بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة:
الحمد لله وحمده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن نحا نحوه، وبعد:
فإن علم القراءات من أَجَلِّ العلم قدرًا، وأشرفها منزلة، وأرفعها مكانة؛ لتعلقه بكتاب الله ، وكلامه المبين.
وقد سخر الله أفذاذًا من علماء الأمة الإسلامية منذ فجر الإسلام لخدمة كتابه العزيز؛ فقاموا -بإذن الله تعالى وتوفيق منه- خير قيام بدراسة كل ما يتعلق بالفرقان الحميد.
فتخصص رجال من العباقرة في علوم القراءات، وأفنوا أعمارهم في خدمتها: تعليمًا وتأليفًا، وتهذيبًا وتلخيصًا. والمكتبات الإسلامية والعالمية مليئة بآثارهم العلمية، وخير شاهد على خدماتهم القرآنية الجليلة.
ولما كان لا بُدَّ لطالب علوم الدين من أن يتثقف بثقافة إسلامية، وأن تكون لديه خلفية كافية واطلاع شامل على كل ما يتعلق بالقرآن المجيد من علوم ودراسات، قررت جامعة أم
стр. 2
القرى بمكة المشرفة تدريس مادة "المدخل لعلم القراءات" على طلاب وطالبات كلية "الدعوة وأصول الدين" بجميع أقسامها، وبعض أقسام كلية "اللغة العربية"، وأسندت وتدريسها إلى "قسم القراءات" بكلية الدعوة وأصول الدين.
وقد تشرفتُ بتدريس تلك المادة منذ الفصل الثاني لعام ١٤٠٨هـ، ولما كان القسم المذكور قد وُضع من قبله منهج خاص لتلك المادة، ولم أجد مؤلَّفًا يحيط بنقاط المنهج المذكور ويشمل جميع مباحثه، قمت -بفضل الله تعالى وتوفيق منه- بجمع معلومات من شتى الكتب في القراءات، فنقبت في كتب المتقدمين، وورقت مؤلَّفات المعاصرين، وحاولت -بقدر استطاعتي- تهذيب ما جمعته من المادة العلمية وتلخيصه، وسعيت في ترتيبه ترتيبًا علميًّا للتناسق في المعلومات والترابط بينها؛ ليسهل على طلاب العلم الاستفادة منها، وإن كنت قد راعيت نقاط منهج القسم غير أنني لم ألتزم بترتيبه، كما أنني زدت عليها معلومات هامة ومفيدة لا بُدَّ لدارس هذه المادة من الاطلاع عليها، وأقول كما قال الإمام الشاطبي ﵀ في منظومته:
وألفافها زادت بنشر فوائد ... فلفت حياءً وجهها أن تفضلا
ولما أصبحت تلك المعلومات مادة علمية، وقد قمت
стр. 3
بتدريسها، وقدمت بعض مباحثها لطلبة العلم -على إلحاح منهم- للاستفادة منها، اقترح عليَّ غالبية الشباب طبعها ليعم النفع بها؛ إلا أنني كنت أحجم عن ذلك وأعتذر؛ ولكن زاد الإلحاح من أغلب النجباء في كل فصل من الفصول الدراسية، فاستخرت الله في ذلك حتى شرح الله صدري، فهأنذا أُقْدم على نشرها وأقدمها لطبعها، وسميتها: "صفحات في علوم القراءات".
وليس لي فيها غير الجمع والتهذيب، والتبويب والترتيب، وحاولت الاختصار في كل الموضوعات؛ ليسهل على طلاب العلم الاستفادة منها.
فإن كنت قد وفقت فيما رُمت فهو بتوفيق من البارئ ﵎ وفضل منه، وإن كان غير ذلك فهو من نفسي ومن الشيطان الرجيم.
وأقول هنا كذلك كما قال الإمام الشاطبي -رحمه الله تعالى- في قصيدته:
أقول لحر والمروءة مرؤها ... لإخوته المرآة ذو النور مكحلا
أخي أيها المجتاز نظمي ببابه ... ينادى عليه كاسد السوق أجملا
стр. 4
وظن به خيرًا وسامح نسيجه ... بالإغضاء والحسنى وإن كان هلهلا
وسلم لإحدى الحسنيين إصابة ... والأخرى اجتهاد رام صوبًا فأمحلا
وإن كان خرق فادركه بفضله ... من الحلم وليصلحه من جاد مقولا
وقل صادقًا لولا الوئام وروحه ... لطاح الأنام الكل في الخلف والقلا
وعش سالمًا صدرًا وعن غيبة فغب ... تحضر حظار القدس أنقى مغسلا١
هذا، وأسأل الله أن يجعلها في ميزان حسناتي، وأن يزرقني الإخلاص في القول والعمل.
وناديت اللهم يا خير سامع ... أعذني من التسميع قولًا ومفعلًا٢
وأقول كما قال إمام القراء سبط الخياط رحمه الله تعالى "ت٥٤١هـ":
стр. 5
كتبت علومًا ثم أيقنت أنني ... سأبلى ويبقى ما كتبت من العلم
فإن كنت عند الله فيها مخلصًا ... فذاك لعمر الله قصدي في الحكم
وإن كانت الأخرى فبالله فاسألوا ... إليه غفرانًا من الذنب والجرم١
هذا، وصلى الله تعالى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أبو طاهر السندي
مكة المكرمة
مساء الاثنين
١٨/ ٤/ ١٤١٤هـ
стр. 6
عرض موجز لموضوعات الكتاب:
وفيما يلي عرض موجز للموضوعات التي تعرضت لمعالجتها في الصفحات التالية:
وقد قسمتها إلى خمسة فصول رئيسية؛ وهي:
الفصل الأول: تعريف القراءات وتأريخها.
الفصل الثاني: رسم المصحف العثماني.
الفصل الثالث: الترتيل وبيان ركنيه.
الفصل الرابع: توجيه القراءات.
الفصل الخامس: تراجم القراء.
ويشتمل كل فصل منها على مباحث تفصيلية؛ وهي كالآتي:
الفصل الأول:
المبحث الأول: تعريف القراءات وتأريخها.
المبحث الثاني: أركان القراءة الصحيحة.
المبحث الثالث: القراءات الشاذة.
المبحث الرابع: حول حديث نزول القرآن الكريم على الأحرف السبعة.
المبحث الخامس: أوجه اختلاف القراءات.
المبحث السادس: الحِكَم والفوائد في اختلاف القراءات.
المبحث السابع: معالجة بعض الشبهات حول القراءات.
стр. 7
الفصل الثاني:
المبحث الأول: تعريف الرسم وأقسامه وقواعده وفوائده.
المبحث الثاني: حُكْم الالتزام بالرسم العثماني.
الفصل الثالث:
المبحث الأول: مفهوم كلمة "الترتيل" لغة واصطلاحًا.
المبحث الثاني: شرح الركن الأول: التجويد.
المبحث الثالث: شرح الركن الثاني: الوقف.
الفصل الرابع:
المبحث الأول: التعريف بعلم الاحتجاج وتأريخه.
المبحث الثاني: صور الاحتجاج للقراءات.
الفصل الخامس:
المبحث الأول: تراجم قراء القراءات المتواترة.
المبحث الثاني: تراجم قراء القراءات الشاذة.
المبحث الثالث: تراجم لبعض أعلام القراء.
стр. 8
الفصل الأول: تعريف القراءات وتأريخها
المبحث الأول: تعريف القراءات لغة واصطلاحا
مدخل
...
الفصل الأول: تعريف القراءات وتأريخها
المبحث الأول: تعريف القراءات لغة واصطلاحا
تعريف القراءات:
القراءات لغة: جمع قراءة، وهي مصدر قرأ قراءة وقرآنًا بمعنى: تلا تلاوة، وهي في الأصل بمعنى الجمع والضم، تقول: قرأتُ الماءَ في الحوض أي: جمعته فيه، وسمي "القرآن" قرآنًا؛ لأنه يجمع الآيات والسور ويضم بعضها إلى بعض١.
واصطلاحًا: عرَّفها القراء بتعاريف متعددة ومختلفة، ولعل تعريف الإمام ابن الجزري لها من أحسن التعاريف جمعًا وشمولًا، فقد عرفها ﵀ بقوله:
"علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة"٢.
وعرفها الشيخ عبد الفتاح القاضي ﵀ بقوله:
"هو علم يُعرف به كيفية النطق بالكلمات القرآنية، وطريق أدائها اتفاقًا واختلافًا مع عزو كل وجه لناقله"٣.
стр. 9
موضوع علم القراءات:
دراسة ما نقل من الخلاف الأصولي والفرشي من أئمة القراءات بأسانيد متصلة ومتواترة إلى الرسول ﷺ في الكلمات القرآنية؛ من حيث أحوال النطق بها وكيفية أدائها.
وما دام أن "القراءة سنة متبعة"١ -كما أثر ذلك عن أكثر من صحابي- فيعني ذلك أن القراءات هي ما نقل من ألفاظ القرآن الكريم من الرسول ﷺ تلاوة أو تقريرًا٢.
стр. 10
توضيح بعض المصطلحات القرائية
...
توضيح بعض المصطلحات القرآنية:
من الكلمات التي يكثر دورانها في كتب القراءات كلمة: القراءة، الرواية، الطريق، الوجه، الأصول، الفرش، وهي كلمات اصطلاحية في علم القراءات، وفيما يلي نعرف كل واحدة منها؛ ليتضح مدلولها ويتبين الفرق بينها:
١- القراءة:
كل خلاف نُسب إلى إمام من أئمة القراءات مما أجمع عليه الرواة عنه، نحو قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ١ فكلمة "مالك" تقرأ بحذف الألف، وهي قراءة أبي جعفر ونافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر حمزة، وتقرأ بإثبات الألف "مالك" وهي قراءة عاصم والكسائي ويعقوب وخلف العاشر، وما دام رواة هؤلاء الأئمة المذكورين لم يختلفوا مع بعضهم في نقل قراءة هذه الكلمة؛ فلأجل ذلك نسبت القراءة إلى شيخ كل واحد منهم، وعُبر عن الخلاف المذكور بكلمة "قراءة" فقيل: قراءة الإمام نافع، وقراءة الإمام عاصم ... وهكذا.
٢- الرواية:
كل خلاف نُسب إلى الآخذ عن إمام من أئمة القراءة ولو بواسطة، نحو: رواية الدوري عن أبي عمرو، بواسطة يحيى اليزيدي؛ لأن الدوري تلميذ يحيى،
стр. 11
ولم يأخذ القراءة عن أبي عمرو مباشرة، ويحيى تلميذ أبي عمرو؛ ولكن الدوري اشتهر برواية أبي عمرو.
ونحو: رواية هشام عن ابن عامر، ورواية حفص عن عاصم "بدون واسطة"؛ لأن كل واحد منهما تتلمذ على شيخه، وأخذ القراءة عنه مباشرة.
٣- الطريق: كل خلاف نسب إلى الآخذ عن الراوي وإن سفل، نحو: طريق الأصبهاني لرواية الإمام ورش، وطريق عبيد بن الصباح لرواية الإمام حفص ... ، مثلًا: الخلاف الواقع في إثبات البسملة بين سورتين أو حذفها وصلًا؛ فمن القراء من يثبتها، ومنهم من لا يثبتها، ومن الذين أثبتوها: نافع وابن كثير، وبما أن راويَيِّ ابن كثير لم يختلفا في إثباتها بين سورتين عن إمامهما؛ فلذلك يقال: قراءة ابن كثير، أما نافع: فقد اختلف رواياه في إثباتها عنه؛ ولكن الراوي الأول وهو: قالون، لم يتردد في إثباتها عنه أشهر من نقل روايته عنه؛ ولذلك يقال: رواية قالون، أما الراوي الثاني: وهو ورش، فاختلف في إثباتها عنه، وقد أثبتها الأصبهاني عنه؛ ولذلك يقال: طريق الأصبهاني عن ورش.
فإثبات البسملة بين سورتين وصلًا: قراءة الإمام ابن كثير، ورواية الإمام قالون عن نافع، وطريق
стр. 12
الأصبهاني عن ورش.
ونحو: فتح حرف الضاد من كلمة "ضعف" في سورة الروم١، فهو قراءة حمزة، ورواية شعبة، وطريق عبيد بن الصباح عن حفص.
وهذا هو الخلاف الواجب، وهو عين القراءات والروايات والطرق؛ بمعنى أن القارئ مُلزَم بالإتيان بجميعها، فلو أخل بشيء منها عُدَّ ذلك نقصًا في روايته٢.
وعلم من تعريف هذه المصطلحات الثلاثة أن لكل إمام: روايان، سواء أخذا القراءة عن الإمام مباشرة أو بواسطة، وأن لكل راوٍ: طريقان، سواء أخذا القراءة عن الراوي بواسطة واحدة أو بواسطتين أو أكثر، فإن نسب الخلاف إلى الإمام يقال: قراءة، وإن نسب إلى أحد راوييه يقال: رواية، وإن نسب إلى تلميذ الراوي أو من اشتهر بنقل روايته يقال: طريق.
٤- الوجه: هو ما يكون من قبيل الخلاف الجائز والمباح؛ كأوجه قراءة البسملة بين سورتين بالوصل أو الفصل، فمن قرأ بإثبات البسملة بين سورتين، فله أن يقرأ بأحد الأوجه الآتية؛ وهي:
стр. 13
١- وصل الكل.
٢- فصل الكل.
٣- وصل الثاني بالثالث، وهذه الأوجه الثلاثة جائزة.
٤- وصل الأول بالثاني، وهو ممنوع.
وكأوجه الوقف على المد العارض للسكون بالسكون المحض أو بالإشمام أو بالروم، وبالقصر أو بالتوسط أو بالطول، ففي حالة الوقف على الكلمة التي آخرها مفتوح مثل: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يجوز الوقف بالسكون المحض فقط؛ وعليه: القصر والتوسط والطول في حرف المد، وفي حالة الوقف على الكلمة التي آخرها مكسور أومجرور نحو: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ تكون الأوجه أربعة؛ وهي: الوقف بالسكون، وعليه أوجه المد الثلاثة، والرابع الروم مع القصر. أما في حالة الوقف على الكلمة التي آخرها مضموم أو مرفوع مثل: ﴿نَسْتَعِينُ﴾ تكون الأوجه سبعة؛ وهي: الوقف بالسكون المحض مع ثلاثة المد، أو الوقف بالإشمام وعليه ثلاثة المد، أو الوقف بالروم مع القصر، فبأي وجه وقف عليه أجزأه، ولا يعتبر ذلك نقصًا في روايته ولا تقصيرًا منه.
والأوجه الاختيارية لا يقال لها: قراءات، ولا روايات، ولا طرق؛ بل يقال لها: أوجه دراية فقط، والقارئ مخير في الإتيان بأي وجه منها، وغير مُلزَم بالإتيان
стр. 14
بها كلها، فلو أتى بوجه واحد منها أجزأه، كما سبق١.
٥- الأصول: جمع أصل، وهو لغة: عبارة عما يفتقر إليه ولا يفتقر هو إلى غيره، أو هو ما ينبني عليه غيره.
واصطلاحًا: كل حكم كلي جارٍ في كل ما تحقق فيه شرطه، فهي تطلق على الأحكام الكلية والخلافات المطردة التي تندرج تحتها الجزئيات المتماثلة؛ كصلة هاء الضمير، وصلة ميم الجمع، والمدود، وتسهيل الهمزات أو تغييرها، أو نقل حركة الهمزة إلى الساكن الصحيح قبلها ثم حذفها، والفتح والإمالة ... وما إلى ذلك.
والأصول الدائرة على اختلاف القراءات سبعة وثلاثون أصلًا٢.
٦- الفرش: مصدر فرش بمعنى: نشر وبسط.
واصطلاحًا: ما كان من خلاف غير مطرد في حروف القراءات مع عزو كل قراءة إلى صاحبها؛ كالخلاف في قراءة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ٣ حيث تقرأ كلمة "مالك" بحذف الألف وبإثباتها، وفي
стр. 15
قراءة: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ ١ حيث تقرأ كلمة "يخدعون" بفتح الياء وإسكان الخاء وفتح الدال على وزن يَفْعَلُون، وتقرأ بضم الياء وفتح الخاء وألف بعدها وكسر الدال "يخادعون" مثل الموضع الأول من باب "المفاعلة"، أو في قراءة قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ ٢ حيث تقرأ كلمة "فأزل" بحذف الألف بعد الزاء ومع تشديد اللام "فأزَلَّ"، وتقرأ بإثبات الألف بعد الزاء وتخفيف اللام: "فأزَالَ" ... وهكذا.
وسمي فرشًا لانتشار تلك الحروف والكلمات المختلَف فيها في سور القرآن الكريم، فكأنها انفرشت في السور أي: انتشرت٣.
وقد يقال لها: الفروع مقابلة للأصول، وقيل: سمي هذا النوع بالفرش تشبيهًا له بصغار الغنم المنتشرة على أرض فضاء هنا وهناك، أو تشبيهًا لها بصغار الشجر٤.
فالكلمات الفرشية هي الجزئيات التي يقع الخلاف في قراءتها، ولا يقاس عليها؛ كالخلاف الواقع في قراءة: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ في سورة البقرة؛ حيث تقرأ "يخدعون" وو"يخادعون" ولكن لا يقاس عليها ما جاء في سورة النساء من قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ ٥ لأن الخلاف وقع فيما هي في البقرة لا ما في النساء مع أن رسمهما واحد٦.
стр. 16
علاقة القراءات بالقرآن الكريم:
للعلماء في ذلك آراء ثلاثة:
١- يرى الإمام بدر الدين الزركشي "ت٧٩٤هـ" أنهما حقيقتان متغايرتان.
ودليله:
أن القرآن هو الوحي المنزَّل على محمد ﷺ للبيان والإعجاز.
والقراءات اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرهما.
ولا بُدَّ فيها من التلقي والمشافهة؛ لأن فيها أشياء لا تحكم إلا بالسماع والمشافهة١.
وقد تبعه في ذلك الإمام شهاب الدين القسطلاني "ت٩٢٣هـ" في كتابه "لطائف الإشارات لفنون القراءات"
стр. 17
١/ ١٧١، ١٧٢، والإمام شهاب الدين البنا الديماطي "ت١١١٧هـ" في كتابه "إتحاف فضلاء البشر" ١/ ٦٨، ٦٩.
٢- ويرى الدكتور محمد سالم محيسن: أنهما حقيقتان بمعنى واحد؛ لأن القرآن مصدر مرادف للقراءة، والقراءات جمع قراءة؛ إذن فهما حقيقتان بمعنى واحد، كما أن أحاديث نزول القرآن على الأحرف السبعة تدل دلالة واضحة على أنه لا فرق بينهما؛ إذ كل منهما وحي منزل١.
٣- ويرى الدكتور شعبان محمد إسماعيل: أنهما ليسا متغايرين تغايرًا تامًّا، كما أنهما ليسا متحدين اتحادًا كليًّا؛ بل بينهما ارتباط وثيق كارتباط الجزء بالكل.
وذلك لأن:
أ- القراءات لا تشتمل كلمات القرآن كله؛ بل توجد في بعض ألفاظه فقط.
ب- تعريف القراءات يشمل المتواترة والشاذة، وقد أجمعت الأمة على عدم قرآنية القراءات الشاذة٢.
ولعل هذا الذي يقصده الإمام الزركشي؛ حيث قال:
"ولست في هذا أنكر تداخل القرآن بالقراءات؛ إذ
стр. 18
لا بُدَّ أن يكون الارتباط بينهما وثيقًا، غير أن الاختلاف على الرغم من هذا يظل موجودًا بينهما؛ بمعنى أن كلًّا منهما شيء يختلف عن الآخر لا يقوى التداخل بينهما على أن يجعلهما شيئًا واحدًا، فما القرآن إلا التركيب واللفظ.
وما القراءات إلا اللفظ ونطقه، والفرق بين هذا وذاك واضح بيِّن"١.
والذي أراه هنا -والله أعلم- هو أن نفصِّل القول في القراءات:
فالقراءات قسمان: المقبولة والمردودة.
أ- المقبولة: هي التي تتوفر فيها الشروط الثلاثة:
١- أن تكون متواترة.
٢- أن توافق اللغة العربية ولو بوجه.
٣- أن توافق رسم أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا.
وهذا القسم هو الذي قال فيه العلماء:
١- يجب على كل مسلم اعتقاد قرآنيته.
٢- يُقرأ به تعبدًا في الصلوات وخارجها.
٣- يكفر جاحد حرف منه.
وهذا ما يقال في القرآن كذلك، وهل يقرأ القرآن إلا
стр. 19
براوية من روايات القراءات المتواترة؟
وعلى هذا فالقرآن هو عين القراءات المتواترة وبالعكس، فهما حقيقتان بمعنى واحد، وعلى هذا يحمل قول الدكتور/ محمد سالم محيسن.
ب- المردودة: وهي التي اختل فيها شرط من الشروط الثلاثة لقبولها، وهي التي يطلق عليها الشاذة، وقد قال العلماء فيها:
١- لا يجوز اعتقاد قرآنيتها.
٢- لا تجوز القراءة بها تعبدًا.
٣- يجب تعزير من أصر على قراءتها تعبدًا وإقراءً.
وعلى هذا فالقراءات هي غير القرآن، وبينهما تغاير كلي، فهما حقيقتان متغايرتان؛ لأن الشاذة حتى لو ثبتت قراءة منها بسند صحيح لا يعتقد قرآنيتها؛ بل تعتبر من الأخبار الآحاد، والخبر الواحد من أقسام الحديث، والحديث غير القرآن.
هذا ما يظهر لي، والله أعلم بالصواب.
стр. 20
عَلاقة القراءات العشر بالأحرف السبعة:
للعلماء في ذلك قولان:
١- إن القراءات العشر تعتبر حرفًا واحدًا من الأحرف السبعة المنزلة.
ذهب إليه: ابن جرير الطبري "ت٣١٠هـ" وبعض أتباعه، ودليلهم:
أن عثمان ﵁ حمل الأمة على مصاحفه، وقد كتبت على حرف قريش، وأمر بإحراق بقية المصاحف فتُركت القراءة ببقية الأحرف؛ لعدم وجوب القراءة بجميعها؛ حيث إنها نزلت تخييرًا وتيسيرًا.
٢- إن القراءات العشر تعتبر بعض الأحرف السبعة المنزلة.
ذهب إليه جمهور القراء.
ودليلهم: أن الحروف السبع تنقسم إلى قسمين:
أ- زيادة كلمة أو نقص أخرى، نحو: "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم / في مواسم الحج"١.
أو تقديم كلمة على أخرى، نحو:
стр. 21
"إذا جاء فتح الله والنصر"١.
أو إبدال كلمة بأخرى، نحو: "وتكون الجبال / كالصوف / المنفوش"٢.
وهذا القسم وما أشبهه متروك ولا تجوز القراءة به إجماعًا؛ لقوله ﷺ : "المراء في القرآن كفر" ٣.
ولإجماع الأمة على اتباع مرسوم المصاحف العثمانية.
ب- ما اختلف فيه القراء من: إظهار وإدغام، وروم وإشمام، وقصر ومد، وتخفيف وشد، وإبدال حركة بأخرى، وياء بتاء، وواو بفاء، ونحو ذلك من الاختلافات المتقاربة.
وهذا القسم هو المستعمل في زماننا هذا، وهو الموافق للمصاحف العثمانية.
فثبت أن القراءات التي نقرؤها هي بعض الحروف السبعة، وهو الذي وافق خط المصاحف، وما خالفها ترك لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ٤.
стр. 22
مكانة علم القراءات:
علم القراءات من أَجَلِّ العلوم قدرًا، وأعلاها منزلة؛ لتعلقه بأشرف الكتب السماوية على العموم، وأفضلها على الإطلاق، وهو القرآن الكريم والكتاب المبين الذي أنزله الله هداية للخلق، وتشريعًا واضحًا، ومنهجًا متكاملًا للحياة البشرية جمعاء، وقد فضله الله على غيره من الكتب، وجعله مهيمنًا عليها.
قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ ١.
وقد جعل الله قراءته وتلاوته عبادة مفضلة، وأمرًا مرغوبًا فيه، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "أفضل العبادة قراءة القرآن"٢.
وعن النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل عبادة أمتي قراءة
стр. 23
القرآن"١.
وكانت تلاوة القرآن أحب إلى سفيان الثوري من الغزو في سبيل الله؛ لقوله ﷺ : "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" ٢.
وقد حُكي عن الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- أنه قال: "رأيت رب العزة في النوم فقلت: يا رب، ما أفضل ما يتقرب المتقربون به إليك؟ فقال: بكلامي يا أحمد. فقلت: يا رب، بفهم أو بغير فهم؟ فقال: بفهم وبغير فهم"٣.
ولشرف القرآن الكريم أصبح حملته أشراف هذه الأمة، وقراؤه ومقرئوه أفضل هذه الملة.
ومن ثَمَّ حَرَصَ السلف من الصحابة والتابعين على قراءة القرآن الكريم وإقرائه، وكانوا لا يعدلون بإقرائه شيئًا، وقد رُوي أنه قيل لعبد الله بن مسعود ﵁: إنك تقل الصوم؟! قال: إني إذا صمت ضعفت عن القرآن، وتلاوة القرآن أحب إليَّ٤.
стр. 24
وكان أبو عبد الرحمن السلمي التابعي الجليل "ت٧٤ أو ٧٣هـ" يقول -لما يُروى الحديث: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه": هذا الذي أقعدني مقعدي هذا، يشير إلى كونه جالسًا في المسجد الجامع بالكوفة يعلم القرآن ويقرئه مع جلالة قدره وعلو كعبه في العلم وحاجة الناس إلى علمه، وبقي يقرئ الناس بجامع الكوفة أكثر من أربعين سنة، وعليه قرأ الحسن والحسين رضي الله عنهما١.
وقد خص الله تعالى هذه الأمة في كتابهم هذا المنزل على نبيهم ﷺ بما لم يكن لأمة من الأمم في كتبها المنزلة؛ فإنه تعالى تكفل بحفظه دون سائر الكتب، ولم يكل حفظه إلينا، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢.
يقول الإمام ابن الجزري رحمه الله تعالى:
"وذلك إعظام لأعظم معجزات النبي ﷺ لأن الله تعالى تحدَّى بسورة منه أفصح العرب لسانًا، وأعظمهم عنادًا وعتوًّا وإنكارًا، فلم يقدروا على أن يأتوا
стр. 25
بآية مثله١.
ويصف القرآن الكريم فيقول: بل هو البحر العظيم الذي لا قرار له ينتهي إليه، ولا غاية لآخره يوقف عليه٢.
وبالاختصار: فإن علم القراءات أشرف العلوم منزلة، وأرفعها مكانة، وهو مصدر جميع علوم العربية عمومًا، وعلوم الشريعة خصوصًا، يحتاج إليه: المقرئ، والمفسر، والمحدِّث، والفقيه، واللغوي على السواء.
وبهذا العلم المبارك تتعلق علوم أخرى مباشرة: كعلم تراجم القراء، وعلم توجيه القراءات، وعلم رسم المصحف، وعلم الضبط، وعلم الفواصل، وعلم التجويد، وغيرها من العلوم، ومن هنا تأتي أهميته وتنشكف جليًّا مكانته.
يقول الإمام شهاب الدين القسطلاني "ت٩٢٣هـ":
" ... وبعد: فإن القرآن ينبوع العلوم ومنشؤها، ومعدن المعارف ومبدؤها، ومبنى قواعد الشرع وأساسه، وأصل كل علم ورأسه، والاستشراف على معانيه لا يتحقق إلا بفهم رصفه ومبانيه، ولا يطمع في حقائقها التي لا منتهى لغرائبها ودقائقها إلا بعد العلم بوجوه قراءاته، واختلاف
стр. 26
رواياته؛ ومن ثَمَّ صار علم القراءات من أَجَلِّ العلوم النافعات، وإذا كان كل علم يَشرفُ بشرف متعلقه، فلا جرم خُص أهله، الذين هم أهل الله وخاصته بأنهم المصطفَون من بريته، والمجتبون من خليقته، وناهيك بهذا الشرف الباذخ، والمجد الراسخ، مع ما لهم من الفضائل اللاحقة، والمنازل السابقة، فمناقبهم أبدًا تُتلى، ومحاسنهم على طول الأمد تُجلى ... "١.
ومكانة علم القراءات تتجلى واضحًا من خلال قراءتنا لخصائص هذا العلم وفوائده.
فبالقراءات ترجح بعض الأوجه التفسيرية، وبعض الأحكام الفقهية، ومنها تتجلى وجوه إعجاز القرآن الكريم، ويبرز سمو بلاغته، واشتمال القرآن الكريم على القراءات المتعددة ميزة لا نظير لها في الكتب السماوية السابقة٢.
стр. 27
نشأة القراءات وتطورها:
إن الأحاديث الصحيحة الكثيرة تدل دلالة واضحة على أن القرآن الكريم نزل على الأحرف السبعة، وتلك الأحرف تتمثل في القراءات القرآنية التي نُقلت إلينا نقلًا صحيحًا متواترًا.
إذن فكما أن القرآن الكريم وَحْيٌ منزل من الله ، فالقراءات كذلك وحي منزل منه ﵎.
ولكن أين ومتى كان نزولها؟
هل كان ذلك بمكة قبل الهجرة، أم كان نزولها بالمدينة بعد الهجرة النبوية ودخول القبائل العربية المختلفة في الإسلام؟
للعلماء في ذلك رأيان:
١- أن القراءات نزلت بمكة المكرمة قبل الهجرة النبوية.
ودليل هذا القول: أن الأحاديث الورادة في نشأة القراءات تفيد أنها نزلت بمكة منذ بداية نزول القرآن الكريم؛ منها قوله ﷺ : "أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل
стр. 28
أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف"١.
كما أن سور القرآن الكريم تنقسم إلى: مكية ومدنية، ومعظمها مكية، وفيها من القراءات ما في السور المدنية، ولا دليل على نزولها بالمدينة مرة ثانية، فهذا يدل على أن القراءات نزلت بمكة المكرمة.
كما يدل على ذلك حديث اختلاف عمر مع هشام بن حكيم؛ لأنهما اختلفا في قراءة سورة الفرقان وهي مكية٢.
٢- أنها نزلت بالمدينة بعد الهجرة النبوية.
لأنها نزلت للتيسير على الأمة؛ بسبب اختلاف لهجات القبائل ولغاتها، ولم تكن الحاجة إليها إلا بعد الهجرة لدخول القبائل المتجاورة والمتباعدة في الإسلام، كما أن اختلاف الصحابة في القراءات كان بالمدينة ولم يكن ذلك في مكة، يدل على ذلك حديث أبي بن كعب، وحديث عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم.
كما أن ذكر "أضاة بني غفار" -وهو ماء بالقرب من المدينة- يدل على نزول القراءات بالمدينة، وذهب إليه كثير
стр. 29
من الأعلام أمثال: ابن عبد البر، وأبي شامة المقدسي، وغيرهما١.
وقد حاول البعض أن يجمع بين القولين:
بأن بداية نزول القراءات كان مع بداية نزول القرآن الكريم بمكة المكرمة؛ حيث توجد القراءات في السور المكية؛ ولكن الحاجة لم تدعُ إلى استخدامها لوَحْدَة اللغة واللهجة بمكة وما جاورها، خلافًا لما حدث بعد الهجرة؛ حيث دخلت في الإسلام قبائل مختلفة اللهجات واللغات، فكان ورود حديث أبي بن كعب إشعارًا للإذن فقط٢.
هكذا نشأت القراءات، وسواء كان نزولها ونشأتها بمكة أم بالمدينة -على خلاف العلماء في ذلك- إلا أنها مرت بمراحل عديدة، يتداخل بعضها في بعض، حتى استقرت علمًا
стр. 30
من العلوم القرآنية، ومجالًا من مجالات الدراسات النحوية واللغوية بشكل عام.
وتتمثل تلك الأدوار والمراحل التاريخية في نشوئها تعليمًا للتلاوة ثم للحفظ كله أو بعضه عن ظهر قلب، ثم إلى رواية تسند القراءة إلى الرسول ﷺ ثم إلى مجال تخصص تجرد له أساتذة وتلامذة، ومنه إلى علم ذي قواعد وأصول ومؤلفات وأبحاث١.
стр. 31
المراحل التي مرت بها القراءات
مدخل
...
المراحل التي مرت بها القراءات:
وهنا نوجز بعض تلك المراحل:
١- نشأت القراءة بتعليم جبريل للرسول ﷺ قال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ ١.
وفي حديث عائشة ﵂ في بداية نزول الوحي: فقال: اقرأ، فقلت: "ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ... " الحديث٢.
هكذا علَّمه جبريل القرآن الكريم بأحرفه المختلفة وقراءاته المتعددة.
٢- ثم أمره الله تعالى بتعليمه وإقرائه للمسلمين: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ... ﴾ ٣، ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ٤. فكان الرسول ﷺ يقرئ صحابته بما أقرأه جبريل ﵇.
وقد ورد عن عثمان وابن مسعود وأبيّ ﵃
стр. 32
أن رسول الله- ﷺ كان يقرئهم العشر الآيات، فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فيعلمهم القرآن والعلم والعمل جميعًا١، فربما أقرأ صحابيًّا آخر بحرف آخر، فكان كل واحد منهم يقرأ كما تعلم من الرسول صلى الله عليه وسلم٢.
٣- أمر النبي ﷺ -الصحابة أن يقرئ بعضهم البعض، ومن الأمثلة لذلك قصة إسلام عمر- ﵁ فكان الخباب بن الأرت يتردد على فاطمة بنت الخطاب وزوجها يعلمهما القرآن.
بل كان الرسول ﷺ يرسل بعثات تعليمية إلى خارج مكة؛ فقد ورد في البخاري أن مصعب بن عمير وابن أم مكتوم هما أول من نزل بالمدينة فجعلا يقرآن الناس القرآن الكريم، ثم جاء عمار وبلال.
ولما فتحت مكة ترك الرسول ﷺ معاذ بن جبل فيها للتعليم.
وكان الرجل إذا هاجر إلى المدينة دفعه النبي -صلى
стр. 33
الله عليه وسلم- إلى رجل من الحفظة ليعلمه القرآن١.
وهكذا تكونت جماعة من الصحابة، عرفت بـ"القراء"، والتسمية بهذا اللقب تعطينا صورة جلية عن مدى انتشار القراءة في هذه المرحلة، وقد قتل في غزوة بئر معونة سبعون رجلًا من شبان الأنصار يسمون بالقراء، وكانت غزوة بئر معونة على رأس ٣٦ أو ٣٨ شهرًا من الهجرة٢.
لقد تصدَّى كثير من الصحابة لحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب في حياة الرسول ﷺ ومن أشهرهم:
الخلفاء الأربعة، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري وغيرهم ﵃.
وهؤلاء هم الذين دارت أسانيد قراءات الأئمة العشرة عليهم٣.
وكانت قراءة الصحابة تختلف: فمنهم من أخذ بحرف، ومنهم من أخذ بحرفين أو أكثر، ومن هنا بدأت وجوه القراءة المختلفة تأخذ طريقها في الرواية ومسارها في النقل، وكان
стр. 34
شيوع ظاهرة اختلاف القراءات منذ عهد الرسول ﷺ بعد الهجرة، كمايدل على ذلك اختلاف عمر وهشام بن حكيم، واختلاف أبي بن كعب مع بعض الصحابة، وكذلك ابن مسعود مع غيره من الصحابة.
٤- انتشر الصحابة في الأمصار، وتفرقوا فيها، وبدءوا يُقْرِئون الناس القرآن حسبما تلقوه من الرسول ﷺ ومن ثَمَّ اختلف النقل في التابعين وفي تلاميذهم، فكثرت القراءات وظهر الشذوذ فيها، وكثر النزاع بين المسلمين فيها، حتى بلغ ذلك عثمان ﵁ فأمر بجمع المصاحف وكتابتها برسم يحتمل أكثر وأغلب الأوجه الصحيحة المتواترة، وأرسلها إلى المدن المشهورة مع إرسال مقرئ مع كل مصحف توافق قراءته أهل ذلك المصر في الأغلب والأكثر، وحمل الناس على تلك المصاحف وأمر بإلغاء بقية الأوجه التي لا يحتملها رسم مصحف ذلك القطر.
وقد أقبل الناس على تلك المصاحف وتلقوها من مقرئيها، فكان في كل مصر قراء من التابعين، ومن أشهرهم:
في المدينة:
معاذ بن الحارث القارئ، سعيد بن المسيب، عروة بن الزبير، عمر بن عبد العزيز، عطاء بن يسار، عبد الرحمن الأعرج، ابن شهاب الزهري، زيد بن أسلم، وغيرهم.
стр. 35
وفي مكة:
مجاهد بن جبر، طاوس بن كيسان، عطاء بن أبي رباح، عكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم.
وفي الكوفة:
عمرو بن شرحبيل، علقمة بن قيس، مسروق بن الأجدع، أبو عبد الرحمن السلمي، الأسود النخعي، زر بن حبيش، إبراهيم النخعي، وغيرهم.
في البصرة:
الحسن البصري، محمد بن سيرين، قتادة بن دعامة السدوسي، نصر بن عاصم، يحيى بن يعمر، وغيرهم.
في الشام:
المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، خليفة بن سعد صاحب أبي الدرداء، وغيرهم١.
وكان ذلك في النصف الثاني من القرن الأول، والنصف الأول من القرن الثاني.
٥- وبعدما كثر أهل البدع والأهواء، وبدءوا يقرءون بقراءات لا أصل لها -كما نُقل عن بعض المعتزلة والروافض- تجرد قوم للقراءة والأخذ، واعتنوا بضبط القراءة أتم
стр. 36
عناية؛ حتى صاروا أئمة يُقتدى بهم في ذلك ويرحل إليهم ويؤخذ عنهم، وأجمع أهل بلدهم على تلقي قراءتهم بالقبول، ولم يختلف عليهم فيها اثنان، ولتصديهم للقراءة نُسبت إليهم١.
قال ابن الجزري: ونعتقد أن معنى إضافة كل حرف من حروف الاختلاف إلى من أضيف إليه من الصحابة وغيرهم إنما هو من حيث إنه كان أضبط له وأكثر قراءة وإقراءً به وملازمة له وميلًا إليه لا غير ذلك، وكذلك إضافة الحروف والقراءات إلى أئمة القراءة ورواتهم المراد بها: أن ذلك القارئ وذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة حسبما قرأ به فآثره على غيره، وداوَم عليه ولزمه، حتى اشتهر وعُرف به، وقصد فيه، وأخذ عنه؛ فلذلك أضيف إليه دون غيره من القراء، وهذه الإضافة إضافة اختيار وداوم ولزوم، لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد٢.
فكان بالمدينة:
أبو جعفر يزيد بن القعقاع، شيبة بن نصاح، نافع بن أبي نعيم، وغيرهم.
وبمكة:
عبد الله بن كثير، حميد بن قيس الأعرج، محمد بن
стр. 37
محيصن، وغيرهم.
وبالكوفة:
يحيى بن وثاب، عاصم بن أبي النجود، سليمان بن مهران الأعمش، حمزة بن حبيب الزيات، علي بن حمزة الكسائي، وغيرهم.
وبالبصرة:
عبد الله بن أبي إسحاق، أبو عمرو بن العلاء، عاصم الجحدري، يعقوب الحضرمي، وغيرهم.
وبالشام:
عبد الله بن عامر اليحصبي، عطية بن قيس الكلابي، يحيى الذماري، شريح بن يزيد الحضرمي، وغيرهم١.
وتَخصص أمثال هؤلاء القراء في القراءات وفَّر المادة لوضع علم القراءات وتدوينه والتأليف فيه.
стр. 38
مرحلة التدوين في القراءات:
لقد بدأ التأليف في علم القراءات منذ عصر مبكر؛ حيث كان القرآن الكريم وتلاوته شغلهم الشاغل عن كل شيء، حتى كان بعضهم يُفضِّل تعلم القرآن وتعليمه على الجهاد في سبيل الله١؛ إلا أن المؤرخين مختلفون في تعيين أول مَن ألَّف في القراءات.
فذهب الأكثر إلى أنه الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام "ت٢٢٤هـ"٢.
وحسب الإمام ابن الجزري في غاية النهاية٣ أنه الإمام أبو حاتم السجستاني "ت٢٥٥هـ".
والراجح: أن الإمام يحيى بن يعمر "ت٩٠ أو ٨٩هـ" هو أول مَن ألَّف في القراءات٤.
стр. 39
أما الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام -فكما حقق الدكتور/ عبد الهادي الفضلي١- أنه سبق بتسعة عشر رجلًا ممن ألَّف في القراءات.
وسبق أبو حاتم السجستاني باثنين وثلاثين رجلًا من المؤلفين في القراءات٢، وعلى هذا نعتبر أن حركة التدوين في القراءات بدأت منذ أواخر القرن الأول وبداية القرن الثاني الهجري، ولو بصورة غير علمية أو غير فنية.
ثم أخذت تتطور في القرن الثالث.
وبلغت ذورة ازدهارها في القرنين الرابع والخامس، ثم أخذت تنحسر -كما يقول الدكتور/ محمد سالم محيسن- ابتداءً من القرن السادس حتى القرن الثامن، وفي القرن التاسع لا نجد سوى بعض مصنفات تكاد تُعد على الأصابع، وبعد القرن التاسع قَلَّ التصنيف في هذه المادة العلمية، وكانت
стр. 40
جهود العلماء تكاد تكون مقصورة على شرح منظومة الإمام الشاطبي "ت٥٩٠هـ". ولعل السبب في ذلك يرجع إلى قلة المشتغلين بهذه المادة العلمية؛ نظرًا إلى عزوف الناس عن تلقيها لاستصعابهم إياها١.
وممن ألَّف في القراءات من أئمتها المشهورين من القراء العشرة أو تلامذتهم ورواتهم:
١- أبو عمرو بن العلاء "ت١٥٤هـ".
٢- حمزة بن حبيب الزيات "ت١٥٦هـ".
٣- علي بن حمزة الكسائي "ت١٨٩هـ".
٤- إسحاق بن يوسف الأزرق "ت١٩٥هـ".
٥- يحيى بن المبارك اليزيدي "ت٢٠٢هـ".
٦- يحيى بن آدم "ت٢٠٣هـ".
٧- يعقوب بن إسحاق الحضرمي "ت٢٠٥هـ".
٨- خلف بن هشام البزار "ت٢٢٩هـ".
٩- عبد الله بن أحمد الدمشقي المعروف بابن ذكوان "ت٢٤٢هـ".
١٠- أبو عمرو حفص الدوري "ت٢٤٦هـ".
١١- أحمد بن محمد البزي المكي "ت٢٥٠هـ"١.
وقد تتابع التأليف في هذا العلم المبارك حتى وصل إلى عصر ابن مجاهد إلى أكثر من أربعين كتابًا.