← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 8639

صفحات في علوم القراءات

عبد القيوم عبد الغفور السندي

Полный текст (434 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

١٥- "الإرشادات الجلية في القراءات السبع" للدكتور/ محمد سالم محيسن، مطبوع. ١٦- "التذكرة في القراءات الثمان" للإمام/ طاهر بن غلبون "ت٣٩٩هـ"، طبع في مجلدين بتحقيق الشيخ/ أيمن سويد. ١٧- "المبسوط في القراءات العشر" لأبي بكر بن مهران الأصبهاني النيسابوري "٢٩٥-٣٨١هـ" طبع في مجلد واحد بتحقيق سبيع حمزة حاكمي. ١٨- "الغاية في القراءات العشر" لابن مهران، طبع بتحقيق: محمد غياث الجنباز. ١٩- "التخليص في القراءات الثمان" لأبي معشر الطبري "ت٤٧٨هـ" تحقيق: محمد حسن عقيل موسى. ٢٠- "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري "ت٨٣٣هـ"، طبع في مجلدين بتصحيح الشيخ/ علي محمد الضباع، وبتحقيق الدكتور/ شعبان محمد إسماعيل. ٢١- "تقريب النشر في القراءات العشر" لابن الجزري، مطبوع في مجلد واحد. ٢٢- "طيبة النشر في القراءات العشر" لابن الجزري، منظومة في القراءات العشر الكبرى، مطبوع. ٢٣- "البدور الزاهرة في القراءات العشر" "الصغرى" للشيخ/ عبد الفتاح القاضي، مطبوع.

стр. 72

٢٤- "المهذب في القراءات العشر" "الكبرى" للدكتور/ محمد سالم محيسن، مطبوع. ٢٥- "الدرة المضيئة في القراءات الثلاث" لابن الجزري، منظومة. ٢٦- "التذكرة في القراءات الثلاث من طريق الدرة" للدكتور/ محمد سالم محيسن، مطبوع في مجلدين. وهناك رسائل ومنظومات أخرى في بعض الروايات المفردة منها مطبوع ومنها ما لم يطبع بعد.

стр. 73

أمثلة لبعض القراءات المتواترة: تجري القراءات المتواترة -وهي العشر التي مر ذكرها سابقًا- في القرآن كله؛ ولكن نمثل لها من خلال سورة الفاتحة فقط: ١- قوله تعالى: "ملك يوم الدين"١. قرأ عاصم والكسائي ويعقوب وخلف بالألف "مالك" على وزن "فاعل". والباقون بدون ألف "مَلِك" على صيغة صفة مشبهة. قال الشاطبي: ومالك يوم الدين روايه ناصر٢ ... .............................. ويقول ابن الجزري: ومالك حزفز٣. ٢- كلمة "الصراط" المعرفة بـ"أل" و"صراط" غير المعرفة بـ"أل". قرأ قنبل عن ابن كثير ورويس عن يعقوب بالسين الخالصة؛ حيث وقعتا في القرآن الكريم. وقرأ خلف عن حمزة بإشمام الصاد بالزاء حيث وقعتا، وقرأ خلاد مثل خلف في الموضع الأول فقط وهو ﴿اهْدِنَا

стр. 74

الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ في الفاتحة. والباقون بالصاد الخالصة في جميع القرآن ومعهم خلاد. وكيفية الإشمام هنا: أن تخلط لفظ الصاد بالزاء وتمزج أحد الحرفين بالآخر بحيث يتولد منهما حرف ليس بصاد خالصة ولا بزاء خالصة؛ ولكن يكون صوت الصاد متغلبًا على صوت الزاء، وهو المراد من الإشمام، ويكون النطق -كما يقول الشيخ عبد الفتاح القاضي ﵀ كنطق العوام لحرف الظاء١. قال الشاطبي: .............................. ... وعند سراط والصراط لـ"قنبلا" بحيث أتى والصاد زايا أشمها ... لدى خلف واشمم لخلاد الأولا٢ وقال ابن الجزري: ................................... ... ............. والصراط فـ"استجلا" وبالسين طـ"ب"٣................ ... .................................. ٣- ﴿عَلَيْهِمْ﴾ قرأ ابن كثير وأبو جعفر وقالون بخلف عنه -أي: في أحد وجهيه- بضم ميم الجمع حالة الوصل مع وصلها

стр. 75

بواو لفظًا، وهو ما يُسمى في عرف القراء "بالصلة". والباقون بإسكان الميم وصلًا ووقفًا. وقرأ حمزة ويعقوب بضم الهاء وصلًا ووقفًا، والباقون بكسرها مطلقًا. قال الشاطبي: عليهم إليهم حمزة ولديهمو ... جميعًا بضم الهاء وقفًا وموصلا وصل ضم ميم الجمع قبل محرك ... دراكًا وقالون بتخييره جلا١ وقال ابن الجزري: واكسر عليهم إليهم لديهم ... فتى والضم في الهاء حللا عن الياء إن تسكن سوى الفرد ... ...........................٢

стр. 76

المبحث الثالث: القراءات الشاذة تعريفها لغة واصطلاحا ... المبحث الثالث: القراءات الشاذة تعريغها لغة واصطلاحا: تعريف الشاذ: لغة من الشذوذ بمعنى: الانفراد، شذ يشذ شذوذًا، يقال شذ الرجل: إذا انفرد عن أصحابه واعتزل منهم، وكل شيء منفرد فهو شاذ١. واصطلاحًا: "كل قراءة فقدت أحد الأركان الثلاثة لقبولها". بحيث إنها: ١- لم تكن متواترة. ٢- أو خالفت رسم المصاحف العثمانية كلها. ٣- أو لم يكن لها أصل في اللغة العربية، فهي شاذة. وقيل: الشاذ: ما ليس بمتواتر٢. فكأنَّ القراءة التي لم تصل إلى درجة التواتر -عند الجمهور- أو إلى الشهرة أو الاستفاضة - عند ابن الجزري ومَن معه- فهي شاذة؛ لأن الأصل في قبول أي قراءة هو

стр. 77

وصولها إلى درجة التواتر، أما الشرطان الأخيران فللاستئناس بهما؛ لأنه لا توجد قراءة متواترة مخالفة للشرطين الأخيرين أو أحدهما، أما القراءة غير المتواترة فقد تكون مخالفة للشرط الثاني أو تكون مخالفة للشرط الثالث، وهذا هو حال جميع القراءات الشاذة. ولا توجد قراءة متواترة لم يقرأ بها أحد القراء العشرة المشهورين، فعلى هذا لنا أن نقول: إن القراءات الشاذة هي ما وراء القراءات العشر المتواترة المتداوَلة والمروية من القراء العشرة المعروفين١. يقول الإمام النويري رحمه الله تعالى: "أجمع الأصوليون والفقهاء على أنه لم يتواتر شيء مما زاد على القراءات العشرة، كذلك أجمع عليه القراء أيضًا إلا من لا يعتد بخلافه"٢. وقال ابن الجزري: "والذي جمع في زماننا الأركان الثلاثة هي قراءة

стр. 78

الأئمة العشرة التي أجمع الناس على تلقيها بالقبول"١. وقال: "وقول من قال: إن القراءات المتواترة لا حد لها، إن أراد في زماننا فغير صحيح؛ إذ لا يوجد اليوم قراءة متواترة وراء العشرة، وإن أراد في الصدر الأول فيحتمل إن شاء الله"٢. وقال ﵀ نقلًا عن ابن السبكي: "والصحيح أن ما وراء العشرة فهو شاذ"٣. وعلى هذا، فالقراءات المروية بطريق الآحاد أو المدرجة -وهي التي زيدت في القراءات على وجه التفسير- تندرج تحت الشاذة، أما التي لا سند لها مطلقًا أو ما روي بالمعنى فلا تدخل في تعريفها.

стр. 79

زمن شذوذ القراءات: هنا سؤال يطرح نفسه؛ وهو أنه: متى تميزت القراءات المتواترة عن القراءات الشاذة؟ وبتعبير آخر: متى شذت القراءات؟ وللإجابة على ذلك رأيت قولين لعلماء القراءات من المعاصرين: ١- قول الدكتور/ محمد سالم محيسن: وخلاصة قوله: إن الحد الفاصل بين القراءات الصحيحة والشاذة هو: العرضة الأخيرة التي عرض فيها الرسول ﷺ القرآن الكريم على جبريل ﵇ مرتين في شهر رمضان، وقد نسخت فيها بعض الآيات القرآنية، فكل ما نسخ حتى العرضة الأخيرة يعتبر شاذًّا١. ٢- قول الدكتور/ شعبان محمد إسماعيل: وخلاصة قوله: إن الشذوذ بدأ يظهر في عصر الخليفة عثمان ﵁ حينما كتبت المصاحف، وأمر بإحراق ما عداها، فيعتبر ذلك حدًّا فاصلًا بين القراءات الصحيحة والشاذة، ويُدرك ذلك بالتأمل في أركان القراءة الصحيحة حيث موافقة القراءة لأحد المصاحف العثمانية شرط لقبولها٢.

стр. 80

ولما أنني لم أعثر على قول لأحد من المتقدمين في ذلك، ولا يوجد أمامنا إلا ما أفادنا به هؤلاء المعاصرون الأفاضل -جزاهم الله خيرًا- فالذي أراه هنا -والله أعلم- هو أن نقول: إن القراءات شذَّت على مرحلتين: أ- في العرضة الأخيرة وما قبلها، فالمنسوخ من القرآن حتى العرضة الأخيرة يعتبر شاذًّا، ويدخل فيه ما نقل عن مصحف أُبي بن كعب أو عن مصحف ابن مسعود ﵄ وهو منسوخ التلاوة. ب- حين أمر عثمان ﵁ بجمع المصاحف، وحمل الأمة عليها، فكل ما كان مع الصحابة من القرآن المنسوخ ولم يعلموا بنسخه، أو كان يُقرأ ولم يثبت تواتره فخالف رسم المصاحف العثمانية، كل ذلك يعتبر شاذًّا.

стр. 81

مدى حجبة القراءات الشاذة وحكم العمل بها ... مدى حجية القراءات الشاذة وحكم العمل بها: أ- حكم القراءة بالشاذ: ١- أجاز بعض العلماء القراءة بالشاذ؛ لأن الصحابة كانوا يقرءون بها في الصلاة وخارجها، فلو لم تجز القراءة بها لكان أولئك لم يصلوا قط؛ بل ارتكبوا محرمًا، ومرتكب الحرام يسقط الاحتجاج بخبره، وهم نقلة الشريعة فيسقط بذلك أساس الإسلام، والعياذ بالله١. وهذا أحد القولين لأصحاب الشافعي وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك وأحمد. ٢- الجمهور على عدم جواز القراءة بالشاذ للتعبد بها مطلقًا، لا في الصلاة ولا خارجها؛ بل نقل البعض إجماع المسلمين على ذلك -كابن عبد البر وغيره- بحجة أن الشواذ لم تثبت بالتواتر، فلا يحكم بقرآنيتها؛ لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وإن ثبتت بالنقل فإنها منسوخة بالعرضة الأخيرة أو بإجماع الصحابة على المصحف العثماني. وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة من قرأ بالشواذ، وقصة كل واحد من ابن شنبوذ ابن مقسم العطار معروفة في ذلك.

стр. 82

قال ابن الجزري: "والذي نص عليه أبو عمرو بن الصلاح وغيره: أن ما وراء العشر ممنوع من القراءة به منع تحريم لا منع كراهة. وقال ابن السبكي: لا تجوز القراءة بالشاذ"١. ٣- وقد توسط بعض العلماء فقال: إن قرأ بها في القراءة الواجبة في الصلاة -وهي الفاتحة- عند القدرة على غيرها لم تصح صلاته؛ لأنه لم يتيقن أنه أدى الواجب من القراءة؛ لعدم ثبوت القرآن بذلك، وإن قرأ بها فيما لا يجب لم تبطل؛ لأنه لم يتيقن أنه أتى في الصلاة بمبطل؛ لجواز أن يكون ذلك من الحروف التي أنزل عليها القرآن٢. ب- حكم العمل أو الاستشهاد بالقراءات الشاذة: ١- الجمهور على جواز العمل بها تنزيلًا لها منزلة أخبار الآحاد، وأخبار الآحاد مقبولة عند العلماء، يجوز العمل بها واستنباط الأحكام الشرعية منها، وقد احتج

стр. 83

العلماء بها في كثير من الأحكام الفقهية، كما في قطع يمين السارق على قراءة ابن مسعود ﵁: "والسارق والسارقة فاقطعوا / أيمانهما"١ بدل: "أيديهما". واحتجت الحنفية على وجوب التتابع في صوم كفارة اليمين بقراءة ابن مسعود ﵁: "فصيام ثلاثة أيام / متتابعات"٢ بزيادة كلمة "متتابعات". ٢- خالف في ذلك جمهور الشافعية؛ بحجة القراءات الشاذة لم تثبت قرآنيتها، فلا يجوز العمل بها. وأجاب الجمهور عن ذلك بأنه لا يلزم من انتفاء قرآنيتها انتفاء عموم كونها أخبارًا؛ أي: أنها في حكم العمل بخبر الواحد، وخبر الواحد يعمل به٣. هذا، ويجوز الاستشهاد بالقراءات الشاذة في القواعد النحوية والصرفية باتفاق العلماء. ويجوز كذلك تعلمها وتعليمها نظريًّا لا عمليًّا، ويجوز تدوينها في الكتب وبيان وجهها من حيث اللغة والإعراب٤.

стр. 84

رواة القراءات الشاذة: القراءات الشاذة كثيرة لا حصر لها، وكذلك رواتها، حتى رُوي بعض الشواذ عن بعض رواة المتواترة. ورواة القراءات الشاذة قسمان: أ- الرواة الأربعة بعد العشرة؛ وهم: ١- الحسن البصري "ت١١٠هـ". ٢- محمد بن عبد الرحمن بن محيصن "ت١٢٣هـ". ٣- يحيى بن المبارك اليزيدي البغدادي "ت٢٠٢هـ". ٤- سليمان بن مهران الأسدي الأعمش "ت١٤٨هـ"١. وقد أجمع العلماء على الحكم بالشذوذ على القراءات التي انفرد بنقلها أحد هؤلاء الأئمة الأربعة أو راوٍ من رواتهم؛ وذلك لعدم تواترها؛ بل لعدم وصولها إلى درجة الشهرة والاستفاضة لاضطراب النقلة في ضبط بعض ألفاظها، ولأن بعضها مخالف لرسم المصاحف العثمانية وبعضها مخالف للغة العرب٢.

стр. 85

ب- رواة الشواذ عمومًا، وهم كثيرون، منهم كبار الصحابة والتابعين: ١- ابن مسعود ﵁ "ت٣٢هـ". ٢- ابن الزبير ﵁ "ت٧٣هـ". ٣ مسروق بين الأجدع الكوفي "ت٦٣هـ". ٤- نصر بن عاصم الليثي البصري "ت٩٩هـ". ٥- مجاهد بن جبر المكي "ت١٠٣هـ". ٦- أبو موسى الأشعري ﵁ "ت٥٢هـ". ٧- الضحاك بن مزاحم "ت١٠٥هـ". ٨- محمد بن سيرين البصري "ت١١٠هـ" وغيرهم كثيرون١.

стр. 86

أمثلة لبعض القراءات الشاذة: ١- ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ ١: قرأ أُبي بن كعب "تأتينكم" بتاء التأنيث؛ لأن الفاعل "رسل" جمع تكسير يجوز في فعله التذكير والتأنيث، وهي غير متواترة. ٢- ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٢: قرأ مسروق بن الأجدع عن ابن مسعود: "فامضوا". وهي مخالفة للرسم العثماني، وتعتبر مدرجة وتفسيرًا للقراءة المتواترة. ٣- ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ٣: رُوي عن ابن مسعود ﵁ أنه قرأ: "والذكر والأنثى". وهي غير متواترة وغير موافقة للرسم العثماني. ومن القراءات الشاذة التي رُويت عن ابن شنبوذ "ت٣٢٨هـ" وكتبها ابن مجاهد بيده في المحضر عليه وسألوه عنها فاعترف بها، وكان ذلك في يوم السبت ٦/ ٤/ ٣٢٣هـ: ١- "فامضوا إلى ذكر الله" بدل ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] . ٢- "وتجعلون شكركم أنكم تكذبون" بدل ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٢] . ٣- "كل سفينة صالحة غصبا" بدل ﴿كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] . ٤- "كالصوف المنقوش" بدل

стр. 87

﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] . ٥- "فاليوم ننحيك ببدنك" بدل ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢] . ٦- "تبت يدا أبي لهب وقد تب" بدل ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [اللهب: ١] . ٧- "فلما خر تبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين" بدل ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤] . ٩- "فقد كذب الكافرون فسوف يكون لزامًا" بدل ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] . ١٠- "وينهون عن المنكر ويستغيثون الله على ما أصابهم وأولئك هم المفلحون" بدل ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] . ١١- "تكن فتنة في الأرض وفساد عريض" بدل ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣] . ويبدو أن الرجل كان مغترًّا بعلمه؛ ولذلك أغلظ للوزير في الخطاب وللقاضي ولابن مجاهد، ونسبهم إلى قلة المعرفة

стр. 88

وأنهم ما سافروا في طلب العلم كما سافر١. ومن الملاحظ أن معظم القراءات الشاذة إما غير متواتر أو غير موافق للرسم. ولا يعتبر ورودها عن بعض العلماء طعنًا في شخصيته، ومكانته العلمية، وقد وردت قراءات شاذة عن بعض الأئمة العشرة الذين وصلتنا قراءاتهم بالتواتر، وذلك ما يؤكد أن العبرة ليست بالنظر إلى القارئ ومكانته؛ وإنما العبرة بمدى صحة الضابط والقانون الذي وضعه العلماء لمعرفة القراءة الصحيحة٢.

стр. 89

المبحث الرابع: حول حديث نزول القرآن الكريم على الأحرف السبعة أهمية الحديث المذكور ... المبحث الرابع: حديث "نزول القرآن على الأحرف السبعة" أهمية الحديث المذكور: حديث نزول القرآن الكريم على الأحرف السبعة حديث عظيم من أشهر الأحاديث المتواترة، ولقد نص على تواتره غير واحد من الأعلام؛ منهم: ١- الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام "ت٢٢٤هـ". ٢- الإمام أبو عمرو الداني "ت٤٤٤هـ". ٣- الإمام ابن القاصح "ت٨٠١هـ". ويؤكد تواتره اشتمال القرآن الكريم على القراءات المتواترة التي ترجع في أصلها إلى الأحرف السبعة. وقد أخرجه أصحاب الكتب الستة، وابن أبي شيبة في مصنفه، وأحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه وغيرهم، ولا يكاد يخلو منه مصنف في الحديث أو في علوم القرآن والقراءات والتفسير١. ولقد شغل الحديث بال العلماء قديمًا وحديثًا. قال ابن الجزري:

стр. 90

"وما زلت أستشكل هذا الحديث وأفكر فيه وأمعن النظر من نيِّف وثلاثين سنة، حتى فتح الله عليَّ بما يمكن أن يكون صوابًا إن شاء الله"١. وقال الدكتور/ محمد عبد العظيم الزرقاني: "هذا مبحث طريف وشائق، غير أنه مخيف وشائك ... "٢. وقد أفرد علماء كثيرون هذا الحديث بالتأليف؛ منهم: ١- الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام "ت٢٢٤هـ". ٢- الإمام ابن قتيبة الدينوري "ت٢٧٦هـ". ٣- الإمام أبو الفضل الرازي "ت٤٥٤هـ". ٤- الإمام أبو شامة المقدسي "٥٩٩-٦٦٥هـ". ٥ - الإمام ابن الجزري "٧٥١-٨٣٣هـ". ٦- الشيخ محمد بخيت المطيعي من علماء القرن الرابع عشر الهجري. وقد كتب فيه سعادة الدكتور/ أبو مجاهد عبد العزيز القارئ عميد كلية القرآن الكريم "سابقًا" في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة مقالًا أجاد فيه وأفاد، نشرته مجلة كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية بالمدينة المنورة في عددها الأول عام ١٤٠٢-١٤٠٣هـ، كما صدر حديثًا كتاب في ذلك للدكتور/ حسن ضياء الدين عتر بعنوان: "الأحرف السبعة ومنزلة القراءات منها".

стр. 91

بعض روايات حديث الأحرف السبعة: روى هذا الحديث أكثر من عشرين صحابيًّا، وروى عنهم جَمْعٌ كبير من التابعين بطرق وأسانيد كثيرة١، ولسنا في حاجة إلى سردها كلها؛ وإنما نذكر نموذجًا من رواياتها؛ فمنها: ١- حديث المخاصمة بين عمر وهشام بن حكيم ﵄ وفي آخر الحديث: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه" ٢. ٢- رُوي عن عثمان بن عفان ﵁ أنه صَعِدَ على المنبر يومًا للخطبة فقال: أذكر الله رجلًا سمع النبي ﷺ قال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف" لما قام فقاموا حتى لم يحصوا، فشهدوا أن رسول الله

стр. 92

صلى الله عليه وسلم قال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف" فقال عثمان: وأنا أشهد معهم١. ٣- حديث أُبي بن كعب ﵁ وكان قد سمع رجلين يقرأ كل واحد منهما على غير قراءته، وقد حسن النبي ﷺ قراءتهما، فوقع في نفس أُبي ما وقع ثم شرح الله صدره، وفيه: "يا أبي، أرسل إليَّ أن اقرأ على حرف، فرددت إليه أن هوِّن على أمتي، فردَّ إليَّ الثانية: اقرأه على حرفين، فرددت إليه أن هوِّن على أمتي، فرد إليَّ الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف ... " ٢. ٤- حديث آخر عن أبي بن كعب ﵁ أن النبي ﷺ كان عند أضاة٣ بني غفار، فأتاه جبريل ﵇ فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك -وفي رواية: أن تقرئ أمتك- القرآن على حرف، فقال

стр. 93

صلى الله عليه وسلم: "أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين، فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا١. ٥- حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول لله ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر -ثلاثًا- ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم فردوه إلى عالمه" ٢.

стр. 94

معنى "الحروف "لغة ... معنى "الحرف" لغة: - "الأحرف" جمع: حرف كفَلْس وأفْلُس. - والحرف في الأصل بمعنى: الطرف والحد أو الجانب والناحية. - وحرف الجبل والرغيف والنهر والصف: جانبه. - وسمي الواحد من حروف الهجاء "حرفًا"؛ لأنه جزء من كملة وطرفها. - ويطلق "الحرف" على الكلمة الواحدة، وعلى الخطبة أو القصيدة بكاملها. - وتسمى الناقة الضامرة حرفًا، تشبيهًا لها بحرف الجبل في شدتها وصلابتها. - ويستعمل في الدلالة على وجه من وجوه القراءة المتعددة. - وتسمى قراءة كل قارئ حرفًا، يقال: حرف أبي بن كعب، وحرف ابن مسعود؛ أي: قراءته١.

стр. 95

المراد بـ"السبعة ": ١- ذهب بعض العلماء إلى أن "السبعة" ليست على حقيقتها؛ وإنما المراد بها الكثرة في الآحاد، كما يدل "السبعين" على الكثرة في العشرات، و"السبعمائة" على الكثرة في المئات١. ٢- وذهب الجمهور إلى أن "السبعة" على حقيقتها، وهو العدد الآحادي بين الستة والثانية، وهو الراجح لورود كلمة "السبعة" في جميع روايات الحديث، فهو من المتواتر اللفظي٢.

стр. 96

أقوال العلماء في المراد بـ "الأحرف السبعة " مدخل ... أقوال العلماء في المراد بـ"الأحرف السبعة": اختلف العلماء في ذلك اختلافًا كبيرًا حتى بلغت الأقوال إلى أكثر من أربعين قولًا١. وقد عدَّها السيوطي في الإتقان٢؛ ولكن أكثرها غير مختار كما قال المنذري٣. قال الشريف المزني المرسي فيما نقل عنه السيوطي: "هذه الوجوه أكثرها متداخلة، ولا أدري مستندها ولا عمن نقلت، ولا أدري لِمَ خَصَّ كل واحد منهم هذه الأحرف السبعة بما ذكر ... ومنها أشياء لا أفهم معناها على الحقيقة، وأكثرها معارضة حديث عمر وهشام بن حكيم -الذي في الصحيح- فإنهما لم يختلفا في تفسيره ولا أحكامه؛ وإنما اختلفا في قراءة حروفه ... ". وقال ابن حبان: " ... وهي أقاويل يشبه بعضها بعضًا، وكلها محتملة، ويُحتمل غيرها"٤. ويمكن تقسيم تلك الأقوال إلى قسمين: ١- قسم لا يعتد به ولا دليل عليه. ٢- قسم آخر له دليل في الجملة أو شبهة دليل٥. وفيما يلي نقدم نماذج من كل قسم:

стр. 97

القسم الأول: نمثل لهذا القسم ببعض الآراء والأقوال المحكية عن بعض أهل الفقه وأهل اللغة والبلاغة وأهل التصوف: ١- القول الأول: المحكي عن بعض أهل الفقه: قالوا: المراد بالأحرف السبعة: سبعة أشياء؛ وهي: "المطلق والمقيد، الخاص والعام، النص والمؤول، الناسخ والمنسوخ، المجمل والمفسر، الاستثناء وأقسامه"١. ٢- القول الثاني: المحكي عن بعض أهل اللغة والبلاغة: قالوا: المراد بالأحرف السبعة: "الحذف والصلة، التقديم والتأخير، القلب والاستعارة، التكرار والكناية، الحقيقة والمجاز، المجمل والمفسر، الظاهر والغريب"٢. ٣- القول الثالث: المحكي عن بعض أهل التصوف: قالوا: المراد بالأحرف السبعة: سبعة أنواع من المعاملات والمبادلات؛ وهي: "الزهد والقناعة مع اليقين، الحزم والخدمة مع الحياء، الكرم والفتوة مع الفقر، المجاهدة والمراقبة مع

стр. 98

الخوف، الرجاء والتضرع والاستغفار مع الرضا، الشكر والصبر مع المحاسبة، المحبة والشوق مع المشاهدة"١. مجمل الرد على هذا القسم من الأقوال: ١- أنها لا تستند إلى دليل شرعي أو حجة واضحة تدل على ما ذهبوا إليه؛ وإنما نزَّل كل طائفة منهم "الأحرف" على ما يوافق اتجاهه العلمي أو الفكري والعملي. ٢- أنها لا تتفق مع دلالات الأحاديث الواردة في "الأحرف السبعة" التي تبين بالوضوح أن المراد بها كيفية النطق بالألفاظ واختلاف القراءات. ٣- تحديد المفهوم بما ذكروا لا يؤدي إلى اليسر والتوسعة على الأمة والتخفيف عنها، ورفع المشقة عن الأمة في أمر القراءة هو المقصود الأساسي من نزول القرآن الكريم على الأحرف السبعة٢.

стр. 99

القسم الثاني: ونمثل لهذا القسم بخمسة أقوال؛ ولكنها ترجع في الحقيقة إلى نوعين من أنواع الخلاف؛ ولذلك نعتبرها قولين فقط، وهما من أحسن الأقوال التي ذكرت في هذا القسم وأقربها إلى الصواب. ١- القول الأول: قالوا: إن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب المشهورة، وقد ذهب إليه جمهور أهل الفقه والحديث؛ منهم: الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام، وسفيان، وابن وهب، وأحمد بن يحيى، وابن جرير الطبري، والطحاوي وغيرهم؛ ولكنهم اختلفوا في أمرين: أولًا: في كون تلك اللغات متفرقة في القرآن الكريم أو مجتمعة في كلمة واحدة وفي حرف واحد. فذهب أبو عبيد وآخرون إلى أنها مفرقة في القرآن الكريم. وذهب ابن جرير والطحاوي وابن عبد البر وغيرهم إلى أنها توجد في الكلمة الواحدة وفي الحرف الواحد، باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني؛ نحو: هلمَّ، وأقبل، وتعالَ، وإليَّ، وقصدي، ونحوي، وقربي، ونحو ذلك. ثانيًا: في بقاء تلك اللغات كلها في القرآن الكريم أو أنها

стр. 100

نسخت ولم يبقَ منها إلا لغة قريش. فذهب إلى الأول: أبو عبيد ومَن تابعه فيه. وذهب إلى الثاني: ابن جرير ومَن تابعه فيه. ثم اختلف القائلون ببقاء تلك اللغات كلها في القرآن الكريم في تحديدها: فمنهم من قال: هي لغة: قريش، وهذيل، وتميم، والأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر. ومنهم من قال: هي: هذيل، وكنانة، وقيس، وضبة، وتيم الرباب، وأسد بن خزيمة، وقريش. وذهب أبو علي الأهوازي إلى أن اللغات كلها في بطون قريش. وذهب آخرون إلى أنها كلها في بطون مضر١. ٢- القول الثاني: ما ذهب إليه كثير من العلماء والقراء؛ ومن أبرزهم: ابن قتيبة "ت٢٧٦هـ"، والرازي "ت٦٠٦هـ"، وابن الجزري "ت٨٣٣هـ" وغيرهم، وملخص أقوالهم: "إن المراد بالأحرف: الأوجه القرائية التي يقع

стр. 101

بها التغاير والاختلاف في الكلمات القرآنية. وقد اتفقوا على أنها سبعة؛ ولكنهم اختلفوا في تعيينها وحصرها: أ- قال الإمام ابن قتيبة: "وقد تدبرت وجوه الخلاف في القراءات فوجدتها سبعة أوجه"١. وخلاصة القول: ١- الاختلاف في الإعراب أو في حركة البناء دون تغيير في المعنى أو الصورة، نحو: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ ٢ بالرفع والنصب. و ﴿بِالْبُخْلِ﴾ ٣ بضم الباء أو فتحها. ٢- اختلاف الإعراب أو الحركة بتغيير في المعنى دون الصورة، نحو: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ ٤ بصيغة الطلب أو الماضي. ٣- اختلاف الحروف بتغيير في المعنى دون الصورة، نحو: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ ٥ بالزاء أو بالراء.

стр. 102

٤- اختلاف الحروف بتغيير في الصورة دون المعنى، نحو: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ ١، أو "زقية واحدة". ٥- اختلاف الحروف بتغيير في الصورة والمعنى معًا، نحو: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ ٢ بالحاء أو بالعين. ٦- الاختلاف بالتقديم والتأخير، نحو: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ ٣ أو "سكرة الحق بالموت". ٧- الاختلاف بالزيادة والنقصان، نحو: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ ٤ أو "وما عملت أيديهم". ب- وقال الإمام أبو الفضل الرازي: "الكلام لايخرج عن سبعة أحرف في الاختلاف: ١- اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية وجمع وتذكير. ٢- اختلاف تصريف الأفعال وما تستند إليه، من: الماضي، والمستقبل، والأمر، والمتكلم، والمخاطب، والفاعل، والمفعول به. ٣- وجوه الإعراب. ٤- الزيادة والنقصان. ٥- التقديم والتأخير.

стр. 103

٦- القلب والإبدال في كلمة بأخرى أو حرف بآخر. ٧- اختلاف اللغات من فتح وإمالة وترقيق وتفخيم ... "١. ج- وقال الإمام ابن الجزري: "إني تتبعت القراءات صحيحها وشاذها، وضعيفها ومنكرها، فإذا هو يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه من الاختلاف لا يخرج عنها"٢. وملخص قوله: ١- اختلاف الحركات بلا تغيير في المعنى والصورة،

стр. 104

نحو: "البخل"١ بأربعة أوجه و"يحسب"٢ بوجهين. ٢- اختلاف الحركات بتغير في المعنى فقط، نحو: ﴿فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ ٣، و ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ ٤ وأمه. ٣- اختلاف الحروف بتغير في المعنى فقط، نحو: ﴿تَبْلُو﴾ ٥ و"تتلو"، و ﴿نُنَجِّيكَ﴾ ٦ و"ننحيك". ٤- اختلاف الحروف بتغير الصورة فقط، نحو:

стр. 105

"بصطة"١ و ﴿بَسْطَة﴾ ، و ﴿الصِّرَاطِ﴾ ٢ و"السراط". ٥- اختلاف الحروف بتغير الصورة والمعنى معًا، نحو: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٣ و"فامضوا". ٦- التقديم والتأخير، نحو: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ ٤، و"وجاءت سكرة الحق بالموت"٥. ٧- الزيادة والنقصان، نحو: "وأوصى"٦ و ﴿وَوَصَّى﴾ ، و ﴿وَمَا خَلَقَ

стр. 106

الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ١ و"الذكر والأنثى"٢. مناقشة هذه الأقوال: أولًا: القول بأن المراد بالأحرف السبعة: سبع لغات. وقد ذهب إليه جماهير من الجهابذة قديمًا وحديثًا، وهو قول قوي؛ ولكن تضعفه أمور: ١- اختلاف القائلين به في كون تلك اللغات متناثرة في القرآن أو مجتمعة في حرف واحد. ٢- اختلافهم في تعيين وتحديد تلك اللغات، والأحرف محدودة. ٣- القراءات تشتمل على أكثر من سبع لغات، واللغويون أنفسهم يذكرون الشيء الكثير منها في القرآن، والإمام أبو عبيدة نفسه ألَّف كتابًا جمع فيه عددًا كبيرًا من مفردات القرآن نسبها إلى مختلف لغات العرب. ٤- اختلاف عمر مع هشام بن حكيم كان في أمر القراءة، ورغم كونهما من أهل لغة واحدة. ٥- ما ذهب إليه ابن جرير وغيره يرده اشتمال القراءات على أنواع متعددة من التغاير والاختلاف،

стр. 107

والترادف -الذي ذكروه- نوع واحد منها. كما أن قولهم يتنافَى مع حكمة نزول الأحرف السبعة من التيسير في القراءة، فاختلاف العرب يقع في اللهجات أكثر مما يقع في استعمال "هلم" مكان "أقبل" أو "تعالَ". أما دعواهم أن عثمان ﵁ أجمع المسلمين على حرف واحد، وطرح بقية الأحرف الستة، فهو قول في غاية الضعف؛ لأنه دعوى بنسخ بعض القرآن بإجماع الصحابة؛ لأن كل حرف قرآن، فكيف يحق لعثمان -أو لغيره من الصحابة- أن يلغي شيئًا من القرآن بغير نص صريح من الشارع؟! وكيف يجوز للصحابة إلغاء رخصة القراءة بالأحرف السبعة والحكمة منها لا تزال قائمة؛ بل هي أشد بعد دخول الناس من مختلف الألسن والأجناس في الإسلام؟! كما أن وجود الأوجه المتعددة من القراءات في مصاحف عثمان برسم واحد أو برسمين مختلفين يدل دلالة واضحة على بطلان قول ابن جرير.

стр. 108

والحق أن عثمان لم يهمل شيئًا من الأحرف المنزلة الثابتة في العرضة الأخيرة ولم يطرحه، وهي باقية ضمن مصاحف عثمان، والرخصة بها قائمة إلى يوم القيامة١. ثانيًا: قول ابن قتيبة والرازي وابن الجزري: بأن المراد بالأحرف أنواع التغاير والاختلاف وهي سبعة، وهو من أحسن الأقوال وأقربها إلى الصواب؛ ولكن يُرد عليهم بأمور: ١- أنهم اختلفوا في حصر تلك الأنواع وتعيينها. ٢- أن الحكمة من تعدد الأحرف هو رفع الحرج والمشقة عن الأمة التي لم تكن تحسن الكتابة ولا القراءة، والأنواع التي ذكرها أصحاب هذا القول معظمها يتعلق بالخط والكتابة، ولا يدركها إلا المحققون من خواص العلماء، فكيف يكون اليسر فيها للأمة الأمية؟! بل هي زادت الطامة عليها وأكبرت المشقة. ٣- أن ابن قتيبة وابن الجزري لم يذكرا اختلاف اللهجات ضمن تلك الأنواع السبعة، مع أن معظم أوجه الاختلاف في أحرف القرآن هو من هذا النوع.

стр. 109

والرازي وحده هو الذي انفرد بذكر هذا النوع من الاختلاف. ٤- لقد تكلفوا كثيرًا في محاولتهم لحصر أنواع التغاير والاختلاف في سبعة؛ بحيث يمكننا أن نقول: إن الأحرف في نفسها شيء، وأنواع الاختلاف التي ذكروها شيء آخر مغاير لها. ٥- من الممكن أن نرجع تلك الأنواع إلى ثلاثة كما فعل ابن الجزري١: أ- ما اختلف لفظه واتفق معناه، نحو: هلم، وأقبل، وتعالَ. ب- ما اختلف لفظه ومعناه؛ لكنه اختلاف تنوع لا تضاد: مالك وملك، وقل وقال، وباعَدَ وباعِدْ. ج- الاختلاف في اللهجات مع اتفاق اللفظ والمعنى؛ كالإمالة والفتح، والمد والقصر، والإدغام الفك، والتحقيق والتسهيل٢.

стр. 110

القول الراجح في المراد بـ"الأحرف السبعة ": قبل أن نبين القول المختار ونبرهن عليه لنعلم: أولًا: أن الأحاديث رغم كثرتها وتعدد طرقها لم تصرح ولا رواية واحدة بالمراد بالأحرف السبعة، ولم تكشف عن سر الأحرف، ومن المعلوم أن الشارع ﵇ لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة، والأمة في حاجة إلى معرفة كنه هذه الأحرف لتقرأ بها، فكيف خلت جميع ألفاظ الحديث من عبارة صريحة تفسر الأحرف؟ ولماذا أضرب جميع رواة الخبر من الصحابة عن ذلك؟ لعل ذلك لأحد الأمرين: ١- إما لوضوح المراد من الأحرف عندهم؛ بحيث لم يسأل أحد الصحابة من النبي ﷺ ولم يسأل أحد التابعين من أحد الصحابة عن المراد بالأحرف. ٢- أو لعدم وضوح المعنى وصعوبة تفسير الحديث. الاحتمال الثاني مردود بالطبع؛ لأنه من السخف بمكان أن ندعي أن الصدر الأول لم يكن يعرف معنى الحديث، وهم أعمق فَهْمًا وأكثر علمًا بما أنزل، ثم يأتي أناس بعدهم بمئات السنين فيكشفون عن المراد بالحديث. فالراجح أنهم سكتوا عن السؤال لوضوح المعنى المراد لديهم من الحديث؛ ولكن وقعت شبهة التناقض عند البعض -في بداية الأمر- فأزالها النبي -صلى الله عليه سلم- بالإخبار بهذه الرخصة؛ ولذلك انتهت المخاصمة بين
следующие страницы →