← Каваид фикха

Каваид фикха · id 8634

الأشباه والنظائر - السبكي

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (824 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

جميع الموصفي به وقيل: نصفه، وقيل: ثلثه، ولا قائل: بأنه يحرم مع أن الأقارب جمع. قلت: المرعي في الوصية الجهة؛ فصار كما لو وقف على أولاده يستحق الواحد منهم والجمع، ثم مدلول الأقارب ليس منحصرًا في واحد لاحتمال أن يكونوا وقت الإيصاء جمعًا -ولذلك قالوا [ولم] ١ يوجد إلا واحد ولاحتمال حدوثهم بعد الإيصاء؛ فليس [مما] ٢ نحن فيه. مسألة: في دخول المخاطب بكسر الطاء -تحت عموم خطابه خلاف عليه مسائل: منها: لو قال: نساء العالمين طوالق؛ ففي وقوع الطلاق على امرأته خلاف أشار الرافعي إلى أن بعضهم بناء على هذا، وقد تكلمنا على المسألة في "شرح المختصر". ومنها: لو وقف على الفقراء وهو فقير. قال الوالد ﵀: ينبغي أن يكون فيه وجهان -أصحهما الجواز- قال: والمسألة التفات على هذا الأصل" ونقل من كلام الخوارزمي٣ صاحب الكافي ما يدل للجواز. ولو لم يكن هناك فقير غيره؛ فأشار إلى ترجيح الجواز أيضًا؛ لكونه قصد الجهة بخلاف مسألة ابن يونس في حيلة الإنسان في الوقف على نفسه، حيث صورها فيما إذا وقف على أولاد أبيه الذين صفتهم كذا وذكر صفات نفسه قال الوالد ﵀: لأن قصد الجهة العامة فيها بعيد. قلت: وإن روعي اللفظ وقطع النظر عن القصد فله التفات على دخول المخاطب في الخطاب. ومنها إذا قال: أوصيت لعبدي بثلث مالي فالأصح وبه قال ابن الحداد أن رقبته تدخل، والثاني: لا، لإشعاره بغيره.

стр. 597

قال القاضي أبو الطيب في شرح الفروع: [وبهذا نقول] ١: إن الأمر لا يدخل في الأمر؛ لأن الظاهر أن المأمور غير الآمر. قلت: والرافعي حكى الوجهين وصحح قول ابن الحداد، لكن لم يذكر هذا المأخذ وهو تردد في دخول المخاطب -بفتح الطاء. ومنها: نقل الرافعي في فروع الطلاق عن إسماعيل البوشنجي أنه لو قال لزوجته: إن فعلت مع أحد حرامًا فأنت طالق فطلقها طلقة رجعية وجامعها في عدتها فيحتمل أن يبنى وقوع الطلاق على أن المخاطب هي يندرج تحت الخطاب ويحتمل أن يقال: لا يقع لأن الغرض منعها عن الغير لما يلحقه بذلك من الغضاضة والمعرة. كذا: في الرافعي؛ لكنه فيه بالعجمية وأنا عربته. فإن عبارته لو قال لزوجته أكذبوا وليس حرام كنى وهذا معناه. مسألة: خطاب الشارع بالمسلمين والمؤمنين يتناول العبيد [عند] ٢ الأكثر، وقال به الرازي من الحنفية كان لحق الله دخل وإن كان لحق العباد فلا وفي المسألة ثلاثة أوجه لأصحابنا حكاها الماوردي في كتاب القضاء من الحاوي. أحدها: الدخول إلا أن يخرجها الدليل. والثاني: عدمه إلا أن يدخله الدليل. والثالث: إن كان بعيدًا أدخل وإن تضمن ملكًا أو عقدًا أو ولاية فلا. وهذا الثالث هو مذهب الرازي فيما أحسب، وهو ما أشار إليه الشافعي ﵁ بقوله: إن العبد يدخل في الضرورات دون غيرها. كما أشرت إليه في شرح المختصر. ويتخرج على الأصل مسائل: منها: أمان العبد صحيح [عندنا] ٣ خلافًا لأبي حنيفة ﵁ -لقوله ﷺ : "المسلمون تتكافأ ويسعى بذمتهم أدناهم" ٤.

стр. 598

ومنها: إذا انتفت الموانع بأن يأذن السيد له فيما لم يوجب عليه من أجله فهل يجب؟ فيه تردد في مسائل: منها: لو أذن له السيد في حضور الجمعة، والصحيح لا يجب عليه. ومنها: في وجوب إحرامه بحج أو عمرة إذا أذن له السيد في دخول الحرم خلاف؛ أصله قول ابن عباس ﵁: لا يدخل أحد مكة محرمًا. مسألة: الصحيح دخول الصورة النادرة تحت العموم وكحذا الصورة غير المقصودة. وفرق بين النادرة وغير المقصودة؛ فالنادرة هي التي تندر بالنسبة إلى القضية التي اشتمل عليها لفظ العموم، وغير المقصودة هيا لتي تدخل في مدلول اللفظ؛ إلا أنا نعلم أن الألفاظ لم يقصدها. وقد تكون نادرة وقد لا تكون، كما أن النادرة قد تكون مقصودة وقد لا تكون. مثال النادرة: المسابقة على الفيل وغيرها. ومثال غير المقصودة: ما وقع في "المحاكمات" واقف وقف على زوجاته ما دمن باقيات في عصية نكاحه؛ [فمن] ١ تزوجت منهن سقط نصيبها وعاد على ضراتها فطلق واحدة منهن طلاقًا بائنًا ثم عادت إليه بعقد جديد فقال ضارتها: إنه لا عود لك إلى النصيب الذي خرج عنك عند انقطاع العصمة؛ فقد صدق انقطاع العصمة والتزوج، وقالت هي: لم يكن قصد الواقف إلا أن أتزوج بغيره والقرائن تشهد لها وتفضي إلى القطع بما تدعيه؛ ولكن قد ينازع منازع في التصوير بهذه الصورة لقوله: ما دمن في عصمة نكاحه تعلقًا بأن الدوام انقطع ببينونتها [ألا] ٢ ترى إلى ما نقله الرافعي من فروع الطلاق عن إسماعيل البوشنجي فيمن حلف إن دخلت دار فلان ما دام فيها فأنت طالق فتحول ثم عاد لا يقع لأن الإدامة انقطعت.

стр. 599

ثم ذكره في أواخر كتاب الإيمان أيضًا فيمن حلف لا يصطاد ما دام الأمير في البلد لا سيما وقد قال الواقف باقيات فليتصور بخلو اللفظ عن قوله: ما دمن باقيات وقد وقع وكذلك وقع في "المحاكمات" أيضًا واقف وقف على الفقراء والمساكين وقال قدموا اعتقائي على غيرهم فافتقر أقرابه وطلبوا أن يقدموا على العتقاء لأن الإحسان إليهم أولى. والقرائن [تقتضي] ١ بأن الواقف لو استحضر افتقارهم لرجحهم على عتقائه، وقال العتقاء: اللفظ لا يدل إلا على تقديمنا ولستم إيانًا، والمعروف في مذهبنا عدم اعتبار المقاصد والاقتصار على مدلول الألفاظ. وللغزالي كلام أخذ منه ابن الرفعة ميله إلى أن المقصود يعتبر. وأقول المقصود بالنسبة إلى اللفظ ثلاثة أقسام: قسم ينافي اللفظ ويعارضه: فلا وجه لاعتباره. وقسم يعاضد اللفظ ويساعده: فلا يقول [أحد] ٢ بإهداره؛ ولكنه معتبر غير أن اللفظ هو الموجب لاعتباره دون القصد. وقد يقول من يعتبر المقاصد [أنهما] ٣ "هنا" علتان على معلول واحد. قسم لا ينبو عنه اللفظ ولا يدل له؛ فهذا يشبه الزيادة على اللفظ، فإن توفرت عليه القرائن وأفضت إلى القطع أو ظن غالب فلا بأس باعتباره، إذا [عرفت] ٤ هذا فلنعد إلى الكلام في النادرة فنقول: فما دار في عبارات الأصحاب النادر لا حكم له. ومن ثم مسائل: قيل: خروج المني من النساء ليس ببلوغ لأنه نادر فلا حكم له ولكن الصحيح خلافه، ومنها: العدد النادر الذي لا يدوم يوجب القضاء وإن كان مع الخلل الحاصل يدل على الصحيح. وقد يستشهد لقولهم: النادر لا حكم له؛ مما نقله الكيا الهراسي في أحكام القرآن عن الشافعي ﵁ في نكاح الأمة لمن تحته حرة -أنه ﵁ كان يقول: الظاهر من وجود النكاح الطول والأمن من العنت، ولا مبالاة بنكاح نادر لا يفضي إلى ذلك؛ بل نحسم الباب حسمًا.

стр. 600

ويقول أصحابنا جميعًا وذكره الرافعي في أوائل الطلاق -أن الفسوخ لا تنقسم إلى سنة وبدعة؛ لأنها أسباب نادرة- بخلاف العقود. وربما قيل "النادر يحفظ ولا يقاس عليه. وهذا قولهم: الشاذ الخارج عن المنهاج يحمل على شذوذه ولا يقضي به على غيره. وليس كلامنا في هذا إذا ذاك هو مسألة "أن الخارج عن القياس هل يقاس عليه؟ وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليه في مسائل القياس؛ إنما الكلام في الصورة النادرة هل تدخل تحت العموم؟ المشهور أنها تدخل وهو المختار. وفي كلام الإمام والغزالي والرافعي ﵏ ما يقتضي عدم دخولها. أشار إليه الغزالي في كتب الخلافيات وتوصل به إلى إخراج الكلب من عموم أيما إهاب دبغ فقد طهر فقال: الكلب لا يعتاد في العرف دباغ جلده؛ فتنفك الأذهان عن ذكره إذا جرى ذكر الدباغ واللفظ ينزل على الاعتياد فيما يدبغ ذكره في مآخذ الخلاف وفي شفاء العليل وذكر [في] ١ المآخذ أن هذا الفرق ينتهي إلى القطع. ومثل كلام الغزالي قول الرافعي في الحج في صوم المتمتع ثلاثة أيام بعد التشريق لا يكون أداء لأن تأخره عن أيام التشريق مما يبعد ويندر؛ فلا يقع مرادًا من قوله تعالى ﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ ٢ بل هو محمول على الغالب المعتاد. قال الرافعي: هكذا حكاه الإمام وغيره. قلت: وعبارة الإمام في النهاية المفهوم من القرآن تفييد صوم الثلاثة بأيام الحج، وهو مضبوطة، وأيام التشريق ملحقة بأيام الحج على بعد؛ فأما النظر إلى البقاء في الإحرام لامتداد زمان طواف الزيارة فليس مراد الكتاب. فإن تأخر الطواف عن أيام التشريق يبعد وقوعه. فليفهم النظر حقيقة ذلك؛ فإني لم [أقله] ٣ رأيًا واستنباطًا وإنما نقلته من فحوى كلامه الأئمة. انتهى. ونظير كلام الرافعي هنا قوله -فيما إذا مات المكفول ببدنه: أنه يبرأ الكفيل حملًا للإحضار الملتزم على الحياة؛ فإنه الذي يخطر بالبال غالبًا. قلت: لكن هذا في تقييد

стр. 601

المطلق، وكلامنا في تخصيص العام؛ فلا يلزم من الأول والثاني. وقد شكك الشيخ صدر الدين بن المرحل ﵀ على قولهم النادر لا يخطر بالبال؛ فلا يدخل تحت العموم بأن هذا لا تبين له في كلام الله تعالى؛ فإنه لا يخفى عليه خافية. وبلغني أن تلميذه قاضي القضاة جمال الدين يوسف بن جملة١ ﵀ -من أجل ذلك يقول: إن كان العموم في الكتاب فلا شك في دخول النادرة، وإن كان بالسنة وقلنا: إنها بالوحي فكذلك، وإن كانت بالاجتهاد فهو موضع الخلاف. قلت: وكل هذا بمعزل عن مراد الأصوليين إذا مرادهم أن الصورة النادرة التي لا تخطر ببال العربي عند الإطلاق لا يردها الشارع الذي جاء بالقرآن المتلو بلسانهم وما يتخاطبون به في محاوراتهم. هذا موضع النظر، وما ذكره ابن جملة من التفصيل في النبي ﷺ فيه نظر. والصواب عندنا أنه ﷺ لا تذهب عن خاطره النادرة كيف وهو يقول: والله لقد رأيت ما أنتم لاقون في دنياكم وآخرتكم. ويقول: ما من شيء توعدونه إلا وقد رأيته في صلاتي هذه حتى الجنة والنار٢. ولا يمكن أن يعمم لفظًا إلا وقد أتى على مدلوله استحضارًا؛ غير أنه يستحضر النادرة ويعلم أن قومه لا يعنونها بهذا اللفظ فينطق على لسان قومه، فلا تقع مرادة بحكمه ولا مشمولة بلفظه. إذا عرفت هذا ففي القاعدة مسائل من آيات وأحاديث. منها: قوله تعالى في المتمتع: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ ٣. الآية كما عرفت -ومنها حديث: أيما إهاب دبغ فقد طهر فلا يخفي ندرة دباغ جلد الكلب وجلد الآدمي.

стр. 602

وقد قال الأصحاب: لا يطهر جلد الكلب بالدباغ اتفاقًا، وفي الآدمي وجهان بناء على أنه ينجس بالموت أصحهما أنه يظهر. قال ابن دقيق العيد: ويدخل في العموم بعض جلود الحيوانات التي لم تطرق الأسماع أسماؤها ولا رأت العيون أشخاصها فتظهر بالدباغ مع أنها ليست مما يمكن أن تدخل تحت القصد. قلت: إن كانت نادرة فتكون في هذا الحديث غريبة وهي نادرة دخلت قطعًا وهي هذه ونادرة لم تدخل قطعًا [وهو] ١ إهاب الكلب ونادرة فيها وجهان وهي إهاب الآدمي ولكن [ليس هذا] ٢ مراد الشيخ تقي الدين فيما أعتقد فإن ما لم تره الأشخاص لا يندر بالنسبة إلى العام؛ لأنه لم يعهد دباغه ولا عدم دباغه وإنما عدم دباغه لعدم العهد به وكلامنا فيما عرف ولم يعهد دباغه كالكلب وجلد الآدمي لا فيما يعد بنفسه. وقوله: إنما ذكره لم يدخل تحت القصد يعني مفصلًا وأما دخوله وحضوره في الذهن مجملًا فهو الواقع، ولذلك كان محكومصا فيه وإلا فكيف يحكم على ما لم يقصد. ومنها: إخراج الخنثى من عموم الجمعة حق واجب على كل مسلم في جما عة إلا أربعة: عند مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض- إذا قلنا إنه لا جمعة على الخنثى وهو ما ادعى النووي الاتفاق عليه، وحكى صاحب الذخائر فيه وجهًا. ومنها: قوله ﷺ : "لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر" ٣. منع بعض أصحابنا المسابقة على الفيل لمثل ذلك. ومنها: حديث٤ البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فيدخل فيه بلا خلاف التولية والإشراك مع ندرتها جدًا. واختلف فيمن طال مكثهما في المجلس، والصحيح ثبوت الخيار.

стр. 603

ومنها قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء﴾ ١ فلمس العضو الأشل والزائد كالصحيح والأصلي على الصحيح مع ندرتهما. ومنها قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ٢ فلو خلق له وجهان وجب غسلهما ولو خلق له رأسان كفى مسح أحدهما ولينظر هنا اليدين المتساويتين، والمتميز منهما الزائد، والشعور الخارجة عن العادة وغير ذلك. ومنها: قوله ﷺ في التشهد "وليتخير من المسألة ما شاء"٣؛ فهل يجوز الدعاء في الصلاة بجارية حسناء؟ منعه الشيخ أبو محمد مدعيًا عدم دخول هذه الصورة في العموم لندرتها. ومنها: حديث رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ... فلو تكلم في الصلاة ناسيًا كثيرًا ففيه وجهان أصحهما البطلان، ونظائره أكل الصائم ناسيًا كثيرًا، وكثير من مسائل الإكراه التي لا عذر فيها معه. ومنها حديث "من مس ذكره فليتوضأ" ٤ منع بعض أصحابنا انتقاض الوضوء بمس الذكر المقطوع بمثل ذلك. ومنها: حديث "في كل موضحة خمس من الإبل" ٥ قال بعض أصحابنا: "إذا زادت الموضحات على دية النفس فلا يجب أكثر من دية النفس ولا تدخل هذه الصورة في الحديث لندرتهان وقاسه على قول الشافعي ﵁ في الأسنان أنه لا يجب في قلع جميعها إلا دية النفس.

стр. 604

وفرق ابن كج بضبط الأسنان بخلاف الموضحات، وعكس الإمام في النهاية صنيع ابن كج وادعى أن الأسنان بالزيادة أولى مشيرًا إلى تعميم إطلاق الشارع مع العلم بعدد الأسنان، ولا كذلك الموضحات. ومنها: ثبت في الحديث النهي عن التصوير١؛ فلو دعت إلى ذلك ضرورة المسلمين كما روى الواقدي في فتوح الشام "أن النصارى صوروا صورة هرقل على حائط فوقف بعض المسلمين متعجبًا منها، فانقلبت قناة طويلة من أحدهم فأصابت عين الصورة فقلعتها، فعلم به الحرس من قبل لوقا عظيم الروم فجهز رسوله في مائة فارس إلى أبي عبيدة إنكم غدرتم الأمان بقلع عين هذه الصورة وهو عندنا عظيم، فسأل أبو عبيدة من فعل هذا فقيل فلان خاطئًا، فقال أبو عبيدة: إن صاحبنا إنما فعل ما فعل غير متعمد، فقالوا لا نرضى حتى نفقأ عين صاحبكم -يعنون عمر بن الخطاب ﵁ وكان القوم يمتحنون بهذا أمان المسلمين وأنهم هل هم موفون بعهودهم فقال أبو عبيدة أنا أمير هذه الطائفة فافعلوا بي ما فعلوه بتمثالكم؛ فقالوا: لا نرضى إلا بفقء عين ملككم الأكبر، فقال أبو عبيدة ملكنا أمنع من ذلك، وغضب المسلمون وكادت تقوم ملحمة عظيمة فنهاهم أبو عبيدة وقال على رسلكم، فقال منهم قائل: لا عين أميركم ولا عين خليفتكم؛ ولكن نصنع تمثالًا فيه صورة أبي عبيدة ثم نفقأ إحدى عيني ذلك التمثال. فقال المسلمون إن صاحبنا فقأ عين ذلك التمثال غير قاصد وأنتم تتعمدون، فقال أبو عبيدة: يا معشر المسلمين إن هؤلاء ليس لهم عقول -فإنهم رضوا أن يصوروا صورتي ويفعوا بها ما أرادوا، فدعوهم وقلة عقولهم، فرضوا وسكنت الفتنة. فلو [كانت] ٢ المسألة بحالها وأبوا إلا أن يصور المسلمون تلك الصورة وعلمنا أن ذلك إن [لم] ٣ يفعل كانت فتنة هائلة تؤدي إلى ضرر عظيم بالمسلمين فالذي يظهر جواز ذلك حينئذ.

стр. 605

ومنها: قد علم أن لبس زي الكفار وذكر كلمة الكفر من غير إكراه كفر؛ فلو مصلحة المسلمين إلى ذلك واشتدت حاجتهم إلى من يفعله فالذي يظهر أنه يصير كالإكراه. وقد اتفق مثل ذلك للسلطان صلاح الدين؛ فإنه لما صعب عليه أمر ملك صيدا وحصل للمسلمين به من الضرر الزائد ما ذكره المؤرخون ألبس السلطان صلاح الدين اثنين من المسلمين لبس النصارى وأذن لهما في التوجه إلى صيدا على أنهما راهبان وكانا في الباطن مجهزان لقتل ذلك اللعين غيلة؛ ففعلا ذلك وتوجها إليه وأقاما عنده على أنهما راهبان، ولا بد أن يتلفظا عنده بكلمة الكفر وما برحا حتى اغتالاه وأراحا المسلمين منه ولو لم يفعلا ذلك لتعب المسلمون تعبًا مفرطًا ولم يكونوا على يقين من النصرة عليه. ومما يدل على هذا قصة محمد بن مسلمة في كعب بن الأشرف فإن النبي ﷺ قال: من لكعب بن الأشراف فقال محمد بن مسلمة: أتحب أن أقتله؟ قال: [نعم. قال] ١: فأذن لي -فأذن له: فأقول: قال: قد فعلت٢. ومنها: حديث٣ لا يخرج في الصدقة هرمة يقتضي أن لا تؤخذ مريضة من المراض، وإليه ذهب مالك، واعتذر أصحابنا عنه بأنه خرج مخرج الغالب فإن مرض الماشية كلها نادر، واتفقوا على جواز أخذ المريضة من المراض. ومنها: لا يجب الاستنجاء من خروج حصاة لا رطوبة معها على الأصح. ومنها: لو ندر الخارج كالدم والقيح فالأظهر جكزاء الحجر، والثاني: يتعين الماء؛ لأن الاقتصار على الحجر وقع فيما نعم به البلوى. وقال القفال: إن تمحض النادر تعين الماء. وإن خالط المعتاد جاز الحجر. ومنها: الراجح دخول الأكساب النادرة في المهايأة في العبد المشترك.

стр. 606

ومنها: [أنه] ١ يجب غسل ما يندر كثافته وإن [كثرت] ٢ كالحاجب والعذار والشارب. ومنها: [يجب] ٣ على المرأة غسل باطن اللحية الكثيفة لندرتها فيح قها. ومنها: أنه يجب قضاء الصلاة على المقيم المتيمم لفقد الماء وللبرد على الأظهر فيهما، وفي نحوهما من ذوي الأعذار النادرة. كالمربوط على خشبة ومن شد وثاقه بالأرض وصلى بالإيماء. والغريق يصلي على خشبة بالإيماء. ومنها: إشراع الجناح في الطريق النافذ لا يجوز إلا إذا لم يضر. قالوا: وإن كان ضيقًا بحيث لا تمر فيه القوافل والفوارس؛ فينبغي أن يرتفع؛ بحيث يمر تحته المار منتصبًا وإن كانوا يمرون فيه فليكن ارتفاعه إلى حد يمر المحمل مع الكنيسة فوقه على البعير، قالوا لأنه وإن كان نادرًا فقد يتفق. ومنها: الأصح أنه لا يدخل في لفظ قام على [في] ٤ البيع [فداء] ٥ العبد إذا جنى ففداه بخلاف مكس السلطان فإنه يدخل لعمومه. ومنها: لو جلس من الغزاة رقيب يرقب العدو فأدركته الصلاة ولو قام لرآه العدو أو جلس الغزاة في مكمن ولو قاموا أبصرهم العدو فلهم الصلاة قعودًا وتلزمهم الإعادة، لندور ذلك. ومنها: أصح الأوجه أنه يباح للغانمين الفانيد والسكر والأدوية التي تندر الحاجة إليها قبل قسمة الغنيمة، فإن احتاج مريض أخذ قدر حاجته: ومنها: يجوز ترك القبلة في النوافل مما يكثر ويتكرر كالوتر وركعتي الفجر ولا يجوز فيما يندر كالعيدين والاستسقاء. ومنها: لو علفت السائمة في الحول قدرًا يسيرًا لا يتمول في نقد الحول فلا أثر له في قطع السوم قطعًا. ومنها: حلف لا يطأ فلانة فوطئها بعد الموت فأصح الأوجه لا يحنث لأن اسم

стр. 607

الوطء يطلق على ما يقع في الحياة. وثالثها: الفرق بين ما قبل الدفن وبعده. والمسألة في الرافعي في باب الإيلاء وكان من حقها أن تذكر في باب الإيمان. ومنها: قال الإمام: لو تصور شخص لا يضره أكل السموم الطاهرة لم تحرم عليه. فائدة: تذكر إذا انتهيت لما ذكرناه في النادر، وكلام الأصحاب في التيمم في النادر الذي لا يسقط القضاء؛ فهو محط قولهم: النادر لا حكم له. وفي دخول الأكساب النادرة في المهايأة والسلم فيما يندر وجوده، ويتحرز ذلك بما ذكرناه، أنها قواعد ثلاث: "دخول النادرة في اللفظ العام وكون النادر لا حكم له" أي لا يعطي حكم الغالب؛ بل يسقط الاعتبار به ويصير وجوده كعدمه. والثالثة أن النادر إذا حكم فيه بشيء لم يلحق به غيره ويدل على شذوذ، وهذه الثالثة هي مسألة الخارج عن القياس الآتية إن شاء الله تعالى في باب القياس. خاتمة: نحن وإن قلنا بدخول النادرة في العموم فلسنا نقصر العموم عليها. ومن ثم يتميز عن غير النادرة؛ فإن النادرة تحتمل أن تكون هي تمام المراد بالعموم. أما النادرة: فالحمل عليها بمفردها بعيد ولأجل ذلك الحنفية قولهم: أيما امرأة نكحت نفسها١ على الأمة والمكاتبة. قاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وذكر الإمام أن الذي صح عنده من مذهب الشافعي ﵁ أن العبرة بخصوص السبب، واستدل بكلام له على قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية٢. والإمام منازع نقلًا وحجاجًا. أما النقل٣. تنبيه: قوله ﷺ : "الخالة بمنزلة الأم" في حديث البراء بن عازب: خرج رسول الله ﷺ من مكة فاتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم، فتناولها علي كرم الله وجهه فأخذ بيدها

стр. 608

وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك، فاختصم فيها على وزيد وجعفر فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: بنت أخي فقضى بها رسول الله ﷺ لخالتها وقال: "الخالة بمنزلة الأم" ١ الحديث. وهو عمدة باب الحضانة، وقد استدل بإطلاقه أصحاب التنزيل على تنزيلها منزلة الأم في الميراث. وقال شيخ الإسلام تقي الدين بن دقيق العيد: إنما هي بمنزلتها في الحضانة، لأن السياق طريق إلى بيان المجملات وتعيين المحتملات وتنزيل الكلام على المقصود منه. قال: وفهم ذلك قاعدة كبيرة من٢ أصول الفقه لم أر من تعرض لها في الأصول إلا بعض المتأخرين ممن أدركنا أصحابهم، وهي قاعدة متعينة على النار وإن كانت ذات تشعب على المناظر. ولذلك ذكر في حديث أنس: ليس من البر الصيام في السفر٣. فذكر أن الظارهية تنزله على العموم اعتبارًا بعموم اللفظ -وإن ورد في رجل كان يجهده الصوم فقال: يجب أن يتنبه للفرق بين دلالة السياق والقرائن على تخصيص العام وعلى مراد المتكلم وبين ورود العام على سبب، ولا تجري مجرى واحد فإن مجرد ورود العام على سبب لا يخصصه، وأما السياق والقرائن [فإنها] ٤ الدالة على المراد، وهي المرشدة إلى بيان المجملات وتعين المحتملات. قال: فاضبط هذه القاعدة فإنها مفيدة في مواضع لا تحصي وانظر قوله ﷺ : $ "ليس من البر الصيام في السفر من أي [من] ٥ القبيلين هو منزله عليه". قلت: ومن [نظر إلي] ٦ السياق ما في فروع الطلاق من الرافعي أنه لو قال

стр. 609

لزوجته: إن علمت من أختي شيئًا ولم تقوليه فأنت طالق فتنصرف إلى ما يوجب ريبة ويوهم فاحشة دون ما لا يقصد العلم به كالأكل والشراب. فائدة: إذا عرفت أن الأرجح عندنا اعتبار عموم اللفظ دون خصوص السبب فلا نعتقد أن يسنحب العموم في كل ما ورد وصدر؛ بل إنما نعمم حيث لا معارض وفي المعارض أمثلة: منها: حديث النهي عن قتل النساء والصبيان١ أخذ أبو حنيفة بعمومه وقال: المرأة المرتدة لا تقتل، وخصصناه نحن بسببه؛ فإنه ورد في امرأة مقتولة مر عليها رسول الله ﷺ في بعض غزواته، فنهى إذا ذاك عن قتل النساء والصبيان لحديث: "من بدل دينه فاقتلوه" ٢ وغيره من الأدلة. ومنها: حديث أنس "ليس من البر الصيام في السفر" ورد في رجل قد ظلل عليه من جهد ما وجد، وقد تقدم الكلام فيه. تنبيه: قدمنا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب والخلاف في ذلك إذا لم تكن هناك قرينة تعميم فإن كانت فالقول بالتعميم ظاهر كل الظهور بل لا ينبغي أن يكون في التعميم خلاف. وهذا كان الشيخ الوالد ينبه عليه ويقول: من القرائن العدول عن صيغة الإفراد إلى الجمع ويمثل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ٣ نزلت في أمانة واحدة وهي مفتاح الكعبة فعدل عن الإفراد إلى الجمع ليعم كل أمانة، وأمثلة هذا تكثر وإليه الإشارة بقوله في جمع الجوامع؛ فإن كانت قرينة تعميم فاحذر فمتى عدل عن لفظ الإفراد إلى الجمع أو عن لفظ لا حصر فيه إلى ما فيه حصر مثل هو الطهور ماؤه٤ أو ضم إلى المسؤول عنه في الجواب عنه غيره مثل ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ فذكر

стр. 610

السارقة قرينة في أنه ليس المراد بالسارق خصوص سارق رداء١ صفوان بل عموم كل سارق أو غير ذلك [مما] ٢ دل على إرادة العموم، ومن فروع هذا ما ذكره الرافعي في فروع الطلاق "أنه لو اتهمته امرأته بالغلمان فحلف أنه لا يأتي حرامًا ثم قبل غلامًا أو لمسه يحنث، لعموم اللفظ، بخلاف ما لو قالت فعلت كذا حرامًا فقال إن فعلت حرامًا. قال لأن هناك قرينة ترتب كلامه على كلامها وها هنا اختلف اللفظ فحمل كلامه على الابتداء؛ فانظر كيف جعل عدوله عن لفظ المسؤول قرينة إرادة التعميم؛ لكن في قوله: أو لمسه" نظر، فما اللثم بحرام إلا أن يكون بشهوة. مسألة: اشتهر عن الشافعي ﵁ أن ترك الاستفصال في حكاية الأحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال وهذا وإن لم أجده مسطورًا في نصوصه فقد نقله [عنه] ٣ لسان مذهبه. بل لسان الشريعة على الحقيقة أبو المعالي ﵁ ومعناه صحيح؛ فقد كانت من عادته ﷺ أن يستفصل ويستقصي بحيث لا يدع غاية في البيان ولا إشكالًا في الإيضاح؛ ففي قصة ماعز قوله ﷺ : "أبك جنون؟ " قال: لا، قال: "فهل أحصنت؟ " فقال نعم كذا في الصحيحين٤. وفي صحيح البخاري "لعلك قبلت أو غمزت؟ " قال: لا، قال: "أنكتها؟ " قال: نعم٥. وفي صحيح ابن حبان: قال: "أنكتها؟ " قال: نعم، قال: "حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ " قال: نعم، قال: "كما يغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر؟ " قال: نعم، قال: "فهل تدري ما الزنا؟ " قال: نعم -أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من [أهله] ٦. وفي صحيح مسلم من حديث علقمة بن وائل حدثه قال: إني لقاعد عند رسول

стр. 611

الله ﷺ إذا جاءه رجل يقود آخر بنسعة١ فقال: يا رسول الله: هذا قتل أخي، فقال رسول الله ﷺ : "أقتلته؟ " فقال: إنه إن لم يعترف أقمت عليه البينة، قال: نعم قتلته، قال: "كيف قتلته؟ " قال: كنت أنا وهو نختبط من شجرة فسبني وأغضبني فضربته بالفأس على قرنه فقتلته فقال له النبي ﷺ : "هل لك من شيء تؤديه عن نفسك؟ " قال: ما لي إلا كسائي وفأسي، قال: فترى قومك يشترونك؟ قال: أنا أهون على قومي من ذلك، فرمى إليه بنسعته وقال: "دونك صاحبك" الحديث٢. فانظر كيف كان يستفصل ﷺ ليتوضح الحال ويحق الحق وما ذلك منه مختًا بأبواب الاحيتاط من الحد والقصاص؛ بل عامًا في الأبواب ألا ترى إلى قصة المجامع٣ وقوله ﷺ هل تجد هل تجد ومثل حديث "أينقص الرطب إذا جف" ٤ وغير ذلك من الاستفصال الواقع في كثير من أحاديث الأحكام دل ذلك على أن ترك الاستفصال إشارة إلى التعميم فكان منزلًا منزلة العموم وإن لم يكن حقيقة العموم ما أنبأت عنه الصيغة. وهذا كما قال في المشترك: يحمل على معانيه كالعام وإن٥ لم يقل إنه عام ونظير تعميم المطلق من الجواب ينزل الاستفصال تخصيص العام في الجواب بخصوص الأسباب. فإن قلت: فمساق هذا أن يكون حق من عمم ترك الاستفصال أن يقول العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ قلت: أجل، ومن ثم نقل [ذلك] ٦ عن

стр. 612

الشافعي ناقل هذه عنه وهو إمام الحرمين؛ فإن قلت: ألستم على أن العبرة بعموم اللفظ دون خصوص السبب؟ فهل أنتم على أن العبرة بمطلق الجواب دون التعميم؟ فلت: أعلم أن تخصيص العام أصعب من تعميم الخاص لأن فيه اقتطاعًا من اللفظ وليتنبه من ذلك إلى أنه لا يلزم من القول بأن الاعتبار بعموم اللفظ القول بأن ترك الاستفصال لا ينزل منزلة العموم؛ فمن هنا أنا أقول العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وينزل الاستفصال بمنزلة العموم. فإن قلت: هذا عود بالنقض على قولكم: حق من عمم ترك الاستفصال أن يخصص بالسبب. قلت: نعم. ولم يكن القصد فيما تقدم إلا أن الناقل عن الشافعي ﵁ أن العبرة بتخصيص السبب هو الناقل عنه أن ترك الاستفصال للعلموم وإن كانا غير متلازمين ولذلك لا يثبت المتأخرون من أصحابنا أن العبرة بخصوص السبب وإن أثبتوا التعميم بترك الاستفصال. [إذا عرفت هذه فليترك الاستفصال] ١ أمثلة: منها: وإياه ذكر إمام الحرمين: قصة غيلان لما أسلم على عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ : "أمسك أربعًا وفارق سائرهن" ٢. ولم يسأله عن كيفية وقوع العقد عليهن معًا أو مرتبًا؛ فكان إطلاق الجواب دليلًا على أنه لا فرق بين أن تترتب العقود أو تقع معًا. وقد أشبعنا الكلام على هذا في شرح المختصر والمخالف فيه أبو حنيفة ﵁. ومنها: حديث المجامع في رمضان لم يسأله النبي ﷺ له كان عامدًا أو ناسيًا. قال ابن دقيق العيد: فيدل على العموم في الحالتين. قلت: قوله: هلكت وأهكلت "صريح في أنه كان عامدًا، وفي أنه لم يكن مسافرًا ترخص ومن ثم لا يجب على الناسي كفارة ولا على المسافر الترخص ولكن لم يسأله [النبي] ٣ ﷺ : هل أنزل أو لم ينزل؛ فدل على شمول الحكم للحالتين وهو كذلك. ومنها: طلاق ابن عمر امرأته في الحيض٤.

стр. 613

ومنها: في حديث فيروز الديلمي في نكاح الأختين "اختر أيهما شئت" ١، ولم يسأل عن كيفية النكاحين، فدل على قطع النظر عن حالة الشرك وجعلهما الآن كأنهما أختان يريد العقد على إحداهما. وهذا المثال ذكره جماعة من المحققين منهم الوالد ﵀، وقد يقال: إنه غير مطابق لأن فيه لفظة أي وهي من ألفاظ العموم الصريحة؛ فلا يحتاج معها إلى تنزيل اللفظ منزلة العموم إلا أن يكون بالنسبة إلى أحوال الناكحين فليتأمل فيه. ومنها: إطلاقه ﷺ الإذن لثابت بن قيس بن شماس٢ في الخلع من غير استفصال عن [حالة] ٣ الزوجة هل هي حائض أو طاهر طهرًا جامعها فيه أو لم يجامعها مع أن الحيض ليس بنادر في النساء ولا في الطهر الذي جامعها فيه. ومن ثم استدل الأصحاب على جواز خلع الحائض والطاهر طهرًا جامعها فيه وهو الصحيح في المسألتين؛ لهذا الحديث. ومنها: حديث عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ : إني استحاض فلا أطهر أفادع الصلاة؟ ٤. قال شيخ الإسلام ابن دقيق العيد: المستحاضة إما مبتدأة أو معتادة وكل منهما إما مميزة أو غير مميزة والحديث فيه دلالة على أن هذه المرأة كانت معتادة لقوله ﷺ "دعي الصلاة قدر الأيام التي كانت [تحيضين] ٥ فيها" وليس في هذا دليل على أنها مميزة أو غير مميزة فإن ثبتت رواية أخرى تدل على التمييز لا معارض لها؛ وإلا فقد يستدل بهذه الرواية من يرى الرد إلى أيام العادة وإن كانت غير مميزة وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي ﵁ والتمسك به ينبني على أن ترك الاستفاصل ينزل منزلة العموم،

стр. 614

وما يقال١ إنه ﷺ يجوز أن يكون علم الواقعة فيه نظر ظاهر في إنه ﷺ أول علم حالها بحكمها قبل أن يسأل فإن لها حكمًا خاصًا؛ فلما لم يأمرها قبل سؤالها دل على أن علمه ﷺ بها إنما كان بعد سؤالها. قلت: إنما يأمرها بحكمها قبل السؤال عند الحاجة إلى البيان؛ ولعل علمه سابق [قيل] ٢ سؤالها بزمن لا امتداد له بحيث لا يحاج إلى البيان فالدليل على عدم العلم بحالها ليس ما ذكر؛ إنها قالت: "إني أستحاض فلا أطهر" أخبرته بشأنها، ولو كان يعلمه لقالت: "إني كما علمت أفأدع الصلاة" وهذا ظاهر وليس بقاطع. فوائد: أحدها شكك الإمام ﵀ في البرهان على تنزيل ترك الاستفصال منزلة العموم [فإنه] ٣ لا يمتنع أن يكون ﷺ علم الواقعة فترك جوابه على ما علم ولأجل كلام الإمام هذا قال بعض المتأخرين: حكم الشارع في واقعة سئل عنها ولم يقع بعد عام في أحوالها ولذلك إن وقعت ولم يعلم كيف وقعت وإن علم فلا عموم. وإن جهلنا نحن هل علمت [بالوقف] ٤ والظاهر العموم. قال ابن دقيق العيد: ولقائل أن يدفع الاعتراض المذكور الموجب للتوقف بأن الأصل عدم العلم بالحالة المخصوصة فيعود إلى الحالة التي لم يعلم كيفية وقوعها إلا أن يكون المراد القطع. الثانية: إذا كان بعض صور الواقعة نادرًا؛ فهل يجعل ترك الاستفصال عامًا فيه على القول بالعموم؟ وبأن الصورة النادرة [هل] ٥ تدخل في العموم؟ أو يقال: تدخل [الصورة] ٦ النادرة قطعًا لاحتمال أن تكون هي الواقعة أو لا تدخل قطعًا لأن دخولها أضعف من دخول غيرها وهذا عموم حكمي فلا يقوى على الاستدخال قوة صرائح الألفاظ فيه نظر واحتمال والأرجح الأول وإن كان للرافعي [قول] ٧ في اختلاع الحائض لما استدل بقضية امرأة ثابت أن الحيض ليس بأمر نادر ومن أمثلة ذلك ما في الصحيحين عن سبيعة الأسلمية أن زوجها سعد بن خولة توفي عنها وهي حامل فلم تلبث أن وضعت

стр. 615

حملها بعد وفاته؛ فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك فقال: ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشرًا، قالت سبعة: فلما قال لي ذلك جمعت على ثيابي حين أمسيت وأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزوج إن بدا لي١. قال ابن دقيق العيد: استدل به بعضهم على انقضاء العدة بوضع الحمل على أي وجه كان مضغة أو علقة استبان فيه الخلق أم لا من حيث أنه رتب حل النكاح على وضع الحمل من غير استفصال. قال: وهذا ضعيف [لأن] ٢ الغالب هو الحمل التام المتخلق ووضع المضغة والعلة نادر وحمل الجواب على الغالب ظاهر؛ وإنما يقوي تلك القاعدة حيث لا يترجح بعض الاحتمالات على بعض. قلت: وفيه نظر فإن الظاهر دخول النادرة وقوله: "إنما يقوي تلك القاعدة حيث لا يترجح بعض الاحتمالات" جوابه أنه لا تعارض بين الاحتمالات حتى يطلب [مرجح] ٣. الثالثة: إذا سئل ﷺ عن واقعة فاستفصل عن حاله كان [عموم] ٤ فيما لم يستفصل باقيًا؛ بل هو أبلغ من العموم فيها إذا لم يستفصل مطلقًا لأن استفصاله عن حالة وسكوته أدل على التعميم في السكوت ويدل استفصاله في موضع الاستفصال على أن ما استفصل به قيد في الحكم ومن ثم قال بعض العلماء في قوله ﷺ للنعمان بن بشير لما طلب منه أن يشهد على هبته لبعض أودلاه أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا فقال: "إني لا أشهد على جور" ٥ أنه يشترط في هبة الأولاد المساواة. مسألة: من حقها أن تذكر في مسائل المجمل والمبين غير أن شدة ارتباطها بالمسألة قبلها يوجب أن تذكر عقبها.

стр. 616

وقائع الأعيان إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال فقط بها الاستدلال. وربما عزبت هذه العبارة إلى الشافعي ﵁ وهي لائقة بفصاحته فما أحسن قوله: كساها ثوب الإجمال؛ إذ الثوب من شأنه أن يغطي ويستر فلا يكشف ما هو ضمنه. وهذا هو شأن الإجمال يستر المراد فلا يهتدي إليه طالبه. وقد زعم بعضهم أن هذا يعارض قوله: ترك الاستفصال في حكاية الأحوال ينزل منزلة العموم من قبل أنه قضي بالعموم هناك على ذي محتملات والإجمال هنا على ذي محتملات. والصواب أن الكلامين لم يتواردا على محل واحد؛ فذلك في صغية مطلقة ترد على ذي أحوال فيعلم أنه لولا عمومها لما أطلقها إطلاقًا فإن شأنه أجل من أن يطلق في موضع التقييد. وهذه في واقعة حكم فيها بحكم ولم نعلم نحن على أي الوجهين وقعت؛ فكيف يقضي بأنها وقعت على كلا الوجهين، والقضاء بذلك خطأ قطعي [لأنها] ١ وإن احتملت الوجهين إلا أنا على قطع بأنها لم تقع إلا على وجه واحد والحكم صادف ذلك الوجه فإذا لم نعلمه نقف ونقضي بالإجمال. [كما] ٢ أن ذلك عموم حكمي غير مكتسب من صيغة [وهذا] ٣ إجمال حكمي غير مكتسب من صيغة. فالصيغة لم تقع إلا مبينة؛ لأنها صادفت إحدى الحالتين المعروفة عند ورود الصيغة عليها فلم يقع فيها إشكال إلا في ثاني الحال بالنسبة إليها حيث لم يطلع عليها فصار الإجمال فيها لا في صيغتها. وسمعت الوالد ﵀ يذكر في الجمع بين العبارتين بعدما عزاها إلى الشافعي أن القاعدة الأولى [الاستدلال] ٤ فيها بقول الشارع وعمومه ومثل لها بقوله ﷺ لفيروز وقد قال: إني أسلمت وتحتي أختان: اختر أيتهما شئت. قال: والثانية: سقوط الاستدلال بالواقعة نفسها لا بكلام الشارع والواقعة نفسها

стр. 617

ليست بحجة وكلام الشارع حجة وكلام الشارع لا إجمال فيه. والواقعة فيها إجمال عند تطرق الاحتمال؛ انتهى. وذكره [في] ١ باب ما يحرم من النكاح في شرح المنهاج وهو حق إلا أنه وقف على فهمي منه قوله: إن القاعدة الأولى الاستدلال فيها بعموم لفظ الشارع مع أن شرطها أن لا يكون هناك لفظ عام لكن يؤيده [استدلاله] ٢ بحديث فيروز وفيه لفظ أي وكذلك استشهد به غيره ولذلك أمثلة. منها: أنه ﷺ صلى [العشاء] ٣ بعد غيبوبة الشفق٤، وأنه ﷺ صلى داخل الكعبة٥ فلا يعم الشفقين ولا الفرض والنقل وهي مسألة أن الفعل لا عموم له خلافًا لقوم. ومنها أنه ﷺ كان يغتسل هو وبعض أزواجه ﵅ [في] ٦ إناء واحد تختلف أيديهما فيه٧؛ فيحتمل حصول رشاش ويكون حينئذ دليلًا على أن مثل هذا لا يضر ولا يقدر مخالفًا للماء ولا يستدل به على الطهارة بفضل المرأة لجواز أنها استعملت بعده. وقوله: تختلف أيديهما فيه لا عموم له إذ لا يصدق مع تأخره عنه ولهذا جاء في الحديث أنها قالت: أبق لي أبق لي٨ ولم يقل هو ﷺ لها: "أبقي لي". قال: ابن دقيق العيد: لما احتمل اللفظ اغترافهما معًا واغترافها بعده لم يكن فيه عموم فكفى العمل به من وجه.

стр. 618

ومنها: ذهبت الحنفية إلى أن القلتين ينجسان بملاقاة النجاسة، لقلتها عندهم إذا الكثير عندهم هو المستبحر، واحتجوا بأن زنجيًا وقع في بئر زمزم فمات فأمر ابن عباس ﵂ بمائها أن ينزح الأثر. قالوا: وزمزم ماؤها أكثر من قلتين ولم ينقل تغييرها؛ فدل على تنجسها بمجرد الملاقاة. وأجاب الشافعي ﵁ بأجوبة. منها: أن الدم قد يكون ظهر [فيها] ١ فنزحها ربما كان تنظيفًا لا وجوبًا. أشار ﵁ بهذا إلى أنها واقعة عين احتمل أن يكون نزحها تنظيفًا، وأن يكون احتياطًا لاحتمال التغيير، وأن يكون [لاحتمال] ٢ النجاسة فيما إذا لم تتعين النجاسة. مسألة خلافية بيننا وبين الحنفية: ففي المساواة بين الشيئين أو الأشياء يقتضي العموم لكن بالطريقة التي قررناها في الأصول. وقد مثل له الفريقان بما دعاهم إلى ذكره في مسألة قتل المسلم بالكافر وهو قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ ٣؛ فمن حيث تعميمه لكونه نكرة في سياق النفي. قالت الشافعية: انتفت المساواة بين المسلم والكافر فلا يقتل به. وعندي أن التمسك بهذه الآية غير متوجه؛ فإن فيها إشارة إلى تخصيص المساواة [بالقول] ٤ حيث قال: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُون﴾ أشار إلى أن المعنى نفي المساواة من هذه الحيثية لا مطلقًا فالصواب التمثيل بغير هذه الآية. ورأيت الماوردي لما نقل عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو ﵄ منع الوضوء بماء البحر استدل لهما بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ ٥. قال: وهذا يدل على أن البحر المالح لا يجوز الوضوء به؛ إذ لو جاز لا يستويان ولك أن تقول: هذا كالأول وأزيد؛ وإنما قلت إنه كالأول لقوله عقيبه وما يستوي البحران هذا

стр. 619

عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج؛ وإنما قلت: إنه أزيد لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ الآية؛ فقد سوى بينهما في أكل اللحم واستخراج الحلية بعدما نفي المساواة فدل على أن المراد ليس نفيها مطلقًا بل نفيها خاصًا وهو ما سيقت له من الامتنان بما أنعم الله عليهم من البحرين كما قلنا في الآية قبلها. إذا عرفت هذا فأقول: أوضح من الآيتين في التمثيل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ ١؛ فإنه تعالى وإن قال عقب ذلك: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ الآيتين؛ فليس قوي الدلالة في أنه إنما أراد هذه الحيثية لوقوعه في آيتين، ومن ثم لم أمثل في جمع الجوامع إلا بهذه الآية حيث قلت: وتعميم نحو: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ وإن كان فيها هذا الاحتمال إلا أنه ليس بظاهر فيها لأنها في قوة قولك: "لا يستوي المؤمن والكافر ومن ثم للمؤمن كذا وللكافر كذا" فتدل الآية على أن الفاسق لا يلي النكاح. ولست أدعي الصراحة ولا الظهور الذي تطهر به القلوب؛ بل إنه في الآية أوضح منه في الآيتين السابقتين. وكذلك في قوله تعالى في غافر٢ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾ ؛ ففيه دلالة على أن البصير أولى في إمامة الصلاة من الأعمى وهو رأي الشيخ أبي إسحاق، ورجحه الوالد رحمهما الله. وكذلك قوله تعالى في سورة النحل٣: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . وقوله تعالى في سورة الجاثية٤: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً﴾ على قراءة النصب وبها قرأ حمزة والكسائي وحفص. وقوله في سورة آل عمران٥: ﴿لَيْسُوا سَوَاء﴾ اي ليس أهل الكتاب مستويين أي سواء أوقفنا على سواء وقلنا: الواو ضمير لأهل الكتاب، و"ليس" اسم خبرها سواء و"من أهل الكتاب" خبر مقدم وأنه رفع بالابتداء، و"قائمة" نعت لها، والجملة مستأنفة

стр. 620

لبيان انتفاء التسوية أو قلنا: "أمة" مرتفعة بسواء أي ليس أهل الكتاب مستويان من أهل الكتاب أمة قائمة موصوفة بما ذكر واخمة كافرة وحذفا لعامل لدلالة المذكورعليها كقوله: دعاني إليها القلب إني لأمرها ... سميع فما أدري أرشد طلابها أي: "أم غي". وقوله تعالى في سورة الحديد١: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ ... فرع: دفع المكاتب من الزكاة فهل له صرفه إلى غير النجوم؟ نقل الإمام أن له ذلك، وأن يؤدي النجوم من كسبه، وقطع صاحب الشامل بأنه ليس له ذلك، قال النووي، "وهو أقيس" قال الرافعي: ويجب أن يكون الغارم كالمكاتب. قلت: ويمكن رد الخلاف إلى الخلاف فيما لو استغنى المكاتب أو الغارم بما أعطيه ويفي مال الزكاة في يده هل يسترد منه؟ والأصح أنه لا يسترد؛ فإن قلت: قد رجح تعين الصرف في جهة الكتابة والدين مع كون المدفوع واجبًا، وقد قلتم: إن مع الوجوب لا تتعين الجهة المدفوع بسببها. قلت: لا يجب في الزكاة الدفع لهذا الغارم وهذا المكاتب بعينه [وبتقدير تعينه] ٢؛ فالفرق أن مال الزكاة موزع بقسمة الله تعالى بين أصناف لا بد من استيعابها لمقصد الشارع. ومنها: الطعام والكسوة في الكفارات لا خلاف أنه لا يتعين ويجوز صرفه في غير جهة الكسوة والطعام. الفصل الثاني: في سرد شيء من فروع حمل المطلق على المقيد. فمنها: ما لو قال لزوجته وأجنبية: إحداكما طالق لم تتعين الزوجة على الصحيح؛ بل له أن يقول: إني أردت الأجنبية، ولا يلزمه طلاق. فلو قال: ما عينت واحدة بقلبي حكم بقووع الطلاق؛ وإنما ينصرف الطلاق عن الزوجة عند إرادة الأجنبية لا عند الإطلاق. ذكره الرافعي قبل الباب السادس من التعليقات.

стр. 621

مسألة: المقيد بمتنافيين يستغنى عنهما ويرجع إلى أصل الإطلاق، وفيه صور. فمنها: لو قال: أنت طالق طلقة حسنة قبيحة أو نحوه فيما يجمع فيه بين صفتي المدح والذم والمخاطبة من ذوات الأقراء وقع الطلاق في الحال، كما لو قال للسنة والبدعة وفي توجيهه خلاف الأظهر عند الرافعي أن وجهه أنه وصف الطلاق بمتضادين فيلغوان ويبقى أصل الطلاق. فإن قلت: لو شهد اثنان أنه زنا بها مكرهة وآخر أنه زنا بها طائعة لم يجب عليها حد الزنا قطعًا، ولا عليه على الصحيح مع أن الطواعية والكراهية متقابلان فهل لا يثبت أصل الزنا. قلت: لأن تقييده بالكراهية لا يقدح في أصله، وعلى شاهدي الطواعية حد القذف للمرأة فامتنع قبول قولهما لنفسهما. تنبيه: قال ﷺ : "إذا ولغ كلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب" ١ وفي رواية: أولاهن بالتراب٢، وفي رواية: "فعفروه الثامنة بالتراب" ٣. فسال سائل: لم لا تتعين الولى حملصا للمطلق في إحداهن على المقيد فيها فأجبت: إن رواية "إحداهن" تعارضها "فعفروه الثامنة". وضعف هذا الجواب بأنه لا معارضة بينهما ويمكن العمل بهما أوالتخيير بين الأولى والأخيرة، وقيل: إن الشافعي نص على هذا في مختصر البويطي. كحل ذلك ذكرته في شرحي "المختصر" ... و"المنهاج" والذي أفنده هنا أن سماعي من الوالد ﵀ في درس الغزالية مرة وخارج الدرس غير مرة أن الشافعي ﵁ روى "أولاهن أو أخراهن" قال الوالد ﵀: فإن ثبت هذا في الحديث فهو للتخيير فينبغي أن يجب في إحداهما لا بعينها ولا يجزئ في غيرهما ولا أعرف قائلًا به وإن لم يكن في الحديث بل كان شكًا من الراوي فيحتمل أمرين:

стр. 622

أن يكون الحكم كذلك أيضًا؛ لأنه إذا حصل التراب في غيرهما يقطع بعدم حصول المرتين. وإذا استعمله في إحداهما احتمل حصول المقصود، ويبقى غيرها محتملًا والأصل عدمه، وهذا كما يقول: فيمن شك "هل" الخارج من ذكره مني أو مذي [أنه يتحرى ويحتمل أن يقال: يجيئان جميعًا ولا يجزئ غيرهما "وهذا مأخذه مأخذ القول بوجوب الاحتياط في مسألة إذا شك هل الخارج من ذكره مذي أو مني] ١ ولا أعرف من قال بهذا الوجه. ويحتمل احتمالًا ثالثًا: وهو أن الشك لما وقع من الراوي لم يثبت واحدًا منهما ولا يجب واحد منهما وهذا يشبه تساقط البيتين؛ بل هو أولى لأن كلا من البيتين جازمة بما قالت، والشاك لم يجزم بشيء؛ فلم تثبت الأولى ولا الأخيرة وعلى هذا لا يثبت من هذه الرواية وجوب التراب أصلًا لكنا نأخذه من الرواية الأخرى وهي مطلقة فنقيها على إطلاقها لعدم ثبوت المقيد أعني بالنسبة إلى هذه الرواية. نعم وردت رواية أخرى جازمة فيها "أولاهن"؛ فإن يرجح على رواية الشك كان التساقط لأجل شك الراوي حينئذ لا يبقى بها وإن ترجحت يبقى النظر بينهما وبين المطلقة. فإن كان اختلافًا من الرواة "فينبغي النظر والترجيح فإن ترجحت المطلقة عمل بها وإن ترجحت المقيدة تعين في الأولى. وإن لم يكن اختلافًا من الرواة؛ بل يكون النبي ﷺ نطق بهما في مرتين كان من حمل المطلق على المقيد فيتعين في الأولى إلا أن يعارض بقوله: الثامنة بالتراب "إذا لم نجعل الثامنة ثامنة العدد ويحنئذ يكون مقيدًا بقيدين فيبقى على إطلاقه" انتهى كلام الوالد ﵀. وأقول: سلمنا أنه مقيد بقيدين، ولكن لم قلتم: يبقى على إطلاقه ولا تنافي بين القيدين؟ فائدة: أعرب القاضي الماوردي في كتاب "الحاوي" وفي كتاب "أدب القضاء"

стр. 623

أولى المذاهب عندي في المطلق والمقيد أن يعتبر أغلظهما؛ فإن كان المطلق حمل المقيد عليه وإن كان المقيد حمل المطلق عليه؛ لئلا يؤدي إلى إسقاط ما تيقنًا وجوبه بالاحتمال، وحكاه عنه صاحب البحر ساكتًا عليه. وهو كلام عجيب فإن المقيد أبدًا أغلظ من المطلق لاشتماله عليه، فأي شيء هو غير مذهب الشافعي "﵁"، فإن قال في "أعتق رقبة" مثلًا إنه مطلق و"أعتق معينة" أنه مقيد، وإن قال: أجوز غير المعينة حملًا للفظ على إطلاقه؛ فيقال له إن كان ذلك لقياس فإن إجزاء المعينة يقتضي إجزاء غيرها بطريق الأولى. فنحن لا ننكره وليس مما نحن فيه. وإن كان لا قياس فهو إسقاط للفظ الشارع بلا موجب؛ بل متى أمكن تعين المعينة تعينت وكنا قد علمنا بالمطلق والمقيد جميعًا، لأن المطلق لا ينافيها. مسألة: "المختار إذا نسخ حكم الأصل لا يبقى معه حكم الفرع". ومعنى ذلك أنه إذا ثبت حكم من الأحكام في مسألة مثلًا بنص ثم استنبطنا منه علة، أو كانت منصوصة وألحقنا بالحكم المنصوص ما ليس بمنصوص قياسًا ثم نسخ الأ صل الذي استنبطنا منه القياس تداعي ذلك إلى ارتفاع القياس المستنبط عنه وخالفت الحنفية في ذلك. وعليه مسائل: منها: قالوا: لا يجوز التوضؤ بالنبيذ المسكر النيء ويجوز بالمطبوخ وقالوا: قد توضأ رسول الله ﷺ بالنيء١ وألحق به المطبوخ قياسًا ثم نسخ الوضوء بالنيء وبقي التوضؤ بالمطبوخ. ومنها: ادعوا أن صوم يوم عاشورا كان واجبًا ويجوز إيقاع النية فيه نهارًا بالإجماع. قالوا: وألحق به رمضان قياسًا. قلنا لهم: قد نسخ صوم [يوم] ٢ عاشوراء إن اتفق إيجابه، قالوا: قد ينسخ الأصل ويبقى حكم القياس في الفرع. ومنها: قال علماؤنا: يكره شرب المنصف والخليط وسببه أن الشدة والإسكار

стр. 624

يتسارع إليه بسبب الخلط قبل أن يتغير الطعم فيظن الشارب أنه ليس بمسكر وهو مسكر. قال الرافعي: وهذا كالنهي عن الظروف التي كانوا ينبذون فيها واعترضه ابن الرفعة بأنه لو صح هذا التشبيه لا نتفت الكراهة لأن النهي عن اتخاذ الظروف نسخ. قلت: وفيه نظر لأنه -أعني- ابن الرفعة -حاول أن يكون الرافعي قد قاس على أصل منسوخ كما فعلت الحنفية فيما قدمنا وليس كذلك؛ وٍإنما شبه حكمًا بحكم من غير أن يجعل وجه الشبه أصل القياس. وإنما يرد هذا على الرافعي لو قال: "إنما"١ كرهنا شرب الخليط٢ [لأن النهي عن اتخاذ الظروف نسخ] ٣ وليس ذلك في كلامه. مسألة: إذا تعارض القول والفعل فالقول أقوى على الأقوى. وعندي تنقيح [لهذا] ٤ القول الأقوى وهو أن القول إذا دل على الحكم من تحليل وتحريم ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف والفعل أدل على الكيفية ولذلك لما أراد "الصحابي"٥ أن يثبت في الأذهان كيفية وضوء رسول الله ﷺ توضأ بحضرتهم ليريهم ذلك غير قانع بوصفه باللسان ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف، ولولا تصريح كثير بما ظاهره خلاف ما أقول لتركيب [الخلاف] ٦ في أن الفعل مقدم أو القول على هذين الحالين وإذا عرفت أن القول مقدم؛ فنحن نذكر أمثلة من تعارض الأقوال والأفعال ثم ما اخترنا فيه قضاء الفعل على القول سببه وما جرينا فيه على الأصل في تقديم القول سكتنا عنه. فمنها: الساجد. قال الشافعي ﵁: يضع ركبتيه قبل يديه لما روى أبو داود والترمذي من حديث وائل بن حجر "رأيت رسول الله إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه"٧ وهذا صريح وهو على شرط مسلم، وقال الترمذي: إنه حديث حسن.

стр. 625

ويعارضه حديث رواه أبو داود أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه" ١ وإسناده جيد وبه أخذ مالك ﵀. قال الشيخ الإمام الوالد ﵀: ويترجح بأنه قول وأمر وهو أقوى من الفعل وكاد يقدم على ترجيح مذهب مالك. وتوقف النووي في شرح المهذب بين المذهبين [قال] ٢ ولم يرجح أحدهما من حيث السنة. قلت: وفي صحيح ابن خزيمة من حديث سعد بن أبي وقاص: "كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بالركبتين في اليدين ... " وهذا عمدة في النسخ غير أن الشيخ الإمام توقف فيه ذاكرًا أن في إسناده ضعفًا. ومنها: سجود السهو. وروي عن الزهري: سجد رسول الله ﷺ قبل السلام وبعد السلام٣، وأخر الأمرين قبل السلام وهذا من تعارض الفعلين "لا القول والفعل"٤ وقد بين فيه الأخير من الأمرين فأمره واضح. ومنها القيام للجنازة. قال علي كرم الله وجهه: "قام رسول الله ﷺ فقمنا معه ثم قعد فقعدنا" رواه مسلم٥ وهو كالذي قبله.

стр. 626

ومنها: نهيه ﷺ عن الصلاة بعد العصر١ ثم صلاته٢ الركعتين بعدها قضاء لسنة الظهر، وهو فعل خاص عارض [قولًا وفعلًا] ٣ عامًا. ومنها: النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة٤. ورواه ابن عمر مستدبر الكعبة ومستقبل بيت المقدس بين البيوت٥ بالمدينة فخصص الشافعي وجمهور العلماء "﵃" القول بهذا الفعل، وقالوا: النهي عن الصلاة بعد العصر مخصوص بما له سبب كقضاء الفائتة، وعن الاستقبال والاستدبار مخصوص بالبنيان. ومنها: قوله ﷺ لعمر بن أبي سلمة: "كل مما يليك" ٦ وروى أنس أنه ﷺ كان يتتبع الدباء من جوانب الصفحة٧. ومنها: نهيه ﷺ عن الشرب٩ قائمًا وثبت أنه ﷺ فعل ذلك١٠ فحمل النهي على كراهة التنزيع، وشربه ﷺ على بيان الجواز، وإذا فعل لهذا الغرض لم يكن مكروهًا في حقه وقت فعله إياه.

стр. 627

ومنها: قال ﷺ : "توضؤوا مما مست النار" ١، وثبت أنه ﷺ أكل من كتف شاة وصل ولم يتوضأ٢ وقال جابر: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار ومن ثم ذهب الجمهور إلى أن القول منسوخ، ومنها قوله ﷺ : "أفطر الحاجم والمحجوم"٣. وقال ابن عباس: احتجم النبي ﷺ وهو محرم صائم٤ ... قال الشافعي والجمهور الفعل ناسخ؛ لأن شدادًا قال في حديث: كنت مع رسول الله زمان الفتح لثمان عشرة خلت من رمضان فرأى رجلًا يحتجم فقال: أفطر الحاجم والمحجوم٥. قال الشافعي ﵁: ولم يصحب ابن عباس النبي ﷺ محرمًا قبل حجة الوداع فكان فعله سنة عشر وقوله: عام الفتح سنة ثمان؛ فالفعل ناسخ، وقيل: الفعل من خصائصه وقيل: القول مقدم. ومنها: [حديث] ٦ يعلى بن أمية٧ أن رجلًا سأل النبي ﷺ بالجعرانة -كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ بطيب فقال النبي ﷺ : "أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات وأما الجبة فانزعها واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك" وقالت عائشة ﵂: طيبت رسول الله ﷺ بيدي ثم أصبح محرمًا يتضمخ طيبًا. وفي رواية عنها: لقد رأيت وبيص المسك في مفرق رسول الله بعد ثلاث وهو محرم٧ فرأى الشافعي وأحمد رحمهما الله وطوائف أن هذا الفعل في حجة الوداع كما جاء

стр. 628

مصرحًا في روايات كثيرة؛ فهو ناسخ لحديث الجعرانة، ورأى مالك وأبو حنيفة تخصيص الخطاب بالأمة. ومنها: قال ﷺ في شارب الخمر: "فإن شرب الرابعة فاقتلوه" ١ مع رواية ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن النبي ﷺ أتى بسكران في الرابعة فجلده ولم يقتله وكذلك روى ابن المنذر عنه ﷺ ، فاعتضد كل من الإرسالين بالآخر، وحكم بنسخ الأمر بالقتل. ومنها: حديث بريدة كان النبي ﷺ إذا أمر أميرًا على جيش أوصاه بالدعاء إلى الإسلام قبل القتال٢. ذهب جمهور العلماء إلى أنه منسوخ بإقدامه ﷺ على القتال قبل الدعوة غير مرة. وذكر ابن عون أن نافعًا ذكر أن الدعاء إنما كان في أول الإسلام. وقيل الدعاء قبل القتل ندب. وقيل: يختص بمن لم تبلغه الدعوة. ومنها: قطعه ﷺ أيدي العرنيين وأرجلهم وسمل أعينهم٣ ... الحديث، ثم نهى عن المثلة؛ فكان النهي ناسخًا. وهذه الصور كلها عرف فيها المتقدم. ومنها: حديث $"من أصبح جنبًا فلا صوم له"٤.

стр. 629

مع حديث أنه ﷺ كان يصبح جنبًا من جماع غير احتلام١. فالذين ذهبوا إلى العمل بالقول، وقالوا: من أصبح جنبًا فلا صوم له. شذوذ من الناس والجماهير عملوا بالحديث الآخر مفنهم من ادعى النسخ في الأول كالخطابي ولعله قامت عنده الدلالة على تقدم تاريخه، ومنهم من ترجح عنده حديث الفعل لموافقة دلالة الآية وبمرجحات أخرى. ونحن إذا قلنا بعدم القول فذلك من حيث أنه قول وقد يعضد الفعل أمور تصيره أرجح. ومنها: قوله ﷺ : "الثيب بالثيب جلد مائة والرجم" ٢؛ قول عارضه أنه ﷺ رجم ماعزًا ولم يجلده٣، وقد ذهب أحمد ﵁ وإسحاق وداود وابن المنذر إلى العمل بالقول فجمعوا على الثيبت بين الجلد والرجم. وذهب الجمهور إلى العمل بالفعل وذكروا أن الجمع بينهما منسوخ، ويمكن أن يقال: إن هذا الفعل عضده قول آخر، وهو قوله ﷺ : "واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" ٤. الحديث ليس فيه ذكر جلد. ولو كان لبينة فيتساقط القولان ولا يخفي أن الفعل إنما يكون مرجوحًا بالنسبة إلى القول إذا لم يعضده قول، أما إذا عضده فالفعل أرجح. وهذا واضح وبه صرح أبو الحسن السهيلي في كتاب أدب الحديث. تنبيه: التقرير فعل غير أنه مرجوح بالنسبة إلى الفعل المستقبل. فالمراتب ثلاث قول ثم فعل غير تقرير ثم تقرير؛ وإنما لم يذكر الأصوليون التقرير في مسألة تعارض الأقوال والأفعال لدخوله في الفعل وفي باب التراجيح عند التمييز بينهما. قالوا: الفعل أرجح من التقرير ومن أمثلة تعارض التقرير مع القول قوله ﷺ في الإمام: "إذا صلى

стр. 630

جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون" ١ مع كونه ﷺ جالسًا في آخر مرض موته والناس خلفه قيام٢ وأقرهم على ذلك. فذهب قوم إلى تقديم القول جريًا على الأصل وزعموا أن فرض القيام قد يسقط بالصلاة خلف الجالس وإن عذره كالعذر لهم وعلى هذا من أصحابنا ابن خزيمة وابن حبان، وقال الجمهور منهم الشافعي ﵁ هذا التقرير آخر الأمرين منه ﷺ وهو ناسخ للقول المتقدم؛ فهذا مثال لتقرير رفع حكمًا سابقًا عليه ثابتًا بالقول، وقد يرفع القول حكمًا ثابتًا بالتقرير، وهذا أولى من القسم فإنه إذا ارتفع القول [بالتقرير] ٣ فإن يرتفع التقرير بالقول أولى وأحرى. ومثاله: ما في صحيح مسلم٤ عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ اصطنع خاتمًا من ذهب فصنع الناس خواتيم الذهب ثم جلس على المنبر فنزعه فرمى به ثم قال: "والله لا ألبسه أبدًا" فنبذ الناس خواتيمهم. وثبت عنه ﷺ النهي عن التختم بالذهب٥. وقضى العلماء بأن هذا التحريم ناسخ للإباحة التي استفيدت من تقريره الناس على متابعته في اتخاذ خواتيم الذهب. وهذا عندي موقوف على أن يكونوا لبسوه، وأن يكون جواز لبسهم كان مأخوذًا من التقرير لا من فعله ﷺ المجرد؛ وإلا فهو قول نسخ فعلًا غير تقرير لا تقريرًا. ومن مشكل هذا الباب أمر تحريم الخمر فسماعي من الوالد ﵀ أنه لم يكن نسخًا لأن شربهم إياها قبل التحريم ما كان بحكم شرعي بل بالبراءة الأصلية. وقصة حمزة تدل على وجود تقرير، وفي هذا بحث بيني وبين الشيخ الإمام ذكرته في "شرح المختصر" في مسألة التقرير وليس هو قصدي بالإشكال هنا؛ وإنما قصدي حديث رواه مسلم عن أبي سعيد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا أيها الناس إن الله

стр. 631

يعرض بالخمر ولعل الله سينزل فيها أمرًا، فمن كان عنده منها شيء فليبعه أو لينتفع به". قال: فما لبثنا إلا يسيرًا حتى قال: ﷺ : "إن الله حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبيع" ١. ظاهره يدل على أنها أبيح بيعها والانتفاع بها قبل التحريم بإذن شرعي من رسول الله ﷺ ، وهو يرد على من يدعي أنها لم تحل قط، ثم هذا البيع المأذون فيه لعله من كافر لا ينتهي بالنهي حال نزول التحريم وإلا فالبائع والمشتري واحد وإذا كان من كافر ففيه دليل على أن الكافر يبيع الخمر وهو حرام عليه لا سيما عند من نكلفه بالفروع، [وقد قدمنا في مسألة تكليفه بالفروع] ٢ من نص الشافعي ﵁ ما ينازع في ذلك؛ ففي الحديث إشكال لعل الله ييسر حله، فما إشكاله من وجه واحد، بل من وجوه متعددة. تنبيه ثان: "الكف فعل على المختار"، وأقول على هذا أنها مرتبة بين التقرير والسكوت، فالمراتب إذًا أربع: قول، ففعل مستقبل، فتقرير، فكف -وإليه الإشارة "بقولي" في كتاب التراجيح من جمع الجوامع والقول، فالفعل غير التقرير، فالتقرير، فالكف، فالسكوت، ولنمثل لتعارض الكف والتقرير بكفه ﷺ عن أكل لحم الضب وتقريره إياهم على أكله لما أكلوه بين يديه وإن كان ﷺ نبه على سبب امتناعه وهو العيافة لما لم يكن بأرضه قومه٣. وكذلك ما كان الناس يزيدون في تلبيتهم عام حجة الوداع على تلبية رسول الله ﷺ فيقولون: "لبيك ذا المعارج" ونحوه من الكلام فيسمعه النبي ﷺ ولا يقول لهم شيئًا؛ كذا رواه أبو داود٤، وروى مسلم٥ معناه فقد كف عن قول أقرهم عليه وما ذلك فيما يعتقد إلا بجوازه ومرجوحيته بالنسبة إلى ما كان هو ﷺ يقول: أو لأن كلًا من الألفاظ شائع، ثم الأفضل لنا التأسي أو لا حجر أصلًا؟ كل ذلك محتمل: تنبيه ثالث: "قد علم أن أفعاله عليه الصلاة السلام حجة وأن التقرير فعل وكذلك

стр. 632

السكوت" وأقول ينبغي أن يكون الفعل مراتب أعلاها ما هو مستقل في نفسه كإقدامه علي١. "والثانية: ما هو تقرير". والثالثة: ما هو كف. والكف دون التقرير؛ فإن المفهوم من الكف الإحجام عن الفعل، وفي التقرير زيادة أفهمها على الأحجام٢. والرابعة: مجرد السكوت، وهو فيما أفهم من مدلوله دون الكف؛ فإن الكف منع النفس أن تقدم على قول أو فعل، والسكوت كأنه دون هذا القدر؛ غير أن السكوت قسمان: سكوت معه استبشار بفعل الفاعل، وسكوت لا استبشار معه وكلاهما دليل الجواز؛ فإنه لا يسكت على باطل أبدًا بأبي هو وأمي ﷺ . ثم الاستبشار فوق التبسم فيما يظهر؛ فإني أفهم من الاستبشار محبة ما أبصر من الفعل ولا أفهم من التبسم هذا المبلغ. فإذا المراتب ست: أولها: الفعل المستقل. الثانية: التقرير. الثالثة: الكف. الرابعة: السكوت مع الاستبشار. [الخامسة: السكوت مع ما أدعي من الاستبشار] ٣ كالتبسم، ولنمثل له بتحريم الغلول وإيجاب [تخميس] ٤ مال الكفار مع أن عبد الله بن معقل قال: أصبت جراب شحم يوم خيبر فالتزمته فقلت: لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا فالتفت فإذا رسول الله ﷺ مبتسمًا رواه مسلم٥ وبه احتج أصحابنا على جواز أكل الغانمين قدر الحاجة من الطعام وإن لم يأذن الإمام. السادسة: السكوت المجرد.

стр. 633

تنبيه رابع: "ما ذكرناه من دلالة السكوت [عليه] ١ مخصوص بسكوت يلزم منه مفسدة لو لم يكن [السكوت] ٢ عليه مخصوص بسكوت يلزم منه مفسدة لو حلالًا، أو عام في ذلك. وفي ما لا يلزم من السكوت عليه وقوع مفسدته فيه نظر للشيخ تقي الدين بن دقيق العيد. ومثاله: طلاق الملاعن زوجته ثلاثًا بعد فراغ اللعان، وسكت عليه النبي ﷺ ؛ فهل يكون سكوته دليلًا على جواز إرسال الثلاث حيث يعتبر ذلك في المنكوحة -أولًا دليل فيه هنا لأن المطلق [إرسال] ٣ الثلاث ظانًا بقاء النكاح والنبي ﷺ يعلم أنها بانت منه باللعان وأن هذا الكلام لغو. تنبيه خامس: "لا فرق بين السكوت على فعل وعلى قول" فإذا قيل بحضرته ﷺ هذا حلال أو هذا حرام وسكت دل على أنه كذلك. وليقع النظر هنا في واقعة ابن صياد وأن عمر٤ كان يحلف "بحضرة" ﷺ أنه الدجال٥. وقد روى مسلم في صحيحه أن محمد بن "المنكدر" قال: رأيت جابرًا يحلف أن ابن صياد هو الدجال؛ فقلت: تحلف بالله تعالى فقال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند رسول الله فلم ينكره٦. لكن هذا محمول على أنه لم ينكره إنكار من نفي كونه الدجال؛ بدليل أنه أيضًا لم يسكت على ذلك؛ بل أشار [إليه] ٧ أنه متردد؛ ففي الصحيحين أنه ﷺ قال لعمر: "إن يكن هو فلن تسلط عليه، وإن لم يكن هو فلا خير لك في قلته"؛ فردده في أمره؛ فلما صار ابن عمر يحلف على ذلك صار حالفًا على غلبة ظنه، والبيان قد تقدم من النبي ﷺ ، ثم

стр. 634

هذا سكوت عن حلف على أمر غيب لا على حكم شرعي، ولعل مسألة السكوت والتقرير مختصة بالأحكام الشرعية لا الأمور الغيبة التي قد يكون طلب الجهل بها واقعًا؛ فليتأمل ذلك والله أعلم. تنبيه [سادس] ١: قدمنا لك ما يعرفك أن قولنا: "القول مقدم على الفعل" معناه عند التعارض في حكم ما دل على حكمه قول وفعل متعارضان مطلقًا. [ولا] ٢ ينقض بقوة الفعل على القول في أمور آخر لمأخذ آخر؛ ألا ترى إلى قولنا "نقل الركن الفعلي في الصلاة مبطل، وفي القول خلاف" وما ذاك إلا لأن الفعل أفحش؛ فليس ذلك من قبيل ما نحن فيه بل الفعل هناك أشد؛ فلذلك يجعل أصلًا للقول. ويقول الأصحاب في نظائره مسألة نقل الركن الفعلي والقولي: "هل يلحق القولي بالفعلي أو لا؟ فيه خلاف يظهر في مسائل. منها مسألة نقل الركن هذه. ومنها: إذا قال: هذه الدار لزيد بل لعمرو أو غصبتها من زيد بل من عمرو [و] ٣ سلمت لزيد، وأظهر القولين أن المقر يغرم قيمتها لعمرو؛ لأنه حال بينه وبين داره بإقراره الأول والحيلولة سبب الضمان كالإتلاف إلحاقًا للحيلولة التقولية بالحيلولة الفعلية. ويعبر بعضهم عن القولين بأن الحيلولة القولية هي كالحيلولة الفعلية. ولقائل أن يقول: القول ما حال وإنما كان سببًا للحيولة؛ بل قد يقال: لم يكن شيء في يد عمرو حتى تصدق الحيلولة؛ فإن المقر به في يد المقر ولم يصدر منه غير إقرار ثان لعمرو يقتضي أنه كان يستحق قبض ما أقر به لغيره؛ فينزل اعترافه بهذا الاستحقاق منزلة تسمليه العين له ثم انتزاعه إياها من يده. وقد نبه على نحو هذا الوالد في "شرح المنهاج" في باب الإقرار. ومنها: الخلاف فيما إذا رفعت صوتها في الصلاة؛ بحيث يسمعها الرجال هل تبطل صلاتها لأن صوتها عورة قولية على رأي؛ ففي إلحاقها بالعورة الفعلية الخلاف. ومنها: شهود المال إذا رجعوا؛ فالأصح يغرمون، تنزيلًا لحالتهم القولية منزلة الغصب الذي هو حالة فعلية.

стр. 635

وهذا مثال صحيح فإن شهود المال إنما أحالوا بالقول لا بالفعل بخلاف هذا الدار لزيد بل لعمو، والله تعالى أعلم بالصواب. فصل: قدمنا أن القول أدل على الحكم والفعل أدل على الصفة، وبه علمت أنه لا ينبغي إطلاق القول بأن القول أقوى ويوضح لك هذا أيضًا أن تأثير الفعل في مفعوله أقوى من تأثير. القول في مقبولة بدليل مسائل: منها: سراية استيلاد أحد الشريكين قيل: [إنه] ١ أولى بأن يتعجل من سراية عتق الشريك. قال الغزالي في الوسيط: لأنه فعل، وهو أقوى من القول". ومنها: إذا زوج الغاصب المغصوب من المالك فأولد نفذ الاستيلاد قطعًا. ولو قال للمالك: أعتق فأعتق نفذ على الصحيح، وفي وجه لا ينفذ وإن كان الاستيلاد يثبت لأن الاستيلاد فعل وهو أقوى. ومنها: إحبال المجنون نافذ دون إعتاقه. ومنها: كثير الفعل في الصلاة سهوًا مبطل عند الرافعي والنووي كعمده، وفرق بينه وبين الكلام؛ حيث فرقنا في قليله بين العمد والسهو بأن الفعل أقوى من القول. ورجع المتولي أن الفعل في الصلاة ناسيًا -وإن كان كثيرًا لا يبطل بخلاف الكلام الكثير، وفي هذا تقوية للقول على الفعل. وعليه كلام ذكرته في التوشيخ. مسألة: الإخبار عن أمر عام قال أبو عبيد الله المازري: إنه الرواية وأن الإخبار عن أمر خاص هو الشهادة. قلت: والذي يظهر أن يقال: الخبر إن تضمن إثبات حق على المخبر فهو الإقرار، أو للمخبر على غيره فهو الدعوى، أو لغيره على غيره فهو الشهادة. [و] ٢ هذا كله إذا كان خاصًا؛ فإن اقتضى شرعًا عامًا فإن كان من حكم شرعي؛ فهو الفتيا وإن كان عن٣ أمر محسوس، فإن كان مما لا يتخاصم فيه الناس ويترافعون
следующие страницы →