فائدة: إذا تعدد الوراث؛ فهل يتعدد الحق المتنتقل إليهم عن مورثهم اعتبارا بهم، أو يتحد اعتبارا به؟ ثم إما أن يتوزع عليهم وإما أن يسلك سبيل آخر.
فيه تردد في مسائل:
منها: إذا ورثوا خيار المجلس لم ينقطع خيار بعضهم بمفارقة الآخر -على الأصح- فكل منهم في هذا بمنزلته، ولو فسخ بعضهم انفسخ العقد في الكل علي الأصح، ولو فسخ بعضهم في نصيبه، واختار الآخر في نصيبه قال مجلي: "لم يكن لهم ذلك -وجها واحدا- وفي الحاوي وجه.
ومنها: إذا ورثا العبد المبيع فوجدا به عيبا؛ فالأصح لا ينفرد أحدهما بالرد، ولو سلم أحدهما نصف الثمن لم يلزم البائع تسليمه النصف.
ومنها: لو قضى أحد الوارثين حصته من الدين المرهون به رهن؛ ففي انفكاك نصيبه قولان.
ولو مات المديون فقضى بعض الورثة نصيبه، قال الإمام: "لا يبعد تخرجه على الرهن".
ومنها: أقر بعضهم بالدين وأنكر البعض.
ومنها: لو عفا بعضهم عن حد القذف.
فائدة: [قال الجرجاني١: يورث بالقرابة من الطرفين إلا في أربع مسائل:
ابن الأخ يرث العمة، ولا ترثه العمة٢.
والعم يرث بنت الأخ - ولا ترثه هي٣
وابن العم يرث بنت العم، ولا ترثه هي٤.
والجدة ترث ولد ابنتها، ولا يرثها هو٥.
قال الجرجاني: "ويورث النكاح من الطرفين إلا في المبتوتة في المرض؛ فإنها ترث المطلق -في قول- ولا يرثها هو".
стр. 387
قال: "ويورث بالولاء من طرف واحد- وقد يتفق من طرفين بأن يعتق حربي عبده الحربي، ثم يقهر سيده على نفسه؛ فإذا أعتقه ثبت الولاء من الطرفين] .
فائدة: قال البندنيجي: "الحقوق ثلاثة أضرب:
حق يثبت لجميع الورثة وإذا عفوا إلا واحدا ثبت له، وهو القذف والشفعة والغنيمة. قلت: والولاية على اللقيط على الصحيح.
وحق يثبت للجماعة -على الاشتراك- والكل حصته أولا: وهو المال.
وحق يثبت على الاشتراك ويسقط بعفو البعض وهو القصاص.
стр. 388
القول في المناكحات:
قلت: القول في ربع المناكحات
قاعدة: "النكاح لا يفسد بفساد الصداق"١.
وفيه مسائل:
منها: لو وكل في نكاح امرأة وسمى مهرا؛ فزاد الوكيل، قال إمام الحرمين قبيل باب الخلع في المرض: اختيار الشيخ أن النكاح لا ينعقد، وقال بعض الأصحاب: ينعقد والرجوع إلى مهر المثل، والحكم بالانعقاد بعيد في هذا الطرف". انتهى.
وأظنه يعني بالشيخ -هنا- القفال؛ ففي كلامه -هنا- ما يشير إليه، وذكر صاحب البيان المسألة في باب ما يصح به النكاح، وقال: قال الصيمري:
"قال شيخ من أصحابنا: يبطل النكاح، والصحيح أنه يصح ولها مهر مثلها" انتهى.
وفي الرافعي -قبيل الفصل السادس: فيما يجب على الولي -ولو وكل رجلا بقبول نكاح امرأة وسمى مهرا، لم يصح القبول بما زاد عليه.
قاعدة: كل عضو حرم النظر إليه، حرم مسه بطريق أولى٢ ويستثنى:
الطبيب -إذا اجتاج إلى المس دون النظر؛ فإنه لا يباح له إلا ما احتاج إليه.
وفرج الزوجة -فمسه جائز قطعا، وفي نظر الزوج إليه الخلاف المعروف وقد استدركه الوالد ﵀ وحمل القاعدة على أن المراد الاجتناب، والوالد لم يذكر الطبيب "فلتحمل القاعدة أيضا على أن المراد ما عدا الضرورات.
قاعدة: من حرم نكاحها على التأبيد -بسبب مباح لحرمتها- فهي محرم يجوز
стр. 389
النظر إليها ويختلي بها ولا تنقض الوضوء واحترزنا بالحرمة عن الملاعنة.
ويستثنى أزواج النبي ﷺ فلسن من المحارم كما دل عليه كلام الرافعي في الظهار، وصرح به غيره.
قاعدة: داعية الطبع تجزئ عن تكليف الشرع "وبعضهم يقول": الوازع الطبيعي مغن عن الإيجاب الشرعي "وعبر الشيخ الإمام" ﵀ عن القاعدة في كتاب النكاح بأن "الإنسان يحال على طبعه ما لم يقم مانع".
ومن ثم لم يرتب الشارع على شرب البول والدم وأكل العذرة والقيء -حدا اكتفاء بنفرة الطباع عنها، بخلاف الخمر والزنا والسرقة لقيام بواعثها؛ فلولا الحد لعمت مفاسدها.
[وفي] ١ القاعدة مسائل؛
منها: لا يجب القسم بين النساء.
ومنها: لا يجب على الرجل وطء زوجته، وشذ القول بوجوب الوطأة الأولى لتقرير المهر، وقضاء الوطأة في القسم فيما إذا دخل في نوبة واحدة ووطئها، أما المولى٢: فواجبه أحد الأمرين من الوطء أو الطلاق.
ومنها: إقرار الفاسق -على نفسه- مقبول؛ لأن الطبع يزعه عن الكذب فيما يضر بنفسه أو ماله أو غرضه.
ومنها: عدم اشتراط العدالة في ولاية النكاح على وجه اختاره كثير من أصحابنا، منهم الشيخ عز الدين، محتجا بأن الوازع الطبعي يزع عن التقصير في حق الولي عليه.
ومنها: عدم وجوب الحد بوطء الميتة -وهو الأصح- قالوا: "لأنه مما ينفر عنه الطبع، وما ينفر عنه الطبع لا يحتاج إلى الزجر عنه.
ومنها: ليس النكاح من فروض الكفايات خلافا لبعض الأصحاب، ومستندا هذا الوجه النظر إلى بقاء النسل، وقد رده الشيخ الإمام بهذه القاعدة، وقال: "في النفوس من الشهوة ما يبعثها على ذلك، فلا حاجة إلى إيجابه٣ والإنسان يحال على طبعه ما لم
стр. 390
يقم مانع "ثم مال الشيخ الإمام إلى قتل أهل قطر رغبوا عن سنة النكاح وإن لم يكن واجبا.
قاعدة: "لا يزوج مسلم كافرة" إلا في مسائل:
منها: كافرة لا ولي لها مناسب؛ فيزوجها الحاكم بالحكم؛ لأن الكافرة والمسلمة مستويان في الحكم١.
قاعدة: قال الإمام -في الكلام على تقديم الطعام للضيف في الوليمة -"ليس في الشرع إباحة تقضي إلى اللزوم إلا النكاح؛ فإنا قد نختار أن المعقود عليه -في النكاح- ليس مملوكا؛ إنما هو مستباح فيستحق" انتهى.
ذكره ردا على والده في تصحيحه أن الضيف لا يملك، وأن الوجوه المحكية -في أنه بماذا يملك؟ وجوه في أن الإباحة هل تلزم حتى لا يكون للمضيف رجوع؟ قال الإمام: "وهذا لا بأس به" قال: "ولكن الأصح أن الإباحة لا تنتهي إلى اللزوم ما لم يفت المستباح". ثم ذكر هذه القاعدة.
قلت: وقد يضم إلى النكاح الصور التي تلزم فيها العارية؛ فإنها إباحة تفضي إلى اللزوم، ثم نبحث عن قوله "تقضي إلى اللزوم".
هل معناه: إلى لزومها -في نفسها- على المبيع؛ فإن المرأة يلزمها يدل البضع المستباح حق، والمعير -في الصور المشار إليه- يلزمه أيضا حكم العارية؟
أو معناه: تفضي إلى اللزوم من جهة المستبيح فإن الزوج تلزمه لوازم النكاح -من المهر وغيره- ولذلك قال البغوي: "حتى يكون الشيء غير واجب ويقتضي واجبا -كالنكاح- يقتضي النفقة والمهر".
ذكره في الكلام على ركعتي الطواف، وعلى هذا فيضم إلى النكاح إعارة الدلو لاستقاء المحدث الماء، والسترة للعاري في الصلاة؛ فإنه يلزمه٢ قبولهما على الأصح.
أو معناه اللزوم الطرفين؛ حتى لا يجوز للمبيح الرجوع ولا للمستبيح الرد؟ وعلى هذا يضم إلى النكاح إعارة الدلو والرشاء، وللمعير العوض -كما صرح به
стр. 391
القاضي الحسين؛ حيث قال: "يتعين عليه الإعارة، كما يتعين على المستعير ويجب"، وعلى هذا لا يتم رد الإمام على والده؛ فإنه -وإن منع المضيف من الرجوع- فلا سبيل له إلى القول بأن الإنسان المضاف يتعين عليه القبول والأكل.
ثم هذا منه -والحالة هذه- قول بأن النكاح من العقود اللازمة من الطرفين، وهو ما ادعاه النووي، وقال: "يمكن الزوج من رفعه كتمكن المشتري من إزالة الملك بالبيع" والمعروف -في المذهب- أن النكاح عقد جائز، وحكى ابن الصباغ -في كتاب الوكالة- وجهين في أنه لازم أو جائز.
قاعدة: "إتيان القبل والدبر سواء في الأحكام"١:
إلا في مسائل:
منها: الحل ومنها: الإحصان٢، فإنه فضيلة لا تنال برذيلة.
ولا تحصل به فيئة الإيلاء، ولا ينفي العنة ولا يبطل استنطاق البكر وأما النسب، فاختلفت فيه عبارة الرافعي.
ومنها: حلف لا يطأ زوجته؛ فوطئها في الدبر قال الإمام: "والذي أراه الحنث" نقله الرافعي في الإيلاء، وحكى الغزالي في الفتاوى -ورجح عدم الحنث٣.
стр. 392
قاعدة: "فرقة النكاح -قببل الدخول-[إذا] ١ كانت بسبب من جهة الزوج -كطلاقه وإسلامه وردته- سقط نصف المهر، وإن كان من جهتها كإسلامها وردتها -سقط جميع المهر".
والناس يستشكلون على هذا الفسخ بالعيب قبل الدخول؛ فإنه يسقط جميع المهر -سواء فسخ هو بعيبها، أم فسخت هي بعيبه؛ لأنها هي المختارة، قال النووي "في روؤس المسائل"، وهذه مشكلة، وهذا الإشكال قوي فإن الفسخ بالعيب إما أن يغلب فيه جانب الفاسخ، أو جانب من به العيب، وعلى التقديرين لا يسقط جميع المهر بكل حال؛ وإنما يسقط كله في حال وبعضه في حال.
ثم أجاب النووي ﵀: بأن مقتضى الفسوخ تراد العوضين من الجانبين، وقد رد عليها الزوج بضعها بكماله، فيرد عليه المهر بكماله.
وأما الطلاق -فإنما بقي لها فيه نصف المهر؛ لأنه ليس فسخا؛ وإنما [هو] ٢ تصرف في الملك.
وأما وجوب النصف بإسلامه وردته، فلشبهه الطلاق من حيث إيذائها وكسرها بذلك من غير سبب من جهتها؛ فوجب النصف جبرا لذلك. بخلاف الفسخ؛ فإنها إن فسخت فهي المختارة، فلم يحصل لها أذى، بل حصل لها سرور بتحصيل غرضها وإن فسخ الزوج فهي سببه؛ فالأذى حصل بسببها. انتهى: وهو مأخوذ من كلام الشيخ -عز الدين ابن عبد السلام: وبقي ما إذا كان الفسخ بسببهما جميعا -كردتهما معا والخلع الواقع بينهما، والصحيح فيهما التشطير.
وأما إذا كان لا من جهة واحدة منهما -وهي مسألة ابن الحداد والقفال- ولم
стр. 393
يذكرها الرافعي في باب الصداق عند الكلام في التشطير، وابن الحداد يقول فيها بالسقوط دائما، والقفال يقول بالتشطير.
وفيها صور:
منها: إذا أسلم أبو الصغيرة فتبعته فانفسخ النكاح. قال ابن الحداد "يسقط"، وقال القفال: "يتشطر". كذلك نص عليه في شرح الفروع، ونقله الشيخ أبو علي الإمام عن بعض الأصحاب، ولم يصرحا بذكر القفال وهو عجيب.
وكذلك حكى ابن الرفعة الخلاف في باب الصداق من "الكفاية" غير مذكور فيه القفال.
ومقتضى كلام الرافعي الجزم بقول ابن الحداد في هذه؛ إذ قال في باب المتعة فيما إذا وقع إسلامها تبعا؛ فإنه لا متعة جعل ذلك فرقة كائنة من جهتها، ولكن [رجح] ١ فيما إذا ورث زوجته أو بعضها -عدم سقوط المهر، وصرح بمخالفة ابن الحداد فيه وهو يقتضي إيجابه الشطر؛ كذا قاله في كتاب النكاح قبل فصل الدوريات، وقد تكلمت على المسألة ونظائرها -مبسوطا- في الطبقات في ترجمة ابن الحداد، فلنلخص هنا إن شاء الله.
قاعدة: قال الرافعي في باب نكاح المشركات: "ذكر الأصحاب عبارة جامعة؛ فقالوا: الرق والحرية إذا تبدل أحدهما بالآخرة؛ فإن بقي من العدد المعلق بكل واحد -من الزائل والطارئ- شيء، أثر الطارئ وكان الثابت العدد المعلق به -زائدا كان أو ناقصا- وإن لم يبق منهما جميعا، لم يؤثر الطارئ، ولم يغير حكما.
ذكر ذلك فيما إذا كان تحت الكافر إماء؛ فأسلم معه اثنان ثم عتق ثم أسلم الباقيات؛ فإنه ليس له إلا اختيار اثنتين، وإن أسلمت واحدة عتق ثم أسلم٢ الباقيات؛ فله اختيار أربع.
والفرق: أنه إذا لم يسلم معه [إلا] ٣ واحدة، لم يكمل عدد العبيد؛ فإذا عتق فله استيفاء ما للآخر، بخلاف ما إذا أسلمت اثنتان.
قال: وشبهوا الصورتين بما إذا طلق العبد امرأته طلقتين ثم عتق. لم يملك بالعتق
стр. 394
طلقة ثالثة، بخلاف ما لو طلقة [واحدة] ١ ثم عتق. ربما إذا أعتقت الأمة في عدة الطلاق -قبل [استكمال] ٢ قرءين؛ فإنهما تكمل ثلاثة أقراء.
"وإن [أعتقت] ٣ -بعد تمامها- لم يلزمها شيء".
كذا قال الرافعي، والصحيح -عنده وعند غيره- أن الطلاق إن كان بائنا، لم تكمل ثلاثة أقراء؛ بل تكتفي بقرءين.
وعلى هذا الأصل قال ابن الحداد: لو طلق الذمي زوجته طلقتين ثم التحق بدار الحرب ناقضا للعهد فسبي واسترق ونكح تلك المرأة بإذن مالكه، يملك عليها طلقة؛ لأنه بقي من العدد الزائل شيء ولم يبق من العدد الطارئ شيء فلم يؤثر الطارئ.
ولو كان قد طلقها طلقة؛ فإذا نكحها، لا يملك عليها [إلا] ٤ طلقة؛ لأنه [قد] ٥ بقي من العدد الزائل طلقتان، ومن العدد الطاريء طلقة، فكان الثابت حكم الطارئ -وهو الرق هنا- والصحيح عند الأصحاب.
غير أن الشيخ أبا علي استدرك على ابن الحداد اشتراطه لحاق الذمي بدار الحرب؛ لأن استرقاقه ليس موقوفا على ذلك؛ فإنه٦ قد يفعل ما ينقض العهد ويسترق -وإن لم يلحق بدار الحرب- أو لعله يرى أن من نقض عهده بغير قتال يرد إلى مأمنه، وهو أحد القولين.
والاعتراض سهل؛ فإن ابن الحداد لم يذكر اللحوق بدار الحرب على سبيل التقييد للمسألة؛ بل لكونه الغالب في الوقوع. إذا عرفت هذا، فهذه القاعدة يستثنى منها مسائل:
منها: العبد إذا زنى فأقيم عليه بعض الحد وبقيت عليه عشرة، ثم عتق؛ فإنه لا يقام عليه تمام حد الأحرار، بل تمام الخمسين فقط.
ومنها: الذمي إذا زنى، فأقيم عليه أربعون أيضا، ثم التحق بدار الحرب [ثم استرق] ٧ فإنه لا يكمل عليه حد الأحرار، بل حد العبيد وقياس القاعدة تكميل حد الأحرار.
قلت: [كذا] ٨ نص القاضي الحسين، ونقل ابن الرفعة عنه ذلك نقل الموافق
стр. 395
له، ولا يتجه هذا الثاني إلا على القول بأن الذمي إذا زنى ثم أسلم يحد، وهو رأي أبي ثور والذي نص عليه الشافعي -كما نقل النووي عن ابن المنذر أنه يسقط عند الحد بالإسلام، ورأيت الدارمي حكى في "الاستذكار" في المسألة وجهين في باب حد الذميين "إذا كان يسقط بتمامه؛ فالذي يظهر أن سقوط ما بقي منه أولى، وأحرى".
ومنها: إذا نكح أمة وقلنا: إن لها نصف ما للحرة من الثلاث أو السبع في حق الزفاف -فعتقت بعدما بات عندها ليلتين؛ فإنه لا يكمل لها ما للحرة -ذكره الرافعي في باب عشرة النساء.
ومنها: لو عتقت الأمة المطلقة في عدة الطلاق البائن، تكمل عدة أمة، لا عدة حرة- على الجديد الصحيح.
فائدة: "كل من وطيء أمة بغير ملك يمين -عالما بأنها أمة- فولده منها رقيق إلا في مسألة واحدة: وهي: العربي إذا تزوج أمة -على القول بأن العرب لا يسترقون.
فائدة: كل امرأة تدعي عنه زوجها، تسمع دعواها إلا الأمة إذا كان زوجها حرا؛ لأنها لو سمعت لبطل خوف العنت، فيبطل النكاح؛ فكان سماع الدعوى فيه مؤديا إلى سقوط النكاح المؤدي إلى سقوطها، فأثبتنا النكاح وأسقطنا الدعوى.
فائدة: كل امرأة علق زوجها طلاقها على صفة؛ فلها أن تحاكمه في وجود تلك الصفة ووقع الطلاق بها "إلا الصورة المتقدمة -وهي الأمة المزوجة بحر علق طلاقها على كونه عنينا؛ فليس لها أن تحاكمه؛ إذ لو حققت دعواها، خرجت من الزوجية؛ فلا يصح يمينه بطلاقها، ولا دعواها -ذكره الجرجاني في المعاياة والروياني في الفروق.
قاعدة: قال صاحب البيان: "كل موضع حكمنا فيه بالفرقة بين الزوجين؛ فذاك فسخ لا طلاق". وينتقض بما إذا توافق الزوجان على أن العاقد والشهود فسقة؛ فإن الفرقة تحصل بينهما، والأصح أنها فرقة طلاق.
قاعدة: "كل زوجة جمعها من زوجها -في الشرك- الإسلام، وهي بحيث يحل ابتداء نكاحها، أقرت، وإن كان بحيث لا يحل له ابتداؤه، لا تقر".
قاعدة: قال الغزالي "كل من بها عذر طبعي أو شرعي لا تستحق القسم" واستثنى الرتقاء، فلها عذر طبعي وهي تستحقه.
стр. 396
قاعدة: قال الأصحاب في باب الصداق: الزيادة المتصلة تتبع الأصل إلا في الصداق. ومعنى ذلك: أنه إذا ثبت الرجوع في عين فزيدت زيادة متصلة -كالسمن وتعلم القرآن والحرفة- لم تمنع تلك الزيادة الاستقلال بالرجوع، كما إذا أفلس المشتري بالثمن؛ فإن البائع يرجع في المبيع بزيادته المتصلة، وكذا الواهب في الموهوب والمشتري إذا رد المبيع بعيب، يرجع في العوض مع الزيادة المتصلة [ولا] ١ كذلك الصداق؛ فإن الزيادة المتصلة فيه تمنع استقلال الزوج بالرجوع حيث ثبت له الرجوع في نصف الصداق، ويثبت لها الخيار؛ فإن أبت تجبر، ويعدل الزوج إلى نصف القيمة من غير تلك الزيادة، وإن سمحت أجبر على القول على الصحيح؛ فصار الصداق مستثنى من قولهم: "إن الزيادة المتصلة تتبع الأصل".
قلت: ويستثنى أيضا -على وجه- الهبة المطلقة إذا قلنا: تقتضى الثواب فلم يثب، وكان للواهب الرجوع بدون الزيادة المنفصلة وكذا المتصلة -على وجه- فيبذل الموهوب له القيمة، ويمسك الموهوب، والأصح خلافه جريا على القاعدة.
ويستثنى أيضا -على ما ذكر الدارمي في الاستذكار -اللقطة بعد التملك، إذا جاء صاحبها وقد زادت زيادة غير متميزة؛ فإنه ذكر أن له الخيار بين إعطائها زائدة أو القيمة.
لكن هذا غريب، والمجزوم به -في كتب الرافعي والنووي وابن الرفعة والشيخ الإمام رحمهم الله تعالى- أن الزيادة المتصلة تتبع اللقطة.
قاعدة: "الوطء لا يخلو عن عقر أو عقوبة".
واستثنى الروياني في "الفروق" ثلاث مسائل:
إحداها: إذا زوج عبده [بأمة٢ بعد إذن وليه] ٣.
والثانية: إذا فرضت المرأة بضعها في دار الحرب ثم أسلما، فدخل بها وهما يعتقدان أن [لا] ٤ مهر.
والثالثة: المحجور بالسفه إذا تزوج بغير إذن وليه ووطئ٥؛ فلا شيء عليه بالوطء على الأصح، كما لو اشترى سلعة من عالم بحاله.
وفي القديم: لها مهر مثلها بعد فك الحجر عنه، جعله كالجناية.
стр. 397
قلت: [وقد] ١ قيد النووي -في فتاويه- المسألة بما إذا تزوج رشيدة، أما إذا تزوج سفيهة، قال: "فيجب" ولم أر هذا القيد في غير فتاويه، وقد أهمل الروياني مسائل:
منها: وطء النبي ﷺ فمن خصائصه عليه أفضل الصلاة والسلام أنه لا يجب عليه المهر -وإن كان العقد بلفظ الهبة.
ومنها: إذا أعتق المريض أمته -وهي ثلثه- وتزوج بها، ومات، وطالبت بالمهر؛ فيجب لها منه بسقط ما عتق، ويبطل النكاح بخروجها عن كونها الثلث؛ فإن الاعتبار بالثلث بعد وفاء الدين.
وإذا لم تخرج من الثلث [رق] ٢ بعضها، وحينئذ لا يصح تزويجها للحر فأما إذا أعتقت عن المهر، فيصح النكاح.
ومنها: إذا استرق الكافر مسلما وجعله صداق امرأته وأقبضها إياه ثم أسلما، فإن الحر ينتزع من قهرها، وجنح الرافعي -في بحثه إلى أنه لا يجب مهر [مثل] ٣.
ومنها: إذا وطئ المسلم حربية بشبهة؛ فلا عقوبة؛ إذ لا إثم ولا عقر.
ومنها: إذا وطئ ميتة بشبهة؛ فلا عقوبة للشبهة ولا مهر.
قاعدة: كل حيض يحرم الطلاق. ويستثنى مسائل:
منها: حيض الحامل -على القول- أنها تحيض وهو الأصح فإن طلاقها فيه لا يحرم، لعدم التأدية إلى طول العدة.
قال الرافعي: عن إسحاق "أنها كانت ترى الدم -وجعلناه حيضًا- فقال لها: أنت طالق للسنة، لا يقع عليها الطلاق حتى تطهر".
قال: وعلى هذا فللحامل حال بدعة كما للحائل.
قلت: [وإذا] ٤ تم هذا كان طلاق الحائض الحاصل بدعيا عند أبي إسحاق، وبه صرح صاحب المهذب وغيره من النقلة عن أبي إسحاق، وتبعهم في الروضة؛ فإن كان الحامل له تصريح صاحب المهذب فحسن -لكنه خروج عن نظم الرافعي- فإنه لم يصرح بهذا؛ وإنما قاله فيمن قال أنت طالق للسنة": "ولعل ذلك لأن لفظ السنة محمول -عند الإطلاق- على المتعارف في الشرع -وهو غير حائض- وحيض الحامل
стр. 398
صورة نادرة لا يشملها الإطلاق١، ولا يكون مراده منه؛ فلست٢ على ثقة٣ بأن٤ أبا إسحاق ﵀ يحرم الطلاق في حيض الحامل من هذا النظم الذي نظمه الرافعي؛ إنما يحمل لفظ السنة على ما وراء٥ الحيض.
وإذا عرفت هذا؛ فقول الرافعي: "حال بدعة" لا يتجه، إلا أن يكون٦ أبو إسحاق يحرم طلاق٧، الحامل، ولم ينقل عنه ما يقتضي ذلك، لما ذكرت.
ومنها: إذا قال: أنت طالق في آخر حيضك فالأصح أنه سني -مع وقوعه في الحيض".
فائدة: قال الرافعي -في [باب] ٨ القسم والنشوز -"اجتماع الحرة والأمة إنما يتصور بأن ينكح حرة على أمة"، وكذلك السبب الثاني في تجدد النكاح؛ حيث: قال لا يتصور إلا في العبد؛ فإن له أن يدخل الأمة على الحرة" وتبعه النووي.
والحصر غير مسلم، فالأصح الجواز فيمن تحته حرة لا تعفه -كالرتقاء [والقرناء] ٩.
قاعدة: من باب التعليق بالشروط -لا تختص بالطلاق؛ غير أن الطلاق أمس بذكرها، لكثرة التعليق فيه -الطلاق لا يقبل الإيقاع١٠ بالشرط وإن قبل الوقوع الشرط. أي التعليق على شرط.
وهو عكس البيع ونحوه -فإنه يقبل الإيقاع بالشرط، ولا يقبل التعليق على شرط- بدليل أنه لو قال: بعتك على أنه كذب صح، ولو قال: إن كان كاتبا فقد بعتكه فهو باطل -على ما جزم به ابن أبي الدم- وخرج فيه ابن الرفعة وجهين من الوجهين في "إن كانت المولودة لي بنتا فقد زوجتكها"، وهذه القاعدة أشار إليها الغزالي -في كتاب الخلع- حيث قال: "الطلاق لا يقبل الشرط قال ابن الرفعة": معناه -لا يقبل الشرط في الوقوع وإن قبله في الإيقاع- والفرق بينهما يتضح بالمثال؛ فإنه لو قال: أنت طالق بشرط أن لا تدخلي الدار أو على أن لا تدخلي الدار، وقع في الحال -وإن لم يوجد ذلك، ولو
стр. 399
قال: أنت طالق إن دخلت الدار لم تطلق حتى تدخل "انتهى".
والغزالي ﵀ توصل بذلك إلى قوله: "في قول الزوج: أنت طالق على أن لي عليك كذا -أنه يكون رجعيا" قال: "لأن الشرط في الطلاق- يلغو إذا لم يكن من قضاياه، كما إذا قال: أنت طالق على أن لا أتزوج بعدك؛ فإما ذهابه إلى كونه رجعيًا فالصحيح خلافه.
وأما معنى قوله: "الشرط في الطلاق يلغو" فما ذكرناه عن ابن الرفعة، والحاصل: أن الطلاق -بعد وقوفه- لا يقف على شرط؛ لأن وقوفه عن الوقوع مع وقوعه محال، وهذا بخلاف ما لو نجز الوكالة وعلق التصرف على شرط فهو توكيل صحيح، وهو إيقاع عقد بشرط؛ فمثل هذا لا يكون في الطلاق؛ فإن المرأة لا تكون مطلقة ثم يكون طلاقها الواقع واقعًا على شرط.
تنبيه: ما ذكرناه -من توجيه قول الغزالي: "الطلاق [لا يقبل] ١ الشرط في الإيقاع لكن في الوقوع والبيع عكسه" -وهو أقصى ما ذكر المفسرون لكلامه، ومنهم الوالد ﵀؛ غير أنه قال: "لا يلزم من هذا ما قصده الغزالي من جعل -طلقتك على أن لي عليك ألفا- رجعيا؛ فإنه إذا أوقع الطلاق [مع] ٢ هذا الشرط -لم يوقعه مطلقا، فلا يقع رجعيا؛ بل يقع كما أوقعه -على جهة المعاوضة- وهذه الصيغة صالحة لأن تستعمل في المعاوضة بخلاف ما إذا ذكرها شرطا مجردا -من غير معاوضة".
قلت: وهذا حق، ويدل على أنه لو قال: بعتك على أن تعطيني عشرة، صح البيع -كما صرح به الرافعي في الباب الثاني من كتاب الصداق- فنزل قوله: "على أن تعطيني" منزلة باء العوضية؛ فكذلك ينبغي أن ينزل هنا ذلك، وعبارة الغزالي -في باب الخلع أوائل الباب الثالث- "والطلاق لا يقبل الشرط" انتهى، وفي حواشيه- وأظنه من كلام ابن الصلاح الشرط على قسمين: شرط تعليقي، وشرط إلزامي، فالطلاق يقبل التعليق والعوض، ولا يقبل الشرط الإلزامي، بخلاف البيع؛ فإنه لا يقبل التعليق، ويقبل الشرط الإلزامي، كقوله: بعتك هذا العبد بشرط أنه كاتب". انتهى.
стр. 400
فائدة تتعلق بهذا:
قال شيخ الإسلام -عز الدين عبد عبد السلام- في مجموع له ما نصه: مسألة الأفعال على قسمين:
منها: ما يقبل الشرط والتعليق عليه كالصوم على رأي الإمام الشافعي ﵁؛ فإنه يقبل الشرط، بأن يشرع في الصوم ويقول: إن أبطلته بطل -والتعليق عليه- بأن يقول: إن فعلت كذا فعلي صوم. ومنها ما لا يقبل التعليق ويقبل الشرط وهو البيع فييع ويقول لي الخيار ثلاثًا ولا يقبل "إن جاء فلان فقد بعتك"؛ لأن هذا الشرط أثبته الله تعالى في أصل البيع فحصل باشتراطه.
والطلاق عكس هذا -يقبل التعليق ولا يقبل الشرط- كما لو قال أنت طالق على أن عليك ألفا؛ فإنه لا يلزمها شيء.
ومنها: ما لا يقبل الشرط ولا التعليق عليه.
أما الشرط: فإذا تزوجها على أن لا نفقة لها؛ فإن الشرط يسقط. وأما التعليق: فإن يقول: إذا جاء فلان فقد تزوجتك.
قاعدة: ذكرها ابن القاص في تليخصه، فتبعه عليها الشيخ أبو حامد في "الرونق" والمحاملي في "اللباب" والروياني في "الفروق"، والجرجاني في "المعاياة" وأكثر من صنف في هذا النوع كل من علق طلاقه بصفة، لم يقع طلاقه -ذاك المعلق- من غير وجود الصفة إلا في أربع مسائل:
إحداها: أن يقول -لحامل أو صغيرة أو آيسة أنت طالق للسنة أو للبدعة فيلزمه [من ساعته] ١ لأن لا سنة لهن ولا بدعة، قال ابن القاص: "هذا نص قوله" قلت: يعني حكم المسألة؛ إلا أن الشافعي ﵁ نص -هنا- على أن الطلاق معلق وأنه وقع بدون الصفة؛ فإن ذلك لم يتقدم أحد به ابن القاص فيما أحسب، وستعرف ما فيه.
فائدة: "كل رجعية يجوز رجعتها في عدتها" قال الجرجاني: "إلا واحدة، وهي رجعية وطئها المطلق في عدتها -وقد بقي عليها قرء واحد- فإنه يجب عليها استئناف العدة ثلاثة أقراء، ويجوز مراجعتها في القرء الأول، لأنه بقية عدة الطلاق، ولا يجوز مراجعتها في القرءين الأخيرين، لأنها عدة الوطء -بالشبهة- لا عدة الطلاق".
стр. 401
قلت: ولا يصح هذا الاستثناء؛ لأنها في القرءين الأخيرين غير رجعية، إذ قد حصلت البينونة بانقضاء القرء الثالث، ولكن تصوير "رجعية لا يجوز رجعتها في عدتها" بقي الرجعية الحامل من مطلقها، إذا وطئت بشبهة فإن الزوج ليس له رجعتها في مدة اجتماع الوطء بها -كذا قال الروياني فيما نقله الرافعي عنه- قال: "لأنها حينئذ خارجة عن عدة الأول، وفراش لغيره؛ فلا تصح الرجعة في تلك الحالة، واستدركه على إطلاق الأصحاب "أن للزوج رجعتها قبل الوضع".
قاعدة: "ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام"١.
وهذا رواه جابر الجعفي "حديثا" -وجابر ضعيف- عن الشعبي عن ابن مسعود، وهو منقطع -قاله البيهقي- والأمر كما قال: وعورض -أيضا- بما رواه ابن ماجة والدارقطني من حديث ابن عمر "لا يحرم الحرام الحلال".
وليس بمعارض؛ لأن المحكوم به -في الأول- إعطاء الحلال حكم الحرام تغايبا واحتياطا، ولا صيرورته -في نفسه- حراما، ومن ثم لو اشتبهت منكوحته بأجنبيات محظورات لم تحل، وإذا أكل الكلب المعلم من الصيد -في موضعه- فالصحيح يحرم، لحديث عدي بن حاتم٢، ورجح الجمهور التحريم فيما إذا أصاب صيدا وغاب ثم وجده ميتا -وليس فيه أثر غير سهمه ورجح النووي الحل.
وشذ عن القاعدة مسائل:
منها: إذا رمى سهما إلى طائر فجرحه ووقع ثم وجد ميتا؛ فإنه يحل.
ومنها: إذا كان الثوب منسوجًا من حرير وكتان وكانا على السواء؛ فإنه حلال في الأصح.
ومنها: إذا اختلط ملكه بملك غيره وعسر التمييز، كما إذا اختلطت حمامة واحدة
стр. 402
بحماماته؛ فله أن يأكل -بالاجتهاد- واحدة واحدة حتى تبقى واحدة كما لو اختلطت ثمرة الغير بثمره.
والذي حكاه الروياني "أنه ليس له أن يأكل واحدة منها حتى يصالح ذلك الغير أو يقاسمه" هذا لفظ الروضة، والذي أعتقده
أن اختلاط ثم الغير بثمره يطرقه الخلاف في الحمام.
قاعدة: "من جهل حرمة شيء مما يجب فيه الحد أو العقوبة، وفعله، لم يحد وإن علم الحرمة وجهل الحد والعقوبة، حد، أو عوقب"، ومن ثم وجب الحد على من شرب الخمر عالما بتحريمها جاهلًا وجوب الحد دون من شربها يظنها خلا أو يعرفها خمرا ولكن يحسبها حلالًا -إذا كان مثله ممن يجهل ذلك.
وظهر ضعف سؤال من قال: "كيف لا يخرج الشافعية -في وجوب القصاص في المثقل- وجهين، إقامة لخلاف أبي حنيفة "﵀" فيه مقام الشبهات الدارئة للحدود" كما أن لهم وجها أن وطء المرتهن الجارية المرهونة بإذن الراهن لا يوجب الحد -وإن علم التحريم- لما روي عن عطاء بن أبي رباح من تجويز إعارة الجواري والوطء بالإذن".
قال هذا السائل: "فاعتبار خلاف أبي حنيفة أولى من اعتبار خلاف عطاء".
وهذا سؤال: ساقط، يظهر ضعفه بتأمل لفظ القاعدة؛ فإن هذا الوجه -على ضعفه- إنما قال: "خلاف عطاء شبهة، لقوله "بالحل لا بالحرمة -مع سقوط الحد، وهو حق [وإليه أشار أبو سعد الهروي بقوله في غوامض الحكومات الصحيح من مذهبنا أن الشبهة العاملة في درء الحد، تنشأ عن قوة تقابل الأدلة، لا عن مجرد اختلاف أهل العلم" انتهى] ١.
وأبو حنيفة لم يقل بحل القتل بالمثقل، ولا يقول بذلك أحد؛ وإنما قال بسقوط القصاص، فكان القائل بالمثقل عالما بالحرمة جاهلا بالعقوبة؛ فلا ينفعه جهله بها، بخلاف الجاهل بالحرمة -من أصلها- ولو أثر الجهل بالحرمة حتى في الضمانات التي أصلها على أن لا يفرق الحال فيها بين العلم والجهل -فلم يؤثر التعزير فيها- مع العلم بالتحريم.
стр. 403
قال الأصحاب -في غاصب أمر غيره بإتلاف المغصوب أو إحراقه ونحوهما؛ ففعله جاهلا بأنه غاصب- "أن المذهب القطع باستقرار الضمان على المتلف وأنه لا يخرج على القولين في الأكل من الغاصب؛ لأن ما فعل هذا حرام، بخلاف الأكل، ولا أثر للتعزير مع التحريم".
وشذ عن القاعدة مسائل:
منها: إذا قتل من يعتقد عدم مكافأته، كحر يقتل عبدا، أو مسلم يقتل ذميا ثم تقوم البينة بأنه كان قد أعتق، أو أسلم؛ فلا قصاص عليه -على قول.
ومنها: وطئ جارية ظنها مشتركة بينه وبين غيره؛ فإذا هي غير مشتركة وقلنا بالصحيح -وهو أنه لا يجب الحد بوطء المشتركة- فهل يجب الحد هنا؟ تردد فيه الإمام، ورجح النووي وجوبه؛ لأنه علم التحريم فكان من حقه الامتناع.
ومنها: إذا وطأ الجارية مشتريها بشراء فاسد - لكون الثمن خمرا أو لاشتمال العقد على شرط فاسد- فلا حد؛ لاختلاف العلماء في حصول الملك بالبيع الفاسد؛ مع أنه لم يبح أحد الوطء فيه ومن ثم استشكل الإمام عدم الحد.
ومنها: لو باد أحد ابني المقتول وقتل الجاني بغير الإذن الآخر، قبل عفوه؛ فالأظهر لا يجب القصاص للشبهة، والأصح أن الشبهة كونه صاحب حق في المستوفي. وقيل: قول بعض علماء المدينة: "أن انفراد كل من الورثة جائز"، والقول الثاني: إنه يجب القصاص؛ فعلى هذا يقع الاستثناء، فإن بعض علماء المدينة قال: بالحل كما عرفت، ثم لم يعتبر خلافه.
ضابط مسائل الخلع:
فإن منها ما يقع الطلاق فيه بالمسمى.
ومنها: ما يقع بمهر المثل.
ومنها: ما يقع رجعيًا.
ومنها: ما لا يقع أصلًا.
قال الشيخ الإمام الوالد ﵀: "فالذي يقع الطلاق فيه بالمسمى أن يكون الصيغة والعوض صحيحين". والذي يقع بمهر المثل: أن تكون الصيغة صحيحة والفساد في العوض، والذي يقع رجعيًا: هو الذي يكون الفساد فيه من جهة الصيغة ويكون الطلاق فيه من جهة الزوج منجزًا.
стр. 404
والذي لا يقع: هو الذي يكون الطلاق فيه معلقًا ولم يوجد شرطه.
قاعدتان: عزاهما الرافعي -في كتاب الظهار- إلى الأئمة فذكر أنهم قالوا: "ما يقبل التعليق -من التصرفات- يصح إضافته إلى بعض محل التصرف" وأخصر من ذلك قول الغزالي في "الوجيز": "ما يقبل التعليق يكمل مبعضه قالوا: وما لا يقبله لا يصح إضافته إلى بعض المحل".
فمن مسائل القاعدة الأولى:
الطلاق والعتق:
ومنها: الحج فإن تعليقه بحاضر يصح؛ كقوله: أحرمت كإحرام زيد، وكذا بمستقبل بأن يقول: إذا أحرم فأنا محرم، أو إذا طلقت الشمس -على وجه مال الرافعي إلى ترجيحه؛ حيث قال: "وقياس تجويز تعليق أصل الإحرام بإحرام الغير، تجويزه"؛ ولكن نازعه الشيخ الإمام، وقال: قوله "أنا محرم كإحرام زيد لا تعليق فيه بحاضر ولا مستقبل، بل جازم بإحرام بصفة إنما التعليق بالحاضر أن يقول: إن كان محرما فقد أحرمت، وهو لا يصح".
قلت: وهو حسن، وبتمامه لا تدخل المسألة فيما نحن فيه، إذا لم يكن لنا حج معلق؛ غير أن الأصحاب يلقبون مسألة -الإحرام بإحرام زيد- مسألة تعليق الإحرام، وكأنهم يعنون أن المعلق خصوص الإحرام، لا عمومه فلذلك صح العموم، والذي نقله الشيخ الإمام ﵀ عمومه لا خصوصه؛ فلذلك قال: "لو كان تعليقا لما صح"، وبيان ذلك أن إذا قال: أحرمت بإحرام زيد؛ فهو كما قال الشيخ الإمام- جازم بأصل الإحرام لكنه -كما قال الأصحاب- معلق، لخصوص كونه بإحرام زيد، وهو كما فصل علي "كرم الله وجهه"، ولذلك يقول الأصحاب -فيما إذا لم يكن ذلك الغير محرما أنه ينعقد أصل الإحرام، وما ذاك إلا لأنه لا تعليق فيه، وبهذا صرح القاضي أبو الطيب، في "التعليقة"؛ حيث حكى وجهين فيما إذا علق الإحرام بطلوع الشمس ثم قال: "ويفارق قوله: إحراما كإحرام زيد؛ لأن أصل الإحرام انعقد في الحال؛ وإنما علق صفة على شرط يوجد في ثاني الحال، فلم يضره" انتهى.
وإذا تجلى لك ذلك علمت أنه لا إحرام معلق كما حاوله الشيخ الإمام، بل صفة فيه -كما قررناه- لكن كلام الرافعي صريح في تسميته تعليقا وسبقه جماعة -منهم
стр. 405
صاحب البحر؛ فسوى بين أنا محرم غدًا أو أحرمت كإحرام زيد، ثم قال صاحب البحر: "وعلى هذا قال أصحابنا: لو قال أحرمت يوما أو يومين، صح وانعقد مطلقا كالطلاق، ولو قال: أحرمت بنصف نسك انعقد كامل كما لو قال: أنت طالق بنصف طلقة".
ونقل النووي هذا في "شرح المهذب"، وقال: "إن فيه نظرًا، وأنه ينبغي ألا ينعقد؛ لأن الحج من باب العبادات، والنية الجازمة من شرطها، بخلاف الطلاق، لبنائه على الغلبة والسراية وقبول [الأخطار] ١ والتعليق". فإن قلت -معترضا على النووي- لو كان كما ادعيت من أنه لا بد فيه من نية جازمة، لما قبل التعليق، وقد قال الأصحاب: بأنه يقبله، وأنت من جملتهم إذا صححت قول المرء: "أحرمت كإحرام زيد"، وسميته تعليق الإحرام، وبذلك صرح صاحب التتمة؛ حيث قال: "إذا صح تعليقه بإحرام الغير صح تعليقه بالشرط كالإطلاق"٢.
قلت: لا مخلص عن هذا الاعتراض إلا بما قال الشيخ الإمام من أنه لا تعليق في قولنا: أحرمت كإحرام زيد وقضية هذا [أن] ٣ لا يصح قوله: أحرمت بنصف نسك- وإليه أشار النووي، وقول الروياني -إنه يصح- جاز على أصله من أن -أحرمت كإحرام زيد- تعليق، والقاعدة أن ما قبل التعليق بصح إضافته إلى بعض محله.
قال الأصحاب: ولا يستثنى من هذه القاعدة إلا مسألة واحدة، وهي: الإيلاء يقبل التعليق -مع كونه لا يصح إضافته إلى بعض ذلك المحل إلا الفرج٤.
قال القاضي شرف الدين البارزي٥: والوصية يصح تعليقها ولا يصح أن تضاف إلى المحل.
قلت: وثالثة: وهي التدبير يصح تعليقه؛ بل لا يكون إلا كذلك، ولو قال: دبرت يدك أو رجلك لم يصح -على أحد الوجهين.
وأما القاعدة الثانية: وهي أن ما لا يقبل التعليق لا تصح إضافته إلى بعض ذلك المحل كالنكاح والرجعة؛ فيستثنى منها مسائل:
منها: الكفالة لا يصح تعليقها ويصح إضافتها إلى بعض المحل على الأصح فيهما [وينعكس على وجه] ٦ فيما لو اتحد العامل.
стр. 406
ومنها: القذف لا يعلق؛ فلو قال: [إذا١] دخلت الدار فأنت زان لم يكن قاذفا، ولو قال: زنا قبلك أو دبرك كان قاذفا.
ومنها: تعليق الفسخ غير جائز -ذكروه في نكاح المشرك، ولو اشترى عبدين فوجد بأحدهما عيبا وقلنا: لا يفرد المعيب بالرد فرده كان ردا لهما على أحد الوجهين.
ومنها: لا يصح تعليق الرجوع، في التدبير -إن قلنا: يرجع القول كما جزم به الرافعي، ولو قال: أرجعت في رأسك ففي كونه رجوعًا في جميعه وجهان في الحاوي.
قاعدة: قال القفال ﵀: كل كفارة سببها معصية؛ فهي على الفور وهذا وإن أطلقه القفال إطلاقا -ففيه خلاف سيحكيه هو نفسه؛ فإنا سنحكي عنه وجهين:
نقول: إنهما جاريان في كل كفارة وجبت بعدوان، بل ليس هو جاريا على الصحيح، في كل الصور؛ إذ صريح كلام الرافعي -في موضع من الظهار أن كفارة الظهار على التراخي والظهار معصية.
وقد يدفع هذا بأن السبب هو العود أو مجموعهما -على الخلاف في ذلك والعود ليس بحرام غير أن هذا إن اعتذر به عن كفارة الظهار، فما الاعتذار عن بقية الكفارات؟
وظاهر كلام الرافعي أن الكل على التراخي؛ إذ قال في الموسر لا يجد الرقبة: "ليس له العدول إلى الصوم في كفارة القتل واليمين والجماع في نهار رمضان، بل يصبر" قال: "لأن الكفارة على التراخي" قال "وفي كفارة الظهار وجهان: لتضرره بفوات الاستمتاع" وللشيخ الإمام الوالد ﵀ بحث نفيس ذكره في تفسير سورة٢ المجادلة عند ذكر هذه القاعدة.
ومن فروع القاعدة ما قرره الرافعي في كتاب الصداق من أنه "لا يجوز لولي الصبي أن يعتق عن من ماله في كفارة القتل"؛ فإن ذلك قد يوجه بأنه لا معصية من الصبي، فلا فورية؛ فلا يعتق الولي، ويؤيده قول الرافعي -أيضا- في الحج فيما إذا وجبت الفدية على الصبي، أنه ليس للولي أن يكفر عنه بالمال؛ لأنه غير متعين -على القول بجواز افتدائه بالصوم- لكن الذي صرح به القاضي الحسين في [كتاب] ٣ الوصية والبندنيجي في الأيمان، واقتضته عبارة الإمام واقتصر عليه الرافعي والنووي في
стр. 407
باب كفارة القتل أن الولي يعتق عنهما وبذلك يحصل في جواز تكفير الولي من [مال] ١ الصبي بالعتق خلاف، قال ابن الرفعة: "قد يجري في المجنون، وقد يقال: لا؛ بل يقطع بالجواز إذا كان جنونه مطبقا؛ لأنه ليس له غاية تنتظر بخلاف الصبي "قال": والأشبه إن كان القتل منها في صورة الخطأ منع الإخراج في الحال، لعدم الفورية، وإن كان في صورة العمد -وقلنا أنه كان لخطأ- فكذلك، وإن قلنا: كالعمد فيخرج منه خلاف على أن ذلك يجب على الفور أم لا؟ كما هو مذكور في كتاب الحج".
قلت: حاصل كلام ابن الرفعة أنه إذا كانت الكفارة على التراخي تمنع الولي من الكفارة في العتق، وهذا فيه نظر [إذ] ٢ لا يلزم من عدمه الفورية وجوب التأخير؛ بل المبادرة -حينئذ- قد يقال: أنها أولى كما في كل واجب على التراخي، وكما يجوز له أن يوفي دينه، وإن لم يطالب صاحب الدين بالوفاء، وقلنا: والحالة هذه -أنه لا يجب إلا بالطلب طلبا لبراءة ذمته؛ فالذي أراه جواز إعتاق الولي من مال الصبي في الحال -وإن كان في صورة الخطأ.
ومنها: لو أفسد الحج ووجب القضاء؛ فالأصح أنه على الفور، قال القفال: "والوجهان جاريان في كل كفارة وجبت بعدوان" قال: والكفارة بلا عدوان على التراخي قطعا....
قاعدة: "لا يجوز للمسلم أن يدفع مالا إلى الكفار المحاربين".
قال الشيخ أبو حامد: "إلا في ثلاث صور".
قلت: وهي أكثر.
منها٣: إذا أحاط العدو بالمسلمين، وفيهم ضعف عن مقاومتهم.
ومنها: إذا كان في يد الكفار أسرى من المسلمين؛ فيجوز افتداؤهم منهم بالمال، قال الروياني: وفي وجوبه وجهان: أصلهما المضطر إلى الميتة. هل يجوز له الأكل، أو يجب؟
قلت: إن كان محل الوجهين في الآحاد فهو غريب، والمجزوم به -في الرافعي والروضة وغيرهما- أن فداء الأسير مستحب، وإن كان الإمام فأغرب وأغرب بل الوجه الجزم بالوجوب، والتخريج على أكل الميتة ضعيف؛ فإن فوات نفس المضطر -
стр. 408
على الإيمان -أسهل في نظر الشرع من بقاء المؤمن تحت ذل الأسر في أيدي الكفار؛ ولا سيما من يخشى عليه فتنة الدين.
ومنها: لو قال الأسير للكافر: أطلقني على كذا ففعل، أو قال الكافر افتد نفسك بكذا ففعل، لزمه ما التزم.
ومنها: إذا جاءت امرأة -من الكفار- مسلمة في زمن الهدنة وكانت مزوجة فيهم؛ فإن الإمام يغرم مهرها -على قول ضعيف- والصحيح خلافه.
ومنها: مسألة العلج١؛ فإن قال كافر للإمام: أدلك على قلعة كذا على أن تعطيني منها كذا؛ فعاقده على ذلك جاز.
قاعدة: ذكرها القاضي الحسين، وتبعه كثير من الخراسانيين منهم الغزالي في كتاب الكفارات، والرافعي في باب الردة ما يصير المسلم به كافرا إذا جحده -يصير الكافر به مسلما إذا اعتقده.
قال القاضي: "إلا في مسألة وهي: اليهودي إذا قال: عيسى رسول الله ﷺ [فإنا لا نحكم] ٢ بإسلامه؛ لأن قومًا من الكفار -وهم النصارى- يقولون به، والمسلم إذا جحد نبوة عيسى، كفر.
قلت: وفي مسألة اليهودي قول أنه إذا أقر برسالة عيسى ﵇ يجبر على الإسلام؛ لأن المسلم لو جحد رسالته كفر -حكاه الرافعي عن نقل البغوي، وقد جزم البغوي -قبله- بأن اليهودي لا يحكم بإسلامه -وإن قال: لا إله إلا الله- حتى يقر بأن محمدا رسول الله، ونقله عنه الرافعي.
واعلم أن قول النصراني -الذي يعتقد أن رسالة نبينا ﷺ خاصة: محمد رسول الله كقول اليهودي: لا إله إلا الله.
فائدة: من ملك العفو عن القصاص في النفس، ملك العفو عن المال إلا أن يثبت القصاص دون المال؛ وذلك في مسائل، ولك أن تقول: لا يثبت قصاص يمتنع الانتقال عنه إلى المال إلا في مسائل حصرها الجرجاني في أربع [مسائل] ٣.
منها: إذا قطع يدي رجل فاقتص منه فيهما ثم سرى القطع إلى النفس؛ فليس له بعد ذلك إلا القتل، ولا دية له.
стр. 409
ومنها: إذا كان لرجل عبدان فقتل أحدهما الآخر، فللسيد أن يقتله، وليس له العفو على مال؛ إذ لا يثبت له عليه [مال] ١ إلا في الكتابة.
ومنها: قطع يهودي يدي مسلم فاقتص منه فيهما ثم سرت إلى نفس المسلم؛ فلوليه أن يقتص من اليهودي، وليس له أن يعفو على مال -على الأصح- لأنه قد أخذ يدي اليهودي بإزاء يديه؛ فلم يبق له شيء من الدية وكالمسألة الأولى وفي الوجه الآخر له ثلثا الدية؛ لأنه يثبت له دية المسلم، وقد أخذ يدي يهودي، فقيمتهما ثلث الدية، قيبقى الثلثان.
قلت: هذا الوجه هو الذي صححه الرافعي والنووي.
ومنها: أن تقطع امرأة يدي رجل فيقتص منها فيهما ثم يسري القطع إلى نفسه، فلوليه أن يقتص منها، وليس له أن يعفو على مال في الأصح عند الجرجاني "وصحح الرافعي والنووي أن له نصف الدية".
هذا ما استثناه الجرجاني ولا يخفى أنه في الصورة الأولى يثبت له أن يعفو على الدية؛ ولكنه اختار القصاص، فسقطت الدية، ولم يعد لما صارت الجناية نفسًا. ويمكن أن يصور٢ قصاص ثبت ولا دية معه بالكلية فيما إذا قطع يدي شخص ثم حز رقبته؛ فحز الرقبة موجب القصاص دون الدية؛ لأنها ثبتت بقطع اليدين، فلما صارت الجنابة نفسا سقطت.
ثم اعلم أن وراء ما ذكر الجرجاني صورًا.
منها: إذا قتل المرتد مرتدًا فإن القصاص واجب -على الأصح- وفي الدية وجهان: أرجحهما -على ما اقتضاه إيراد الرافعي عدم الوجوب.
ومنها: إذا قتل ذمي مرتدا؛ فالأظهر القصاص وعلى القول بوجوبه فلا دية على الأصح.
ومنها: العبد المرهون إذا جنى على طرف سيده، فلسيده القصاص، والصحيح أنه ليس له العفو على مال؛ لأن السيد لا يثبت له على عبده مال، وقال ابن سريج: "له العفو على المال ويتوصل به إلى فك الرهن".
وهنا سؤال حسن نتوصل إلى ذكره بذكر مسألة ترشد إليه فتقول: إذا باع أحد
стр. 410
الشركاء نصيبه من العقار لأحدهم -كما إذا كان العقار بين ثلاثة أنفس أثلاث- فباع أحدهم نصيبه من أحد شريكيه فللآخر أخذ السدس فقط كما لو كان المشترى أجنبيًا هذا هو الصحيح، وقال ابن سريج: "له أخذ جميع الثلث، لأنا لو جعلنا للمشتري أن يأخذ بالشفعة كان١ له أن يأخذ من نفسه ملك نفسه.
فإن قلت: كيف قال الأصحاب -هنا- بأن له أن يأخذ من نفسه وقالوا في الرهن: لا يثبت له دين على عبده، وكيف عكس ابن سريج؟ قلت: لم يقل الأصحاب -هنا- "إن له أن يأخذ من نفسه"؛ وإنما له دفع الشريك عن الأخذ عن نفسه؛ لأن الشفعة إنما ثبتت لدفع الضرر، ولو أخذه الشريك لتضرر، ودفعه الضرر عن نفسه فالأخذ ممكن وهناك يلزم ثبوت المال له على ملكه، وهو مستحيل، وابن سريج عكس، وهو على طريقه واضح لأنه يقول -في الشفعة: أنه يلزم منه أن يأخذ من نفسه -[على] ٢ [تصويره] ٣ هو فلذلك منع وأما في الجناية؛ فلأنه لو لم يثبت له ذلك الأذى إلى حصول المحذور وهو فوات حق الجناية بالكلية، ويقدم المرتهن.
قاعدة: قال الإمام في كتاب الصداق في الكلام على التفويض "ومن الأقيسة الجلية الكلية في قواعد الشرع أن من تملك إسقاط العوض بعد ثبوته له، إذا سقط على إتلاف المعوض كان تسليطه عليه متضمنا إسقاط العوض".
ولذلك نقول: إذا قال مالك العبد لإنسان: اقتله، فقتله، لم يلزم القاتل للمالك -الآذن- عوضًا، وكذلك إذا قال للجاني اقطع يدي، فإذا قطعها، لم يلزم عوضًا.
ذكرها توجيها لقول القاضي: إن المفوضة إذا قالت لزوجها: طأني ولا مهر عليك، أنه لا يمتنع أن نقول: إذا وطئها لا يجب المهر "قال: وخرج القاضي -هذا- على قول الشافعي فيما إذا قال [الراهن للمرتهن] ٤ أذنت لك في جماع هذه الجارية المرهونة، فواقعها ظانا الحل، فلا مهر".
قلت: وليقع النظر -هنا- في مسائل.
منها: ذهب الإمام فيما إذا خفر الغاصب بئرًا ومنعه المالك من طمها أن منعه ليس رضا بها، وخالفه المتولي. وهي قضية هذه القاعدة.
стр. 411
ومنها: لو أذن أحد الشريكين للآخر في وطء الجارية المشتركة، لم يمتنع المهر- مع أنه سلطه على إتلاف المعوض.
قلت: هذه تستثنى من القاعدة -مع ما فيها من أن المأذون فيه ليس محض حق الإذن.
قاعدة:
"الاعتبار في تصرفات الكفار باعتقادنا لا باعتقادهم".
خلافا لمالك ﵀ وبعض أصحابنا -كما تدل عليه فروعهم، وجزم الوالد ﵀ في كتاب كشف الغمة بالأول، وقال: [لا] ١ يثبت لنا قط في مسألة من المسائل -أن اعتقادهم يؤثر في حل ولا حرمة ولا ملك ولا عدم ملك "قال": وقد نص الشافعي والأصحاب [﵃] ٢- على الكتابي لو ذبح حيوانًا يرى تحريمه -كالإبل- ونحن نرى حله، جاز لنا أكله؛ خلافا لمالك: "قال": وهذا مما يدل على أنه لا اعتبار باعتقاده أصلا قال: وتردد العلماء في أن ذلك يكون حراما عليهم -لا بشرعهم- بل يكونهم لم يؤمنوا، أو لا يكون [حراما] ٣ عليهم؛ لأنه قد نسخ قال: وكلام الشافعي [﵁] ٤ يقتضي الثاني، وأطال الشيخ الإمام في تقرير القاعدة. وعلى القاعدة يتخرج مسائل:
منها: إذا أتانا الذمي بما نتيقن أنه من ثمن خمر عن الجزية، قال مالك ﵀: يؤخذ، وقال أصحابنا: لا يؤخذ، وحكوا وجهين فيما إذا كان لمسلم على ذمي دين؛ فباع الذمي خمرا بحضرته، وقبض ثمنها ودفعه إلى المسلم عن دينه، هل يجبر على قبوله؟ أصحهما عند المشايخ الثلاثة -الرافعي والنووي والوالد "﵏" -أنه لا يجبر؛ بل لا يجوز له القبول، [قال الوالد ﵀ ورأيته منصوصًا في "الأم"] ٥ قال: وقطع به الغزالي وجعل محل الوجهين إذا قال: إنها من ثمن خمر؛ لأنه قد يكذب "قال الشيخ الإمام والصواب إثبات الوجهين"، ثم جعل الشيخ الإمام الوجهين خلافًا في أنه هل تملك تلك الدراهم، وقال: "الأصح أن ثمن خمر لا يملك ولا يجوز قبوله، وينبغي إجراء الوجهين في الذمي يحضر ثمن الخمر عن الجزية".
ومنها: إذا ذبح الكافر حيوانا وفتش كبده [فوجده] ٦ ممنوا، أي ملصوق الكبد
стр. 412
بالأضلاع. قال مالك: يحرم لكونه حراما عندهم، وقال أصحابنا: لا يحرم.
ومنها: لو غصب ذمي ذمية واتخذها زوجة -وهم يعتقدون غصبها نكاحًا- لم يقر؛ لأن على الإمام دفع قهر بعضهم بعضا، بخلاف الحربي والمستأمن، فإن الصحيح التقرير؛ إذ ليس فيه إلا إقامة الفعل مقام القول، بأشبه سائر وجوه الفساد.
وقال القفال: "لا يقر؛ إذ لا عقد" وقول القفال -هذا- أقرب إلى هذه القاعدة.
ومنها: لا فرق عندنا -في حل ذبائح أهل الكتاب- بين ما اعتقدوا إباحته كالبقر والغنم أو تحريمه كالإبل، خلافًا لمالك ﵀.
وقد قدمنا للمسألة ولا بين من يعتقد من اليهود أن عزيرًا ابن الله ومن النصارى أن المسيح ابن الله أو لا كما قال الأكثرون من أصحابنا فيما نقل الماوردي، وحكى وجهًا آخر -أنه لا تحل ذبائحهم قال: "وهو الأظهر عندي، وبه أقول؛ لأن هؤلاء كالمرتدين فيما بين اليهود والنصارى وليس هذا من أصل دينهم الحق".
ويستثنى من القاعدة مسائل:
منها: نكح مشركة مفوضة، وهم يعتقدون أن لا مهر للمفوضة بحال ثم أسلما فلا مهر -وإن كان إسلامها قبل الدخول؛ لأنه استحق وطا بلا مهر.
قاعدة:
المماثلة في القصاص مرعية بمعنى أن من قتل بفعل من الأفعال؛ فولي الدم بالخيار بين أن يستوفي بالسيف أو بمثل فعله وهذه قاعدة بالغ أصحابنا في المحافظة عليها؛ بحيث انتهوا إلى أن قالوا إنا إذا قلنا يستوفي القصاص في الجائفة؛ فلو قال أجيفة ثم أعفو عنه إن لم يمت لم يمكن؛ وإنما يمكن إذا قال أجفته ثم أحز رقبته، وهذا مشهور في المذهب رأيت الشافعي ﵁ عليه في الأم ففيها قبل ولاة القصاص ما نصه قال الشافعي: ﵁، ولوكانت المسألة بحالها فجرحه جائفة مع قطع يديه ورجليه؛ فمات فقال ورثته فجرحه جائفة ولا نقتله لم يتركوا؛ وذلك أنهم إنما يتركون إذا قالوا نقتله بما يقاد منه في [الجناية] ١. أما ما لا يقاد فلا يتركون وإياه انتهى.
وكذلك هو في مختصر المزني قال الشافعي ﵁: ولو أجافه أو قطع ذراعه فمات كان لوليه أن يفعل مثل ذلك على أن يقتله. وأما على أن لا يقتله فلا يترك وإياه انتهى وأنت إذا وقفت
стр. 413
على هذين النصين وتصفحت كتب الأصحاب وتعاليق المشايخ، ثم رأيت الرافعي قد اقتصر على عزو المسألة إلى تهذيب البغوي قضيت العجب من ذلك.
وإذا عرفت هذا فيستثنى من القاعدة مسائل ضابطها أن تؤدي المماثلة إلى محذور شرعي.
منها: القتل باللواط الأصح يستوفي بالسيف لا بخشبة [تشبه] ١ الذكر.
ومنها: الخمر كذلك.
ومنها: السحر.
ومنها: البول.
ومنها: إذا قتله بسيف مسموم بقيت ويمنع من الغسل والدفن؛ ففي القصاص بمثله احتمال وجهين للماوردي.
ومنها: إذا شهد أربعة على محصن بالزنا فرجم، ثم رجعوا أو واحد منهم؛ فهل يرجم الراجع أو يتعين السيف أو رجمه فيه وجهان؛ حكاهما القاضي الحسين في باب حد الزنا.
ومنها: إذا ذبح كالبهائم فهل يفعل به مثل ذلك ذكرت في كتابي التوشيخ أن الماوردي في الحاوي وغيره اقتضى إطلاقهم عدم ذلك لما فيه من هتك الحرمة، وأنه محمول [عندي] ٢ على ما إذا لم يكن الجاني قد فعل ذلك. أما إذا فعله فالمماثلة جائزة، وأقول الآن يحتمل تخريج وجهين في ذلك فيما إذا قتله بمسموم ويمنع من الغسل والدفن لمعارضة حق الله تعالى؛ فإن هتك الحرمة حق الله وقد نهى الشرع عن المثلة لذلك.
قاعدة:
من لا مدخل له في الجناية لا [مطالب] ٣ بجناية جانيها إلا في فرعين لا أحفظ لهما ثالثًا.
أحدهما: العاقلة في ضمان الدية؛ غير أن الدعوى بالدية الواجبة عليهم تكون على الجاني لا عليهم ثم هم مطالبون بعد ثبوتها على الجاني كذا رأيته مصرحًا به في كتاب أدب القضاء لابن القاص في باب صفة اليمين على البت وهو مقتضى قول الرافعي في أثناء النظر الثاني في القسامة من باب دعوى الدم؛ حيث قال: وإذا أقسم السيد فإن كانت الدعوى على حر أخذ الدية من ماله في الحال إن ادعى العمد المحض وإن ادعى الخطأ
стр. 414
أو شبه العمد أخذها من عاقتله في ثلاث سنين. انتهى.
فجعل الدعوى على الجاني والمطالبة مختلفة؛ فإن قلت: قد قال الرافعي بعد ذلك بنحو ورقتين مطلق القتل لا يفيد مطالبة القاتل؛ بل لا بد من ثبوت العمدية ولا مطالبة العاقلة بل لا بد من ثبوت كونه خطأ أو شبه عمد.
قلت: كلامه هذا في المطالبة بالواجب ليستوفي منه وهناك في المدعى عليه ويشبه أن يخرج مسألة الدعوى على أن الدية تجب على الجاني ابتداء ثم تحملها العاقلة أوعلى العاقلة ابتداء وفي ذلك وجهان.
قال الرافعي: ويقال قولان.
قلت: وإنما جعلهما الرافعي وجهين لما حكاه عن الإمام من قوله ليس تردد القول مأخوذًا من نص صاحب المذهب؛ ولكنه مستقي من تصاريف كلامه في التفريعات، قال الإمام في النهاية ونظيره كثير؛ فإن النقل تارة لفظا وتارة من جهة المعنى والاستنباط انتهى.
وقال ابن الرفعة: بل هما منصوصان في الأم ثم قال الإمام، وقد قدمنا مثل هذا التردد في زكاة الفطر إذا أداها الغير عن الغير وأشرنا إلى قريب منه في كفارة الوقاع في نهار رمضان تفريعًا على أجد القولين.
قلت: وفي تفاريع حلق الحلال رأس المحرم تردد في مثل ذلك الفرع الثاني على قول هو الحلال أو الحرام يحلق رأس المحرم والمحلوق نائم أو مغمي عليه أو مكره؛ فأصح القولين أن الفدية على الحالق والثاني على المحلوق؛ لأنه المرتفق به وعلى هذا فقد طولب بجناية ما لا مدخل له فيها.
أما الصبي المحرم بإذن الولي إذا قتل صيدا فإن الضمان على الولي في الأصح؛ ولكن ذلك لأن الولي مدخلا حيث أذن ولو صح إيراد هذه الصورة لكان أولى منها السيد بأمره عبده [الأعجمي] ١ بقتل شخص والعبد يجني في يد سيده حيث يطالب سيده
стр. 415
بأحد الأمرين من الفداء أو تسليمه في الجناية والمكره يكره إنسانًا على القتل ومسائل المتسبب مع المباشر كلها.
قاعدة:
قال الجرجاني كل قتل مضمون بأخذ ديته مضمون بالكفارة وكل قتل غير مضمون لا [يؤخذ] ١.
قاعدة:
ذكرها الرافعي في الجراح في مسألة المبادرة، وفي باب حد الزنا أيضا:
كل جهة صححها بعض العلماء وحكم بحل الوطء بها؛ فالظاهر أنه لا حد على الواطيء بتلك الجهة، وإن كان لا يعتقد الحل.
وهذه القاعدة ذكرها الإمام أيضا في النهاية في فصل جمع فيه تفاصيل المذهب في الشبهات المؤثرة في دفع الحدود؛ فقال ما نصه: القاعدة المعتمدة في المذهب أن كل جهة صار إلى تصحيحها والحكم بإفضائها إلى الإباحة صائر من أئمة الشريعة؛ فإذا حصل الوطء بها فالمذهب انتفاء الحد وإن كان المقدم عليها لا يرى استحلال الوطء بتلك الجهة انتهى.
وقد أورد الرافعي في باب الزنا أن المذهب وجوب الحد على المرتهن إذا وطئ الجارية المرهونة بإذن الراهن [وقد] ٢ يعتقد التحريم والمحكي عن عطاء في هذه الصورة الإباحة.
قال الرافعي فقياس هذه القاعدة أن يجعل خلافه شبهة دارئة للحد [وكأنهم يصححوا] ٣ النقل عنه، وإن قيل انعقد الإجماع بعده؛ فهذا قد ذكر مثله في نكاح المتعة فيلزم أن يحكم بوجوب الحد انتهى ملخصًا.
وقد ذكر ابن الرفعة في الكفاية والشيخ الإمام في باب الرهن من شرح المهذب أن النقل لم يصرح عن عطاء زاد الشيخ الإمام، ولو صح فليس بشبهة لضعفه، قال: والحد لا يدرأ بالمذهب؛ وإنما يدرأ بما يتمسك به أهل المذاهب من الأدلة وليس لعطاء متمسك انتهى.
قلت: وهو حق وإن كان ظاهره يخدش في القاعدة؛ إذ يقال ليس كل جهة حللها بعض العلماء بشبهة بل كل جهة كان لمستند القائل بحلها بعض القوة، وهذا هو
стр. 416
الصواب فالمأخذ الضعيف لا يلتفت إليه، وقد سبق الإمام ﵀ في النهاية الشيخ الإمام إلى هذا؛ فقال بعد أن ذكر ما نقلناه عنه في هذه القاعدة وبعد أن حكى قولًا للشافعي أن الوطء في المتعة ممن لا يستحله يوجب الحد.
وقال: إنه قريب من [القديم] ١ في الأملاك المقترنة بالأساليب المحرمة ما نصه والتثريب عندنا أن كل عقد ليس فساده من المظنونات، وإن عزي إلى بعض الأئمة؛ فيجري هذا القول فيه ونكاح المتعة منه؛ فإن الذي استمر عليه مذاهب علماء الأمة أن نكاح المتعة أبيح، ثم نسخ، وقد قيل رجع ابن عباس عما ينسب إليه من إباحته وكل عقد لا يمكن القطع بفساده ويلحق الكلام فيه بالمظنونات؛ فهو شبهة لدرء الحد كمذهب أبي حنيفة في نكاح بلا ولي، ومذهب مالك في انعقاده بغير شهود ولا يجري القول الذي ذكرناه في هذا الصنف انتهى.
وحاصله أن المخالف في أمر مظنون يعتبر مخالفته والمخالف في أمر مقطوع أو مقارب للقطع لا يعتبر خلافه، وينبغي أن يكون الضابط ما ينقض فيه قضاء القاضي؛ فكل ما لا ينقض يكون عذرًا، وكل ما ينقض لا يكون عذرًا، وأما قول الرافعي إنه قيل: انعفد الإجماع بعد عطاء؛ فقد قيل مثله في نكاح المتعة بن ابن عباس؛ فأنى يستويان وعطاء لم يثبت النقل عنه وابن عباس ثبت عنه؛ ولكن قيل رجع والأصل عدم رجوعه فاعتبار خلافه مستمر على الأصل.
وأما عطاء فالأخذ بقوله أخذ بما لم يثبت، ودل الاتفاق بعده على عدمه فتأمل ذلك، فيه يندفع كلام الرافعي، وأيضًا فمتمسك ابن عباس على الجملة أقوى من متمسك عطاء أو أقل ضعفًا؛ فلا يلزم من عدم اعتبار الأضعف عدم اعتبار الضعيف، وهذا مستمد من قول الشيخ الإمام الحد لا يدرأ بالمذاهب إلى آخره. ومن مسائل القاعدة.
إذا نكح مجوسية أو وثنية قال البغوي: وجب الحد، وقال الروياني في جمع الجوامع: [ومودع البدائع] ٢ لا حد فإن في نكاحها خلاف.
قال الرافعي: وهذا هو القياس إذا تحقق الخلاف قال ابن الرفعة: وكأنه فهم أن ما أشار إليه الروياني من الخلاف بين الأئمة لا بين أصحابنا، وليس الأمر كذلك؛ لأن بعض أصحابنا جوز نكاح المجوسية.
стр. 417
قلت: ما أدري من أين له أن الرافعي فهم أن الخلاف بين الأئمة [لا بين أصحابنا] ١، وليس في الكلام ما يرشد إليه، وكأن ابن الرفعة استبعد أن يكون الرافعي فهم أن الخلاف بين أصحابنا، ثم يقال معه بوجوب الحد؛ فإن الخلاف المذهبي أقوى من الخلاف غير المذهبي، وهذا غير لازم؛ بل قد يكون خلاف مذهبي في غاية السقوط والأقوال الشاذة، قد تكون في المذهب كما قد تكون خارجة، وممن ذهب إلى أن للحاكم أن يزوج الحرة المجوسية من أصحابنا القدماء الإمام أبو بكر الفارسي صاحب عيون المسائل؛ نقله أو عاصم العبادي في الطبقات.
قاعدة:
من أتى معصية لا حد فيها ولا كفارة عزر، كذا قال صاحب التنبيه وتبعه الرافعي والنووي وغيرهما، ولم يشترط الماوردي والغزالي ابتغاء الكفارة وتبعهما صاحب التعجيز.
وقد اشتملت هذه القاعدة على ثلاث دعاوى؛ إحداها تعزير ذي المعصية التي لا حد فيها ولا كفارة، ويستثنى من ذلك مسائل:
منها: ما لا يفيد فيه إلا الضرب المبرح على ما حكاه الإمام عن المحققين؛ قال: لأن الضرب بالمبرح مهلك فلا سبيل إليه وغيره لا يفيد؛ فلا يفعل وجرى في الروضة على هذا، وحذف بحثا للرافعي صحيحًا أرى أنه عمدة المذهب، وهو أنه يشبه أن يضرب ضربًا غير مبرح إقامة لضرورة الواجب وإن لم يفد.
قلت: ويشابه قول المحققين ما نقله الرافعي عن الإمام فيمن قتل نحيفًا بضربات تقتل مثله غالبًا وتيقنًا أو ظنا ظنًا مؤكدًا أن الجاني في جسمه وقوته لا يهلك بتلك الضربات أن الوجه القطع بأنه لا يضرب تلك الضربات؛ لأنها لا تقتله وإنما يراعي المماثلة إذا توقعنا حصول الاقتصاص بذلك الطريق فيعدل إلى السيف هنا ابتداء، وكذلك يشابهه ما قال صاحب التتمة من أن موضع الخلاف في أنا هل ابتداء استعمال خشبة فيمن قتل باللواط فيما إذا كان موته متوقعًا من المقابلة بمثل ما فعل. أما إذا لم نتوقع وكان موت المجني عليه لطفولية ونحوها فلا معنى للمقابلة.
ومنها: قال شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام: إن الأولياء لا يعزرون على الصغائر بل تقال عثراتهم وتستر زلاتهم.
стр. 418
ومنها: وهو يشهد لما قاله ابن عبد السلام ما رأيته في الشامل لابن الصباغ في باب جامع السير فيما إذا كتب بعض المسلمين إلى المشركين بخبر الإمام أن الشافعي ﵁، قال: إن كان فاعل هذا من ذوي الهيئات عذر ولم يعزر لحديث حاطب بن أبي بلتعة.
منها: حكى ابن الرفعة وجهًا أن قاذف ولده لا يعزر.
ومنها: من وطئ امرأته في دبرها؛ فإنه لا يعزر في أول مرة؛ فإن عاد عزر نص عليه الشافعي ﵁ وذكره صاحب التهذيب والروياني.
ومنها: قال القاضي أبو حامد المروزي فيمن دخل من أهل القوة الحمى الذي حماه الإمام؛ فرعى ما شيته أنه لا يعزر مع كونه عاصيًا.
ومنها: على وجه إذا وطئ السيد المكاتبة لا يعزر وإن علم التحريم.
ومنها: ما أطلقوا أن الزكاة يجب دفعها إلى الإمام الجائر بعد طلبه بلا خلاف، وإنه إذا غلها من الجائر لم يعزر؛
فيجمع من الإطلاقين أنه يعزر على هذه المعصية؛ لكن الوالد ﵀ يقول: إن أوجبنا الدفع بعد الطلب فغلها ينبغي أن يعزر.
الدعوى الثانية: أن متى كان في المعصية حد أو كفارة ينتفي التعزير، وهذه تستثنى منها مسائل:
منها: من أتى بهيمة في رمضان؛ فإنه يجب عليه مع القضاء العقوبة والكفارة؛ ذكره صاحب التهذيب والعقوبة هي التعزير؛ لأن الصحيح أنه لا حد على واطئ البهيمة.
ومنها: الجماع في نهار رمضان؛ فإن فيه مع الكفارة التعزير، قال ابن يونس في شرح التعجيز وعبارته يعزر المفطر ولو المفكر. انتهى.
وأرى أنه أخذه مما حكيناه عن صاحب التهذيب.
ومنها: اليمين الغموس يجب فيها التعزير في الكفارة؛ قاله شيخ الإسلام: عز الدين ابن عبد السلام في القواعد، والشيخ تقي الدين ابن الصلاح في فتاويه، قال ابن عبد السلام: لجرأته على ربه والكفارة لمخالفة موجب اليمين، وإن كان مباحًا أو مندوبًا.
قلت: فالاستثناء حاصل بكل حال.
منها: قال ابن عبد السلام أيضا من زنا بأمة في جوف الكعبة وهو صائم معتكف
стр. 419
محرم أثم١، ولزمه العتق والبدنة والحد للزنا والتعزير لقطع الرحم وانتهاك حرمة الكعبة.
ومنها: قال ابن الصباغ في أوائل الجراح كل مكان قلنا لا يجب فيه القصاص؛ فإن القائل يعزر ويلزمه البدل والكفارة.
ومنها: قال الفوراني بقطع يد السارق ويعزر أيضًا قال مجلي في الذخائر؛ فإن أراد بالتعزير تعليق يده في عنقه فحسن أو غيره فمنفرد به.
قلت: وإن أراد تعليق اليد فقد يقال هو تتمة الحد لا تعزير كما هو وجه في حسم اليد المقطوعة بالزيت المغلي.
ومنها: قال ابن داود في شرح المختصر إذا قتل الرجل من زنا يأهله في الحالة التي هو فيها زان لم يعزر، وإن اقتات على الإمام بل يعزر لأن الغيظ والحمية حمله عليه.
قلت: ونقل الخطابي في معالم السنن أن الشافعي ﵁ نص على أنه يحل له قتله والحالة هذه فيما بينه وبين الله تعالى، وإن كان يقاد به في الحكم؛ فعلى هذا استثناء [غير الأول] ٢.
ومنها: [غير ما تقدم] ٣ والكلام فيه كالكلام في هذه الصورة إذا استوفى ولي الدم القصاص بغير إذن الإمام لم يعزر على وجه قال ابن الرفعة لعل مأخذه تجويز الاستبداد.
قلت: وقد ثبت في التوشيح أن الأمر كذلك فلا استثناء.
ومنها: الزيادة على أربعن في الخمر إلى ثمانين تعزير على الصحيح والأربعون حد فاجتمعا.
ومنها: نص الشافعي ﵁ كما حكاه ابن الرفعة في حواشي الكفاية أن الأب يجب عليه بقتل ابنه الدية والكفارة والعقوبة.
قلت: وإليه أشار ابن الصباغ بقوله الذي حكيناه عنه إن كل مكان لا يجب فيه القصاص يعزر القاتل ويلزمه البدل والكفارة.
تنبيه: عرفناك أن الماوردي والغزالي لم يذكرا الكفارة وعبارة المارودي التعزير تأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود وقريب منها عبارة الغزالي في البسيط فلا يرد
стр. 420
عليهما ما أوردناه على غيرهما من الصور التي اجتمع فيها التعزير والكفارة ثم من ذكر الكفارة لا أدري هل يقتصر القول عليها أو يعمم كل غرم؛ فيقول لا تعزير مع الغرم كفارة كان أو غيرها.
هذا هو الأظهر فيما أفهمه ويرد حينئذ أيضًا مع ما قدمناه من أفطر عاصيًا في رمضان بغير الجماع؛ فإن عليه مع القضاء والتعزير الفدية على أصح الوجهين؛ كذا قال البغوي في التهذيب قال: لأنها لما وجبت على المرضعة مع كونها معذورة فإنه يجب على غير المعذور أولى انتهى.
والصحيح عند الرافعي والنووي والوالد ﵏ أن الفدية لا تجب؛ فلا إيراد إلا على ما صحيح البغوي؛ فإنه جمع بين الفدية والتعزير ولكن الفدية غير الكفارة.
قاعدة:
قال بعض أصحابنا من يحد [بقذف] ١ الغير يقتل بقتله ومن لا فلا.
قاعدة:
فيما جمع من فتاوى القفال وغيره أن سقوط حد القذف عن القاذف وعدم حد الزنا على المقذوف لا يجتمعان إلا في مسألتين.
إحداهما: إذا أقام القاذف بينة على زنا المقذوفة وأقامت هي بينة أنها عذراء.
والثانية إذا أقام شاهدين على إقرار المقذوف بالزنا، وقلنا الإقرار بالزنا لا يثبت بشاهدين؛ ففي سقوط الحد عن القاذف [وجهين] ٢ والظاهر سقوطه قال الرافعي: وكان المراد ما سوى صورة التلا عن؛ فإن الزوجين إذا تلاعنا اندفع الحدان.
ولو أقام البينة على إقرار المقذوف بالزنا سقط عنه الحد؛ فلو رجع المقذوف عن الإقرار سقط عنه حد الزنا ولا يقبل رجوعه في حق القاذف، ولا يلزم وهذه مسألة أخرى اجتمع فيها سقوط حد القذف عن القاذف وعدم الحد على المقذوف.
قال النووي مراد القفال لا يسقط حد القذف. [عن القاذف وعدم الحد على المقذوف] ٣ مع أنه لا يحكم بوجوب حد الزنا إلا في المسألتين؛ فلا يراد عليه الأخيرتان؛ لأنه وجب فيهما حد الزنا ثم سقط بلعانهما أو بالرجوع، ولهذا قال وعدم حد الزنا على المقذوف ولم يقل وسقوط حد الزنا، كما قال وسقوط حد القذف؛ فالحاصل أنه لا يسقط حد القذف ويمتنع حد الزنا إلا في مسألتين ولا يسقط حد القذف وحد الزنا إلا في أربع.
стр. 421
والمراد السقوط يحكم الشرع لا بعفوه ونحوه قلت: وقد دقق النووي في جوابه إلا أن لمعترض أن يقول الصورة الأولى من صورتي القفال وجب فيها حد الزنا ثم سقط؛ فهي وزان صورتي الرافعي ثم بتقدير أن مراده ما ذكره النووي؛ فرد ما إذا قذفه وطالبه المقذوف بالحد فادعى أن المقذوف زنا وطلب يمينه، وقلنا بالصحيح أن يحلف فنكل فحلف القاذف؛ فإنه يسقط حد القذف ولا يجب حد الزنا على المقذوف، ولذا لو قذف من لا وارث له على قول. ولك أن تقول للرافعي لم اقتصرت على ما ذكرت من الصورتين مع وجدان ما ذكر فيما إذا شهد عليه أربعة بالزنا؛ ولكنهم فسقه بفسق مجتهد فيه وكذا المقطوع به على الأصح عند صاحب العدة، وكذا لو ارتد المقذوف أو سرق بعد القذف على خلاف فيهما وغير ذلك.
قاعدة:
قال بعض أصحابنا كل وطء يعصي الله تعالى به يبطل الحصانة وما لا فلا وحكاه القاضي الحسين طريقة في المذهب؛ ولكنه منقوض بصور.
منها: لو كان المقذوف مفعولًا به في دبره لم تبطل حصانته على ما حكاه الرافعي عن التهذيب؛ ولكن ذكر أنه أعني صاحب التهذيب رأى أنه يبطل به لوجوب الحد عليه. قلت: وقد حكى القاضي الحسين في باب الشهادة على الحدود وجهين في ذلك.
قاعدة:
من وجب عليه القصاص في النفس إذا فات لموت وله تركة انتقل جميع الدية إلى تركته.
قال الجرجاني: إلا في مسألتين. لا يجب في إحداهما شيء، ويجب في الأخرى نصف الدية؛ فأما الأولى فهي إذا قطع يدي رجل فسرى إلى النفس فقطعه [ولي المقتول ولم يمت فإن] ١ له قتله، وإن مات فلا شيء في تركته؛ لأنه لما مات فإن المحل ثبت له دية واحدة، وقد أخذ يدين بقيمتهما.
والثانية إذا قطع يد رجل؛ فاقتص منه فسرى القطع إلى نفس المقطوع أولًا، ثم سرى إلى نفس الجاني؛ فإنه لو كان باقيًا لكان يقتص منه وقد ثبت في [تركته] ٢ نصف الدية؛ لأنه قد استوفى منه يدا بقيمة نصف الدية.
فائدة:
كل ولي القصاص إذا عفا وثبت له المال كان المال له دون غيره.
стр. 422
قال الجرجاني إلا في مسألة واحدة.
وهي أن يجني رجل على عبد ويعتق العبد بعد الجناية، ثم تسري إلى نفسه وأرش الجناية مثل دية حر أو أكثر؛ فإن ولي العبد بالخيار بين أن يقتص أو يعفو وإذا اختار المال كان لسيده دونه؛ لأن الجناية وجدت في ملكه ووجب الأرش حال الجناية، ثم لما سرت إلى النفس، وكان له من الأرش مثل دية النفس لم يجب على القاتل أكثر من دية واحدة؛ فكان ذلك للسيد.
فائدة:
كسر العظم موجب الحكومة قال الجرجاني في المعاياة والروياني في الفروق إلا في ثلاث مسائل؛ فإنه يجب فيها أرش [مقدار] ١ مقدر.
أحدها: كسر الترقوة أو الضلع؛ فإنه يجب فيه جمل على قول.
والثانية كسر ظاهر السن دون سنخة ففيه خمس من الإبل والثالثة من هشم ولم يوضح؛ فعليه عشر من الإبل على أحد الوجهين؛ لأن دية الهاشمة إنما زيدت على دية الموضحة للهشم، وقد وجد فيه مثل هذين الوجهين والذي أعتقد أن لفظ عشر من الإبل وفي الوجه الثاني تجب الحكومة.
قلت: وجه الحكومة معروف ووجه عشر من الإبل. [لا أعرفه والصحيح المنصوص أن في الهاشمة بلا إيضاح خمسا من الإبل] ٢؛ وإنما القول فيما٣ إذا نقل العظم من غير إيضاح؛ فالواجب الحكومة أو عشر من الإبل في كتاب المعاياة والفروق غلط من الناسخ صوابه خمس والكلام يستقيم معه.
فائدة:
لا يجب قذف الزوجة إلا في مسألة واحدة إذا ولدت ولدا اعتقده من الزنا.
قاعدة:
فيما ينقض فيه قضاء القاضي وما لا ينقض، وقد تكلم فيها الأصوليون والفقهاء بما لا نطيل شرحه وحلول الإمام في النهاية ضبطه بضابط غير معروف تفاصيله في غاية العسر؛ فقال: كل مسألة يتعلق القول فيها بالقطع؛ فمن حاد عن مدرك الصواب نقض عليه حكمه، وكل مسألة لا مستند لها من قاطع؛ فإذا جرى حكم الحاكم فيها بمذهب وهو في محل التحري ومساق الظن؛ فلا نقض قال: ثم حقيقة القول في هذا يستدعي الإحاطة بمدارك القطع ولا مطمع في الخوض فيها إلا على قدر الحاجة. وذكر ما لا
стр. 423
تطيل به ونقتصر على كلام نفيس تلقفناه من أنفاس ذلك الحبر العالم الشيخ الإمام رضي الله عن وأرضاه، وجمعنا في الجنة وإياه على موائد فضله بمحضر من نبيه ﷺ ومرأى ومسمع، وقد ذكرناه١ في شرح المنهاج البيضاوي؛ وحاصله أن العلم بعد الحكم بمقارنة ما يقطع بتقديمه على مستند الحكم موجب لنقضه والعلم بمقارنة ما يظن تقديمه فيه وجهان: ومقارنة ما يمنع الحكم بالشيء ومقابلة يوجب التوقف فيه للشيخ الإمام ﵀ فيه احتمالان، وبيان هذا القول أن الحاكم إذا حكم، ثم انقدح له ما لو كان مقارنا لمنع الحكم؛ فهو على أقسام أحدها أن يكون أمرًا متجددًا لم يكن حالة الحكم مثاله أن يباع مال يتيم بقيمته لحاجة ويحكم بصحة البيع، ثم تغلوا فترتفع قيمته فلا اعتبار لهذا؛ لأن الشرط البيع بالقيمة ذلك الوقت لا بعده. قلت: فما قولكم فيمن أجر على يتيم أو آخر وقفًا بمقتضى قيمته في الحالة الراهنة وحكم بها الحاكم، ثم ارتفعت في أثناء المدة هل ينقض وينفسخ، وإن قلتم بذلك فقد نقضتم بأمر متجدد؛ وذلك هو مقتضى فتيا ابن الصلاح فيمن استأجر شابًا بأجره مثله، ثم تغيرت الأحوال وطرأت أسباب توجب زيادة أجرة المثل أنه يتبين بطلان العقد.
قلت: الصواب أنه لا ينقض، وقد أفتى النووي بخلاف ما أفتى به ابن الصلاح وكلامه في المنهاج صريح في ذلك؛ حيث قال: وإذا أجر الناظر فزادت الأجرة في المدة وأظهر طالب الزيادة لم يفسخ العقد في الأصح.
فإن قلت: قد استدل ابن الصلاح بأن الشاهد لم يصب في شهادته؛ لأن تقويم المنافع في مدة ممتدة إنما يصح إذا استمرت الحال الموجودة حالة التقويم. أما إذا لم يستمر فيتبين أن المقوم لها لم يطابق تقويمه المقوم قال وليس هذا التقويم السلع الحاضرة.
قلت التحقيق أن القيمة إن لم تتغير ولكن ظهر طالب بالزيادة؛ فلم يتبين بطلان شهادة الشاهد والقول بانفساخ العقد ضعيف لا وجه له إلا قول من يقول: إن القيمة ما تنتهي إليه الرغبات وهو شيء حكاه ابن أبي الدم وجهًا ليس في كلام ابن الصلاح في هذه الحالة وإن تغيرت، وفيها تكلم ابن الصلاح فالإجارة صحيحة إلى وقت التغير، وكذا بعد التغير فيما أعتقده، ويحتمل على بعد أن يقال طرآن الارتفاع كأمر حادث في العين
стр. 424
المستأجرة؛ فوجب الفسخ أو الانفساخ، ثم في انعطافه على ما مضى ما في الفسخ بعروض خلل في المعقود عليه، وبتقدير أن يعتقد ما قاله ابن الصلاح؛ فليس هذا أمرًا متجددًا؛ بل عنده أنه يتبين خطأ الشهود.
الثاني أن يحكم باجتهاده لدليل أو أمارة ثم يظهر له دليل وأمارة أرجح من الأول، ولا ينتهي ظهوره إلى ظهور النص فلا اعتبار به أيضًا وإن كان لو قارن لوجب الحكم به لأن الحكم بالراجح وإن كان واجبًا لكن الرجحان حاصل الآن، ولا ندري لو حصل ذلك الاحتمال عنده حالة الحكم هل كان يكون عنده راجحًا أو مرجوحًا، والاعتبار إنما هو بالرجحان حال الحكم ولا يلزم من الرجحان في وقت الرجحان في غيره لتفاوت الظنون بحسب الأوقات وأما اعتقاد الرجحان؛ فقد يكون في وقت قطعا رجحان أمر عنده في الماضي وهو من الأمور الوجدانية ليس مما نحن فيه نعم سيأتي قسم منه.
الثالث أن يظهر دليل أو أمارة تساوي الأول فبطريق [الأولى] ١ لا اعتبار به، وإن كان لو قارن لمنع الحكم.
الرابع أن يظهر أمر لو قارن لمنع ظنًا لا قطعًا كبينة الداخل؛ فإن في تقديمها على بينة الخارج خلافًا؛ فهو أمر مظنون مجتهد فيه ولكن الحاكم الذي يراه اجتهادًا أو تقليدًا قاطع بظنه ووجوب العمل به؛ فلو قارن لوجب الحكم به وهو يعلم من نفسه أنه؛ إنما يحكم به فإذا حكم للخارج معتقدا أنه لا بينة للداخل، ثم حلت البينة؛ فقد ظهر أمر لو قارن لمنع ظنا والظن السابق معلوم الآن، وهذا هو اعتقاد الصواب الذي أشرنا إليه من من قبل، وقد اختلف أصحابنا ها هنا في النقض على أوجه أصحها عند الرافعي والنووي والوالد ﵏ النقض؛ لأن هذا الحاكم الذي عنده أن بينة الداخل مقدمة لما حكم للخارج لعدم علمه ببينة الداخل كان كالحاكم بالاجتهاد مع وجود النص فكما ينقض بظهور النص ينقض بذلك؛ لأنه عالم بظنه وبأنه إنما حكم معتقدا عدم بينة الخارج؛ فهو قاطع بما كان يمنعه من الحكم لو قارن ووجه عدم النقض أن تقديم بينة ذي اليد ليس مقطوعا به كالنص؛ وإنما هو أمر اجتهادي فالنقض به كنقض الاجتهاد بالاجتهاد وهذا هو الذي قال القاضي الحسين إنه الذي استقر عليه رأيه بعدما أشكلت عليه المسألة وتردد فيها نيفًا وعشرين سنة.
والوجه الثالث في المسألة التفصيل بين ما قبل التسليم وبعده لتأكد الحكم
стр. 425
بالتسليم وصورة المسألة كما بيناه إذا علم أنه إنما حكم للخارج بناء على عدم بينة الداخل؛ فإن احتمل أنه حكم بها بناء على تقديم بينة الخارج، وكان من أهل الترجيح، أو أشكل الحال فالأصح لا ينقض.
الخامس أن يظهر معارض محض من غير مرجح كما إذا حكم للخارج ببينة، ثم جاءت بينة لخارج آخر فهذه البينة لو قارنت لمنعت الحكم للتعارض؛ فإذا ظهرت بعد الحكم فلوالدي ﵀ احتمالان:
أحدهما: أن يقال إنه لظهور الأمارة المساوية فلا ينقض به قطعًا ومال إلى ترجيحه قال كما لا يحكم إلا بمستند؛ [فلا] ١ ينقض إلا بمستند.
والثاني: وذكرت في شرح المنهاج أنه الأرجح عندي أنها ليست كالأمارة المساوية لأن مساواة تلك مظنونة، ويجوز أن تضعف في وقت آخر ويستمر رجحان الأمارة المحكوم بها لعدم الوثوق بالظن، ويجوز أنها لو ظهرت له وقت الحكم لكانت مرجوحة غير مساوية.
وأما البينة إذا عارضت أخرى بمساواتها معلومة مأنوس منها من الترجيح؛ فلا يبقى لاحتمال استمرار ذلك الحكم أو غيره فيرد الأمر إلى ما كان عليه قبل ظهور الحكم، ونقف لقطعنا [باستواء] الجانبين بخلاف الأمارات التي لا يوثق بحال الظنون فيها فإنه لو لم يمض الحكم فيها [أدى] ٣ إلى عدم استمرار الأحكام وأن لا يحكم بشيء قلت: وقد وجدت هذين الاحتمالين قولين من مخرجات ابن سريج؛ إذ نقل الرافعي في أواخر باب الدعاوى والبينات فيما إذا قال السيد لعبده إن قتلت فأنت حر وتنازع [بعده] ٤ العبد والوارث هل مات مقتولا أو حتف أنفه وأقام العبد بينة أنه قتل في رمضان فحكم القاضي بها، ثم شهد شهود أنه مات في شوال عن ابن سريج تخريج قولين في نقض الحكم وتنزيله منزلة ما لو شهدت البينات معًا، وشبه ذلك ما إذا بان فسق الشهود وقد يرى هذا التشبيه إلى ترجيح النقض ويصير الأمر على ما كان عليه قبل الحكم واقتضى ظاهر كلامه أن المسألة فيها نزاع بين ابن الصلاح والوالد رحمهما الله وهي ملك، واحتيج إلى بيعه على يتيم فقامت بينة بأن قيمته مائة وخمسون فبيع بها وحكم بصحة البيع ثم قامت بينة أخرى أن قيمته حينئذ مائتان [فقال] ٥ ابن الصلاح بعد التمهل أياما إنه ينقض