المطلب الرابع: المحبة .
تعريفها:
عرفها النووي ﵀ بقوله: "المحبة: مواطأة القلب على ما يرضي الرب سبحانه، فيحب ما أحب ويكره ما كره" (١).
وخلاصة القول كما قال ابن القيم ﵀: "لا تحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء، فحدها وجودها، ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة.
وإنما يتكلم الناس في أسبابها، وموجباتها، وعلاماتها، وشواهدها، وثمراتها، وأحكامها، فحدودهم ورسومهم دارت على هذه الستة، وتنوعت بهم العبارات، وكثرت الإشارات، بحسب إدراك الشخص ومقامه وحاله، وملكه للعبارة" (٢).
من أدلة الكتاب والسنة على المحبة:
• ذكر أنه يحب المتقين، ويحب الصابرين، ويحب المتوكلين.
قال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦].
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
والآيات في ذلك يصعب حصرها لكثرتها.
• وذكر أيضًا أنه لا يحب الكافرين، ولا يحب المعتدين، ولا يحب المسرفين، والآيات في ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، وقوله تعالى وتبارك:
стр. 37
• … ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].
• وجعل علامة على محبته اتباع رسوله ﷺ ، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
• وذكر أن المؤمنين أشد حبًّا لله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
• وقال عن نفسه وعن عباده الصالحين: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤].
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (١).
دل الحديث على أن محبة الله ورسوله من أعظم أسباب حلاوة الإيمان، وهي جنة معجلة لمن حقق أسبابها.
من أقوال العلماء في المحبة:
وقال ابن القيم ﵀: "المحبّة هي حياة القلوب وغذاء الأرواح، وليس للقلب لذّة، ولا نعيم، ولا فلاح، ولا حياة إلّا بها.
وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورها، والأذن إذا فقدت سمعها، والأنف إذا فقد شمّه، واللّسان إذا فقد نطقه، بل فساد القلب إذا خلا من محبّة فاطره وبارئه
стр. 38
وإلهه الحقّ أعظم من فساد البدن إذا خلا من الرّوح، وهذا الأمر لا يصدّق به إلّا من فيه حياة" (١).
وقال أيضًا: "المحبّ الصّادق لا بدّ أن يقارنه أحيانًا فرح بمحبوبه، ويشتدّ فرحه به، ويرى مواقع لطفه به، وبرّه به، وإحسانه إليه، وحسن دفاعه عنه، والتّلطّف في إيصاله المنافع والمسارّ والمبارّ إليه بكلّ طريق، ودفع المضارّ والمكاره عنه بكلّ طريق" (٢).
وقال ابن قدامة ﵀: "علامة المحبّة كمال الأنس بمناجاة المحبوب، وكمال التّنعّم بالخلوة، وكمال الاستيحاش من كلّ ما ينقض عليه الخلوة، ومتى غلب الحبّ والأنس صارت الخلوة والمناجاة قرّة عين تدفع جميع الهموم، بل يستغرق الحبّ والأنس قلبه" (٣).
وقال ابن القيم ﵀: "فإن المحب الصادق أحب شيء إليه الخبر عن محبوبه وذكره، كما قال عثمان بن عفان ﵁: (لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله) (٤)، وقال بعض العارفين: كيف يشبعون من كلام محبوبهم وهو غاية مطلوبهم؟! " (٥).
стр. 39
المطلب الخامس: الخوف والخشية .
التعريف:
عرفهما الراغب ﵀ بقوله: "الخَوْف: توقّع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة، كما أنّ الرّجاء والطمع توقّع محبوب عن أمارة مظنونة أو معلومة، ويضادّ الخوف الأمن، ويستعمل ذلك في الأمور الدنيوية والأخروية" (١). أما الخشية فقال عنها: "الخَشْيَة: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خصّ العلماء بها في قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] " (٢).
وقال الجرجاني ﵀: "الخوف: توقع حلول مكروه، أو فوات محبوب" (٣).
ويقول ابن القيم ﵀ عن معنى الخشية: "والخشية أخص من الخوف، فإن الخشية للعلماء بالله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فهي خوف مقرون بمعرفة" (٤).
стр. 40
من أدلة الكتاب والسنة على الخوف والخشية:
تنوعت نصوص القرآن الكريم في ذكر الخوف والخشية، فمن ذلك:
١ - أمر الله به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]،، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤].
٢ - وتارة يجعل الله الخوف والخشية من صفات أوليائه وعباده المتقين، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ١٩ - ٢١].
٣ - ويذكر الله أنه بسبب خوفهم منه أدخلهم الجنة كما في قوله تعالى: ﴿(٤٥) وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وكما في قوله تعالى أيضًا: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١].
٤ - وتارة يذكر أن العاقبة في الدنيا لهم كما في قوله : ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» وذكرهم، ومنهم: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا، قَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ» (١).
стр. 41
ومن أعظم ما يحجز العبد عن المعصية خوفه من الله؛ لما يترتب على ذلك من العقوبة في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٥].
من أقوال العلماء في الخوف والخشية:
عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه كان يمسك لسانه ويقول: "هذا الذي أوردني الموارد"، وقال: "يا ليتني كنت شجرة تعضد ثم تؤكل". وكذلك قال طلحة وأبو الدرداء وأبو ذر ﵃ (١).
وقال عمر ﵁: "لو نادى منادي من السماء: أيها الناس، إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلًا واحدًا، لخفت أن أكون أنا هو" (٢).
وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة ﵁: رأيت عمر بن الخطاب أخذ تبنة من الأرض فقال: "يا ليتني هذه التبنة، ليتني لم أكن شيئًا، ليت أمي لم تلدني، ليتني كنت نسيًا منسيًّا" (٣).
وقال ابن عمر ﵄: "كان رأس عمر على فخذي في مرضه الذي مات فيه، فقال لي: ضع رأسي، قال: فوضعته على الأرض، فقال: ويلي وويل أمي إن لم يرحمني ربي" (٤).
стр. 42
وقال المسور بن مخرمة ﵁: لما طعن عمر قال: "لو أن لي طلاع الأرض (١) ذهبًا، لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه" (٢).
وبكى أبو هريرة ﵁ في مرضه، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: "أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكن أبكي على بُعدِ سفري وقلة زادي، وإني أمسيت في صعود على جنة أو نار، لا أدري إلى أيتهما يؤخذ بي" (٣).
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه قال به هكذا فطار" (٤).
وقال الحسن أيضًا: "لقد مضى بين أيديكم أقوام لو أن أحدهم أنفق عدد هذا الحصى، لخشي أن لا ينجو من عظم ذلك اليوم" (٥).
وقال أبو سليمان الداراني ﵀: "ما فارق الخوف قلبًا إلا خرب" (٦).
وقال ابن القيم ﵀: "والخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله ، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط" (٧).
قال أبو عثمان ﵀: "صِدقُ الخوف هو: الورع عن الآثام ظاهرًا وباطنًا" (٨).
стр. 43
ويقول ابن القيم: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: "الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله" (١).
стр. 44
المطلب السادس: الرجاء .
تعريفه:
عرفه ابن القيم ﵀ بقوله: "هو النظر إلى سعة رحمة الله" (١).
إذن، الرجاء الطمع في رحمة الله والنظر إلى سعتها.
من أدلة الكتاب والسنة على الرجاء:
• أخبر عن سعة رحمته فقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].
• وقال مخاطبًا من أسرف على نفسه بالمعاصي: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
دلت الآيات على سعة رحمة الله تعالى، مما يفتح باب الرجاء للعبد، ويحدوه إلى التوبة من ذنوبه، وعليه أن يحذر من اليأس والقنوط من رحمة الله.
وعن أَنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ ﵎: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ
стр. 45
ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ (١) خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» (٢).
وعنه ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ -أَوْ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ- لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَمْلَأَ خَطَايَاكُمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتُمُ اللهَ لَغَفَرَ لَكُمْ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ -أَوْ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ-، لَوْ لَمْ تُخْطِئُوا لَجَاءَ اللهُ بِقَوْمٍ يُخْطِئُونَ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ اللهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ» (٣).
دل الحديثان على رحمة الله الواسعة بعباده المذنبين إذا أقبلوا عليه تائبين مستغفرين.
من أقوال العلماء في الرجاء:
قال الغزالي ﵀: "الرجاء والخوف جناحان بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود، ومطيتان بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة كؤود" (٤).
وقال ابن القيم عليه رحمة الله: "الرجاء حادٍ يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب، وهو الله والدار الآخرة، ويطيب لها السير" (٥).
стр. 46
"وقيل: هو الاستبشار بجود وفضل الرب ﵎، والارتياح لمطالعة كرمه سبحانه" (١).
وقال شاه الكرماني ﵀: "علامة صحة الرجاء حسن الطاعة" (٢).
وقال أبو علي الروذباري عليه رحمة الله: "الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت" (٣).
стр. 47
المطلب السابع: أثر هذه الأعمال القلبية على عبادة الخشوع في الصلاة، وفيه عدة مسائل:
المسألة الأولى: إذا أحب العبد ربه أحب أن يلتقي به في كل وقت، وقدر الموقف بين يديه فهاب أن ينصرف عنه بقلبه ووجهه .
فإذا أحب العبد ربه أحب لقاءه في كل وقت، وقدّر موقفه بين يديه في صلاته حق قدره، وأعد نفسه وهيئها لذلك الموقف العظيم.
ومن أعظم المواقف التي يقف فيها العبد بين يدي ربه في هذه الدنيا موقفه في الصلاة، ولذا فهو يحب ربه ويحب لقاءه، وهو أيضاً يهاب من أن ينصرف عنه في صلاته بوجهه وقلبه، فيزيد ذلك من خشوعه، فيقبل على الله في صلاته بقلبه ووجهه، ويجاهد نفسه في ذلك لينال تلك الجائزة العظيمة، ويفوز الفوز العظيم بجنة النعيم، يقول ﷺ : " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ" (١).
لأنه إذا أحب العبد ربه أحب لقاءه في صلاته، واستشعر عظمة الموقف بين يديه في أعظم مقام يقفه في هذه الحياة الدنيا وهو موقفه في الصلاة، فعن أبي هريرة ﵁ قال: «الصَّلَاةُ قُرْبَانٌ، إِنَّمَا مَثَلُ الصَّلَاةِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَرَادَ مِنْ إِمَامٍ حَاجَةً فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، إِذَا قَامَ الرَّجُلُ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ فِي مَقَامٍ عَظِيمٍ، وَاقِفٌ فِيهِ عَلَى اللَّهِ يُنَاجِيهِ وَيَرْضَاهُ، قَائِمًا بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ، يَسْمَعُ لِقِيلِهِ، وَيَرَى عَمَلَهُ، وَيَعْلَمُ مَا يُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ، فَلْيُقْبِلْ عَلَى اللَّهِ بِقَلْبِهِ وَجَسَدِهِ، ثُمَّ لِيَرْمِ بِبَصَرِهِ قَصْدَ وَجْهِهِ خَاشِعًا، أَوْ لِيَخْفِضْهُ فَهُوَ أَقَلُّ لِسَهْوِهِ، وَلَا يَلْتَفِتْ وَلَا يُحَرِّكْ شَيْئًا بِيَدِهِ وَلَا بِرِجْلَيْهِ، وَلَا شَيْءٍ مِنْ جَوَارِحِهِ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَلْيُبْشِرْ مَنْ فَعَلَ هَذَا، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» (٢).
وعن مجاهد ﵀، قال في معنى قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]: "فمن القنوت الركود والخشوع، وغض البصر، وخفض الجناح من رهبة الله ،
стр. 48
كان إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يشذ بصره إلى شيء، أو يلتفت، أو يقلب الحصى، أو يعبث بشيء، أو يحدث نفسه من شأن الدنيا إلا ناسياً، ما دام في صلاته " (١).
ونقل شيخ الإسلام عن مجاهد قوله أيضاً في معنى الآية: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]: "غض البصر وخفض الجناح، وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة يهاب الرحمن أن يشذ بصره، أو أن يحدّث نفسه بشيء من أمر الدنيا" (٢).
ولأجل هذا يقبل العبد على الله بقلبه ووجهه، فيهاب أن ينصرف عن ربه وهو واقف بين يديه في صلاته، لأنه يعبد الله كأنه يراه أمامه بعين رأسه، فان لم يكن يراه بعينه في هذه الدنيا، لكنه على يقين تام أن الله يراه، فيحضر قلبه في هذا الموقف العظيم، ويزيد خشوع قلبه الذي يظهر أثره على جوارحه في عبادة الصلاة، وذلك لأن القلب قد امتلأ بمحبة الله والخوف منه وخشيته فهاب أن ينصرف بقلبه ووجهه عن ربه وقد التقى بمن يحبه ويجله ويقدره في هذا الموقف العظيم.
المسألة الثانية: إذا حقق العبد في قلبه محبة الله أحب لقاءه كما سبق ويعد نفسه لذلك، ويترقى به الحال إلى أعلى من هذا إلى محبة القرب منه .
واستشعر بقلبه عظمة القرب من الله، لأن من أعظم مواقف القرب من الله في الدنيا، موقف العبد في الصلاة وبالأخص في السجود (٣) قال تعالى:
﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ الله أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» (٤).
وإذا وقر في قلب العبد أنه في صلاته شديد القرب من الله، وفي سجوده أقرب ما يكون من ربه، فحينئذ يحضر القلب ويخشع، وتخشع الجوارح وتخضع، وإن العبد المحب الصادق في حبه لربه يسارع ويسابق إلى الصلاة أشد المسارعة والمسابقة، لأنه يلتذذ بقربه من ربه، ويأنس
стр. 49
به فتقر عينه به في صلاته، فيجد لذة الصلاة وحلاوتها، ويجد جنة معجلة قبل جنة الآخرة، يسنتشق فيها عبير القرب من الله، ويستمتع بلذة المناجاة، فالصلاة سلوة قلب المؤمن، وملاذ آمن ذو ظلال وارفة يؤي إليه، ليتقي هجير الحياة الدنيا، ويتفيء تلك الظلال الوارفة، يمتّع نفسه في تلك الحدائق الغناء بين آية تتلى وذكر يردد، فيجد المؤمن قرة عينه وراحة نفسه بين يدي ربه قائماً راكعاً ساجداً، ويزداد القرب من الله والتلذذ به أكثر وأكثر في أعظم لحظة للقرب من الله في سجود العبد بين يدي ربه، إنه موقف القرب من الله الذي تعجز العبارات عن التعبير عنه.
المسألة الثالثة: إذا حقق العبد في قلبه محبة الله والخشية منه، وتيقن أنه يناجي ربه، أثمر ذلك حياؤه من الله أن ينصرف بوجهه وقلبه عنه في صلاته .
وإذا حقق العبد محبة الله في قلبه، وازدادت خشيته لله وتيقن أنه في مناجاة مع الله أثمر له ذلك الحياء من أن ينصرف عن ربه بقلبه أو بوجهه، وشعر بقرب الله منه في صلاته، فشعر بمعيته الخاصة له في صلاته فزاد خشوعه وإقباله على ربه بقلبه ووجهه، وشعر بلذة المناجاة لربه، وعظمة الموقف بين يديه فتأدب بأدب المناجاة لربه، فيشعر بقلبه عند تكبيرة الإحرام وفي بقية صلاته بأنه يناجي ربه، وأن الله قد نصب وجهه الكريم لوجه المصلي، فلا ينبغي له أن يلتفت عن ربه بلقبه ووجهه، بل عليه أن يستحي من ربه أن ينصرف عنه وهو يناجيه.
وبوّب ابن خزيمة فقال ﵀: "باب الأمر بالخشوع في الصلاة، إذ المصلي يناجي ربه، والمناجي ربه يجب عليه أن يفرغ قلبه لمناجاة خالقه ، ولا يشغل قلبه التعلق بشيء من أمور الدنيا يشغله عن مناجاة خالقه" (١).
ومن الأحاديث في ذلك:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي القِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ» الحديث (٢).
стр. 50
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَى رَجُلًا كَانَ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ، فَقَالَ: «يَا فُلَانُ، أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ؟! أَلَا تَنْظُرُ كَيْفَ تُصَلِّي؟! إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي إِنَّمَا يَقُومُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ يُنَاجِيهِ، إِنَّكُمْ تَرَوْنَ أَنِّي لَا أَرَاكُمْ، إِنِّي وَاللَّهِ لَأَرَى مِنْ خَلْفِ ظَهْرِي كَمَا أَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ» (١).
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ القِبْلَةِ، فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَبْصُقُ قِبَلَ وَجْهِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى» (٢).
ومن حديث الحارث الأشعري ﵁ قال ﷺ : «فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ» الحديث (٣).
قال ابن رجب: "والالتفات نوعان:
أحدهما: التفات القلب إلى غير الصلاة ومتعلقاتها، وهذا يخل بالخشوع فيها.
والثاني: التفات الوجه بالنظر إلى غير ما فيه مصلحة الصلاة" (٤).
وكثير يقع الخلل من المصلين في النوع الأول من الالتفات وهو التفات القلب عن الله، وهو الذي يخل بالخشوع، أما النوع الثاني، وهو التفات الوجه فقليل ما يقع.
وعلى هذا فلا بد من مجاهدة القلب على الحضور في الصلاة وعدم التفاته عن الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
стр. 51
وقال (١) أيضاً ﵀ معلقًا على هذه الأحاديث: "وكأن مقصود النبي ﷺ بذكر هذا: أن يستشعر المصلي في صلاته قرب الله منه، وأنه بمرأى منه ومسمع، وأنه مناج له، وأنه يسمع كلامه ويرد عليه جواب مناجاته له، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي» (٢) وذكر رده عليه في آيات الفاتحة إلى آخرها.
فمن استشعر هذا في صلاته أوجب له ذلك حضور قلبه بين يدي ربه، وخشوعه له، وتأدبه في وقوفه بين يديه، فلا يلتفت إلى غيره بقلبه ولا ببدنه، ولا يعبث وهو واقف بين يديه، ولا يبصق أمامه، فيصير في عبادته في مقام الإحسان، يعبد الله كأنه يراه" (٣).
وأحب هنا أن أنقل كلاماً عظيماً للإمام ابن القيم- فإني أنقله بطوله لأهميته- فيقول ﵀: " الالتفات المنهي عنه في الصلاة قسمان:
(أحدهما): التفات القلب عن الله إلى غير الله تعالى.
(الثاني): التفات البصر وكلاهما منهي عنه.
ولا يزال الله مقبلاً على عبده ما دام العبد مقبلاً على صلاته، فإذا التفت بقلبه أو بصره أعرض الله تعالى عنه.
وقد سئل رسول الله ﷺ عن التفات الرجل في صلاته فقال: «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ» (٤) وفي أثر يقول الله تعالى: (إلى خير مني، إلى خير مني؟) (٥) ومثل من يلتفت في صلاته ببصره أو بقلبه أو مثل رجل قد استدعاه السلطان فأوقفه بين يديه وأقبل يناديه ويخاطبه، وهو في خلال ذلك يلتفت عن السلطان يميناً وشمالاً وقد انصرف قلبه عن السلطان فلا يفهم ما يخاطبه به، لأن قلبه ليس حاضراً معه، فما ظن هذا الرجل أن يفعل
стр. 52
به السلطان؟ أفليس أقل المراتب في حقه أن ينصرف من بين يديه ممقوتاً مبعداً قد سقط من عينيه؟
فهذا المصلي لا يستوي والحاضر القلب المقبل على الله تعالى في صلاته الذي قد أشعر قلبه عظمة من هو واقف بين يديه فامتلأ قلبه من هيبته، وذلت عنقه له، واستحى من ربه تعالى أن يقبل على غيره أو يلتفت عنه.
وبين صلاتيهما كما قال حسان عطية: إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة وأن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض، وذلك أن أحدهما مقبل على الله والآخر ساه غافل.
فإذا أقبل العبد على مخلوق مثله وبينه حجاب لم يكن إقبالا ولا تقريبا، فما الظن بالخالق ؟ وإذا أقبل على الخالق وبينه وبينه حجاب الشهوات والوساوس والنفس مشغوفة بها ملأى منها فكيف يكون ذلك إقبالاً وقد ألهته الوساوس والأفكار وذهبت به كل مذهب؟ والعبد إذا قام في الصلاة غار الشيطان منه، فإنه قد قام في أعظم مقام وأقربه وأغيظه للشيطان وأشده عليه، فهو يحرص ويجتهد أن لا يقيمه فيه، بل لا يزال به يعده ويمنيه وينسيه ويجلب عليه بخيله ورجله حتى يهون عليه شأن الصلاة فيتهاون بها فيتركها.
فإن عجز عن ذلك منه وعصاه العبد وقام في ذلك المقام أقبل عدو الله تعالى حتى يخطر بينه وبين نفسه، ويحول بينه وبين قلبه، فيذكره في الصلاة ما لم يذكر قبل دخوله فيها، حتى ربما كان قد نسي شئ والحاجة وأيس منها فيذكره إياها في الصلاة ليشغل قلبه بها ويأخذه عن الله ، فيقوم فيها بلا قلب، فلا ينال من إقبال الله تعالى وكرامته وقربه ما يناله المقبل على ربه الحاضر بقلبه في صلاته، فينصرف من صلاته مثل ما دخل فيها بخطاياه وذنوبه وأثقاله لم تخف عنه بالصلاة، فإن الصلاة إنما تكفر سيئات من أدى حقها، وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقابله.
فهذا إذا انصرف منها وجد خفة من نفسه، وأحس بأثقال قد وضعت عنه.
فوجد نشاطاً وراحة وروحاً، حتى يتمنى أنه لم يكن خرج منها، لأنها قرة عينيه ونعيم روحه وجنة قلبه ومستراحه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها فيستريح بها لا منها.
стр. 53
فالمحبون يقولون: نصلي فنستريح بصلاتنا كما قال إمامهم وقدوتهم ونبيهم: "يا بلال أرحنا بالصلاة" ولم يقل أرحنا منها، وقال ﷺ «جعلت قرة عيني في الصلاة» فمن جعلت قرة عينه في الصلاة كيف تقر عينه ﷺ بدونها، وكيف يطيق الصبر عنها؟ فصلاة هذا الحاضر بقلبه الذي قرة عينه في الصلاة هي التي تصعد ولها نور وبرهان، حتى يستقبل بها الرحمن فتقول حفظك الله تعالى كما حفظتني، وأما صلاة المفرط المضيع لحقوقها وحدودها وخشوعها، فإنها تلف كما يلف الثوب الخلق ويضرب بها وجه صاحبها وتقول ضيعك الله كما ضيعتني، وقد روي في حديث مرفوع رواه بكر بن بشر عن سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن أبي شجرة عن عبد الله بن عمرو ﵄ يرفعه أنه قال «ما من مؤمن يتم الوضوء إلى أمكانه ثم يقوم إلى الصلاة في وقتها فيؤديها لله لم ينقص من وقتها وركوعها وسجودها ومعالمها شيئا إلا رفعت له إلى الله بيضاء مسفرة يستضيء بنورها ما بين الخافقين حتى ينتهي بها إلى الرحمن ، ومن قام إلى الصلاة فلم يكمل وضوءها واخرها عن وقتها واسترق ركوعها وسجودها ومعالمها رفعت عنه سوداء مظلمة ثم لا تجاوز شعر رأسه تقول: ضيعك الله كما ضيعتني، ضيعك كما ضيعتني» (١).
فالصلاة المقبولة والعمل المقبول أن يصلي العبد صلاة تليق بربه .
فإذا كانت صلاة تصلح لربه ﵎ وتليق به كانت مقبولة … " (٢).
стр. 54
ومن الأسباب التي تجعل القلب يقبل على الله في الصلاة ويخشع، أن يفرغه العبد في صلاته لله تعالى، كما في حديث عَمْرِو بْن عَبَسَةَ السُّلَمِيِّ في فضل الوضوء قال في آخره عن النبي ﷺ : «فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ، إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (١).
وقوله ﷺ : «وفرغ قلبه لله» أي: جعله حاضرًا لله، وفرغه من الأشغال الدنيوية (٢).
وهذا هو الخشوع أي: حضور القلب بين يدي الله في الصلاة، فإذا فرغ قلبه لله في صلاته حصل على هذا المكسب العظيم: "إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ".
وتفريغ القلب لله في الصلاة ليس بالأمر الهين، وإنما يحتاج إلى جهد عظيم مستمر، ومجاهدة كبيرة لتفريغه من الأشغال الدنيوية التي تنشغل بها النفس ويشغلها بها الشيطان، فعن حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِوَضُوءٍ،، ثم ذكر صفة وضوء النبي ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٣).
ومن جاهد نفسه لله في صلاته على ألا يحدث نفسه بأمور الدنيا، وفرغ قلبه لله في صلاته، وشعر بعظمة المناجاة، وصبر على المجاهدة ظفر بالخشوع وحلاوة الصلاة، وقد وعد الله بالإعانة لمن يجاهدون أنفسهم لله ويصبرون على ذلك ويستمرون، فيعينهم الله ويرزقهم الخشوع، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩].
والآية عامة في كل من جاهد في طلب أمر من أمور الخير، فإن الله يهديه إليه، "وروي عن ابن عباس: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا" (٤).
стр. 55
والذي جاهد نفسه لتفريغ قلبه لله في صلاته وصبر على ذلك واستمر دون كلل ولا ملل رزقه الله الخشوع والتلذذ بصلاته ولو بعد حين من الزمن، قال ثابت البناني ﵀: "كابدت (١) الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة" (٢).
والذي يظهر لي أن العبد إذا أقبل على مناجاة ربه في صلاته واستشعر عظمة الموقف بين يدي ربه وخشع قلبه وأقبل على صلاته بقلبه ووجهه، وجاهد نفسه في تفريغ قلبه لله بقدر وسعه، فإنه سيجد من اللذة بقدر ذلك وفضل الله عظيم وواسع.
أما أولئك القوم مثل ثابت البناني وغيره من السلف يريدون وجود اللذة الكاملة من أول الصلاة إلى آخرها وفي كل صلاة وهذه مرتبة عالية لا يصل إليها إلا من بذل جهداً عظيماً في حصول الخشوع، والله أعلم.
المسألة الرابعة: الشعور بمناجاته لله وأنه مطلع عليه عالم بسره وجهره يسمعه ويراه .
أولاً: اليقين بأن الله مطلع عليه عالم بسره ونجواه:
إذا رسخ في قلب العبد اليقين بأن الله عالم بسره ونجواه، وأنه يناجي ربه في الصلاة، خاف من ربه وخشي أن يطلع على قلبه، فيراه منشغلاً عنه في أثناء صلاته بغيره، وهذا يجعله يستحي من ربه ويخشى من مقته إذا انصرف إلى غيره في صلاته، وكل ذلك لا شك مما يزيد خشوعه وحضور قلبه في صلاته وتفريغه لله، فهو يعلم يقيناً أن الله مطلع عليه عالم بالسر والنجوى، لا تخفى عليه خافية، ويشعر أنه في أعظم المواقف بين يدي ربه يناجيه في صلاته، وكما في الحديث الذي سبق، يقول ﷺ : "إنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي إِنَّمَا يَقُومُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ يُنَاجِيهِ".
وهذه بعض الأدلة على إثبات سمعه وعلمه المحيط بكل شيء، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦]. وبقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ التوبة: ٧٨
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ الأحزاب: ٥١
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ آل عمران: ٥.
ثانياً: اليقين بأن الله يسمعه ويراه:
وإذا رسخ في قلب العبد اليقين بأن الله يسمعه ويراه، زاد خشوعه وحضر قلبه في صلاته، لأنه يخشى الله ويستحي منه أن يرى قلبه قد انصرف عنه في صلاته، والتفت إلى غيره، ويستحي من ربه وهو يقرأ الفاتحة، ويردد أذكار الصلاة، ويقوم بأفعالها وقلبه بعيد عنه متعلق بالدنيا، وربه مطلع على مافي قلبه يسمع ما يقول، ويرى فعله في صلاته، وينظر إلى قلبه، إن هذه المعاني العظيمة إذا تذكرها العبد في صلاته، وحصل اليقين بها في قلبه، حينها يفرغ قلبه لله، ويحضر قلبه وعقله الذي يدرك به معاني ما يقوله وما يفعله في صلاته، وقد ذكر تعالى عن نفسه في إثبات أنه السميع البصير في أكثر من آية؛ لتثبت آثار الإيمان بسمع الله وبصره المحيط بكل شيء في القلب، فيشعر العبد بمراقبة الله له، فيخشى ويتقي ويستحي من ربه حق الحياء، ويقدره حق التقدير، ويظهر أثر ذلك عليه في كل أحواله وبالأخص في أعظم موقف يقفه في الدنيا بين يدي الله في صلاته: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠].
وفي آيات كثيرة يختم كلامه بقوله : ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ».
وكما سبق في الحديث قال ﷺ : «فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ».
стр. 59
وقَالَ أَبُو ذَرّ ٍرضي الله عنه: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ، وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ، مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ» (١).
وفي فتح الباري لابن رجب: "وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: سمعت أبا هريرة يقول: إذا صلى أحدكم فلا يلتفت؛ فإنه يناجي ربه، أن ربه أمامه، وإنه يناجيه.
قال عطاء: وبلغنا أن الرب يقول: «يا بن آدم إلى من تلتفت، أنا خير لك ممن تلتفت إليه» " (٢).
стр. 60
المبحث الثالث: من آثار عمل القلب على صلاة العبد، وفيه مطالب
المطلب الأول: وجود لذة عبادة الصلاة وحلاوتها، وطمأنينة القلب بها.
المطلب الثاني: أن يعلم بقلبه ما يقوله بلسانه، ويفهمه ويتدبره.
المطلب الثالث: أثر حضور القلب على تدبر سورة الفاتحة في الصلاة.
المطلب الرابع: تدبر القلب للآيات والسور التي تقرأ في الصلاة عقب الفاتحة.
المطلب الخامس: أثر عمل القلب على عبادة الركوع.
المطلب السادس: أثر عمل القلب على عبادة السجود.
المطلب السابع: عمل القلب وأثره على طمأنينة العبد في صلاته.
المطلب الثامن: أثر عمل القلب على التشهد وجلسته.
المطلب التاسع: حضور القلب عند التسليم من الصلاة، وأذكار ما بعد السلام.
стр. 61
المبحث الثالث: من آثار عمل القلب على صلاة العبد، وفيه مطالب .
المطلب الأول: وجود لذة عبادة الصلاة وحلاوتها، وطمأنينة القلب بها:
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، والصلاة يجتمع فيها كل أنواع ذكر الله.
قال عنها ﷺ : «يَا بِلَالُ، أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا» (١)، وقال ﷺ : «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (٢).
وقال ابن حجر ﵀ عن الصلاة: "ولا شيء أقر لعين العبد منها، ولهذا جاء في حديث أنس المرفوع: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» أخرجه النسائي وغيره بسند صحيح، ومن كانت قرة عينه في شيء، فإنه يود أن لا يفارقه، ولا يخرج منه؛ لأن فيه نعيمَه، وبه تطيب حياته، وإنما يحصل ذلك للعابد بالمصابرة على النصب، فإن السالك غرضُ الآفات والفتور" (٣).
والمعنى والله أعلم: أنه لا تحصل قرة العين في الصلاة إلا بمجاهدة النفس على الخشوع فيها وحضور القلب وإقباله عليها، وذلك يحتاج إلى كبير مجاهدة مع الاستمرار وعدم الانقطاع، وبذلك يحصل المسلم على التلذذ بالصلاة، وأن تكون راحة وقرة عين له.
وقال بعض السلف ﵀: "كابدت (٤) الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة" (٥).
стр. 62
ولذة الصلاة وحلاوتها انما تحصل بقدر خشوع العبد فيها، وقد سبق الكلام عن التلذذ بالصلاة.
المطلب الثاني: أن يعلم بقلبه ما يقوله بلسانه، ويفهمه ويتدبره .
إذا رسخ في قلب العبد معاني ما يذكره في صلاته من أذكار، وكان يقولها بقلب حاضر يدرك معاني ما يقول أثمر ذلك خشوعه في صلاته، وحصوله على هذا الثواب العظيم الذي جاء في الحديث يقول: ﷺ «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ (١) الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُومُ فِي صَلَاتِهِ فَيَعْلَمُ مَا يَقُولُ إِلَّا انْفَتَلَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ مِنَ الْخَطَايَا لَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ» (٢).
فقوله ﷺ : " ثُمَّ يَقُومُ فِي صَلَاتِهِ فَيَعْلَمُ مَا يَقُولُ " أي: أنه والله أعلم يجاهد نفسه في حضور عقله في صلاته حتى يعلم بقلبه معنى ما يقوله لسانه.
وإذا رسخ في قلب العبد اليقين بمعاني ما يذكره في صلاته من أذكار، وكان يقوله بقلب حاضر يدرك ويعلم معاني ما يقول، وجاهد نفسه على الاستمرار والصبر على حضور قلبه؛ ليعقل وليفهم ويعلم ما يقوله في صلاته، أثمر ذلك خشوعه في صلاته وحصوله على ذلك الأجر الثواب العظيم، ولنأخذ على ذلك مثلاً ذكر " الله أكبر"، وهو أكثر ذكر يقوله ويسمعه المؤمن فييومه وليلته، ويذكره في انتقاله بين أركان صلاته.
والسؤال المهم: ما أثر قولنا لهذا الذكر كثيراً في صلاتنا على خشوع قلوبنا؟
كم مرة قلت في صلاتك الله أكبر وقلبك حاضر يدرك معنى ما تقوله؟!
ونحن نكرر الليل والنهار (الله أكبر، والله أكبر، الله أكبر) سؤال نسال به أنفسنا متى أحدثت هذا الذكر أثراً في قلوبنا؟ فشعرنا بأن الله أكبر من كل شيء، فزادت خشيتنا له،
стр. 63
وزادت هيبتنا منه، وزادت عظمته في قلوبنا فقدّرناه حق قدره وعظّمناه حق التعظيم، وخشعت قلوبنا من هيبته وجلاله وعظمته، إنه الله ﷻ مالك الملك مدبر الأمر مصرف الكون، بيده ملكوت كل شيء، وهو على كل شيء قدير، هو وحده الذي يرزق ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء، يمسك السموات فلا تقع على الأرض إلا بإذنه، يرفع السماء بغير عمد نراها، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ الزمر: ٦٧
﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ الحج: ٧٤
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ الأنبياء: ١٠٤
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ هود: ٦٦
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ فاطر: ٢ - ٣
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ فاطر: ٤١
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ الأنعام: ١٨
стр. 64
﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ غافر: ١٦
ومن أعظم أسباب الخشوع أن يعلم ما يقوله في صلاته، ولا يحصل هذا إلا بحضور القلب والفهم والتركيز على ما يقوله في صلاته، فيدرك ويعلم ما يقوله في صلاته من أذكار، فهو يقول عدة أذكار يلتزم بقولها في كل ركعة، ومنها:
أ - قول: (الله أكبر)، وهو أكثر ذكر يردده في صلاته ويسمعه من إمامه إذا كان ممن تجب عليهم صلاة الجماعة.
دعونا نردد هذه التسأولات:
هذا الذكر نردده في صلاة الفريضة أكثر (٩٠) مرة ونسمعه كذلك من الإمام.
ما أثر هذا الذكر علينا في قلوبنا؟! وهل نحن نعلم معنى ما نقول؟!
ب - نقول في الركوع (سبحان ربي العظيم) على الأقل ثلاث مرات في كل ركعة.
فنقوله في الفريضة (٥١) مرة فما أثره على قلوبنا؟ وهل ندرك معنى ما نقول؟!
ت - نقول في السجود (سبحان ربي الأعلى) على الأقل ثلاث مرات في كل سجدة.
فنقوله في الفريضة (١٠٢) مرة ويتكرر نفس السؤال!!!
ث - يقول الإمام والمنفرد حين الرفع من الركوع (سمع الله لمن حمده) في كل ركعة، ويقول الجميع الإمام والمنفرد والمأموم (ربنا ولك الحمد) فهل نعلم ما نقول؟!!
ج - نقول في كل صلاة في الركعة الثانية التحيات كاملة في الثنائية ونقولها في التشهد الأوسط في الثلاثية والرباعية، ونقولها كاملة في التشهد الأخير، فهل نعلم ما نقوله في صلاتنا؟
ح - ثم نختم الصلاة بقول (السلام عليكم ورحمة الله) على اليمين والشمال، فهل نعلم ما نقوله؟
خ - تكرار تلاوة سورة الفاتحة في كل ركعة وما يعقبها من سور وآيات، وهذا ما سيكون الحديث عنه فيما يأتي.
стр. 65
المطلب الثالث: أثر حضور القلب على تدبر سورة الفاتحة في الصلاة .
وإذا جاهد العبد نفسه في صلاته ليستحضر قلبه ما يتلوه من سورة الفاتحة ويعلم يقيناً أن الله يخاطبه كلما قرأ آية منها زاد خشوعه في صلاته، واستشعر عظمة خطاب الله له، فكيف يليق بالعبد أن ينصرف عن مناجاة ربه؟!
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ» ثَلَاثًا غَيْرُ تَمَامٍ. فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ؛ فإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي -وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي-، فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧] قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (١).
وفوائد هذا الحديث المتعلقة بأمر الخشوع في الصلاة كثيرة نجمل أهمها في الآتي:
١ - الحذر من حجب الغفلة بسبب الذنوب التي تعمي القلوب، فتحرمها من لذة المناجاة، وإلى الله المشتكى، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].
وحجب الذنوب دواؤها في كثرة الاستغفار الصادق والتوبة الصادقة، الذي يتواطؤ فيه القلب مع اللسان: مع ندم من الذنب، وإقلاع عنه، وعزم على عدم العودة.
стр. 66
وهنا حق لنا أن نسأل أنفسنا ونحن نتلوا سورة الفاتحة في كل ركعة من صلاتنا، فكم مرة يا عبد الله حضر قلبك فسمع خطاب الله له؟ وشعرت بعظمة الاصطفاء من ربك، وهو يخاطبك مع كل آية تقرؤها من سورة الفاتحة، فيقول لك: (حمدني عبدي، أثنى علي عبدي، مجدني عبدي، فوض إلي عبدي، هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل .. )!!!
هل ندرك عظمة هذا الخطاب الموجه لنا من ربنا (عبدي .. عبدي .. عبدي .. )؟!
كم أنت محظوظ أيها المسلم المقبل على ربه في صلاته، وملك الملوك يصطفيك من بين خلقه؛ ليثني عليك بهذا الخطاب العظيم، ويدور بينك وبينه هذه المناجاة وهذا الحوار العظيم، لماذا غفلت القلوب عن هذا؟ لماذا نسيت هذا المقام العظيم، وهذا الاصطفاء الكبير من الله ﷻ ؟
لولا الحجب الكثيفة على قلوبنا من الذنوب لطارت فرحاً وشوقاً للتلذذ بهذا الخطاب الرباني العظيم، ولشعر المؤمن بخشوع عجيب في صلاته وهو يتلذذ بذلك، ولشعر بعظمة المناجاة بينه وبين الله العظيم.
٢ - تكرار قراءة سورة الفاتحة في الصلاة وسماعها من الإمام في الصلاة الجهرية وقراءتها في كل ركعة من صلاة الفرض والنفل في كل يوم، وهذا التكرار يستلزم أن يكون له أثره على القلب في حضوره وتدبره لأعظم سورة في القرآن، وذلك يؤدي إلى شعور العبد بلذة قراءة الفاتحة ولذة المناجاة بها، وكلما أقبل قلب العبد على فهم معاني هذه السورة العظيمة، زاد خشوعه وإقباله بقلبه على ربه في صلاته.
٣ - وهذه بعض الفوائد العظيمة حول الدعاء الذي ورد في آخر سورة الفاتحة:
أ - إذا رسخ في قلب العبد أهمية هذا الدعاء وعظيم الحاجة إليه ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وأنه من أعظم الأدعية وأهمها على الإطلاق، حينها يقبل القلب عليه مستشعراً لفقره وحاجته لربه في أن يحقق له مطلبه ويجيب دعوته، والتي متى ما أجيبت نال سعادة الدارين، ولتكرار هذه الدعوة في كل ركعة من الصلاة سر عظيم، اسأل الله ان يوفقني للإشارة إليه في الفقرة الآتية.
стр. 67
ب - فينبغي على المسلم أن يشعر بعظمة هذا الدعاء الذي يردده في كل يوم فقط في الفرائض سبع عشرة مرة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وهذا يشعر بعظيم أهميتة في حياة المسلم؛ بل هو من أعظم ما يدعو به في نهاره وليلته؛ لأن هذا الدعاء يتضمن سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم، وكذلك سؤاله الثبات على الهداية إلى أن يلقى ربه، ويختم له بالحسنى.
والعبد المؤمن في هذه الدنيا على خطر عظيم، فالقلب كثير التقلب، وشياطين الأنس والجن متربصة به تنتظر زلته عن الصراط ليستثمروها، وفي المقابل نفس امّارة بالسوء، والصراط المستقيم على صعوبته، بجواره طرق مزينة مفروشة بالشهوات المحرمة المحببة للنفوس، فالخطر عظيم، وفتن الشبهات والشهوات تعرض على القلوب في كل وقت، فهنا يظهر أهمية وعظمة هذا الدعاء وجاجة الماسة إلى الدعاء به في كل ركعة، والله الموفق والمعين.
قال تعالى عن خطر الشياطين وتعاونهم على إضلال بني آدم: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ الأنعام: ١١٢ – ١١٣.
وذكر الله في كتابه دعاء المؤمنين الراسخين في العلم فقال : ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ آل عمران: ٨.
وهذا يدل على أن القلب كثير الزيغ إذا لم يثبته الله، وجاء إكثار النبي ﷺ من الدعاء بتثبيت القلوب على الدين؛ ليدل على كثرة تقلبها بسبب كثرة أمراضها، وهذا يجعل المؤمن مهتمًّا بالإكثار من هذا الدعاء متفهماً لحاجته له؛ لخوفه على قلبه من التقلب، فعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقُلْتُ:
стр. 68
يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟! قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» (١).
وقَالَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ: لَا أَقُولُ فِي رَجُلٍ خَيْرًا وَلَا شَرًّا حَتَّى أَنْظُرَ مَا يُخْتَمُ لَهُ، يَعْنِي بَعَدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قِيلَ: وَمَا سَمِعْتَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لَقَلْبُ ابْنِ آدَمَ أَشَدُّ انْقِلَابًا مِنَ الْقِدْرِ إِذَا اجْتَمَعَتْ غَلْيًا " (٢).
وكل ما سبق يدل دلالة قوية على عظيم أهمية هذا الدعاء ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ الذي نكرره في كل ركعة، ولكن حجب الذنوب الكثيفة على القلوب أفقدت القلب الشعور بحاجته الشديدة والماسة جداً لتكرار هذا الدعاء في كل ركعة، وإلى الله المشتكى.
ت - وكذلك يحضر قلبه عند التأمين، فهو كلمة بمعنى: "اللهم استجب" أي: استجب هذا الدعاء، وليتذكر وهو يقول: "آمين" حديث النبي ﷺ : «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٣).
ث - قال ابن كثير ﵀ في تفسيره عن هذا الدعاء العظيم: " ولولا احتياجه ليلاً ونهاراً إلى سؤال الهداية لما أرشده الله إلى ذلك؛ فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصره، وازدياده منها، واستمراره عليها، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق" (٤).
стр. 69
ج - وقال السعدي ﵀: "فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد ولهذا وجب على الإنسان أن يدعو الله به في كل ركعة من صلاته، لضرورته إلى ذلك" (١).
ح - ولهذا لا يحسن بالمسلم أن يغفل عن ذلك، بسبب تكرار هذا الدعاء، بل ينبغى أن يكون حاضر القلب، يجاهد نفسه على ذلك؛ ليتحقق أثر هذا الدعاء العظيم عليه ثباتًا على الحق إلى أن يلق الله، وصبرًا على ما يلقاه في طريقه إلى الله (٢).
стр. 70
المطلب الرابع: تدبر القلب للآيات والسور التي تقرأ في الصلاة عقب الفاتحة .
إن سماع السور والآيات وتلاوتها في الصلوات السرية، وتكرار ذلك يجعل العبد المؤمن يدرك عظمة القرآن وأثره على القلب والجوارح، وأنت أيها المؤمن في كل يوم تسمع القرآن في ثلاث صلوات جهرية، ويزيد الاستماع في صلاة الجمعة في كل أسبوع، وفي صلاة التراويح في رمضان، وتقرأه في الصلوات السرية، ولا شك أن لذلك تأثيره العظيم على قلب العبد المؤمن وجوارحه، وذلك كلما صفا القلب وتطهر من أوساخ الذنوب، قال تعالى في معرض بيان سبب عدم تدبر القرآن من بعض القلوب: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
وفي تفسير الطبري: "يقول تعالى ذكره: أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون مواعظ الله التي يعظهم بها في آي القرآن الذي أنزله على نبيه ﵊، ويتفكرون في حججه التي بينها لهم في تنزيله فيعلموا بها خطأ ما هم عليه مقيمون ﴿أم على قلوب أقفالها﴾ [محمد: ٢٤] يقول: أم أقفل الله على قلوبهم فلا يعقلون ما أنزل الله في كتابه من المواعظ والعبر" (١).
وقال تعالى في وصف القرآن الكريم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤].
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
ولذا جاءت أكثر من آية تحث على تدبر القرآن الكريم؛ ليجد المؤمن أثره عليه، فقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
стр. 71
وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
وتدبر القرآن الكريم الذي هو الحكمة من نزوله يعنى: التفكر في آياته، وفهمها والتأمل في معانيها (١) بتكرار ذلك، وإقامة حروفه وحدوده بالعمل به (٢)، واستحضار عظمة قائله، وتدبره هو الذي يثمر في القلب ثمرته، فينزل في القلب أثره، فينفع صاحبه، كما يقول ابن مسعود ﵁ (٣).
إنه الكتاب العظيم الكريم الذي قال الله عنه: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠].
﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٣، ٤٤].
وقال تعالى في بيان آثاره العظيمة: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١، ٢].
وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨].
وفي نهاية هذا المطلب أذكر نفسي وأخواني الأئمة الفضلاء وهم يصلون بالناس ويسمعونهم القرآن في كل يوم في الصلوات الجهرية، أن يحرصوا -في أنفسهم- على تدبر الآيات التي يتلونها على المأمومين، وأن يذكروا أنفسهم ومن خلفهم بالله من خلال آيات القرآن كما قال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ ق: ٤٥، وقال تعالى عنه: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الأعراف: ٢
وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذاريات: ٥٥، وعلى رأس الذكرى
القرآن العظيم، وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ الأعلى: ٩ - ١٠
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ يس: ١١
стр. 74
المطلب الخامس: أثر عمل القلب على عبادة الركوع، وفيه مسائل .
المسألة الأولى: الركوع من أعظم أركان الصلاة:
وهو من أعظم المواقف في الصلاة بدليل أن الله يذكره ويريد به الصلاة كاملة لأهميته واعتباره من أعظم أركان الصلاة، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨].
وعبر عن الصلاة بجزء منها، وهو الركوع، باعتبار أن الركوع من أهم أركانها، فهو من باب التعبير بالجزء عن الكل (١).
قال ابن رجب ﵀: "الركوع، وهو ذل بظاهر الجسد، ولهذا كانت العرب تأنف منه ولا تفعله، حتى بايع بعضهم النبي ﷺ على أن لا يخر إلا قائماً يعني: أن يسجد من غير ركوع.
كذا فسره الإمام أحمد رحمه الله تعالى والمحققون من العلماء.
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾.
وتمام الخضوع في الركوع: أن يخضع القلب لله ويذل له، فيتم بذلك خضوع العبد بباطنه وظاهره لله " (٢).
стр. 75
المسألة الثانية: تعظيم الرب في الركوع:
قال ﷺ : " .. فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ .. " (١)، ومعنى ذلك:
وذلك بأن يقول في ركوعه سبحان العظيم، كما ذكر حذيفة عن ﷺ ، فقال ﵁: ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ» (٢).
ويكرر في كل ركعة في صلاته (سبحان ربي العظيم) على الأقل ثلاث مرات، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول إذَا رَكَعَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (٣).
وقال الترمذي ﵀: "والعمل على هذا عند أهل العلم: يستحبون أن لا ينقص الرجل في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات، وروي عن ابن المبارك أنه قال: «أستحب للإمام أن يسبح خمس تسبيحات لكي يدرك من خلفه ثلاث تسبيحات»، وهكذا قال إسحاق بن إبراهيم" (٤).
المسألة الثالثة: من أذكار الركوع:
ذكر الشيخ الألباني ﵀ في صفة صلاة النبي ﷺ أذكار الركوع ومنها:
" سبحان ربي العظيم (ثلاث مرات)
وكان - أحياناً - يكررها أكثر من ذلك" (٥).
" (مسلم وأبو عوانة) " سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ".
(البخاري ومسلم) "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي"، وكان يكثر منه في ركوعه وسجوده يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ).