عناية؛ حتى صاروا أئمة يُقتدى بهم في ذلك ويرحل إليهم ويؤخذ عنهم، وأجمع أهل بلدهم على تلقي قراءتهم بالقبول، ولم يختلف عليهم فيها اثنان، ولتصديهم للقراءة نُسبت إليهم١.
قال ابن الجزري: ونعتقد أن معنى إضافة كل حرف من حروف الاختلاف إلى من أضيف إليه من الصحابة وغيرهم إنما هو من حيث إنه كان أضبط له وأكثر قراءة وإقراءً به وملازمة له وميلًا إليه لا غير ذلك، وكذلك إضافة الحروف والقراءات إلى أئمة القراءة ورواتهم المراد بها: أن ذلك القارئ وذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة حسبما قرأ به فآثره على غيره، وداوَم عليه ولزمه، حتى اشتهر وعُرف به، وقصد فيه، وأخذ عنه؛ فلذلك أضيف إليه دون غيره من القراء، وهذه الإضافة إضافة اختيار وداوم ولزوم، لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد٢.
فكان بالمدينة:
أبو جعفر يزيد بن القعقاع، شيبة بن نصاح، نافع بن أبي نعيم، وغيرهم.
وبمكة:
عبد الله بن كثير، حميد بن قيس الأعرج، محمد بن
стр. 37
محيصن، وغيرهم.
وبالكوفة:
يحيى بن وثاب، عاصم بن أبي النجود، سليمان بن مهران الأعمش، حمزة بن حبيب الزيات، علي بن حمزة الكسائي، وغيرهم.
وبالبصرة:
عبد الله بن أبي إسحاق، أبو عمرو بن العلاء، عاصم الجحدري، يعقوب الحضرمي، وغيرهم.
وبالشام:
عبد الله بن عامر اليحصبي، عطية بن قيس الكلابي، يحيى الذماري، شريح بن يزيد الحضرمي، وغيرهم١.
وتَخصص أمثال هؤلاء القراء في القراءات وفَّر المادة لوضع علم القراءات وتدوينه والتأليف فيه.
стр. 38
مرحلة التدوين في القراءات:
لقد بدأ التأليف في علم القراءات منذ عصر مبكر؛ حيث كان القرآن الكريم وتلاوته شغلهم الشاغل عن كل شيء، حتى كان بعضهم يُفضِّل تعلم القرآن وتعليمه على الجهاد في سبيل الله١؛ إلا أن المؤرخين مختلفون في تعيين أول مَن ألَّف في القراءات.
فذهب الأكثر إلى أنه الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام "ت٢٢٤هـ"٢.
وحسب الإمام ابن الجزري في غاية النهاية٣ أنه الإمام أبو حاتم السجستاني "ت٢٥٥هـ".
والراجح: أن الإمام يحيى بن يعمر "ت٩٠ أو ٨٩هـ" هو أول مَن ألَّف في القراءات٤.
стр. 39
أما الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام -فكما حقق الدكتور/ عبد الهادي الفضلي١- أنه سبق بتسعة عشر رجلًا ممن ألَّف في القراءات.
وسبق أبو حاتم السجستاني باثنين وثلاثين رجلًا من المؤلفين في القراءات٢، وعلى هذا نعتبر أن حركة التدوين في القراءات بدأت منذ أواخر القرن الأول وبداية القرن الثاني الهجري، ولو بصورة غير علمية أو غير فنية.
ثم أخذت تتطور في القرن الثالث.
وبلغت ذورة ازدهارها في القرنين الرابع والخامس، ثم أخذت تنحسر -كما يقول الدكتور/ محمد سالم محيسن- ابتداءً من القرن السادس حتى القرن الثامن، وفي القرن التاسع لا نجد سوى بعض مصنفات تكاد تُعد على الأصابع، وبعد القرن التاسع قَلَّ التصنيف في هذه المادة العلمية، وكانت
стр. 40
جهود العلماء تكاد تكون مقصورة على شرح منظومة الإمام الشاطبي "ت٥٩٠هـ". ولعل السبب في ذلك يرجع إلى قلة المشتغلين بهذه المادة العلمية؛ نظرًا إلى عزوف الناس عن تلقيها لاستصعابهم إياها١.
وممن ألَّف في القراءات من أئمتها المشهورين من القراء العشرة أو تلامذتهم ورواتهم:
١- أبو عمرو بن العلاء "ت١٥٤هـ".
٢- حمزة بن حبيب الزيات "ت١٥٦هـ".
٣- علي بن حمزة الكسائي "ت١٨٩هـ".
٤- إسحاق بن يوسف الأزرق "ت١٩٥هـ".
٥- يحيى بن المبارك اليزيدي "ت٢٠٢هـ".
٦- يحيى بن آدم "ت٢٠٣هـ".
٧- يعقوب بن إسحاق الحضرمي "ت٢٠٥هـ".
٨- خلف بن هشام البزار "ت٢٢٩هـ".
٩- عبد الله بن أحمد الدمشقي المعروف بابن ذكوان "ت٢٤٢هـ".
١٠- أبو عمرو حفص الدوري "ت٢٤٦هـ".
١١- أحمد بن محمد البزي المكي "ت٢٥٠هـ"١.
وقد تتابع التأليف في هذا العلم المبارك حتى وصل إلى عصر ابن مجاهد إلى أكثر من أربعين كتابًا.
стр. 41
ظهور فكرة تحديد القراءات:
ظهرت فكرة تحديد القراءات منذ القرن الثالث الهجري؛ حيث ألف الإمام أحمد بن جبير "ت٢٥٨هـ" كتابًا في القراءات وسماه "الخمسة"، وكتب غيره كتابًا وسماه "الثمانية"٢؛ ولكن لما كثر القراء وكثرت الروايات عنهم، وأوشك أن يدخل الاضطراب في القراءات فكر الإمام ابن مجاهد "ت٣٢٤هـ" أن يستخلص قراءات القراء المشهورين بها من أشهر الأمصار الإسلامية التي حملت القراءات عنها. والأمر الذي دعاه إلى ذلك هو:
الحفاظ على منهج القراءات لئلا تخرج عن طريق النقل الموثوق به إلى النقل المشكوك فيه، أو عن طريق الرواية والنقل عن الرسول ﷺ إلى طريق
стр. 42
الاجتهادات الشخصية؛ ولذلك نراه يقسم القراء في كتابه "السبعة" إلى أربعة أقسام، ومخلص كلامه:
١- من حملة القرآن: مَن هو عالم باللغات ومعاني الكلمات، وبوجوه القراءات وعيوبها، وبالإعراب والآثار، فهو الإمام الذي يفزع إليه.
٢- ومنهم مَن يعرب ولا يلحن، يقرأ بلغته ولهجته ولا يقدر على تحويل لسانه، فهو مطبوع على كلامه كالأعراب.
٣- ومنهم مَن ليس عنده إلا الأداء بعد السماع، لا يعرف الإعراب ولا اللغة، فهو الحافظ، وقد ينسى فيقرأ بلحن، وقد يكون مصدَّقًا عند الناس فيحملون ذلك عنه.
٤- ومنهم مَن يعرف الإعراب والمعاني واللغات ولا يعرف القراءات، فقد يقرأ بحرف جائز في العربية لم يقرأ به أحد قبل، فهو مبتدع١.
стр. 43
مرحلة تسبيع السبعة:
أي: الاقتصار على القراءات السبع المشهورة، والمروية من الأئمة الثقات في مؤلَّف خاص، بعد تنقيحها والتثبت من تواترها وقبولها لدى الخواص والعوام.
وكان ذلك في القرن الرابع الهجري باختيار إمام القراءات في عصره الإمام أبي بكر بن مجاهد البغدادي "ت٣٢٤هـ" حيث جمع قراءات القراء السبعة في مؤلَّف وسماه "السبعة"١.
ولم يكن ذلك بدعًا منه؛ فقد سُبق هو بفكرة تحديد القراءات، وسُبق بمن ألف في القراءات المشهورة ومن ضمنها قراءات هؤلاء السبعة الذين وقع عليهم اختيار ابن مجاهد.
فقد ذكر أن الإمام أبا عبيد "ت٢٢٤هـ" جمع في كتابه قراءات خمسة وعشرين قارئًا، منهم هؤلاء السبعة٢.
وكذلك الإمام أحمد بن جبير الكوفي الأنطاكي "ت٢٥٨هـ" ألَّف في قراءات الخمسة، أخذ من كل مصر واحدًا٣. وأبو بكر الداجوني "ت٣٢٤هـ" ألف كتابه "الثمانية" وزاد على
стр. 44
هؤلاء السبعة قراءة الإمام يعقوب الحضرمي، وهو من القراء العشرة١.
كما ألَّف كل من: القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي "ت٢٨٢هـ"، وأبي جعفر محمد بن جرير الطبري "ت٣١٠هـ" -والأخير من معاصري ابن مجاهد وممن روى عنهم في "السبعة"- ألف كل منهما كتابًا في القراءات المشهورة، منها قراءات هؤلاء السبعة٢.
غير أن اختيار ابن مجاهد لهؤلاء السبعة وتأليفه "السبعة" في قراءاتهم اشتهر في عالم القراء أكثر من غيره؛ لأنه التزم جمع القراءات المتواترة فقط دون الشواذ حتى ولو رويت عن أحد السبعة، كما اشتهر اختياره لشهرة ابن مجاهد نفسه؛ حيث كان حجة في القراءات، ثقة ثبتًا، فاق في عصره سائر نظرائه في العلم والفَهْم والورع وصدق اللهجة، وكان أكثر القراء تلامذه في عصره، كما أنه كان قد أفرد شواذ القراءات بمؤلَّف خاص٣.
أما القراء الذين وقع اختيار ابن مجاهد على قراءاتهم هم:
стр. 45
١- نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم "ت١٦٩هـ" من المدينة.
٢- عبد الله بن كثير "ت١٢٠هـ" من مكة.
٣- أبو عمرو بن العلاء "ت١٥٤هـ" من البصرة.
٤- عبد الله بن عامر اليحصبي "ت١١٨هـ" من الشام.
٥- عصام بن أبي النجود "ت١٢٧هـ" من الكوفة.
٦- حمزة بن حبيب الزيات "ت١٥٦هـ" من الكوفة.
٧- علي بن حمزة الكسائي "ت١٨٩هـ" من الكوفة.
كلهم ممن اشتهرت إمامته، وطال عمره في الإقراء، وارتحل الناس إليه من البلدان١.
وقيل في سبب اجتماع الناس على قراءتهم:
١- إنهم تجردوا للقراءة والإقراء، واشتدت عنايتهم بذلك مع تبحرهم العلمي.
٢- إن قراءاتهم وجدت مسندة لفظًا وسماعًا حرفًا حرفًا من أول القرآن إلى آخره٢.
стр. 46
الأسس التي بنى عليها ابن مجاهد اختياره:
لم ينص ابن مجاهد على منهجه في الاختيار ولا على الأسس التي بنى عليها اختياره؛ وإنما أُخذت تلك الأسس من مواقفه في حياته مع بعض القراء المبتدعين والمقرئين بالقراءات الشاذة، ومن منهجه في كتابه السبعة، وهي تتخلص في أسس ثلاثة:
أ- أن تكون القراءة صحيحة السند، حملها رواة موثقون حتى زمن القارئ، ويُؤخذ ذلك من موقفه مع معاصر له ومقرئ معروف، وهو محمد بن الحسن المعروف بابن مِقسَم العطار "ت٣٥٤هـ"، الذي كان يزعم جواز الاجتهاد في القراءات، فكل قراءة صح لها وجه في العربية، ووافقت رسم المصحف العثماني، جاز القراءة بها -عنده- في الصلاة وغيرها، ولو لم يكن لها سند ولم ينقلها أحد.
ومن ذلك قراءته في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ ١ قرأها "نجباء"، وكان يذكر لها وجهًا بعيدًا مع كونها لم يقرأ بها أحد.
وقد رفع ابن مجاهد أمره إلى الحكام، وعُقد له مجلس حضره القضاة والقراء؛ فأذعن بالتوبة من بدعته، واستوهبه
стр. 47
ابن مجاهد من ولاة الأمر ببغداد، فلم يوقعوا به أذى١.
ب- أن تكون القراءة مطابقة لخط المصحف العثماني:
ويُؤخذ ذلك من موقفه مع قارئ آخر وهو المعروف بابن شنبود "ت٣٢٨هـ" الذي كان يتعمد شواذ القراءات، يقرئ بها ويقرأ بها في الصلوات وغيرها رغم مخالفتها لخط المصحف العثماني، فاشتهر أمره فحاول ابن مجاهد أن يرده إلى جادة الصواب؛ لكنه لم يتوقف عن ذلك فرفع أمره إلى أبي علي ابن مقلة الوزير حينئذ، فاستدعاه وأحضر القضاة والفقهاء والقراء -وفي مقدمتهم ابن مجاهد- وذلك في سنة ٣٢٣هـ، فحكم عليه بالعقوبة، فضُرب وحُبس؛ فأعلن توبته٢.
ج- أن تكون القراءة موافقة لوجه من وجوه العربية:
ويُؤخذ ذلك من منهجه في كتابه"السبعة"؛ حيث إنه يرد بعض القراءات ويرفض صحتها وجواز القراءة بها؛ لأنها لا توافق العربية٣.
стр. 48
تقييم عمل ابن مجاهد:
أخذت القراءات تتكاثر وتزداد، حتى وصل بها بعضهم إلى خمسين قراءة، وأوشك ذلك أن يكون بابًا لدخول شيء من الاضطراب والتحريف على ألسنة القراء، وكان منهم المتقن -كما يقول ابن مجاهد- وغير المتقن، وزدات الطامة بما كان من بعض القراء -مثل ابن شنبوذ- يرويه عن مصحفي أبي بن كعب وابن مسعود ﵄ وبما كان آخرون -مثل ابن مقسم العطار- يستنبطونه بعقولهم من احتمالات القراءة لخط المصحف العثماني، مما جعل الحاجة تشتد إلى شيخ من شيوخ القراء النابهين، يضع الأصول والأركان لقبول القراءات من جهة، وليختار طائفة نابهة من القراء يكتفى بهم عمن سواهم حتى تستطيع عقول أوساط القراء أن تستوعبهم.
فجاء ابن مجاهد من اجتهد للأمة والدين، والقرآن العظيم، وبالغ في اجتهاده حتى استصفى سبعة من أئمة القراء في أمصار خمسة، هي أهم الأمصار التي حملت عنها القراءات إلى العالم الإسلامي: "المدينة، مكة، الكوفة، البصرة، الشام".
وبذلك أصبح القراء المختارون عنده سبعة، وفي قراءاتهم ألف كتابه "السبعة"، وهو عمل أجمع معاصروه ومَن جاء بعده على إجلاله.
غير أن البعض توهم أن ابن مجاهد أراد بذلك إهدار القراءات الأخرى الصحيحة غير السبع.
стр. 49
وتوهم الآخرون أنه يزعم أن كل قراءة من القراءات السبع تمثل حرفًا من الأحرف السبعة.
فجاء مَن ألَّف في القراءات بالإفراد "كمفدرة يعقوب لعبد البارئ الصعيدي المتوفى بعد ٦٥٠هـ".
ومنهم من كتب في القراءات الست "كالكافية لهبة الله بن أحمد الحريري ت٥٣١هـ".
ومنهم من كتب في القراءات الثمان "كالتذكرة لابن غلبون الحلبي ت٣٩٩هـ".
ومنهم من كتب في القراءات العشر "كالجامع لنصر بن عبد العزيز الفارسي ت٤٦١هـ".
ومنهم من كتب في القراءات الإحدى عشرة "كالروضة للحسن بن محمد البغدادي ت٤٣٨هـ".
ومنهم من كتب في القراءات الثلاثة عشر "كالبستان لابن الجندي ت٧٦٩هـ".
وهكذا من ألَّف في القراءات الخمسة عشر، ومنهم من حذف أحد العشرة ووضع مكانه واحدًا من رواة الشواذ، وتوالت المؤلفات تترًا؛ دفعًا لهذه الأوهامات التي تولدت في عقول بعض الجهلة من العوام أو في عقول بعض ضعفاء العلم
стр. 50
والمعرفة١.
والحق أن الإمام ابن مجاهد لم يقصد إهدار بقية القراءات؛ ولكن جعلها وراء السبعة في علم السند والرواية، وجمعها في كتابه "الكبير" الذي كان الأساس الأول للإمام ابن جني، وعليه مدار كتابه "المحتسب" في شواذ القراءات وتوجيهها.
ومما يدل على عدم إهداره لبقية القراءات استشهاده في كتابه "السبعة" بقراءات غير القراء السبعة؛ كقراءة الإمام أبي جعفر، وقراءة الإمام شيبة بن نصاح، وغيرهما٢.
وقد اختار ابن مجاهد ما اختاره من القراءات؛ لأنه أراد البلاد الإسلامية الشهيرة بالمقرئين، فاختار منها أضبط القراء -في رأيه- فصادف العدد "السبعة"، ولم يقصد العدد "السبعة" لذاته٣، فكان اقتصاره على السبعة محض اتفاق دون قصد منه، كما ظن البعض.
أما أن بعض العامة سبق إلى ذهنه أن ابن مجاهد اعتقد أن القراءات السبع هي الحروف السبعة، فهو ليس مسئولًا عن خطأ غيره أو وهمهم، ولو ظن ذلك لأبطل بقية القراءات، والواقع عكس ذلك؛ حيث إنه لم يحكم على بقية
стр. 51
القراءات بعدم التواتر أو بالشذوذ؛ وإنما رآها وراء السبع في المرتبة.
ونحن نرى أن أحدًا لم يستطع أن يراجع الإمام ابن مجاهد فيمن رأى تقديمه من القراء السبعة على غيرهم، فقد ارتضاهم علماء الأمة جميعًا، وارتضوا اجتهاده في تقديمهم.
وإذا أمعنا النظر في السبعة التالين لسبعته وجدنا أولهم الإمام أبا جعفر المدني أستاذ الإمام نافع المدني، وكأن ابن مجاهد اكتفى بالتلميذ عن الأستاذ؛ لأن قراءته وإن كانت مأخوذة من قراءة شيخه؛ لكنها أكثر شيوعًا على ألسنة الناس من القراء وغيرهم في المدينة وما حولها.
وكذلك اكتفى بقراءة الإمام أبي عمرو البصري عن قراءة تلميذيه: يعقوب الحضرمي ويحيى اليزيدي؛ لعلو مكانة شيخهما في القراءات واللغة وقبوله لدى الناس.
ولعله ترك قراءة الإمام خلف البزار الكوفي؛ لأن قراءته لا تخرج عن قراءات الكوفيين في حرف ما١.
وأيضًا لعله ترك قراءة الأعمش -شيخ الإمام حمزة- للسبب نفسه، ولما في قراءته من شذوذ.
وقد ذكر ابن مجاهد بنفسه في حديثه عن ابن كثير المكي أن أهل مكة لم يجمعوا على قراءة ابن محيصن -وهو مكي كذلك- كما أجمعوا على قراءة ابن كثير؛ بل إن أصحاب
стр. 52
ابن محيصن لم يتبعوه في اختياره١.
ويقول ابن الجزري في قراءته: "ولولا ما فيها من مخالفة المصحف لألحقت بالقراءات المشهورة"٢.
فالإمام ابن مجاهد لم يختر السبعة ولم يقتصر عليهم إلا بعد اجتهاد طويل ومراجعة متأنية في السندات الطوال غير مدخر جهدًا ولا قوة، وكان موفقًا في استخلاصه لتلك القراءات المتواترة، ثم تبعه في ذلك جمهور العلماء والقراء وحملوا عنه القراءات السبع، وصار كتابه هو المعول عليه والمرجع الأساسي لكل من أتى بعده، فألفوا مصنفاتهم على ضوئه على ما هو معروف عن الإمامين الجليلين: أبي عمرو الداني -مؤلف كتاب التيسير في القراءات السبع- وأبي محمد القاسم بن فيرة الشاطبي -ناظم حرز الأماني- وغيرهما من العلماء، فقد أجمعوا على تواترها، وألحق بها الإمام ابن الجزري قراءات الثلاثة.
فالإمام ابن مجاهد بعمله -تسبيع السبع- قدم للأمة عملًا باهرًا؛ لأن كثرة الروايات في القراءات كان قد أدى إلى ضرب من الاضطراب عند طائفة من القراء غير المتقنين، وأخذ كثيرون يحاولون أن يختاروا من القراءات لأنفسهم خاصة لينفردوا بها، كما عرف عن ابن شنبوذ وابن مقسم
стр. 53
العطار.
وباختياره السبعة درأ عن القراءات مزلات توشك أن تقع فيها، ودرأ عن القراء اضطرابهم وخلطهم.
ومما يدل على إخلاص الإمام ابن مجاهد في عمله في القراءات: ما يروى أن بعض تلامذته ممن بهرته سَعَة روايته للقراءات وعلمه بوجوهها وضبطه لحروفها رغم كثرتها قال له: لِمَ لا تختار لنفسك قراءة تحمل عنك؟
فأجابه الإمام بقوله:
"نحن إلى أن نعمل أنفسنا في حفظ ما مضى عليه أئمتنا أحوج منا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا"١.
وبهذا نرى أن ابن مجاهد وهب نفسه للوقوف على القراءات واستيعابها، ولم يفكر في أن يفرد لنفسه قراءة يشتهر بها وتُعرف به وتُحمل عنه، ولو فكر في ذلك لاستطاع في يسر وسهولة؛ ولكن لم تكن هذه وجهته؛ وإنما كانت وجهته أن يستخلص للأمة أهم القراءات الموثوقة التي شاعت وذاعت في الأمصار الإسلامية٢.
стр. 54
المبحث الثاني: أركان القراءة الصحيحة
مدخل
...
المبحث الثاني: أركان القراءة الصحيحة "شروط قبول القراءات "
أ- يرى المتقدمون الشروط التالية لقبول القراءات:
١-أن يكون لها وجهٌ قويٌّ في العربية.
٢- أن تكون موافقة لرسم المصحف العثماني.
٣- أن تجتمع العامة عليها.
والمقصود من العامة عندهم: أهل الحرمين، أو أهل المدينة والكوفة.
وربما جعلوا الاختيار لما اتفق عليها: نافع وعاصم؛ لأن قراءتهما أوثق القراءات وأصحها سندًا، وأفصحها في العربية، ويتلوهما في الفصاحة قراءة أبي عمرو والكسائي١.
ب- ثم تطور هذا المقياس الضابط للتفرقة بين القراءة الصحيحة وغيرها إلى ما يلي:
١- صحة السند.
٢- موافقة العربية.
٣- موافقة رسم المصحف العثماني.
وعلى ضوء هذا المقياس قسموا القراءات إلى:
١- صحيحة: وهي ما توافرت فيها الشروط المذكورة.
٢- غير صحيحة: وهي ما اختل فيها ركن من الأركان
стр. 55
الثلاثة المذكورة.
ج- ثم تطور هذا المقياس إلى شيء من التوسع في الشرطين: الثاني والثالث، فجاءت الشروط -كما ذكرها ابن الجزري -هكذا:
١- أن تكون القراءة صحيحة السند١.
٢- أن توافق العربية ولو بوجه.
٣- أن توافق أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا.
قال الإمام ابن الجزري في "الطيبة":
فكلما وافق وجه نحو ... وكان للرسم احتمالًا يحوي
وصح إسنادًا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان
وحيثما يختل ركن أثبت ... شذوذه لو أنه في السبعة٢
واختلفوا في مستوى صحة السند:
فذهب الجمهور إلى اشتراط التواتر؛ لأنها قرآن وهو لا يثبت إلا بالتواتر، واكتفى البعض بالشهرة والاستفاضة؛ لأن الاستفاضة تفيد القطع المطلوب في إثبات قرآنية القراءة، منهم أبو شامة -شارح الشاطبية- والإمام ابن الجزري.
د- وأخيرًا، أجمعت الأمة على الأركان التالية لقبول
стр. 56
القراءات:
١- أن تكون القراءة متواترة.
٢- أن تكون موافقة للعربية ولو بوجه.
٣- أن تكون موافقة لأحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا.
شَرْحُ هذه الأركان الثلاثة الأخيرة:
١- التواتر:
هو نقل جماعة عن جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب، من أول السند إلى منتهاه، من غير تعيين في العدد١. والتواتر شرط أساسي عند الجمهور لقبول القراءة٢، ولا يرون الاكتفاء بصحة السند؛ ولذلك عرَّفوا القرآن بأنه: ما نُقل إلينا بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا جيلًا بعد جيل٣.
فثبت بذلك أن ما ليس بمتواتر لا يسمى قرآنًا، ولا يقرأ به تعبدًا.
стр. 57
قول مكي بن أبي طالب وابن الجزري في شروط قبول القراءات:
قيل: إن مكي بن أبي طالب لا يشترط التواتر؛ حيث قال:
"القراءات الصحيحة ما صح سندها إلى النبي ﷺ وساغ وجهها في العربية، ووافقت خط المصحف".
والحق أنه يشترط التواتر، كما تدل عبارته في الإبانة؛ حيث قسم القراءات إلى ثلاثة أقسام، وقال في القسم الأول: "قسم يقرأ به اليوم، وذلك ما اجتمع فيه ثلاث خلال؛ وهي: أن ينقل عن الثقات إلى النبي ﷺ ... ".
وقال في القسم الثاني: "ما صح نقله عن الآحاد ... "١.
فكلمة "الثقات" بالجمع تدل دلالة واضحة على اشتراطه التواتر، كما أن تعريفه للقسم الثاني يدل على أن مقصوده من القسم الأول هو المتواتر، ثم عدم جواز أخذ القرآن بأخبار الآحاد لديه يدل على أنه يرى التواتر شرطًا
стр. 58
لقبول القراءات١.
أما الإمام ابن الجزري، فقد صرح بعدم اشتراطه التواتر؛ حيث قال: "ولقد كنت قبل أجنح إلى هذا القول ثم ظهر فساده ... "٢.
وقوله هذا إشارة إلى ما قاله في كتابه "منجد المقرئين" باشتراط التواتر، ورجح فيه تواتر القراءات الثلاث المتممة للعشر؛ بل بالغ في الرد على الإمام ابن الحاجب الذي قال بتواتر الفرش دون الأصول٣.
ثم رجع عن هذا القول إلى ما أثبته في كتابه "النشر في القراءات العشر"٤.
وبهذا نرى أن الإمام ابن الجزري رجع من قوله السابق إلى عدم اشتراط التواتر لقبول القراءات، وهذا
стр. 59
الذي عبر عنه في نظمه بقوله: وصح إسنادًا هو القرآن١، ولا يضر عدم اشتراط ابن الجزري للتواتر، فغيره قد اشترط التواتر؛ بل أجمعت الأمة أو تكاد تجمع على اشتراطه.
يقول الإمام أبو القاسم النويري في شرحه على طيبة النشر:
وقوله: "وصح إسنادًا" ظاهره أن القرآن يكتفى في ثبوته -مع الشرطين المتقدمين- بصحة السند فقط ولا يحتاج إلى تواتر، وهذا قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدثين وغيرهم، ولقد ضل بسبب هذا القول قوم فصاروا يقرءون أحرفًا ولا يصح لها سند أصلًا، ويقولون: التواتر ليس بشرط٢.
والقرآن عند الجمهور من أئمة المذاهب الأربعة -منهم: الغزالي، وصدر الشريعة، وموفق الدين المقدسي، وغيرهم- هو: "ما نقل بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا".
فالتواتر جزء من الحد، فلا يتصور ماهية القرآن إلا به؛ وحينئذ فلا بُدَّ من حصول التواتر عند أئمة المذاهب الأربعة
стр. 60
ولم يخالف منهم أحد، وصرح به جماعات لا يحصون: كابن عبد البر، وابن عطية، وابن تيمية، والنووي، والزركشي، وابن الحاجب، وغيرهم.
وأما القراء فأجمعوا في أول الزمان على ذلك، وكذلك في آخره، ولم يخالف من المتأخرين إلا أبو محمد مكي، وتبعه بعض المتأخرين.
قال الإمام الجعبري في شرح الشاطبية:
"ضابط كل قراءة تواتر نقلها، ووافقت العربية مطلقًا، ورسم المصحف ولو تقديرًا؛ فهي من الأحرف السبعة، وما لا تجتمع فيه فشاذ"١.
وممن قال باشتراط التواتر من القراء: الإمام أبو القاسم الصفراوي "ت٦٣٦هـ"، والإمام الداني "ت٤٤٤هـ"، وأبو القاسم الهذلي "ت٤٦٥هـ"، وأبو الحسن السخاوي "ت٩٠٢هـ"، وغيرهم من كبار القراء٢.
وباشتراط التواتر قال كل من الغزالي في المستصفى، وصاحب مسلم الثبوت في كتابه في الأصول،
стр. 61
والسيوطي في الإتقان١.
٢- موافتها لوجه من وجوه اللغة العربية:
ويكتفي في ذلك بمجرد موافقتها لوجه من وجوه اللغة العربية؛ أي: سواء كان هذا الوجه أفصح أم فصيحًا، مجمعًا عليه أو مختلَفًا فيه، ما دامت القراءة صحيحة الإسناد، وموافقة لأحد المصاحف العثمانية، فلا يضرها كون الوجه ضعيفًا من حيث اللغة؛ كقراءة الإمام حمزة بجر كلمة "والأرحام" من قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ ٢.
حيث قرأ الباقون بالنصب عطفًا على لفظ الجلالة.
وقرأ الإمام حمزة بالجر في "والأرحام" عطفًا على الضمير المجرور في "به" على مذهب الكوفيين.
أو على أن الجار أعيد؛ ولكنه حذف للعلم به.
أو على القسم؛ تعظيمًا للأرحام وحثًّا على صلتها -على قول البصريين- وجوابه "الله"٣.
فقراءة الإمام حمزة صحيحة من حيث اللغة على كلا الوجهين، ولا قدح فيها، لا من حيث تواترها، ولا من حيث
стр. 62
موافقتها لوجه من وجوه اللغة.
فمتى ما صحت القراءة وثبتت فلا يردها قياس عربية ولا فُشُو لغة؛ لأن القراءة سُنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها١.
يقول الدكتور الزرقاني:
"فإن علماء النحو إنما استمدوا قواعده من كتاب الله تعالى وكلام رسوله وكلام العرب، فإذا ثبتت قرآنية القرآن بالرواية المقبولة كان القرآن هو الحكم على علماء النحو وما قعَّدوا من قواعد، ووجب أن يرجعوا هم بقواعدهم إليه، لا أن نرجع نحن بالقرآن إلى قواعدهم المخالفة نحكمها فيه، وإلا كان ذلك عكسًا للآية وإهمالًا للأصل في وجوب الرعاية"٢.
فثبوت القراءة سندًا هو الأصل الأعظم، والركن الأقوم، وهو المختار عند المحققين، وكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحو أو كثير منهم ولم يعتبر إنكارهم؛ بل أجمع الأئمة المقتدَى بهم من السلف على قبولها٣.
يقول الإمام أبو عمرو الداني:
"وأئمة القراء لا تعتمد في شيء من حروف القرآن
стр. 63
على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية؛ بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل والرواية"١.
٣- موافقتها لأحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا:
والمراد من موافقتها لأحد المصاحف: ما كان ثابتًا في بعضها دون بعض؛ كقراءة ابن عامر: "قالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه"٢ بغير واو قبل "قالوا"؛ لعدم وجودها في المصحف الشامي.
وكقراءته بزيادة الباء في الاسمين من قوله تعالى: "وبالزبر وبالكتاب المنير"٣؛ وذلك لثبوت الباء في ذلك المصحف.
وكقراءة ابن كثير بزيادة "مِنْ" في الموضع الأخير من سورة التوبة في قوله تعالى: "جنات تجري من تحتها الأنهار"٤؛ وذلك لثبوتها في المصحف المكي.
إلى غير ذلك من المواضع الكثيرة في القرآن الكريم التي اختلفت المصاحف فيها، فوردت القراءة عن أئمة تلك الأمصار على موافقة مصحفهم، فلو لم يكن لها وجود في أحد من المصاحف
стр. 64
العثمانية لكانت القراءة بها شاذة لمخالفتها للرسم المجمَع عليه.
والمراد من جملة "ولو احتمالًا": ما يوافق الرسم ولو تقديرًا؛ لأن موافقة القراءات للرسم قد تكون تحقيقًا وصريحًا، وقد تكون تقديرًا واحتمالًا، مثل قوله تعالى: "ملك يوم الدين"١.
فقد كُتبت كلمة "ملك" في الفاتحة بدون ألف في جميع المصاحف، وقُرئت بإثبات الألف بعد الميم على وزن "فاعل"، وبدونها على وزن "فَعِل"، والقراءتان متواترتان.
فقراءتها بحذف الألف موافقة للرسم تحقيقًا وصريحًا، كما كتب وقرئ "ملِكِ الناس"٢ بدون ألف بعد الميم.
وقراءتها بالألف محتملة تقديرًا، كما كتب: "قل اللهم ملك الملك"٣ بدون ألف وقرئ بالألف فقط، والألف تحذف في الكتابة اختصارًا؛ كما في أسماء الأفعال "قادر" و"صالح" وما إلى ذلك٤.
وللعلم أن موافقة اختلافات القراءات للرسم تحقيقًا
стр. 65
كثيرة، نحو: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ١، و ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ ٢.
حيث قرئت كلمتا: "أنصار" و"فنادته" بالفتح والإمالة، والقراءتان موافقتان للرسم تحقيقًا.
ونحو قوله تعالى: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ٣ بالياء "يُغْفَر لكم" وبالنون "نَغْفِرْ لكم" وبالتاء "تُغْفَر لكم"، وكلمة ﴿تَعْلَمُونَ﴾ ٤ بالياء وبالتاء.
كل ذلك يحتمله الرسم تحقيقًا؛ لخلو المصاحف العثمانية من النقط والشكل.
والمخالف لصريح الرسم في حرف مدغم أو مبدل أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك لا يعد مخالفًا إذا ثبتت القراءة به؛ ومن ثَمَّ لم يعدوا إثبات ياءات الزوائد أو حذفها من مخالفة الرسم المردودة؛ لأن الخلاف في ذلك يغتفر؛ إذ هو قريب يرجع إلى معنى واحد، وتمشيه صحة القراءة وشهرتها وتلقيها بالقبول، وذلك بخلاف زيادة كلمة ونقصانها، أو تقديمها وتأخيرها، حتى ولو كانت حرفًا واحدًا من حروف المعاني؛ فإن حكمه في حكم الكلمة، ولا يجوز مخالفة الرسم فيه، وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة اتباع الرسم ومخالفته٥.
стр. 66
القراءات التي تتوفر فيها الشروط المتقدمة:
القراءات التي تتوفر فيها الشروط المتقدمة المتفق عليها عند الجمهور:
هي القراءات السبع التي تُنسب إلى الأئمة السبعة المشهورين الذين اختارهم الإمام ابن مجاهد، وألف في قراءاتهم كتابه "السبعة".
وهذا القسم من القراءات يجب على المسلم اعتقاد قرآنيته، وأنه منزَّل من الله تعالى، ويقرأ به للتعبد في الصلاة وخارجها، وجحود حرف منه يستلزم الكفر والعياذ بالله١.
يقول الإمام ابن السبكي في جمع الجوامع:
"القراءات السبع متواترة تواترًا تامًّا ... ولا يضر كون أسانيد القراء آحادًا؛ إذ تخصيصها بجماعة لا يمنع مجيء القراءات عن غيرهم؛ بل هو الواقع، فقد تلقاها عن أهل كل بلد بقراءة إمامهم الجم الغفير عن مثلهم، وهلم جرًّا، وإنما أسندت إلى الأئمة المذكورين ورواتهم المذكورين في
стр. 67
أسانيدهم؛ لتصديهم لضبط حروفها وحفظ شيوخهم الكمل فيها١.
أما ما ذهب إليه ابن الحاجب من أن "القراءات السبع متواترة فيما ليس من قبيل الأداء كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة ونحوه ... ".
وما ذهب إليه أبو شامة المقدسي من أن "القراءات السبع متواترة فيما اتفقت الطرق على نقله عن القراء، أما ما اختلفت الطرق في نقله عنهم فليس بمتواتر ... " فكل ذلك كلام لا يحالفه الصواب ولا يسلم لهما، وهما في ذلك على خلاف ما ذهب إليه الجمهور٢.
وهذا القسم من القراءات هو ما كتب فيه كثير من الأئمة القراء، ومن أشهرهم الإمام أبو عمرو الداني "ت٤٤٤هـ" الذي ألَّف فيه كتابه "التيسير" الذي نظمه الإمام الشاطبي في قصيدته اللامية المعروفة بـ"الشاطبية"، وقد رويت فيهما القراءات السبع بالطرق التالية:
стр. 68
وتلحق بهذا القسم القراءات الثلاث التي أثبت الإمام ابن الجزري تواترها، ورد على مَن أنكر تواترها أو قدح فيها، واستفتى فيها علماء عصره فوافقواه في حكم التواتر عليها، وهي القراءات التي تنسب إلى كل من:
١- الإمام أبي جعفر يزيد بن القعقاع المدني ت١٢٨هـ.
٢- الإمام يعقوب بن إسحاق الحضرمي ت٢٠٥هـ.
٣- الإمام خلف بن هشام البزار البغدادي ت٢٢٩هـ.
وقد عقد الإمام ابن الجزري فصلًا مستقلًّا في كتابه "منجد المقرئين" لبيان تواتر القراءات العشر١.
واتفق الجمهور على أن ما وراء العشر فكلها شاذة.
يقول الإمام ابن الجزري:
"والذي جمع في زماننا هذه الأركان الثلاثة هو قراءة الأئمة العشرة التي أجمع الناس على تلقيها بالقبول، أخذها الخلف عن السلف إلى أن وصلت إلى زماننا، فقراءة أحدهم كقراءة الباقين في كونها مقطوعًا بها، أما قول من قال: إن القراءات المتواترة لا حد لها، فإن أراد القراءات المعروفة في زماننا، فغير صحيح؛ لأنه لا يوجد اليوم قراءة متواترة وراء القراءات العشر، وإن أراد ما يشمل قراءات الصدر الأول فيحتمل إن شاء الله"٢.
وقال ابن السبكي في جمع الجوامع:
"والصحيح أن ما وراء العشر فهو شاذ"٣.
стр. 69
أشهر الكتب المؤلفة في القراءات المتواترة:
لقد أُلفت كتب كثيرة في القراءات المتواترة؛ ولكن معظمها مخطوط ولم تُعطَ حقها من الرعاية والتحقيق، وفيما يلي ذكر لبعض أشهر الكتب المؤلفة في القراءات السبع والثلاث أو العشر من حيث المجموع؛ فمنها:
١- "السبعة" لأبي بكر بن مجاهد "ت٣٢٤هـ" طبع بتحقيق: الدكتور/ شوقي ضيف.
٢- "التيسير في القراءات السبع" لأبي عمرو الداني "ت٤٤٤هـ" طبع بتصحيح المستشرق: أوتوبرتزل.
٣- "التبصرة في القراءات السبع" لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيرواني "ت٤٣٧هـ" طبع بتحقيق: الدكتور/ محمد غوث الندوي.
٤- "الإقناع في القراءات السبع" لأبي جعفر ابن الباذش الأنصاري "ت٥٤٠" طبع في مجلدين بتحقيق: الدكتور/
стр. 70
عبد المجيد قطامش - جامعة أم القرى.
٥- "تحبير التيسير" لابن الجزري "ت٨٣٣هـ" مطبوع.
٦- "جامع البيان في القراءات السبع" لأبي عمرو الداني، وقد حقق الدكتور/ عبد المهيمن طحان جزءًا منه، ولم يطبع بعد.
٧- "حرز الأماني ووجه التهاني" المعروف بـ"الشاطبية" للإمام القاسم بن فيرة الشاطبي "ت٥٩٠هـ" مطبوع ومتداول.
٨- "فتح الوصيد" للإمام السخاوي "ت٦٤٣هـ"، وهو أول شرح للشاطبية، ولم يطبع.
٩- "كنز المعاني" لمحمد بن أحمد الموصلي المعروف بـ"شعلة" "ت٦٥٦هـ"، مطبوع.
١٠- "إبراز المعاني" لأبي شامة المقدسي "ت٦٦٥هـ" مطبوع.
١١- "كنز المعاني" للإمام الجعبري "ت٧٣٢هـ".
١٢- "سراج القارئ المبتدئ" لأبي قاسم علي بن عثمان المعروف بابن القاصح البغدادي "ت٨٠١هـ" مطبوع.
١٣- "غيث النفع في القراءات السبع" للصفاقسي، طبع على هامش كتاب: سراج القارئ لابن القاصح.
١٤- "الوافي في شرح الشاطبية" للشيخ/ عبد الفتاح القاضي، مطبوع.
стр. 71
١٥- "الإرشادات الجلية في القراءات السبع" للدكتور/ محمد سالم محيسن، مطبوع.
١٦- "التذكرة في القراءات الثمان" للإمام/ طاهر بن غلبون "ت٣٩٩هـ"، طبع في مجلدين بتحقيق الشيخ/ أيمن سويد.
١٧- "المبسوط في القراءات العشر" لأبي بكر بن مهران الأصبهاني النيسابوري "٢٩٥-٣٨١هـ" طبع في مجلد واحد بتحقيق سبيع حمزة حاكمي.
١٨- "الغاية في القراءات العشر" لابن مهران، طبع بتحقيق: محمد غياث الجنباز.
١٩- "التخليص في القراءات الثمان" لأبي معشر الطبري "ت٤٧٨هـ" تحقيق: محمد حسن عقيل موسى.
٢٠- "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري "ت٨٣٣هـ"، طبع في مجلدين بتصحيح الشيخ/ علي محمد الضباع، وبتحقيق الدكتور/ شعبان محمد إسماعيل.
٢١- "تقريب النشر في القراءات العشر" لابن الجزري، مطبوع في مجلد واحد.
٢٢- "طيبة النشر في القراءات العشر" لابن الجزري، منظومة في القراءات العشر الكبرى، مطبوع.
٢٣- "البدور الزاهرة في القراءات العشر" "الصغرى" للشيخ/ عبد الفتاح القاضي، مطبوع.
стр. 72
٢٤- "المهذب في القراءات العشر" "الكبرى" للدكتور/ محمد سالم محيسن، مطبوع.
٢٥- "الدرة المضيئة في القراءات الثلاث" لابن الجزري، منظومة.
٢٦- "التذكرة في القراءات الثلاث من طريق الدرة" للدكتور/ محمد سالم محيسن، مطبوع في مجلدين.
وهناك رسائل ومنظومات أخرى في بعض الروايات المفردة منها مطبوع ومنها ما لم يطبع بعد.
стр. 73
أمثلة لبعض القراءات المتواترة:
تجري القراءات المتواترة -وهي العشر التي مر ذكرها سابقًا- في القرآن كله؛ ولكن نمثل لها من خلال سورة الفاتحة فقط:
١- قوله تعالى: "ملك يوم الدين"١.
قرأ عاصم والكسائي ويعقوب وخلف بالألف "مالك" على وزن "فاعل".
والباقون بدون ألف "مَلِك" على صيغة صفة مشبهة.
قال الشاطبي:
ومالك يوم الدين روايه ناصر٢ ... ..............................
ويقول ابن الجزري: ومالك حزفز٣.
٢- كلمة "الصراط" المعرفة بـ"أل" و"صراط" غير المعرفة بـ"أل".
قرأ قنبل عن ابن كثير ورويس عن يعقوب بالسين الخالصة؛ حيث وقعتا في القرآن الكريم.
وقرأ خلف عن حمزة بإشمام الصاد بالزاء حيث وقعتا، وقرأ خلاد مثل خلف في الموضع الأول فقط وهو ﴿اهْدِنَا
стр. 74
الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ في الفاتحة.
والباقون بالصاد الخالصة في جميع القرآن ومعهم خلاد.
وكيفية الإشمام هنا: أن تخلط لفظ الصاد بالزاء وتمزج أحد الحرفين بالآخر بحيث يتولد منهما حرف ليس بصاد خالصة ولا بزاء خالصة؛ ولكن يكون صوت الصاد متغلبًا على صوت الزاء، وهو المراد من الإشمام، ويكون النطق -كما يقول الشيخ عبد الفتاح القاضي ﵀ كنطق العوام لحرف الظاء١.
قال الشاطبي:
.............................. ... وعند سراط والصراط لـ"قنبلا"
بحيث أتى والصاد زايا أشمها ... لدى خلف واشمم لخلاد الأولا٢
وقال ابن الجزري:
................................... ... ............. والصراط فـ"استجلا"
وبالسين طـ"ب"٣................ ... ..................................
٣- ﴿عَلَيْهِمْ﴾ قرأ ابن كثير وأبو جعفر وقالون بخلف عنه -أي: في أحد وجهيه- بضم ميم الجمع حالة الوصل مع وصلها
стр. 75
بواو لفظًا، وهو ما يُسمى في عرف القراء "بالصلة".
والباقون بإسكان الميم وصلًا ووقفًا.
وقرأ حمزة ويعقوب بضم الهاء وصلًا ووقفًا، والباقون بكسرها مطلقًا.
قال الشاطبي:
عليهم إليهم حمزة ولديهمو ... جميعًا بضم الهاء وقفًا وموصلا
وصل ضم ميم الجمع قبل محرك ... دراكًا وقالون بتخييره جلا١
وقال ابن الجزري:
واكسر عليهم إليهم لديهم ... فتى والضم في الهاء حللا
عن الياء إن تسكن سوى الفرد ... ...........................٢