والمراد السقوط يحكم الشرع لا بعفوه ونحوه قلت: وقد دقق النووي في جوابه إلا أن لمعترض أن يقول الصورة الأولى من صورتي القفال وجب فيها حد الزنا ثم سقط؛ فهي وزان صورتي الرافعي ثم بتقدير أن مراده ما ذكره النووي؛ فرد ما إذا قذفه وطالبه المقذوف بالحد فادعى أن المقذوف زنا وطلب يمينه، وقلنا بالصحيح أن يحلف فنكل فحلف القاذف؛ فإنه يسقط حد القذف ولا يجب حد الزنا على المقذوف، ولذا لو قذف من لا وارث له على قول. ولك أن تقول للرافعي لم اقتصرت على ما ذكرت من الصورتين مع وجدان ما ذكر فيما إذا شهد عليه أربعة بالزنا؛ ولكنهم فسقه بفسق مجتهد فيه وكذا المقطوع به على الأصح عند صاحب العدة، وكذا لو ارتد المقذوف أو سرق بعد القذف على خلاف فيهما وغير ذلك.
قاعدة:
قال بعض أصحابنا كل وطء يعصي الله تعالى به يبطل الحصانة وما لا فلا وحكاه القاضي الحسين طريقة في المذهب؛ ولكنه منقوض بصور.
منها: لو كان المقذوف مفعولًا به في دبره لم تبطل حصانته على ما حكاه الرافعي عن التهذيب؛ ولكن ذكر أنه أعني صاحب التهذيب رأى أنه يبطل به لوجوب الحد عليه. قلت: وقد حكى القاضي الحسين في باب الشهادة على الحدود وجهين في ذلك.
قاعدة:
من وجب عليه القصاص في النفس إذا فات لموت وله تركة انتقل جميع الدية إلى تركته.
قال الجرجاني: إلا في مسألتين. لا يجب في إحداهما شيء، ويجب في الأخرى نصف الدية؛ فأما الأولى فهي إذا قطع يدي رجل فسرى إلى النفس فقطعه [ولي المقتول ولم يمت فإن] ١ له قتله، وإن مات فلا شيء في تركته؛ لأنه لما مات فإن المحل ثبت له دية واحدة، وقد أخذ يدين بقيمتهما.
والثانية إذا قطع يد رجل؛ فاقتص منه فسرى القطع إلى نفس المقطوع أولًا، ثم سرى إلى نفس الجاني؛ فإنه لو كان باقيًا لكان يقتص منه وقد ثبت في [تركته] ٢ نصف الدية؛ لأنه قد استوفى منه يدا بقيمة نصف الدية.
فائدة:
كل ولي القصاص إذا عفا وثبت له المال كان المال له دون غيره.
стр. 422
قال الجرجاني إلا في مسألة واحدة.
وهي أن يجني رجل على عبد ويعتق العبد بعد الجناية، ثم تسري إلى نفسه وأرش الجناية مثل دية حر أو أكثر؛ فإن ولي العبد بالخيار بين أن يقتص أو يعفو وإذا اختار المال كان لسيده دونه؛ لأن الجناية وجدت في ملكه ووجب الأرش حال الجناية، ثم لما سرت إلى النفس، وكان له من الأرش مثل دية النفس لم يجب على القاتل أكثر من دية واحدة؛ فكان ذلك للسيد.
فائدة:
كسر العظم موجب الحكومة قال الجرجاني في المعاياة والروياني في الفروق إلا في ثلاث مسائل؛ فإنه يجب فيها أرش [مقدار] ١ مقدر.
أحدها: كسر الترقوة أو الضلع؛ فإنه يجب فيه جمل على قول.
والثانية كسر ظاهر السن دون سنخة ففيه خمس من الإبل والثالثة من هشم ولم يوضح؛ فعليه عشر من الإبل على أحد الوجهين؛ لأن دية الهاشمة إنما زيدت على دية الموضحة للهشم، وقد وجد فيه مثل هذين الوجهين والذي أعتقد أن لفظ عشر من الإبل وفي الوجه الثاني تجب الحكومة.
قلت: وجه الحكومة معروف ووجه عشر من الإبل. [لا أعرفه والصحيح المنصوص أن في الهاشمة بلا إيضاح خمسا من الإبل] ٢؛ وإنما القول فيما٣ إذا نقل العظم من غير إيضاح؛ فالواجب الحكومة أو عشر من الإبل في كتاب المعاياة والفروق غلط من الناسخ صوابه خمس والكلام يستقيم معه.
فائدة:
لا يجب قذف الزوجة إلا في مسألة واحدة إذا ولدت ولدا اعتقده من الزنا.
قاعدة:
فيما ينقض فيه قضاء القاضي وما لا ينقض، وقد تكلم فيها الأصوليون والفقهاء بما لا نطيل شرحه وحلول الإمام في النهاية ضبطه بضابط غير معروف تفاصيله في غاية العسر؛ فقال: كل مسألة يتعلق القول فيها بالقطع؛ فمن حاد عن مدرك الصواب نقض عليه حكمه، وكل مسألة لا مستند لها من قاطع؛ فإذا جرى حكم الحاكم فيها بمذهب وهو في محل التحري ومساق الظن؛ فلا نقض قال: ثم حقيقة القول في هذا يستدعي الإحاطة بمدارك القطع ولا مطمع في الخوض فيها إلا على قدر الحاجة. وذكر ما لا
стр. 423
تطيل به ونقتصر على كلام نفيس تلقفناه من أنفاس ذلك الحبر العالم الشيخ الإمام رضي الله عن وأرضاه، وجمعنا في الجنة وإياه على موائد فضله بمحضر من نبيه ﷺ ومرأى ومسمع، وقد ذكرناه١ في شرح المنهاج البيضاوي؛ وحاصله أن العلم بعد الحكم بمقارنة ما يقطع بتقديمه على مستند الحكم موجب لنقضه والعلم بمقارنة ما يظن تقديمه فيه وجهان: ومقارنة ما يمنع الحكم بالشيء ومقابلة يوجب التوقف فيه للشيخ الإمام ﵀ فيه احتمالان، وبيان هذا القول أن الحاكم إذا حكم، ثم انقدح له ما لو كان مقارنا لمنع الحكم؛ فهو على أقسام أحدها أن يكون أمرًا متجددًا لم يكن حالة الحكم مثاله أن يباع مال يتيم بقيمته لحاجة ويحكم بصحة البيع، ثم تغلوا فترتفع قيمته فلا اعتبار لهذا؛ لأن الشرط البيع بالقيمة ذلك الوقت لا بعده. قلت: فما قولكم فيمن أجر على يتيم أو آخر وقفًا بمقتضى قيمته في الحالة الراهنة وحكم بها الحاكم، ثم ارتفعت في أثناء المدة هل ينقض وينفسخ، وإن قلتم بذلك فقد نقضتم بأمر متجدد؛ وذلك هو مقتضى فتيا ابن الصلاح فيمن استأجر شابًا بأجره مثله، ثم تغيرت الأحوال وطرأت أسباب توجب زيادة أجرة المثل أنه يتبين بطلان العقد.
قلت: الصواب أنه لا ينقض، وقد أفتى النووي بخلاف ما أفتى به ابن الصلاح وكلامه في المنهاج صريح في ذلك؛ حيث قال: وإذا أجر الناظر فزادت الأجرة في المدة وأظهر طالب الزيادة لم يفسخ العقد في الأصح.
فإن قلت: قد استدل ابن الصلاح بأن الشاهد لم يصب في شهادته؛ لأن تقويم المنافع في مدة ممتدة إنما يصح إذا استمرت الحال الموجودة حالة التقويم. أما إذا لم يستمر فيتبين أن المقوم لها لم يطابق تقويمه المقوم قال وليس هذا التقويم السلع الحاضرة.
قلت التحقيق أن القيمة إن لم تتغير ولكن ظهر طالب بالزيادة؛ فلم يتبين بطلان شهادة الشاهد والقول بانفساخ العقد ضعيف لا وجه له إلا قول من يقول: إن القيمة ما تنتهي إليه الرغبات وهو شيء حكاه ابن أبي الدم وجهًا ليس في كلام ابن الصلاح في هذه الحالة وإن تغيرت، وفيها تكلم ابن الصلاح فالإجارة صحيحة إلى وقت التغير، وكذا بعد التغير فيما أعتقده، ويحتمل على بعد أن يقال طرآن الارتفاع كأمر حادث في العين
стр. 424
المستأجرة؛ فوجب الفسخ أو الانفساخ، ثم في انعطافه على ما مضى ما في الفسخ بعروض خلل في المعقود عليه، وبتقدير أن يعتقد ما قاله ابن الصلاح؛ فليس هذا أمرًا متجددًا؛ بل عنده أنه يتبين خطأ الشهود.
الثاني أن يحكم باجتهاده لدليل أو أمارة ثم يظهر له دليل وأمارة أرجح من الأول، ولا ينتهي ظهوره إلى ظهور النص فلا اعتبار به أيضًا وإن كان لو قارن لوجب الحكم به لأن الحكم بالراجح وإن كان واجبًا لكن الرجحان حاصل الآن، ولا ندري لو حصل ذلك الاحتمال عنده حالة الحكم هل كان يكون عنده راجحًا أو مرجوحًا، والاعتبار إنما هو بالرجحان حال الحكم ولا يلزم من الرجحان في وقت الرجحان في غيره لتفاوت الظنون بحسب الأوقات وأما اعتقاد الرجحان؛ فقد يكون في وقت قطعا رجحان أمر عنده في الماضي وهو من الأمور الوجدانية ليس مما نحن فيه نعم سيأتي قسم منه.
الثالث أن يظهر دليل أو أمارة تساوي الأول فبطريق [الأولى] ١ لا اعتبار به، وإن كان لو قارن لمنع الحكم.
الرابع أن يظهر أمر لو قارن لمنع ظنًا لا قطعًا كبينة الداخل؛ فإن في تقديمها على بينة الخارج خلافًا؛ فهو أمر مظنون مجتهد فيه ولكن الحاكم الذي يراه اجتهادًا أو تقليدًا قاطع بظنه ووجوب العمل به؛ فلو قارن لوجب الحكم به وهو يعلم من نفسه أنه؛ إنما يحكم به فإذا حكم للخارج معتقدا أنه لا بينة للداخل، ثم حلت البينة؛ فقد ظهر أمر لو قارن لمنع ظنا والظن السابق معلوم الآن، وهذا هو اعتقاد الصواب الذي أشرنا إليه من من قبل، وقد اختلف أصحابنا ها هنا في النقض على أوجه أصحها عند الرافعي والنووي والوالد ﵏ النقض؛ لأن هذا الحاكم الذي عنده أن بينة الداخل مقدمة لما حكم للخارج لعدم علمه ببينة الداخل كان كالحاكم بالاجتهاد مع وجود النص فكما ينقض بظهور النص ينقض بذلك؛ لأنه عالم بظنه وبأنه إنما حكم معتقدا عدم بينة الخارج؛ فهو قاطع بما كان يمنعه من الحكم لو قارن ووجه عدم النقض أن تقديم بينة ذي اليد ليس مقطوعا به كالنص؛ وإنما هو أمر اجتهادي فالنقض به كنقض الاجتهاد بالاجتهاد وهذا هو الذي قال القاضي الحسين إنه الذي استقر عليه رأيه بعدما أشكلت عليه المسألة وتردد فيها نيفًا وعشرين سنة.
والوجه الثالث في المسألة التفصيل بين ما قبل التسليم وبعده لتأكد الحكم
стр. 425
بالتسليم وصورة المسألة كما بيناه إذا علم أنه إنما حكم للخارج بناء على عدم بينة الداخل؛ فإن احتمل أنه حكم بها بناء على تقديم بينة الخارج، وكان من أهل الترجيح، أو أشكل الحال فالأصح لا ينقض.
الخامس أن يظهر معارض محض من غير مرجح كما إذا حكم للخارج ببينة، ثم جاءت بينة لخارج آخر فهذه البينة لو قارنت لمنعت الحكم للتعارض؛ فإذا ظهرت بعد الحكم فلوالدي ﵀ احتمالان:
أحدهما: أن يقال إنه لظهور الأمارة المساوية فلا ينقض به قطعًا ومال إلى ترجيحه قال كما لا يحكم إلا بمستند؛ [فلا] ١ ينقض إلا بمستند.
والثاني: وذكرت في شرح المنهاج أنه الأرجح عندي أنها ليست كالأمارة المساوية لأن مساواة تلك مظنونة، ويجوز أن تضعف في وقت آخر ويستمر رجحان الأمارة المحكوم بها لعدم الوثوق بالظن، ويجوز أنها لو ظهرت له وقت الحكم لكانت مرجوحة غير مساوية.
وأما البينة إذا عارضت أخرى بمساواتها معلومة مأنوس منها من الترجيح؛ فلا يبقى لاحتمال استمرار ذلك الحكم أو غيره فيرد الأمر إلى ما كان عليه قبل ظهور الحكم، ونقف لقطعنا [باستواء] الجانبين بخلاف الأمارات التي لا يوثق بحال الظنون فيها فإنه لو لم يمض الحكم فيها [أدى] ٣ إلى عدم استمرار الأحكام وأن لا يحكم بشيء قلت: وقد وجدت هذين الاحتمالين قولين من مخرجات ابن سريج؛ إذ نقل الرافعي في أواخر باب الدعاوى والبينات فيما إذا قال السيد لعبده إن قتلت فأنت حر وتنازع [بعده] ٤ العبد والوارث هل مات مقتولا أو حتف أنفه وأقام العبد بينة أنه قتل في رمضان فحكم القاضي بها، ثم شهد شهود أنه مات في شوال عن ابن سريج تخريج قولين في نقض الحكم وتنزيله منزلة ما لو شهدت البينات معًا، وشبه ذلك ما إذا بان فسق الشهود وقد يرى هذا التشبيه إلى ترجيح النقض ويصير الأمر على ما كان عليه قبل الحكم واقتضى ظاهر كلامه أن المسألة فيها نزاع بين ابن الصلاح والوالد رحمهما الله وهي ملك، واحتيج إلى بيعه على يتيم فقامت بينة بأن قيمته مائة وخمسون فبيع بها وحكم بصحة البيع ثم قامت بينة أخرى أن قيمته حينئذ مائتان [فقال] ٥ ابن الصلاح بعد التمهل أياما إنه ينقض
стр. 426
الحكم ويشبهه بما قطع به صاحب المهذب من أنه لو حكم للخارج على صاحب اليد ببينة.
فإن الحكم ينقض، وقال الوالد ﵀ لا ينقض وصنف في المسألة كتابًا سماه المعارضة في البينة المتعارضة، وذكر أن هذا ليس كمسألة صاحب المهذب؛ فإن النقض هناك لمعارضة بينة راجحة ولا يلزم من النقض بالأرجح النقض بالمثل وبينة ذي اليد فيها احتمال أن يكون النقض بها لترجحها باليد أو باليد لترجحها بها أو بمجموعها، وعلى كل من التقادير الثلاثة لا تكون العلة موجودة في المسألة التي قاسها ابن الصلاح فقياسها عليها غير صحيح لعدم الاشتراك في العلة على هذه التقدير الثلاثة وهذا فرق صحيح، وقد قدمنا في ومسألة صاحب المهذب ثلاثة أوجه:
ولا شك فيما ذكره الشيخ الإمام؛ غير أني أعجب من عدم إلمامه بهذين القولين اللذين خرجهما ابن سريج وهما عين مسألته، ومسألة ابن الصلاح وأعجب من ابن الصلاح أيضًا في ذلك وهما نص مسألته؛ فليعجب من حبرين كبيرين بين وفاتهما فوق المائة سنة ترددت بينهما مسألة وأداراها في دوريتهما وتمهلا فيها أيامًا وهي مسطورة في الرافعي لم يقنع فيها بوجهين؛ بل بقولين خرجهما شيخ المذهب فلهما دائران في الوجود بقريب من خمسمائة سنة الأمر السادس أن يظهر نص أو إجماع أو قياس بخلافه فينقض الحكم؛ لأن ذلك مقطوع به فلم ينقضه بظن؛ وإنما نقضه بالدليل القاطع على تقديم النص والإجماع والقياس الجلي على الاجتهاد؛ فهو أمر لو قارن العلم به لوجب تقديمه قطعًا فلذلك نقض به وما ذكرناه من النقض عند مخالفة القياس الجلي ذكره الفقهاء وعزاه الغزالي في المستصفى إليهم، ثم قال: فإن أرادوا به ما هو في معنى الأصل مما يقطع به؛ فهو صحيح وإن أرادوا به قياسًا مظنونًا مع كونه جليًا فلا وجه له؛ إذ لا فرق بين ظن وظن وهذا في تبين خطأ سنذكرها. قلت: وجزم الشيخ الإمام في مخالف ليس على الإطلاق بل لا بد أن يكون الظن المستند إليه ظنا محكمًا كذا صرح به الرافعي، ولعله أشار بالظن المحكم إلى ما قاله الإمام في النهاية أنه إذا خالف خبرًا صحيحًا نقله الآحاد أو قياسًا جليًا؛ فقد يفضي الأمر إلى النقض وذكر ما حاصله فيما فهمته عنه أن خبر الواحد إن لم يقبل التأويل أو كان تأويله في مقام التأويلات البعيدة التي لا مبالاة بها؛ فالحاكم بخلافه ينقض حكمه ومثل لذلك مخالف حديث ذكاة الجنين ذكاة أمه وخيار المجلس والمصراة والعرايا. قلت: والذي أقوله أن مخالف خبر الواحد إن
стр. 427
كان ممن يرى تقديمه على القياس فالنقض عليه ظاهر؛ وإلا فينبغي أن ينظر في القياس الذي حكم به فإن كان بحيث لا يقدم هو عليه خبر الواحد فلا وجه للنقض، وقد يجمع هذا كله قول الشيخ الإمام النص، ويقال: لا نص إلا فيما لا يقبل التأويل ولا يعارضه قياس يكون مقدمًا عليه عند من حكم به، وأما مخالف القياس الجلي؛ فإن كان ممن يعتقده حجة، وكان الظن المستتار منه أقوى مما حكم به؛ فلا شك في النقض ولعل هذه الصورة هي مراد من ينقض في القياس الجلي، ولذلك شرط الرافعي أن يكون الظن المستتار منه محكمًا، وإن كان ممن ينكر القياس رأسًا فأتكلم عليه في فصل يخصه.
فائدة:
كان الشيخ الإمام ﵀ يقول وذكره في كتاب المعارضة إنما ينقض لتبين خطأ به والحاكم منصوب؛ لأن يحكم بحكم الشرع وأحكام الشرع منوطة بأسباب تتعلق بوجودها ووجودها يثبت عند الحاكم بطريق شرعي والخطأ لا يعدو هذه المواطن الثلاثة:
أحدها: أن يكون في الحكم الشرعي بأن يكون حكم بخلاف النص أو الإجماع أو القياس الجلي فينقض لتحقق الخلل في الحكم، وليس معنى النقض الحل بعد العقد بل الحكم ببطلان الحكم المتقدم وبيان أنه لم يقع صحيحًا؛ لأنه ليس بحكم الشرع والحاكم ثابت الشرع؛ فلا يصح منه الحكم بغير حكمه ولفظة نقض الحكم هنا متمكنة؛ لأن المقصود إبطال ذات الحكم الذي وقع.
الثاني: أن يحصل الحكم على سبب غير موجود، ويظن القاضي وجوده بينة زور ونحوها؛ فإذا انكشف ذلك ينقض في بعض المواضع بالإجماع وفي بعضها وفي بعضها بخلاف فيه والخطأ هنا في السبب ووضع الحكم في غير متمكنة؛ فإنا لم ننقض الحكم في ذاته لخطأ به؛ وإنما نقضناه عن ذلك المحل وأخرجنا المحل عنه فالخطأ في السبب لا في الحكم والمخطئ هنا هو الشاهد لا الحاكم، وللحاكم نوع من الخطأ وهو ظنه وجود السبب الحاصل بالبينة.
الثالث: أن يكون الخلل في الطريق كما إذا حكم بشهادة كافرين؛ فإذا تبين ذلك ينقض سواء كان المشهود به صحيحا أم لا؛ لأن المعتبر من الحكم ما كان بطريقه الشرعي؛ فإذا كان بغير طريقه فقد حصل الخطأ في الطريق فينقضه والخطأ هنا من القاضي في اعتقاد عدالة الشهود، وقد يكون ذلك مرتبًا على بينة التزكية، وقد يكون على ظنه إذا عدلهم بعلمه ولفظة النقض هنا [كهي] ١ قبله وإن كان الفقهاء أطلقوا النقض على الجميع وهو الصحيح ولو حكم
стр. 428
بشهادة فاسقين اعتقد عدالتهما نقض على الصحيح كالكافرين، وقيل: لأنه إنما يتبين بطريق ظني فيصير كنقض الاجتهاد بالاجتهاد وقريب منه ما ذكرناه في النقض ببينة الداخل، ولو بان دليل ظني معارض لدليل حكمه؛ فلا التفات إليه قطعًا؛ لأنه اجتهاد غير مستقر بل يجوز أن يصير الراجح مرجوحًا والمرجوح راجحًا، ولو بان تعارض بينتين من غير ترجيح فيحتمل أن يقال هو معارض الدليلين، ويحتمل أن يقال تعارضهما مستقر عند من لا يرى الترجيح في البينات وهو مذهب الشافعي ﵁ فيقطع بالاستواء المانع من ابتداء الحكم، وقد تلخص أنه متى بان الخطأ قطعا نقض قطعًا أو ظنا؛ ففي بينة الداخل مع الخارج ينقض في الأصح وفي الدليلين لا ينقض والفرق أن الظن في اليد مقطوع به فهو اعتقاد رجحان، وفي الدليلين رجحان اعتقاد وليس مقطوعًا به ولو لم يتبين الخطأ؛ بل التعارض المجرد عن القطع والظن كقيام بينة بعد الحكم بخلاف البينة التي ترتب عليها الحكم؛ فقد تقدم أن الراجح عند الشيخ الإمام من احتمالين وجدناهما قولين عدم النقض لعدم تبين الخطأ قال: وكيف ينقض حكم محتمل الصواب وحين صدر كان عن مستند.
تنبيه: كل هذا إذا قضى بمستند ثم ظهر له الخلل إما في المستند أو في المقضي به أو الطريق أما إذا قضى على جهل؛ فالخلل هنا في الحاكم لا في الحكم. قال الشيخ الإمام ﵁: فمن حكم بغير علم نقض حكمه وإن صادف الحق وهو أحد القاضيين اللذين في النار بشهادة الحديث؛ كذا ذكره في شرح المنهاج قبيل باب ما يحرم من النكاح عند الكلام فيما إذا أعتق أمته في مرض موته ثم تزوجها واستدل بقوله ﷺ ورجل حكم للناس على جهل، وذكره أيضًا في كتاب المعارضة، وقال لفظة النقض هنا متمكنة أيضًا كما هي فيما إذا ظهر الخلل في نفس الحكم؛ لأن المقصود إبطال فعل الحاكم وتبقية الأمر في الحكم على ما كان عليه حتى يصدر ذلك الحكم من أهله كما يبطل تصرف من ليس بوكيل. قلت: بل أبلغ فإن تصرف من ليس بوكيل ربما جاء فيه قولي الفضولي؛ [فهذا] ١ لا يطرقه خلاف الفضولي؛ فإنه إنما حكم على أنه ثابت الشرع ولسانه لسان الشرع فإذا لم يكن كذلك لم يكن من الشرع في شيء فلا نفاذ له، وقد قال في التنبيه وإن كان القاضي قبله لا يصلح للقضاء تنقض أحكامه كلها أصاب فيها أو أخطأ. فإن قلت فقد اختلف الأصحاب فيمن اشتبه عليه ماء طاهر بنجس فتوضأ
стр. 429
بأحدهما من غير اجتهاد، ثم بان أن ما توضأ به هو الطاهر فاختيار الشيخ أبي إسحاق وجماعة منهم النووي أنه لا يصح وضوءه لتلاعبه، وهذا يوافق ما ذكرتم من النقض وإن صادف الحق لكن اختيار ابن الصباغ والغزالي أنه يصح، كما لو أدى دينه بما يشك فيه ثم تبين أنه ملكه وهذا يخدش في النقض. قلت: كلا فإن حكم الحاكم لا يناسب تصرف الإنسان في نفسه؛ لأن ذلك يسنده إلى الشرع وهذا كاذب مخطئ حيث أقدم على جهل فما كل من حكم بحق محقا؛ بل إنما يكون محقا إذا كان قد حكم عن علم كما شهد به الحديث، ومن ثم ينقض قضاء من لا يصلح، وإن صادف الحق والصور ثلاث تصرف الشخص على غيره، وينبغي أن يكون عن علم وأحق الناس بذلك الحكام، ثم الأولياء على درجاتهم وسيأتي من كلام الغزالي فيمن زوج بناء؛ على أنه حاكم فبان أنه أب أنه لا يصح والصورة الثانية تصرفه على نفسه في مكان يضر فيه الشك وهو الأول ومن ثم أنه على هذين الوجهين اللذين حكينا فيهما خلاف الشيخ أبي إسحاق وابن الصباغ لو صلى قبل البيان، ثم تبين بعد الصلاة لم تصح الصلاة للشك. والثالثة تصرفه على نفسه لا في مكان يضر فيه الشك كمن باع مال أبيه على ظن أنه حي؛ فإذا هو ميت فلا يضر ومن الخلل في الحاكم أيضًا ما لو وليت القضاء امرأة ففي قضائها وجهان حكاهما الروياني في البحر عن حكاية جده، وأن الإصطخري ذهب إلى النقض.
فائدة:
كل ما ذكرناه فيما إذا بان له بعد الحكم ما لو كان مقارنًا لمنع وأوقف عن الحكم بما حكم أو أوجب١ الحكم بضد ما حكم؛ فإن بان له دليل آخر موافق للدليل الأول [لفقدانه النص ثم وجد النص كما حكم به، وإما أن لا يكون كذلك كما إذا بان له بعد الحكم بقياس صحيح؛ بحيث لو كان موجودًا عنده عن الحكم بالأول لاستند إليه لا إلى ذلك الدليل، وهذا كما إذا حكم بقياس صحيح] ٢؛ فينبغي أن يقال إنه لم يظهر معه خطأ الأول؛ فإما أنه يكون الثاني قياس آخر فإن كان الأول فهي المسألة التي وقعت بمدينة أصبهان في حدود السبعين وأربعمائة حكم حاكم في حادثة باجتهاده ولم يعلم بالنص فيها، ثم ألقاه كما حكم به فاستفتى شيخ الشافعية بأصبهان في ذلك الزمان وهو أبو بكر محمد بن ثابت الخجندي فأفتى بأن الحكم نافذ واستفتى أبا نصر بن الصباغ فأفتى بأنه ينفذ من حين وجود النص كذا نقل ولد أخيه أبو منصور في الفتاوي التي جمعها من كلام عمه المعروفة بفتاوي صاحب الشامل ابن الصباغ وهي مسألة غريبة لم أجدها في
стр. 430
غير هذه الفتاوي والذي يترجح عندي ما قاله الخجندي؛ فإنه لما أعياه النص جاز له العمل باجتهاده؛ فإذا صادف الصواب كان نافذا وكان وجود النص سعادة وتوفيقا، ويحتمل أن يقال لا ينفذ أصلًا [لأنه يتبين] ١ أن القياس فاسد الاعتبار؛ إذ لا قياس مع النص لكن هذا ضعيف؛ فإن فساد اعتبار القياس إنما يكون لو كان على خلاف النص، أما إذا كان على وفاته، وكان ارتكابه لفقدان النص وقت الاحتياج إليه فلا محذور فيه ولا يظهر في هذه المسألة غير هذين الاحتمالين قول الخجندي وهو الأرجح وهذا الاحتمال، وأما قول ابن الصباغ ينفذ من حين وجود النص؛ فإن أراد أن الحاكم إذا وجد النص جدد الحكم بمقتضاه ليكون مستندا إليه؛ فهو قريب وإن أراد أنه ينفذ من غير حكم متجدد ويكون قبله فاسدا فلا وجه له، والذي أراه في مثل هذا ما قاله الخجندي، وأن الحاكم يجدد حكما بمثل الحكم الأول ولا ينقض الأول وسيأتي من كلام الوالد ﵀ ما يؤيد هذا، وإن كان الثاني؛ فهذا لا ضرر فيه وسواء كان القياس الذي ظهر له ثانيًا أجلى وأوضح من الأول أم لم يكن؛ فإنه لا يزيد الحال إلا تأكيدًا والفرق بين هذا وما قبله أن هناك ظهر ما لو علمه وقت الحكم لما استند إليه، وأما هنا وإن كان أجلى فليس بلازم أن يكون استناده إليه ولا هو بمتيقن أنه يكون أجلى وقت الحكم؛ لأن الجلاء قد يختلف باختلاف الأوقات هذا كله إذا لم يظهر خطأ الأول وإن ظهر أن الأول خطأ فهذه الحادثة وقعت في زمان الشيخ الإمام الوالد ﵀، وسأذكر كلامه فيها بعد ما أقول قد يقال إن هذا لم يقض على جهل؛ لأنه إنما قضى حين قضى به بما ظنه مستندًا، ولم يقض بباطل لأن هذا الذي ظهر له نفي عنده اعتقاد أن الحق كما قضى به وإن لم يكن بالدليل الذي قضى به ورأيت لابن الرفعة ترددًا في ذلك قال لأنه ليس من باب العقود التي يعتمد الظنون وإن بان الأمر بخلافه قال وهذا بخلاف ما إذا أذنت لحاكم في تزويجها بناء على أنه لا ولي لها إلا الحاكم فبان أنها ابنته لصلبه؛ فإنه يصح لوجوده من أهله من ظن الصحة هذا كلام ابن الرفعة وأقول الأرجح النقض؛ لأن هذا المستند إذا لم يكن عند الحكم حاضرا وقد بان بطلان ذلك المستند فما كان أقدم إلا بغير مستند وكأنه أقدم على جهل أو بغير علم وبهذا صرح الشيخ الإمام ﵀ في كتاب النكاح من شرح المنهاج عند الكلام على مسألة ابن الحداد في الأمة المعتقة في المرض هل لوليها تزويجها بعد تردد كان منه في ذلك ذكره في المسألة المعروفة بوقف الطيفاء وهي حادثة من حوادث باب الوقف استفتى فيها قديما وأطال
стр. 431
عليها الكلام وكان فيها حاكم حنبلي حكم مستندا إلى ما ظنه مستندا في مذهبه فبين الشيخ الإمام أنه أخطأ على مذهبه، وأنه لا مستند فيما ذكره ثم تبين له مستندًا غير ما ذكره يصح التمسك به قال بعد فراغ التقرير منه ما نصه بقي نظر آخر وهو أن الحاكم الحنبلي إذا لم يستند إلى ذلك؛ ولكن استند إلى ما ذكره أصحابه وقد ذكرنا أنه لا دليل فيه هل يكون موافقة حكمه لما ذكرناه من الدليل مانعًا من نقضه أو لا هذا محتمل والأقرب أنه لا يصلح أن يكون مانعا؛ فإن من شرط صحة الحكم الاستناد إلى دليل صحيح فإن وجدنا اسجال الحاكم مطلقا غير مستند إلى سبب ووجدنا دليلًا صحيحًا لم يكن لنا نقضه ويحسن الظن به، ونعتقد أنه استند إلى ما ظهر لنا من الدليل أو إلى دليل مثله وإن بين المستند ورأيناه غير صالح ولا تشهد [قواعد] ١ الشريعة [بصحته] ٢؛ فينبغي أن ينقض ويحكم حكما مستندا إلى دليل صحيح لكن أرى من باب المصلحة أن لا ينقض، وينفذ لئلا يجسر الناس على نقض أحكام الحكام ويجعل التنفيذ كأنه حكم منشئ مستقل ولو حكم الحاكم المنفذ بحكم مبتدأ موافق لحكم الأول وبقي الأول على حاله كان أولى وأجمع للمصالح والله أعلم. انتهى.
نقلته من خطه.
وأما من ظهر ابنه الحاكم؛ فقد قال الغزالي في الفتاوى الأظهر فيها البطلان؛ لأن الرضا معتبر في هذه التصرفات والألفاظ تراد للدلالة على الرضا ولا يدل اللفظ على الرضا في هذه الصورة. انتهى.
ولك أن تمنع كون اللفظ يدل على الرضا في هذه الصورة؛ فإن الجهل بها لا ينافي الرضا بمطلق النكاح من هذا الزوج بهذا العاقد وما ذكره شبيه بقوله فيما إذا قال الغاصب لمالك العبد المغصوب اعتقه؛ فاعتقه جاهلًا وما ذكره فيما إذا قال لامرأته أنت طالق وهو يجهل أنها امرأته؛ فإن له بحثًا في أن الطلاق لا يقع بنزع إلى هذا المأخذ والأصح فيهما النفوذ ويقرب من المسائل ما لو خطب زيد إلى قوم وعمرو إلى آخرين، ثم جاء زيد إلى الآخرين وعمرو إلى الأولين وزوج كل فريق من جاءه، وقد قال ابن القطان فيما نقله الرافعي: أن المسألة وقعت في أيام ابن الشايب ببغداد فأفتى الفقهاء بصحة النكاحين؛ فإن قلت: فليكن الأرجح في [مسألة] ٣ الغزالي صحة النكاح لما ذكرتم من المسائل. قلت: قد خطر لي هذا ثم توقفت لأن العاقد في مسألة الغزالي القاضي وهو مطلوب بالاحتياط فوق ما يطلب في سائر الأولياء. [مأمور أن لا يقدم على
стр. 432
عقد إلا عن بصيرة بينة، وكذلك لا يعقد بمستورين بخلاف سائر الأولياء] ١ على كلام في ذلك؛ فيقول ينبغي البطلان فيه، كما قاله الغزالي؛ لأن لسانه لسان الشرع بخلاف سائر الأولياء.
تنبيه: قدمنا أنه لا نقض في المسائل الاجتهادية المختلف فيها؛ فهل يلحق بها ما يقع للناس من حوادث ليس فيها خلاف للمتقدمين؛ وإنما فيها آراء تتجاذب قد كان يقع في الذهن أنها مثل الأول فلا ينقض [فيه] ٢؛ ولكن قال الشيخ الإمام ﵁ ومن خطه نقلت في المسألة التي أشرت إليها؛ إنما يطلق المختلف فيه على ما فيه خلاف لمن تقدم، وأما ما يقع لنا من صور المسائل وتتجاذب الآراء فيها فلا يقال: إنها من المختلف فيه؛ بل ينبغي أن ينظر فيها فإن اتضح دليل عليها اتبع؛ وإلا فلا وإن حكم حاكم منها بحكم ولم يكن عليه دليل ينبغي جواز بعضه، وإن كان عليه دليل لم ينقض. انتهى.
ومن خطه نقلت وقد تستغرب هذا ولا غرابة فيه؛ بل الأمر إن شاء الله كما قال، وعليه تحمل أقضية صدرت من شريح وغيره نقضها علي وغيره في مسائل لم يكن يقدم فيها خلاف ولا عليها دلالة قاطعة.
فائدة:
إذا استثنيت ما به ينقض الحكم قيبادر إلى تدارك ما كان من حقوق الله تعالى، وأما حقوق الآدميين فهل عليه تعريف الخصمين ليترافعا إليه فينقض الحكم عن ابن سريج: لا وعن سائر الأصحاب الوجوب قلت: ويشبه أن يقال إن بان الخطأ في الحكم نفسه وجب رفعا لليد العادية، ولا يكون فيه خلاف وإن بان في الطريق؛ فهو موضع النزاع وهذا كله إذا بان ما يوقف عن الحكم أو يوجب الحكم بالضد؛ فإن بان خطأ دليل الأول مع ظهور دليل يوافقه ونفي اعتقاد إلى محكوم٣؛ حتى وإن بان بطلان الطريق فلا ينبغي أن يجب الإعلام لعدم فائدته، ولو ترك الخلاف على هذه الأحوال لم يكن به بأس.
تنبيه: الصور التي اختلف فيها الأصحاب في النقض فيها قيل إنها تقرب من ستين صورة ونحن نعد ما حصرنا منها.
فمنها: لو قضى قاض بصحة نكاح المفقود زوجها قال الرافعي: فالأشهر وهو ظاهر النص أنه ينقض [والثاني المنع] ٤، قال القاضي الروياني وهو الصحيح [وقرب] ٥ من
стр. 433
هذا الخلاف الخلاف في نقض حكم من قضى بحصول الفرقة في اللعان بأكثر الكلمات الخمس أو سقوط الحد عمن نكح أمة ووطئها. قلت: وقرب من هذا الخلاف يعني الروياني، وقد وقفت على كلامه في البحر، وعزا ذلك إلى القفال؛ فقال: قال القفال: عد أصحابنا مسائل ينقض الحكم فيها.
منها: حكم من قال أكثر اللعان يقوم مقام الكل وإن زوج الأمة لا يلاعن لنفي الولد، وأن لا قصاص بين الرجل والمرأة في الأطراف، وأن من تزوج بأمة ووطئها مع العلم بتحريمها لا بحد، وأن النكاح بغير ولي جائر والحكم شهادة الفاسق والحكم بجواز بيع أم الولد والحكم بأن لا تقبل شهادة القاذف [العاصي] ١ بعد التوبة؛ لأن الخطأ ظاهر في هذه المسائل بدليل قاطع ونص الشافعي ﵁ على نقض الحكم في مسألة واحدة، وهي الحكم بصحة نكاح المفقود ومن أصحابنا من قال لا ينفذ حكمه في شيء من هذه المسائل؛ لأن الخطأ فيها ظهر بقياس الشبه، وهذا هو الصحيح والنص في مسألة المفقود غريب، ولعله ذكره تعليقا للقول فيه لا اعتقادًا. انتهى.
كلام البحر ملخصًا قال الرافعي:
ومنها: قضاء الحنفي ببطلان خيار المجلس والعرايا بالتنفيذ الذي يجوزه، وفي ذكاة الجنين قيل: إنه منقوض لظهور الأخبار وبعدها عن التأويلات التي يدعونها، وكذلك في القتل بالمثقل؛ لأنه على خلاف القياس الجلي في عصمة النفوس، وهذا ما أورده الإمام الغزالي وبمثله أجاب محققون في الحكم بصحة النكاح بلا ولي وفي بيع أم الولد. وثبوت حرمة الرضاع بعد الحولين وصحة النكاح بشهادة الفاسقين من غير إعلان ونكاح الشغار ونكاح المتعة، وفي الحكم بقتل المسلم بالذمي وبأنه لا قصاص بين الرجل والمرأة في الأطراف وبحرمان التوارث بين المسلم والكافر وترد الزوائد مع الأصل في الرد بالعيب على ما ذهب إليه ابن أبي ليلى ومن الأصحاب من منع [البعض] ٢، وقال: هي مسائل اجتهادية والأدلة فيها متقاربة، قال القاضي الروياني وهو الصحيح، وكذلك ذكره القاضي ابن كج في الحكم ببطلان خيار المجلس وينقض قضاء من حكم بالاستحسان الفاسد. انتهى كلام الرافعي [ملخصًا.
وفي الروضة نظيره وأنت تراه لم يجزم بغير النقض بالحكم لنقض بالاستحسان الفاسد] ٣، ولا أدري ماذا يعني به فإن كل
стр. 434
استحسان عندنا فاسد وليس كل استحسان ينقض فيه القضاء؛ فيحتاج هذا إلى [تحرير] ١، ولعله يشير إلى مبالغاتهم في الاستحسان، وليس للرافعي تصريح بتصحيح النقض أو عدمه ولا للنووي ولا للشيخ الإمام في شيء من هذه المسائل؛ غير أن الشيخ الإمام صحح في مسألة النكاح بلا ولي النقض، وقال أنا أستحي أن يدفع إلى نكاح صح عن رسول الله ﷺ إبطاله، ثم أقره على الصحة وهذا يتعدى إلى ما كانت الأخبار واردة فيه وورودها في النكاح بلا ولي، وقال الرافعي في القصاص في قتل المسلم بالذمي أن الوجه عدم النقض، وقد رأيت السمائل التي ذكرها الرافعي وعزا إلى الروياني فصحح عدم النقض فيها ولس في كلام الروياني منها إلا ما حكيته لك، ولا يلزم من النقض في بعض النقض في بعض آخر؛ بل لا بد من النظر في كل فرع بخصوصه ومن المسائل المختلف في البعض فيها [أيضا] ٢، لو قضى القاضي بأن يقاد الولد بولده قال ابن كج ينقض حكمه؛ قال الرافعي: وليكن هذا في الموضع الذي يساعد فيه ذلك، قال ابن الرفعة يعني لأنه خلاف الإجماع قال ولو كان كذلك لم يحتج ابن كج إلى التنبيه عليه. قلت: كيف لا يحتاج إلى التنبيه عليه وقد عمم ابن كج وعزاه، ثم ليس انتفاء خلاف مال موجبًا لثبوت الإجماع؛ ففي ذهني أن من العلماء من يقتل الوالد بالولد مطلقا فليحرر ذلك ويحتمل أنه ينقض من قضى به، وعندي أن ابن كج إنما أراد القضاء بالموضع الذي يحالف فيه مالك؛ فإنه ذكر قبله مسألة أبي حنيفة في قتل الحر بالعبد، وذكر أنه لا ينقض ثم ذكر أن القضاء بقتل الوالد بالولد ينقض فما أرى إلا أنه رأى قوة خلاف أبي حنيفة وضعف خلاف مالك في هاتين المسألتين فلم ينقض في تلك ونقض في هذه وفي هذا وأعود إلى ما قاله ابن الرفعة والأرجح عندي عدم النقض فيهما، وإليه أشار الرافعي بل لم يقم عندي إلى الآن دليل على النقض في شيء من صور الخلاف القوي الجائزة وغاية الأمر أنها خالفت صريح٣ الآحاد؛ بل وفيها ما خالف مستفيض الأخبار وإنما قلت الخلاف القوي الجائز لأحترز عن الضعف الذي لا يجوز الإقدام عليه؛ فإنه لا اعتبار به ولا مقابلة وذلك مثل من قضى بأن الطلاق الثلاث لا يقع كما هو محكي عن الشيعة أو بعضهم؛ فإن هذا الحكم ينقض على الصحيح عند أصحابنا كما ذكره الروياني في البحر في أوائل كتاب الطلاق، وحكى أن بعض أصحابنا [كما ذكره الروياني في البحر] ٤ قال لا ينقض وهذا ضعيف لأن
стр. 435
المسألة إجماع ولا اعتبار بالخلاف الحادث قال الروياني وعلى النقيض؛ فإذا وطئها لزمه الحد ولم يثبت نسب ولا عدة وهو اختيار الإمام والذي انتهى كلام الروياني وما اختاره والده هو الحق، وحكى الروياني في كتاب القصاص عن حكاية والده وجهين فيما لو وليت القضاء امرأة هل تنقض أحكامها، وأن الإصطخري قال بالنقض وهذا خلل في القاضي لا في المقضي به فإن قلت فلم قلتم بنقض حكم من حكم بخلاف خبر الواحد. قلت: الذي أعتقده وعليه دل كلام الغزالي في الأصول أن ذلك مخصوص بمن لم يطلع عليه وقضى بقياس لا يقوى على معارضته، وأما من اطلع على خبر الواحد وزعم له معارضًا ولو قياسًا وزعم أن القياس مقدم على خبر الواحد كما هو شهير في الأصور؛ فكيف ينقض قضاؤه وإن كنا لا نصوبه ابتداء لكن تخطئتنا له [ليست] ١ إلا بالاجتهاد والقول بنقض الحكم بخلاف خبر الواحد؛ [إنما هو في خبر الواحد] ٢ المثير ظنًّا محكمًا [فالمنقوض في أخبار الآحاد ما خالف ظنا محكما] ٣ ناشئا عنها لا ما خالفها مطلقا؛ كذا اقتضاه كلام الرافعي وهو الظاهر، ويلزم من نقض فيما ذكرناه من الصور أن ينقض الحكم ببطلان الأوقاف لشهرة صحتها بين الصحابة والعصر الأول وإن نقض الحكم ببطلان بيع المدبر لمخالفته الحديث الصحيح في بيع النبي ﷺ مدبرًا في دين كان على صاحبه؛ فلينقض في هذه الصورة وبيع الخمر من الذمي لمنابذته الأحاديث الصحيحة في النهي عن بيع الخمر، وإن قال النهي يوجب الصحة أو لا يقتضي الفساد؛ فلم لا صححه من مسلم وإن حاول فرقًا فهو على ضعفه زاد بصحيح الحديث، ومن ثم قال الربا لا يجري في دار الحرب بين مسلمين لم يهاجرا ولا في الحفنة والحفنتين من الطعام وأدلة الكتاب والسنة تردهما، وأن النبيذ يحل منه ما لا يسكر وإن البائع ليس أحق بسلعته عند الفلس وبيع المصراة ومنع الفسخ بعيوب النكاح وإسقاط الحد في إباحة الجواري، وأن الجماع من غير إنزال لا يوجب الغسل، وأن الحامل المتوفي عنها زوجها لا تنقضي عدتها بوضع الحمل، وأن ربا الفضل مع القبض [في التصرف٤ جائز، وأن الوقف يباع إذا تخرب وأنه يناقل به وإن كان عامرًا إلى غير ذلك من مسائل عن أبي حنيفة أكثرها والبقية عن غيره
стр. 436
من العلماء لا أقول بالنقض فيها؛ وإنما أقول تلزم من نقض في تلك أن ينقض فيها ولعله يلتزمه فإني لم أجد عنه خلافه كما لم أجد وفاقه.
فائدة: إنما ذكر القفال وغيره من أصحابنا هذه المسائل التي قيل بالنقض فيها عندما بلغهم أن الحنفية قالوا ينقض قضاء الشافعي في الحكم بشاهد ويمين وبالقرعة بين العبيد في العتق وبحل متروك التسمية عمدًا وبالبداية في القسامة بيمين المدعي؛ فقال أصحابنا قلتم فيما حكي عنكم لا ينقض حكم مخالف نص الكتاب والسنة والقياس الحق إذا لم يكن مجمعًا عليه، ثم نقضتم موافق السنن الصريحة والأقيسة الصحيحة؛ فمن عد بربا ممن ينقض الحم بشاهد ويمين والقرعة بين العبيد ونحوهما مع صفة الحديث فيه، ثم يحكم بالنكاح بلا ولي ونحوه منابذة لصريح نطق النبي ﷺ ؛ فمن العجائب إنكار ما وردت به السنة من القرعة من إثبات حل الوطء بشاهدي زور يعلم الزوج الثاني أنهما شاهدا زور.
ومنها: قول الخصوم إذا منع الذمي دينارا من الجزية انتقض عهده، ولو جاهر بسب الله أو بسب رسول الله ﷺ ودينه أو حرق المصاحف وخرب المساجد أنه لا ينتقض.
ومنها قولهم يباح القرآن بالعجمية ولا يروى الحديث بالمعنى على ما ذكر بعضهم.
ومنها: إسقاطهم الحد عن من استأجر امرأة لرضاع ولده فزنا بها أو استأجرها ليزني بها وإيجابهم الحد على من وطئ امرأة في الظلمة يظنها امرأته فظهرت أجنبية.
ومنها: منعهم السنة الثابتة في إلحاق النسب بالعتاقة مع إلحاقهم نسب ولد امرأة تزوجها وهي بالمشرق ممن هو بأقصى المغرب وبينهما من المسافة ما لا يقطعها النسر، وقال: تزوجت فلانة وهي طالق ثلاثًا عقب القبول، ثم جاءت بولد فقالت هو منه.
ومنها: إلحاقهم الولد في هذه الصورة مع قولهم ما ذكرناه فائدة قولنا ينقض القضاء المخالف للظن المحكم من خبر الواحد وحمل قياس ونحوهما يشمل كل ما كانت بشبهة الحاكم فيه ضعيفة، وفيه مسائل لم يصرح بها الأصحاب فنذكرها.
منها: جزم الشيخ في باب الإجازة من شرح المنهاج بنقض حكم من حكم ببيع الموقوف إذا انهدم، كما هو قول الحنابلة أو عوده إلى ورثة الواقف كما هو قول محمد بن الحسن بها.
стр. 437
تنبيه: ما لا ينقض هل يمضي وينفذ أم يعرض عنه فيه خلاف حكاه المحاملي وجماعة قولين وطائفة أخرون منهم الرافعي وجهين، والعمل على التنفيذ وهو ما رجحه الرافعي، وكان الشيخ الإمام يتوقف فيه ثم استقر رأيه على ما حكيناه عنه في كتاب ترشيح التوشيح.
خاتمة: ما لا ينقض قضاء القاضي فيه إذا حكم به لمن لا يعتقده هل يحل باطنًا وجهان حكاهما الأصحاب فيما إذا قضى الحنفي بشفعة الإمام ﵏ فيها تصريح بتصحيح في كتبهم المشهورة، وقد ذكرها الرافعي في كتاب الشفعة وفي كتاب القضاء وفي باب الدعاوى، وفي باب دعوى الدم والقسامة وفي كتاب موجبات الضمان، وعزا الشيخ الإمام في باب الشفعة من شرح المنهاج تصحيح الحل إلى القفال وأبي عاصم والبغوي وأكثر الفقهاء وتصحيح التحريم إلى الأستاذ أبي إسحاق والإمام الغزالي والأصوليين؛ قلت: والرافعي لم ينسب صريحا إلى الأكثر شيئًا؛ حتى يقال: إنه عليه بل نسب الحل إلى جماعة والتحريم إلى ما ذكرنا وقال في باب القسامة ميل الأئمة إلى ثبوت الحل باطنا، وكذلك قال في أثناء كتاب الدعاوي ميل الأكثرين إلى الحل باطنا وغاية ما يؤخذ من ذلك ميل الرافعي إلى الحل، وقد يؤخذ منق قوله من باب موجبات الضمان ميله إلى التحريم؛ فإنه قال وصرحوا بأن خلاف جار في كل ما اتصل بحكم من المسائل الاجتهادية؛ فإن قلنا لا يحل لم يجز الطلب] ؛ وإلا فلا بأس بالتخيير بين البيع عليه وإجباره على البيع وهو حينئذ إكراه بحق، وقد سكت الشيخ الإمام في كتاب البيع على قول القاضي أبي الطيب وغيره إن شاء القاضي باع وإن شاء عزر وحبس إلى أن يبيع وذهب ابن الرفعة إلى أنه إذا لم يثبت عند القاضي ملك [المفلس] ١ للأعيان بالبينة؛ وإلا اكتفينا باليد فيظهر أن يجبره على البيع بنفسه أو بوكيله لتعينه طريقًا إلى إيصال الحقوق [إلى أربابها] ٢ ورده الشيخ الإمام بأنه [إن] ٣ لم يجز للقاضي البيع؛ فكيف يجوز له الإجبار والإجبار حكم صريح بخلاف الفعل، وليس المفلس مطلق التصرف حتى نقول نجبره على وفاء الدين من حيث الجملة وهو يبيع بل هو محجور.
فائدة:
ذكرها الإمام في باب التفليس حاصلها أنه ليس كل ما يجوز للشاهد أن يشهد به يجوز للحاكم أن يحكم به؛ فإن الشاهد قد بني على ظن لا يبني على مثله
стр. 438
الحاكم صونا لمنصبه عن التهمة، ولأن الحكم لما فيه من الإلزام وإنهاء الأمر أشد الشهادة؛ هذا أقوله تفقها من عندي، والذي ذكره الإمام ﵀ في الشهادة بالإعسار والأملاك والتعديل وحصر الميراث أنها أمور لا يمكن استنادها إلى اليقين؛ فإن في الإعسار [هنا] ١ لا سبيل معه إلى العلم اليقيني وغاية التعديل [هي] ٢ الأسباب الخارجة والأملاك بناء الأمر على ظواهر يضعها العلماء من اليد والتصرف، ثم قال فكأنا نشترط استناد الشهادة إلى اليقين فيما يمكن اليقين [منه] ٣ كالأقوال والأفعال التي تتعلق بها الحواس، ثم قال ومن لطيف الكلام في ذلك أن كل ما تستند الشهادة فيه إلى اليقين لو علمه القاضي بنفسه اختلف القول في جواز قضائه بعلمه، ولو انتهى القاضي فيما [أعلم] ٤ فيه إلى منتهى يشهد فيه كالأصول التي ذكرناها؛ فلا يحل له القضاء، وإن كان يحل له أن يشهد بما أحاط به وظهر عنده فليتأمل الناظر هذا؛ فإنه من أسرار القضاء انتهى وتكلم عليه الشيخ الإمام ﵀ في شرح المهذب كلامًا طويلًا حاصله بعد ما استشكله، وقال لم لا يحكم القاضي في الإعسار والملك والميراث بعلمه كما يحكم بالتعديل، وأجاب بأن التعديل حكم بأن المعدل مقبول القول على كل أحد فأشبه الرواية: أما [الإعسار والميراث] ٥ والملك فأحكام على أشخاص معينين بما لا ينتهي إلى اليقين؛ فقويت التهمة فيه فلو فرضنا انتهاءه إلى اليقين خرج على القضاء بالعلم، ولا أظن الإمام يخالف في ذلك؛ وإنما كلامه فيما لا ينتهي إلى اليقين قلت: بل بذلك صرح حيث قال: هذه أمور لا يمكن استنادها إلى اليقين؛ وإنما الشيخ الإمام ينازعه في امتناع استنادها إلى اليقين، ويقول قد يتفق ذلك قال: والصواب ما ذكره الإمام من عدم تخريج الإعسار ونحوه على القضاء بالعلم؛ فإن ذلك [في] ٦ العلم المقطوع، ولا يلزم أن يطرق الظن واستدل عليه بعكسه قال؛ فإنهم قالوا إذا منعنا القضاء بالعل؛ فكان سبب العلم تواترًا جاز على أحد الوجهين لعدم التهمة، ثم قال في أخر كلامه بعد ما ذكر أن قضية كلام الرافعي تخريج القضاء بالعم في الإعسار والملك والميراث على الخلاف أنه المختار عنده، وقد يقال بين تصويب الشيخ الإمام كلام الإمام٧ واختياره كلام الرافعي ثانيا [مباينة] ٨ فالجواب أنه لا يمنع طروق الخلاف؛ وإنما عند أن الخلاف في القضاء
стр. 439
باليقين أقوى من الخلاف في القضاء بالإعسار فليتأمل كلامه.
تنبيه: فيما حكيناه من كلام الإمام إشارة إلى أن المعنى بالعلم في قول الأصحاب هل يقتضي١ بعلمه اليقين لا الظن المؤكد؛ وذلك يرد على الرافعي؛ حيث قال إن الأئمة مثلوا القضاء بالعلم الذي هو محل القولين مما إذا ادعى عليه مالا، وقد رآه أقرضه أو سمعه أقر بمال ومعلوم أن رؤية الإقراض وسماع الإقرار لا يفيد اليقين بثبوت المحكوم به وقت الحكم؛ فيدل على أن ليس المراد بالعلم اليقين بل الظن المؤكد، وقد رد الشيخ الإمام رحمه الله٢ على الرافعي، وقال: ليس كذلك بل المراد باليقين يقين السبب الذي به الحكم وهو الإقراض أو الإقرار، ولو ظنهما ظنا مؤكدا لم يحكم بلا خلاف. وأما استصحاب حكم السبب إلى وقت القضاء [قضى] ٣ في جميع الحجج، ولا يقال فيه ظن، وإن كان ظنًّا في الحقيقة بالمحكوم به وقت القضاء؛ إلا أن الفقهاء لا يريدون ذلك.
قلت: ولذلك يقولون في اليقين لا [يرتفع] ٤ بالشك ومعلوم أنه لا شك مع اليقين القاطع؛ فلو عنوا باليقين القاطع لم صح أن يعتقدوا مجامعته للشك قال الشيخ الإمام ومتى أخذنا بعموم كلام الرافعي في الاكتفاء بالظن المؤكد ورد عليه قول الإمام: إنه لا يحكم بذلك في الإعسار والميراث والملك والصواب ما قاله الإمام؛ فإنه لا يلزم من اختلاف القول في القضاء بالعلم المقطوع أن يختلف في الظن لأنه ينضم إلى التهمة ضعف المدرك وقد ذكروا في عكسه إذا قلنا يمتنع القضاء بالعلم؛ فكان سبب العلم تواترًا يجوز على أحد الوجهين لعدم التهمة وما ذاك إلا؛ لأنه إذا قوي المدرك وانتشر ضعفت التهمة وعكسه إذا ضعف المدرك قويت التهمة؛ فلا يحكم به ثم ذكر قضاء القاضي في التقويم ببصره [في] ٥ نفسه وميل الرافعي إلى جريان الخلاف فيه، وإن الإمام قال فيه بالمنع على خلاف ما ظن به الرافعي، ثم قال [انتظم] ٦ كلام الإمام على قاعدة واحدة يعني في منع القضاء بالظن في الإعسار والميراث والملك والتقويم [ثم] ٧ قال: والرافعي رجح في التقويم الحكم بالعلم ولم يتعرض للإعسار، ويلزمه أن يقول بذلك فيه وإذا قال به فيه؛ ففي الملك وحصر الورثة أولى. أما الملك فلاعتماده أسبابا ظاهرة ولهذا لا يشترط
стр. 440
فيه الخبرة الباطنة. وأما حصر الورثة لأن الحكم للوارث المعين لا ظن فيه وبقي غيره معتضدا بالأصل فعضد ذلك ما عند الحاكم، وقد صرح الماوردي في الملك بأنه يجوز للقاضي وتردد في الشاهد وفرق بأن الشاهد؛ إنما يعتمد العلم والقاضي يبني على الحجة وهذا مخالف لكلام الإمام ومساعد [لكلام] ١ الرافعي، وقد ينحل من ذلك صورا أحدها [الحكم] ٢ بالعلم اليقيني المحسوس الحاصل وقت القضاء.
والثانية: علم سبب متقدم كإقراض وسماع إقرار لم يعلم ارتفاعه وهاتان فيهما القولان.
الصورة الثالثة: الحكم بالعلم الحاصل بالتواتر قيل على القولين وقيل يقطع بالجواز.
والرابعة: الحكم بالتعديل المذهب الجواز، وقيل على الخلاف. والخامسة: الإعسار، قال الإمام: لا يحكم بالعلم فيه وقياس قول الرافعي وهو المختار. السادسة: الملك وحصر الورثة كلام الإمام يقتضي أنه كالإعسار قال الشيخ الإمام، وينبغي أن يكون أولى منه بإجراء القولين.
السابعة: التقويم الأشبه عند الرافعي أنه على القولين، والذي يظهر من اختيار الإمام أنه كالإعسار.
الثامنة: يعتمد العلم٣ فيه [به] ٤، وليس من القضاء بالعلم في شيء التاسعة الجرح يعتمد العلم فيه قطعًا. انتهى كلام الشيخ مختصرا.
وأقول: إذا كان سياق الرافعي يقتضي أن الإعسار على الخلاف، وهو الذي صرح [به] ٥ الشيخ الإمام باختياره أخيرًا؛ فقد [انضم] ٦ كلامه على قاعدة واحدة غير أن المعنى بالعلم عند الإمام اليقين؛ فمن ثم منع الإعسار والتقويم والميراث والملك وعند الرافعي غلبة الظن؛ فمن ثم جوزها والشيخ الإمام وافق الإمام في أن المعنى بالعلم اليقين ونازعه في كون هذه الأمور لا تفضي إليه، وقال [وإن] أفضت إليه فهي من مسائل القضاء بالعلم هذا كلامه أولا ثم مال آخرا إلى
стр. 441
ترجيح الحكم فيها بالعلم فلا يتبين [في] ١ جريان كلامه على قاعدة واحدة فليتأمل ذلك.
قاعدة:
الأموال الضائعة يقبضها القاضي حفظًا لها على أربابها قال الأصحاب، ثم إما أن يبقيها، وأما أن يبيعها ويحفظ ثمنها وله حفظها معزولة عن أمثالها في بيت المال، [وله] ٢ أن يخلطها بمثلها فإذا ظهر المالك غرم له من بيت المال، وهذه القاعدة هي مأخذ الأصحاب في إيجابهم على القاضي قبول اللقطة إذا دفعها إليه الملتقط وإن كان قد اختار التملك ثم بدا له، وقد يورد على هذه القاعدة ما رواه البخاري تعليقًا ومسلم متصلا من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ مر بتمرة في الطريق مطروحة؛ فقال: لولا أني أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها.
فسمعت الشيخ الإمام ﵀ يقول سمعت شيخنا الدمياطي يقول: سمعت قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز يقول كيف يقولون الإمام يأخذ المال الضائع للحفظ، والنبي ﷺ لم يأخذهما وأجاب بعض الناس بأنه إنما نفى في الحديث الأكل، وقد يكون أخذها قال الشيخ الإمام.
وأنا أقول: إنما يأخذ الإمام المال الضائع الذي صاحبه متطلع له أما ما يعرض عنه فيترك لكل من يريد أخذه فاندفع السؤال. قلت: ومن ثم لم يجب في اللقطة تعريف ما انتهى [إليه] ٣ في القلة إلى حد يسقط تموله كحبة حنطة وحاول الرافعي تخريج وجه فيه ونازعه ابن الرفعة والشيخ الإمام، وقد عرفت أن هذه المسألة التي نبه عليها الشيخ الإمام في الحديث مستثناة من القاعدة؛ فإن قلت فقد أوجبوا على الملتقط تعريف القليل وبالغ الشيخ الإمام؛ فأوجب تعريفه سنة ولم يكتف بزمان يظن أن فاقده يعرض عنه غالبًا، وذكر أن اكتفاء الرافعي والنووي به مخالف لمشهور المذهب؛ فكيف استثنى من القاعدة ما لا يوافق أصله.
قلت: الحقير الذي أوجب الشيخ الإمام تعريفه سنة والرافعي والنووي زمنًا يظن إعراض صاحبه عنه هو ما لم ينته في القلة إلى حد يسقط تموله كما عرفناك ليس في المنتهى إلى ذلك إلا محاولة الرافعي لتخريج وجه فيه لم يوافقه عليه لا ابن الرفعة ولا الشيخ الإمام، وانظر إلى قول الرافعي والنووي يظن إعراض صاحبه؛ فإن فيه إشارة إلى أن ما كان الظن حاصلًا فيه قبل التعريف لا فائدة في تعريفه ولا يعرف؛ فقد ظهر استثناء الحقير الذي يغلب على الظن إعراض صاحبه عنه من
стр. 442
القاعدة فلا يأخذه القاضي للحفظ ولا يعرفه الملتقط إذا التقطه؛ بل لو أخذه للاستبداد به، ثم تردد الشيخ في أنه [هل] ١ يملك بمجرد الأخذ كالاحتطاب أو بقصد [التمليك] ٢، قال والظاهر الثاني وفي أنه إذا لم يقصده هل يخرج عن ملك مالكه، قال: والظاهر بقاؤه حينئذ يدخل في معنى اللقطة؛ لكنها لا تعرف، قلت: وبقيت مسائل أخر تستثنى من٣ القاعدة.
منها: إذا أقر لمنكر فأصح الأوجه أنه يترك في يد المقر كما كان، ثم اختلف في وجهه؛ فقيل: لأن يده تشعر بالملك ظاهرًا وقد عارض الإقرار الظاهري إنكار المنكر فسقط، وقيل: لأنا لا نعرف مالكه، ونراه في يد المقر فهو أولى الناس بحفظه وجمع الرافعي في الشرح بين العلتين والأظهر منهما العلة الثانية ويتخرج عليهما أن يد المقر بعد ذلك عليه هل هي يد ملك أو يد استحفاظ [والأول] ٤ قضية كلام صاحب المهذب، قال ابن الرفعة: والأشبه الثاني لأن المقر ادعاه لنفسه لم يقبل عند الإمام والغزالي فعدم الحكم له [به] ٥ عند عدم الدعوى أولى قلت: نحن لم نقل أنه يحكم له به؛ وإنما قلنا يبقى في يده يد ملك وفرق بين ذلك والحكم به فتأمله، ثم على وجه الاستحفاظ يكون مستثنى من القاعدة؛ فإنه مال لم يعرف مالكه ولم يقبضه القاضي بل تركه في يد المقر وفي المسألة تتمة نذكرها قريبا في أخر الفرع عقيبها.
ومنها: على وجه قال الشيخ أبو محمد موضع الخلاف فيمن أقر لمنكر ما إذا قال صاحب اليد هذا لفلان وكذبه، أما إذا قال صاحب اليد للقاضي في يدي مال لا أعرف مالكه؛ فالوجه القطع بأن القاضي يتولى حفظه وأبعد بعضهم فلم يجوز انتزاعه هنا أيضًا كذا نقل الرافعي هنا وقال في باب دعوى الدم فيمن في يده مال حكم له به؛ فقال إنه مغصوب إن عين صاحبه انتزع منه، وإن لم يعين فهو مال ضائع وفي مثله خلاف مشهور، وقال في باب الدعاوي أن من في يده مال لو قال هو لرجل لا أعرفه ولا أسميه أن الأصح أنه لا ينتزع من يده، وقال في باب الكتابة فيما إذا أتى المكاتب بالنجوم؛ فقال السيد هذا حرام وحلف المكاتب أجبرنا السيد [القول] ٦ إنه إن لم يكن عين مالكها٧ لم
стр. 443
ينتزع من يده على الصحيح؛ فانظر هذه المواضع وتلقف منها ما يستثنى من هذه القاعدة والجمع بين ما قيل في الأبواب الثلاثة وما حكي عن الشيخ [أبي] ١ محمد في الإقرار أن المقر في الأبواب الثلاثة محكوم عليه؛ فإقراره بمجهول على خلاف الحكم مع تهمته فيه لا يسمع بخلاف مسألة الشيخ أبي محمد؛ فإنه ليس متهما هناك.
ومنها: إذا كان المال الضائع في ذمة إنسان بأن جاء إلى القاضي، وقال في ذمتي مال لا أعرف مالكه فقياس المذهب أنه لا ينزع ولا ينقل من الذمة إلى الضمان نعم يجيء على طريقة الشيخ الإمام التي نقلها عن النص وصححها وهي أن للآحاد انتزاع المغصوب أنه ينزع، والحالة هذه والذي أراه في المغصوب ومن في يده مال ضائع أنه إن خشي من بقائه في يده أو ذمته هلاكه انتزع، ولا يضر انقلابه من الضمان إلى الأمانة لهذا الغرض وإلا فلا ويبقى على الحكم الضمان؛ فليجتهد الحاكم فيما هذا شأنه وأقول هذا أيضًا فيما إذا أقر لمنكر، وقلنا يبقى في يد المقر استحفاظًا؛ فأقول إنما يبقى في يد المأمون على مثله والمشهور في مسألة [الإنذار] ٢ للمنكر أن محل الخلاف إذا كان المقر به عينًا، أما إذا كان دينًا؛ فلا يؤخذ بلا خلاف وذكر ابن يونس في شرح التنبيه أنه لا فرق بين العين والدين، وقد تحرر ما ذكرناه مسألة مستثناة من القاعدة على المذهب وهي الدين وعلى وجه، وهي مسألة الشيخ أبي محمد وهو الوجه الذي أشار إليه الرافعي٣ وأبعد بعضهم، وعلى الأرجح وهي العين المقر بها لمنكر إذا قلنا يترك في يده الاستحفاظ، وقد ذكرنا أن طريقة الاستحفاظ هي الأرجح؛ فإن قلت: رجحان طريقة الاستحفاظ على رأي الإمام والغزالي واضح؛ فإنهما يقولان لو رجع المقر له عن الإنكار وصدق المقر قبل وسلم المال إليه؛ ولكن الأصح عند الرافعي والنووي عدم تسليمه إليه، وأنه إنما يسلم إليه على الوجه البعيد القائل بأنه يجبر المقر له على القبول، وعلى هذا فكيف يرجح قول الاستحفاظ قلت: أما قول الرافعي والنووي أنه إنما يسلم إليه على الوجه البعيد؛ فقال الشيخ الإمام فيه نظر؛ إذ لا حاجة إلى الرجوع حينئذ قال، وينبغي أن يقال: إن قلنا يترك في يده ملكا؛ فهو إبطال الإقرار فلا يسلم إليه، وإن قلنا استحفاظًا فلا يمتنع تسليمه للمقر له إذا رجع، ولا يختص ذلك بالتفريع على الوجه البعيد، قال: والصحيح أن الخلاف في قبول رجوع المقر له مطلق من غير بناء، والأظهر منه عند الرافعي عدم القبول
стр. 444
هذا ملخص كلام الشيخ الإمام وهو حق، وليس [له] ١ فيه كما ترى موافقة الرافعي على تصحيح عدم القبول ولا تصريح بمخالفة، وأقول إذا كان الأرجح التبقية استحفاظًا؛ فالذي يظهر ترجيح القبول لا سيما إذا ادعى أنه كان غالطا وبين للغلط وجهًا محتملًا ولا يؤاخذ بتكذيبه السابق، كما أنه يقبل رجوع المقر نفسه على الأصح إذا قال كنت غالطًا كما في الوسيط والمحرر والمنهاج؛ بل وإن لم يقل كنت غالطًا كما في الشرح الكبير والشرح الصغير [ورجح] ٢ الشيخ الإمام، وقال: ينبغي إسقاط قيد الغلط من المحرر والمنهاج أو يقال: إنه لا مفهوم له؛ فقد ظهر أن الأرجح على قول الاستحفاظ القبول هذا إذا صدق المقر له بعد ما كذب. أما عكسه إذا كذب بعد ما صدق؛ فلم أجده مسطورًا، وقد يقال فيه إن تكذيبه بعد انفصال الخصومة غير معتبر لكنه بمنزلة الإقرار بما في يده لمجهول؛ فيأخذه القاضي على ما [قال] ٣ الشيخ أبو محمد أو تبقيته في يده هذا إن أنكر كونه لنفسه، ولم يقر بأنه لمعين؛ فإن أقر به للذي أقر له فهو إقرار لمنكر فيبقى في يده على الأصح، وقد يقال لا يبقى في يده هنا قطعًا سواء أقر به لمن أقر له أولا أو لمجهول؛ لأنا عرفنا سبب وضع يده وقد زال بإقراره؛ فأما أن يعيده إلى من أقر أولا أو [ينزعه] ٤ القاضي قطعًا، وأقول الذي يظهر هنا أن القاضي [ينزعه] ٥ قطعًا ولا يبقيه في يده لما ذكرت من أنه عرف سبب وضع يده، وهو إقرار الأول له مع تصديقه وقد زال تصديقه ولا يعيده إلى الأول؛ لأنا إنما نبقيه في يده عند الإنكار أما بعد الاعتراف ورفع يده؛ فلا نعيده إليه لأن في الإعادة إليه حكما بثبوت يده، ولا وجه للحكم بذلك مع كونه مقرًّا للغير، وهذا بخلاف التبقية عنده ابتداء؛ فإنها ليست بحكم له، وإن قلنا اليد يد ملك كما بيناه آنفًا ورددنا به [كلام] ٦ ابن الرفعة فتأمله، وكل هذا إذا لم أجده مسطورًا أو أخص منه ما وقع عندي في المحاكمات شخص أقر بعقار لآخر ملكًا، وصدقه المقر له، ثم مات فعاد المقر يدعي على وارثه بذلك العقار، ويقول: إنما أقررت به لمورثك مكرها، ولم يثبت الإكراه لكن كان من جواب الوارث أنه وقف؛ فقلت: إن كان المورث قد أحدث الوقفية بعدما ثبت له [المالكية] ٧ فذاك؛ وإلا فهل هذا من الوارث تكذيب للمقر لأنه يقول هي
стр. 445
ملك مورثك، [ونقول] ١ بل وقف وكلام الوارث منزلة منزلة٢ المورث؛ فيصير مكذبًا بعد التصديق فيعود المقر، ويقول قد أكذبتني في إقراري لك بالمليكة فلتبق يدي على ما أقررت به، ولا تنزع كمن كذب المقر ابتداء [وليس] ٣ بتكذيب؛ لأن المورث قد صدقه وانفصلت الخصومة؛ فلا يعود [يدعي] ٤ الوارث الوقفية هذا موضع نظر واحتمال٥ قاعدة ليس كلما لا [معه] ٦ الحالكم إذا وقع يجيب إليه أو بإذن فيه إذا طلب، ومن ثم فروع منها الأصح أنه لا يجيب الشركاء إذا طلبوا قسمة ما لا تبطل منفعته بالكلية إذا كسر فروع منها الأصح أنه لا يجيب الشركاء إذا طلبوا قسمة ما لا تبطل منفعته بالكلية إذا كسر كالسيف؛ ولكن إذا اقتسموا بأنفسهم لم يمنعهم بخلاف ما تبطل منفعته بالكلية كالجوهرة النفسية.
ومنها: قال الشيخ الإمام الوالد [﵀ لا] ٧ يجوز للحاكم الإجابة إلى بناء ما استهدم من الكنائس ولا الإذن فيه، وكاد يدعي الإجماع على ذلك وإن كان لا يمنع عند إعادة ما استهدم من كنيسة قديمة على الخلاف فيه.
ومنها: على القول بأن المشرك إذا انتقل إلى دين يقر أهله عليه لا يقبل منه إلا الإسلام أو الدين الذي كان عليه قال الأصحاب لا يقال له: أسلم أو عد إلى ما كنت٨؛ بل يقال: له أسلم؛ فإن عاد إلى غيره تركناه أصل يرد إليه قاعدة الكفارات من العبادات جابر [وزاجر] ٩ والمعنى بالجابر ما يجبر مصلحة فاتت ويستدركها؛ فهو داخل في جلب المصالح والمعنى بالزاجر ما يمنع من ارتكاب مفسدة. أما محرمة أو مكرهة أو مصورة١٠ بصورة المحرم؛ فإنه رب مفسدة انتفى التكليف فيها لعدم العلم ونحوه ولم يخرجها انتفاء التكليف عن كونها مفسدة كما إن قتل غير المستحق دمه مفسدة، وإن جاء من قبل [الخاطيء] الذي لا تكليف عليه؛ فإذا الزواجر من [قبيل] ١٢ درء المفاسد فيكون الزاجر أعم من الجابر؛ لأن درء [الفساد] ١٣ أعم من جلب المصالح كما ذكرنا في
стр. 446
أول الكتاب؛ غير أنا إذا قابلنا درء [الفاسد] ١ بجلب المصالح أو الرواجر بالجوابر؛ فإنما يعني به ما هو من الزواجر مقصور على درء المفسدة، وليس بجالب للمصلحة إذا عرفت هذا؛ فقد اختلف في الكفارات أهي من الجوابر أو الزواجر؛ فقال كثيرون: إنها جوابر لما فات من حق الله [تعالى بدليل] ٢ وجوبها على حافر البئر والنائم ونحوهما، ولأنها عبادات للنية فيها مدخل؛ فلا تشبه الحدود والتعزيرات التي هي زواجر محضة وقال أخرون بل هي زواجر عن الفعل التي وضعت بإزائه، أما لفاعله أن يقع في مثله أو لغيره أن يفعل [مثل] ٣ فعله، وإذا جريت على هذا الأصل وصح لك أن إيجاب الكفارة في قتل العمد واليمين الغموس أحق منه في إيجابها في قتل الخطأ وغير الغموس؛ سواء قلنا الكفارات زواجر أم جوابر؛ لأن [الزجر والجبر] ٤ فيهما أولى منه في غيرهما غير أن الخصوم يتعلقون بشيئين أحدهما: أن المعصية ربما ترقت على حد التكفير لغلظها في نفسها، ولو استدل لهم مستدل بقوله تعالى: قاعدة [كل ما] ٥ شرط في الراوي والشاهد؛ فهو معتبر عند الأداء لا عند التحمل إلا في مسائل:
منها: الشهادة في النكاح؛ فإن الشروط معتبرة عند التحمل أيضًا لتوقف انعقاد العقد على حضور عدلين فإن قلت أليس يكفي حضور مستورين على الأصح. قلت: لأن [ظاهرهما] ٦ العدالة ولو تبين خلافها فالنكاح باطل على المذهب.
ومنها: على قول ضعيف الصبي إذا تحمل الرواية فبلغ؛ فأدى لا يقبل وهذا في الرواية، أما لو تحمل الشهادة فبلغ؛ فأدى فلا نعرف خلافًا في قبول شهادته بل لو أداها في الصبا فرد، ثم أعادها بعد البلوغ قبلت قطعًا.
ومنها: إذا وكله في البيع واشترط عليه الإشهاد.
ومنها: إذا وكله في قضاء دين فقضاه في غيبة الموكل، وجب عليه الإشهاد؛ ولكن الأصح الاكتفاء بشاهدين ظاهرهما العدالة أو بشاهد واحد فالاستثناء على وجه. وكذا إذا وكله في الإيداع. فأودع ولم يشهد لم يضمن على الصحيح.
ومنها....
قاعدة:
مستند الشاهد إن كان إخفاؤه يورث ريبة تعين ذكره، فلا تقبل الشهادة إلا
стр. 447
بذكره، وإن كان ذكره يورث ريبة تعين إخفاؤه فتردد الشهادة عند ذكره. وإن لم يتعلق ريبة [لا] ١ يذكره ولا بإخفائه لم يضر واحد منهما، وإن تردد النظر في أنه هل يورث ريبة؟ اختلف فيه، وقد تطلب قرينة تدفع الريبة من موافقة مذاهب الشاهد للحاكم وفقهه ونحو ذلك.
فما يورث إخفاؤه ريبة؛ الجرح فلا يخفي اختلفا المجتهدين في أسبابه، ثم اشتباه كثير منها على كثير من الناس، فمن ثم لم يقبل إلا مفسرا٢.
ومنها: إذا أخبره ثقة بنجاسة الماء أو شهد به شاهدان لم يقبل ما لم يتبين السبب؛ إلا إذا كان المخبر أو الشاهد فقيها موافقًا في المذهب.
ومنها: الشهادة باستحقاق الشفعة لا بد فيها من بيان السبب.
ومنها: الشهادة بأنه وارثه.
ومنها: الشهادة بالردة على ما صححه الشيخ الإمام الوالد وهو الصحيح الذي اقتضى بصحته كلام الرافعي والنووي -وإن كانا رجحًا الاكتفاء لإطلاق تصحيحه في باب الردة.
ومنها: الشهادة بانتقال الملك أصح الأوجه لا بد من بيان سبب الانتقال.
والثالث: الفرق بين الفقيهين الموافقين وغيرهما.
ومنها: لو شهد أن بينهما رضاعًا محرمًا.
ضابط الاستفاضة:
اقتضى كلام أقوام أنها خبر جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب. وعليه دل كلام الرافعي في بعض المواضع؛ فعلى هذا هل هي التواتر بعينه.
واقتضى كلام قوم أنها دونه، مع القطع بأنها فوق الظن المجرد، وهذا ما اقتضاه كلام الرافعي في كتاب الشهادات في مستند علم الشاهد؛ إذ حكى فيها أوجها أصحها "أنه خبر جمع كثير مع العلم أو الظن القوي بقولهم ويؤمن
стр. 448
تواطؤهم على الكذب؛ غير أن لك أن تقول: إنما يؤمن التواطؤ على الكذب عند اليقين، وهذا نحو كلامه في كتاب القضاء؛ إذ جعل فيه المستفيض دون المعلوم.
والذي يظهر أن المستفيض قد يكون معلومًا وقد يكون مظنونًا قويًا؛ غير أنه إذا انتهى إلى العلم كان متواترًا، فإذا هو أعم من التواتر، وإذا لم ينته إلى العلم فقد يعمل به وقد لا يعمل به؛ لأنا نتطلب في بعض الأماكن مستفيضًا انتهى إلى درجة العلم، وسيظهر لك ذلك.
وإذا عرفت هذا فنقول: قال أصحابنا: لا تقبل الشهادة بالاستفاضة إلا في مسائل الموت والنسب. ولو من الأم، على الأصح، والوقف والنكاح والولاء وولاية الوالي وعزلة الرضاع، وتضرر الزوجة، والصدقات والإسلام والكفر والرشد والسفه، والحمل، والولادة والوصايا، والحرية، وشراب قديم معروف بقوم، واللوث وكذا الغصب -ذكره الماوردي في الأحكام السلطانية وهو ظاهر، والدين وهو على وجه حكاه الهروي في الأشراف.
ومنها: التعديل والجرح.
وهنا فوائد: أحدها: نقل الرافعي عن العدة أنه لو استفاض فسق الشاهد بين الناس؛ فلا حاجة إلى البحث والسؤال وينزل المستفيض منزلة المعلوم.
وسكت على هذا في الفصل الرابع في التزكية في كتاب القضاء، ثم بعد ورقتين -ذكر أنه إذا استفاض الفسق وانتشر جاز الجرح به، فيما حكى ابن الصباغ وصاحب التهذيب وغيرهما.
قلت: وليست هذه مسألة العدة؛ فتلك في أن الاستفاضة بفسقه تدفع بها شهادته، أما إنشاء الحكم به: فهو مسألة ابن الصباغ وصاحب التهذيب وليتنبه فيها لأمرين.
أحدهما: أنهما وغيرهما لم يجوزوا -ولا واحد منهم- الجرح بمجرد الشياع والانتشار؛ بل لا بد -معهما- من حصول العلم، وبذلك صرح الماوردي والبندنيجي، وإليه أشار -أيضا- ابن الصباغ وصاحب التهذيب.
أما إذا لم يفد العلم اليقين؛ فلا يجوز اعتماده وهتك أعراض الناس به، قال ابن الرفعة: وبهذا صرح الغزالي تبعًا للإمام في مكان آخر قال: وهو الحق، لأنه مما يمكن.
стр. 449
الوقوف عليه، وليس من شأنه -إذا وقع- أن تتناوله الألسن على مرور الزمان؛ فلا يقنع فيه بما لا يحصل العلم من الاستفاضة، قال: ولهذا حكي عن الشيخ أبي حامد أنه قال: السماع من الواحد والعشرة لا يجوز الشهادة به؛ لأنه لا يصير به علما، وإن كان من مذهبه الاكتفاء في الاستفاضة بالسماع من عدلين.
قلت: وكذلك قال صاحب البحر: وإنما لم يقيده الرافعي بالعلم؛ لأنه ذكر عقيبه أنه لا يجوز الجرح بناء على خبر الواحد والعدد اليسير، وملعوم أنه لو اكتفى بالظن لاكتفى بالواحد، أو بالظن القوي لاكتفى بالعدد اليسير.
وفي المهذب أنا اكتفينا بقول أصحاب المسائل جاز للواحد منهم أن يعتمد فيما يشهد عند القاضي من الجرح والتعديل على قول واحد إذا سكنت نفسه إليه.
وهو مأخوذ من الماوردي؛ لكنه مفروض في أصحاب المسائل، ثم هو غير موافق عليه وما ذكره الشيخ أبو حامد وغيره في غير أصحاب المسائل؛ فهذا أحد الأمرين.
والثاني: أنه مخصوص بالشاهد إذا استفاض عنه فسقه.
أما الحاكم لو استفاض فسقه؛ فهل للشاهد أن يشهد به؛ فهذا لم أره مسطورًا، والذي أعتقده أنه لا يجوز؛ لأن الكلام بالبهتان في أرباب الولايات كثير، وتقضي العادة بأنه لا يستفاد منه علم؛ بل ولا ظن قوي.
الفائدة الثانية:
هذا كله في استفاضة لها أصل؛ لأن هذا في معنى المتسفيض، ونعني بما له أصل ما ينتهي الحال فيه إلى عدول معينين يخبرون عن مشاهدة أدنى عددهم -كما علمت- أحد عشر، ولا يكتفي بمجرد شياع لا يعرف أصله، وإليه الإشارة بقول الرافعي: لا يجوز الجرح بناء على خبر الواحد والعدد اليسير، نعم له أن يشهد على شهادته بشرط الشهادة على الشهادة. انتهى.
وهو صحيح، ذكره أكثر الأصحاب؛ غير أن الرافعي لم يعين مقدار العدد اليسير، وقد قدمنا عن الشيخ أبي حامد وصاحب البحر أنهما قالا: لا تكفي العشرة؛ فحينئذ [أقل ما يكفي] ١ أقل جموع الكثرة وهو أحد عشر فليتنبه لذلك؛ فمن زعم استفاضة بدون هذا العدد فهو جاهل.
الثالثة: الاستفاضة -على ما فهمت عن الأصحاب- غير السماع، والسماع هو
стр. 450
الذي وقع في لفظ الشافعي ﵁، والمراد به التواتر.
الرابعة: شرط العمل بالاستفاضة أن لا تعارض باستفاضة مثلها؛ فإن عورض بطل حكمه لأنا إن شرطنا العلم في الاستفاضة فالمعارضة تدل على أنه لا استفاضة من الجانبين؛ لأن القاطعين لا يتعارضان.
وإن قلنا: يكتفي فيها بالظن الغالب؛ فعند المعارضة ليس الظن المستفاد من إحدى الاستفاضتين بأولى من مقابهما، وهذا مما لا يتصور فيه خلاف.
قاعدة:
[من قبلت روايته أو شهادة في شيء] ١؛ فهل يكتفي بإطلاقه القول في ذلك أو يكلف بيان السبب؟
التحقيق أنه لا يكلف [بيان السبب] ٢ فيما لا تشتبه طرقه، ويختلف فيه المجتهدون٣، وهل يكلف فيما اشتبهت طرقه واختلف المجتهدون فيها طلبًا للاحتياط ودرءًا لاحتمال يخالف اجتهاد الشاهد والمشهود عنده واحتمال بناء الشاهد شهادته على ظن ليس هو عند المشهود عنده كما هو عنده أو لا يكلف اكتفاء بأن الجاهل بما هذا شأنه لا يقبل خبره، ولا شهادته في ذلك؟
وإذا كان عالما فهو يدري أين يضع قوله أو يكلف عدم ذكره لئلا يورث ذكره إياه ريبة.
هذه احتمالات ثلاثة، والتحقيق فيها الاختلاف باختلاف الصور.
فمنها: الشهادة بالجرح والتعديل، والصحيح لا بد من بيان سبب الجرح دون التعديل.
ومنها: ما إذا أخبره ثقة بنجاسة الماء أو شهد به شاهدان لم يقبل ما لم يبين السبب؛ إلا إذا كان المخبر أو الشاهد فقيها موافقًا في المذهب.
ومنها: لو شهد باستحقاقه الشفعة فلا بد من بيان السبب.
[ومنها لو شهد بأنه وارثه لا بد من بيان السبب] ٤.
ومنها: لو شهد بالردة. رجح الرافعي والنووي القبول مع الإطلاق، واقتضى كلامهما -في مواضع- أنه لا بد من بيان السبب، وهو الصحيح عند الشيخ الإمام وإياه يصحح ويستشكل ما وراءه.
стр. 451
ومنها: لو شهد بالموضحة الأصح القبول، وقال القاضي الحسين: "لا بد من التعرض لإيضاح العظم"، وتردد فيما إذا كان الشاهد فقيهًا وعلم القاضي أنه لا يطلق لفظ الموضحة إلا على ما يوضح العظم.
ومنها: إذا شهدا بانتقال الملك إلى زيد ولم يبينا سبب الانتقال؛ فأصح الأوجه عدم القبول، والثالث: إن كانا فقيهين موافقين فلا حاجة إلى بيان السبب.
ومنها: إذا شهدا أن حاكمًا حكم بكذا ولم يعيناه فالأصح القبول.
ومنها: إذا شهدا أن بينهما رضاعًا محرمًا؛ ففي الاحتياج إلى السبب وجهان:
الأكثر لا يحتاج، وتوسط الرافعي....
قاعدة:
الشيء الذي لا ينضبط أسباب الاطلاع عليه إذا أثارت أسباب معرفته لبعض العارفين بها ظنًّا يسوغ له الشهادة بمقتضى ذلك الظن -لم يجز أن يصرح به في شهادته؛ لأن ذكرى إياه بين يدي الحاكم قد يورث الحاكم ريبة؛ إذ من الجائز أن لا يتبين عند الحاكم الظن الذي أثاره عند الشاهد، لا سيما وقد يقوم عند الشاهد إشارات تقصر عنها العبارات، ومن ثم قالوا فيما يشهد فيه بالاستفاضة: أن الشاهد [لو] ١ صرح بأن مستندة الاستفاضة لم يقبل؛ لأنه أضعف قوله بذكر مستنده.
وفي القاعدة مسائل:
منها: ما ذكرناه من أن الشاهد فيما يشه به فيه بالاستفاضة لا يذكر مستنده.
قاعدة:
ذكر بعضهم أن أصل قاعدة مذهبنا "أن اللهو واللعب أصلهما على الإباحة خلافًا لمالك".
وهذه العبارة لا أعرف أحدًا -من الأصحاب- قالها؛ ولكنها قضية أن أصول الأشياء على عدم التحريم.
فائدة: قال الجرجاني في "المعاياة" والروياني في "الفروق": ليس أم ولد يمتنع السيد من وطئها من غير تعلق حق زوج بها إلا في مسألتين.
إحداهما: أن يشتري أخته من الرضاع ويطأها جاهلًا بالتحريم ويحبلها؛ فإنها تصير أم ولد، ويمنع من وطئها للتحريم القائم بينهما بالرضاع.
قلت: ولا حاجة إلى تقييد التصوير بأخوة الرضاع؛ بل لو اشترى أخته من النسب
стр. 452
ووطئها بشبهة صارت أم ولد، وحرمة الوطء قائمة بل وطئها لا بشبهة صارت أم ولد أيضًا، وصار الولد حرًّا نسيبا، وإن وجب التعزير على الأظهر والحد على قول، وصيرورتها أم ولد وولدها نسيبًّا على كل من القولين.
كذا جزم به الرافعي في [عتق] ١ أمهات الأولاد؛ ولكنه في باب حد الزنا- جعل ذلك طريقة مرجوحة؛ فقال: فإن قلنا: لا حد ثبت النسب والمصاهرة؛ وإلا فلا، وقيل يثبت النسب وتصير الجارية أم ولد بلا خلاف. انتهى.
قالا: والثانية: أن يكون لكافر أم ولد فتسلم؛ فإنه يمنع من وطئها إلى أن يسلم.
قلت: وبقيت ثالثة: إذا وطئ الأب أم ولد ابنه بشبهة حرمت على الابن على التأبيد ولم تحل للأب بحال.
فائدة:
ليس من لا يضمن شخصًا؛ ولكن يضمن طرفه إلا السيد مع مكاتبه إن قتله لم يضمنه، وإن قطع طرفه ضمنه....
قاعدة:
قال صاحب التنبيه: "لا يصح الدعوى بمجهول إلا في الوصية".
وهذه القاعدة صحيحة، وقد طردها القاضي الحسين، ومنع الدعوى بالمجهول في الوصية أيضًا؛ ولكن الصحيح خلافه، لئلا يضيع حقه؛ إذ لا طريق له غيرها وقول القاضي: يعين قدرًا ويدعي أن الموصي أراده -كيف يستقيم ... والغرض أنه أوصى بمجهول.
وقد تورد -أيضا- الشعفة؛ فإن الشيخ الإمام رجح الدعوى بحقها، وإن لم يعين للثمن قدرًا ولا ادعى المشتري به علما، وذكرا أن قضية كلامهم تأباه.
قلت: وصرح بمنعه القاضي أبو سعد في "الأشراف"، وبتقدير جوازه -على [مثال] ٢ الشيخ الإمام- فالمدعي به ليس بمجهول لأنه حق الشفعة؛ إنما المجهول شرطه وهو الوقوع بثمن معين.
وكذلك قد يورد ما إذا ادعى رب المال في المساقاة -على العامل- خيانة لا لقصد تغريمه بل لرفع يده؛ ففي سماعها مجهولة وجهان في "الحاوي" قال الشيخ الإمام -في باب المساقاة: "أصحهما سماعها" قال: "وليس ذلك من مواضع المستثناة في سماع الدعوى بالمجهول؛ لأن هذا إنما هو دعوى خيانة، [وهو] ٣ أمر معلوم، فيختلف
стр. 453
عليه، أو تقام به البينة. وإن شارك الدعوى بالمجهول في الصورة.
وضم بعضهم -إلى الوصية- الإقرار؛ فإن الدعوى -بالإقرار بمجهول- صحيحة على الصحيح.
ولك أن تقول: المجهول في الإقرار ليس مجهولًا من كل وجه، ومن ثم يقول: "التحرير" في هذا الضابط "إن المجهول من الحقوق- ضربان"؛ ضرب لا يكون ثابتا؛ وإنما يطلب ثبوته، وبعبارة أخرى نقول: يكون ثبوته موقوفا على تعيينه، والمطلوب من الحاكم [تعيينه] ١ وبعبارة ثالثة: نقول: يطلب من الحاكم إنشاء تقديره فتسمع الدعوى به -مع الجهالة- بلا خلاف. وليس مما نحن فيه؛ وذلك كالمتعة والحكومة والمفروض للزوجة.
وضرب يكون [ناشئًا] ٢ -لا يحتاج إلى إنشاء الحاكم إثباته ولا في تعيينه وهو ثلاثة:
الأول: المجهول في نفس الأمر وهو المبهم كالوصية بمجهول.
الثاني: المجهول عند المدعي؛ ولكنه [معلوم] ٣ في نفس الأمر. وهو الإقرار بالمجهول والصحيح التحاقه بالأول.
الثالث: أن يكون معلوما عند المدعي؛ غير أنه يجهله على الحاكم ولا يبينه له؛ فهذا هو الذي لا تصح الدعوى به، ولا يستثنى منه شيء.
قاعدة:
"لا تصح الدعوى إلا من مطلق التصرف" ...
قاعدة: "قال الشيخ أبو علي ﵁: "كل ما صحت إقامة البينة به صحت الدعوى به".
ونقضها ابن أبي الدم بصور تكلم عليها الشيخ الإمام في باب الإقرار من شرح المنهاج.
قاعدة:
"كل دعوى يشترط فيها أن يكون متعلقة بشخص معين".
وفي وجه يستثنى الدم فإذا قال: قتله أحدهم -وهم جمع يمكن اجتماعهم على قتله- حلفهم الحاكم. وصححه الغزالي في الوجيز.
والأصح -في المنهاج والروضة المعزو في الشرح الكبير إلى تصحيح صاحب
стр. 454
التهذيب -أن القاضي لا يجيبه. قال الرافعي: ولم يورد جماعة من الأصحاب غيره.
وحاول ابن الرفعة موافقة الغزالي على تصحيح الأول؛ فقال في "المطلب": ومأخذ الخلاف يشبه الخلاف في الدعوى المردودة للحاجة كما إذا دفع ثوبًا قيمته خمسة ليبيعه بعشرة، ولم يدر هل باعه [أو تلف] ١ أو هو باق، وقد نقل الغزالي عن القاضي أن القضاة اصطلحوا على قبول هذه الدعوى، وقضية التشبيه أن يكون الأمر هنا كذلك فلا جزم. قال في الوجيز: "إنه الصحيح"، وهو يوافق قول ابن الحداد إذا أبهم الإيلاء بين امرأتين وحضرتا طالبتين للفيئة أو الطلاق تسمع منهما -مع إبهام المستحقة -ويعضده اتفاق الأصحاب- على سماع الدعوى-مجهولة- بالوصية؛ لأنه لو لم تصح الدعوى مع الجهالة لأدى ذلك -في الغالب- إلى ضياع حقه؛ وذلك موجود في القتل.
قلت: ولا يخفى على ابن الرفعة أن الإبهام فيما ذكره من الصور ليس هو في المدعى عليه حتى يشابه ما نحن فيه؛ وإنما هو في مسألة الثوب في المدعى به وكذلك في مسألة الوصية -الدعوى بمجهول لا على مجهول، وفي مسألة الإيلاء الإبهام في المدعي نفسه؛ فإن الدعوى -في الحقيقة- من أحدهما وهو مبهمة- لا منهما ولا من معينة.
ولكن كأنه يشير إلى أنه لا فرق بين الجهل بالمدعي -كالمرأتين- والمدعى به كالثوب، والمجهول الموصى به والفيئة أو [الطلاق] ٢ -اللتين يطلب في الإيلاء إحداهما -والمدعى عليه كمسألة الدم.
وكان أوضح من استشهاد ابن الرفعة -التصحيح مع الإبهام بما ذكره- أن يستشهد بقول الرافعي في طرق اللوث: "لو قال: القاتل أحدهم -ولا أعرفه- لم يمكن الولي من القسامة، وله أن يحلفهم؛ فإن نكلوا بأجمعهم فأراد أن يحلف واحد منهم....
المسألة.
فإن جزمه بأن له تحليفهم يقتضي صحة الدعوى؛ لأن التحليف فرعها ومن هذا يؤخذ أن الرافعي -في مسألتنا هذه؛ إما أن يكون موافقًا للغزالي على ما صححه، أو لا تصحيح له في المسألة.
وإن في إطلاق النووي التصحيح -في أصل الروضة- نظر [ولم يحمل] ٣
стр. 455
النووي على ذلك إلا قول الرافعي: "إنه لم يورد جماعة من الأصحاب غيره"، عزوا تصحيحه إلى صاحب التهذيب.
في هذه المسألة نتبيهات:
أحدها: أن الغزالي جعل -في الوسيط- محل الوجهين في أنه هل تسمع الدعوى على واحد منهم -من أحد العشر مثلًا؟
وجعل الإمام ﵀ محلها في التحليف؛ إذ قال: "ولو أشار إلى جمع محصورين، وقال: أعلم أن قاتل أبي فيكم وأحلفكم واحدًا [واحد] ١، هل له ذلك؟ على وجهين مشهورين.
أحدهما: ليس له ذلك؛ فإن اليمين [مرتب] ٢ على الدعوى، وإذا لم تتعلق الدعوى -الجارية- بالتحليف، لم ينتظم تحليفه.
والثاني: يحلفهم؛ لأنه يتطرق به إلى إظهار غرضه. قال ابن الرفعة.
وهذا الإيراد قد يفهم أن الدعوى لا تسمع جزمًا؛ وإنما الخلاف في طلب اليمين؛ وذلك أمر لا يعقل؛ فلذلك نصب الغزالي الخلاف في الدعوى.
قلت: وإيراد الرافعي ومن بعده -إلى منهاج النووي- جار على قضية ما أورده الإمام؛ فليتأمل.
وهذه عبارة المنهاج: فلو قال: قتله أحدهم لم يحلفهم القاضي في الأصح، وقول ابن الرفعة: إن اليمين من غير دعوى لا يعقل، يعني في الخصومات؛ وإلا فالشافعي يحلف رب المال إذا اتهمه في الزكاة، ومسائل كثيرة يقع التحليف فيها من غير دعوى؛ ولكن ابن الرفعة إنما أراد التحليف في الخصومة عند الحكام، ولا يرد عليه ما قدمناه فيما إذا قال: "القاتل أحدهم"، ولا أعرفه حيث ذكرنا أن له التحليف؛ فإن ذلك التحليف ليس إلا بعد الدعوى.
نعم لو كان الرافعي صحح أن الدعوى غير مسموعة، ثم قال: إن له التحليف لأورد على ابن الرفعة لو أشكل على الرافعي، والحق أنه لا يورد [اليمين] ٣، وأن اليمين من غير دعوى في الخصومة غير معقولة -كما ذكر ابن الرفعة.
لكن ذلك أن تقول: سلمنا أن التحليف من غير دعوى غير معقول؛ لكن الدعوى من غير تحليف معقولة، كالدعوى على قيم اليتيم، وسائر المسائل التي يقبل قول المرء
стр. 456
من غير يمين؛ فإن يدعي عليه، ثم لا تؤول تلك الدعوى إلى يمين، فما مستند الغزالي في وضعه الوجهين في سماع الدعوى.
الثاني: قال الغزالي -في الوسيط- لكنهم لو نكلوا جميعًا أشكل اليمين المردودة على الدعوى المبهمة. انتهى.
ولم يذكره الرافعي في "الشرح" ولم يبين ابن الرفعة في "المطلب" حال هذا الكلام، وكان ذلك لوضوحه عنده.
وحاصله: أن النكول يقتضي اليمين المردودة، ولا سبيل إليها هنا؛ لأنه لم يعرف عين القاتل ليحلف أنه هو؛ فأورد الغزالي هذا الإشكال على ما يصحح سماع الدعوى المبهمة -ولعله- من أجله- لم يفصح في "الوسيط" بتصحيحها، وإن كان في "الوجيز" صححها.
وأنا أقول: هذا الإشكال مندفع.
أما إن قلنا: بأن النكول في القسامة لا يقتضي رد اليمين -وهو وجه مفرغ على القول باقتضاء القسامة في القصاص [فواضح] ١؛ إذ ليس كل نكول -والحالة هذه- مقتضيًا لرد اليمين.
وإما إن قلنا بالرد -وهو الصحيح- فأقول: لا رد هنا ولا إشكال؛ فرب ناكل لا ترتد اليمين -بعد نكوله- على المدعي؛ ألا ترى أن ولي الصبي إذا ادعى له بشيء، وطلب يمين المدعي به ونكل؛ فإن الولي لا يحلف.
فإن قلت: لأنا ننتظر بلوغ الصبي فنحلفه، ولا كذلك فيما نحن فيه.
قلت: بل ننتظر أيضًا أنه يعين القاتل ثم يحلف، ونقول له: عين من اتهمت واحلف.
فإن قلت: لو عينه [كان] ٢ مجددًا دعوى غير تلك الدعوى، والتحليف -حينئذ- فيها لا في تلك.
قلت: بل يحلف في تلك الدعوى بعينهما، ولا يكلف دعوى مجددة؛ لأن التعيين لا ينافي الإبهام، كما أن الإطلاق لا ينافي التفصيل.
والصحيح المنصوص أنه إذا أطلق الدعوى يستفصله القاضي ولا يعرض عنه بل
стр. 457
يقول: أعمدًا قتلته أم خطأً؟ أمنفردًا أم يشاركا لغيره؛ فدل أنه لا منافاة، ولو نافى التعيين والتفصيل الإبهام والإطلاق. لم يسمعها لمناقضة الدعوى الثانية للأولى.
الثالث: الخلاف في الدعوى المبهمة يجري في دعوى -الغصب والإتلاف والسرقة وأخذ الضالة- على أحد الرجلين أو الثلاثة، ولا يجري في دعوى القرض والبيع وسائر المعاملات، وقيل: يجري فيها أيضًا، وقيل: بل هو مقصور على دعوى الدم؛ [فهي] ١ ثلاث طرق.
قاعدة: ذكرها الإمام في "النهاية" في باب القسامة: كل يمين لا يمين بعدها في مراتب الخصومات فالنكول عنها هل يبطل حق الناكل؟
فيه خلاف، ومن ثم إذا ردت اليمين على المدعي فامتنع؛ فيسأله القاضي عن سبب امتناعه؛ فإن لم يتعلل بشيء، أو قال: لا أريد أن أحلف فهذا النكول يسقط حقه في اليمين، وهل يتمكن من استئناف الدعوى وتحليفه في مجلس آخر حتى إذا نكل حلف المدعي أو لا يتمكن من ذلك ولا ينفعه إلا البينة؟ فيه وجهان: قال العراقيون والهروي أبو سعد والروياني بالأول، وقال الإمام والغزالي والبغوي بالثاني؛ قال الرافعي: وهو أحسن وأصح لئلا تتكر الدعوى في القضية الواحدة.
قاعدة: ذكرها الإمام في باب الدعوى والقسامة قال الأصحاب: الأصل أن من نكل عن يمين في خصومته لا يحلف تلك اليمين -بعينها- في ذلك المقام من تلك الخصومة.
وهل يحلف في مقام آخر من تلك الخصومة مع اتحاد المقصود؟ فيه خلاف، ومن ثم لو علل المدعي امتناعه عن اليمين بعذر، ثم عاد بعد مدة ليحلف، مكن منه وإن [تعلل] ٢ أو صرح بالنكول؛ فقال الغزالي والبغوي: يبطل حقه من الحلف. وليس له العود واستمر العراقيون على أن له العود.
فلو أقام شاهدًا واحدًا في دعوى مال ولم يحلف معه؛ فحلفنا المدعي عليه فنكل؛ فهل ترد اليمين على المدعي وقد امتنع عن اليمين مع الشاهد؟ فيه قولان:
وكذلك إذا لم يكن -في دعوى المال- شاهد فرددنا اليمين على المدعي بعد نكول المدعى عليه فنكل عن يمين الرد، ثم أقام شاهدًا وأراد أن يحلف مع شاهد فهل له ذلك؟ فيه قولان:
стр. 458
قاعدة:
ذكرها الإمام [في النهاية] ١ في باب دعوى الدم، وقال: إنها ضابط تمس الحاجة إلى ذكره "كل نكول يتعلق به حق حلف حالف بعد النكول إذا طهر فلا عود من الناكل".
ومن ثم إذا أراد المدعي عليه -بعد الامتناع- أن يعود فيحلف؛ فإن كان بعد أن حكم القاضي بأنه ناكل أو قال المدعي: احلف لم يكن له الحلف، وإن أقبل عليه ليحلفه ولم يقل له -بعد- احلف، فوجهان.
وإن لم يكن "شيء من ذلك؛ فله الحلف؛ حتى لو هرب المدعي عليه قبل أن يحكم القاضي بأنه ناكل وقبل عرض اليمين على المدعي، لم يكن للمدعي أن يحلف اليمين المردودة، وكان للمدعي عليه أن يحلف إذا عاد.
قاعدة:
لا يقضي بالنكول واستثنى مسائل:
منها: الصبي يستأسر ويوجد قد أنبت ويدعي الاستعجال بالدواء، ونقول الإنبات علامة البلوغ؛ فيحلف، فإن نكل جاز قتله.
منها: الذمي يسلم ويدعي أن إسلامه قبل السنة فلا جزية فيحلف فإن نكل أخذت منه ومن مات من غير وارث فادعى له الإمام بدين فنكل المديون، لزمه الدين.
ومنها: إذا ادعى رب المال أنه لا زكاة عليه ونكل، لزمته.
ومنها: إذا ادعى ولد المرتزق البلوغ لينزل في الديوان وحلف فنكل لم ينزل.
واعلم أنه لا يصح استثناء شيء من هذه الصور، وقد عد الجرجاني -في المعاياة- سبع مسائل وقال في أولها: "يحكم على الناكل بأصل الوجوب لا بالنكول؛ فأشار إلى أنه لم يقع بنكول. وهو الصواب.
قاعدة:
قال الرافعي ﵀ في باب الدعوى والبينات: "الحالف كل من توجهت عليه دعوى صحيحة".
وقل قيل: من توجهت عليه دعوى لو أقر بمطلوبها ألزم به؛ فإذا أنكر حلف عليه وقبل منه، ولا بد من استثناء صور عن هذا الضابط. انتهى.
والعبارة الثانية -وهي قوله: "وقد قيل" إلى آخره- يحتمل شرحا للعبارة الأولى؛ لأن الدعوى الصحيحة هي التي لو أقر بمطلوبها ألزم به، وهذا ما فهمه الوالد ﵀، واستدل عليه بثلاثة أمور.
стр. 459
أحدها: قوله "وقد"؛ فإنها ليست العبارة المألوفة في ذكر الخلاف.
والثاني: قوله: "عن هذا الضابط" وما قال الضبطين.
والثالث: اقتصاره -في "المحرر" قلتك وكذلك في الشرح الصغير- على العبارة الثانية؛ فلو كانت عنده ضعيفة لما اقتصر عليها.
ويحتمل أن يكون خلافا، وهذا ما فهمه النووي -إن كان في المنهاج اتبع المحرر، ويدل على أنه فهم ذلك قوله -في الروضة- وقيل: "كل من توجهت" إلى آخره؛ فحذف لفظ "قد" تصريحًا بالخلاف، ويؤيده أن الإمام ذكر -عن القاضي الحسين ضابطًا فيما يجري فيه التحليف، وحاصله أنه حكى وجهين:
أحدهما: أن حده أن يدعي حقا.
والثاني: أن ينفي دعوى ما لو أقر به ليقع إذا كان لا يؤدي إلى فساد احترازًا عن منع تحليف الشاهد والقاضي.
فلعل قول الرافعي: "وقد قيل" -إشارة إلى هذا الوجه الثاني.
ثم يستثنى مسائل لا تحليف فيها مع صحة الدعوى وكونها لو أقر بمطلوبها ألزم....
قاعدة:
قال الرافعي: "كل مكلف حنث في يمينه لزمته الكفارة حرًّا كان أو عبدا". قال ابن الرفعة -في المطلب- وكذا قاله الغزالي قلت: والرافعي أيضًا.
قال ابن الرفعة: ويطرقه سؤال؛ فإنه يقتضي اعتبار التكليف -حالة الحنث- في إيجاب الكفارة، ولا نعلم خلافًا فيمن خلف على عبده لا يدخل الدار فجن الحالف ثم دخل العبد، أنه يحنث، كما لو قال لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق فجن ثم دخلت، ثم لو كان ذلك معتبرًا لكان مخالفًا لقوله -أول الباب- "إن سبب وجوب الكفارة اليمين"؛ فإن السبب إذا وجد في حالة التكليف لا يقدح في العمل به وجود شرطه حال عدم التكليف.
والأصحاب حكوا قولين أو وجهين في أن الاعتبار في تعليق الطلاق والعتق بحالة التعليق -كما هو الصحيح- أو بحالة وجود الصفة، ولم يختلفوا فيما لو قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر في حال جنون السيد، أنه يعتق -كما ستعرفه في التدبير، وما نحن فيه مثله.
стр. 460
نعم [يتجه] ١ ذلك على قول أبي حنيفة -الذي حكيناه وجهًا لبعض الأصحاب أن السبب الحنث"؛ فإذا وجد حال الجنون أمكن أن لا يؤثر، وكذلك إذا قلنا السبب اليمين والحنث.
والذي يظهر -أنا وإن قلنا وبذلك- فلا أثر له أيضًا؛ لأن إيجاب الكفارة- على هذا -من باب الوضع والإجبار كغرامة المتلفات وأروش الجنايات". انتهى.
قاعدة: "من حلف على فعل نفسه حلف من البت، وإن حلف على فعل غيره فإن كان على إثبات فكذلك، وإن كان على نفي حلف على نفي العلم.
قال الرافعي: وقد يختصر فيقال: اليمين على البت إلا أن يحلف على نفي فعل غيره.
ويستثنى مسائل ليس منها شيء -عند التأمل- يستثنى؛ وإنما ذكرناها لما يقع في الذهن من كونها مستثناة.
منها: لو ادعى على رجل أن عبدك جنى علي بما يوجب كذا؛ فأنكر فالأصح يحلف على البت؛ لأن عبده ماله، وفعله كفعله.
ولو ادعى أن بهيمتك أتلفت لي زرعًا أو غيره -حيث يجب الضمان- فأنكر حلف على البت؛ لأنه لا ذمة لها والمالك لا يضمن بفعل البهيمة؛ بل بتقصيره في فعلها، وهو أمر يتعلق بفعل الحالف.
ومنها: لو نصب البائع وكيلًا ليقبض الثمن ويسلم المبيع فقال له المشترى: إن موكلك أذن لي في تسليم المبيع، وترك حق الحبس -وأنت تعلم- فأحد القولين: إنه يحلف على البت، واختاره أبو زيد؛ لأنه يثبت لنفسه استحقاق اليد على المبيع.
وأقواهما -عند النووي- أنه يحلف على نفي العلم جريًا على القاعدة.
ومنها: لو مات عن ابن -في الظاهر- فقال آخر: أنا أخوك والميراث بيننا؛ فأنكر حلف على البت؛ لأن الأخوة رابطة بينهما؛ فهو حلف [لنفسه] ٢.
ولو طالب البائع بتسليم المبيع -فادعى حدوث عجز عنه وقال- للمشتري: أنت أعلم به؛ فأنكر، حلف على البت؛ لأنه يستبقي بيمينه وجوب تسليم المبيع إليه.
هكذا ذكر الصورتين ابن القاص ونازعه آخرون وقالوا: يحلف على نفي العلم وصححه النووي.