ومنها: إذا قطع رجلي رجلين قطع بالأول وللآخر الدية بدلًا من المحل الفائت، وعندهم يقطع بهما اكتفاء.
ومنها: شريك الأب يلزمه القصاص تحقيقًا لمقابلة المحل بالمحل كشريك الأجنبي، وقالوا لا قصاص عليه لأن القصاص مقابلة الفعل بالفعل، وفعل شريك الأب قاصر من حيث أنه شارك من لا قود عليه فصار كشريك الخاطئ.
ومها: إذا مات من وجب عليه القصاص أخذت الدية من تركته بدلًا عن المحل وعندهم لا تؤخذ؛ لأن المستحق له فعل القتل وقد فات.
ومنها: إذا كان في الورثة صغير ينتظر بلوغه ليقتص من الجاني لأن الورثة يستحقون المحل والصبي لا ينال هذا الاستحقاق بدليل ما لو كان الصبي هو الوارث وحده.
وعند أبي حنفية ﵁ يستبد الكبير باستيفائه في المحل لأن القصاص استحقاق فعل القتل جزاء والصغير ليس أهلًا لاستحقاقه؛ فلا ينتظر.
مأخذ:
قال علماؤنا: المأذون في فعله من قبل الله فيما تمحض حقًا لله كالمأذون في فعله من قبل العبد فيما هو من حقوق العباد.
وقالت الحنفية: المفعول بإذن الشرع إما واجب الفعل أو مخبر فيه بين الفعل والترك.
فالأول: ينزل منزلة المستوفي بإذن المستحق حتى لا يشترط فيه سلامة العاقبة كالإمام إذا قطع يد السارق فسرت إلى نفسه.
والثاني: وهو ما خير المستوفي له بين فعله وتركه لا ينزل منزلة المأذون، من جهة المستحق.
قالوا: والفرق أن التكليف بالشيء ينفي اشتراط السلامة فيما يتولد منه لأن الاحتراز عنه غير ممكن، أما التخيير بين فعله وتركه فلا ينفي اشتراط السلامة لإمكان الاحتراز عنه.
وهذا الأصل خرج عليه مسألة سراية القصاص، وصورتها أنه يجب القصاص على رجل في عضو من أعضائه فيقطع قصاصًا فيموت المقتص منه بالسراية.
стр. 772
قال الشافعي ﵁: لا يضمن لأن الشرع أذن له في القطع فصار كأن الجاني أذن له بنفسه ولو أذن له بنفسه في القطع ثم سرى إلى النفس لم تضمن وفاقًا.
وقال أبو حنيفة ﵁: تضمن لأن الشرع أذن له بشرط سلامة العاقبة وهو مخير فيه بخلاف الإمام إذا قطع يد السارق فسرت إلى نفسه؛ فإنه لا يضمن لكونه مكلفًا بفعله.
واعلم أن هذا الأصل الذي بنيت هذه المسألة عليه مخصص بالعقوبات المقدرة ليخرج التعزير؛ فإنه مشروط بسلامة العاقبة.
وينبغي أن يقال: المأذون شرعًا من العقوبات إما واجب الفعل أو جائره والأول إما لحق الآدمي أو لمحض حق الله تعالى والأول، إما لمصلحة المعاقب بكسر القاف أو المعاقب بفتحها أو لأعم من ذلك وهو ما كان للمصالح العامة.
مأخذ:
اسم الزنا حقيقة في الزاني والزانية، ويسمى اللفظ متحدًا والتعدد إنما هو في محاله، وتناول الزنا لكل واحد منهما على حد سواء بدليل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ ١ ولذلك استويا في العقوبة؛ بل نسبة الوطء إلى النساء أنسب من نسبته إلى الرجال فلقد عهدنا من فصاحة العرب العرباء إضافته إلى النساء -لأنه أبلغ المعاني المقصودة منهن- أكثر من إضافته إلى الرجال ومن ثم قدم الله لفظة الزانية على الزاني.
وكان تعبير الغزالي وغيره من أصحابنا -باب نكاح المشركات أحسن من أن يعبر بنكاح المشركين على خلاف ما قال الرافعي حيث زعم أن أحد اللفظين ليس أولى من الآخر.
ونظير المسألة ما قدمناه من تناول النكاح لكل من الرجل والمرأة تناولًا واحدًا.
وقال أبو حنيفة ﵀: "الاسم يطلق على الرجل حقيقة وعلى المرأة مجازًا؛ لأن الزنا عبارة عن الفعل ولا فعل لها، بل هي محل الفعل وممكنة فيه".
ومن ثم اختلف الإمامان في البالغة العاقلة تمكن صبيًا أن ينزل على رجل مكره مضبوط فيستدخل ذكره فقال الشافعي ﵀: "يلزمها الحد لأنها زانية".
стр. 773
وقال أبو حنيفة ﵀: لا يلزمها؛ لأنها لا فعل لها وربما قال بعض مشايخهم: المرأة تابعة للرجل في فعل الزنا فإذا لم يكن فعل الرجل زنا لم يكن للتبعية فيه حكم.
والأولى: وهي نفي الفعل عنها طريقة أبي زيد، والثانية عندي أقوى منها فإن نفي الفعل عنها وقد فعلت مكابرة، والله تعالى أعلم.
مأخذ:
قال علماؤنا: "الغنائم تملك بمجرد الإصابة والاستيلاء".
وقالت الحنفية: لا تملك بمجرد ذلك، بل لا بد معه من الإحراز في دار الإسلام.
وذلك من آثار جعلهم اختلاف الدارين يوجب اختلاف الأحكام. فجعلوا الإحراز في دار الإسلام شرط العلة أو أحد وصفيها.
وعلى الأصل مسائل:
منها: أن المرتد إذا لحق بالغزاة بعدما استولى المسلمون على الأموال لا يشاركهم عندنا خلافًا لهم.
ومنها: إذا مات أحد الغانمين بعد الاستيلاء وقبل الإحراز في دار الإسلام انتقل حقه إلى وارثه خلافًا لهم.
ومنها: أن الغنائم تقسم عندنا في دار الحرب وهل تحب القسمة أو تستحب أو تجوز فقط؟ وكيف الحال؟
اقتصر الرافعي على أنها تجوز من غير كراهة، وقال النووي: الصواب أنها تستحب، وقال صاحب المهذب: يكره تأخيرها إلى بلاد الإسلام [من] ١ غير عذر، وقال الوالد ﵀: المستحب التعجيل بقدر الإمكان ويؤخر عند العذر -قال- وعليه نص الشافعي ﵁ وقال الماوردي والبغوي "تجب القسمة عند الإمكان".
وأقول: أنه لا يظهر لاسيما على القول بأن الدين الحال يجب وفاؤه على الفور وإن لم يطلب صاحبه.
وقال أبو حنيفة: يجوز ما لم تحرزو بدارنا.
ومنها: أن الإمام إذا فتح مدينة لم يجز له أن يمن علهيم لأن الغانمين ملكوا بنفس الأخذ فكيف يبطل [عليهم] ١ ملكهم.
стр. 774
وقال أبو حنيفة: له ذلك؛ إذ لم يملكوا بعد.
مسألة:
قال علماؤنا: حقيقة القضاء إظهار لحكم الله [وإخبار] ١ لإثبات حق على سبيل الابتداء.
وربما عبروا عن هذا بأن قضاء القاضي لا يغير الأحكام الشرعية عن حقائقها الموضوعة عند الله، وبأن القضاء يتبنى على الحجة؛ فإن كانت حجة حقيقة ظاهرًا وباطنًا، نفذ ظاهرًا وباطنًا، وإن كانت حجة في الظاهر فقط لم ينفذ إلا في الظاهر فقط.
وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أن حكم القضاء إثبات الحكم المدعي وإنشاء له.
وربما عبروا عن هذا بأن قضاء القاضي يغير الحكم عند الله وقصروا ذلك على الأحكام التي للقاضي فيها مدخل كالمعقود والفسوخ والنكاح والطلاق.
وعلى الأصل مسائل:
منها: إذا ادعى زوجية امرأة، وليست في نفس الأمر زوجته وأقام شاهدي زور فحكم له الحاكم بالزوجية لم تحل له في الباطن عندنا، ويحرم عليها تمكينه من نفسها.
وقال الحنفية: قضاء القاضي بشهادة الزور تبيح المحذور، وتحلل هذه المرأة.
ومنها: إذا رد الحاكم شهادة المنفرد برؤية هلال رمضان؛ إما لكونه لا يرى قبول الواحد أو لغير ذلك فجامع في ذلك النهار لزمته الكفارة كما إذا قيل شهادته وقال أبو حنيفة: لا يلزمه.
مسألة:
[قال علماؤنا] ٢ المعقود عليه في عقد الكتابة رقبة المكاتب وقالت الحنفية: بل اكتساب العبد، وفك الحجر عنه.
وعلى الأصل مسائل:
منها: إذا مات المكاتب عن وفاء انفسخت الكتابة عند الشافعي ﵁: ومات رقيقًا لأن المعقود عليه الرقبة وقد فاتت بالموت فينزل منزلة فوات المبيع قبل القبض وقال أبو حنيفة: يموت حرًا في آخر جزء من حياته.
ومنها: الكتابة الحالة الباطلة؛ لأن المعقود عليه الرقبة وعتقها غير مستحق في
стр. 775
الحال، بل عند أداء النجوم، وعندهم يصح؛ لأن العوض مقابله فك الحجر والقدرة على الاكتساب وقد تحقق في الحال.
ومنها: إذا زوج ابنته من مكاتب ثم مات انفسخ النكاح لانتقال الملك في الرقبة إليها، وعندهم لا ينفسخ بل يؤدي نجومه فيعتق والله أعلم.
وهذه الطريقة لم يذكرها الرافعي في فصل اختلاف الجاني ومستحق الدم، بل قبل كتاب البغاة.
ونقل النووي: في زيادة الروضة عن البغوي تعريفًا على تصديق الولي -أن الواجب الدية دون القصاص وأن المتولي قال: هو على الخلاف في استحقاق الوقد بالقسامة.
قلت: وقد حكى الرافعي في القصاص وجهين ذكرهما قبيل كتاب الإمامة.
وإذا [اطلعنا] ١ على كافر في دارنا فقال: دخلت بأمان مسلم؛ ففي مطالبته بالبينة وجهان لأن الأصل عدم الأمان، ويعضده أن الغالب على من يستأمن أن [يستوثق] ٢ بإشهاد والأصل حقن الدماء، ويعضده أن الظاهر أن الحربي لا يقدم على هذا إلا بأمان.
ومنها: مما لم أجده مسطورًا -إذا ضربها الزوج وادعى نشوزها وادعت هي أن الضرب ظلم.
قال ابن الرفعة: لم أر فيها نقلًا؛ قال: والذي يقوي في ظني أن القول قوله لأن الشارع تجعله وليًا في ذلك.
قلت: قد يعارض في المسألة أصلان -عدم ظلمة وعدن نشوزها.
الحادية والعشرون بعد المائة من قواعد الربا:
أن الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة.
أخرى: قال الغزالي: في الوسيط في كتاب الصداق في الباب الثاني في أحكام الصداق الفاسد: قاعدة الباب أن النكاح لا يفسد بفساد الصداق.
стр. 776
أخرى: الأصل في الربويات عندنا التحريم خلافًا لأبي حنيفة.
الثانية والعشرون بعد المائة:
"أصح القولين أن حجر المفلس حجر مرض لا سفه ولا رهن".
ولا نعني بقولنا: "إنه حجر مرض" أنه يثبت للأحكام حجر المرض كلها كذلك إذا غلبنا أحد الجانبين على الآخر في مثل الظهار [طلاق] ١ أو يمين.
يوضح هذا بأن المريض يسوغ له الأقدام على التصرف ويحكم بصحتها ظاهرًا ولا خلاف أن المفلس ممنوع من التصرف وإن قبل بتنفيذه فيما بعد.
فإن قلت: فإذا كان كذلك فلا فائدة في هذه القاعدة وأمثالها، إذ لا فائدة غير إجراء الأحكام على قضية قاعدتها.
قلت: قال الوالد ﵀ في "شرح المهذب": بل فائدة معرفة حقيقة ذلك الشيء وسره المقصود به قال: والفقيه يعلم أن الشيئين المتساويين في الحقيقة وأصل المعنى قد يعرف لكل منهما عوارض تفارقه عن صاحبه وإن لم تغير حقيقته الأصلية فالفقيه الحاذق يحتاج إلى تيقن القاعدة الكلية في كل باب ثم ينظر خاصًا في كل مسألة، ولا يقطع شوقه عن تلك القاعدة حتى يعلم هل تلك المسألة يجب سحب القاعدة عليها أو تمتاز بما ثبت له تخصيص حكم من زيادة أو نقص؟
ومن هذا يتفاوت رتب الفقهاء فكم من واحد متمسك بالقواعد قليل الممارسة للفروع ومأخذها يزل في أدنى المسائل وكم من آخر مستكثر من الفروع ومداركها قد أفرغ صمام ذهنه فيها غفل عن قاعدة كلية فتخبطت عليه تلك المدارك صار حيران، ومن وفقه الله لمزيد العناية جمع بين الأمرين فيرى الأمر رأي عين انتهى كلامه في باب التفليس من تكملة شرح المهذب.
فهذه القواعد التي سردناها هي التي تكثر فروعها وتتشعب مواقع الأنظار إذا كان إليها نزوعها، ومن حققها صار بعلوم الشريعة حقيقًا، وبالفتيا في مصاردها ومواردها خليقًا.
стр. 777
والمستثني منها:
إما بعيد فلا يقاس عليه، وهو خارج عن المنهاج يجري مجرى الشذوذ، والخطب فيه يسير وهو كوجوب الثمن في المصراة المستثني من قولنا "المثلى مضمون بمثله".
وإما معقول المعنى فلا بد من لحاقه بأصل آخر ويكون قد اجتذبه في الحقيقة أصلان تعلق بأقربهما شبهًا واستمسك بأقواهما وأوفقهما بالنسبة إليه؛ [لكن] ١ عزوه وفهم هذا من كل فرع [مبتدر] ٢ [والتكيف به] ٣ في كل ورد وصدر يدفع عن همم من ركن إلى الهوينا واجب الدعوة ولا يحيط به إلا من حوم على مخيم الاجتهاد بدأب دائم في العلم وخطى متسعة؛ فإن ترد الفروع إلى أصولها وعرضها على معانيها [وأجلاسها] ٤ على منصة الجلاء للاعتبار إنما ينهض به أهل البصائر الشافية، وهو لعمري والله خلاصة لااجتهاد، وثمرة الأكباد.
والكافل به وحصر المستثنيات وعدها كتابنا الكبير في الأشباه والنظائر.
والقول الجملي [عندنا] ٥ أن الضابط إما أن يطرد وينعكس وذلك الغاية وإما أن يخرج عنه صورًا طردًا وعكسًا والخارج إما معقول المعنى وإما تعبد.
وقد تجمع شيئان:
أحدهما: لمعنى.
والثاني: تعبد.
ونحن نضرب لذلك مثالًا: وهو العاقلة عند من يرى تحملها للدية تعبدًا، وتضمن الولي جزاء صيد أتلفه الصبي فإنه لمعنى وهما خارجان عن قاعدة من لم يجن لا يطالب بجناية من جنى.
ثم الخارج تعبدًا يهون الأمر فيه، وأما الخارج لمعنى فذاك المعنى هو أصله الآخر الذي اجتذبه.
فلاح بهذا أنه لا يخرج لمعنى إلا وقد حق بأصل آخر خرج من هذا فدخل في هذا ولم يكن ضائعًا
стр. 778
فالفقيه من يرده إلى أصله ويعيده إلى وكره لا من يحفظه حفظ ضائع لا يدري مالكه، ومجهول لا يعرف صاحبه.
ثم قد يتقاوم الأصلان؛ فيتجاذب الفحلان، ويتناجز الخصمان، ويقع التردد ويقف الأمر في الإلحاق.
وقد يرى أحد المجتهدين أصلًا راجحًا ويراه الآخر مرجوحًا أو مساويًا، وفي مثل هذه المداخل نزل الأقدام وتتبين فرسان الكلام، ويتنافس المتنافسون ويتراد المخلصون ثم وراء ذلك بحر عميق، ومنظر دقيق وهو أن الخارج لمعنى هل يقاس عليه وقد بينا ذلك.
فصل:
وراء هذه القواعد ضوابط يذكرها الفقهاء.
منها: المطرد والمنعكس وغيره أحاط بها تلخيص ابن القاص، و"خصال" أبي بكر الخفاف و"أعداد" أبي الحسن بن سراقة١ و"رونق" الشيخ أبي حامد و"لباب" المحاملي و"مناقضات" أبي الحسن العناني الداركي و"حيل" أبي حاتم القزويني و"مطارحات" ابن القطان وليست عندنا من القواعد الكلية بل من الضوابط الجزئية الموضوعة لتدريب المتبدئين لا لخوض المنتهين، ولتمرين الطالبين لا لتحقيق الراسخين.
والذي يكثر من التشاجر فيه ويعظم الخطب ما أوردناه وأما هذه الضوابط فالخطب فيها يسير.
وهي مثل قولنا:
العصبة: كل ذكر ليس بينه وين الميت أنثى. الولد يتبع أباه في النسب وأمه في
стр. 779
الرق والحرية وأشرفهما في الدين وأحسبهما في الريح والنكاح وأشرفهما في الحرية.
الحجر على الصبي لنقصه وعلى العبد لحق سيده وعلى السفيه يتردد.
ومن ثم يصح نكاح العبد بالإذن بخلاف الصبي وفي السفيه تردد.
وتفاريع القولين في الجمعة أظهرهما مقصورة أم صلاة على حيالها والوضوء أواجبه الترتيب أو عدم [التنكيس] ١، والمغلب في قتل قاطع الطريق حق الله أو حق الآدمي وإذا باع مال أبيه على ظن أنه حي؛ فإذا هو ميت وسبيل الاستعارة للرهن سبيل العارية أو الضمان، والخلاف في حقيقة الثمن ما هو؟ وحجر الفلس هل هو حجر مرض أو رهن أو سفه إجازة الورثة تنفيذًًا أو ابتداء عطية، تزويج السيد أمته بالملك أو بالولاية، الوديعة عقد أو إذن، المغلب في المسابقة شائبة الإجازة أو الجعالة، حرمة استعمال آنية الذهب والفضة لعينهما أو لمعنى فيهما، فطرة من يؤدي فطرة غيره ثم تجب عليه ثم يتحملها أو تجب على المؤدي ابتداء؛ القسمة بيع أو إفراز، الإقالة بيع أو فسخ، الحوالة استيفاء أو اعتياض، النذر محمول على واجب الشرع أو جائزه، موجب القتل العمد القصاص أو أحد الأمرين منه، ومن الدية الصداق مضمون ضمان عقد أو يد، الظهار طلاق أو يمين، الإبراء إسقاط أو تمليك، عمد المميز عمد أو خطأ، اليمين المردودة كالإقرار أو كالبينة، ارتفاع العقد من أصله أو من حينه، النفقة للحمل أو للحامل، مجلس العقد لهل له حكم ابتداء العقد؟ تعارض حق الخالق والمخلوق، ومسائل الإشارة والعبارة باللفظ أو بالمعنى ومسائل المسكن والخادم -هل يباعان في الفلس والكفارة والفطرة والحج ونظائرها؟ وفي كم تعطي الرجعية حكم الزوجية، ومفارقة الأب للجد في الأحكام وما يتعدى حكمه إلى الولد الحادث، وتعليق الإنسان فعل نفسه على فعل غيره -مثل بعت بما باع به فلان فرسه، وزوجت بما زوج به، وطلقت كما طلق، وقارضتك ولك مثل ما شترطه فلان لفلان، وأحرمت بما أحرم به فلان -ما فضل لبيت المال هل هو على سبيل الإرث أو المصلحة وفيه خلاف يظهر أثره في مسائل منها: قاتل أبيه إذا لم يخلف الأب سواه فما له لبيت المال ثم إن قلنا ميراثًا لم يدفع للقاتل منها: قاتل أبيه إذا لم يخلف الأب سواه فما له البيت المال، ثم إن قلنا ميراثًا لم يدفع للقاتل منه شيء أو مصلحة جاز الدفع ومنها: المكاتب إذا مات أبوه لم يرثه وماله لبيت المال؛ فإذا أدى النجوم وعتق فإن قلنا: ميراثًا لم يأخذ شيئًا، وإن قلنا: مصلحة أخذ.
стр. 780
ومنها: إذا مات مسلم وخلف قريبًا له كافرًا فأسلم انبنى على الخلاف.
[وأنحاء] ١ ذلك.
وعندي أن إدخالها في القواعد خروج عن التحقيق، ولو فتح الكاتب بابها لاستوعب الفقه وكرره وردده وجاء به على غير الغالب المعهود والترتيب المقصود فحير الأذهان، وخبط الأفكار، وإذا استحسن ضم الشيء إلى نظيره فبعض مسائل الباب أشبه ببعضها من غير ذلك، والترتيب على الأبواب هو الصواب.
فصل:
ومن الناس من يدخل في القواعد تقاسيم تقع في الفروع يذكرها أصحابنا؛ حيث يتردد الذهن فهي ذات أقسام كثيرة ولا تعلق لهذ بالقواعد رأسًا فقد أكثر منه الشيخ أبو حامد في الرونق ومتابعوهن ولكن أولئك لم يكن قصدهم ذكر القواعد؛ بل هذا النوع بخصوصه، فلا لوم عليهم وإنما اللوم على من يدخل ذلك في القواعد.
وأنا أذكر لك يسيرًا من ذلك لتعرف ما أشير إليه.
فأقول: تقسيم آخر.
قال الإمام في كتاب الصلح: العقود بالنسبة إلى قبول التأييد أو التوقيت مراتب.
أحدها: البيع والتأبيد فيه غير مستحق، فإنه يتضمن التمليك واستئصال حق المتقدم بالكلية؛ فلا يعود إلا بإعادة طريق آخر.
الثاني: الإجارة: وضعها على بقاء الملك للمكري والأصل أن يضبط بالنهاية إذ لا حاجة إلى إثباتها دون الضبط.
ويظهر في هذا [القسم] ٢ ما يظهر فيه قصد التأبيد كبيع حق البناء والممر وسبيل الماء -ولا يمتنع تأقيته أيضًا.
الثالث: ما يقصد منه المنفعة ولكن لا ينتظم إثباته على نعت التأقيت؛ فإن الغرض منه التواصل، والتوصل إلى النسك وهو النكاح وكان يؤقت في ابتداء الإسلام إشارة إلى اكتفاء بعض الناس بقضاء الأوطار، ثم استقر الشرع على استحقاق التأييد
стр. 781
ليقع النكاح على وضعه، وقدره الزوج على الطلاق يفيده، التمكن من الخلاص.
تقسيم آخر:
إذا وقع في الماء شيء طاهر فإن لم يكن [مغيرًا] ١ فلا أثر له وإن كان، فإن كان التغيير لقلته فكذلك وإن كان لموافقته في صفاته فوجهان، وإن لم يفت بل غير فإن قل التغيير؛ حيث لم يزل اسم الماء المطلق ففيه خلاف، وإن فحش فإن لم يمكن الصون عنه لم يسلب، وإن أمكن؛ فإن كان ترابًا لم يؤثر على الأصح وإن كان غيره فإن كان مخالطًا لجميعه سلب أو لبعضه فوجهان وإن كان مجاورًا متصلًا به فقولان، أو غير متصل لم يؤثر.
تقسيم آخر:
قال القاضي أبو الطيب الطبري: ومن تعليقه نقلت: الطلاق واجب ومحرم ومكروه ومستحب.
فالواجب: طلاق المولي إذا انقضت المدة وطولب بالفيئة أو الطلاق وطلق فإنه يكون قد فعل واجبًا كما في خصال الكفارة أنها فعل وقع واجبًا، وإيقاع طلاق الحكمين في الشقاق واجب إذا قلنا: هما حكمان ورأيي الطلاق.
والمحرم: طلاق الحائض والموطوءة في طهرها.
والمكروه: طلاق زوجة حسنة الخلق والخلق يأمنها فيغيبته ويسر بها في حضوره.
والمستحب: طلاق زوجه قبيحة الخلق سيئة الخلق لا يأمنها غائبًا ولا تسره حاضرًا أو لا يقوم واحدًا منهما بحق صاحبه انتهى مختصر.
تقسيم آخر:
المقدرات الشرعية إما تحديد قطعًا: كطهارة الأعضاء ومسح المقيم والمسافر، وغسل ولوغ الكلب سبعًا، واشتراط أربعين لانعقاد الجمعة وتكبيرات العيدين، ونصب الزكوات وهو كثير جدًا.
وإما تقريب قطعًا: كسن الرقيق المسلم فيه والموكل في شرائه.
стр. 782
وإما مختلف فيه: كالقلتين وسن الحيض والمسافة بين الصفين بثلاثمائة ذراع ومسافة القصر بثمانية وأربعين ميلًا وهو كثير.
فهذه أمثلة التقاسيم كل مثال منها لنوع ولا مدخل لها من القواعد ويقرب منها تعديد فرق النكاح وأقسام البياعات.
فصل:
ومنهم من يدخل المآخذ والعلل التي يشترك فيها أحكام طلبًا لجمع المشتركات في قدر مشترك وليس ذلك أيضًا من القواعد في شيء.
وقد رأيت للشيخ أبي إسحاق الشيرازي صاحب "التنبيه" مصنفًا في ذلك مختصرًا سماه "مسائل الارتباط".
وهذا النوع كثير الفائدة للخلافيين الناظرين في المسائل التي اختلف فيها الإمامان -الشافعي وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى.
وأنا أذكر مسألة لتعرف ماذا أعني بكلامي [والله تعالى أعلم] ١.
علة يتعلق بها إحدى وعشرون حكمًا.
مسألة:
يجب القطع بسرقة الثمار الرطبة والطعام الرطب وسائر ما يتمول وإن كان أصله على الإباحة وكذا إذا اشتركا في النقب فدخل أحدهما [فأخذ] ٢ وناول الآخر فالقطع على الداخل.
إذا سرق ما [فيه] ٣ نصاب ثم نقصت قيمته قبل القطع لم يسقط القطع.
إذا رمي المسروق إلى خارج فالقطع على الرامي.
إذا ترك المتاع بقرب النقب وأدخل الآخر يده فالقطع على الثاني، والضمان عليهما في المسائل الثلاث.
إذا سرق نصابًا ثم ملكه بحكم الإرث أو الهبة لم يسقط القطع.
إذا سرق مصحفًا يساوي نصابًا قطع.
стр. 783
إذا سرق الآبق قطع، وكذا الضيف والنباش وسارق ثياب الكعبة.
إذا سرق العين مرة بعد مرة قطع ثانيًا فتقطع يمناه وإذا سرق ثانيًا قطعت يسراه.
إذا سرق ناقص اليمين أو مفقودها قطعت يسراه.
إذا تلف في يده المسروق فعليه الغرم والقطع.
يقطع أحد الزوجين بسرقة مال صاحبه.
يقطع المعير والمكري إذا سرق من المستعير والمكتري.
يقطع سارق العبد الصغير وكذا إذا سرق المستأمن في أحد القولين.
والعلة فيها كلها أنه أخرج نصابًا كاملًا من حرز مثله لا شبهة له فيه وهو من أهل القطع - أصل موضع الوفاق.
علة يتعلق "بها سبع مسائل".
في عبد التجارة الزكاة والفطرة.
وعلى الجد عن ولد ولده الصغير المعسر الفطرة.
وعلى الولد فطرة الأب والجد والزوج وعبد الشريكين عليهما فطرته.
والسيد عليه فطرة عبده، خلافًا "لداود بن علي"١ والعلة في الجميع شخص من أهل الطهرة يلزمه فطرته مع القدرة أصل موضع الوفاق.
فصل:
ومنهم: من يعقد فصلًا لأحكام الأعمى، وآخر لأحكام الأخرس، وآخر لأحكام المبعض، وهكذا وفصلًا للأحكام التي اختص بها حرم مكة شرفها الله تعالى، وهذا أيضًا ليس من القواعد في شيء.
فصل:
ومنهم من ذكر الفقه المختص ببعض الناس أو بعض الأماكن وسبيله سبيل من
стр. 784
يفرد بابًا من أبواب الفقه بالتصنيف فلا فرق بين إفراد باب وإفراد مكلف من المكلفين.
وذكر الإمام في آخر "النهاية" أنه عزم على جمع أحكام المبعض ثم اجتزأ بسبقها في الأبواب.
فصل:
ومنهم من يشتغل بتقرير كونه مذهب الصحابي والاستحسان مثلًا غير حجة وهذا رجل عمد إلى باب من أبواب أصول الفقه فأحب النظر فيه.
فصل:
ومنهم من يعقد فصلًا للمسائل التي يفتي فيها على التقديم وهذا أيضًا رجل أحب أن يجمع مسائل لا ارتباط لها في أنفسها.
وأغراض الناس تختلف ولكل مقصد، ولسنا ننكر على أحد مقصده؛ وإنما ننكر إدخال شيء في شيء لا يليق به [ويكبر] ١ حجم الكتب بما لا حاجة إليه.
فصل:
ومنهم من يدخل مسائل الأحاجي والألغاز، وهذا باب مليح أفرده بعضهم بالتصنيف.
كالجرجاني صاحب المعاياة وأبي حاتم القزويني قبله وغيرهما من المتقدمين والمتأخرين.
"وللقاضي تقي الدين ابن رزين٢ فيه مصنف حسن رأيت بعضهم ينسبه لابن الرفعة وهو خطأ وابن الرفعة أعلى مقامًا وأرسخ قدمًا من أن يشتغل بهذا النوع، ولكل فن رجال وإذا اشتغل الناس في الفقه عشواء سار ابن الرفعة في بياض المحجة وإذا مشى الناس في رقراق علم كان هو خائض اللجة وإذا قنع الناس بالصدف لم يرض هو إلا بنفيس الجواهر وإذا وقفوا عند غاية لم يتطلب هو غاية يحاط لها بأول ولا آخر.
هذا وقد عرفناك أن فن الألغاز -في نفسه حسن؛ إلا أنه لا مدخل له في القواعد وقد كنت وضعت فيه مجموعًا ها أنا أتحفك منه بباب مفيد فأقول.
стр. 785
باب في الألغاز:
والأصل في هذا الباب حديث ابن عمر الثابت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم حدثوني ما هي؟ ".
قال: فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت.
ثم قالوا: حدثنا يا رسول الله ما هي؟ قال: هي النخلة قال عبد الله فحدثت أبي بما وقع، قال لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا.
وقد خرجه البخاري في موضعين -بوب على أحدهما باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم وبوب على الآخر "الحياء في العلم".
وأقول: ومن ثم والله أعلم بحث العلماء في هذا الباب، ومن أقدم ما سمعت فيه ما رواه الحافظ أبو القاسم ابن عساكر ﵁ في التاريخ الشامي إلى حماد بن حميد قال: "كتب رجل من أهل العلم إلى ابن عباس يسأله عن هذه المسائل -أخبرني عن رجل دخل الجنة ونهى الله محمدًا ﷺ أن يعمل بعمله، وعن شيء تكلم ليس له لحم ولا دم، وعن شيء له لحم ولم تلده أنثى ولا ذكر ولا من الملائكة، وعن نفس أوحى الله إليها ليست من الأنبياء، وعن منذر ليس من الجن ولا من الإنس، وعن شيء حرم بعضه وحل بعضه، وعن شيء تنفس ليس له لحم ولا دم، وعن نفس ماتت وأحييت بنفس غيرها، وعن نفس خرجت من جوف ليس بينهما نسب ولا رحم، وعن اثنين تكلما ليس لهما لحم ولا دم، وعن الرجل الذي [مر] ١ في قرية وهي خاوية على عروشها، وعن شيء إن فعلته كان حرامًا وإن تركته كان حرامًا وعن موسى ﵇ كم أرضعته أمه قبل أن تلقيه في البحر وفي أي بحر قذفته، وعن الاثنين اللذين كانا في بيت فرعون
стр. 786
حين لطم موسى فرعون، وعن موسى حين كلمه الله من حمل التوراة إليه، وكم كانت الملائكة الذين حملوا التوراة إلى موسى، وأخبرني عن آدم كم كان طوله وكم عاش ومن كان وصيه، وأخبرني من كان بعد آدم من الرسل، ومن كان بعد نوح، ومن كان قبل نبينا ﷺ ، وعن الأنبياء ﵈ كم كانوا، وكم كان فيهم من الرسل، وكم في القرآن منهم، وعن رجل ولد من غير ذكر ولا أنثى ولم يمت، وعن أرض لم تصبها الشمس إلا يومًا واحدًا، وعن الطير الذي لا يبيض ولا يحضن عليه طير.
فلما قدمت هذه المسائل إلى ابن عباس ﵄ كتب.
أما الرجل الذي دخل الجنة ونهى محمد ﷺ أن يعمل بعمله فهو يونس النبي ﵇ الذي يقول الله فيه: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ ١.
وأما الشيء الذي تكلم ليس له لحم ولا دم فهي النار إذا تقول ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ .
وأما الرسول الذي بعثه الله ليس من الجنة ولا من الإنس ولا من الملائكة فهو الغراب الذي بعثه الله إلى ابن آدم ليريه كيف يواري سوأة أخيه.
وأما الشيء الذي له لحم ودم ولم تلده أنثى فهو كبش إبراهيم الذي فدى به ولده.
وأما الشيء الذي تنفس ليس له لحم ودم فهو الصبح؛ إذ يقول : ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ ٢.
وأما النفس التي ماتت وأحييت بنفس غيرها فهي البقرة التي ذكرها الله تعالى في القرآن في قوله: ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ ٣.
وأما الطير لم يبض ولم يحضن عليه فهو الطير الذي نفخ فيه عيسى ابن مريم ﵇ فكان طائرًا بإذن الله.
وأما الشيء الذي قليله حلال وكثيره حرام فنهر طالوت الذي ابتلاهم الله به.
وأما النفس التي أوحى الله إليها ليست من الأنبياء فأم موسى.
وأما النفس التي خرجت من جوف نفس ليس بينهما نسب ولا رحم فهو يونس النبي ﷺ خرج من بطن الحوت.
стр. 787
وأما الاثنان اللذان تكلمتا ليس لهما لحم ولا دم فهما السماء والأرض قال تعالى: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ١.
وأما الشيء الذي مشى ليس له لحم ولا دم فعصا موسى التي تلقف ما يأكفون. [وأما الرجل الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها فهو أرميا] ٢.
وأما الشيء الذي إن فعلته كان حرامًا وإن تركته كان حرامًا فهي صلاة السكران، إن صليت وأنت سكران فحرام وإن تركت فحرام.
وأما أم موسى فأرضعته ثلاثة أشهر٣ قبل أن تقذفه في البحر ثم ألقته في بحر القلزم.
وأما الاثنان اللذان كانا [في بيت] ٤ فرعون فالرجل الذي كانت يكتم إيمانه.
وسألت عن موسى يوم كلمه الله وحملت التوراة إليه فإن الله كلمه يوم الجمعة وأعطي التوراة ونزلت بها الملائكة إلى موسى يوم الجمعة وأمر الله بكل حرف٥ فحمله ملك من السماء لا٦ يعلم عدد ذلك إلا الله.
وأما الأرض التي لم تنظر إليها الشمس إلا يومًا فهي أرض البحر الذي فلقه الله لموسى.
وأما المنذر الذي ليس [من الإنس٧ ولا من الجن] فالنملة القائلة ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ .
وسألت عن آدم فهو أول الأنبياء خلقه الله من طين وسواه ونفخ فيه من روحه، وكان طوله -فيما بلغنا والله أعلم- ستين ذراعًا، وكان نبيًا وخليفة وعاش ألف سنة إلا خمسين عامًا، وكان وصيه شيث وإن بعد شيث من الأنبياء إدريس وهو أول الرسل
стр. 788
وبعد إدريس نوح وبعد نوح هود ثم صالح ثم إبراهيم ثم لوط -ابن أخي إبراهيم - ثم إسماعيل ثم إسحاق ثم يعقوب ثم يوسف ثم موسى ثم عيسى فأنزل الله الإنجيل ثم كان بعده نبي الرحمة ﷺ .
وكان عدد الأنبياء -فيما بلغنا- ألف نبي ومائتي نبي وخمسة وسبعين نبيًا، وكان منهم ثلاثة وخمسة عشر رسولًا نجد في القرآن منهم ثلاثة وثلاثين نبيًا يقول الله : ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ١ انتهى مختصرًا.
قلت وأنا أستفتح السؤال الأول من مسائله فإن إطلاق القول بأن نبينا ﷺ نهى بأن يعمل بعمل يونس لا ينبغي لما فيه من الإساءة على يونس.
وكذا٢ [أقول] ٣ في الرسول ليس من الجن ولا من الإنس ولا من الملائكة -[روى] ٤ الحافظ أبو القاسم أيضًا بسنده إلى ابن أبي مليكة قال: كتب ابن هرقل إلى معاوية يسأله عن ثلاث خلال ما مكان إذا كنت [فيه] ٥ لم تدر أين قبلتك؟ وما مكان طلعت فيه الشمس ولم [تطلع] ٦ فيه قبل ولا بعد؟ وعن المحو الذي في القمر؟ -فقال معاوية من لهذه؟ ٧ فقيل ابن عباس، فكتب إليه.
فأجاب ابن عباس [﵄] ٨.
أما المكان الذي إذا كنت فيه لم تدر أين قبلتك فإذا كنت على ظهر الكعبة
وأما المكان الذي طلعت فيه الشمس ولم تطلع [فيه] ٩ قبل ولا بعد فالبحر الذي انفلق لموسى.
وأما محو القمر فهو آية الليل قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ﴾ ١٠.
فكتب معاوية إلى ابن هرقل، فكتب إليه ما هذا من كنزك ولا كنز أبيك، [وما] ١١.
خرج هذا إلا من [أهل] ١٢ بيت نبوة.
стр. 789
وروى الحافظ أيضًا بأسانيد مختلفة هذا الأثر بزيادات أخر اجتمعت على بعضها واختلفت [في] ١ بعضها وأنا ألحق تلك الطرق وأجمع ما اجتمعت وما افترقت فيه؛ فكان مذكورًا في بعضها دون بعض فأقول:
روي أن قيصر ملك الروم كتب إلى معاوية بن أبي سفيان: أما بعد فأي كلمة أحب إلى الله؟ وما الثانية والثالثة والرابعة والخامسة؟ ومن أكرم عباد الله وإمائه عليه؟ وما خمسة فيها الروح لم تركض في رحم؟ وقبر سار بصاحبه؟ ومكان لم تصبه الشمس إلا مرة واحدة لم تطلع فيه قبل ذلك ولا تطلع بعده؟ ومجرة السماء ما هي؟ وقوس قزح وما بدأ مرة؟ وقبله من لا قبلة له، ومن لا أب له، ومن لا عشيرة له؟ وعن شيء نصف شيء ولا شيء؟ وابعث إلي في هذه القارورة٢.
فلما قرأ معاوية كتابه قال: ما له أخزاه الله؟! وما علمي بها ها هنا؟ فقيل له: اكتب إلى ابن عباس، فكتب يسأله عن ذلك.
فكتب إليه ابن عباس: "إن أفضل الكلام لا إله إلا الله -كلمة الإخلاص، وما يقبل عمل إلا بها، والتي تليها سبحان الله وبحمده والثالثة كلمة الشكر الله أكبر وفاتحة الكتاب والركوع والسجود، والخامسة لا حول ولا قوة إلا بالله، وأكرم الخلق آدم، وأكرم الإماء مريم، والخمسة الذين لم يركضوا في رحم: آدم وحواء الكبش الذي فدي به إسماعيل وعصا موسى حين ألقاها فصارت ثعبانًا وناقة صالح، والقبر الذي سار بصاحبه [فالحوت] ٣ الذي التقم يونس، والمكان الذي انفرج لموسى من البحر لما ضربه بعصاه فانفلق والمجرة باب السماء، وقوس قزح أمان لأهل الأرض من الغرض بعد قوم نوح، ومن لا قبله له الكعبة، ومن لا أب له عيسى، ومن لا عشيرة له آدم، وأما شيء فالرجل له عقل يعمل بعقله، وأما نصف شيء فالرجل لا عقل له يعمل بعقل ذوي العقل، وأما لا شيء فالذي ليس له عقل يعمل برأي نفسه.
ثم ملأ القارورة ماء وقال: هذا أبرز كل شيء: قال [الله] ٤: تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ٥.
فلما وصل الكتاب إلى ملك الروم قال: لقد علمت أن معاوية لم يكن له بهذا علم، وما خرج هذا إلا من أهل بيت نبوة.
стр. 790
قلت: في الأثر مواضع لا بأس بالتنبيه عليها.
قوله: "أكرم الخلق آدم" ليس على ظاهره، وإن١ أكرم الخلق عند أهل الحق سيدنا٢ محمد ﷺ .
وقد خطر [لي] ٣ فيما وقع في هذا الأثر أحد أمرين: إما أن يكون زيادة [لم] ٤ يثبت عن ابن عباس وهو الأقرب، وإما أن يكون عني بأكرمية الخلق أصل الخلقة والأرومة٥ والطينة التي آدم وذريته فيها سواء، والمراد أن خلق البشرية أفضل من بقية الخلائق ويؤخذ منها أن البشر أفصل من الملك -وهو مذهب أهل السنة.
ولا يقال: [إن] ٦ ابن عباس ذكر ذلك على معتقد المكتوب إليه لأنا -أولًا- لا نعرف ما يعتقدون في ذلك، وثانيًا لا نعتقد أن ابن عباس يجيب إلا بما هو الحق -في نفس الأمر ولذلك قال: "أفضل الكلام لا إله إلا الله" وهم يعتقدون التثليث.
وقوله: "من لا قبلة له الكعبة" لعله يعني به منصلى على ظهرها -كما أشير إليه في الأثر قبله - إلا أنه لو استقبل سترة متصلة جاز فلم تخرج عن كونها قبلة.
وقوله: "من لا أب له عيسى" يعني من لا أب له ممن يركض في رحم؛ وإلا فكذلك آدم ﵇.
وقوله: "من لا عشيرة له آدم" لعله قبل أن يولد له ويكون في ذلك من ابن عباس دلالة على ما قال المتولي صاحب "التتمة": "إنه إذا وقف على عشيرة لم يدخل فيه إلا قرابة الأب". ووجه الاستنباط أن آدم لم يكن له أب فلم يكن له قرابة أب؛ فمن ثم لم يجعل ابن عباس له عشيرة فدل أن من لا أب له لا عشيرة له، ودل أن العشيرة من قبل الأب. وهذا قول المتولي ﵀.
ومما يلتحق بهذه المسائل مسائل [دارت] ٧ بين الشافعي ﵁ ومحمد ابن الحسن ﵀ نقلها النقلة لمحنة الشافعي [﵀] ٨، وكثير من الناس يذكر
стр. 791
أن أبا يوسف القاضي كان مع محمد، ولكن لم يثبت عندنا ذلك، والصحيح أن محنة الشافعي [﵀] ١ ودخوله بسببها بغداد إنما كان بعد وفاة أبي يوسف، ولم تكن هذه المسائل إلا بينه وبين محمد بن الحسن، غير أن نوردها كما أوردها الناقلون لها إذا كان القصد معانيها لا عزوها إلى قائلها.
فنقول: ذكر الإمام إسماعيل البوشنجي أحد الجلة من علمائنا وغيره: أن الشافعي [﵀] ٢ دخل بعض الأيام على هارون الرشثيد فامتحنه أبو يوسف ومحمد بمسائل أثبتناها في درج ودفعًا الدرج إليه في ذلك المجلس، فأجاب عنها بأسرها في الحال، وسألهما عن مسألتين فعجزا عن الجواب، وها هي:
سألاه عن رجل ذبح شاة ثم خرج [لحاجته] ٣ وعاد، فقال لأهله كلوها فقد حرمت علي، فقال له أهله: [ونحن] ٤ قد حرمت علينا.
فأجاب أنه مشرك ذبح الشاة على اسم الأنصاب، ثم أسلم بعد خروجه، وعاد فقال لهم هذه المقالة، فأسلموا فحرمت عليهم الذبيحة.
وسألاه عن رجل أبق له غلام فقال: هو حر إن طعمت طعامًا حتى آخذه، كيف المخرج؟
فأجاب -يهب الغلام لبعض أولاده- ويأكل ثم يرجع وسألاه عن امرأتين لقيا غلامين فقلنا: مرحبًا بابنينا وابني زوجينا وهما زوجانا.
فأجاب: بأن الرجلين كانا ابني [المرأتين] ٥، فتزوجت كل واحدة منهما بابن صاحبتها، وكان الغلامان ابنيهما وابني زوجيهما وهما زوجان لهما٦.
стр. 792
وسألاه عن رجل قال لولد: إن ست فلك ألف درهم ولو كنت ابن ابني كان لك عشرة آلاف درهم١.
فأجاب: كان الرجل يملك ثلاثين ألف درهم، وكان له ثمانية وعشرون بنتًا فخص كل بنت ألف درهم وخص الابن ألفين لو كان له ابن ابن كان للبنات [الثلثين] ٢ والباقي له -وهو عشرة آلاف درهم.
وسألاه عن رجل أخذ قدح ماء [يشربه] ٣ فشرب بعضه حلالًا وصار باقي ماء القدح محرمًا عليه.
فأجاب: بأنه شرب نصفه ورعف في بقيته فحرم الماء لامتزاجه بالدم.
وسألاه عن امراة ادعت أن زوجها ما قاربها منذ تزويجها وأنها بكر كما خلقت.
فأجاب: يدعي بقابلة وتؤمر أن تحمل بيضة فإن غابت فقد كذبت؛ وإلا فقد صدقت.
وسألاه عن خمسة زنوا بامرأة وجب على أحدهم القتل والثاني الرجم والثالث الحد، والرابع نصف الحد، والخامس لا شيء.
فأجاب: الأول استحل الزنا فكفر، والثاني زان محصن والثالث غير محصن وهو حر، والرابع عبد، والخامس مجنون لا شيء عليه.
قلت: أو واطى بشبهة وتسمية وطء الشبهة زنا أقرب من تسمية وطء المجنون.
وسألاه عن امرأة قهرت مملوكها على وطئها.
فأجاب: إن خاف على نفسه القتل أو الضرب الوجيع إن لم يفعل فلا شيء عليه، وإلا نصف الحد، وعلى [المرأة] ٤ -إن كانت محصنة- الرجم، وإلا فالحد.
قلت: فالمكره لا شيء عليه يعني لا حد عليه؛ وإلا قال فالإثم عليه بالإجماع.
وسألاه عن رجل صلى بقوم فسلم عن يمينه فطلقت امرأته، وعن يساره فبطلت
стр. 793
صلاته ونظر إلى السماء فوجب عليه ألفًا درهم [يزنها] ١ في الغد.
أجابٍ: إنه لما سلم نظر إلى رجل قد تزوج بامرأته عند غيبته فلما حضر طلقت، ولما سلم ثانيًا رأى عليه دمًا فوجبت الإعادة، "ولما أبصر السماء" أبصر الهلال فكان عليه دين فوجب عليه أداؤه.
فإن قيل: النكاح في غيبة الزوج لا يكون نكاحًا حتى يقال: وقع الطلاق برؤية الزوج، وكذلك الصلاة مع النجاسة لا تكون صلاة حتى يقال بطلت.
قلنا: هذا الجواب محمول على الظاهر، فإن تلك المرأة كانت محللة له في الظاهر فلما رأى الزوج حيًا زال ذلك الظن وتبعه زوال الحل.
وسألاه عن إمام كان يصلي بأربعة نفر فدخل المسجد رجل آخر فصلى معهم عن يمين الإمام وأبصره وجب على الإمام القتل ووجب تسليم امرأته إلى ذلك الرجل ووجب على الأربعة الجلد، ووجب هدم المسجد بالكلية إلى أساسه.
فأجاب: أن الرجل [الداخل كان سافر] ٢، وخلف امرأته عند أخ له واتفق أن الإمام قتله وأخذ امرأة أخيه وادعى أنها كانت امرأة له وشهد له الأربعة الذين صلوا معه وأخذ دار ذلك المقتول وجعلها مسجدًا؛ فوجب القتل عليه قصاصًا، ووجب أن ترد [المرأة] ٣ إلى زوجها، ووجب جلد الأربعة بشهادة الزور، ووجب تخريب المسجد وإعادته دارًا.
وسألاته عن رجل دفع إلى امرأته كيسًا ممتلئًا مربوطًا وقال أنت طالق إن فتحتيه أو فتقتيه أو كسرت ختمي أو [أحرقتيه] ٤ أو لم٥ تفرغيه وتعطيني الكيس.
فقال: إن كان ما فيه ما يذوب كالسكر تضعه في الماء حتى يذوب.
وسألاه: عن رجل وامرأة لقيا غلامين فقال الرجل: أنا ابن جدهما وأخي عمهما وقالت المرأة: أنا بنت جدتهما وأختي خالتهما وخالة أبيهما.
فقال: الرجل أبوهما [والمرأة] ٦ جدتهما.
стр. 794
وسألاه: عن امرأة ولدت ثلاثة أولاد -الأول مملوك والثاني ولد زنا، والثالث خليفة يدعي له على المنابر، والأب والأم واحد.
فقال: هذه المرأة كانت مملوكة لقوم فوطئها رجل هاشمي بنكاح فخرج ولده مملوكًا لقوم ثم إنه طلقها وزنا بها بعد الطلاق فكان ولد الزنا، ثم إنه اشتراها، فجاء له منها ولد فصار خليفة يدعي له على المنابر.
فسألاه عن رجل ضرب رأس رجل بعصا؛ فادعى المضروب أن ضاربه قد أذهب بضربته إحدى عينيه وأذهب بضربته خيشومه وأخرس لسانه.
فقال: يقام هذا الرجل في الشمس فإن فتح عينيه التي تقابل١ عين الشمس ولم تطرف فهو صادق، ويشم رائحة دخال الحريق فإن لم ينزل من أنفه شيء من الرطوبات فهو صادق ويغرز في لسانه بإبرة فإن خرج منها دم أسود فهو صادق.
وسألاه عن رجلين فوق سطح سقط أحدهما فمات فحرمت على الآخر امرأته.
فقال: هو رجل زوج ابنته من غلامه فمات فورثته فملكته فحرمت عليه لملكها إياه.
قال الراوي: فعجب الرشيد من علم الشافعي وقال: لله در بني عبد مناف.
فقال: [الشافعي ﵁] ٢ إني سائلهما مسألتين موجزتين.
ما تقول يا أبا يوسف في رجل مات وخلف ستمائة درهم وفي الورثة أخت لم يصبها إلا درهم، وما تقول يا أبا محمد في رجل تزوج بامرأة وتزوج ابنه بأمها فجاءت كل واحدة بابن ما يكون هذا من ذلك؛ وذلك من هذا فاطرقا وطال فكرهما ولم يجيبا بشيء.
فقال الرشيد: أجب أنت يا شافعي فقال الشافعي ﵀:
أما المسألة الأولى فقد بلغني أن امرأة جاءت إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فسألته عن ذلك فقال ﵁: مات أخوك وخلف بنتين فلهما الثلثان -أربعمائة، وخلف أما فلها السدس مائة- وزوجة فلها الثمن -خمسة وسبعون- بقي
стр. 795
خمسة وعشرون وخلف من الإخوة اثني عشر واحدًا درهمين درهمين ولم يبق من الستمائة غير درهم فهو لك.
وأما الثانية:
فإن ابن الأم خال ابن البنت، وابن البنت عم ابن الأم.
فتبسم هارون الرشيد وأعظم قدره ﵁ وحيث نجزت هذه المسائل فلنورد من المجموع الذي أشرنا إليه ما بقي اختيارنا -ها هنا عليه وهو مجموع أودعته من هذا النوع عددًا [وهبته] ١ جانبًا من الفقه ولا أقول: أعرته، ووضعت فيه نحو مائة من مطارحات المسائل ومستطرفاتها منها ما نقلته ومنها ما ولدته، ولقد جاوزت في مولداتي حد الأربعين وأخرجتها ولا أثر بعد عين، ولا ظن بعد اليقين، وعرضتها وهي أمانة لا يشفق الإنسان [منها] ٢، وليس لمن خان الأمانة دين.
وما ولدته ما شرحته فتبلج وجه صبحه، ومنها ما تركته ليستعمل الفطن ذهنه في شرحه ويفرد له النظر وينشد.
فالقلب منزلك القديم فإن تجد ... فيه سواك من الأنام فنحه
وإن هو لم يحتط لقفله غاية الاحتياط ولم يفرد له قلبًا حاضرًا غلط [غلطة] ٣ لا كالأغلاط ولم يفتح مغلقه حتى يلج الجمل في سم الخياط، وحتى يؤوب٤ الفارطان كلاهما وينشر في الموتى كليب وائل فلعسرها فني الكهول بلسان سؤول وقلب [عقول] ٥.
مسألة:
رجل قال لامرأته: إن كان ما في كمي دراهم أكثر من ثلاثة فأنت طالق فكان في كمه أربعة.
الجواب: هذه المسألة سئل عنها الشافعي ﵁ -فيما نقله أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي عن الربيع بن سليمان- فقال: لا يقع عليه طلاق لأنه ليس في كمه دراهم هو أكثر من ثلاثة؛ إذ ليس في كمه زائد على الثلاثة إلا درهم واحد والمعلق عليه دراهم موصوفة بأنها أكثر من ثلاثة ولم يوجد.
стр. 796
قال البوشنجي: قال الربيع: فقال السائل: آمنت بمن فوهك هذا العلم؛ فأنشأ الشافعي١:
إذا المشكلات تصدين لي ... كشفت حقائقها بالنظر
وإن ترقت في محل السحاب ... عميا لا تحتلها الفكر
مقنعة [بغيوب] ٢ الغيوم ... وضعت عليها جسام البصر
لساني كشقشقة الأرحبي ... أو كالحسام اليماني الذكر
ولست بإمعة في الرجال ... أسائل هذا وذا ما الخبر
ولكنني بذي الأصغرين ... أقيس بما قد مضى ما عبر
وسباق قومي إلى المكرمات ... وجلاب خير ودفاع شر
قلت: وصورة المسألة كما ترى -فيمن قال إن كان في كمي دراهم أكثر من ثلاثة.
أما لو لم يقل: دراهم بل اقتصر على قوله إن كان في كمي أكثر من ثلاثة المسألة التي أشار إليها الأصحاب بقولهم فيمن قالت له زوجته: إنه يملك أكثر من مائة.
فقال: إن كنت أملك أكثر من مائة فأنت طالق؛ فكان يملك خمسين أنه إن كان مراده لا يملك زيادة عن المائة لا تطلق وإن إراد أنه يملك مائة بلا زيادة طلقت، وإن أطلق فالأصح لا تطلق.
وقالوا في باب الإقرار: لو قال لزيد علي أكثر من مال فلان يقبل تفسيره بأقل متمول وإن كثر مال فلان؛ لأنه يحتمل أنه أكثر لكونه حلال وهذا حرام أو نحوه، وسواء علم مال فلان أو لم يعلم.
وهذا المأخذ الذي انتزعه الشافعي ﵁ أخذه ابن سريج وغلط محمد ابن الحسن في قوله فيمن أوصى بمثل نصيب أحد ابنية الحائزين إلا ثلث جميع المال: أن الوصية باطلة لأنها الخارج علن الثلث.
стр. 797
وقال أبو العباس: بل هي صحيحة، وهي بالقدر الزائد من نصيب أحدهما عن ثلث الأصل".
وهذا يشبه مأخذ الشافعي ﵁ لأنه جعل قوله: - إلا ثلث جميع المال قيدًا في مثل النصيب يعني مثل النصيب خارجًا [منه] ١ مثل ثلث الأصل كما جعل الشافعي ﵁ دراهم قيدًا في الزائد عن ثلاثة.
قال ابن سريج: والمسألة تصح من تسعة -لكل ابن أربعة وللموصي له سهم واحد.
قلت: ويمكن أن يقال: هو استثناء مستغرق وكأنه استثنى ثلثًا من ثلث فيصبح من ثلاثة لكل واحد سهم [والله سبحانه] ٢ وتعالى أعلم.
مسألة:
روي عن الشافعي ﵁ أنه سئل عن امرأة في فمها لقمة قال زوجها: إن بلعتها فأنت طالق وإن أخرجتها فأنت طالق ما حيلته.
فقال: تبلغ نصفها وتخرج نصفها.
ذكره الرافعي في "الشرح" وهو منصوص نقله الحاكم نصًا عن أبي الوليد النيسابوري عن الحسن بن سفيان عن حرملة عن الشافعي ﵁.
مسألة:
رجل قال لصاحبه: إن بدأتك [بالكلام] ٣ فامرأتي طالق، فقال له صاحبه وإن بدأتك بالكلام فأمرأتي طالق كيف يصنع؟
الجواب: قيل إن أبا حنيفة ﵀ سئل عن ذلك فقال: اذهبا فعاشرًا زوجتيكما ولا حنث عليكما -أنه لما قال لك "إن بدأتك بالكلام"٤ فامرأتي طالق، شافهك بالكلام وانحلت اليمين.
قلت: وهذا ذكره أصحابنا أيضًا وزادوا -فيما نقله الرافعي عن الإمام أنه لو قال: إن بدأتك بالسلام فعبدي حر وقال الآخر نظريه وسلم كل واحد منهما على الآخر دفعة لم يعتق عبد واحد منهما وتنحل اليمين، فإذا سلم أحدهما على الآخر بعد ذلك لم يعتق واحد من عبديهما.
стр. 798
مسألة:
عن أبي يوسف القاضي قال: طلبني هارون الرشيد ليلًا فإذا هو جالس وعن يمينه عيسى بن جفر فقال: إن عند عيسى جارية وسألته أن يهبها لي فامتنع وسألته أن يبيعها فامتنع محتجًا بيمين حلفها -أن لا يبيعها ولا يهبها [ويتعذر] ١ عليه الحنث فيها فهل في ذلك من مخرج؟
فقلت نعم: يهب [لك] ٢ نصفها و [يبيعك] ٣ نصفها ففعل، فقال الرشيد أيها القاضي: بقيت واحدة إنها أمة ولا بد من استبرائها ولا بد لي أن أطأها في هذه الليلة فقلت له: اعتقها وتزوجها فإن الحرة لا تستبرأ ففعل ذلك.
مسألة: حكى أبو عبد اللهالبوشنجي عن ابن جابر قال: "رأيت في دمشق صنمًا من نحاس إذا عطش نزل فشرب".
وقد ذكرنا ذلك في كتابنا "طبقات الفقهاء" وقلنا أن البوشنجي كان يستمحن الطلبة ثم يحله لهم بأن الصنم لا يعطش ولو عطش لنزل فشرب.
قلت: لكن لفظ "إذا" ينازع في هذا، لأنه لا يدخل إلا على المحقق، ولعل العبارة "إن".
والحاصل: أن الممتنع إذا فرض جائزًا ترتب عليه جواز ممتنع آخر لأن ذلك قد يرى وقد ظرف القائل.
ولو أن ما بي من ضنا وصبابة ... على جمل لم يدخل النار كافر
ولو أن ما بي من صبابة بالجمل لضعف ورق بحيث صار يلج في سم الخياط ولو ولج في سم الخياط لدخل الكافر الجنة -على ما قال تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ ٤، ولو دخل الجنة لم يدخل النار فظهر أن ما بي من الحب لو كان بالجمل لم يدخل النار كافر.
مسألة:
رجل قال: أنا لا أرجو الجنة، ولا أخاف من النار وآكل الميتة والدم، وأصدق اليهود والنصارى، وأبغض الحق وأهرب من رحمة الله، وأشرب الخمر، وأشهد
стр. 799
بما لم أر وأحب الفتنة وأصلي بغير وضوء ولا تيمم، وأترك الغسل من الجنابة، وأقتل الناس، هل يكفر؟
الجواب: قيل أن أبا حنيفة سئل عن هذا فقال: لا يكفر.
أما قوله: "لا أرجو الجنة ولا أخاف النار" فيعني إنما أرجو وأخاف خالقهما.
وأراد "بالميتة والدم" الكبد والطحال والسمك والجراد.
وبقوله: أصدق اليهود والنصارى في قول كل منهم: إن أصحابه ليسوا على شيء كما قال تعالى حكاية عنهم:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ١.
والهروب من رحمة الله فرار من المطر، والحق الذي يبغضه الموت لأنه حق ولكنا يكره الموت، ويشرب الخمر شربها في حال الاضطرار كما إذا غص بلقمة ولم يجد إلا الخمر.
ويحب الفتنة الأموال والأولاد على ما قال تعالى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ ٢.
وبالشهادة بما لم ير الشهادة بالله وملائكته وأنبيائه ورسله وهو الإيمان بالغيب وبالصلاة بغير وضوء ولا يتمم الصلاة على النبي ﷺ .
وبالناس الذين يقتلهم الكفار.
انتهى.
قلت: وكان في السؤال والجواب ما ينبغي تركه وتركته. وأقول: في إطلاق هذا القائل وجمعه بين هذه الأقوال المهمة ما ينبغي أن يعزر عليه ولا شك في تحريم إطلاق مثل هذا الكلام لاسيما بحضرة من لا يفهم هذه الدقائق.
[و] ٣ قد أفتى شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام بأنه لا يجوز إيراد الإشكالات القوية بحضرة العوام، لأنه سبب إلى إضلالهم وتشكيكهم.
стр. 800
قال: وكذلك لا يتفوه بهذه العلوم الدقيقية عند من يقصر فهمه عنها فيؤدي ذلك إلى [ضلالته] ١.
مسألة:
رجل قال لامرأته: حالفًا بالطلاق: كل ما تقولين لي في هذا المجلس أقول لك فيه مثله فقالت له أنت طالق فما حيلته؟
الجواب: هذه المسألة اتفقت في زمان الإمام الكبير محمد بن جرير الطبري في حدود الثلاثمائة فأفتى بأنه يقول لها: أنت طالق ثلاثًا إن طلقتك، أي يعلق طلاقها إيتاء بمثل صيغتها على شرط -والمسألة تدور في الوجود نيف وأربعمائة سنة.
وذكر أبو حاتم القزويني في كتاب "الحيل" أنه يقول لها: أنت تقولين لي أنت طالق وتبعه الرافعي في "الشرح " وذكر الجرجاني في "المعاياة" أنه يقول لها: أنت طالق إن شاء الله.
وكل واحد من هذه الطرق سائغ، وقد رأيت في بعض المجاميع أن المسألة اتفقت بمصر في زمان القاضي شرف الدين بن عين الدولة فقال للزوج: خذ بعقيصتها وقل لها: أنت طالق إن وكلتك إلى نيتك وقد خلصت من ذلك.
فإن قلت لم لا يقول لها أنت طالق: بفتح التاء كما قالت له ثم لا يقع طلاق لأنه خاطب المؤنث بخطاب المذكر.
قلت كذا قال ابن عقيل [من] ٢ الحنابلة وقد يقال: إن أصول أصحابنا تأباه، لأنهم ذكروا في العتق والقذف أن العدول عن التأنيث إلى التذكير لا يمنع الوقوع.
وصرح الغزالي في "الفتاوي" بنظيره في النكاح لكني أقول: لعل هذا فيما [إذا أطلق اللفظ] ٣ إطلاقًا، أما إذا ذكر في موضع التأنيث أو عكس قاصدًا حكاية قول غيره فهو قصد مخرج للفظ عن صراحته معتضد بالقرينة السابقة القاضية بأن مراده حاية القول فقط وكان هذا لم يقصد لفظ الطلاق بل قصده لمعنى حكاية قول غيره.
стр. 801
مسألة:
سئل القفال عن بالغ عاقل مسلم هتك حرزًا وسرق منه نصابًا لا شبهة له فيه ولا قطع عليه.
فأجاب أنه دخل فلم يجد في الدار شيئًا؛ فقعد في دن فجاء صاحب الدار بمال ووضعه، فخرج السارق وأخذ وخرج؛ فلا قطع، لأن المال حصل بعد هتك الحرز.
مسألة:
سئل القاضي أبو الطيب ﵀ وروي عنه.
أني عجبت لامرأة ما طلقت ... في طول ما عاشت من الأعوام
إلا طلاقًا بائنًا من واحد ... وحوت من الصدقات والأقسام
مهرا ونصفًا ثم مهرًا كل ذا ... حازته في يوم من الأيام
من غير أن تعتد يومًا عدة ... فأعجب لهذا الحكم في الأحكام
فأجاب:
لا تعجبوا منه فإن بيانه ... سهل على الفقهاء بالأحكام
رجل تزوج ثم طلق بعده ... قبل الدخول بما صدر حسام
وأصابها من بعد ذاك بشبهة ... دخلت عليه وظن غير حرام
فأعاد خطبتها وطيب نفسها ... فاستأنفا عقدًا على الإتمام
وجبت عليه عدة فأزالها ... عقد يصح له بغير أثام
في بعض يوم كان هذا كله ... والمال أقبضها بغير خصام
نصفًا ومهرًا ثم مهرًا كلهاد ... سلمت لها عفوًا بلا إبرام
فازت كما قال الفقيه بسعده ... في يومها لشريعة الإسلام
وبه أقول واستحق ثوابه ... أجرين منصوصين للحكام
مسألة: رجل قال لامرأته إن لم يكن الشافعي أفضل من أبي حنيفة فأنت طالق.
فقال آخر: إن لم يكن أبو حنيفة أفضل فامرأتي طالق فمن الذي تطلق امرأته.
الجواب: قيل: لا تطلق امرأة واحد منهما، لأن الأمر في ذلك ظني والأصل بقاء النكاح.
وقال القفال: لا نجيب في هذه المسألة -كذا نقله الرافعي ونجيب بالنون والجيم.
стр. 802
وهذا من محاسن القفال؛ فإن الدخول بين أئمة الدين والتفضيل بينهم لمن لم يبلغ رتبتهم لا يحسن، ويخشى من غائلته في الدنيا والآخرة، وقل استعمله فأفلح.
ولا يخفى أن القفال يعتقد رجحان الشافعي؛ ولكنه ليس أمرًا ينبغي له ذكره وإشاعته، وأنه آيل إلى التعصب المذموم، وربما كان سببًا إلى الوقيعة في العلماء الموجبة لخراب الديار.
وربما عارض حنفي شافعيًا بمثل مقالته فانتهى إلى الوقيعة في الشافعي وأهل مذهبه، وكان ذلك سبب هلاكه؛ فإن أهل العلم بالتجارب ذكروا أن من خواص الشافعي ﵀ من بين الأئمة أن من تعرض إليه أو إلى أهل مذهبه بسوء أو تنقيص هلك قريبًا، وأخذوا ذلك في قوله ﷺ : "من أهان قريشًا أهانه الله" قالوا: وليس في الأئمة المتبوعين في الفروع قرشي غيره.
وذلك قوله ﷺ : "هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه".
وغير ذلك من الأحاديث وغيرها.
فلعل القفال ﵀ أراد بهذا الباب خشية الوقوع في المحذور؛ وإلا فقد ذكر البغوي في الفتاوي التي جمعها عن شيخه القاضي الحسين: سئل عن شافعي حلف بالطلاق أن من صلى ولم يقرأ الفاتحة لم يسقط فرض الصلاة عنه، وحنفيًا حلف أنه يسقط.
فأجاب: نقول في هذه المسألة ما يقولون في شافعي اقتصد ولم يتوضأ وصلى ثم حلف بطلاق زوجته أن الفرض سقط عنه -كل ما يقولون هناك فنحن به هنا قائلون- وإلا فالاعتقاد أن يحكم بوقوع الطلاق على زوجة الحنفي "انتهى".
وقوله: يقولون في هذه المسألة ما يقولون في كذا "هو نظير قول القفال ثم أفصح آخر بالمعتقد".
مسألة:
مسلم قال: إن لم أكن من أهل الجنة فأنت طالق.
الجواب: وقعت هذه لهارون الرشيد.
فاحتجبت عنه زوجته فاستفتت علماء عصره؛ فقالوا: لا يقع الطلاق عليك فأبت
стр. 803
زوجته أن تسمع إلا فتيا الليث بن سعد؛ فاستحضره من مصر إلى العراق، فقال: يا أمير المؤمنين: هل هممت بمعصة فذكرت الله وختفه وتركتها؟ قال: نعم فقال يا أمير المؤمنين: ليس لك جنة واحدة؛ بل جنتان قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ١.
والمسألة مشار إليها في شرح الرافعي؛ إذ في فروع الطلاق أنها لو قالت لزوجها أنت من أهل النار فقال: إن كنت من أهل النار فأنت طالق لم يحكم بوقوع الطلاق إن كان الزوج مسلمًا؛ لأنه من أهل الجنة ظاهرًا.
مسألة:
وقع حجر من سطح فقال الزوج: إن لم تخبريني الساعة من رماه فأنت طالق وهي لا تدري من رماه، كيف الخلاص؟
الجواب: قال القاضي الحسين: تقول: رماه مخلوق ولا تطلق قال: فإن قالت: رماه آدمي طلقت لجواز أن يكون رماه كلب أو ريح كذا نقله في الرافعي.
قلت: وقد لا يكون رماه مخلوق بل وقع بنفسه. بإرادة الله تعالى: فينبغي أن يقال: لا يتخلص إلا إذا قالت رماه الله، ولا يمنتنع إطلاق هذا اللفظ قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ولعل وقوعه بمجرد الإرادة القديمة بإذنه؛ فلم تحمل عليه الأحكام.
ثم أقول: ينبغي أن لا يخلص بكل تقدير إلا إذا لم يقصد التعيين والتعريف؛ فقد قال الأصحاب فيما إذا قال: إن لم تخبريني بعدد حبات هذه الرمانة فأنت طالق: أنها تتخلص بأن تبتدئ من عدد مستيقن أن الحبات لا تنقص عنه، وتذكر الأعداد بعدة متوالية بأن تقول: وواحدة هكذا إلى أن تنتهي إلى عدد تستيقن أن الحال لا يزيد عليه -فتكون مخبرة عن ذلك العدد.
ثم قالوا: وهذا إذا لم يقصد التعيين والتعريف؛ وإلا فلا يحصل.
ثم أقول: كل هذا بناء على الخبر شرطه الصدق، وليس كذلك فالخبر ينقسم إلى صدق وكذب؛ فلم لا يكتفي بقولها: رماه فلان -وإن كانت كاذبة كما قال الأصحاب في "من أخبرني بقدوم فلان فهي طالق وأخبرته وهي كاذبة تطلق" ذكره في التنبيه وغيره.
فإن قيل: المقصود التعيين والتعريف ومع الكذب لا يتأتى.
стр. 804
قلنا: ينبغي أن لا يلتقي بمثل: "رماه مخولق" كما ذكرناه.
إيفاء جميع ما ذكرنا "يجري فيما إذا قال إن لم تخبريني هل سرقت؟ فأنت طالق.
فإن أصحابنا قالوا: نقول سرقت ما سرقت، وهذا إذا لم يقصد التعيين والتعريف.
وحكى الصيمري في كتاب "أدب الفتيا" أن المنصور حلف على خادمه ليصدقنه عن حال جوهرة فقدها وإلا ضرب عنقه فاستفتى أبا حنيفة، فقال يخبره الخادم بأنه أخذها وبأنه ما أخذها فيكون قد صدق لا محالة.
قلت: قد يقال في هذا أنه صدق ولا يقال: أخبره ثم يستشكل ويقال الصدق أخص من الخبر فكيف يثبت الأخص ولا يثبت الأعم.
وحكى الصيمري أيضًا ان امرأة بدوية لقيها بعض فقهاء الشافعية فقالت: إن زوجي أسر إلى رجل من أهل الحي سرًا فأبداه إلي فأخبرته، فحلف أن أخبره بالذي أخبرني، فعلمت أني إن أخبرته بذلك قلته، فجمعت أهل الحي عن آخرهم - والذي أخبرني في جملتهم- فقلت: أخبرني هذا أخبرني هذا حتى أتين على جميعهم، أيخرج من يمينه؟ فقال: لها نعم.
ومثله حكي عن أبي حنيفة ﵁ في رجل وزوجته أكلا رطبًا وألقيا النوى في طست بحضرتهما، ثم حلف بالطلاق لتخبرنه بعدد ما أكل من الرطب، قال: فالمخرج من ذلك أن تقول: أكلت رطبة، أكلت رطبتين، وهكذا إلى أن تنتهي إلى القطع بالعدد المأكول.
قلت: وكل هذا ذكره أصحابنا، والأمر فيه على ما وصفت، وبه يتضح تقييد كلام الجدليين؛ حيث قالوا -ومنهم الرقاني في تهذيب اسم الجدل في باب المغالطات:
"إن الرجل إذا قال لزوجته التي خرجت] لغرض فاسد:
إن لم تصدقيني في الخبر عما خرجت إليه فأنت طالق، فتقول الزوجة: ما هذا التشديد وسوء الظن! ومن أين لك التحكم علي مع تقصيرك في حقي! خرجت للزنا وزيارة الشباب ومعاشرة المفسدين سآمة١ منك وفرارًا عنك؟! ما هذه التهمة وعلى ماذا خرجت! إن خرجت إلا لزيارة أخت لي.
стр. 805
قالوا: فلا يقع طلاق، لأنها أخبرته بما خرجت إليه من الزنا، وصدقته وإن أوهمته بدلالة اللسان وكثرة التشعيث أنها إنما خرجت لزيارة أخت لها؛ فهذه من حيل النساء.
لكن إذا كان القصد التعيين والتعريف فأقول: لا ينجيها هذا. والله أعلم.
مسألة:
إذا قال: له علي اثنا عشر درهمًا ودانقًا -بالنصب في دانق- ما يلزمه؟ وما الذي يلزمه عند الرفع والخفض؟
الجواب: "قال صاحب التتتمة: يلزمه بالرفع والخفض اثنا عشر درهمًا وزيادة دانق واحد، ويكون الدانق معروفًا على الاثني عشر".
قلت: والعطف في الخفض غير متضح إلا أنه يغتفر اللحن.
قال: "وفي النصب إذا فسر كلامه بثمانية إلا دانقًا يقبل تفسيره ولا يلزمه الزيادة.
قال: وإنما قلنا ذلك؛ لأن قوله: ودانقًا يجوز أن يكون عطفًا وأن يكون تفسيرًا؛ فإذا كان عطفًا اقتضى وجوب زيادة على الانثي عشر من الدراهم والدوانيق، وغاية ما ينطلق عليه اسم الدوانيق خمسة؛ لأن ما زاد عليه يسمى درهمًان فيجعل خمسة من العدد دوانيق ويبقى سبعة دراهم، فيكون المبلغ ثمانية إلا دانقًا، فهذا التقرير يقين، وما زاد مشكوك فلا يلزمه بالشك شيء" انتهى.
وقوله: "إن ما زاد على خمسة دوانيق يسمى درهمًا" يعني في العرف ستة دوانيق بكل درهم هذا شأن لغة العرب لأن درهمًا أخصر من قولك: ستة دوانيق، والاختصار مع البيان شأن العرب.
قلت: ويؤيد هذا قول أصحابنا: لو باع بنصف وثلث وسدس دينار لم يلزمه دينار صحيح، بل له دفع شق من كل وزن؛ فهذا ما وجدته -من كلام الأصحاب- مؤيدًا لصاحب التتمة وإن كان الوالد ﵀ ذكر في "شرح المنهاج" في مسألة البيع: إن هذا إذا صرح بالدينار المضاف في الجميع أما إذا حذفه كما في الصورة المذكورة فيلزمه دينار.
قلت: وهذا وإن خالف إطلاق الأصحاب يشهد له نظيره من الطلاق إذا قال: أنت طالق نصف وثلث طلقة لا يقع إلا طلقة واحدة، ولو كرر لفظ طلقة تكرر لفظ الطلاق على الأصح.
стр. 806
مسألة:
إذا قال: قارضتك على أن لك سدس تسع عشر الريح هل يصح؟
الجواب: إن كان حيسويًا يفهم معناه في الحال [صح] ١.
وكذا إن لم يكن في الأصح؛ لأنه معلوم من الصيغة يسهل الاطلاع عليه وهو جزء من خمسمائة وأربعين جزوءًا قال الماوردي في "الحاوي": "غير أنا نستحب لهما أن لا يعدلا عن هذه العبارة الغامضة إلى ما يعرف عن البديهة من أول وهلة، لأن هذه العبارة قد توضع٢ للإخفاء والإغماض.
قال الشاعر:
لك الثلثان من قلبي ... وثلثا ثلثه الباقي
وثلثا ثلث ما يبقى ... وثلث الثلث للساقي
ويبقى أسهم ستة ... فتقسم بين عشاقي
فانظر إلى هذا الشاعر وبلاغته وتحسين عبارته، كيف أغمض كلامه، وقسم قلبه، وجعله مجزأ على أحد وثمانين جزءًا -هي مضروب ثلاثة في ثلاثة ليصح منها مخرج ثلث الثلث، فجعل لمن خاطبه أربعة وسبعين جزءًا من قلبه، وجعل للساقي جزءًا، وبقي ستة أجزاء ففرقها فيمن يجب.
وليس للإغماض فيعقود المعاوضات [وجه] ٣ يرضي ولا حال يستحب؛ غير أن العقد لا يخرج عنه به عن حكم الصحة إلى الفساد، ولا عن حال الجواز إلى المنع، لأنه قد يؤول منهما إلى العلم، ولا يجهل عند الحكم".
انتهى كلام الماوردي وقوله: "جزأ قلبه على أحد وثمانين جزءًا" وجهه ظاهر، وقد أعطاه في الأول ستة وخمسين -وهي ثلثا القدر المذكور ثم ثلثي الثلث الثالث الباقي للساقي، وستة مقسومة.
وقوله: ليس [في الأغماض] ٤ في المعاوضات حال يرضي -فممنوع؛ فقد يقصد المتعاقدان إخفاء ما يتعاقدان عليه عن سامعه لغرض ما. ونظير هذه الأبيات ما كان الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ينشده فيقول:
أنت خلاف بخلاف الذي ... فيه خلاف بخلاف الجميل
стр. 807
وغير ما أنت سوى غيره غيـ ... ـر سوى غيرك غير البخيل
مسألة:
رجل فاتته صلاة يومين وليلتين فصلى عشر صلوات -واحدة بعد أخرى- على ترتيب الخمس؛ فلما فرغ من جميعها قال: أعلم أني تركت سجدة من إحدى هذه الصلوات، [فلا] ٢ أدري من أبيها، وقد وقع بين كلا صلاتين [منهما] ٣ فصل طويل؟
الجواب: قيل يلزمه إعادة يوم وليلة.
قال أبو عبد الله القطان في "المطارحات": "والصحيح أنه يلزمه إعادة صلاة واحدة من هذه العشر -أيها شاء- فإذا أعادها سقطت البواقي، وهذا؛ لأن الصحيح أن من شك -بعد الفراغ من الصلاة- في ترك شيء منها لا يلزمه إعادته ما لم يتيقن وجوب الإعادة؛ فإذا أعاد صلاة واحدة صار شاكًا في وجوب إعادة البواقي إذا السجدة المتروكة [سجدة] ٤ واحدة ويستحيل أن يكون تركها من صلاتين أو ثلاث صلوات فوجب إعادة واحدة بيقين فإذا أعادها دخل الشك في وجوب البواقي فلم يجب ويفارق هذا تارك واحدة من الخمس، فلا يكفي الاقتصار على واحدة، بل يلزمه الخمس؛ لأنه إذا صلى واحدة احتمل أن يكون المتروك غيرها؛ فلا بد له من الخمس صلوات حتى يستيقن استدراك المتروكة منها؛ لأنه يشك في الفعل، والأصل أنه لم يفعل، فعليه فعلها، وهذا الشك واقع في كل صلاة فاحتاج إلى إزالة الشك باليقين، وذلك لا يكون إلا بفعلها، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن الشك في وجوب إعادة ما قد فعل لا في ابتداء الفعل.
وقد فرق٥ الشافعي ﵁ بين الشك في الفعل والشك بعده، فلم يوجب إعادة المفعول بعد الشك.
ووجه الفرق أن أحدهما يؤدي إلى المشقة -وهو الشك بعد الفعل- فإن المصلي لو كلف أن يكون ذاكرًا لما صلى تعذر ذلك عليه ولم يطقه أحد من الناس، وإن لم يقع بين الصلوات إلا فعل يسير، فعلى الوجه الأول يلزمه إعادة صلوات يوم وليلة، وعلى الثاني يلزمه إعادة صلاتين متواليتين -فإما أن يعيد الفجر والظهر أو الظهر والعصر أو العصر والمغرب أو المغرب والعشاء -
стр. 808
لأنه إذا لم يفصل بين الصلاتين المتواليتين فصلًا طويلًا فإحرامه [بالثانية] ١ لا يصح صرفه إلى الأولى؛ لأنه قد غير النية إلى صلاة أخرى، وما يفعله بنية الظهر لا ينوب عن الفجر؛ فلهذا أوجبنا عليه إعادة صلاتين متواليتين، ثم لا [نوجب] ٢ عليه إعادة البواقي من هذه الصلوات؛ لأنه على غير يقين من وجوب الإعادة.
قلت: وهذا الذي ذكره ابن القطان حسن، وحاصله: الفرق بين الشك بعد الفعل والشك فيالفعل.
مسألة:
سئل بعض المتقدمين بهذين البيتين:
أتعرف من قد باع في مهر أمه ... أباه فوفاها بحق صداقها
وكانت قديمًا أشهدت كل من رأت ... بأن أباها قد أبت طلاقها
فأجاب:
إذا أنت عقدت المسائل ملغزًا ... أتتك جوابات [تحل] ٣ وثاقها
تزوج عبد حرة أنجبت هل ... فتى وأبوه قد أبان فراقها
فأنكحها مولاه من بعد رغبة ... لما قد رأى فيها وأساء صداقها
فوكلت ابن العبد في قبض مهرها ... وفلس مولاه وأبدى اعتياقها
فباع الغلام العبد بالحكم إذا رأى ... هوى أمه فيبيعه واعتياقها
وشرحه:
أن امرأة "حرة" تزوجت عبدًا أولدها ابنًا ثم طلقها، فنكحها مولاه بصداق مسمى؛ فوكلت ابنها من العبد في قبض مهرها من المولى، وفلس المولى، وبيع العبد في الواجب لها من مهر المثل، فوكلت ابنها في بيعه لاستيفاء صداقها. كذا صور هذا الناظم، ولا يحتاج إلى توسط الفلس؛ بل لو عوض الزوج الزوجة العبد الذي كان زوجًا لها -جاز؛ ثم إن لها أن توكل ابنه هو ابنها منه ببيعه.
مسألة:
رجل مات عن زوجة فلم ترثه بغير مانع من الموانع المذكورة في الإرث.
الجواب: صور بعض المتقدمين هذا فيمن أعتق أمته في مرض موته ثم تزوجها
стр. 809
وكانت ثلث ماله عند موته؛ فليس لها طلب المهر؛ لأنه يوجب رد عتقها، فإن عتقها وصية لها، فلا ميراث لها ولا صداق، فطلب المهر يؤدي إلى إبطال المهر.
قلت: ولا يحتاج إلى التقييد بكونها ثلث ماله، فإنها لا ترث وإن خرجت من الثلث -كما صرح به الأصحاب في كتاب النكاح في مسائل الدور- وقالوا: لأن عتقها وصية، والوصية والإرث لا يجتمعان، وإنما نحتاج إلى التقييد بالثلث بالنسبة إلى نفوذ العتق وثبوت المهر.
مسألة:
روى الخطيب في ترجمة الكسائي من تاريخ بغداد أنه كتب إلى محمد بن الحسن.
فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن ... وإن تحرقي يا هند فالحرق أشأم
وأنت طلاق والطلاق عزيمة ... ثلاث ومن يحرق أحق وأظلم
وبعض الناس يحكي أن هارون [الرشيد] ١ كتب إلى القاضي أبي يوسف بهذين البيتين وسأله -ماذا يلزمه إذا رفع ثلاثًا، وما يلزمه إذا نصب- وأن أبا يوسف سأل الكسائي فقال: يلزمه بالرفع واحدة، لأنه قال: أنت طالق، ثم أخبر أن الطلاق التام [ثلاث] ٢، وبالنصب ثلاث؛ لأن معناه: أنت طالق ثلاثًا. وما بينهما جملة معترضة" وقد اعترض على الكسائي بأنه لا يتعين على النصب وقوع الثلاث؛ لجواز أن يكون "ثلاثًا" حالًا من الضمير المستتر في عزيمة إذا كان ثلاثًا.
ولا على الرفع الاقتصار على واحدة؛ بل يحتمل وقوع الثلاث وجعل "ألـ" في قوله: "والطلاق للعهد" -أي وهذا الطلاق المذكور عزيمة.
قلت: قال شيخنا أخي الإمام شيخ الإسلام الشيخ بهاء الدين أبو حامد أحمد السبكي أطال الله عمره في شرحه لعى التلخيص: "بل هذا هو الظاهر؛ لكون النكرة أعيدت معرفة فتكون هي الأولى كما قرره علماء البيان، ويؤيده أن الشاعر إنما أراد الثلاث؛ لقوله -بعد.
فبيني بها إن كنت غير رقيقة ... وما لام بعد الثلاث مقدم
стр. 810
قلت: الصحيح أن قوله: "أنت طالق" كناية؛ فلا يقع واحدة ولا أكثر -سواء رفع ثلاثًا أم نصب- إلا بالنية، ومع النية لا يحتاج البحث عن النصب والرفع.
مسألة:
رجل خرج إلى السوق وترك امرأته في البيت ثم رجع فوجد عندها رجلًا فقال: من هذا؟
قالت: هذا زوجي، وأنت عبدي، وقد بعتك له.
الجواب: هذا عبد زوجه سيده بابنته ودخل العبد بها ثم مات السيد ووقعت الفرقة لأنها ملكت زوجها بالإرث، وإذا ملكت المرأة زوجها انفسخ النكاح، ثم أنها كانت حاملًا فولدت فانقضت العدة، فتزوجت وباعت ذلك الزوج؛ لأنه صار عبدها.
مسألة:
ثلاثة تداعوا وتساووا في الحجة، فقبلت حجة أحدهم وأسقطت الحجتان، وحصل لأحد اللذين سقطت حجتهما مقصوده الذي كان يدعي به، ولما حصل من قبلت حجته على مقصوده بل على ضده.
الجواب: هؤلاء رجلان وامرأة ادعى أحد الرجلين أن المرأة مملوكته، وادعى الآخر أنها زوجته، وادعت هي أنهما عبداها، وأقام كل ببينته.
[فمدعي] ١ الزوجية يكون مملوكًا لها وتسقط البينتان؛ لأن بينة المرأة مع بينة مدعي الملك. متنافيان فسقطا. والذي ادعى التزويج بينته لا تنافي بينة المرأة إلا أن النكاح يبطل؛ لأن الملك يبطل التزويج إذا تقدمه التزويج وبعد الملك لا يصح التزويج.
فإن قلت: كيف صورة المسألة؟
قلت: صورتها أن حرًا تزوج بأمة فيولدها بنتًا تكون مملوكة لمالك أمها، ثم يشتري الرجل عبدين ويأذن لهما في التجارة والتزوج، ويقول من يشتري منكما ابنتي فهو [حر] ٢ فجاء أحد العبدين ببنت مولاه ولم يعلم أنها ابنته، وجاء الآخر فاشتراها ولم يعلم أنها ابنته، ومات أبوها وعلمت بموته، وبأن زوجها وسيدها [عبدان لأبيها] ٣ وقد ورثتهما، ولم يعلم العبدان بذلك، فقد عتقت البنت بنفس الشراء، وعتق مشتريها أيضًا