← Каваид фикха

Каваид фикха · id 8634

الأشباه والنظائر - السبكي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (824 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

يعرض بالخمر ولعل الله سينزل فيها أمرًا، فمن كان عنده منها شيء فليبعه أو لينتفع به". قال: فما لبثنا إلا يسيرًا حتى قال: ﷺ : "إن الله حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبيع" ١. ظاهره يدل على أنها أبيح بيعها والانتفاع بها قبل التحريم بإذن شرعي من رسول الله ﷺ ، وهو يرد على من يدعي أنها لم تحل قط، ثم هذا البيع المأذون فيه لعله من كافر لا ينتهي بالنهي حال نزول التحريم وإلا فالبائع والمشتري واحد وإذا كان من كافر ففيه دليل على أن الكافر يبيع الخمر وهو حرام عليه لا سيما عند من نكلفه بالفروع، [وقد قدمنا في مسألة تكليفه بالفروع] ٢ من نص الشافعي ﵁ ما ينازع في ذلك؛ ففي الحديث إشكال لعل الله ييسر حله، فما إشكاله من وجه واحد، بل من وجوه متعددة. تنبيه ثان: "الكف فعل على المختار"، وأقول على هذا أنها مرتبة بين التقرير والسكوت، فالمراتب إذًا أربع: قول، ففعل مستقبل، فتقرير، فكف -وإليه الإشارة "بقولي" في كتاب التراجيح من جمع الجوامع والقول، فالفعل غير التقرير، فالتقرير، فالكف، فالسكوت، ولنمثل لتعارض الكف والتقرير بكفه ﷺ عن أكل لحم الضب وتقريره إياهم على أكله لما أكلوه بين يديه وإن كان ﷺ نبه على سبب امتناعه وهو العيافة لما لم يكن بأرضه قومه٣. وكذلك ما كان الناس يزيدون في تلبيتهم عام حجة الوداع على تلبية رسول الله ﷺ فيقولون: "لبيك ذا المعارج" ونحوه من الكلام فيسمعه النبي ﷺ ولا يقول لهم شيئًا؛ كذا رواه أبو داود٤، وروى مسلم٥ معناه فقد كف عن قول أقرهم عليه وما ذلك فيما يعتقد إلا بجوازه ومرجوحيته بالنسبة إلى ما كان هو ﷺ يقول: أو لأن كلًا من الألفاظ شائع، ثم الأفضل لنا التأسي أو لا حجر أصلًا؟ كل ذلك محتمل: تنبيه ثالث: "قد علم أن أفعاله عليه الصلاة السلام حجة وأن التقرير فعل وكذلك

стр. 632

السكوت" وأقول ينبغي أن يكون الفعل مراتب أعلاها ما هو مستقل في نفسه كإقدامه علي١. "والثانية: ما هو تقرير". والثالثة: ما هو كف. والكف دون التقرير؛ فإن المفهوم من الكف الإحجام عن الفعل، وفي التقرير زيادة أفهمها على الأحجام٢. والرابعة: مجرد السكوت، وهو فيما أفهم من مدلوله دون الكف؛ فإن الكف منع النفس أن تقدم على قول أو فعل، والسكوت كأنه دون هذا القدر؛ غير أن السكوت قسمان: سكوت معه استبشار بفعل الفاعل، وسكوت لا استبشار معه وكلاهما دليل الجواز؛ فإنه لا يسكت على باطل أبدًا بأبي هو وأمي ﷺ . ثم الاستبشار فوق التبسم فيما يظهر؛ فإني أفهم من الاستبشار محبة ما أبصر من الفعل ولا أفهم من التبسم هذا المبلغ. فإذا المراتب ست: أولها: الفعل المستقل. الثانية: التقرير. الثالثة: الكف. الرابعة: السكوت مع الاستبشار. [الخامسة: السكوت مع ما أدعي من الاستبشار] ٣ كالتبسم، ولنمثل له بتحريم الغلول وإيجاب [تخميس] ٤ مال الكفار مع أن عبد الله بن معقل قال: أصبت جراب شحم يوم خيبر فالتزمته فقلت: لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا فالتفت فإذا رسول الله ﷺ مبتسمًا رواه مسلم٥ وبه احتج أصحابنا على جواز أكل الغانمين قدر الحاجة من الطعام وإن لم يأذن الإمام. السادسة: السكوت المجرد.

стр. 633

تنبيه رابع: "ما ذكرناه من دلالة السكوت [عليه] ١ مخصوص بسكوت يلزم منه مفسدة لو لم يكن [السكوت] ٢ عليه مخصوص بسكوت يلزم منه مفسدة لو حلالًا، أو عام في ذلك. وفي ما لا يلزم من السكوت عليه وقوع مفسدته فيه نظر للشيخ تقي الدين بن دقيق العيد. ومثاله: طلاق الملاعن زوجته ثلاثًا بعد فراغ اللعان، وسكت عليه النبي ﷺ ؛ فهل يكون سكوته دليلًا على جواز إرسال الثلاث حيث يعتبر ذلك في المنكوحة -أولًا دليل فيه هنا لأن المطلق [إرسال] ٣ الثلاث ظانًا بقاء النكاح والنبي ﷺ يعلم أنها بانت منه باللعان وأن هذا الكلام لغو. تنبيه خامس: "لا فرق بين السكوت على فعل وعلى قول" فإذا قيل بحضرته ﷺ هذا حلال أو هذا حرام وسكت دل على أنه كذلك. وليقع النظر هنا في واقعة ابن صياد وأن عمر٤ كان يحلف "بحضرة" ﷺ أنه الدجال٥. وقد روى مسلم في صحيحه أن محمد بن "المنكدر" قال: رأيت جابرًا يحلف أن ابن صياد هو الدجال؛ فقلت: تحلف بالله تعالى فقال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند رسول الله فلم ينكره٦. لكن هذا محمول على أنه لم ينكره إنكار من نفي كونه الدجال؛ بدليل أنه أيضًا لم يسكت على ذلك؛ بل أشار [إليه] ٧ أنه متردد؛ ففي الصحيحين أنه ﷺ قال لعمر: "إن يكن هو فلن تسلط عليه، وإن لم يكن هو فلا خير لك في قلته"؛ فردده في أمره؛ فلما صار ابن عمر يحلف على ذلك صار حالفًا على غلبة ظنه، والبيان قد تقدم من النبي ﷺ ، ثم

стр. 634

هذا سكوت عن حلف على أمر غيب لا على حكم شرعي، ولعل مسألة السكوت والتقرير مختصة بالأحكام الشرعية لا الأمور الغيبة التي قد يكون طلب الجهل بها واقعًا؛ فليتأمل ذلك والله أعلم. تنبيه [سادس] ١: قدمنا لك ما يعرفك أن قولنا: "القول مقدم على الفعل" معناه عند التعارض في حكم ما دل على حكمه قول وفعل متعارضان مطلقًا. [ولا] ٢ ينقض بقوة الفعل على القول في أمور آخر لمأخذ آخر؛ ألا ترى إلى قولنا "نقل الركن الفعلي في الصلاة مبطل، وفي القول خلاف" وما ذاك إلا لأن الفعل أفحش؛ فليس ذلك من قبيل ما نحن فيه بل الفعل هناك أشد؛ فلذلك يجعل أصلًا للقول. ويقول الأصحاب في نظائره مسألة نقل الركن الفعلي والقولي: "هل يلحق القولي بالفعلي أو لا؟ فيه خلاف يظهر في مسائل. منها مسألة نقل الركن هذه. ومنها: إذا قال: هذه الدار لزيد بل لعمرو أو غصبتها من زيد بل من عمرو [و] ٣ سلمت لزيد، وأظهر القولين أن المقر يغرم قيمتها لعمرو؛ لأنه حال بينه وبين داره بإقراره الأول والحيلولة سبب الضمان كالإتلاف إلحاقًا للحيلولة التقولية بالحيلولة الفعلية. ويعبر بعضهم عن القولين بأن الحيلولة القولية هي كالحيلولة الفعلية. ولقائل أن يقول: القول ما حال وإنما كان سببًا للحيولة؛ بل قد يقال: لم يكن شيء في يد عمرو حتى تصدق الحيلولة؛ فإن المقر به في يد المقر ولم يصدر منه غير إقرار ثان لعمرو يقتضي أنه كان يستحق قبض ما أقر به لغيره؛ فينزل اعترافه بهذا الاستحقاق منزلة تسمليه العين له ثم انتزاعه إياها من يده. وقد نبه على نحو هذا الوالد في "شرح المنهاج" في باب الإقرار. ومنها: الخلاف فيما إذا رفعت صوتها في الصلاة؛ بحيث يسمعها الرجال هل تبطل صلاتها لأن صوتها عورة قولية على رأي؛ ففي إلحاقها بالعورة الفعلية الخلاف. ومنها: شهود المال إذا رجعوا؛ فالأصح يغرمون، تنزيلًا لحالتهم القولية منزلة الغصب الذي هو حالة فعلية.

стр. 635

وهذا مثال صحيح فإن شهود المال إنما أحالوا بالقول لا بالفعل بخلاف هذا الدار لزيد بل لعمو، والله تعالى أعلم بالصواب. فصل: قدمنا أن القول أدل على الحكم والفعل أدل على الصفة، وبه علمت أنه لا ينبغي إطلاق القول بأن القول أقوى ويوضح لك هذا أيضًا أن تأثير الفعل في مفعوله أقوى من تأثير. القول في مقبولة بدليل مسائل: منها: سراية استيلاد أحد الشريكين قيل: [إنه] ١ أولى بأن يتعجل من سراية عتق الشريك. قال الغزالي في الوسيط: لأنه فعل، وهو أقوى من القول". ومنها: إذا زوج الغاصب المغصوب من المالك فأولد نفذ الاستيلاد قطعًا. ولو قال للمالك: أعتق فأعتق نفذ على الصحيح، وفي وجه لا ينفذ وإن كان الاستيلاد يثبت لأن الاستيلاد فعل وهو أقوى. ومنها: إحبال المجنون نافذ دون إعتاقه. ومنها: كثير الفعل في الصلاة سهوًا مبطل عند الرافعي والنووي كعمده، وفرق بينه وبين الكلام؛ حيث فرقنا في قليله بين العمد والسهو بأن الفعل أقوى من القول. ورجع المتولي أن الفعل في الصلاة ناسيًا -وإن كان كثيرًا لا يبطل بخلاف الكلام الكثير، وفي هذا تقوية للقول على الفعل. وعليه كلام ذكرته في التوشيخ. مسألة: الإخبار عن أمر عام قال أبو عبيد الله المازري: إنه الرواية وأن الإخبار عن أمر خاص هو الشهادة. قلت: والذي يظهر أن يقال: الخبر إن تضمن إثبات حق على المخبر فهو الإقرار، أو للمخبر على غيره فهو الدعوى، أو لغيره على غيره فهو الشهادة. [و] ٢ هذا كله إذا كان خاصًا؛ فإن اقتضى شرعًا عامًا فإن كان من حكم شرعي؛ فهو الفتيا وإن كان عن٣ أمر محسوس، فإن كان مما لا يتخاصم فيه الناس ويترافعون

стр. 636

إلى الحكام فهو الرواية، نحو: "الشفعة فيما لم يقسم ١ وركعتان قبل الصبح خير من الدنيا وما فيها" ٢؛ فإن الناس لا يترافعون إلى الحكام في أن الشفعة هل هي فيما لم يقسم، ولا في أن ركعتي الصبح سنة بل يستفتون في ذلك وإن كان ترافع فيما هذا شأنه فإنما هو حسبة فيمن تخيلنا كذبه على الله وعلى رسوله ﷺ فما رواه. وليس الترافع حينئذ في المروي بل في الراوي. وإن كان مما يرتافع الناس فيه ففيه تردد والأرجح أنه شهادة. وبهذا يتبين لك أن العام ذا الترافع فيه شائبتان؛ شائبة الشهادة وشائبة الرواية، ويظهر أثره في صور: منها: هلال رمضان ومن ثم كان شهادة واكتفى فيه بواحد على الصحيح لشائبة الرواية. ومنها: عيب المبيع، قال صاحب التهذيب: إن قال واحد من أهل العلم: "إنه عيب" ثبت الرد به واعتبر المتولي شهادة اثنين. ومنها: نجاسة الماء يكفي فيه إخبار مقبول الرواية ولو عبد أو امرأة. ومنها: المرض المرخص للتيمم يكفي طبيب، وقيل لا بد من اثنين. ومنها: دخول وقت الصلاة بكفي فيه خبر الثقة عن مشهادة لا عن اجتهاد. ومنها الخارص يكفي واحد، وثالثها: إن خرص على محجوز فلا بد من اثنين. منها: كون المرض مخوفًا لا بد من اثنين، وقيل: يكفي واحد. ومنها: لو أخبر الصائم بغروب الشمس عدل واحد. قال الوالد لم أر من تعرض للمسألة إلا الروياني فقال في "البحر" إنه لا بد في الشهادة على غروب الشمس من اثنين كالشهادة على هلال شوال ثم استشكله الوالد ﵀ في شرح المنهاج. ومنها: إذا شهد عدل واحد بطلوع الفجر في رمضان هل يلزم الإمساك أم لا بد من اثنين؟ قال الروياني: يحتمل وجهين.

стр. 637

قلت: ومال الوالد ﵀ إلى ترجيح قبول الواحد كما في المسألة قبلها وهو الغروب. مسألة: خبر الواحد وإن خالف قياس الأصول مقدم على القياس: وعليه مسائل: منها: ذكاة الجنين ذكاة أمه: لحديث أبي سعيد الخدري: سألنا رسول الله عن الجنين يكون في بطن الناقة أو البقرة أو الشاة فقال: كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة١. وفي لفظ قال رسول الله ﷺ : "ذكاة الجنين ذكاة أمه" أخرجه ابن حبان. وروي الدراقطني من حديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال في الجنين: "ذكاته ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر" ٢ قال الدارقطني: الصواب أنه من قول ابن عمر ﵄. قلت: وخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن نصر الأنطاكي عن أسامة عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا، ثم قال: لم يروه مرفوعًا عن عبد الله إلا أبو أسامة تفرد به عبد الله بن نصر الأنطاكي. وقال أبو حنيفة: لا يذكي الجنين بذكاة أمه. وأصل المسألة أن الجنين يجري مجرى جزء من أجزاء الأم، ومن ثم يمنعهم كون الخبر مخالفًا لقياس الأصول وعندهم هو شخص مستقل ومن ثم يدعونه مخالفًا لقياس الأصول فلا يقبلونه. ومنها: إذا أعتق في مرض موته عبيدًا لا مال له سواهم ولم يجز [الورثة] ٣. جميعهم [بالعتق] ٤ فالعتق في الثلث بالقرعة.

стр. 638

وقال أبو حنيفة: يعتق من كل واحد بالحصة ويستبقي في الباقي. ومعتمدنا ما في صحيح مسلم١ من حديث عمران بن حصين أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته ولم يكنله مال غيرهم فدعاهم رسول الله ﷺ فجزأهم أثلاثًا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة وقال له قولًا سديدًا. مسألة: خبر الكافر مردود ويستثنى مسائل: منها: إذا أم بقوم ثم أعلمهم أنه غير مسلم يجب عليهم الإعادة كما إذا تبين من غير إعلامه، نص عليه الشافعي ﵁ في باب صلاة الرجل بأقوام لا يعرفونه فقال: وإذا صلوا مع رجل صلاة كثيرة ثم أعلمهم أنه غير مسلم أو علموه من غيره أعادوا كل صلاة صلوها خلفه. قال الوالد ﵀: ولولا هذا النص لكان يظهر أن. يقال: لا يقبل قوله إلا أن يسلم بعد ذلك ويخبر بإحالة التي تقدمت. ومنها: لو شهد جماعة ذميون بأن هذا قتل فلانًا فهو لوث على الأصح. ومنها: قال الماوردي: إذا أخبر كافر الشفيع بالبيع ووقع في قلبه صدقه لم يغدر في تأخير الطلب وكان تأخيره مسقطًا للشفعة. والأصحاب أطلقوا أنه يعذر إذا أخبره كافر؛ فإما أن يكونوا مخالفين لهذا وإما أن يحمل إطلاقهم على ما إذا لم يقع في نفسه صدقه. قال الولد وعلى هذا ينبغي أن يكون القول قوله في أنه لم يقع في نفسه صدقه. ومنها: وجه حكاه الرافعي في باب الوصية عن أبي سلميان الخطابي أنه يجوز العتدول من الوضوء إلى التيمم بقول الطبيب الكافر كما يجوز شرب الدواء من يده ولا يدري أهو دواء أم داء، ولم يستبعد الرافعي طرده فيما أخبر بأن المرض مخوف. مسألة: خبر الصبي وإن لم يجرب عليه الكذب مردود في الأصح إلا مع القرينة كالإذن في دخول الدار وحمل الهداية على الأصح.

стр. 639

هذا هو الأصل ويستثنى صور فيقبل فيها خبره وفي غير ما ذكر وهي فيما طريقه المشاهدة كما دل أعمى على القبلة، نقله النووي عن الجمهور في شرح المهذب في باب الأذان عند الكلام على أذن الصبي. مسألة: خبر الفاسق مردود وقد يستثنى من هذا من أخرج القذف مخرج الشهادة ولكن لم يتم العدد؛ فإنه فاسق [إن] ١ أوجبنا عليه الحد كما صرح به الماوردي والروياني في باب شهادة القاذف والرافعي في باب حد الزنا. وصريح كلام الشيخ أبي حامد في التعليقة أنه فاسق مطلقًا أوجبنا عليه الحد أو لم نوجبه مع اتفاقهم على قبول خبره دون شهادته، وفرقهم بغلظ أمر الشهادة. وهو مشكل كيف يحكمون بفسق من يقبلون روايته وقد صرح بقبول روايته الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والقاضي الحسين والمارودي والروياني. مسألة: الصحيح عندي أن تكذيب الشيخ للراوي عنه لا يسقط المروي. فما ظنك بما إذا لم يكذبه ولكن تردد وشك، وفيه مسائل: منها: حديث لا نكاح إلا بولي. الذي رواه سليمان بن موسى عن الزهري٢. زعم الخصوم أن الزهري ذكر له سليمان بن موسى فقال: لا أعرفه وتسلطوا بهذا على رد الحديث.

стр. 640

كتاب الإجماع: مسألة: الإجماع السكوتي حجة وليس بإجماع خلافًا للخصوم ولسنا نورث المبتوتة في المرضى على الجديد وإن ورث عثمان تماضر بنت الأصبغ من زوجها عبد الرحمن بن عوف وقد طلقها آخر تطليقاتها الثلاث وتوفي وهي في العدة لأنه لم يحصل إجماع سكوتي بل صرح ابن الزبير وغيره بمخالفته. ولا يستوفي القصاص الثابت للصغير والكبير حتى يبلغ الصغير وإن قتل ابن ملجم قاتل علي كرم الله وجهه ولم ينتظر بلوغ صغار الورثة ولا أنكر ذلك صحابي لأنا لا نسلم أن ابن ملجم قتل قصاصًا بل كفرًا لاستحلاله قتل علي كرم الله وجهه أو حدًا لكونه قتل الإمام الأعظم، وقد قال بعض أصحابنا: إن القتل حد قاتل الإمام الأعظم. فإن قلت: إن [استثبت] ١ لكم الجواب عن هاتين المسألتين فلم يثبت عن قول الإمام الشافعي ﵁ [المشهور عنه] ٢: لا ينسب لساكت قول فإنه صريح في مخالفتكم في قولكم أن السكوتي ليس بحجة. قلنا: قد تكلمنا عن هذه العبارة في شرح المختصر بما لا نطيل بإعادته وحظ الفقيه منها أن نقول هنا: في القاعدة مسائل عد كثيرًا منها أبو سعد الهروي في أواخر الأشراف وأنا أذكر ما ذكره مع زيادات. فمما ذكره: سكوت النبي ﷺ وسكوت المجتمعين وهذا من مسائل الأصول. وسكوت البكر مع الأب والجد استثناه من قولنا: السكوت لا يكون رضي.

стр. 641

وهو صحيح لكنه لا يستثنى من قولنا: لا ينسب إلى ساكت قول لأنا لم ننسب إلى البكر بالصمات قولًا وإنما نسب إليها رضي دل عليه الصمات ولا يلزم من عدم نسبه القول عدم نسبة الرضا بل يقول لا ينسب الرضا أيضًا بال الشارع اكتفى بالصمات لدلالته على الرضى؛ حيث قال [في البكر] ١: إذنا صماتها٢ كما أكتفي بلفظ البيع لدلالته على الرضا. وإذا حفظت هذا الجواب اعتبرت به أكثر ما سنعده من مسائل قد يتخيل ورودها نقضًا. ومنها: سكوت الولي بين يدي الحاكم وقد طلبت منه التزويج فإنه عضل والكلام فيه كالكلام في صمات البكر، ومنها سكوت المضمون له وقد شرطنا رضاه؛ حيث يكتفي به على خلاف فيه. ومنها: سكوت المجهول الذي قذفه قاذف مدعيًا أنه عبد؛ فإذا سكت بعد القذف ولم يدع الحرية وطالب بالحد لا يجب، ولا يجري فيه القولان فيما إذا قال القاذف: هو عبد، وقال المقذوف: بل أنا حر كما صرح به الماوردي. ومنها: إذا بلغ اللقيط وسكت ولم يصف الإسلام ولا الكفر ففي وجوب القصاص على قائله خلاف. ومنها: الخطبة حرام إن صرح بالإجابة دون من إذا سكت على ما قال الرافعي في المحرر ولكن في الشرح خلافه كلاهما في كتاب البيع. ومنها؛ إذا أراد الأب تزويجها بغير كفء؛ ففي الاكتفاء بالسكوت وجهان. ومنها: إذا استأذن الولي البكر في تزويجها بغير نقد البلد أو بأقل من مهر المثل ففي آخر النكاح عن القاضي الحسين تنزيل سكوتها منزلة إذنها وفي الفصل الثامن في اجتماع الأولياء عن البغوي فيه طريقان. ومنها: نص الشافعي "﵁" في الإيلاء على أن الرجل إذا. قال: هذه زوجتي فسكتت ومات ورثته، وإن ماتت هي لم يرثها. ومنها: إذا علم البائع أن المشتري يطأ الجارية مدة الخيار وسكتـ فالأصح لا

стр. 642

يكون سكوته إجازة، وكذا لو سكت على وطء أمته لا يثبت المهر أو على إتلاف ماله لا يسقط الضمان. ومنها: لو حلق الحلال رأس المحرم وهو ساكت فالأصح أنه كما لو حلق بأمره، فلتلزمه الفدية. ومنها: لو حمل أحد المتعاقدين من مجلس الخيار وأخرج وهوساكت فالأصح لا يبطل خياره. ومنها: لو طعن الصائم بغير أمره طعنة وصلت إلى جوفه ولم يدفع عن نفسه فأقيس الوجهين عند النووي أنه لا يفطر. ومنها: إذا سمع رجل يقول عن مراهق أو بالغ: هذا ابني جاز أن يشهد له بالنسب وإن لم يتكرر على الأصح. ومنها: إذا التقط العبد وسكت عليه السيد فالأظهر أن الضمان برقبته وسائر أموال سيده. ومنها: لو حلف لا يدخل الدار فأدخل ساكتًا. قال الرافعي: الظاهر لا يحنث ومنهم من جعل دخوله بمثابة الإذن في الدخول. ومنها: إذا اشترطنا قبول الوكيل ففي نطقه خلاف. ومنها: السوم على السوم إذا حصل الرضا حرام وهل السكوت من أدلة الرضا؟ قال الأكثرون: نعم، وقيل: على الخلاف في الخطبة. ومنها: لا يحرم البيع على البيع إذا أذن البائع أن يباع على بيعه ولو استأذنه البائع الثاني فسكت ففيه نظر. ومنها: قال أبو سعد الهروي: إذا نقض واحد الهدنة فسكت الباقون انتقض أن عقد السيد الهدنة وسكت الباقون انعقدت. قال أبو سعد: وكل حق على الفور إذا سكت عنه مع الإمكان بطل كالشفعة ورد المعيب والقبول والاستثناء. ومنها: رأيت فيما علقه شبيب الرحبي من مسائل ومشكلات سئل عنها أبو نصر بن

стр. 643

الصباغ ﵀ أن أبا نصر سئل عن من رأى رجلًا يكلم امرأة هل له أن ينكر عليه؟ فقال بمجرد الكلام ليس له الإنكار إلا أن تكون مكشوفة الوجه وهي ممن يخاف بها الافتتان ورآه ينظر إليها. قيل له: فإن أدعي أنها زوجته؟ قال: إن صدقته فلا ينكر، وإن سكتت فلم تصدفه ولم تكذبه- قال ينبغي أن يسقط الإنكار. انتهى. والذي نقله الرافعي عن المارودي وسكت عليه فيمن رأى رجلًا واقفًا مع امرأة في شارع مطروق أنه لا ينكر عليه وإن كان في طريق خال؛ فهو موضع ريبة فينكر ويقول: هب أنها محرم لك فصنها عن مواقف الريب. ومنها: حلف لا يدخل الدار فحمل بإذنه فدخل حنث وإن حمل ساكتًا فوجهان أو قهرًا فلا. ومنها: من قصد قطع يد الغير ظلمًا فسكت المقصود حتى قطع فالأصح عند الرافعي في باب استيفاء القود أن سكوته لا يكون إهدارًا والوجهان مأخوذان من تردد الأصحاب في أن الزانية لا تستحق المهر؛ فقيل: لأن الوطء غير محترم، وقيل: لأن التمكين رضا في العرف وعليه فالتمكين من القطع إباجة. ومنها: السكوت في جواب الدعوى كالإنكار. ومنها: باع بالغًا وهو ساكت جاز الإقدام على شرائه لأنه لو كان حر التكلم فسكوته كالتصديق خلافًا للشيخ أبي محمد فيما حكاه الرافعي عنه في أوائل باب الدعوى. ومنها: الأمان يرتد برد الكافر؛ فلو سكت ففي كونه قبولًا تردد للإمام. قال: والظاهر أنه لا بد من القبول وهو المذكور في الوجيز واكتفى في التهذيب بالسكوت. قلت: وهو الأرجح. ومنها: المودع والمستعير إذا سكتا عن إتلافهما مع القدرة على الدفع ضمنًا. تنبيه: إذا تأملت هذه الفروع عرفت أنا لم ننسب إلى ساكت قولًا في شيء منها وإن ألمزمناه غرمًا أو علقنا به ضمانًا أو نسبنا إليه رضنا أو نزلنا سكوته منزلة منكر فكل ذلك

стр. 644

غير وارد على عبارة الصاحب المطلي ﵁ ورب سكوت يوقع في الإثم كسكوت القادر على إنكار المنكر؛ حيث يجب الكلام ورب سكوت هو طاعة وهو عما لا خير في النطق به، وينقسم إلى واجب ومندوب. مسألة: إذا اختلفت الأمة على قولين ثم ماتت إحدى الطائفتين؛ ففي صيرورة قول الباقين إجماعًا خلاف جزم الإمام فخر الدين بأنه يصير، وعزا ابن الحاجب إلى الأكثر أنه لا يصير، والمختار الأول لكن هو دون الاتفاق المجرد على أحد قولي الأولين. إذا عرفت هذا فقد ذكر المتولي أن في المسألة قولين وخرج عليهما ما إذا قال أحد الاثنين الحائزين: هذا أخونا وأنكر الآخر فمات المنكر فهل يثبت نسه عند موته؟ وهذه عبارته قال في "التتمة" في باب الإقرار: الثامن لو مات عن ابنين فأقر أحدهما بابن لأبيه وأنكر الآخر ثم مات المنكر ولا وارث له غير الأخ المقر فهل يحكم بثبوت النسب؟ فعلى وجهين. أحدهما: يحكم لأن الحق صار له على الخصوص. والثاني: لا يثبت، لأن النسب ما كان ثابتًا في حياته؛ فموته لا يجوز أن يكون سببًا في ثبوت النسب. وعلى هذا لو مات الابن المنكر عن ابن ثم إن ابن المنكر وافق عمه في الإقرار بالنسب فهل يحكم بثبوته أن لا؟ فعلى هذين الوجهين. وأصل هذه المسألة مسألة في الأصول وهي إذا وقع بين أهل العصر خلف في مسألة وصاروا فرقتين ثم مات فريق منهم فهل تصير المسألة مسألة إجماع، والمسألة مشهورة بالقولين، فإذا قلنا: ينقطع خلافهم بموتهم فهاهنا يسقط حكم الإنكار بالموت وإن قلنا: لا تصير المسألة إجماعًا ويبقى حكم خلافهم بعد موتهم فلا يثبت النسب هاهنا لاعتبار إنكار الميت. انتهى. والذي صححه المشايخ الرافعي والنووي والوالد أنه يثبت النسب. مسألة: كثر من الصحابة ﵃ نحو قوله: فعل رسول الله ﷺ كذا. واضطرب أرباب الأصول في أنه هل يعم الفعول إذا كانت صيغته صيغة عموم نظرًا إلى الصيغة أو لا تعم نظرًا إلى أن صيغة فعل تقتضي تقدم معهود خاص فيكون مقدمًا على العموم؟

стр. 645

وهذا الثاني هو المختار عندنا في الأصول وعليه من أئمتنا الشيخ أبو حامد وابن السمعاني والغزالي والإمام فخر الدين. وقد وقعت هذه الصيغة التي نبحث عنها في أحاديث كثيرة. منها: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر؛ رواه مسلم١. "ونهى رسول الله ﷺ عن "ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن". رواه الشيخان٢. "نهى ر سول الله ﷺ وثمن الدم وكسب الأمة ... " رواه البخاري٣ نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة رواه مسلم٤. نهى رسول الله ﷺ عن شراء ما في بطون الأنعام وعما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق وعن شراء المغانم حتى تقسم وعن شرءا الصدقات حتى تقبض وعن ضربة [الغامض] ١ رواه ابن ماجة٥ والدارقطني. "نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة وعن الثنيا رواه مسلم٦. وروى أيضًا: "نهى عن بيع الثمر بالتمر" ٧. "نهى عن بيع الصبرة من التمر لا يعرف مكيلها بالكيل المسمى من التمر" ٨. "نهى عن بيع حبل الحبلة" ٩.

стр. 646

"نهى عن بيعتين في بيعة"١. " نهى عن بيع ضراب "الجمل" وعن بيع الماء والأرض" ٢. وفي البخاري "نهى عن عسب الفحل" ٣. وفيهما "نهى عن الملامسة والمنابذة" ٤. ومن مشهور الأحاديث: "نهى عن بيع العربان٥. "نهى عن بيع المضطر"٦. "نهى عن بيع الثمرة قبل أن تدرك"٧. "نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان -صاع البائع وصاع المشتري"٨. " نهى عن بيع الكالي بالكالي" ٩ أي الدين بالدين. "نهى عن بيع المجر"١٠ أي بيع الحمل أو جعله ثمنًا. "نهى عن بيع وشرط"١١. "نهى عن بيع فضل الماء" ١٢.

стр. 647

كتاب القياس: مسألة: استعمل علماؤنا قياس العكس في مسائل شتى ولنفتتح بما يحضرنا من منصوصاتها: منها: قال الشيخ الإمام "﵀" في كتاب نور الربيع من كتاب الربيع [وهذا] ١ المصنف الذي وضعه على كتاب الأم قاس الشافعي ﵁ المدبر في جواز بيعه مديونًا كان سيده أو لا على المكاتب والمستولدة في امتناع بيعها مديونًا كان سيدها أولًا. ومنها: إذا كان في بلد الكفار أو قلعتهم مسلم ففي جواز قصدها بالمنجنيق والنار مع إمكان أنه يصيب ذلك المسلم. قولان. أصحهما الجواز؛ علله الشافعي ﵁ بأن الدار دار إباحة فلا يحرم القتال بكون المسلم فيها كما أ، دارنا لا تحل بكون المشترك فيها. مسألة: في إثبات اللغة بالقياس خلاف مشهور. والقول به هو ما عليه كثير من الشافعية أو أكثرهم وكان أبو العباس بن سريج يناظر عليه ويكثر استعماله، وكان إذا سئل عن حد اللوطي يقول: أنا أدل على أنه زان فإذا ثبت لي ذلك ثبت أنه محدود بنص الكتاب. وإذا سئل عن مسألة النبيذ قال: أنا أدل على أنه خمر وإذا ثبت فحذ الخمر منصوص. وكذلك يقال في النباش فإنه يقطع عندنا بسرقة الكفن من قبر ليس في مفازة فيثبت أنه سارق، ثم يقول: قطع السارق منصوص. وقد كنت لا أرى استعمال هذه

стр. 648

الطريقة زمنًا وقلت في شرح المختصر: لو كان قطع النباش بالقياس اللغوي وهو تسميته نباشًا لقطع سارق ما عدا الكفن من القبر والأصح خلافه. والآن يرتجح عندي استعمالها. وأقول في جواب ما ذكرته في الشرح: أن سارق ما عدا الكفن لا يسمى في العرف نباشًا ولا في اللغة؛ فإنهم لم يضعوا اسم النباش إلا لما يتبادر إلى الذهن مما يفعله النباش وهو سرقة الكفن لأنه الغالب وسرقة ما عداه نادر لندرة وضع ما عدا الكفن في القبر، ولأنه ليس حرزًا بالنسبة إلى غير الكفن كما أنه ليس حرزًا لكفن في المفازة، فافهم هذا الجواب فهو حسن. مسألة: القياس يجري في الكفارات خلافًا لأبي حنيفة. وعليه مسائل: منها: إذا جامع في يومين من رمضان واحد يلزمه كفارتان لتماثل السببين. وقال أبو حنيفة: كفارة واحدة لتعذر الإلحاق عنده هاهنا. ومنها: تجب الكفارة على صائم أفسد صومه باللواط أو إتيان البهيمة وإن كان النص إنا ورد في مجامع امرأته كما يجب على الزاني ومن جامع امرأته إن لم يرد النص فيهما، وفي البهيمة والإتيان في الدبر وجه. ومنها: إذا تعمد الجماع حتى طلع الفجر ولم ينزع فعليه الكفارة قياسًا لدفع الانعقاد على قطع المنعقد، وهو في الحقيقة قياس لدافع على دافع، فهو قياس الأدون، وعند أبي حنيفة لا يجب. ومنها: قتل العمد يوجب الكفارة قياسًا على الخطأ وهو قياس أولى لأنه إذا وجب في الخطأ فالعمد أولى. وقال أبو حنيفة: لا يجب إذ لا قياس في الكفارات. ومنها: اليمين الغموس كذلك. ومنها: إذا قال لامرأته: أنت علي حرام فأصح القولين وجوب الكفارة إذا لم ينو شيئًا، كما إذا قال ذلك لأمته، إذ فيه الكفارة على الأصح أيضًا. قال الشافعي ﵁: لأنه تحريم فرجين حلين بما لم يحرمانه.

стр. 649

مسألة: جهد أصحاب الرأي من حيث لا يشعرون فعمموا القول بأن صور الأسباب الشرعية هي المعتبرة في الأحكام دون معانيها وإن وضحت وضوح الشمس. وخصص الإمام المطلبي ﵁ ذلك بالصور التي تضطرب معانيها أو تخفي أو تدق عن الأفهام وتوجب مزيد الخبط رفعًا للتشاجر كيلا يتسع الخرق بزوال الضبط، وحملًا للحنفية السمحة فيما هذا شأنه واسنحابًا على المعاني وإظهارًا للحكم فيما يلوح وجهه. ومن ثم تقول: ترخص المسافر دائر مع السفر وجودًا وعدمًا لا مع المشقة لعدم انضباطها وهذا فيما لا ينضبط أو يتعسر الاطلاع على مضمونه. وأما المنضبط الذي يمكن ظهور معناه؛ فلا سبيل إلى طرحه بالوراء وربما يعبر عن هذا بأنه يجوز التعليل بالحكمة إذا انضبطت كما يجوز بالمظنة. وعلى الأصل مسائل: منها: أن المشرقي إذا تزوج بمغربية ثم أتت بولد لمدة ممكنة وهي ستة أشهر فصاعدًا قال الشافعي "﵁"١ لا يلحق به لاطلاعنا على مضمون السبب، إذا من بالمشرق لا يحبل من بالمغرب، فلتلغ صورة السبب ويتعلق بمضمونه. وهذا بخلاف من يراه يدخل على زوجته ويخرج فإنا نلحق به ولدها حيث يمكن كونه منه وإن لم نعلم أنه وطئها إحالة على صورة الفراش لتعذر الاطلاع على المضمون. أما المشرقي مع المغربية فقد أمكننا الوقوف على مضمون السبب وعلمنا قطعًا أن الولد ليس منه؛ فلم تعتبر صورة للسبب. وقال أبو حنيفة "﵀": يلحق لوجود صورة السبب وهو الفراش وجعل الإلحاق أمرًا شرعيًا غير منظور فيه إلى الإمكان العقلي. وقال بعض المتأخرين: إن مأخذه احتمال قرب المسافة بينهما على وجه الكرامة؛ فإنه لا يمتنع في مقدور الله أن يطوي الأرض لولي من أوليائه فيخطو خطوة تعم ما بين المشرقين. وهذا زلل وحيد عن صورة المسألة فلسنا نعني بصورة المشرقي مع المغربية إلا

стр. 650

صورة نعلم فيها انتفاء الوطء، فلو قدر وجوده "استحالت صورة المسألة". ونظير المسألة أن يتزوج امرأة حاضرة ثم يطلقها من ساعته في مجلس العقد وقد شاهده الحاضرون غير مختل بها ثم تجيء بولد فإنه لا يثبت نسبه منه خلافًا لهم. ومنها: لو نكح أمه أو أخته أو محرمًا من محارمه أو المطلقة ثلاثة أو المعتدة أو المجوسية ثم وطأها بمقتضى هذا العقد؛ فإنه يحد ولا مبالاة بصورة العقد الخالية عن مضمونه، ولا يصلح شبهة دارئة للحد. خلافًا لأبي حنيفة حيث اعتقد أن صورة العقد هي السبب المبيح في موضع الوفاق ثم تطرق بذلك إلى جعله شبهة هنا في ردء الحد وإن لم يبح. ومنها: إذا استأجر امرأة للزنا فزنا بها حد خلافًا لهم أيضًا والمأخذ ما ذكرناه. مسألة: قال علماؤنا: حكم الأصل مضاف إلى العلة وعليه المالكية، وقالت الحنفية: مضاف إلى النص، واتفق الكل على أن حكم الفرع مضاف إلى العلة. ومن ثم مسائل: منها: التعليل بالقاصرة جائز عندنا لكونها تعرف الحكم المنصوص، ولغير ذلك. وقالوا: لا يجوز، لأن المنصوص معروف بالنص، ولا فرع فلا فائدة. ومنها: من شرط العلة أن لا يكون ثبوتها متأخرًا عن ثبوت حكم الأصل؛ فإنه لو تأخر كان الحكم في الأصل ثابتًا بلا مثبت لأن مثبته العلة أو يلزم أن يكون تعبدًا ثم انقلب معقول المعنى، وذلك لا يضر كما قررت في شرح المختصر. والخصوم لا يشترطون ذلك؛ لإضافتهم الحكم إلى النص وهو موجود وإن لم توجد العلة، ومن ثم يلزمهم إيجاب النية في الوضوء بالقياس على التيمم وإن كان بعد الوضوء. ومنها: يحرم قليل النبيذ وكثيره كالخمر. وقالوا: لا يحرم بخلاف الخمر فإن حرمة الخمر ثابتة بالنص وهو نص عام فشمل قليله وكثيرة بعلة الإسكار وحرمة النبيذ وهو الفرع ثابتة بعلة الأصل وهو الإسكار

стр. 651

فلا بد من وجودها فلا يحرم مه قدر لا يسكر. وقد ذكر ابن الانباري في أول كتاب القياس من شرح البرهان هذه الفائدة لهذا الخلاف مع أن تلميذه ابن الحاجب ذكر في المختصر أن الخلاف لفظي وتعقبناه في شرح المختصر. مسألة: العلة القاصرة صحيحة عند الشافعي ومالك وأحمد باطلة عند أبي حنيفة "﵀". وقد ذكرنا أنها من فروع أن الحكم في الأصل يضاف إلى العلة أو إلى النص؟ ومن فروعها مسائل: منها: تعليل الربا في النقدين بجوهريتهما أو بتثمينهما. ومنها: تعيين الماء لرفع الحدث وإزالة الخبث لاختصاصه بنوع لا يشاكره سائر المائعات. ومنها: أن الخارج من غير السبيلين لا نيقض الوضوء؛ لأن العلة قاصرة على محل النص وهو الخروج من المسلك المعتاد. واعتقد أبو حنيفة أن العلة في الأصل خروج النجاسة من بدن الآدمي فقال: ينقض بالقصد والحجامة ونحوهما. ومنها: لا يوجب فطر في نهار رمضان كفارة إلا الفطر بالجماع الوارد في الحديث والعلة مقصورة على الوقاع. وأعتقد أبو حنيفة عموم الإفساد فعدى الحكم إلى الإفطار بالأكل والشرب. ومنها: علة وجوب نفقة الأقارب البعضية. وقال أبو حنيفة: عموم الرحم. ومنها: من ملك واحدًا من فروعه أو أصوله عتق عليه، وقال مالك: يعتق الوالدان والمولودون والإخوة والأخوات، وقال أبو حنيفة وأحمد: يعتق كل ذي رحم محرم. فالعلة عندنا البعضية كما في النفقات، والخصوم يحتجون بحديث: من ملك

стр. 652

ذا رحم فهو عتيق وفي لفظ: من ملك ذا رحم فهو حر١ ولوصح الحديث لما كان عنه مخلص، ولوجب الرجوع إليه ولكنه وإن رواه أصحاب السنن الأربعة متكلم في إسناده من قبل أن راويه حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب والكلام في سماع الحسن عن سمرة شهير ومن قبل أن حماد انفرد به وشك فيه عن الحسن عن سمرة فيما يحسب حماد ثم إن غير حماد خالفه فيه وروي موقوفًا بإسناد آخر، وقال البيهقي: الحديث إذا انفرد به حماد ثم شك فيه ثم خالفه من هو أحفظ منه وجب التوقف فيه. مسألة: التماثل في العلة قد يمنع تأثيرها في عليتها. وهذا أصل لم أجد للأصوليين فيه كلامًا ولكن تلقفته من كلام الفقهاء. ويتضح بأمثلة: منها: يجوز اقتداء الأمي بمثله واللاحن لحنًا يغير المعنى بمثله. ومنها: لو جلل الكلب والخنزير بجلد كلب أو خنزير جاز في الأصح لاستوائهما في غلظة النجاسة. ومنها: في العيوب المثبتة للخيار إذا كان بكل واحد من الزوجين مثل ما بصاحبه ثبت لكل منهما الخيار على الأصح. ومنها: لو تحاكم إليه أبوه وابنه فالأصح لا يحكم بينهما. ومنها: لا يجوز اقتداء من لم يجد ماء ولا ترابًا بمثله على الأصح. مسألة: في القياس على الخارج من القياس لمعنى خلاف ذكرته في شرح المختصر. والذي أراه الآن جزم القول بالقياس عليه بشرط أن يكون عليه أشبه به من غيره؛ فإنه في الحقيقة فرع اجتذبه أصلان فيلحق بأشبههما. ورأى إمام الحرمين عدم القياس عليه وصمم على ذلك في كتبه الفقهية والأصولية. ثم قال: وقد حكى الوجهين فيمن تنفئل مضطجعًا مع العجز عن القعود ومن يجوز

стр. 653

الاضطجاع يجوز الاقتصار في الأركان الذكرية كالتشهد والتحكبير وغيرهما على ذكر القلب. قال الإمام: وهذا يضعف الوجه الثاني من أصله وإن ارتكبه من صار إليه كان طاردًا للقياس؛ لكنه يكون خارجًا عن الضبط مقتحمًا. قلت: ووجه خروجه واقتحامه قياسه على صورة خارجة عن القواعد وهي تجويز صلاة القادر على القعود مضطجعًا لكن ذلك هو الصحيح لقوله ﷺ : "ومن صل نائمًا فله نصف أجر القاعد" ١. فإن قلت: فيلزمك ما التزم به الإمام من تجويز ذكر القلب. قلت: لا يلزمني ذلك لا على رأي ولا على رأيه أما على رأيه فلأنه قياس على صورة مستثناة، وأما على رأيي فلما قاله الرافعي من أنه لا يلزم من جواز الاقتصار على الإيماء في الأفعال جواز الاقتصار على ذكر القلب فإن الأفعال أشق من الأذكار فهي بالمسامحة أولى. فإن قلت: الإمام قد بين أن العكس أولى فإن ذكر القلب إلى قراءة اللسان أقرب من إجراء إرسال الأفعال في ذكر مجرى صورتها فعلًا لأن من الناس من يقول إن حقيقة الكلام الفكر القائم في النفس. قلت: كذا اعترض به ابن الرفعة على الرافعي، ولكن عندي [فيه] ٢ نظر فإن ذكر اللسان مطلوب في الصلاة كالأفعال، ومن لم يذكر لسانه لم يأت بذلك المطلوب كمن لم يفعل بجوارحه ففواتهما واحد وذكر اللسان أخص فكان الفعل بالتسامح أولى، وإن كان ذكر القلب أقرب إليه. إذا عرفت هذا فاعلم أن كثيرًا من الحنفية على هذا الرأي وهو عدم القياس على معقول المعنى الخارج عن القياس. ومنشأ [الخلاف] ٣ بيننا وبينهم من أجل ذلك في مسائل:

стр. 654

منها: تخالف المتبايعين والسعلة هالكة فجوزناه قياسًا على القائمة مع أن فيه حديثًا. ومنعوه زاعمين أن الحديث إنما ورد في القائمة وأن التخالف من أصله على خلاف القياس، فيقتصر على مورد النص. ومنها: تتحمل العاقلة ما دون أرش الموضحة؛ لأن المقادير متساوية بالنسبة إلى الجناية والنسبة إلى العاقلة بالتحكم بالتخصيص محال. وعندهم لا يضرب على العاقلة لأن الضرب على العاقلة خارج عن القياس فلا يقاس عليه. وقد ذكرنا في شرح المختصر مسألة العرايا فلا نعيدها. ومن المسائل المختلف فيها بين أصحابنا المبنية على هذا الأصل أن من أفطر لإنقاذ مشرف على الهلاك بالغرق ونحوه ولم يمكنه تخليصه إلا بالفطر فالأصح أنه يلحق بالمرضع؛ لأنه قطر ارتفق به اثنان فكان كالحامل والمرضع. والثاني: لا، لأن الفدية مع القضاء خلاف القياس فيقتصر على ما ورد. ومنها: للمالك في الجيران في الزكاة صعود درجتين وأخذ جبرانين ونزول درجتين ودفع جبرانين بشرط تعذر درجة. وقال ابن المنذر: لا تجوز الزيادة على جبران واحد كما ثبت في الحديث؛ فلا يتعداه فإنه خارج عن القياس. ورد عليه الأصحاب بأن هذا في معنى الخارج مع اتفاقهم على أنه لا مدخل للجبران في البقر والغنم؛ لأنه إنما ورد في الإبل [وهو] ١ على خلاف القياس. قالوا: فيقتصر فيه على مورد النص. ومنها: قطع نبات الحرم إلا الأذخر لا يجوز والعلة في تجويز الأذخر حاجتهم لتسقيف بيوتهم وقبورهم؛ فلو احتيج إلى قطع غير الأذخر للدواء قال الرافعي: فوجهان ورجح الجواز.

стр. 655

واعلم أن الرافعي جعل محل الوجهين في جواز القطع وحكاهما عن الشيخ أبي علي في شرح التلخيص. وقد أتبع في ذلك الإمام الغزالي والذي في شرح التلخيص للشيخ أبي علي الجزم بجواز القطع؛ وإنما حكى الوجهين في وجوب الجزاء. مسألة: اعتبر الشافعي ﵁ قياس علية الأشباه وهو أن يجتذب الفرع أصلان ويتنازعه مأخذان فينظر إلى أولاهما به وأكثرهما شبهًا فيلحق به وعليه نص في الأم، وقد حكيت نصه في شرح المنهاج وعليه فروع. منها: لفظ الظهار دار بين أصلين القذف والطلاق فلو قال: عينك طالق طلقت كيدك وجسمك، فلو قال: زنت عينك فالمذهب أنه كناية وقيل صريح. ولو قال: أنت على كعين أمي ولم يرد الكرامة ولا الظهار بل أطلق فالأصح يحمل على الإكرام تغليبًا. ومنها: الخلع من جانب الزوج معاوضة فيه شوب التعليق وقد يغلب التعليق. قال القاضي الحسين: وذلك في ثلاث مسائل ومن جانب الزوجة معاوضة فيها شوب الجمعالة. ومنها: زكاة الفطر تتردد بين المؤنة والقرابة والكفارة تتردد بين العبادة والعقوبة والحوالة بين الاستيفاء والاعتياض، واللعان بين اليمين والشهادة والجنين بين أعضاء الأم وإنسان منفرد، وقطع الطريق بين حق الله تعالى وحق الآدمي والمسابقة بين الإجارة والجعالة، والإقالة بين الفسخ والبيع و [الرجعية] ١ بين الزوجة والبائن وغير ذلك. وعليه ينبني مسائل خلافية ومذهبية. ومن المذهبية غير ما ذكرناه عنفقة الرجل الكثيفة تتردد بين نادر الكثافة كالشارب وغالبه كلحية الرجل، والأصح إلحاقها بالنادر. ومها: قيام الصابون والأشنان في الغسل من الولوغ مقام التراب متردد بين

стр. 656

إلحاقه بالتيمم فلايقوم وهو الأظهر أو بالدباغ والاستنجاء فيقوم. ومنها: الخلاف في استيعاب الجبيرة بالماء ووجوب التيمم وتأقيت مسحها فإن منشأه أن المسح أخذ شبهًا من أصلين. أحدهما: المسح على الخفين؛ لأن ما تحت الجبيرة صحيح يمكن غسله. والثاني: الجرح إذا خاف من غسله التلف لوجود الخوف عند نزع الجبيرة فمنهم من غلب شبه المسح على الخفين ومنهم من غلب شبه الجرح. ومنها: المكاتب من حيث استحقاقه للعتاقة أشبه المستولدة فيمتنع بيعه وهو الجديد ومن حيث توقف عتقه على صفة أقامها السيد المعلق عتقه فيجوز بيعه وهو القديم. ومنها: لحوم الحيوانات من حيث الاشتراك في الاسم جنس والاختلاف يشبه اختلاف أنواع الرطب والعنب. ومن جهة أنها فروع أصول مختلفة أجناس كما في الأدقة وهو الأظهر والفروع في هذا الباب كثيرة، ولو قال: إن غالب المسائل المقيسة منه لما كان مبعدًا. تنبيه: هذا الذي ذكرناه في فرع تنازعه أصلان هو بأحدهما أشبه فإن لم يترجح أحدهما على الآخر فلا طريق إلا التخيير إذ لا يمكن الجمع بينهما، وليس أحدهما بأولى من صاحبه. وهذا مثل نذر اللجاج والغصب فإنه أخذ شبهًا من أصلين من نذر المجازاة لأنه التزم طاعة ومن اليمن لكونه منعًا للنفس من فعل أو ترك -فخير بين موجبهما وهو الوفاء بما نذر أو كفارة يمين وهذا هو الأصح. تنبيه آخر: هذا الذي ذكرناه في فرع يتجاذبه أصلان يتنازعانه ورب فرع سالب يصنعه أصلان يتعاضدانه، وهذا هو القياس المركب وهو أن تجتمع العلتان المتنازع فيهما في الأصل على فرع فيتفق الخصمان على القول به هذا لعلة وهذا لعلة. كما يتفق [الإمامان] ١ على أن البكر الصغيرة لا تجبر لكن الشافعي "رضي الله

стр. 657

عنه"٢ يقول: لا تجبر لكونها بكرًا وأبو حنيفة يقول: لكونها صغيرة "وهو من أعقد أبواب القياس وأحسن أقسام الجدل". تنبيه ثالث: قدمنا الخلع وهو من جانب الزوجة معاوضة فيها شوب الجعالة بأي صيغة أوردته. وأما من جانب الزوج إن جعل فسخًا فمعاوضة محضة وإن جعل طلاقًا فقال: خالعتك بألف أو كانت الصيغة "طلقتك بألف" فمعاوضة فيها شائبة التعليق؛ فله الرجوع قبل قبولها، خلافًا لأبي عاصم العبادي، وتقبل باللفظ على الفور بكل العوض. فهذه أربع مسائل غلب فيها جانب المعاوضة. قال القاضي الحسين: ولم يغلب جانب المعاوضة إلا فيها. فلو قبلت به بعض العوض كواحدة من ثلاث فيقع كله به على الأصح، وقيل: لا يقع شيء، وقيل: يقع المقبول بمهر المثل. وإن كانت متى أو أي وقت أعطيتني ألفًا فأنت طالق، فتعليق فيه شوب العوض فلا رجوع ولا قبول ولا فور. وهذه هي الثلاث مسائل التي غلب فيها جانب التعليق وإن زاد مثل متى وأي. غير أن صاحب التتمة قال: تعجل الحرة العوض وكذا الأمة إذا كان التعليق في التعجيل بنحو زق خمر، وأما إذا كان بنحو ألف فالأمة لا تملك فلا تعجيل. وحكاه الرافعي ساكتًا عليه ونازع فيه ابن الرفعة وصوب الشيخ الإمام كلام صاحب التتمة. إذا علمت هذا فقد ظهر لك أن للزوج الرجوع؛ حيث كان معاوضة لا حيث يكون تعليقًا وهو واضح. وقضيته أن للزوجة الرجوع قبل قبول الزوج بكل صيغة يأتي بها لأنه من جهتها معاوضة بكل حال، وبذلك صرح الرافعي تبعًا للغزالي. قال ابن الرفعة: وقد رأيت في الأم ما ينازع في جواز الرجوع إذ قال الشافعي ﵁: وإذا كانت لرجل فقالتا له: طلقنا بألف لك علينا فطلقهما في

стр. 658

ذلك المجلس لزمهما الطلاق وهو بائن وساق الكلام إلى أن قال: وإن أرادتا الرجوع فيما جعلتا له في وقت الخيار لم يكن لهما. وكذلك لو قال لهما: إن أعطيتماني ألفًا فأنتما طالقتان ثم أراد أن يجرع لم يكن له ذلك في وقت الخيار. قال الشيخ الإمام: وقد رأيت ذلك في الأم والرافعي والغزالي جزمًا بالرجوع، فلينظر ما يقتضيه كلام بقية الأصحاب، ولا أجسر أقول: الفقه ما قالاه.. لعظمة كلام الشافعي ﵁. قلت لم يستوف الشيخ الإمام ﵀ النظر في هذا النص؛ لأنا كنا نستحثه في آخر الوقت على تكملة شرح المنهاج خشية اخترام المنية، وكان يقتصر على ما يراد منه مما لا يوجد إلا عنده من المباحث التي تثيرها فكرته الظاهرة. وأقول: هذا مكان مبهم ونص مشكل، والذي ذكره الغزالي والرافعي هو الذي ذكره الروياني في البحر والمتولي في التتمة وغيرهما وصرح به الشيخ عز الدين بن عبد السلام في مختصر النهاية وقال: هذا أسوأ. طلقني غدًا بألف، أو إن طلقتني غدًا فلك ألف، ولعله أوضح من أن ينبه عليه. وهذا النص وإن كان كما نقله ابن الرفعة والوالد فيجب تأويله غير أني لست على ثقة منه؛ فإني وقفت عليه في كتاب المبسوط للبيهقي ﵀ فوجدته قد حكاه فقال: مسألة في خلع امرأتين: قال الشافعي في كتاب الخلع والنشوز: وإذا كانت لرجل امرأتان إلى أن قال بعد أن ذكر أن له أن يطلق الواحدة في وقت الخيار دون الأخرى، قال: وله أن لا يطلقها في وقت الخيار ولا بعد إن أراد الرجوع فيما جعلنا له وقت الخاير ولم يكن لهما قال البيهقي وفي نسخة أخرى ولم يجعل لهما انتهى. قلت فاختلاف النسخ مع عدم انتظام الكلام مما يوجب الحيد عن هذا النص ولم أره في عيون المسائل لأبي بكر الفارسي؛ فلعله تركه قصدًا للاضطراب فيه وإلا فهو يستوعب روايات الربيع، وهذا منها لأنه من الأم، وهي رواية الربيع. ومن العجب أني رأيت المرعشي فيترتيب الأقسام قد أتى بكلام يشابه هذا النص ظاهره أنه ليس لها الرجوع ما هو ظاهر النص.

стр. 659

فصل: مما دار بين أصلين الحمل أشبه بعض الأم وأشبه آدميًا مستقلًا". ولك أن تقول: أشبه المعدوم وأشبه الموجود ومن ثم اختلف في أنه هل يعلم أولًا؟ ومما قيل: هل له حكم أم لا؟ والعبارة الأولى أكثر تحريرًا؛ فإنه يرث إجماعًا فكيف لا يكون له حكم! ومن ثم قال أبو علي فيما نقل صاحب العدة فيما إذا أوصى للحمل بشيء هل يقبله الأب "جرت هذه المسألة بيني وبين القفال: فقال: لا يصح ويجب قبوله بعد خروجه من البطن لأنه لا حكم له ما لم يخرج فقبوله في وقت لا ندري أله حكم لا يقع كما لو أوصى لرجل بشيء والموصي له غائب فقبل الوصية ولم يعلم هل مات الموصي لم يصح، وإن كان مات فقبلت فيها قولان، كما لو باع مال أبيه ولم يعلم أنه ميت فكان ميتًا ولو جعلت المسألة على وجهين بناء على أن الحمل هل يعرف [أم لا] ١ لم يبعد. ولو ثبتت الشفعة في شيء فأخذه الأب ثم خرج حيًا صح الأخذ على أحد الوجهين؛ فإن صحت الشفعة فالوصية أولى. وحكي عن ابن سريج أنه لا يجوز أخذ الشفعة للحمل حتى يولد. قلت: إن تم ما قاله أبو علي وكان طريقه قاطعة بأن قبول الأب لا يصح ولا يخرج على العلم لزم أن يقال: قد يعلم ولحكن لا حكم له؛ فتكون مسألة هل له حكم غير مسألة هل يعلم. ومن المباحث في الحمل أيضًا أنه هل يقابله قسط من الثمن إذا باع حاملًا مثلًا. وفيها خلاف معروف ذكره الرافعي في مسائل بيع وشرط فيما إذا شرط أن تكون حاملًا وخرج على أنه هل يعلم وهل هو عيب ونقص. وقد قالوا في الزكاة ليس بعييب، وفي الأضحية عيب؛ لأنه يهزل اللحم وقال الرافعي في البيع: إنه عيب يرد به المبيع. وفي هذه المواضع إشكالات في المنقول لسنا لها الآن وهل يتبع أمه فيما يتجدد لها من الأحكام فيتبع قطعًا في البيع والعتق، ثم هو في العتق تابع ولا يعتق بالسراية.

стр. 660

قال الرافعي: لأن السراية في الأشقاص لا في الأشخاص ولا يتبع قطعًا فيما إذا كان الحمل لواحد والأم لآخر. ومن ثم مسائل اختلف فيها هل يتبع؟ منها: [لو اشترى] ١ المعيبة ثم اطلع المشتري على عيبها ولم ينقص بالحمل أو كان الحمل في يد البائع فردها المشتري؛ فإن قلنا: الحمل يعرف ويأخذ قسطًا بقي للمشتري فيأخذه إذا انفصل وإلا فهو للبائع ويكون تبعًا للأم عند الفسخ كما يكون عند الرد. ومنها: لو وقف للحامل مملوك. قال ابن الصباغ إن قلنا: للحمل حكم كان الولد وقفًا؛ وإلا فوجهان. ومسائل كثيرة: هل النفقة للحمل أو للحامل؟ فيه قولان. وهل يتصور للجنين ملك؟ الظاهر ذلك، ويدل عليه قولهم في باب الغرة أنها لورثة الجنين. وهل يتصرف الحاكم في مال الأجنة؟ نقل الغزالي عن القفال أنه ليس له ذلك، قال: والصحيح أن له ذلك ذكره في ميراث الحمل. وجزم ابن الرفعة في كتاب الزكاة بأن القضاة لا ينصبون القوام للتصرف في أموال الأجنة بل هو موقوف، ولا مخالقة بين الكلامين. وهل على الجنين نفقة أمه؟ قال الرافعي في النفقات في الفروع المبنية على أن النفقة للحمل أو للحامل: قال ابن كج: إذا كان الحمل موسرًا وقلنا: النفقة له فيؤخر إلى أن تضع، فإذا وضعت سلمت من ماله إلى الأم كما ينفق عليه. قال: ويحتمل عندي أنها على الأب، وإن قلنا: يجب التعجيل فلا يؤخذ من مال الحمل المسألة فلينظر. وكل هذه الأصول راجعة إلى أن الحمل هل يعلم ويعطي حكمًا؟ فصل: في مسائل من الشبه الصوري والحكمي؛ منها في جزاء العبيد، ومنها في الأطعمة إذا لم يعلم من العرب استطابة شيء ولا استخباثه اعتبر بأقرب الأشياء شبهًا به قال الأصحاب والشبه تارة في الصورة وأخرى في طبع الحيوان وأخرى في طعم اللحم

стр. 661

قلت: واعتبار طعم اللحم موقوف على ذوقه الموقوف على حله إلا أن يراد ذوقه وإن عرف لا بطريق حلال ومنها: وجوب رد المثل الصوري في الفرض على وجه صححه ومنها: في باب الربا المماثلة كيلًا ووزنًا فما لم تكن مكيلًا ولا موزونًا يعتبر فيه عادة الحجاز؛ فإن لم يكن فيه عادة ففي وجه يعتبر أشبه الأشياء به في الحجاز ومنها: اعتبار دواب البحر بالبر ففي وجه ما أشبه حرام البركان حرامًا ومنها أعطاء العصير أو الخل عن الخمر في الصداق والخلع ونكاح المشركات ومها على وجه فيمن قتل بخمر أو لواط أنه يسقي ماء ويخسر خشبة رعاية المماثلة ومنها إلحاق الحر بالعبد في الحكومات، ومنها أبعاض العبد التي لا تتقدر أرشها من الحر بما نقص من قيمته كنحول الجسد وكذا في الغصب إن أتلفت فكذا في القديم إلحاقًا له بالبهيمة؛ لأنه يضمن باليد ولا يحمله العاقلة وعلى الجديد يتقدر من الرقيق والقيمة فيه كالدية في الحر من حيث أنه يضمن بالقصاص وتجب فيه الكفارة ويحلف وتقام عليه الحدود وإذا دار فرع بين أصلين أجرى عليه حكم أكثرهما شبهًا به وهو الحر فيما نحن فيه فلم نقدم هنا الشبه الصوري لمجرده بل لاعتضاده بأكثر الأحكام. قال الشافعي ﵁: يقول سعيد بن المسيب: جراح العبد من ثمنه كجراح الحر من دينه. مسألة: الصحيح أنه يشترط كون العلة ضابطًا لحكمة وقيل: يجوز كونها نفس الحكمة، وقيل إن انضبطت كانت هي العلة أو علة العلة؛ فهذا القول خارج عن محل النزاع، إذا عرفت هذا فمن محاسن الشرع ضبط الأحكام بالأسباب الظاهرة وإقامتها عللًا يدور الحكم معها وجودًا وعدمًا، والعدول عن الأسباب الخفية وإن كانت هي الحكم ولها مناط الحكم بالأصالة لعسر انضباطها وما تؤدي إليه محاولته إليه من المنازعة. وقد تكلم الرافعي على هذه القاعدة في أول باب العدد؛ فقال: قال الأئمة لما كانت عدة الطلاق لطلب البراءة لم يجب بالفراق عن مطلق النكاح؛ بل اعتبر جريان سبب شغل الرحم ليحتاج إلى معرفة براءته، ثم لا يعتبر تحقق الشغل ولا توهمه؛ فإن الإنزال خفي يختلف في حق الأشخاص، وفي الشخص الواحد باعتبار ما يعرف له من الأحوال فيعسر تتبعه ويقبح، فأعرض الشرع عنه واكتفى بسبب الشغل وهو الوطء ومن الوطء بتغيب قدر الحشفة وهذا صيغة في تعليق الأسباب بالمعاني الخفية ألا ترى أن

стр. 662

الاعتقاد الصحيح الذي هو مطلوب وبه تحصل النجاة لما كان أمرًا خفيًا لكونه في الضمير علقت الأحكام بالكلمة الظاهرة حتى لو توفرت القرائن الدالة على أن الباطن مخالف للظاهر كما إذا أكره على الإسلام بالسيف لا ينال بها وندير الحكم على الكلمة وإن مناط التكليف وهو العقل والتمييز لما كان خفيًا يحصل على التدريج ويختلف باختلاف الأشخاص والأحوال أعرضنا عن تتبعه وعلقنا البلوغ بالسن والاحتلام. انتهى. ومراده بالذي يصح إسلامه وإن أكره بالسيف الحربي أما الذمي فالصحيح عنده أنه لا يصح إسلامه مكرهًا. وإذا ظهر لك أن التعليق بالظاهر المنضبط دأب الشرع دون الخفي المضطرب. ولك أن تقول: التعليق بالظاهر لانضباطه أولى من الخفي لاضطرابه. ثم يختلف الظهور والخفاء؛ فقد يطلب من الظهور في حق شخصين ما لا يطلب في حق شخص واحد لكونه أخبر بنفسه، وفي حق أشخاص ما لا يطلب في حق شخصين. ألا ترى إلى منع انعقاد النكاح بالكنايات لجريانه بين موجب وقابل وشاهدين، وثبوت الطلاق والعتاق والإبراء بالكناية لاستقالال المرء بها والتردد في البيع على وجهين لاحتياجه إلى شخصين موجب وقابل. ومن ثم ظهر لك أن الأب إذا اشترى مال ابنه من نفسه أو بالعكس انعقد بالكناية ولا يطرقه الخلاف فيما يظهر، ولأجله قيل: تكفي فيه النية ولا يحتاج إلى لفظ مطلقًا وهو وجه حكاه الماوردي. ومن الأمور المتعلقة بالظواهر المنضبطة كلمة الإسلام والبلوغ ومطلق تغيب الحشفة حيث يطلب الوطء كما ذكر الرافعي فكل حكم تعلق بالوطء كفى فيه تغييب الحشفة من الغسل والزنا والتحليل والعنة واستقرار المهر؛ وهكذا إلى نحو من مائة حكم ومنها: البيع مناطه الرضا، ولما كان أمرًا باطنًا لا يطلع عليه نيط بالإيجاب والقبول. ومن ثم تبين لك ضعف القول بانعقاد البيع بالمعاطاة على أنه بيع، والقائل به يعتذر بتوفر القرائن فيه؛ وإنما بيع، لأني أميل إلى أنه مسامحة.

стр. 663

ومنها: رخص السفر حكمتها المشقة وهي مضطربة تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال فنيطت بالسفر وضبطت به إما بطويلة وقصيرة على الخلاف فيه، وأمثلته تكثر. وإذا تقرر هذا الأصل ظهرت قوة الوجه الذي حكاه صاحب التتمة في أن استدخال المرأة ماء من تظنه زوجها لا يوجب العدة إعراضًا عن النظر في العدة١ إلى شغل الرحم وإدارة الحكم على الإيلاج، غير أنا نجيب عنه بأن استدخال الماء ظاهر في شغل الرحم فيحتاط فيه للإبضاع. فإن قلت: فيلزمكم إقامة الخلوة مقام الدخول في تقرير الصداق كما هو القديم. قلت: أين الخلوة من استدخال الماء! فائدة: ما ذكرناه من التعليق بالمنضبط هو فيما إذا أمكن؛ فإن المصالح والمفاسد التي هي حكم الأحكام -ضربان: محدد منضبط كالقتل والقطع وغير منضبط وفي هذا القسم لا يمكن أن يتعلق بمنضبط. وذلك كالتعزيرات، والمشاق المبيحة للتيمم والانتقال من قيام الصلاة إلى قعودها إلى الاضطجاع إلى الإيماء والأعذار المبيحة لمحظورات الإحرام. وقدر الغضب المانع من الإقدام على الأحكام، والمرض المبيح للإفطار في الصيام. فهذه ومثلها أمور يشرق فيها نور الله على المجتهدين ولا يمكنهن ضبطها وإنما يحاولون قدرًا من التعريف. وعندها تتبين مقادير الرجال ودرجات المتورعين وأحوال المحتاطين لدينهم. والظاهرية في هذا الباب يتعلقون بمجرد الاسم ويكتفون بأقل ما ينطبق عليه. قال شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام في قواعده الصغرى: خلصت الظاهرية من هذا الإشكال.

стр. 664

قلت: وفاتهم به من دقائق الفقه٤ وفهم مقاصد الشريعة أمر عظيم. مسألة: إذا قطع بانتفاء الحكمة في صورة من الصور ففي ثبوت الحكم خلاف. قال الغزالي وتليمذه محمد بن يحيى: يثبت الحكم للمنضبطة فإن الحكم قد صار معلقًا بها ولا نظر بعدها إلى الحكمة. وقال الجدليون: لا يثبت لانتفاء الحكمة فإنها أصل العلة وعلى هذا مسائل. منها: قول الرجل لامرأته: أنت طالق مع آخر جزء من أجزاء حيضك فالأصح أنه سني نظرًا إلى الحكمة في تحريم طلاق الحائض وهي تطويل العدة فقد قطعنا بانتفائها في هذه الصورة إذ لا طول. ومن نظر إلى العلة وهي الحيض جعلها بدعيًا، لوقوعه في الحيض والناظرون إلى أن العلة في هذا المحل ظاهرية أهل القياس. وقد أشار إلى هذا البناء ظاهرية أهل القياس. ونظير المسألة: عكسها وهي ما إذا قال: أنت طالق مع آخر طهر لم أطأك فيه. فإن قلنا: الانتقال من الطهر إلى الحيض قرء؛ فهي سني لمصادقة الطهر والشروع في العدة. وإن قلنا: ليس قرءًا فعلى الوجهين السابقين من نظر إلى الحكمة وجعله في الصورة السابقة سنيًا جعله هنا بدعيًا لتطويل العدة ومن عكس فهو يعكس هنا. وحكم ابن سريج بأنه يدعي في الصورتين عملًا بالأغلظ وكأنه يجعل الحكم دائرًا مع أي الأمرين وجد من حكمة ومظنة. ومنها: طلاق الحامل إذا كانت حائضًا جائز كما لو لم تكن حائضًا لأن تطويل العدة منتف؛ فإن عدتها بالوضع. قال أبو إسحاق: لو كانت ترى الدم وجعلناه حيضًا فقال لها: أنت طالق للسنة لا يقع عليها طلاق حتى تطهر. قال الرافعي: وعلى هذا فللحامل حال بدعة كما للحائل. ومنها: منع الراهن من وطء الجارية المرهونة خشية الحبل وإن كات ممن لا

стр. 665

تحبل على الصحيح؛ فلو قطع بعدم الحبل كما لو كان سنها أقل من تسع سنين -قال ابن أبي عصرون تفقهًا: لا يمنع وجوزه الولد. قلت: وفيه نظر ذكرته في ترشيح التوشيح. مسألة: اختلف في تعليل الحكم العديم بالوصف الوجودي. ويعبر عن ذلك بأن العلة لانتفاء الحكم هل يكون وجود مانع أو انتفاء شرط من غير نظر إلى وجود المقتضى. وهذا هو الراجح عند الإمام الرازي وأبي عمرو بن الحاجب. واختياري في جمع الجوامع أولًا يجوز التعليل بها عند انتفاء المقتضى؛ لأن الإحالة عليه أولى وهذا هو الراجح عند الآمدي واختياري في شرح المختصر والذي أراه الآن جواز التعليل بالمانع لمن لم يدر بانتفاء المقتضى سواء أظن وجوده أو علل بالمانع على تقدير وجود المقتضي. وعدم جوازه إن علم بانتفاء المقتضى فإن إسناد الحكم إليه أولى فإذا قتل الأب ولده قتلًا شككنا في أنه صدر عن خطأ أو عمد قلنا: لا قصاص عليه لأبوته المانعة من وجوب القصاص؛ سواء أقام المقتضى وهو قتل العمد أو لم يقم. غير أن المانع عند قيام المقتضى قاطع لعلمه وعند انتفائه لا وقع له لاستبداد المقتضى بإثارة انتفاء الحكم. ومن ثم نقول: الأب عند القتل العمدآت بما يقتضي قصاصًا؛ غير أن الشارع درأه عنه لحكمة رآها: وبه يصح قول الغزالي: الأب مكافئ للابن لأنه مكافئ للعم والعم مكافئ للابن، ومكافئ المكافئ مكافئ. وتردد الأصحاب في الشيخ الهرم هل يتوجه عليه الخطاب بالصوم ثم ينتقل إلى الفدية للعجز أم يخاطب بالفدية ابتداء؟ وبنوا عليه خلافًا في أنه لو نذر في حال العجز صومًا هل ينعقد نذره؟

стр. 666

كتاب الاستدلال: تقدم الكلام في الاستصحاب أول الكتاب مسألة: قول الصحابي غير حجة على القول المنصور، وقال أبو حنيفة: حجة وعليه مالك وأحمد على أصح الروايتين. وفيه مسائل: منها: مسألة العينة وهي السلف وصورتها: أن يشتري ما باعه بأقل مما باعه قبل نقد الثمن قال الشافعي ﵁: يصح طردًا للقياس. وقالوا: لا يصح تمسكًا بإنكار عائشة ﵂ وذلك في قضية زيد بن أرقم وقولها: إنه أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب رواه أحمد والدارقطني. واعلم أن القوم لا تنتهض لهم حجة بهذا الحديث، ولم يسلم لهم الاحتجاج بقول الصحابي فإن الشافعي ﵁ ذكر أنه لا يثبت مثله عن عائشة ﵂. قلت: وفيه ما ينبه على عدم ثبوته وهو قولها: إنه أبطل جهاده ولم يقل أحد إن من يعمل بالعينة يحبط عمله فلم يقولوا بمقتضى ما رووا. مسألة: دلالة الاقتران غير حجة خلافًا لأبي يوسف والمزني وفيه فروع منها: قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ﴾ فمن جمع بين إيجاب الكتابة والإيتاء إثباتًا. كما هو قول مجلي عن صاحب التقريب فيما إذا طلب العبد الكتابة ونفيًا كما هو مذهب بعضهم، لم يرد عليه دلالة الاقتران.

стр. 667

ومن قال: لا تجب الكتابة ويجب الإيتاء وهو جادة مذهب الشافعي ﵁ لم يبال بدلالة الاقتران وقال: لا حجة فيها. وقال إمام الحرمين: لم أر على مذهب الشافعي ﵁ مسألة أصعب مسلكًا من مسألة الإيتاء. ومنها: قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير﴾ مشهور المذهب أنه لا يجب الإطعام ولا يجب الأكل. ومنها: قوله ﷺ : [حتيه] ١ ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء. قال الشافعي ﵁: الماء متعين لإزالة النجاسة ولم يبال باقترانه بما ليس بواجب -وهو الحث والقرص. مسألة: الاستحسان قال به أبو حنيفة ﵁، واشتد النكير عليه سلفًا وخلفًا حتى قال الشافعي [﵁] فيما نقل عنه الثقات: من استحسن فقد شرع. وأنا لم أجد إلى الآن هذا في كلامه نصًا ولكن وجد في الأم في الإقرار والاجتهاد ما يدل على أنه يطلق على القائل به أبلغ من الاستحسان فلقد قال في هذا الباب: إن من قال بالاستحسان فقد قال قولًا عظيمًا ووضع نفسه في رأيه واجتهاده واستحسانه على غير كتاب ولا سنة موضعها في أن يتبع رأيه كما ابتغاه، وفي أن رأيه أصل ثالث أمر الناس باتباعه. وهذا خلاف كتاب الله لأن الله تعالى إنما أمر بطاعته وطاعة رسوله ﷺ . ثم قال ﵁ ما حاصله: أن المستحن لا يتمسك بخلاف القايس، وإن القايس كان لا يأمن الخطأ إلا أنه برجوعه إلى أصل من كتاب وسنة مؤد لفرضه بخلاف المستحسن. وأطال في ذلك بحق من القول. ثم قال: فإن قال قائل: هذا ممن يعقل ما تكلم فتكلم به بعد معرفة هذا، فأرى للإمام أن يمنعه، وإن كان غبيًا علم حتى يرجع. واعلم أن القوم لما اشتد عليهم النكير في الاستحسان أخذوا في تفسيره بأمور لا خلاف فيها، وقد عرفت في كتب الأصول.

стр. 668

والذي اعتقده في تفسيره أن المعنى به. ما تشتهيه نفس العالم وتميل إليه من غير تعلق بأصل موجود يجده. وهو قريب من تفسير من فسره بأنه دليل ينقدح في نفسه المجتهد تقصر عنه عبارته. غير أن صواب العبارة عن هذا أن يقال: مظنون لأنه لا يتحقق كونه دليلًا إلا بعد المعرفة بعينه، فهذا هو الذي اعتقد أن القائل بالاستحسان من القدماء عناه، وإياه أنكر الشافعي ﵁ وألزمه أن يستحسن كل أحد بعقله وأن يستوي العالم والجاهل إلى غير ذلك من إلزامات ذكرها في الأم في مواضع عديدة. وما تفسيره بخلاف هذا الذي أنكره الشافعي ﵁ فعادتهم التفسير كما قال إمام الحرمين في باب أدب القضاء. إن التعبير حينئذ عما قامت دلالته بالاستحسان على نهاية السخافة والعباثة؛ فإن قبول الدليل حتم ولا محيد عنه. قال: والاستحسان يشعر بتردد وميل خفي إلى جانب. قال: ومعظم قواعد الاستحسان استصلاح جلي أو خفي لا أصل له في الشريعة، ومعنى قول صاحب مقالة "الاستحسان مقدم على القياس" أن القياس الجاري على وفق قواعد الشريعة يؤخر عن استصلاح لا أصل له في الشريعة. قال: وقد عبر الشافعي عن غور هذا الفصل بكلمات وجيزة إذا قال: من استحسن فئقد شرع. انتهى.

стр. 669

كتاب الترجيح: مسألة: إذا تعادلت الأمارتان فالتخيير والتساقط والوقف أقوال يتخرج مسائل منها: إذا اتفق فرضان في نصاب كالمائين فيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون اختيار الشافعي أنفعهما للمساكين، وقال ابن سريج تخريجًا: يتخير، لتعادل الإمارتين. والأولى أصح كما إذا دل دليل على إيجاب شيء، ودليل على إيجاب شيئين أخذ بالزائد، ثم على رأي ابن سريج يستحب للمالك إخراج الأغبط إلا أن يكون ولي يتيم فيراعي حظه وهنا أيضًا، تعادل شيئين لكنه رجح النظر إلى اليتيم لكونه معينًا. مسألة: "الخاص" يقضي على العام ويقدم عليه عند التعارض" ومن ثم مسائل فقهية: منها: إذا لم يجد المحرم إلا صيدًا وميتة يقدم الصيد في الاجتناب [على] ١ الميتة ويأكلها على [الاضطرار] ٢ لأن تحريم الصيد [خاص بالمحرم وتحريم الميتة عام في الحاج وغيره فكان] ٣ تحريم الصيد [أولى] ٤ بالاجتناب لا دلائه بالخصوصية. ومنها: السفينة إذا وثبت فيها سمكة في حجر إنسان فهي له دون صاحب السفينة، لأن حوزه إياها أخص من حوز صاحب السفينة لأن حوز صاحب السفينة يشمل هذا الرجل وغيره، وحوز هذا الرجل [لا يتعداه] ٥؛ فهو أخص بالسمكة من صاحب السفينة.

стр. 670

ومنها: إذا لم يجد المصلي إلا ثوبًا نجسًا وثوبًا حريرًا يصلي [في] ١ الحرير على الصحيح فيهما. مسألة: التخصيص أولى من المجاز ومن ثم مسائل: منها: لو وقف في موات وإمامه في مسجد وحال بينهما جدار لا باب فيه أو فيه باب مغلق أو مفتوح ولكن لم يقف قبالته منع لعموم قوله ﷺ : "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" خرج منه ما عدا هذه الصورة بدليل يبقى فيها على مقتضى الحديث، ويترجح على حمله على نفي الكمال؛ لأن التخصيص أولى من المجاز. قاعدة: ما ثبت بالنص أولى مما ثبت بالإخبار والثابت بالخبر أرجح من الثابت بالاجتهاد. وهذه قاعدة تكرر ذكرها في كلام المتقدمين من فقهائنا، وحاصلها أن القطع مقدم على الظن وأن أقوى الظنين مقدم ومسألة الخبر والاجتهاد هي مسألة تعارض القياس وخبر الواحد وفيها الخلاف [الأصولي المشهور] ٢. وفي القاعدة مسائل: منها: قطع بعضهم فيما إذا أصدقها شقصًا ثم "لقها قبل الدخول وجاء الشفيع يريد أخذه بالشفعة بأن الزوج أولى. ومنها: قطع بعضهم بأنه لو اشترى شقصًا وأفلس ثم طلقها قبل الدخول وجاء الشفيع يريد أخذه بالشفعة بأن الزوج أولى. ومنها: قطع بعضهم بأنه لو اشترى شقصًا وأفلس بالثمن فإن البائع أولى من الشفيع. وسر ذلك على ما ذكر القاضي الحسين أن الحق ثبت للزوج نصًا فهو أقوى من حق البائع؛ إذ لم يثبت إلا بالإخبار، فكان أضعف. ومنها: أبان أربعًا في مرض موته وتزوج أربعًا وقلنا: ترث المبتوتة. قيل: ترث الزوجات خاصة؛ إذ هو بالنص والمبتوتة بالاجتهاد وقيل يرثن كلهن، وقيل: يرث المطلقات فقط لسبق حقهن وهو الزوجية. قال الروياني في الفروق: وهو أضعفها.
следующие страницы →