للحيلولة- وحكاه القاضي الحسين عن النص، ورجع الرافعي التسوية بين البابين وهو اختيار الإمام فلا استثناء على هذا.
ومنها: لو باع ماشيته السائمة بيعا فاسدا فعلقها المشتري، قال في التهذيب: فهو كعلف الغاصب، وصححه الشيخ الوالد ﵀ في شرح المنهاج؛ فعلى هذا يجري في قطعه الحول الأوجه في علف الغاصب، وأصحها أنه يقطع؛ ولكن قال ابن كج: عندي أنه يقطع يعني -ولا يجري فيه خلاف الغاصب قال: لأنه مأذون له؛ فهو كالوكيل بخلاف الغاصب.
فعلى طريقة ابن كج افترق البيع الفاسد والغصب، ولم يصحح الرافعي والنووي من الطريقتين شيئا، كأنهما اكتفيا بأن الفتيا على أنه كالغاصب؛ سواء ثبت الخلاف أم لا، والشيخ الإمام صحح طريقة التهذيب كما عرفناك.
ومنها: أن غرس الغاصب وزرعه، غير محترم مطلقا، وأما المشتري شراء فاسدا ففرق بين أن يكون عالما فيكون غير محترم أو جاهلا فلا يقلع مجانا على ما جزم به الرافعي والنووي في كتاب الرهن.
ومنها: لا يصح بيع السيد عبده المكاتب، ولا النجوم التي عليه على المذهب؛ فلو باعه أو باعها فأدى النجوم إلى المشتري بعد البيع فأصح القولين أنه لا يعتق، والقول الثاني -هو منصوص [المختصر] ١ أنه يعتق لأن السيد سلطه على القبض فأشبه الوكيل وقيل هذا: لا يجيء في المشتري من الغاصب عبدا مكاتبا أو النجوم التي عليه، بل لا يعتد بقبض المشتري جزما وهو أيضا بيع فاسد- إلا أن المشتري غاصب أيضا- لبناء يده
стр. 317
على يد الغاصب، ولهذا الخلاف أصل، وهو أن ما استتبع الصحيح هل يستتبع الفاسد.
قال ابن الرفعة في باب الوضوء من المطلب: وفيه خلاف أصله بيع السيد نجوم الكتابة -إذا قبضها المشتري- فوجه صحة العتق يضمن البيع والإذن في القبض ووجه عدمه أن تبع للبيع؛ فلما لم يصح البيع لم يتبعه الإذن. ولمثل ذلك ثار الخلاف فيما إذا باع المشتري ما اشتراه في زمن الخيار ولم يصححه منه هل يكون ذلك مبطلا لخياره كما لو صح البيع أو لا؟
قال ابن الرفعة: ومثله يجوز أن يقال: فيما إذا غلط من حدث إلى حدث فنواه؛ فإن اعتبرنا اللازم ارتفع حدثه، وإن اعتبرنا الأصل لم تصح نيته. قلت: وهي قاعدة يعبر عنها بأن "من كان مالكا لتصرف يصح منه فعله، إذا فعل فعلا يتضمن ذلك التصرف المملوك لكن بطريق فاسد، هل يصح؟ وفيه خلاف في صور:
منها: الحوالة بالثمن وعليه في مدة الخيار- والأصح يصح؛ فإن قلنا لا يصح ففي انقطاع الخيار وجهان.
ومنها: الأب إذا باع العين التي وهبها لابنه -من غير تصريح بلفظ الرجوع هل يكون رجوعا؟ وجهان.
قاعدة: تقرب من القاعدة، قبلها: ما يفيد الاستحقاق إذا وقع لا على وجه التعدي هل يفيده إذا وقع على وجه التعدي؟ وفيه خلاف في صور جمع بعضها النووي في زيادة الروضة في باب إحياء الموات، وقال: سبقت مسائل تتعلق بها في الصيد قلت: والذي جمعه في مسائل غيره ذكره في أصل الروضة -تبعا للرافعي- في باب الوليمة وفي المسائل كثرة.
[ومنها] ١: إذا دخل الماء المباح دار إنسان، لم يكن لغيره أخذه من داره؛ لامتناع دخول الإنسان ملك غيره بغير إذنه؛ فلو فعله؛ فهلك يملك؟ فيه وجهان أصحهما أنه يملك. وكذا لو دخل السمك مع الماء حوضه ذكره الرافعي في باب الوليمة.
стр. 318
ومنها: لو أحيا واحد أرضا -حماها الإمام- لم يجز؛ ولكن يملكها بالإحياء على الصحيح.
ومنها: إذا تحجر مواتا؛ فجاء آخر وأخياه، ملكه على الأصح المنصوص لكونه حقق سبب الملك -وإن كان ظالما- كما لو دخل في سوم أخيه واشترى.
والثاني: لا يملك.
والثالث: إن انضم إلى التحجر إقطاع السلطان لم يملك.
والرابع: إن أخذ المتحجر في العمارة لم يملك.
ومنها: إذا عشش الطائر في ملكه، وأخذ الفرخ غيره؛ فالأصح أيضا أنه يملكه.
قال النووي: وكذا لو توحل ظبي في أرضه، وأو وقع البلح فيها ونحو ذلك.
ومنها: إذا أذن جماعة على الترتيب؛ فالأول أولى بالإقامة إذا لم يكن مؤذن راتب أو كان [السابق] ١ هو المؤذن -فإن سبق غير المؤذن الراتب فهل يستحق ولاية الإقامة فيه وجهان:
أحدهما: نعم لإطلاق قوله ﷺ : [من أذن فهو يقيم] ٢ وأظهرهما: لا لأنه مسيء بالتقديم.
ومنها: لو وقع في حجره شيء من الثمار، لم يكن لغيره أخذه؛ فلو أخذه ففي ملكه وجهان قال في: أصل الروضة: وميلهم إلى منع الملك أكثر. يعني في هذه المسألة، وفي دخول السمك مع الماء حوضه، وفيما إذا عشش الطائر في ملكه فأخذ فرخه غيره، وفيما إذا وقع البلح في ملكه فأخذه غيره -قال: والأصح أن المحيي يملك والفرق أن المتحجر غير مالك؛ فليس الإحياء تصرفا في ملك غيره بخلاف هذه الصور.
قاعدة: قال الشيخ أبو الحسين الفناكي٣- من قدماء أصحابنا من تلامذة الشيخ
стр. 319
أبي حامد في كتاب له يسمى المناقضات: من اشترى شيئا شراء صحيحا لزمه الثمن؛ إلا في مسألة واحدة وهي المضطر يشتري الطعام بثمن معلوم فإنه لا يلزم الثمن؛ وإنما تلزم قيمته، ذكره أبو علي الطبري، واحتج له بأن النبي ﷺ "نهى عن بيع المضطر"١ قلت: وهذا فيه نظر، فإن المضطر إن تمكن من أخذ الطعام قهرا والحالة هذه -فعدل إلى الشراء لزمه المسمى- ولو زاد على ثمن المثل بلا خلاف كذا صرح بنفي الخلاف فيه الرافعي.
ويتجه أن يخرج [فيه] ٢ خلاف من الخاف في الإكراه على قتل أحد الرجلين.
وأيضا فقد أجرى البغوي الخلاف في وجوب المسمى، أو ثمن المثل، فيما إذا وجد ميته، وطعام الغير فاشتراه بالزيادة إمكان عدوله إلى الميتة بأن عجز -فالأقيس عند الرافعي، النووي وصححه القاضي أبو الطيب- لزوم الثمن المسمى أيضا؛ لأنه التزمه بعقد لازم، وصحح الروياني أنه لا يلزمه قال: لأنه كالمكره. قال الرافعي: وهو أقرب إلى المصلحة. وفرق الماوردي بين زيادة تشق على المضطر لإعساره فلا يلزمه، وزيادة لا تشق فلا يأتي ما قاله أبو علي إلا على ما صححه الروياني بشرط أن يقول بصحة البيع، وقد قال الرافعي أنه الذي يفهم من إيرادهم قال؛ ولكن الوجه نصب الخلاف في صحة العقد لمعنى الإكراه. وفي تعليق الشيخ أبي حامد ما يبينه وبه صرح الإمام فقال: "الشراء بالثمن الغالي هل يجعله مكرها حتى لا يصح الشراء منه، فيه وجهان أقيسهما المنع. انتهى كلام الرافعي مختصرا، وقوله: أقيسهما المنع تابع في الإمام فإنه قال هكذا. قال في النهاية ولعله في ذلك حال عند لا حاكم بأنه أقيس [وهكذا] ٣ كلام الفناكي، وقوله: "إن هذا الشراء صحيح" صريح في الرد على الرافعي؛ لأنه قال بصحة الشراء -مع إلزام القيمة- وعزاه إلى أبي علي الطبري، وكلام الرافعي يقتضي أنه من يلزم القيمة يجعل المشتري مكرها والبيع فاسدا، ولو كان كذلك لقيل لأبي علي
стр. 320
الطبري: ما ذكرت من الاستثناء غير مستقيم؛ لأن صحة البيع مع عدم لزوم الثمن -مما لا يجتمعان، وما ذكره من الحديث -رواه أبو داود من حديث علي كرم الله وجهه، وفي سنده مقال وبتقدير ثبوته. قال الخطابي: "يحتمل أن يعني -بالمضطر- المكره"، وهذا يؤيد ما ذكره الإمام والرافعي، قال: "ويحتمل أن يعني به من باع في ضرورة من دين ركبه أو نحو ذلك -فلا يباع- من حيث المروءة؛ لكن يعان، أو يقرض ويستمهل، وفي هذه الحالة إن بيع صح، وكان مكروها" قلت: ويكون بيع المضطر، مصدرًا مضافًا إلى المفعول، أي لا يباع المضطر بل يبذل له الطعام مجانا -كما هو وجه لأصحابنا- لأن البذل واجب فلا يؤخذ عليه عوض أو يقرض ويستمهل كما قال. أو يقال: المضطر من لا يتحمل حالة التأخير إلى مماكسة البيع، لمسيس [الجوع] ١؛ فلا يجوز أن يباع -ويؤخر الطعام عنه إلى تقرير الثمن- بل يبادر إلى إطعامه [أو] ٢ حاله لا تتحمل التأخير، ثم إذا أطعمه تجب القيمة، وقال القاضي أبو الطيب: لا يجب العوض هنا؛ سواء وجب العوض أم لا؛ فالقول بهذا الاحتمال فيه أخذ للحديث على ظاهره، وفي الحديث إرشاد إليه؛ فإن لفظه أن عليا ﵁ قال: سيأتي على الناس زمان عضوض، يعض الموسر على ما في يديه -ولم يؤمر بذلك قال الله تعالى ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ويبايع المضطرون، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطر؛ هذا لفظ أبي دواد عن علي كرم الله وجهه وسياقه يشهد لتحريم أن يباع المضطر -كما أولناه- فإن ضم إليه عدم لزوم العوض -كما قال القاضي أبو الطيب- كان أوفق للظاهر وللسياق.
[قاعدة] ٣: لا يتوالي ضمان عقدين في شيء واحد. وهذه القاعدة ذكرها الأصحاب -عند الكلام على بيع المبيع قبل القبض؛ فاتهم عللوا منعه من حيث المعنى بشيئين؛ هذا أحدهما ووجهوه بأن المبيع مضمون على البائع للمشتري وإذا نفذ المبيع منه، صار مضمونا عليه للمشتري. الثاني: فيكون الشيء الواحد مضمونا له وعليه في عقدين، قال إمام الحرمين في "النهاية" ولا حاجة إلى هذا -مع الخبر- يعني أن الاعتماد في منع بيع ما لم يقبض -على الأخبار لا المعنى. وقال بعد ذلك بيسير: "الغالب على هذا الأصل [التعبد] ٤ وتبعه الرافعي -حيث قال: "والاعتماد على الأخبار واختاره الشيخ الإمام الوالد ﵀ في باب الرهن من شرح المهذب. واعترض على هذا